← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

الفصل الثاني مسائل في شروط حد السرقة [٣٩/ ١] المسألة التاسعة والثلاثون: من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق بالغًا . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد السرقة بما يوجب القطع، على شخص لم يبلغ، سواء كان ببينة أو إقرار، فإنه لا يحد؛ لأن البلوغ شرط من شروط إقامة الحد على السارق، ولا يقام الحد إلا بعد توفر هذا الشرط (١). • من نقل الإجماع: قال الشافعي (٢٠٤ هـ): ". . . أن عليًا ﵁ أُتي بصبي قد سرق بيضة، فشك في احتلامه، فأمر به، فقطعت بطون أنامله، وليسوا (٢)، ولا أحد علمته يقول بهذا، يقولون: ليس على الصبي حد حتى يحتلم، أو يبلغ خمس عشرة" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد، وصحة الإقرار" (٤). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد وصحة الإقرار" (٥). • مستند الإجماع: من الأدلة على اشتراط البلوغ للقطع أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٦).

стр. 6792

• وجه الدلالة: أن المراد بقوله: "حتى يشب" أي يبلغ كما بيَّنَته بعض الروايات عند أحمد بلفظ: (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ. . .) الحديث (١)، وعند أبي داود بلفظ: (وعن الصبي حتى يبلغ) (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، على خلاف بينهم في ضابط البلوغ كما سبق بيانه.

стр. 6793

[٤٠/ ١] المسألة الأربعون: من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق عاقلًا . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العقل لغةً واصطلاحًا: العقل لغةً: قال ابن فارس: "العين والقاف واللام: أصلٌ واحد منقاس مطرد، يدلُّ عُظْمُه على حُبْسة في الشَّيء أو ما يقارب الحُبْسة، من ذلك العَقْل، وهو الحابس عن ذَميم القَول والفِعل" (١). وقال ابن منظور: "العَقْلُ: الحِجْر والنُّهى، ضِدُّ الحُمْق، والجمع: عُقولٌ" (٢). وقال الخليل (٣): "العَقْل: نقيض الجَهْل" (٤). العقل اصطلاحًا: اختلف أهل العلم من المتكلمة والفقهاء وغيرهم في حد العقل وتقسيمه وموضعه على أقوال: فقيل: هو غريزة للتمييز والإدراك بين حسن الأشياء وقبيحها (٥). وقيل: هو نور في الصدر به يُبصر القلب عند النظر في الحجج (٦). وقيل: العقل علوم ضرورية (٧). والمراد أن من يدرك العلوم الضرورية التي لا تحتاج لنظر وتفكر فإنه يسمى عاقلًا، وهذا التعريف فيه نظر؛ فإن الأعمى قد لا يدرك بعض الأمور الضرورية

стр. 6794

مع أنه يسمى عاقلًا، ولهذا قيّد بعضهم هذا التعريف بقوله: "هو صفة غريزية يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات" (١). وقيل: العقل هو خالص الروح ولبُّها. واحتُج له بأن لب كل شيء هو خلاصته، وقد سمى اللَّه العقل لُبًّا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، يعني أولي العقول. واختِلاف هذه التعريفات لاختلافهم في العقل هل هو غريزة، أو جوهر، وهل هو ضروري، أو مكتسب، وقد بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "العقل لا يمكن إحاطته برسم واحد، ولكن العقل يقع على أربعة معانٍ: ١ - ضروري، وهو الذي عنَاه من قال: إنه بعض العلوم الضرورية، قلت: وهذا العقل ما يتعلق به التكليف. ٢ - غريزة تقذف في القلب، وهذا النوع ينمو بنمو الإنسان، وبه يقع الاختلاف بين الناس، فهذا بليد وذاك ذكي. ٣ - ما به ينظر صاحبه في عواقب الأمور، فلا يغتر بلذة عاجلة تعقبها ندامة. ٤ - ما يستفاد من التجارب في حياة الإنسان، وهذا ما عناه من قال: "إن العقل مكتسب" (٣).

стр. 6795

• ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب إقامة الحد عليه، وكان السارق حين سرقته فاقدًا لعقله، من غير إرادته، كمجنون، أو معتوه، أو نائم، أو مغمى عليه، فإنه لا يُحد، لأن العقل شرط من شروط إقامة حد السرقة. ويتبين مما سبق أن السارق لو كان مجنونًا أو معتوهًا في الأصل، لكنه يفيق أحيانًا، وكان حين سرقته في حال الإفاقة، فهذه غير مسألة الباب. وكذا لو كان فقدانه لوعيه بسببه كالسكران، فإنه غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يقام عليه -أي المجنون- في حال عقله كل حد كان منه في حال جنونه، بلا خلاف من الأمة" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في شرحه لحديث ماعز بن مالك ﵁ (٢) حين سأل النبي ﷺ عنه "هل به جنون؟ ": "هذا إجماع أن المجنون المعتوه لا حد عليه" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما

стр. 6796

في وجوب الحد، وصحة الإقرار" (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجب عليه، وهذا كله مجمع عليه" (٢). وقال ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أما البلوغ والعقل فلا خلاف في اعتبارهما في وجوب الحد، وصحة الإقرار" (٣). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "ولا يحد صبي ولا مجنون إجماعًا" (٤). • مستند الإجماع: من الأدلة على مسألة الباب: ١ - عن عبد اللَّه بن بريدة أن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنى، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشرب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه (٥) فلم يجد منه ريح خمر، قال فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرجم (٦). ٢ - عن علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى

