← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

أهل العلم، وممن حكى الخلاف الخطيب الشربيني حيث قال: "وأما قطعه -أي المسلم- بمال الذمي فعلى المشهور؛ لأنه معصوم بذمته، وقيل: لا يقطع كما لا يقتل به" (١). • دليل المخالف: استدل القائلون بعدم قطع المسلم بما سرقه من مال الذمي بالقياس على القتل، فكما أن المسلم لا يقتل بالذمي، فكذا السرقة. • أما الصورة الثالثة: وهي سرقة الذمي من مال المسلم: فقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم فيه مخالفًا" (٢) ونقله ابن قاسم (٣) قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "قطع الذمي بالسرقة من مال مسلم فلا نعلم فيه خلافًا" (٤). • مستند الإجماع لهذه الصورة: علل الفقهاء لهذا الوجه أنه لما وجب قطع المسلم من مال المسلم، كان قطع الذمي من مال المسلم واجبًا من باب أولى، لأن الذمي ملتزم بالأحكام الإسلامية، فله حكم المسلم في إقامة الحدود (٥). • المخالف في هذه الصورة: قال الشيرازي (٦): "لا يقطعان -أي الذمي والمستأمن- بسرقة مال مسلم"، نقله عنه المرداوي (٧)، وابن مفلح المقدسي (٨).

стр. 6757

• أما الصورة الرابعة: وهي سرقة الذمي من مال الذمي: قال فيه ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم فيه مخالفًا" (١). • مستند الإجماع لهذه الصورة: يدل على قطع الذمي بسرقة مال الذمي أنه قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أمر برجم اليهودي واليهودية اللذين زنيا (٢)، فكذا السرقة، ويدل عليه من النظر أن كلًا منهما صاحب مال محترم، فالسرقة من مال الذمي، كالسرقة من مال المسلم، بجامع أن كلًا منهما صاحب مال محترم بالتزامه الأحكام. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن الصورة الثانية وهي قطع المسلم بسرقة مال الذمي ليست محل إجماع. أما الصورة الأولى وهي: سرقة المسلم من مال المسلم، والصورة الثالثة وهي: سرقة الذمي من مال المسلم، والصورة الرابعة وهي: سرق سرقة الذمي من مال الذمي فهي محل إجماع بين أهل العلم. [١٩/ ١] المسألة التاسعة عشرة: من سرق ثوبًا فصبغه أحمرًا يُقطع . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص ثوبًا يجب فيه القطع، ثم صبغه بلون من الألوان، وثبتت عليه السرقة بما يوجب القطع، فإنه يُحد، ولا يسقط الحد بكونه زاد في المسروق، وكذا لو سرق أي شيء كان مما يجب فيه القطع وزاد فيه أي زيادة، كان يسرق بابًا ويزيد فيه بعض الزخارف، أو ما أشبه ذلك، فكل هذا يجب فيه القطع، وإنما الخلاف في ردِّه هل يجب أم لا. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "من سرق ثوبا فصبغه أحمر يقطع به بإجماع العلماء" (٣).

стр. 6758

• مستند الإجماع: يستدل على مسألة الباب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). ومن سرق شيئا فصبغه فإنه داخل في عموم الآية، فإن الزيادة في المسروق لا تدرأ الحد. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٠/ ١] المسألة العشرون: حد السرقة لا يقبل الصلح . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص من آخر ما يوجب القطع، وثبتت السرقة عند الحاكم، ثم تصالح السارق مع صاحب المال المسروق على مال معين يدفعه السارق، أو على أي شيء آخر، ويسقط الحد عنه، فإن الصلح هنا باطل، ويجب على الإمام إقامة الحد. ويتبيَّن مما سبق أن الصلح لو حدث قبل بلوغ الأمر للإمام فإن ذلك غير مراد من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في حد الزنا، والشرب، والسكر، والسرقة، أنه لا يحتمل العفو، والصلح، والإبراء، بعد ما ثبت بالحجة" (٢). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره لا يجوز. وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق، والشارب، والمحارب، وقاطع الطريق، ونحو ذلك؛ لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (٣). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا، والسرقة، والحرابة، وشرب المسكر" (٤).

стр. 6759

وهذه المسألة قريبة من المسألة الخامسة عشرة التي تنص على أن حد السرقة لا يقبل الفداء، إلا أن هذه أخص من جهة أنها فداء عن طريق الصلح. • مستند الإجماع: مما يدل على مسألة الباب: ١ - عن صفوان بن أمية ﵁ (١) أنه: "سرقت خميصته من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي ﷺ ، فأخذ اللص، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال صفوان: أتقطعه؟ قال: (فهلا قبل أن تأتيني به تركته) (٢). وفي رواية لأبي داود والنسائي بلفظ: قال صفوان: فأتيته فقلت: أتقطعه كان أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، (قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به) (٣). وفي رواية لابن ماجه بلفظ: "فقال صفوان: يا رسول اللَّه لم أرد، هذا ردائي عليه صدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : (فهلا قبل أن تأتيني به) (٤).

