← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب غرامة مثلي ما أخذ، فدل على جواز مثل ذلك. ٢ - ما أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن حاطب (١): "أن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت (٢) أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: "أراك تجيعهم"، ثم قال عمر: "واللَّه لأغرمنك غرمًا يشق عليك"، ثم قال للمزني (٣): "كم ثمن ناقتك" فقال المزني: قد كنت واللَّه أمنعها من أربع

стр. 6722

مائة درهم، فقال عمر: "أعطه ثمان مائة درهم" (١). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أوجب على حاطب مثلي قيمة الناقة المسروقة، عقوبة له، حيث كان قيمتها أربعمائة درهم، فغرمه عمر ﵁ ثمانمائة درهم، فدل على جواز مثل ذلك. • المخالفون للإجماع: القول بتغريم السارق زيادة على قيمة المال المسروق هو قول الإمام أحمد (٢)، وأما جمهور أهل العلم فعلى خلاف مسألة الباب، وأنه لا يغرم إلا ما سرق (٣)، حتى قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث كلمة منسوخة وهي قوله: (وغرامة مثليه) لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بها، إلا ما جاء عن عمر ﵁ في رقيق حاطب بن أبي بلتعة، حين انتحروا ناقة رجل من مزينة، ورواية عن أحمد بن حنبل، ومحمل هذا عندنا على العقوبة والتشديد، والذي عليه الناس العقوبة في الغرم بالمثل" (٤). • دليل المخالف: استدل ابن عبد البر على عدم الزيادة على قيمة المسروق بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٦).

стр. 6723

• وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه تعالى شرع لمن أراد الانتقام لحقه المساواة دون تعدٍ وزيادة (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لما سبق من ذكر خلاف الجمهور. [٩/ ١] المسألة التاسعة: إذا سرق العبد الآبق فيجب عليه القطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العبد لغة واصطلاحًا: العبد لغة: قال ابن فارس: "العين والباء والدال أصلانِ صحيحان، كأنَّهما متضادَّان، والأول من ذينك الأصلينِ يدلُّ على لِين وذُلّ، والآخر على شِدّة وغِلَظ. وقال ابن منظور: "العبد الإِنسان حرًّا كان أَو رقيقًا، يُذْهَبُ بذلك إِلى أَنه مربوب لباريه جل وعز. . . والعَبْدُ المملوك خلاف الحرّ" (٢). • العبد اصطلاحًا: العبد: هو الرقيق المملوك لغيره. والرِّق: هو عجز حكمي شُرع في الأصل جزاء عن الكفر (٣). وبيان ذلك: أما أنه عجز: فلأنه لا يملك ما يملكه الحر من الشهادة، والقضاء، وغيرهما. وأما أنه حكمي: فلأن العبد قد يكون أقوى في الأعمال الحسيَّة من الحر. أما كونه جزاء عن الكفر: فلأن أساس موجبه أن يُسبى الشخص -ذكرًا أو أنثى- وهو كافر (٤). ويسمى بالرقيق، والقِن، والمملوك.

стр. 6724

• ثانيًا: تعريف الآبق: الآبق: قال الخليل: "الإِباق: ذهابُ العَبْد من غَيْر خَوْفٍ ولا كَدّ عَمَلٍ، والحكْمُ فيه أن يُرد، فإذا كان من كدِّ عَمَلٍ، أو خوفٍ، لم يُرَد" (١). فيتحصل مما سبق أن العبد الآبق هو المملوك الذي هرب من سيده. • ثالثًا: صورة المسألة: إذا أبق عبد من سيده، وفي إباقه سرق من سيده أو من غيره ما يجب فيه الحد، فإنه يقطع. ويتحصل مما سبق أن العبد إن لم يكن آبقًا، أو كان آبقًا لكن سرقته كانت قبل إباقه، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قال مالك: وذلك الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن العبد الآبق إذا سرق ما يجب فيه القطع قُطع. قال أبو عمر: على هذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، والليث (٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وجمهور أهل العلم اليوم بالأمصار، وإنما وقع الاختلاف فيه قديمًا، ثم انعقد الإجماع بعد ذلك" (٣). وقال ابن رشد (٥٩٥ هـ): "وأما السارق الذي يجب عليه حد السرقة فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفًا، وسواء كان حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، أو مسلمًا أو ذميًا، إلا ما روي في الصدر الأول من

стр. 6725

الخلاف في قطع يد العبد الآبق إذا سرق وروي ذلك عن ابن عباس وعثمان ومروان وعمر بن عبد العزيز ولم يختلف فيه بعد العصر المتقدم" (١). • مستند الإجماع: يدل على قطع السارق من سيده إذا سرق وقت إباقه ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بإقامة حد السرقة على السارق، وليس ثمة ما يدل على أخراج العبد الآبق، فبقي النص على عمومه (٣). ٢ - أنه مروي عن ابن عمر ﵁ حيث قال في العبد الآبق يسرق: "يُقطع" (٤). • المخالفون للإجماع: روي عن جماعة من السلف كعثمان بن عفان، وعائشة، وابن عباس، وسعيد بن العاص ﵃، ومروان بن الحكم، وداود الظاهري، أن العبد الآبق إن سرق من سيده فإنه لا قطع (٥). • دليل المخالف: من أدلة القائلين بعدم قطع السارق الآبق إذا سرق من سيده: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليس على العبد الآبق إذا سرق قطْع، ولا على الذمي) (٦).