стр. 6797

يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤١/ ١] المسألة الحادية والأربعون: من شروط إقامة حد السرقة أن تكون السرقة من حرز . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الحرز لغة واصطلاحًا: الحرز لغة: قال ابن فارس: "الحاء والراء والزاء أصلٌ واحد، وهو من الحِفْظ والتَّحفظ، يقال: حَرَزْتُه واحترزَ هو: أي تحفَّظَ. وناسٌ يذهبون إلى أنّ هذه الزّاءَ مبدلةٌ مِن سين، وأنَّ الأصل: الحَرْس، وهو وجهٌ" (٢). وقال الفيومي (٣): "الحِرْز: المكان الذي يحفظ فيه، والجمع "أَحْرَازٌ"، مثل: حِمْل وأحمال، وأَحْرَزْتُ المتاع: جعلته في الحرز، ويقال: حِرْزٌ حَرِيزٌ: للتأكيد، كما يقال: حصن حصين" (٤). الحرز اصطلاحًا: اختلفت عبارات الفقهاء في ضابط الحرز:

стр. 6798

قال السرخسي (١) من الحنفية: "كل مكان معد لحفظ الأمتعة فهو حرز" (٢). وعرفه المالكية بأنه: "ألا يُعد الواضع فيه مضيعًا عرفًا" (٣). وقال الرملي (٤) من الشافعية: "ضابط الحرز: ما لا يُنسب المودَع بوضع الوديعة فيه إلى تقصير" (٥). وقال ابن قدامة من الحنابلة: "الحرز ما عد حرزًا في العرف" (٦). ويتحصل مما سبق أن الحرز عند الفقهاء هو ما نُصب لحفظ أموال الناس عادة، كالدار، والصندوق، وما أشبه ذلك، وتحديد الحرز يرجع إلى العرف،

стр. 6799

فهو يختلف باختلاف المال، والزمان، والمكان، والسلطان، كما صرح بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، فإن من شرط إقامة الحد أن يكون السارق أخذ المال من الحرز الذي يحفظ فيه المال، وأخرجه من الحرز، فإن كان المال غير محرز فلا قطع. ويتبين مما سبق أنه لو أخذ المال من الحرز بأن جمعه ولم يخرجه، فإنها غير مسألة الباب، وهي مسألة سبق ذكرها في الفصل الأول (٥). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن القطع يجب على من سرق ما يجب فيه القطع من الحرز" (٦). وقال الجصاص (٣٧٠ هـ): "لا خلاف بين فقهاء الأمصار في أن الحرز شرط في القطع" (٧). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "واتفق الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار وأتباعهم على مراعاة الحرز في ما يسرقه السارق، فقالوا: ما سرقه السارق من

стр. 6800

غير حرز فلا قطع عليه، بلغ المقدار الذي يجب فيه القطع أم لم يبلغ" (١). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "والأمة متفقة على اعتبار الحرز في القطع في السرقة؛ لاقتضاء لفظها، ولا تضمن حكمتها وجوبه، ولم أعلم من ترك اعتباره من العلماء، ولا تحصَّل لي من يهمله من الفقهاء، وإنما هو خلاف يذكر، وربما نسب إلى من لا قدر له، فلذلك أعرضت عن ذكره" (٢). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "وأجمعوا على أن الحرز معتبر في وجوب القطع" (٣) ونقله عنه ابن قاسم (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "هذا قول أكثر أهل العلم -أي اشتراط الحرز-، وهذا مذهب عطاء، والشعبي، وأبي الأسود الدؤلي، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، وعمرو بن دينار، والثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن أحد من أهل العلم خلافهم، إلا قولا حكي عن عائشة، والحسن، والنخعي، فيمن جمع المتاع ولم يخرج به من الحرز عليه القطع، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وحكي عن داود أنه لا يعتبر الحرز" (٥)، ثم تعقب المخالف بأن المسألة محل إجماع، فلا يعتد بمن خالف، وكذا بعد هذه المسألة ذكر ابن قدامة مسألة أنه لا بد من إخراج المتاع من الحرز، وأشار في هذه المسألة إلى أن الحرز محل إجماع (٦). وقال أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ): "لا قطع على من سرق شيئًا من غير حرز بالإجماع، إلا ما شذَّ فيه الحسن، وأهل الظاهر" (٧). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "اتفق جمهور الناس على أن القطع لا يكون إلا على من أخرج من حرز ما يجب فيه القطع، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا

стр. 6801

جمع الثياب في البيت قطع، وقال الحسن بن أبي الحسن أيضًا في قول آخر مثل قول سائر أهل العلم، فصار اتفاقًا صحيحًا" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "الإخراج من الحرز شرط عند عامة أهل العلم، وعن عائشة، والحسن، والنخعي، أن من جمع المال في الحرز قطع، وإن لم يخرج به، وعن الحسن مثل قول الجماعة، وعن داود لا يعتبر الحرز أصلًا، وهذه الأقوال غير ثابتة عمن نقلت عنه، ولا مقال لأهل العلم إلا ما ذكرنا، فهو كالإجماع" (٢). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ) في معرض ذكره لشروط القطع في السرقة: "الرابع: كونه محرزًا، إجماعًا" (٣) وذكره الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ) كذلك في "مغني المحتاج": "إجماعًا" (٤). وقال الرملي (١٠٠٤ هـ) في معرض ذكره لشروط القطع في السرقة: "الرابع: كونه محرزًا، بالإجماع" (٥) وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "الإجماع على أن الحرز معتبر في وجوب القطع" (٦). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "الشرط في وجوب هذا الحد فهو الحرز، وذلك أن جميع فقهاء الأمصار الذين تدور عليهم الفتوى وأصحابهم متفقون على اشتراط الحرز في وجوب القطع" (٧). • مستند الإجماع: استدل القائلون باشتراط الحرز في وجوب القطع بأدلة منها: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء

стр. 6802

عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (١). ٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول اللَّه ﷺ في كم تقطع اليد؟ قال: (لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن) (٢). • المخالفون للإجماع: يتبين مما سبق ممن نقل الإجماع أن ثمة مخالفا لوجوب الحرز في القطع، وهو مذهب الظاهرية، فإنهم لم يشترطوا الحرز، وذهبوا إلى أن من سرق ولو من غير حرز وجب عليه القطع، فلو أخذ المتاع ثم قبض قبل أن يخرجه من الدار وجب عليه الحد، ونقله ابن حزم عائشة ﵂، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، والحسن البصري (٣). لكن ثمة مسألة حاصلها: هل من نَقل عنهم ابن حزم القول بعد اشتراط الحرز يرون عدم شرطية الحرز جملة، أم أنهم يرون عدم اشتراط إخراج المال من الحرز، وإن كانوا يرون الحرز في أصله؟ ظاهر كلام ابن حزم عدم الاشتراط جملة، فإنه استدل بأقوالهم على انتفاء شرطية الحرز، لكن ظاهر نصوصهم أنهم لم يشترطوا الإخراج، ولم يذكروا

стр. 6803

مسألة كونه محروزًا أم لا، ولذا تجد جماعة من أهل العلم لما نقلوا الخلاف في المسألة فصلوا بين قول الظاهرية، وقول عائشة ومن تبعها. وعلى كل فابن حزم يُعتبر مخالفًا للجمهور في مسألة اشتراط الحرز، وأما عائشة ومن تبعها فإن النقل عنهم في عدم اشتراط الحرز بالكلية، فيه تردد، لا سيما أن جماعة من أهل العلم كابن المنذر وغيره يرون أنه لا يصح في هذا الباب شيء عن السلف، واللَّه تعالى أعلم. • دليل المخالف: استدل ابن حزم لمسألة الباب أنه ليس ثمة دليل شرعي صحيح من كتاب أو سنة أو قول صاحب على اشتراط الحرز (١). كما استدل على المسألة من حيث اللغة فنقل الإجماع على أن السرقة تطلق على الآخذ بخفية، وليس في لغة العرب أن يكون المال محرزًا، فقال: "أما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفي بأخذ ما ليس له، وأنه لا مدخل للحرز فيما اقتضاه الاسم، فمن أقحم في ذلك اشتراط الحرز فقد خالف الإجماع على معنى هذه اللفظة في اللغة، وادعى في الشرع ما لا سبيل له إلى وجوده، ولا دليل على صحته" (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن عامة أهل العلم على اشتراط الحرز، لكن المسألة ليست محل إجماع متحقق، ولذا تجد أن جماعة من أهل العلم كابن عبد البر، وابن قدامة وغيرهما مع نقلهم للإجماع ذكروا مخالفًا في المسألة، لكنهم لم يعتدُّوا بخلافه وجعلوه من قبيل الشاذ الذي لا عبرة به. لكن ثمة جملة من أهل العلم اعتبروا المخالف في المسألة وجعلوا اشتراط

стр. 6804

الحرز هو قول الجمهور، كما فعله ابن حجر حيث قال: "والسرقة: الأخذ خفية، وعرفت في الشرع: بأخذ شيء خفية ليس للآخذ أخذه، ومن اشترط الحرز -وهم الجمهور- زاد فيه: من حرز مثله" (١). وكذا سبقه ابن عبد البر في بعض المواضع حيث قال: "وجمهور أهل العلم على أن السارق لا قطع عليه إلا أن يسرق شيئًا محروزًا يخرجه من حرزه، وعلى ذلك جماعة الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار" (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [٤٢/ ١] المسألة الثانية والأربعون: من شرط إقامة حد السرقة ألا تكون السرقة من بيت المال . • أولا: المراد ببيت المال: هو المكان المعد لحفظ المال، خاصًا كان أو عامًا. • وأما في الاصطلاح: فقد استعمل لفظ "بيت مال المسلمين"، أو "بيت مال اللَّه" في صدر الإسلام للدلالة على المبنى والمكان الذي تحفظ فيه الأموال العامة للدولة الإسلامية من المنقولات، كالفيء، وخمس الغنائم، ونحوها، إلى أن تصرف في وجوهها، ثم اكتفي بكلمة "بيت المال" للدلالة على ذلك، حتى أصبح عند الإطلاق ينصرف إليه. وتطور لفظ "بيت المال" في العصور الإسلامية اللاحقة إلى أن أصبح يطلق على الجهة التي تملك المال العام للمسلمين، من النقود، والعروض، والأراضي الإسلامية، وغيرها. والمال العام هنا: هو كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو لهم جميعًا (٣).

стр. 6805

وقد جمع القاضي بدر الدين بن جماعة (١) الجهات السبع التي هي أصول بيت المال في بيتين فقال: جهات أموال بيت المال سبعتها ... في بيت شعر حواها فيه كاتبه خمس وفيء خراج جزية عشر ... وإرث فرد ومال ضل صاحبه (٢). • ثانيًا صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص حر مسلم بما يوجب الحد، وكان المال المسروق لبيت المال، فإن السارق لا يحد. ويتبين مما سبق أن غير المسلم، كالذمي والحربي وغيرهما لو سرق من بيت المال، فإنه غير داخل في مسألة الباب، وكذا لو كان المسلم عبدًا، فإن مسألته محل خلاف، وليست هي مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) بعد نقله عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب أنه لا قطع على من سرق من بيت المال: "إنما احتج من لم ير القطع في ذلك بحجتين: أحداهما: أن له فيه نصيبًا مشاعًا. والثانية: أنه قول صاحبين لا يعرف لهما مخالف من الصحابة ﵃" (٣). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ) بعد ذكره الخلاف في قطع من سرق من بيت المال: "لنا: قول عمر ولم ينكر. . . ولا قطع في الخمس والغنيمة إجماعًا ولو من غير الغانمين" (٤).