стр. 6760

• وجه الدلالة: أن ما فعله صفوان من إهداء الرداء للسارق نوع من الصلح، لكن النبي ﷺ لم يقبله، لكون الأمر بلغ إليه، والحدود إذا بلغت السلطان وجب إقامتها. ٢ - أن القطع في السرقة حد للَّه تعالى، والحدود إذا بلغت السلطان وجب إقامتها، كما سبق بيانه (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢١/ ١] المسألة الحادية والعشرون: رد المسروق بعد رفعه للإمام لا يسقط الحد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، ورفع الأمر للحاكم أو نائبه، ثم بعد ذلك رد السارق المسروق كاملًا إلى صاحبه، فلا يسقط عنه الحد بردِّ المسروق. وبهذا يتبين أن السارق لو رد المسروق قبل الترافع للإمام، سواء رفع الأمر للإمام بعد رد المسروق أو لا، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في أن الرد بعد المرافعة لا يسقط الحد" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رُفعوا إلى ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك، لم

стр. 6761

يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته وإن تابوا" (١). • ووجه الدلالة من كلام ابن تيمية: أنه من المعلوم أن من شروط توبة السارق رد ما سرقه إلى أصحابه، فكل تائب يلزم منه أن يرد المال المسروق لصاحبه، وليس كل من رد المال لصاحبه يلزم منه أن يكون تائبًا. وعلى ذلك فمسألة الباب أخص من الكلام على مسألة التوبة، فمن حكى الإجماع على التوبة فقد حكى الإجماع على مسألة الباب، وليس العكس (٢). وإن كان ما نقله ابن تيمية من الكلام حول توبة من عليه الحد، أنها لا تسقط الحد، ليست محل إجماع متحقق، كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: حديث صفوان بن أمية ﵁ أنه: سُرقت خميصته من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي ﷺ ، فأخذ اللص، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال صفوان: أتقطعه؟ قال: (فهلا قبل أن تأتيني به تركته) (٤). • وجه الدلالة: عموم الحديث يدل على أن الأمر إذا بلغ الإمام فيجب إقامة الحد، سواء رد المال المسروق لصاحبه، أو استغنى عنه صاحبه وأسقط حقه منه. • المخالفون للإجماع: التحقيق في مسألة الباب أنها محل تفصيل على حالين: الحال الأولى: إن رد السارق المسروق لصاحبه مع توبة صادقة، فعدم سقوط الحد هو قول عامة أهل العلم، وليست محل إجماع، فإن عن الإمام

стр. 6762

أحمد رواية بأن الحد يسقط بالتوبة مطلقًا، ولو بعد الترافع للحاكم، وردَّ ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقرر في كتابه "الصارم المسلول" أن مذهب الإمام أحمد في المسألة على التفصيل الآتي: أولًا: أن يتوب بعد ثبوت الحد عند الإمام، فهنا لا يسقط قولًا واحدًا عن الإمام أحمد. ثانيًا: أن يتوب قبل أن يقر بالحد، بأن يجيء للإمام تائبًا، فهذه لا حد فيها عند الإمام أحمد. ثالثًا: أن يتوب بعد أن يقر، بأن يقر ثم يتوب، ففي هذه الحال روايتان عن أحمد، فكان يقول بسقوط الحد عنه، ثم رجع وقال بعدم سقوط الحد (١). الحال الثانية: إن رد السارق المسروق مع غير توبة، فكون الحد لا يسقط محل إجماع، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع فيما إذا رد المسروق بلا توبة، أما مع التوبة فالإجماع فيها غير محقق كما سيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- (٢). [٢٢/ ١] المسألة الثانية والعشرون: السرقة لغة هي أخذ الإنسان ما ليس له عن طريق الخفية، ولا يشترط الحرز في السرقة من جهة اللغة . • المراد بالمسألة: المراد بالمسألة أن اسم السرقة في لغة العرب إنما يطلق على من أخذ الشيء عن طريق الخفية، أما باقي شروط القطع كاشتراط الحرز أو النصاب أو غيرها فإنها مما لا يمكن اعتمادها إلا بدليل شرعي، لا بمقتضى اللغة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، والسارق

стр. 6763

هو المختفي بأخذ ما ليس له" (١). وقال: "باللغة يدري كل أحد يدري اللغة أن من سرق -من حرز أو من غير حرز- فإنه سارق، وأنه قد اكتسب سرقة، لا خلاف في ذلك" (٢). • مستند الإجماع: يدل على ذلك أن أهل اللغة ذكروا السرقة على أنها الأخذ عن طريق الخفية، فقال ابن فارس: "السين والراء والقاف أصلٌ يدلُّ على أخذ شيء في خفاء وسِتر، يقال سَرَقَ يَسْرق سَرِقَةً، والمسروق سَرَقٌ، واستَرَقَ السَّمع، إذا تسمَّع مختفيًا" (٣). • المخالفون للإجماع: نقل ابن منظور، والزبيدي، أن السارق عند العرب: "من جاء مُسْتَتِرًا إلى حِرْزٍ فأخذ منه ما ليس له" (٤). وقال الفيروزآبادي: "سرق منه الشيء يسرق سَرَقًا. . .: جاء مستترًا إلى حرز فأخذ مالًا لغيره" (٥). وقال التهانوي: "سرق منه شيئًا: أي جاء مستترًا إلى حرز فأخذ مال غيره" (٦). كما ذكر الصنعاني في الاستدلال لكون الحرز معتبر في قطع السارق: "الإحراز مأخوذ في مفهوم السرقة، فإن السرقة والاستراق هو المجيء مستترًا في خفية؛ لأخذ مال غيره من حرز، كما في القاموس وغيره، فالحرز مأخوذ في مفهوم السرقة لغة، ولذا لا يقال لمن خان أمانته: سارق" (٧). وقال الشوكاني: "مما يؤيد اعتباره قول صاحب القاموس: "السرقة والاستراق: المجيء لأخذ مال غيره من حرز"، فهذا إمام من أئمة اللغة جعل الحرز جزءًا من مفهوم السرقة" (٨).