стр. 6726

٢ - من النظر: أن العبد غير الآبق كما أنه لا يقطع بموجب ما سرقه من مال سيده، فكذا العبد السابق (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة كانت محل خلاف بين أهل العلم، ثم بعد ذلك انعقد الإجماع (٢). [١٠/ ١] المسألة العاشرة: السارق إذا مات مِنْ قَطْع يدِهِ فلا شيء على الذي قطعها . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع بإقرار أو بينة، وأمر الحاكمُ بقطع يد السارق، فقطع المأمور يد السارق كما أمره الشرع بلا زيادة، ولا نقص، ولا تفريط، ومات السارق بسبب القطع، فإنه لا ضمان على القاطع ولا على الحاكم الذي أمر بالقطع. ويتبين مما سبق أنه لو قطعت يد السارق، على غير أمر الشارع، كأن بدأ بيده اليسرى، أو كان على أمر الشارع لكنه زاد في الحد، فكل هذا ليس من مسألة الباب.

стр. 6727

• من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا على أن السارق لو مات من قطع يده أنه لا شيء فيه" (١). وقال الطحاوي (٣٢١ هـ): "اتفاقهم في المقطوع في السرقة مات أنه لا شيء فيه؛ لأنه قطع بحق" (٢). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الإمام إذا قطع السارق فسرى ذلك إلى نفسه أنه لا ضمان عليه" (٣). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو قطع الإمام يد السارق فمات منه لا ضمان على الإمام ولا على بيت المال، وكذلك الفصَّاد، والبزَّاغ (٤)، والحجَّام، إذا سرت جراحاتهم لا ضمان عليهم بالإجماع" (٥). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "إجماعهم على أن السارق إذا مات من قطع يده أنه لا شيء على الذي قطع يده" (٦). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في سائر الحدود، أنه إذا أتي بها على الوجه المشروع، من غير زيادة، أنه لا يضمن مَن تَلِف بها" (٧) ونقله عنه ابن قاسم (٨). وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "أجمعوا أن السارق لو مات من قطع يده أنه لا شيء فيه" (٩). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلا دية فيه ولا كفارة لا على الإمام ولا على جلاده ولا في بيت المال" (١٠) ونقله عنه الصنعاني (١١). وقال شمس

стр. 6728

الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في سائر الحدود أنه إذا أتي بها على الوجه المشروع من غير زيادة أنه لا يضمن من تلف بها" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه لو مات وديته؛ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لم يسنَّه" (٢). وفي رواية للبيهقي (٣) بلفظ: "ما أحد يموت في حد فأجد في نفسي منه شيئًا؛ الحق قتله" (٤). ٢ - من النظر: أن قطع يد السارق مأمور به شرعًا، والحاكم فعل ما أذن له الشرع، وقد تقرر عند الفقهاء قاعدة أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون (٥). • المخالفون للإجماع: ثمة رواية عن أبي حنيفة حاصلها وجوب الضمان

стр. 6729

على الإمام إن مات السارق بسبب قطع يده (١)، وهو قول ابن أبي ليلى (٢). ولذا لما نقل الشوكاني كلام النووي في الإجماع تعقبه بقوله: "فيه نظر؛ فإنه قد قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: إنها تجب الدية على العاقلة" (٣). • دليل المخالف: علل الكاساني لقول أبي حنفية بأن الإمام استوفى غير حقه؛ لأن حقه في القطع، وهو أتى بالقتل، فيضمن، وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف أبي ليلى، ورواية عن أبي حنيفة. [١١/ ١] المسألة الحادية عشرة: عدم قتل السارق إذا تكررت سرقته . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد فقُطعت يده، ثم سرق أخرى فقُطع، ثم ثالثة، ورابعة، فقُطعت جميع أطرافه الأربع، فهل يُقتل فيما لو سرق في المرة الخامسة، أم لا. • من نقل الإجماع: قال الخطابي (٣٨٨ هـ): "لا أعلم أحدًا من الفقهاء يبيح دم السارق وإن تكررت منه السرقة" (٥)، ونقله عنه أبو الطيب (٦) (٧)،

стр. 6730

والقاري (١) (٢). وقال الماوردي (٤٥٠ هـ): "الصحابة بعده -أي بعد النبي ﷺ أجمعوا على ترك القتل -أي في الخامسة-" (٣)، ونقل ابن العربي (٥٤٣ هـ) الاتفاق عن بعضهم (٤). وحكى المنذري (٦٥٦ هـ) (٥) الإجماع، نقله عنه ابن حجر (٦) ونقل الزيلعي (٧٤٣ هـ) الإجماع فقال: "قال في المبسوط: "يقتل في الخامسة عند أصحاب الظواهر" قلت: "لا يلتفت إليه لكونه خرقًا للإجماع"" (٧). وأشار إليه ابن رجب (٧٩٥ هـ) (٨) فقال: "واعلم أن من هذه الأحاديث

стр. 6731

المذكورة ما لا يصحُّ ولا يُعرف به قائلٌ معتبر، كحديث: "مَنْ ضرب أباه فاقتلوه"، وحديث: "قتل السارق في المرة الخامسة"" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب جميع الأحاديث الدالة على حرمة دم المسلم، ومنها: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (٢). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال: (الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (٣). ٣ - عن أنس ﵁ (٤) قال: سُئل النبي ﷺ عن الكبائر، قال: (الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) (٥). ٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة) (٦).