стр. 6806

وقال المرداوي (٨٥٨) فيمن لا يقام عليهم الحد: "ولا مسلم بالسرقة من بيت المال. . . لا خلاف في ذلك إذا كان حرًا" (١). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "اتفقوا على أنه لا يقطع من سرق من الغنيمة، والخمس وإن لم يكن من أهلها" (٢). • مستند الإجماع: استدل الحنفية والحنابلة على أن المسلم إذا سرق من بيت المال فإنه لا يقطع، بأدلة منها: ١ - عن ابن عباس ﵄ أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فلم يقطعه، وقال: (مال اللَّه سرق بعضه بعضًا) (٣). ٢ - أن هذا الرأي مروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄ ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة (٤). ٣ - من النظر: أن لكل مسلم حقًا في بيت المال، غنيًا كان أو فقيرًا، فيكون هذا الحق شبهة تدرأ عنه الحد (٥). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المسلم إذا سرق

стр. 6807

من بيت المال فعليه القطع، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية في الأصح (٢)، وبه قال حماد (٣)، وابن المنذر، وابن حزم (٤)، إلا أن الشافعية جعلوا السرقة من بيت المال على ثلاثة أحوال: الحال الأولى: إن كان المال محرزًا لطائفة، هو منها، أو أحد أصوله أو فروعه منها، فلا قطع؛ لوجود الشبهة. الحال الثانية: إن كان المال محرزًا لطائفة ليس هو ولا أحد أصوله أو فروعه منها، فيجب القطع، لضعف الشبهة. الحال الثالثة: إن كان المال غير محرز لطائفة بعينها، فالأصح أنه إن كان له حق في المسروق، كمال المصالح، ومال الصدقة وهو مستحق لها بالفقر أو الغرم أو نحو ذلك، فلا قطع؛ للشبهة، وإن لم يكن له فيه حق قطع؛ لضعف الشبهة (٥). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع، لوجود الخلاف من المالكية، والشافعية، وحماد، وابن المنذر، وابن حزم، وقد نص ابن حزم على عدم الإجماع حيث قال: "ليست هذه القضية مما جاء به القرآن، ولا مما صح عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا مما أجمعت عليه الأمة" (٦).

стр. 6808

[٤٣/ ١] المسألة الثالثة والأربعون: من شرط إقامة حد السرقة أن يكون المسروق بلغ حد النصاب . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، فإنه لا يحد السارق إلا إذا كان المسروق بلغ نصابًا، ومقدار النصاب محل خلاف بين أهل العلم سبق بيانه (١). • من نقل الإجماع: الإجماع في هذه المسألة نقل على وجهين: الوجه الأول: أن الإجماع كان في عصر الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما الإجماع فإن الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- أجمعوا على اعتبار النصاب، وإنما جرى الاختلاف بينهم في التقدير، واختلافهم في التقدير إجماع منهم على أن أصل النصاب شرط" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في سياق شروط القطع في السرقة: "الشرط الثاني: أن يكون المسروق نصابًا ولا قطع في القليل في قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن، وداود، وابن بنت الشافعي، والخوارج، قالوا: يقطع في القليل والكثير. . . ولنا: قول النبي ﷺ : (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا) متفق عليه (٣)، وإجماع الصحابة" (٤). قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا يجب القطع بسرقة دون النصاب في قول الفقهاء كلهم، إلا الحسن، وداود، وابن بنت الشافعي، والخوارج، فإنهم قالوا: يقطع في القليل والكثير. . . ولنا: قول النبي ﷺ : (لا تقطع اليد إلا

стр. 6809

في ربع دينار فصاعدًا) متفق عليه (١)، وإجماع الصحابة" (٢). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "لا قطع بسرقة دون النصاب. . . وهو إجماع الصحابة" (٣). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) في معرض الكلام على شروط القطع: "أن يكون المسروق نصابًا. . . فلا قطع بسرقة ما دون ذلك عند عامة الفقهاء المعتد بقولهم، ولإجماع الصحابة" (٤). الوجه الثاني: أن اشتراط النصاب محل إجماع، ولم يقيد بزمن دون غيره: فهذا حكاه الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث قال: "أجمعوا أن اللَّه لم يعن بذلك كل سارقٍ، وأنه إنما عنى به خاصًا من السراق لمقدار من المال معلوم. فلا يدخل فيما قد أجمعوا عليه أن اللَّه تعالى عنى به خاصًا إلا ما قد أجمعوا أن اللَّه تعالى عناه" (٥). وقال الطرابلسي (٨٤٤ هـ) (٦): "لا خلاف في أن النصاب في باب السرقة شرط لوجوب القطع" (٧)، ونقل الإجماع على ذلك في موضع آخر (٨). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "اتفق أهل العلم أن من سرق نصابًا وجب قطعه بشرطه" (٩).

стр. 6810

• مستند الإجماع: من الأدلة على اشتراط النصاب: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا" (١). وفي لفظ لمسلم أيضا عن عائشة ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) (٢). ٢ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم (٣). • المخالفون للإجماع: خالف في اشتراط النصاب جماعة من أهل العلم، فذهب الحسن البصري، وابن بنت الشافعي (٤)، وعليه مذهب الظاهرية، إلى قطع السارق في القليل والكثير (٥). كذا نقله غير واحد من أهل العلم. إلا أن التحقيق في مذهب ابن حزم أنه يرى القطع في كل ما له قيمة، سواء قلت قيمته أو كثرت، باستثناء الذهب فاشترط أن يبلغ ربع دينار بوزن مكة. وعلى هذا فابن حزم لا يرى القطع في سرقة التافه الذي لا قيمة له، وقد نص على ذلك في كتابه "المحلى" (٦).