стр. 6764

فيتبين مما سبق من كلام أهل اللغة أن اعتبار الحزر مذكور في التعريف اللغوي للفظ السرقة. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لوجود المخالف. [٢٣/ ١] المسألة الثالثة والعشرون: على الإمام إقامة الحد على السارق، ولو كان السارق والدًا للإمام . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان السارق والدًا للإمام، فإن على الإمام أن يقيم حد السرقة -سواء بنفسه أو نائبه-، ولو كان السارق والدًا له. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يختلف الناس في أن إمامًا له والد قدم إليه في قذف، أو في سرقة، أو في زنى، أو في قود، فإن فرضًا على الوالد إقامة الحد على والده في كل ذلك" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بإقامة حد السرقة على السارق، دون تفريق بين ما إذا كان السارق والدًا للإمام، أو لا. ٢ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ ، فأتي بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ،

стр. 6765

فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإقامة الحدود على الشريف والوضيع، ثم ضرب بذلك مثلًا بفلذة كبده، وأعز الناس عنده، مما يدل على أنه لا فرق بين الوالد والولد. ٣ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود قبل أن تأتوني به، فما أتاني من حد فقد وجب) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر بوجوب إقامة الحد إذا بلغ الإمام، دون التفريق بين الأب وغيره. ٤ - أن الحد حق اللَّه تعالى، فإذا بلغ الإمام وجب إقامته، وليس حق للإمام يسقطه عمن يشاء، أو عمن له عليه حق. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٤/ ١] المسألة الرابعة والعشرون: يجب القطع إن كانت السرقة في غير دار الحرب . • أولًا: المراد بدار الحرب: المراد بدار الحرب دار الكفر، قال المرداوي: "دار الحرب: ما يغلب فيها حكم الكفر.

стр. 6766

زاد بعض الأصحاب منهم: صاحب الرعايتين، والحاويين: أو بلد بغاة أو بدعة، كرفض واعتزال" (١). وسئل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (٢): "هل يحكم على أهل البلد بأنها بلاد كفر بظهور الشرك فيهم، أو باطباقهم عليه، أو بولايتهم؟ " فأجاب ﵀ بقوله: "إذا ظهر الشرك ولم ينكر ويزال حكم عليها بالكفر، ودعوى الإسلام لا تنفع فمتى وجد الشرك ظاهرًا ولم يزال حكم عليها بالكفر" (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان قد قام بالسرقة في دار الإسلام، لا في دار الحرب، فإنه يجب حينئذ إقامة الحد عليه. • من نقل الإجماع: نقل ابن حزم الاتفاق على أن السرقة إن كانت في غير دار الحرب فإنه يجب القطع (٤). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن الأصل إقامة حد السرقة على كل سارق إلا ما استثناه الشارع، ومن سرق في دار الإسلام فإنه ليس فيه ما يمنع

стр. 6767

إقامة الحد عليه، فبقي حكمه على الأصل. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٥/ ١] المسألة الخامسة والعشرون: من سرق وهو سليم العقل غير سكران فإنه يحد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان حين سرقته سليم العقل غير سكران، فإنه يجب عليه الحد. • من نقل الإجماع: نقل ابن حزم الاتفاق على أن من سرق وهو غير سكران فإن عليه الحد (١). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن الأصل إقامة حد السرقة على كل سارق إلا ما استثناه الشارع، ومن كان سليم العقل غير سكران، فإنه ليس فيه ما يمنع إقامة الحد عليه، فبقي حكمه على الأصل. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٦/ ١] المسألة السادسة والعشرون: من سوق مختارًا غير مكره، وجب عليه القطع . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان قد قام بالسرقة اختيارًا دون إكراه، فإنه يجب حينئذ إقامة الحد عليه. • من نقل الإجماع: نقل ابن حزم الاتفاق على أن من سرق غير مكره فيجب عليه القطع (٢). • مستند الإجماع: دليل هذه المسألة ما يلي: ١ - عن أبي ذر الغفاري ﵁ (٣) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه تجاوز عن

стр. 6768

أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (١).

стр. 6769

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن المكره قد تجاوز اللَّه عنه خطأه، فدل على أن غير المكره مؤاخذ بفعله. ٢ - أن الأصل وجوب إقامة الحد على كل سارق ولا يستثنى منه إلا ما دل الدليل عليه. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٧/ ١] المسألة السابعة والعشرون: من سرق خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم، فلا يقام عليه الحد حتى يخرج من الحرم . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكانت سرقته في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم، فإنه لا يُحَد حتى يخرج من الحرم.

стр. 6770

ويتبين من هذا أن من سرق في الحرم فإنه غير داخل في مسألة الباب؛ لأن من سرق في الحرم، فإنه يُحد في الحرم، كما حكاه ابن عبد البر إجماعًا فقال: "أجمعوا أن من قتل في الحرم وكذلك من أتى حدًا أقيم عليه في الحرم" (١). وقال القرطبي: "وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدًا أقيد منه فيه" (٢)، وقال ابن قدامة: "من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدًا أو قصاصًا فإنه يقام عليه حدها، لا نعلم فيه خلافًا" (٣). وكذا نقله شمس الدين ابن قدامة بنفس أحرف ابن قدامة (٤). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم بعد أن ذكر المسألة عن خمسة من الصحابة: "هؤلاء من الصحابة: عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه، وابن عباس، وابن الزبير (٥)، وأبو شريح (٦). ولا مخالف لهم من الصحابة ﵃" (٧). وقال ابن القيم: "من أتى حدًا أو قصاصًا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه. . . وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل

стр. 6771

لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٣). • وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه تعالى أخبر أن الحرم أمن لكل أحد، فكل من دخله فهو آمن، ولم يستثن تعالى من كان عليه الحد، فبقي على الأصل من كون الحرم أمانًا له. ٣ - عن أبي شريح أنه قال لعمرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة-: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به النبي ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، حمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: (إن مكة حرمها اللَّه، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يومن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا. . . الحديث) (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أنه لا يحل لأحد أن يسفك دمًا في الحرم، وهو عام يدخل فيه قطع يد السارق. • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز إقامة حد السرقة في الحرم، سواء كان السارق قد سرق في الحرم، أو سرق خارج الحرم ثم لجأ للحرم، وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، ورواية عن أحمد (٧).