стр. 6732

• وجه الدلالة: في النصوص السابقة دلالة على تحريم قتل النفس المعصومة بغير حق، ولم يأت نص شرعي صحيح صريح في إباحة دم السارق، فبقي على الأصل. ٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال في السارق: (إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بيَّن حكم السارق فيما لو سرق أربع مرات، ولو وجب القتل في الخامسة لبيَّنه ﵊ (٢). ٦ - أن كل معصية لا توجب القتل في الابتداء فإنه لا يوجب تكرارها القتْل حدًا، كالزنا والقذف (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى خلاف مسألة الباب، فذهب أبو مصعب المالكي (٤) إلى أن المسارق يقتل في الخامسة، ونقله أبو مصحب عن عثمان بن عفان ﵁، وعمر بن

стр. 6733

عبد العزيز (١)، ومالك، وجماعة من أهل المدينة (٢). وهو محكي أيضًا عن عمرو بن العاص ﵁ (٣)، وعطاء (٤). • دليل المخالف: استدل القائلون بقتل السارق في الخامسة بما يلي: ١ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: (اقتلوه)، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق، فقال: (اقطعوه)، قال: فقطع ثم جيء به الثانية فقال: (اقتلوه)، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق، فقال: (اقطعوه)، قال: فقطع ثم جيء به الثالثة فقال: (اقتلوه)، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق، فقال: (اقطعوه)، ثم أتي به الرابعة فقال: (اقتلوه)، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق، فقال: (اقطعوه)، فأتى به الخامسة فقال: (اقتلوه) (٥).

стр. 6734

٢ - عن عبد اللَّه بن زيد الجهني ﵁ (١) أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من سرق متاعًا فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا رجله، فإن سرق فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا رجله، فإن سرق فاضربوا عنقه) (٢). • وجه الدلالة: الحديثان صريحان بقتل السارق في المرة الخامسة. وثمة تنبيهات ثلاثة أبينها قبل ذكر نتيجة البحث في المسألة: الأول: نقل بعض أهل العلم عن الشافعي أنه لا يعلم خلافًا في أن حديث قتل السارق في الخامسة منسوخ (٣)، والتحقيق أن الشافعي وإن كان يقول بأن حديث قتل السارق منسوخ، لكن ذكره لعدم الخلاف في المسألة لم يكن في حق السارق، وإنما هو في شارب الخمر، ونص الشافعي في الأم قال: "أخبرنا ابن عيينة عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب يرفعه إلى النبي ﷺ قال: " (إن شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه)، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به الثانية فجلده، ثم أتي به الثالثة فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده، ووضع القتل، فكانت رخصة". . . قال الشافعي: والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره وهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من أهل العلم علمته" (٤). فلعل من نقل كلام الشافعي في حق السارق، حمل الحرف على العموم، وهذا

стр. 6735

وإن كان له حظه من النظر، لكني لم أذكره لعدم الصراحة فيه، واللَّه تعالى أعلم. الثاني: ذكر ابن مفلح (١) في كتابه "الفروع" (٢) أن القول بقتل السارق في الخامسة هو قياس قول شيخ الإسلام ابن تيمية في قتل شارب الخمر في الخامسة، إذا لم ينته إلا بالقتل، لكن التحقيق في المسألة أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يوافق أبا مصعب، ويخالف ما عليه عامة أهل العلم، فإن رأي شيخ الإسلام بقتل السارق ليس من باب كونه حدًا على السارق أن يقتل في الخامسة، وإنما هو من باب السياسة الشرعية على وجه التعزير الذي مردُّه إلى الإمام حيث يرى المصلحة في ذلك، وهذا كما تعلم باب واسع، وذهب إليه طائفة من أهل العلم (٣)، وهو خارج عن مسألة الباب. الثالث: ذكَر ابن حزم في "المحلى" أن القول بقتل السارق لكونه مرتدًا لا يقول به أحد من أهل العلم، ومعلوم أن ما قاله ابن حزم حق، فإن الإجماع قائم عند أهل السنة أن السارق لا يقتل لكونه مرتدًا، لكنا لم نذكره لأنه ليس من مسألة الباب، فإن مسألة الباب هي في قتل السارق في الخامسة من باب الحد، وليس من باب كونه مرتدًا، واللَّه تعالى أعلم (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل

стр. 6736

العلم، وأن أكثر أهل العلم على أن السارق لا يقتل من باب الحد، لكن ليس ذلك محل إجماع متحقق، ولذا لمَّا ذكر ابن عبد البر المسألة وخلاف أبي مصعب فيها, لم يجعل المسألة إجماعًا، وإنما نسبها للجمهور، فقال بعد قوله بعدم القتل: "وعلى هذا جمهور أهل العلم" (١). واعتذر ابن حجر عمن نقل الإجماع بأن مرداهم أنه قد استقر الإجماع بعد ذلك على عدم القتل، وهذا التوجيه حسن؛ إذ هو أولى من تجهيل الأئمة، واللَّه تعالى أعلم. [١٢/ ١] المسألة الثانية عشرة: السارق إذا دخل البيت ولم يخرج بالمتاع لا يُقطع . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا دخل دار شخص آخر، وجمع متاعًا، ثم قُبض عليه قبل أن يُخرِج المتاع من الدار، فهنا لا حد عليه، لكن للإمام أن يعزره. ويتبين من ذلك أنه لو أخرج المتاع من الحرز، فهذه مسألة أخرى غير مسألة الباب، وإنما المراد هنا جمع المال في الحرز قبل إخراجه. • من نقل الإجماع: هذه المسألة مبنية على مسألة اشتراط الحرز في السرقة، فمن اشترط إخراج المسروق من الحرز لإقامة حد السرقة، لم يقل بالقطع في مسألة الباب، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنه يشترط لإقامة حد القطع أن يكون المسروق محروزًا. قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا على أن الحرز معتبر في وجوب القطع" (٢). فهذا نص في اشتراط الحرز على العموم، ونص جماعة على الإجماع في عين مسألة الباب:

стр. 6737

قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن القطع يجب على من سرق ما يجب فيه القطع من الحرز، وانفرد الحسن البصري فقال فيمن جمع المتاع في البيت عليه القطع، ورواية أخرى مثل قول الجميع" (١). وقال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "اتفق فقهاء الأمصار على أن القطع غير واجب إلا أن يفرق بين المتاع وبين حرزه، والدار كلها حرز واحد، فكما لم يخرجه من الدار لم يجب القطع" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قال مالك: "الأمر المجتمع عليه عندنا في السارق يوجد في البيت قد جمع المتاع لم يخرج به، أنه ليس عليه قطع". . . هذا مذهب جمهور العلماء من السلف والخلف، وبه قال أئمة الفتوى بالأمصار وأصحابهم إلى اليوم وذلك دليل على مراعاتهم الحرز أنه لا قطع إلا على من سرق من حرز، والخلاف في هذا شذوذ لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "هذا قول أكثر أهل العلم، وهذا مذهب عطاء، والشعبي (٤)، وأبي الأسود الدؤلي (٥)، وعمر بن عبد العزيز،

стр. 6738

والزهري (١)، وعمرو بن دينار (٢)، والثوري (٣)، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولًا حكي عن عائشة، والحسن، والنخعي (٤)، فيمن جمع المتاع ولم يخرج به من الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز" ثم رد عليهم ابن قدامة بأن قولهم مخالف للإجماع (٥).

стр. 6739

وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "الشرط الرابع: أن يخرجه من الحرز، كل أهل العلم على اشتراطه، ولا نعلم عن أحد خلافهم" (١). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا جمع الثياب في البيت قطع، وقال الحسن بن أبي الحسن أيضًا في قول آخر: مثل قول سائر أهل العلم، فصار اتفاقًا صحيحًا" (٢). وحكاه النووي (٦٧٦ هـ) إجماعًا (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) في سياق شروط قطع السارق: "الرابع: أن يخرجه من الحرز، يشترط أن يسرق من حرز ويخرجه منه وهذا قول أكثر أهل العلم منهم عطاء، والشعبي، وأبو الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعمرو بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولًا حكي عن عائشة، والحسن، والنخعي، فيمن جمع المتاع فلم يخرج به من الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها، وهذه أقوال شاذة غير ثابتة عمن نقلت عنه، قال ابن المنذر: ليس في خبر ثابت ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرناه، فهو كالإجماع" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "الإخراج من الحرز شرط عند عامة أهل العلم، وعن عائشة، والحسن، والنخعي، أن من جمع المال في الحرز قطع، وإن لم يخرج به، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وعن داود لا يعتبر الحرز أصلًا، وهذه الأقوال غير ثابتة عمن نقلت عنه، ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرنا، فهو كالإجماع" (٥) ونقله عنه ابن نجيم (٦).

стр. 6740

وقال الجزيري (١٣٦٠ هـ): "اتفق الأئمة على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع من المال، فإذا جمع الثياب في البيت ثم ضبط قبل أن يحملها فلا قطع عليه" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٢). وفي رواية أخرى للنسائي: أن رسول اللَّه ﷺ سُئل في كم تقطع اليد؟ قال: (لا تقطع اليد في ثمر معلق، فهذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل (٣)، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن) (٤). • وجه الدلالة: أن الشارع جعل من شرط القطع أن يكون المال مُحرزًا، وذلك يدل على أن من شرط القطع هتك الحرز وإخراج المتاع منه (٥). ٢ - من النظر: أن من لم يُخرِج من الحرز لا يعد سارقًا حقيقة، وإنما هو كمن وضع بين يديه خمرًا ليشربها, ولم يفعل، أو كرجل جلس بين يدي امرأة

стр. 6741

يريد أن يصيبها، ثم لم يفعل، فليس على أحد من هؤلاء حد، والمقصود بالسرقة هو إخراج المال، لا هتك الحرز، فإذا لم يتحقق المقصود فلا يُعد الشخص سارقًا حقيقة (١). • المخالفون للإجماع: المتأمل في كلام ابن عبد البر، وابن قدامة وغيرهم يلحظ أن ثمة مخالفًا في المسألة. والمخالف في مسألة اشتراط الحزر لوجوب القطع هم الظاهرية (٢)، حيث ذهبوا إلى وجوب القطع في مسألة الباب بناءً على أن الحرز غير شرط في القطع، فلو أخذ المتاع ثم قبض قبل أن يُخرجه من الدار وجب عليه الحد، ونقله ابن حزم عن عائشة ﵂، والنخعي، وسعيد بن المسيب (٣)، وعبيدالله بن عبد اللَّه بن عتبة (٤)، والحسن البصري (٥). • دليل المخالف: علل ابن حزم لمسألة الباب بأنه ليس من شرط القطع في السرقة أن يأخذه من حرز. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع متحقق بين