стр. 6811

وإذا تقرر هذا فإن ما أطلقه بعض الفقهاء من القول بأن ابن حزم يرى القطع في القليل والكثير فيه توسع. • دليل المخالف: استدل القائلون بعدم اشتراط النصاب بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن الآية عامة في وجوب قطع السارق، وليس ثمة ما يدل على تحديد النصاب، وحديث ابن عمر وعائشة في النصاب يدل على القطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم، لا على عدم القطع فيما دون ذلك. ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن عن النبي ﷺ قال: (لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) (٢). • وجه الدلالة: في الحديث إشارة إلى وجوب القطع في سرقة البيضة، أو الحبل، ومن المعلوم أن قيمة البيضة، أو الحبل، لا يساوي ما حده الفقهاء من النصاب. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم، ومن حكى إجماع الصحابة فهو من قبيل الإجماع غير القطعي المجزوم به، فإن الوارد عن الصحابة أنهم قطعوا فيما قيمته ثلاثة دراهم، أو درهمين، أو نحو ذلك، لا أنه لا قطع في أقل من نصاب معين، وقد ثبت الخلاف عمن بعد

стр. 6812

الصحابة كالحسن البصري، وابن بنت الشافعي، وداود الظاهري، ولعل من أطلق الإجماع في المسألة، أو أنه لا خلاف فيها، لم يعتبر قول المخالف وعدَّه من قبيل الشاذ الذي لا يعول عليه، واللَّه تعالى أعلم. [٤٤/ ١] المسألة الرابعة والأربعون: سارق ربع دينار وسارق أكثر من ذلك سواء في الحد . • المراد بالمسألة: يراد بمسألة الباب أن السرقة إن بلغت نصابًا فإن حد من سرق النصاب دون زيادة لا يختلف عن حد من سرق زيادة على النصاب ولو بأضعاف مضاعفة، بل الحد واحد متى توفرت شروط القطع. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "قد صح الإجماع بأن سارق ربع دينار وسارق أكثر من ذلك سواء" (١). وينبه إلى أن ابن حزم لم يرد بالتحديد بربع دينار نفي ما دونه، لأن ابن حزم كما سبق لا يرى شرطية النصاب أصلًا فيقطع بالقليل والكثير مما له قيمة، لكن مقصود ابن حزم في من اشترط النصاب، فمتى بلغت السرقة نصابًا فإن حد السارق فيما إذا سرق النصاب دون زيادة لا يختلف عن حده فيما إذا سرق زيادة على النصاب ولو بأضعاف. • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - أن اللَّه تعالى أوجب القطع على السارق والسارقة، ولم يفصل بين من سرق النصاب ومن سرق أكثر من النصاب. ٢ - أن أحاديث السنة جاءت ببيان تحديد النصاب الذي يجب فيه القطع، ولم يأت نص من الكتاب أو السنة بالتفرقة بين ما بلغ النصاب وما زاد عليه، فبقي على الأصل وهو التساوي.

стр. 6813

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤٥/ ١] المسألة الخامسة والأربعون: من سرق من بيت دار غير مشتركة السكنى، لا يقطع حتى يخرج من الدار . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص من دار خاصة لرجل، وقبض عليه وهو لم يخرج منها فإنه لا يقطع. ويتحصل من هذا أمران: الأول: أن الدار لو كانت مشتركة، كالفنادق والشقق، وخرج من باب غرفة الفندق، أو من باب الشقة إلى الممر العام، فإن هذه غير مسألة الباب، والقطع فيها حكاه القرطبي بغير خلاف (١). الثاني: لو كانت الدار خاصة وقُبض عليه قبل أن يخرج منها، فإن هذه غير مسألة الباب، إذ قد سبق الكلام عليها في أول الكتاب (٢). • من نقل الإجماع: قال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما الحرز عند الذين أوجبوه فإنهم اتفقوا منه على أشياء واختلفوا في أشياء. . . مثل اتفاقهم على من سرق من بيت دار غير مشتركة السكنى أنه لا يقطع حتى يخرج من الدار" (٣). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "وأما الحرز عند الذين أوجبوه فإنهم اتفقوا منه على أشياء واختلفوا في أشياء. . . مثل اتفاقهم على من سرق من بيت دار غير

стр. 6814

مشتركة السكنى أنه لا يقطع حتى يخرج من الدار" (١). ويمكن أن يضاف لهذه النقولات ما ذكرناه في المسألة الثانية عشرة بعنوان: "السارق إذا دخل البيت ولم يخرج بالمتاع لا يُقطع"، فإنها تدل على أن من أخذ المال من الدار المحرزة ولم يخرج المال من الحرز فلا قطع عليه. • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٢). وفي رواية أخرى للنسائي أن رسول اللَّه ﷺ سُئل في كم تقطع اليد؟ قال: (لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن) (٣). • وجه الدلالة: أن الشارع جعل من شرط القطع أن يكون المال محرزًا، وذلك يدل على أن من شرط القطع هتك الحرز وإخراج المتاع منه (٤). ٢ - من النظر: أن من لم يخرج من الحرز لا يعد سارقًا حقيقة، وإنما هو كمن وضع بين يديه خمرًا ليشربها، ولم يفعل، أو كرجل جلس بين يدي امرأة يريد أن يصيبها، ثم لم يفعل، فليس على أحد من هؤلاء حد، والمقصود

стр. 6815

بالسرقة هو إخراج المال، لا هتك الحرز، فإذا لم يتحقق المقصود فلا يعد الشخص سارقًا حقيقة (١). • المخالفون للإجماع: خالف الظاهرية في مسألة الباب (٢)، حيث ذهبوا إلى وجوب القطع بناءً على أن الحرز غير شرط في القطع، ونقل ابن حزم هذا القول عن عائشة ﵂، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، والحسن البصري (٣). • دليل المخالف: علل ابن حزم لمسألة الباب بأنه ليس من شرط القطع في السرقة أن يأخذه من حرز، وليس في نصوص الشارع نص صريح صحيح على اشتراط الحرز، كما أنه ليس في لغة العرب ما يدل على أن الحرز معتبر في السرقة، بل نقل الإجماع على أن السرقة تطلق على الآخذ بخفية، وليس في لغة العرب أن يكون المال محرزًا، فقال: "أما الإجماع فينه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفي بأخذ ما ليس له، وأنه لا مدخل للحرز فيما اقتضاه الاسم، فمن أقحم في ذلك اشتراط الحرز فقد خالف الإجماع على معنى هذه اللفظة في اللغة، وادعى في الشرع ما لا سبيل له إلى وجوده، ولا دليل على صحته" (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لوجود الخلاف من الظاهرية.