стр. 6772

• دليل المخالف: استدل من أجاز إقامة بما ثبت من أن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة (١) وهو يدل على أن حرمة القتل في الحرم، وكونه آمنًا، ليست على عمومها. كما استلوا بأمره ﷺ بقتل خمس فواسق يقتلن في في الحل والحرم (٢)؛ حيث علل ﷺ إباحة قتل هذه الأشياء في الحرم بفسقهن وعدوانهن، ومرتكب ما يوجب الحد فيه فسق وعدوان، فيُعم الحكم بعموم العلة (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف مشهور بين أئمة المذاهب الأربعة، ولذا لما ذكر القرطبي المسألة قال: "والجمهور من العلماء على أن الحدود تقام في الحرم" (٤). ولكن ابن حزم وابن القيم إنما نفوا المخالف في المسألة من الصحابة والتابعين، وإلا فهم مثبتون لخلاف من بعدهم. ومعلوم أن عدم ذكر المخالف لا يدل على نفيه، ولا على أن المسألة محل إجماع، وإلا لما حسُن خلاف من خالف في المسألة، واللَّه تعالى أعلم [٢٨/ ١] المسألة الثامنة والعشرون: من سرق وهو غير مضطر بجوع فعليه القطع . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، ولم يكن حين سرقته مضطرًا لما سرقه، إما لجوع أو نحو ذلك، فيجب عليه الحد حينئذ. • من نقل الإجماع: نقل ابن حزم الاتفاق على أن من سرق غير مضطر بجوع فعليه القطع (٥) • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن الأصل إقامة حد السرقة على كل

стр. 6773

سارق إلا ما اسثناه الشارع، ومن كان غير مضطر بجوع، فإنه ليس فيه ما يمنع إقامة الحد عليه، فبقي حكمه على الأصل. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٩/ ١] المسألة التاسعة والعشرون: إذا وصف الشاهدان السرقة والحرز وجنس المال المسروق وقدرُه، أقيم الحد على السارق . • المراد بالمسألة: إذا شهد شاهدان على شخص بسرقة ما يوجب القطع، ووصف الشاهدان كيفية السرقة، والحرز، وجنس المال المسروق، وقدره، فإنه يجب على الإمام حينئذ إقامة الحد إذا توفرت شروط القطع. يتبين مما سبق أن هذه المسألة متعلقة بالوصف، أي أنه إذا وقع الوصف وجب إقامة الحد، أما اشتراط الوصف أو اشتراط اتفاق الوصف فمسألة أخرى ستأتي في فصل شروط القطع (١)، وليست مرادة في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا في أن قطع يد السارق إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان، عدلان، مسلمان، حران، ووصفا ما يجب فيه القطع، أنه يقطع" (٢) ونقله عنه ابن قاسم (٣). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن في وصف الشاهدين للسرقة، والحرز، وجنس المال المسروق، وقدرُه، دليل على صحة الشهادة وضبطها. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع متحقق بين أهل العلم. وإنما وقع الخلاف فيما إذا لم يصف الشاهدان ذلك، فابن حزم يرى أن

стр. 6774

ذكر الزمان، أو المكان، أو الحرز، أو جنس المال المسروق، ليس من الشروط في القطع، بل لو اختلف الشاهدان في تعيين ذلك لم يسقط القطع، كما سيأتي بيانه مفصلًا (١). [٣٠/ ١] المسألة الثلاثون: إذا شهد الشهود على شخص بالسرقة قبل مضي الشهر من السرقة، فيجب إقامة الحد . • المراد بالمسألة: إذا شهد الشهود على شخص بسرقة، وثبتت السرقة بما يوجب القطع، وكان الشهود قد أدوا الشهادة قبل مضى شهر على السرقة، فإنه يحد. يتبين مما سبق أنه لو مضى على سرقته شهر فأكثر، ثم شهد الشهود بالسرقة، فإنه غير داخل في مسألة الباب. وتقييد صورة المسألة بالشهود لا يراد به إخراج الإقرار، فإنه لو أقر قبل مضي الشهر أقيم عليه الحد، وإنما قيدنا بالشهادة لأنها هي موضع الخلاف فيما لو كانت قبل الشهر أو بعده، أما الإقرار فلا خلاف أنه معتبر سواء أقر قبل مضي الشهر أو بعده. • من نقل الإجماع: المسألة نقل ابن حزم (٤٥٦ هـ) فيها الاتفاق حيث قال: "اتفقوا أنه من سرق من حرز. . . ولم يمض للسرقة شهر. . . فقد وجب عليه حد السرقة" (٢). • مستند الإجماع: الدليل على المسألة عدم الدليل، فإن تحديد الشهادة بمدة معينة يحتاج إلى دليل. ولم أجد من نقل الاتفاق في المسألة غير ابن حزم، إلا أنه بعد البحث في كتب أهل العلم لم أجد من خالف في المسألة، وإنما خالف الحنفية في مسألة