стр. 6742

أهل العلم، وإنما هي قول عامة أهل العلم. ونظرُ أهل العلم في المخالفين للمسالة أنهم على ثلاثة أوجه: الأول: جماعة من أهل العلم كابن المنذر وابن عبد البر وابن قدامة وغيرهم جعلوا قول المخالف في المسألة من قبيل الشاذ الذي لا عبرة به. الثاني: من أهل العلم من جعل ما نُقل عن بعض السلف في الخلاف غير ثابت عنهم أصلًا، فليس ثمة خلاف إلا من الظاهرية، ونَسَبَ قول الظاهرية للشذوذ المخالف للإجماع. الثالث: جماعة من أهل العلم اعتبروا المخالف في المسألة وجعلوا اشتراط الحرز هو قول الجمهور، وليس محل إجماع، كما فعله ابن حجر حيث قال: "والسرقة: الأخذ خفية، وعرفت في الشرع: بأخذ شيء خفية، ليس للآخذ أخذه، ومن اشترط الحرز -وهم الجمهور- زاد فيه من حرز مثله" (١). وكذا فعله ابن عبد البر في بعض المواضع حيث قال: "وجمهور أهل العلم على أن السارق لا قطع عليه إلا أن يسرق شيئًا محروزًا يخرجه من حرزه، وعلى ذلك جماعة الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار" (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [١٣/ ١] المسألة الثالثة عشرة: من سرق شيئًا فإنه لا يُلزَم برد مثليه . • المراد بالمسألة: من سرق شيئًا معينًا، فإن الواجب عليه رد ما سرقه أو مثله، ولا يلزمه رد مثليه مرتين. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع فقهاء الأمصار على أن لا تضعيف في شيء من الغرامات" (٣).

стр. 6743

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن الأصل براءة ذمة الإنسان، وتكليفه رد ما أخذه، أما تضعيف الغرامة عليه فأمر زائد يحتاج إلى دليل شرعي، وليس ثمة دليل يوجب ذلك. • المخالفون للإجماع: خالف الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه فذهبوا إلى أن من سرق الثمر المعلق وخرج به من مكانه، فإن عليه غرامة مثليه، وبه قال الشافعي في القديم، ثم رجع عنه إلى قول الجمهور (١). • دليل المخالف: استدل القائلون بأن من سرق من الثمر المعلق فعليه غرامة مثلي ما سرق بما يلي: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذٍ خِبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح في وجوب رد مثلي ما سرق، قال الإمام أحمد عن الحديث: "لا أعلم سببًا يدفعه" (٣). ٢ - ما أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن حاطب أن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: "أراك تجيعهم"، ثم قال عمر: "واللَّه لأغرمنك غرمًا يشق عليك" ثم قال للمزني: "كم ثمن

стр. 6744

ناقتك" فقال المزني: قد كنت واللَّه أمنعها من أربع مائة درهم، فقال عمر: "أعطه ثمان مائة درهم"، وترك عمر قطع العبيد (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لما سبق من خلاف الإمام أحمد وإسحاق [١٤/ ١] المسألة الرابعة عشرة: إنْ فَعل السارق سرقته مستخفيًا عن كل من حضر فهو سارق وعليه القطع . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا وجد العين فأخذها مستخفيًا عن الناس لا يراه أحد، وتوافرت فيه شروط القطع الباقية، فهنا يجب عليه القطع. ويخرج من هذه الصورة ما لو أخذ العين بطريق الغصب، أو الاختطاف والهروب، أو بطريق استغفال الغير، أو الخدعة، أو أخذها بطريق الأمانة أو العارية ثم جحدها، أو نحو ذلك، فهذه ليست من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "القول في المختلس لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون اختلس جهارًا غير مستخف من الناس، فهذا لا خلاف فيه أنه ليس سارقًا، ولا قطع عليه، أو يكون فعل ذلك مستخفيًا عن كل من حضر، فهذا لا خلاف بيننا وبين الحاضرين من خصومنا في أنه سارق، وأن عليه القطع" (٢). • مستند الإجماع: يدل على المسألة قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب القطع على السارق، والسرقة في لغة العرب هو ما تحقق فيه الاختفاء، كما قال ابن منظور: "السارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس،

стр. 6745

ومستلب، ومنتهب، ومحترس، فإن منع مما في يديه فهو غاصب" (١). بل حكاه ابن حزم إجماعًا فقال: "أما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفي بأخذ ما ليس له" (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، وسيأتي مزيد توضيح للمسألة في الكلام على المنتهب، والمختلس، إن شاء اللَّه تعالى. [١٥/ ١] المسألة الخامسة عشرة: حد السرقة لا يقبل الفداء . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الفداء: قال الجرجاني: "الفداء: البدل الذي يتخلص به المكلف عن مكروه توجه إليه" (٣). ثانيًا: صورة المسألة: إذا ثبتت السرقة عند الإمام على شخص بما يوجب القطع، فأراد أن يفتدي بمبلغ من المال أو غيره، لأجل ترك قطع يده، أو يقيم غيره مكانه لتقطع يده دونه، فهنا لا يقبل منه الفداء. ويتبين مما سبق أن الفداء إن كان قبل بلوغ الأمر للحاكم فمسألة أخرى ليست مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق والشارب، والمحارب، وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل

стр. 6746

الحد، مال سحت خبيث" (١)، وهذا الكلام من ابن تيمية وإن لم يكن فيه التصريح بالفداء، إلا أنه عام لكل مال مأخوذ لإسقاط الحد سواء كان عن طريق الفداء، أو غيره. وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الحد لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر" (٢). ولهذا السبب منع أهل العلم الكفالة في الحدود، كما نقله ابن المنذر إجماعًا حيث قال: "أجمعوا على أنه لا يجوز الكفالة في الحدود" (٣)؛ وذلك لأن الحدود لا تستوفى من الكفيل عند تعذر إقامتها على المكفول، وإن كان ما نقله ابن المنذر ليس محل إجماع متحقق، فقد أجاز الكفالة في الحدود طائفة، كأبي يوسف (٤) ومحمد (٥) صاحبي أبي حنيفة (٦)، لكن محل الجواز هو في كونه

стр. 6747

ضامن له بإحضار المكفول، لا أنه يتحمل عنه عقوبته، قال القرطبي: "إذ الحمالة في الحدود ونحوها -بمعنى إحضار المضمون فقط- جائزة مع التراضي، غير لازمة إذا أبي الطالب، وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، فلا يجوز إجماعًا" (١)، وذكر ابن حجر في الفتح نحوًا من كلام القرطبي (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن قطع السارق حد، والحدود إذا ثبتت عند الحاكم بما يوجب القطع وجب إقامتها وحرم إسقاطها بشفاعة أو فداء أو غيره، كما سيأتي بيان أدلته قريبًا (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٦/ ١] المسألة السادسة عشرة: من سرق فأقيم عليه الحد، ثم تاب وأصلح، فإنه تقبل شهادته . • صورة المسألة: إذا سرق شخص ما يوجب الحد، وأقيم عليه الحد، ثم تاب من السرقة وأصلح العمل، فإنه يكون عدلًا مقبول الشهادة. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ). "أجمعوا على أنه من أتى حدًا من الحدود فأقيم عليه ثم تاب وأصلح أن شهادته مقبولة إلا القاذف" (٥) وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "نقل الطحاوي الإجماع على قبول شهادة

стр. 6748

السارق إذا تاب" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن عبادة بن الصامت ﵁ (٢) قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تزنوا, ولا تسرقوا, ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره اللَّه عليه فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) (٣). • وجه الدلالة: في الحديث أن الحدود كفارة لأهلها، فمن أقيم عليه الحد فقد كُفِّر عنه حدُّه. ٢ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٤).

стр. 6749

• وجه الدلالة: في الحديث أن التائب من الذنب كمن لم يُذنب، فمن أقيم عليه الحد وتاب من سرقته فإنه يرجع عدلًا تقبل شهادته كمن لم يذنب. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٧/ ١] المسألة السابعة عشرة: السارق إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب إقامة الحد عليه، ورفع أمره إلى الحاكم أو نائبه، وكان ثبوت السرقة بالبينة، وجب إقامة الحد عليه، ولا تجوز الشفاعة في العفو عنه، حتى لو عفى عنه صاحب المال المسروق، ما لم يكن الحاكم الذي رفعت إليه القضية هو صاحب المال المسروق. ويتبين من هذه الصورة أن ثمة أربع صور غير داخلة في مسألة الباب: أحدها: لو كانت السرقة غير موجبة للحد، وإنما الواجب فيها التعزير، فهذه عامة أهل العلم على جواز الشفاعة حينئذ. الثانية: لو كانت السرقة موجبة للحد لكن، لم يرفع الأمر للحاكم أو نائبه، فهذه غير مسألة الباب، وأكثر أهل العلم على جواز الشفاعة حينئذ. الثالثة: لو رفع الأمر إلى الحاكم وكان بإقرار الجاني، لا بالبينة، كما في قصة ماعز والغامدية، فهذه مسألة محل نزاع، وهي غير مرادة في مسألة الباب (١). الرابعة: لو كان صاحب المال المسروق هو الحاكم الذي رفعت له القضية. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "عن عمر بن الخطاب قال: "لا عفو عن الحدود، ولا عن شيء منها بعد أن تبلغ الإمام، فإن إقامتها من السنة"، فهذا قول صاحب لا يعرف له مخالف" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ):

стр. 6750

"السلطان لا يحل له أن يعطل حدًا من الحدود التي للَّه ، إقامتها عليه إذا بلغته، كما ليس له أن يتجسس عليها إذا استترت عنه، وبأن الشفاعة في ذوي الحدود حسنة جائزة وإن كانت الحدود فيها واجبة إذا لم تبلغ السلطان، وهذا كله لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء" (١) ونقله عنه أبو الطيب (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه" (٣)، وذكر أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ) (٤): "تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيَحْرُم على الشافع وعلى الْمُشَفَّع، وهذا لا يختلف فيه" (٥) نقله عنه العراقي (٦). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام" (٧) وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه" (٨). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق والشارب، والمحارب، وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (٩). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ):

стр. 6751

"العفو بعد الرفع إلى الإمام لا يسقط به الحد، وهو مجمع عليه" (١) وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "أجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه" (٢). • مستند الإجماع: مما يدل على مسألة الباب: ١ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ ، فأتي بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" (٣). ٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود قبل أن تأتوني به، فما أتاني من حد فقد وجب) (٤).