стр. 6816

[٤٦/ ١] المسألة السادسة والأربعون: يشترط للحد ألا يكون للسارق في المال المسروق شبهة ملك . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، ولم يكن للسارق شبهة ملك بالمال المسروق فإنه لا يقطع، ومن صور شبهة الملك سرقة الأب من ابنه، وهي محل اتفاق بين الأئمة الأربعة، ومنها سرقة الزوج من زوجته، أو العبد من سيده، أو السرقة من بيت المال، أو سرقة الشريك من مال شريكه في المال المشترك بينهما وما أشبه ذلك، وإن كانت هذه الصور محل خلاف بين أئمة المذاهب الفقهية الأربعة. • من نقل الإجماع: هذه المسألة تندرج قحت قاعدة كلية مشهورة عند أهل الفقه، يعبر عنها بمسألة "درأ الحدود بالشبهات"، ومعلوم أن هذه القاعدة متفق عليها عند أئمة المذاهب الأربعة على اختلاف بينهم في الصور المندرجة تحتها، بل نقل ابن المنذر فيها الإجماع، فقال: "وأجمعوا على أن درء الحد بالشبهات" (١). وأما نص المسألة: قال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن من شرط المسروق الذي يجب فيه القطع أن لا يكون للسارق فيه شبهة ملك" (٢). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "اتفقوا على أن من شرط المسروق الذي يجب فيه القطع أن لا يكون للسارق فيه شبهة ملك" (٣). • مستند الإجماع: جاء في نصوص الشرع أدلة كثيرة تقرر درأ الحدود بالشبهات فمنها: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرءوا الحدود عن

стр. 6817

المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا) (٢) (٣).

стр. 6818

• المخالفون للإجماع: خالف الظاهرية في مسألة الباب وذهبوا إلى أن الحد لا يدرأ بالشبهات، وهذا هو مذهب الظاهرية، كما بينه ابن حزم فقال: "ذهب قوم إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات، فأشدهم قولًا بها واستعمالًا لها أبو حنيفة وأصحابه، ثم المالكيون، ثم الشافعيون. وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة، ولا أن تقام بشبهة، وإنما هو الحق للَّه تعالى ولا مزيد، فان لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة؛ لقول رسول اللَّه ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام) (١)، وإذا ثبت الحد لم يحل أن يدرأ بشبهة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (٢) " (٣). وعليه فمذهب الظاهرية أن من سرق من مال أبيه، أو مال ابنه، فإن عليه الحد إذا توفرت فيه شروط القطع، ولا يدرأ الحد بالشبهة حينئذ (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة من حيث العموم ليست محل إجماع متحقق، لكن ينبه إلى أن بعض الصور المندرجة تحت القاعدة قد تكون محل إجماع، لا لكونها شبهة تدرأ به الحد، بل لدليل آخر يكون نصًا في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٤٧/ ١] المسألة السابعة والأربعون: لا يشترط لإقامة الحد مطالبة صاحب المال المسروق بالحد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص، لكن صاحب المال المسروق لم يطالب بالحد، فإنه يجب إقامة الحد حينئذٍ، ولا عبرة بمطالبة صاحب المال المسروق بإقامة الحد من عدمه في إقامة حد السرقة.

стр. 6819

ويتنبه إلى أن ثمة مسألة وهي مطالبة صاحب المال المسروق بماله، وهذه مسألة أخرى محل خلاف ليست مسألة الباب، ومسألة الباب هي فيما لو ثبت الحد، فهل يشترط مطالبة صاحب المال المسروق بإقامة الحد أم لا. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، لكنهم يتفقون على أنه لا يحتاج إلى مطالبة المسروق" (١)، أي مطالبته بالحد. • مستند الإجماع: مما يدل على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة: عموم الآية، وليس في نصوص الشريعة دليل على اشتراط مطالبة صاحب المال المسروق، وقد أقام النبي ﷺ أقام حد السرقة وكذا الصحابة بعده، ولم يرد عن أحد منهم اشتراط مطالبة صاحب المال المسروق بالحد. ٢ - حديث عائشة ﵂ في شأن المرأة المخزومية التي سرقت ﷺ ، فأمر بتلك بها فقطعت يدها (٣). • وجه الدلالة: أن حد السرقة حد للَّه ، فإذا ثبت عند الإمام وجب إقامته، ولا يملك صاحب المال المسروق إقامته أو إبطاله بالعفو. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6820

الفصل الثالث مسائل الإجماع فيما يثبت به حد السرقة [٤٨/ ١] المسألة الثامنة والأربعون: يثبت حد السرقة بشهادة رجلين . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الشهادة لغةً واصطلاحًا: • الشهادة لغةً: تطلق الشهادة في لغة العرب على عدة معان هي: أولًا: بمعنى العلم والبيان: قال ابن فارس: "يقال: شهد فلان عند القاضي: إذا بيَّن لمن الحق وعلى من هو، فالشاهد هو الذي يبين ما علمه" (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢)، فقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الشهادة هنا بمعنى بيَّن وأعلم، منهم القرطبي حيث قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: أي بيَّن وأعلم، كما يقال: شهد فلان عند القاضي: إذا بين وأعلم لمن الحق، أو على من هو" (٣)، وقال البغوي: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، أي: بيّن اللَّه، لأن الشهادة تبيين" (٤). ثانيًا: بمعنى الحضور: قال الفيومي: "شهدتُ المجلس: حضرتُه" (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٦)، أي كان حاضرًا في البلد حين دخل شهر رمضان (٧)، وكذا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ (٨)،

стр. 6821

أي حضور (١). ثالثًا: بمعنى المشاهدة والمعاينة: تقول: شهد فلان زيدًا: أي شاهده وعاينه، قال الفيومي: "شهدت الشيء: اطلعت عليه وعاينته، فأنا شاهد" (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ (٣)، عند جماعة من أهل التفسير منهم ابن كثير حيث قال: "أي: مشاهدون لما يُفعل بأولئك المؤمنين" (٤). رابعًا: بمعنى الحلف، قال ابن منظور: "قولهم: اشهدْ بكذا: أي احلفْ" (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ (٦)، أي أن تحلف (٧)، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ (٨)، قال ابن الجوزي (٩): "وهذه الآية تدل على أن قول القائل: "أشهد" يمين؛ لأنهم قالوا: ﴿نَشْهَدُ﴾ فجعله يمينًا بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (١٠) " (١١).