стр. 6775

ما لو لم يشهد الشهود إلا بعد أن مضى على السرقة شهر، وكان تأخرهم لغير عذر، فقالوا يضمن ما شُهد به عليه، ولا قطع، وهذا رأي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف، والرواية الأخرى أن حد ذلك ستة أشهر (١). والجمهور على أن الشهادة معتبرة، ولو تقادم الزمان. أما إن كان ثبوت السرقة بالإقرار فلم يخالف فيه أحد، سواء كان إقراره قبل مضي الشهر أم بعده فإنه يُحد. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم إذا كان قبل مضي الشهر. [٣١/ ١] المسألة الحادية والثلاثون: إذا ثبت القطع في السرقة ولم يدَّع السارقُ مُلْك ما سرق وجب إقامة الحد . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة بما يوجب القطع، سواء كان بإقرار أو بينة، ولم يدع السارق ملك ما سرقه بشراء أو هبة أو نحو ذلك فإنه يقام عليه الحد. يتبيَّن من ذلك أنه لو ادعى مُلْك ما سرقه بأي أنواع الملك، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتَّفَقُوا أَنه من سرق من حرز. . . وَلَا ادّعى هُوَ ملك مَا سرقِ. . . فقد وجب عليه حد السرقة" (٢) وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن من شرط المسروق الذي يجب فيه القطع أن لا يكون للسارق فيه شبهة ملك" (٣). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "اتفقوا على أن من شرط المسروق الذي يجب فيه القطع أن لا يكون للسارق فيه شبهة ملك" (٤).

стр. 6776

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول الة تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: الآية نصَّت على قطع السارق، وإذا ثبتت السرقة ولم يدع السارق ملك ما سرق، بقي على الأصل وهو أنه أخذ ما ليس له، فيجب في حقه إقامة حد السرقة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٢/ ١] المسألة الثانية والثلاثون: إذا أخرج السارق المسروق بيده وجب القطع . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان من صفة السرقة أن السارق قد نقب الحرز وأخذ المال وأخرجه من الحرز بنفسه، إما بيده أو برجله أو بغير ذلك من أعضائه، ، فإنه يجب عليه القطع. ويتبيَّن مما سبق أنه لو لم يُخرِج المال من الحرز بنفسه، بأن أخرجها شخص آخر، ثم وضعها في يد السارق، أو كان السارق وضعها في نهر جار حتى خرجت من الحرز، أو نحو ذلك من الصور فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتَّفَقُوا أَنه من سرق من حرز. . . وَتَوَلَّى إخراجه من حرزه بِيَدِهِ. . . فقد وجب عليه حد السرقة" (٢). • مستند الإجماع: المسألة ظاهرة من حيث الدليل فإن من أخرج المال من الحرز بيده فإنه الذي يتحقق فيه المباشرة للسرقة، فيكون هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣).

стр. 6777

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٣/ ١] المسألة الثالثة والثلاثون: حكم المرأة في حد السرقة حكم الرجل . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على امرأة حرة بما يوجب القطع ولم يكن ثمة مانع من القطع، فيجب إقامة الحد حينئذ. وتبين مما سبق أن سرقة الأمة ليست من مسألة الباب، وكذا لو كان ثمة مانع من القطع، كما لو سرقة الزوجة من زوجها، أو غير ذلك مما هو محل خلاف بين الفقهاء فإن ذلك ليس من مسألة الباب، وإنما المراد أن المرأة في الجملة لها حكم الرجل في القطع. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "تقطع المرأة كالرجل، لإجماع الأمة كلها على أن حكم الرجل في ذلك كحكم المرأة" (١). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما السارق الذي يجب عليه حد السرقة: فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفًا، وسواء كان حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، أو مسلمًا، أو ذميًا" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما الحر والحرة: فلا خلاف فيهما" (٣)، أي في قطعهما في الحد. وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا خلاف في وجوب الحد على الحر والحرة" (٤). • مستند الإجماع: من الأدلة على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا

стр. 6778

مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن الآية نصت على قطع السارقة، وهذا نص في الموضوع. ٢ - حديث عائشة ﵂ في شأن المرأة المخزومية التي سرقت، وفيه: أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٤/ ١] المسألة الرابعة والثلاثون: حد العبد والأمة في السرقة سواء كالحر والحرة . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص رقيق، بما يوجب الحد، وكان قد سرق من غير سيده، ومن غير رقيق آخر لسيده، ومن غير من لو من سرق منه سيده لم يقطع السيد، فإنه يجب إقامة الحد عليه حينئذ، كما أنه يجب إقامة الحد على الحر. وينبه إلى أن المراد إقامة الحد، بغض النظر عن نوع الحد الذي يقام عليه، بكونه بقطع جميع الكف أو نصفها، فإن هذه مسألة أخرى غير مرادة في مسألة الباب. ويتحصل مما سبق أن العبد لو سرق من مال سيده، أو من رقيق آخر لسيده، أو من شخص آخر لو سرق منه السيد لم يقطع، فكل ذلك غير مراد.