стр. 6752

٣ - عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من حالت شفاعته دون حد من حدود اللَّه فقد ضاد اللَّه في أمره) (١). ٤ - من النظر: أن حد السرقة حق اللَّه تعالى، والإمام مكلف بأخذ حقه تعالى بإقامة الحدود، ولو كان الإمام مخيرًا بإقامة الحد أو تركه بعد بلوغه إليه لكان ذلك سبيل إلى إبطال الحدود جملة. • المخالفون للإجماع: أشار العراقي إلى خلاف الأوزاعي (٢) في مسألة الباب فقال: "وحكي عن الأوزاعي جواز الشفاعة، والحديث حجة عليه، كذا قال والدي ﵀ في شرح الترمذي، والذي حكاه غيره عن الأوزاعي جواز الشفاعة قبل بلوغ الإمام، كذا حكاه عنه الخطابي" (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، وما حكي عن الأوزاعي من الخلاف ليس بمتحقق؛ حيث حكي عنه موافقة

стр. 6753

الجمهور، وهو الأولى، ويعضده أن من حكى عنه موافقة الجمهور أكثر كما هو ظاهر كلام العراقي السابق. [١٨/ ١] المسألة الثامنة عشرة: يقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي، ويقطع الذمي بسرقة مالهما . • المراد بالمسألة: لو أن مسلمًا سرق مالًا محترمًا شرعًا من مسلم أو ذمي، وثبتت عليه السرقة بما يوجب القطع، فيجب إقامة الحد عليه، وكذا لو سرق الذمي من مسلمٍ، أو من ذمي مالًا محترمًا شرعًا، بما يوجب الحد، وجب القطع، إذا ترافع الذميون إلى شرعنا. ويتبين من هذا أن المسلم أو الذمي لو سرق أحدهما من كافر غير ذمي، كالحربي، فهي غير مسألة الباب، ولو كان ذلك الحربي مستأمنًا، وكذا لو سرق المسلم أو الذمي مالًا غير محترم شرعًا، كما لو سرق صليبًا، أو خمرًا، أو خنزيرًا، أو نحوه، مما هو محترم عند الذمي، لكنه غير محترم شرعًا، فهذه مسألة خلاف وليست هي مسألة الباب، وكذا لو سرق ذمي من ذمي ولم يتحاكموا إلى شرعنا، فهذه غير مسألة الباب. • من نقل الإجماع: هذه المسألة على أربع صور: الأولى: سرقة المسلم من مال المسلم. الثانية: سرقة المسلم من مال الذمي. الثالثة: سرقة الذمي من مال المسلم. الرابعة: سرقة الذمي من مال الذمي. • أما الصورة الأولى: وهي سرقة المسلم من مال المسلم، فأجمع أهل العلم على أن المسلم إذا سرق من مسلم، وثبتت السرقة بما يوجب الحد، فإن المسلم يقطع به:

стр. 6754

قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم فيه مخالفًا" (١)، وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "أما قطع المسلم بمال المسلم فبإجماع" (٢)، وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "يقطع مسلم وذمي -ولو سكران- بمال مسلم وذمي، إجماعًا في مسلم بمسلم" (٣). • مستند الإجماع لهذه الصورة: مما يدل على قطع المسلم بما سرقه من مال المسلم: ١ - عموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٤). ٢ - حديث عائشة ﵂ في شأ المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها وقال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قطع يد المخزومية، وهي مسلمة وسرقت من مسلم. ٣ - من النظر: أن مال المسلم محترم، فوجب القطع بأخذ ماله حفظًا لحرمته. • أما الصورة الثانية: وهي سرقة المسلم من مال الذمي: حكى ابن حزم (٤٥٦ هـ) عن الحنفية القول بأنه لا خلاف في قطع المسلم بسرقة مال الذمي، ولم يتعقبه (٦) ونقل فيها ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) الإجماع عن الحنفية حيث قال:

стр. 6755

"وقال أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى (١) وعثمان البتي (٢): "يُقتل المسلم بالذمي. . . واحتجوا بالإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال ذمي، فنفسه أحرى أن تؤخذ بنفسه" (٣) وقال فيه ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم فيه مخالفًا" (٤) ونقله عنه ابن قاسم (٥). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أما قطع المسلم بالسرقة من مال الذمي فلا نعلم فيه خلافًا" (٦) وكذا نقل العيني (٨٥٥ هـ) عن بعض الحنفية الإجماع فقال: "قال بعض الحنفية: وقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي" (٧). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "يقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي بغير خلاف نعلمه" (٨). • مستند الإجماع لهذه الصورة: ليس في هذه الصورة نص صريح من الكتاب أو السنة لكن يعلل له بأن الذمي ملتزم للأحكام كالمسلم، فمالُه محترم كمال المسلم. • المخالف في هذه الصورة: الخلاف في هذه الصورة محكي عن جماعة من