стр. 6822

خامسًا: بمعنى الإخبار خبر قاطع، تقول: شهد فلان على كذا: أي أخبر، قال الفيروزآبادي: "الشهادة: خبر قاطع" (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢). سادسًا: بمعنى العلم، قال الأزهري: "الشاهد: هو العالم الذي يبين ما علمه" (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾ (٤) (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٦)، أي كتم علمًا بلغه من اللَّه تعالى (٧). وقد جمع ابن فارس هذه المعاني الست في معان ثلاث أصول فقال: "الشين والهاء والدال أصلٌ يدلُّ على حضور، وعلم، وإعلام، لا يخرُج شيءٌ من فروعه عن الذي ذكرناه" (٨). • الشهادة اصطلاحًا: قال الجرجاني: "الشهادة هي في الشريعة: إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر" (٩). وقال الكاساني: "هو الإخبار عن كون ما في يد غيره لغيره" (١٠). وقيل: هي خبر

стр. 6823

خاص قصد به ترتيب فصل القضاء عليه (١). والشهادة إما أن تكون مأخوذة من المشهادة التي هي المعاينة، وعلى هذا المعنى فتسمية الإخبار في حضور القاضي عن صفة وكيفية المدعى به شهادة يكون من قبيل المجاز حيث أطلق اسم السبب على المسبب. وإما أن تكون مأخوذة من الشهود، ومعنى الشهود الحضور؛ لأن الشاهد يحضر بعد مجلس المحاكمة مجلس القاضي للشهادة فيطلق بطريق المجاز عليها شهادة (٢). وللشهادة حالان: الحال الأولى: حال تحمل، وهو أن يدعى الشخص ليشهد ويحفظ الشهادة. الحال الثانية: حال أداء، وهو أن يدعى الشخص ليشهد بما علمه (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان ثبوت السرقة بالبينة، فيشترط في الشهود شرطان: أحدها: كونهم رجال. والثاني: أن يكونوا اثنين، فأكثر. فإن اختل أحد الشرطين فلا قطع، ما لم تكن السرقة حصلت في مجمع خاص بالنساء، كالحمام، أو مكان عرس خاص بالنساء، أو نحو ذلك. ويتبين مما سبق أن الحد لو ثبت بإقرار المرأة على نفسها بالسرقة، أو كان بالشهود وكانت السرقة في مجمع نسائي محض، كالحمام، فكل ذلك ليس من مسائل الباب، وكذا مسألة الضمان غير مرادة كما لو كان الشهود رجل

стр. 6824

وامرأتان، فإنه لا قطع من حيث الحد، أما مسألة هل يضمن المال المدعى عليه بالسرقة أو لا، فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: هذه المسألة حاصلها التقسيم إلى مسألتين: • المسألة الأولى: أن يكون الشهود رجالًا: قال الزهري (١٢٤ هـ): "مضت السنة من رسول اللَّه ﷺ والخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود" (١). ونقل ابن حجر عن أبي عبيد القاسم بن سلام (٢١٤ هـ) اتفاق الفقهاء على عدم قبول شهادة النساء في الحدود (٢). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن شهادتهن -أي النساء- لا تقبل في الحدود" (٣). • مستند الإجماع: القرآن قول اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٤). • وجه الدلالة: ١ - أن اللَّه تعالى بين أن في شهادة النساء ضرب من الشبهة، من جهة أن الضلال والنسيان يغلب عليهن، ويقل معهن معنى الضبط والفهم. ٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ (٥) قال: خرج رسول اللَّه ﷺ في أضحى أو

стр. 6825

فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار) فقلن: وبم يا رسول اللَّه؟ قال: (تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ ) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ ) قلن: بلى، قال: (فذلك من نقصان دينها) (١). • وجه الدلالة: الحديث صريح في كون المرأة ناقصة في الشهادة عن شهادة الرجال، وأنها معرضة للضلال والنسيان في شهادتها، وهذا من جملة الشبهات التي تدرأ بها الحدود (٢). • المخالفون للإجماع: القول باشتراط الرجال عليه عامة أهل العلم، لكن نُقل فيه الخلاف عن عطاء حيث قال: "تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء، وتجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال" (٣). وحكي عن طاووس (٤) أنه قال: "تجوز شهادة النساء في كل شيء مع

стр. 6826

الرجال إلا الزنا؛ من أجل أنه لا ينبغى أن ينظرن إلى ذلك" (١). وممن خالف أيضًا ابن حزم فأجاز شهادة النساء، حيث قال: "ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود، والدماء، وما فيه القصاص، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والأموال، إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجلان وامرأتان كذلك، أو أربع نسوة كذلك" (٢). • دليل المخالف: استدل القائلون بقبول شهادة النساء في الحدود أن الأصل قبول والشهادة، ليس ثمة نص من كتاب أو سنة يمنع ذلك. • المسألة الثانية: أن يكون الشهود اثنان فأكثر: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا في أن قطع يد السارق إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان عدلان مسلمان حران ووصفا ما يجب فيه القطع ثم عاد أنه يقطع" (٣). ونقل ابن حزم (٤٥٦ هـ) الاتفاق على القطع بشاهدين (٤). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين" (٥). وقال صاحب تكلمة المجموع: "اتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين" (٦). • المخالفون للإجماع: الذي يظهر -والعلم عند اللَّه تعالى- أن عدم قبول شهادة الواحد محل إجماع؛ فإنه لا مخالف في المسألة فيما اطلعت عليه من كتب أهل العلم، ولا أشار أحد من أهل العلم إلى قول، أو رواية، أو وجه يبيح شهادة الواحد.