стр. 6779

• من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لم يختلف العلماء فيمن أخرج الشيء المسروق من حرزه سارقًا له، وبلغ المقدار الذي تقطع فيه يده، أن عليه القطع، حرًا كان أو عبدًا، ذكرًا كان أو أنثى" (١). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما السارق الذي يجب عليه حد السرقة، فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفًا، وسواء كان حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى" (٢). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "يقطع العبد لغير سيده إجماعًا" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - عموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب على السارق القطع، والآية عامة في الحر والعبد، ولا يوجد نص يخصص الحر دون العبد. ٢ - عن أبي عبد الرحمن (٥) قال: خطب علي ﵁ فقال: "يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول اللَّه ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: (أحسنت، اتركها حتى تماثل) (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بإقامة حد الزنى على الأمة، فيقاس عليه

стр. 6780

حد السرقة، لأن كلًا منهما حد أوجب اللَّه إقامته على العموم، دون التفريق بين الحر والعبد. ٣ - عن عبد الرحمن بن حاطب "أن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: "أراك تجيعهم"، ثم قال عمر: "واللَّه لأغرمنك غرمًا يشق عليك"، ثم قال للمزني: "كم ثمن ناقتك" فقال المزني: قد كنت واللَّه أمنعها من أربع مائة درهم، فقال عمر: "أعطه ثمان مائة درهم" (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٥/ ١] المسألة الخامسة والثلاثون: السرقة من المرضعة كالسرقة من الأجنبية . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المال المسروق لقريب له من الرضاع، كأمه من الرضاع، أو أخته من الرضاع، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا قطع عليه، ما لم يكونوا ساكنين في بيت واحد. ويتبين مما سبق أن الرجل لو كان ساكنًا مع أمه، أو أخته من الرضاع في بيت واحد، فإن أخذه لشيء من مالها، خارج عن مسألة الباب، وهي محل خلاف (٢). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا كلهم أنه يقطع فيما سرق من ذي رحمه غير المحرمة، وفيما سرق من أمه من الرضاعة، وابنته وابنه من الرضاعة" (٣). وحكى ابن المرتضى (٨٤٠ هـ) الاتفاق على كون السرقة من المرضعة كالسرقة من الأجنبية (٤).

стр. 6781

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أنه ليس ثمة مانع من القطع، والشبهة منتفية في هذه الصورة، والأصل القطع عند توفر الشروط، حتى يرد المانع. • المخالفون للإجماع: ثمة رواية عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، يرى فيها أن من سرق من أمه من الرضاع فإنه لا يقطع (١). • دليل المخالف: استند أبو يوسف لعدم القطع في السرقة من الأم من الرضاع بأن السرقة من الأم من الرضاع فيه شبهة دارئة للحد، والحدود تدرأ بالشبهات (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع متحقق في الأم من الرضاع، أما في غيرها فالمسألة محل إجماع؛ فإن أبا يوسف خص الخلاف في الأم من الرضاع دون غيرها، واللَّه تعالى أعلم. [٣٦/ ١] المسألة السادسة والثلاثون: تلقين المقر بالسرقة ليرجع عن الإقرار لا بأس به . • المراد بالمسألة: لو أقر شخص على نفسه بسرقة ما يوجب الحد، فإن للإمام أن يلقنه الرجوع، على سبيل التعريض، كأن يقول له: ما أظنك سرقت، أو لعلك أخذت من غير حرز، أو نحو ذلك. ويتبيَّن مما سبق أن السرقة لو ثبتت عليه بطريق بينة الشهود، أو كان التلقين على سبيل التصريح، فكل ذلك ليس من مسائل الباب، وكذا لو كان التلقين من غير القاضي، فهي مسألة أخرى، ليست مرادة في الباب، واللَّه تعالى أعلم. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "قال أحمد: "لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره"، وهذا قول عامة الفقهاء" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "قال أحمد: "لا بأس بتلقين

стр. 6782

السارق ليرجع عن اقراره"، وهذا قول عامة الفقهاء" (١). قال النووي (٦٧٦ هـ): "قد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم (٢)، واتفق العلماء عليه" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - عن أبي أمية المخزومي (٤) أن رسول اللَّه ﷺ أتي بلص اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (ما إخالك سرقت) قال: بلى، قال: (اذهبوا به فاقطعوه)، ثم جيئوا به، فقطعوه، ثم جاءوا به، فقال له: (قل أستغفر اللَّه وأتوب إليه) فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قال: (اللهم تب عليه) (٥).

стр. 6783

٢ - عن عبد اللَّه بن بريدة (١) عن أبيه (٢) أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني قد ظلمت نفسي وزنيت، واني أريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول اللَّه إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى قومه فقال: (أتعلمون بعقله بأسًا، تنكرون منه شيئًا)، فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول اللَّه لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، قال: (إمَّا لا فاذهبي حتى تلدي)، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه)، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. . . الحديث (٣).

стр. 6784

٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: لما أتى ماعز بن مالك النبي ﷺ قال له: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) قال: لا يا رسول اللَّه، قال: (أنكتها) لا يَكْني، قال: فعند ذلك أمر برجمه (١). ٤ - أن التلقين مروي عن جماعة من الصحابة ﵃ كأبي بكر، وعمر، وعلي، وابنه الحسن، وأبي هريرة، وأبي مسعود، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، وأبو واقد الليثي ﵃ (٢)، وهو ثابت عنهم كما قال ابن حجر: "ثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقر بالحد" (٣). • المخالفون للإجماع: هذا القول وإن كان عليه عامة أهل العلم، إلا أن ثمة قولًا للشافعية أنه لا يجوز للقاضي التعريض للمقر بالسرقة ليرجع عن إقراره (٤). وثمة أقوال أخرى لا تنافي نقل الاتفاق، لكنها تخصص الجواز بحالات وتمنعه في غيرها، فمن ذلك: القول بجواز التعريض إن كان المقر لا يعلم أن له الرجوع، وإلا فلا، وهو قول للشافعية أيضًا (٥). وكذلك القول بتخصيص إباحة التلقين لمن كان يجهل الحكم، وبه قال أبو ثور (٦). وكذلك القول باستثناء تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات، وجواز تلقين