стр. 6756

أهل العلم، وممن حكى الخلاف الخطيب الشربيني حيث قال: "وأما قطعه -أي المسلم- بمال الذمي فعلى المشهور؛ لأنه معصوم بذمته، وقيل: لا يقطع كما لا يقتل به" (١). • دليل المخالف: استدل القائلون بعدم قطع المسلم بما سرقه من مال الذمي بالقياس على القتل، فكما أن المسلم لا يقتل بالذمي، فكذا السرقة. • أما الصورة الثالثة: وهي سرقة الذمي من مال المسلم: فقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم فيه مخالفًا" (٢) ونقله ابن قاسم (٣) قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "قطع الذمي بالسرقة من مال مسلم فلا نعلم فيه خلافًا" (٤). • مستند الإجماع لهذه الصورة: علل الفقهاء لهذا الوجه أنه لما وجب قطع المسلم من مال المسلم، كان قطع الذمي من مال المسلم واجبًا من باب أولى، لأن الذمي ملتزم بالأحكام الإسلامية، فله حكم المسلم في إقامة الحدود (٥). • المخالف في هذه الصورة: قال الشيرازي (٦): "لا يقطعان -أي الذمي والمستأمن- بسرقة مال مسلم"، نقله عنه المرداوي (٧)، وابن مفلح المقدسي (٨).

стр. 6757

• أما الصورة الرابعة: وهي سرقة الذمي من مال الذمي: قال فيه ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم فيه مخالفًا" (١). • مستند الإجماع لهذه الصورة: يدل على قطع الذمي بسرقة مال الذمي أنه قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر برجم اليهودي واليهودية اللذين زنيا (٢)، فكذا السرقة، ويدل عليه من النظر أن كلًا منهما صاحب مال محترم، فالسرقة من مال الذمي، كالسرقة من مال المسلم، بجامع أن كلًا منهما صاحب مال محترم بالتزامه الأحكام. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن الصورة الثانية وهي قطع المسلم بسرقة مال الذمي ليست محل إجماع. أما الصورة الأولى وهي: سرقة المسلم من مال المسلم، والصورة الثالثة وهي: سرقة الذمي من مال المسلم، والصورة الرابعة وهي: سرق سرقة الذمي من مال الذمي فهي محل إجماع بين أهل العلم. [١٩/ ١] المسألة التاسعة عشرة: من سرق ثوبًا فصبغه أحمرًا يُقطع . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص ثوبًا يجب فيه القطع، ثم صبغه بلون من الألوان، وثبتت عليه السرقة بما يوجب القطع، فإنه يُحد، ولا يسقط الحد بكونه زاد في المسروق، وكذا لو سرق أي شيء كان مما يجب فيه القطع وزاد فيه أي زيادة، كان يسرق بابًا ويزيد فيه بعض الزخارف، أو ما أشبه ذلك، فكل هذا يجب فيه القطع، وإنما الخلاف في ردِّه هل يجب أم لا. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "من سرق ثوبا فصبغه أحمر يقطع به بإجماع العلماء" (٣).

стр. 6758

• مستند الإجماع: يستدل على مسألة الباب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). ومن سرق شيئا فصبغه فإنه داخل في عموم الآية، فإن الزيادة في المسروق لا تدرأ الحد. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٠/ ١] المسألة العشرون: حد السرقة لا يقبل الصلح . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص من آخر ما يوجب القطع، وثبتت السرقة عند الحاكم، ثم تصالح السارق مع صاحب المال المسروق على مال معين يدفعه السارق، أو على أي شيء آخر، ويسقط الحد عنه، فإن الصلح هنا باطل، ويجب على الإمام إقامة الحد. ويتبيَّن مما سبق أن الصلح لو حدث قبل بلوغ الأمر للإمام فإن ذلك غير مراد من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكر، والسرقة، أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة" (٢). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز. وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق، والشارب، والمحارب، وقاطع الطريق، ونحو ذلك؛ لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (٣). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر" (٤).

стр. 6759

وهذه المسألة قريبة من المسألة الخامسة عشرة التي تنص على أن حد السرقة لا يقبل الفداء، إلا أن هذه أخص من جهة أنها فداء عن طريق الصلح. • مستند الإجماع: مما يدل على مسألة الباب: ١ - عن صفوان بن أمية ﵁ (١) أنه: "سرقت خميصته من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي ﷺ ، فأخذ اللص، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال صفوان: أتقطعه؟ قال: (فهلا قبل أن تأتيني به تركته) (٢). وفي رواية لأبي داود والنسائي بلفظ: قال صفوان: فأتيته فقلت: أتقطعه كان أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، (قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به) (٣). وفي رواية لابن ماجه بلفظ: "فقال صفوان: يا رسول اللَّه لم أرد، هذا ردائي عليه صدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : (فهلا قبل أن تأتيني به) (٤).

стр. 6760

• وجه الدلالة: أن ما فعله صفوان من إهداء الرداء للسارق نوع من الصلح، لكن النبي ﷺ لم يقبله، لكون الأمر بلغ إليه، والحدود إذا بلغت السلطان وجب إقامتها. ٢ - أن القطع في السرقة حد للَّه تعالى، والحدود إذا بلغت السلطان وجب إقامتها، كما سبق بيانه (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢١/ ١] المسألة الحادية والعشرون: رد المسروق بعد رفعه للإمام لا يسقط الحد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، ورفع الأمر للحاكم أو نائبه، ثم بعد ذلك رد السارق المسروق كاملًا إلى صاحبه، فلا يسقط عنه الحد بردِّ المسروق. وبهذا يتبين أن السارق لو رد المسروق قبل الترافع للإمام، سواء رفع الأمر للإمام بعد رد المسروق أو لا، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في أن الرد بعد المرافعة لا يسقط الحد" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رُفعوا إلى ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك، لم
следующие страницы →