стр. 6785

غيره، فقد حكاه ابن حجر قولًا للمالكية (١). وسيأتي أن ابن حزم لا يرى قبول رجوع المقر أصلًا، فلا فائدة من التعريض عنده، لأنه لا فائدة من الرجوع. • دليل المخالف: استدل المانعون من التلقين بأن الأصل إقامة الحد على المقر، وفي التلقين بالرجوع إسقاط حد وجب للَّه تعالى (٢). أما من استثنى المشتهر بانتهاك الحرمات فلم ير تلقينه بخلاف غيره فذلك من باب الردع والزجر (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [٣٧/ ١] المسألة السابعة والثلاثون: حد السرقة لا يقبل الإبراء . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الإبراء: الإبراء في اللغة: قال ابن فارس: "الباء والراء والهمزة: أصلان إليهما توجع فُروع الباب: أحدهما الخَلْق، يقال بَرَأَ اللَّه الخلقَ يَبْرَؤُهم بَرْءًا، والبارئ اللَّه جَلَّ ثناؤه. . . والأصل الآخَر: التباعُد مِن الشيء ومُزايَلَتُه، من ذلك البُرْءُ، وهو السَّلامة من السُّقم، يقال بَرِئْت وبرَأْتُ" (٤).

стр. 6786

وأرْجَع أبو البقاء أصل البرء إلى معنى واحد فقال: "أصل البرء: خلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي، كقولهم: برئ المريض من مرضه، والبائع من عيوب مبيعه، وصاحب الدين من دينه، ومنه استبرأء الجارية، أو على سبيل الإنشاء، كقولهم: برأ اللَّه الخلق" (١). • الإبراء اصطلاحًا: هو إسقاط الشخص حقًا له أو بعض حقه من ذِمَّة آخر (٢). فيكون المراد بالإبراء هنا هو إسقاط حد السرقة عن السارق بموجب إسقاط صاحب المال المسروق حقه من المال المسروق. • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة عند الإمام على شخص بما يوجب الحد، فأراد صاحب المال المسروق أن يبرئ السارق من القطع فليس له ذلك. بهذا يتضح أن الإبراء لو كان قبل بلوغه الإمام، فليس ذلك مرادًا في مسألة الباب، وكذا يتبيَّن أن الإبراء الذي لا يصح هو الإبراء عن الحد، لا الإبراء عن المال المسروق. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في حد الزنا والشرب والسكر والسرقة أنه لا يحتمل العفو والصلح والإبراء بعد ما ثبت بالحجة" (٣). • مستند الإجماع: استدل الفقهاء للمسألة بأن حد السرقة حق للَّه تعالى، فإذا ثبت عند الإمام لم يملك أحد أن يسقطه، وقد نهى النبي ﷺ عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان، ونُقل فيه إجماع أهل العلم على ذلك -كما سبق بيانه- (٤)، والإبراء كذلك.

стр. 6787

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٨/ ١] المسألة الثامنة والثلاثون: لو سرق حديدًا أو رصاصًا أو صفرًا وجعله أواني، فإن كان يباع عددًا فهو للسارق . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الحديد والرصاص والصُّفر: الحديد: هو عنصر كيميائيّ، فلزي، فضي اللون، ويتم الحصول عليه من بعض أنواع الصخور أو الخامات، وقلَّما يظهر هذا الفِلِز في حالة نقية (١). الرصاص: عنصر كيميائي فلِزِّي، ليِّن، ثقيل، لونه رماديٌّ يميل إلى الزُّرقة، يستخرج من المناجم التي في باطن الأرض (٢).

стр. 6788

الصُّفْر: قال ابن منظور: "الصُّفْر النُّحاس الجيد، وقيل الصُّفْر ضرْب من النُّحاس، وقيل هو ما صفر منه، واحدته صُفْرة" (١). والحاصل أن الصُّفر -بضم الصاد، وكسرها لغة- يطلق عند العرب على النحاس، أو على ضرب من النحاس وهو النحاس الأصفر، والواحد والجمع فيه سواء، ويجمع أيضًا على أصفار (٢). • والمراد به اصطلاحًا: هو ما يعرف في العصر الحديث بالنحاس الأصفر، وسبيكة من النحاس والخارصين (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: لو سرق شخص مالًا غير ذهب وفضة، ثم غيَّر في المال بأن سرق حديدًا ثم جعله آنية أو بابًا أو نحو ذلك، وكان بيع ذلك عن طريق العدد، لا الوزن، فإن المال المسروق لا يرجع إلى صاحبه وإنما على من سرق ضمانها. ويتبين مما سبق أن المال المسروق لو كان ذهبًا أو فضةً فإنه غير داخل في مسألة الباب، وكذا لو كان الحديد أو غيره من المال المسروق مما يباع وزنًا، فإنه غير مراد في مسألة الباب.

стр. 6789

• من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو غصب صفرًا، أو نحاسًا، أو حديدًا، فضربه آنية يُنظر: إن كان يُباع وزنًا فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الذهب والفضة؛ لأنه لم يخرج بالضرب والصناعة عن حد الوزن، وإن كان يباع عددًا ليس له أن يسترده بلا خلاف" (١)، وحكى الإجماع في موضع آخر فقال: "لو سرق حديدًا، أو صفرًا، أو نحاسًا، أو ما أشبه ذلك، فضرَبها أواني، يُنظر إن كان بعد الصناعة والضرب تباع وزنًا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا، وإن كانت تباع عددًا فيقطع حق المالك بالإجماع" (٢). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "في الحديد، والرصاص، والصفران جعله -أي السارق- أواني: فمان كان يباع عددًا فهو للسارق بالإجماع" (٣). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "لو جعل -أي السارق- الحديد، والرصاص أواني، فإن كان يباع عددا فهو للسارق بالإجماع" (٤). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن فعل الغاصب في المال المسروق يعتبر استهلاكًا للمال، أو هو في معنى الاستهلاك، فكأن السارق استهلك ما سرقه، وحينئذ فيستحق صاحب المال المسروق القيمة (٥). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب رد المال المسروق لصاحبه فيما لو سرق حديدًا أو نحاسًا أو رصاصًا أو نحوه وجعله أواني، وكان مما يباع بالعدد، وهو مذهب الشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • دليل المخالف: علل القائلون بوجوب الرد بأن السارق متعد بسرقته وعمله في المال المسروق، فهو قد تصرف فيما ليس له، لذا يجب عليه رد ما أخذ (٨). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6790

بل إن المسألة ليست محل اتفاق بين المذاهب الفقهية الأربعة؛ لوجود الخلاف من الشافعية، والحنابلة، ويُحمل كلام الكاساني، وابن نجيم، ودامان على أن المراد نقل الإجماع المذهبي، أي في مذهب الحنفية.

стр. 6791

الفصل الثاني مسائل في شروط حد السرقة [٣٩/ ١] المسألة التاسعة والثلاثون: من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق بالغًا . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد السرقة بما يوجب القطع، على شخص لم يبلغ، سواء كان ببينة أو إقرار، فإنه لا يحد؛ لأن البلوغ شرط من شروط إقامة الحد على السارق، ولا يقام الحد إلا بعد توفر هذا الشرط (١). • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): ". . . أن عليًا ﵁ أُتي بصبي قد سرق بيضة، فشك في احتلامه، فأمر به، فقطعت بطون أنامله، وليسوا (٢)، ولا أحد علمته يقول بهذا، يقولون: ليس على الصبي حد حتى يحتلم، أو يبلغ خمس عشرة" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد، وصحة الإقرار" (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الإقرار" (٥). • مستند الإجماع: من الأدلة على اشتراط البلوغ للقطع أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٦).

стр. 6792

• وجه الدلالة: أن المراد بقوله: "حتى يشب" أي يبلغ كما بيَّنَته بعض الروايات عند أحمد بلفظ: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ. . .) الحديث (١)، وعند أبي داود بلفظ: (وعن الصبي حتى يبلغ) (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، على خلاف بينهم في ضابط البلوغ كما سبق بيانه.

стр. 6793

[٤٠/ ١] المسألة الأربعون: من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق عاقلًا . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العقل لغةً واصطلاحًا: العقل لغةً: قال ابن فارس: "العين والقاف واللام: أصلٌ واحد منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة في الشَّيء أو ما يقارب الحُبْسة، من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذَميم القَول والفِعل" (١). وقال ابن منظور: "العَقْلُ: الحِجْر والنُّهى، ضِدُّ الحُمْق، والجمع: عُقولٌ" (٢). وقال الخليل (٣): "العَقْل: نقيض الجَهْل" (٤). العقل اصطلاحًا: اختلف أهل العلم من المتكلمة والفقهاء وغيرهم في حد العقل وتقسيمه وموضعه على أقوال: فقيل: هو غريزة للتمييز والإدراك بين حسن الأشياء وقبيحها (٥). وقيل: هو نور في الصدر به يُبصر القلب عند النظر في الحجج (٦). وقيل: العقل علوم ضرورية (٧). والمراد أن من يدرك العلوم الضرورية التي لا تحتاج لنظر وتفكر فإنه يسمى عاقلًا، وهذا التعريف فيه نظر؛ فإن الأعمى قد لا يدرك بعض الأمور الضرورية

стр. 6794

مع أنه يسمى عاقلًا، ولهذا قيّد بعضهم هذا التعريف بقوله: "هو صفة غريزية يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات" (١). وقيل: العقل هو خالص الروح ولبُّها. واحتُج له بأن لب كل شيء هو خلاصته، وقد سمى اللَّه العقل لُبًّا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، يعني أولي العقول. واختِلاف هذه التعريفات لاختلافهم في العقل هل هو غريزة، أو جوهر، وهل هو ضروري، أو مكتسب، وقد بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "العقل لا يمكن إحاطته برسم واحد، ولكن العقل يقع على أربعة معانٍ: ١ - ضروري، وهو الذي عنَاه من قال: إنه بعض العلوم الضرورية، قلت: وهذا العقل ما يتعلق به التكليف. ٢ - غريزة تقذف في القلب، وهذا النوع ينمو بنمو الإنسان، وبه يقع الاختلاف بين الناس، فهذا بليد وذاك ذكي. ٣ - ما به ينظر صاحبه في عواقب الأمور، فلا يغتر بلذة عاجلة تعقبها ندامة. ٤ - ما يستفاد من التجارب في حياة الإنسان، وهذا ما عناه من قال: "إن العقل مكتسب" (٣).

стр. 6795

• ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب إقامة الحد عليه، وكان السارق حين سرقته فاقدًا لعقله، من غير إرادته، كمجنون، أو معتوه، أو نائم، أو مغمى عليه، فإنه لا يُحد، لأن العقل شرط من شروط إقامة حد السرقة. ويتبين مما سبق أن السارق لو كان مجنونًا أو معتوهًا في الأصل، لكنه يفيق أحيانًا، وكان حين سرقته في حال الإفاقة، فهذه غير مسألة الباب. وكذا لو كان فقدانه لوعيه بسببه كالسكران، فإنه غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يقام عليه -أي المجنون- في حال عقله كل حد كان منه في حال جنونه، بلا خلاف من الأمة" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في شرحه لحديث ماعز بن مالك ﵁ (٢) حين سأل النبي ﷺ عنه "هل به جنون؟ ": "هذا إجماع أن المجنون المعتوه لا حد عليه" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما
следующие страницы →