стр. 6827

أما الاكتفاء بالاثنين فحكي عن الحسن البصري أنه لا تقبل شهادة أقل من أربعة قياسًا على الزنا (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن اشتراط الرجال للشهادة بحد السرقة ليس محل إجماع متحقق، ولذا لما ذكر ابن رشد الحفيد المسألة نسب القول باشتراط الرجال للجمهور فقال: "واختلفوا في قبولهما في الحدود، فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات" (٢)، وكذا صنع ابن حجر (٣)، وهو في ذلك متبع لابن بطال حيث قال في شرحه: "أجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز في الحدود والقصاص" (٤)، فلم يجزم بالإجماع وإنما جعله للأكثر. أما عدد الشهود فعامة أهل العلم على أنه يكفي اثنين، وعند الحسن لا بد من أربعة، وثمة أجماع على أنه لا يكفي الواحد، واللَّه تعالى أعلم. [٤٩/ ١] المسألة التاسعة والأربعون: يثبت حد السرقة بالشهادة إذا لم يختلف الشاهدان أو يتراجعا عن شهادتهما . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان ثبوتها بشاهدة شاهدين، فيشترط حينئذ شرطان: أحدهما: أن لا تختلف شهادتهما في تعيين السارق، أو في المكان، أو الزمان، أو جنس المسروق. فإن اختلفت، بأن شهد الأول بأن السارق فلان، وشهد الثاني بأنه فلان آخر، أو شهد الأول بأن السرقة كانت صباحًا، وشهد الآخر أنها كانت مساءً، أو شهد الأول أنها من منزل فلان، وشهد الثاني أنها من منزل فلان آخر، أو

стр. 6828

شهد الأول أن المسروق بقرة، وشهد الآخر أنه حمارًا، فلا قطع. الثاني: ألا يتراجع أحد عن أداء الشهادة، فإن تراجع أحد الشاهدين عن الشهادة فمسألة أخرى. فإذا توفر الشرطان، وتوفرت شروط السرقة الباقية قطع بالإجماع، وإن تراجعا أو اختلفت شهادتهما لم يقطع. ويتبين مما سبق أن الاختلاف في لون المسروق ليس من مسألة الباب؛ فإن الخلاف فيها مشهور بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. • من نقل الإجماع: يظهر مما سبق أن مسألة الباب على شقين: أحدها: وجوب قطع من شهد عليه شاهدان، لم يتراجعا عن شهادتهما. الثاني: اشتراط الاتفاق في الوصف، فإن اختلفت شهادتهما في المكان أو الزمان أو جنس المسروق. وهذه نصوص أهل العلم في نقل الإجماع: حكى ابن حزم (٤٥٦ هـ) الاتفاق أن من سرق ما يوجب القطع، وشهد عليه شاهدان ولم يتراجعا أو يختلفا في الشهادة فإنه يُقطع (١). ونقل ابن قدامة (٦٢٠ هـ) الإجماع على أنه لو اختلف الشاهدان في جنس المسروق أو مكانه أو زمانه فإنه لا قطع، فقال: "إذا اختلف الشاهدان في الوقت، أو المكان، أو المسروق، فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر أنه سرق يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت، وشهد الآخر أنه سرق من هذا البيت، أو قال أحدهما: سرق ثورا، وقال الآخر: سرق بقرة، أو قال: سرق ثورًا، وقال الآخر: سرق حمارًا، لم يقطع في قولهم جميعًا" (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وإذا اختلف الشاهدان في الوقت

стр. 6829

أو الزمان أو المسروق فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس والآخر أنه سرق يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت والآخر أنه سرق من هذا البيت الآخر، أو قال أحدهما: سرق ثورًا، وقال الآخر: سرق بقرة، أو قال الآخر: سرق حمارًا، لم يقطع في قولهم جميعًا" (١). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "مما يُسقط الحد اختلاف الشهود في المكان مع التباين الكبير كالبصرة وبغداد، فلا حد عليه إجماعًا" (٢). • مستند الإجماع: أما وجوب الحد على من شهد عليه شاهدان ولم يتراجعا فعلَّته ظاهرة من حيث أن الأصل إقامة الحد بالشهود، واتفاقهما على الشهادة مع عدم التراجع من أحدهما يدل على ضبطها. وأما سقوط الحد إن اختلفت شهادتهما أو تراجع أحدهما فسببه أن تراجع أحدهما، أو اختلاف شهادتهما، إشعار على عدم ضبط الشهادة، ويكون في إقامة الحد شبهة حينئذ، والحدود تدرأ بالشبهات. • المخالفون للإجماع: خالف ابن حزم في بعض الصور المندرجة في مسألة الباب، فيرى مثلًا أن اختلاف الشهود في تعيين السارق يسقط القطع، أما اختلافهما في المكان، أو الزمان، أو جنس المسروق، فلا يسقط الحد، وفي ذلك يقول: "الذي نقول به: أن كل ما تمت به الشهادة، ووجب القضاء بها، فإن كل ما زاده الشهود على ذلك فلا حكم له، ولا يضر الشهادة اختلافهم، كما لا يضرها سكوتهم عنه، وأن كل ما لا تتم الشهادة إلا به فهذا هو الذي يفسدها اختلافهم، فالشهادة إذا تمت من أربعة عدول بالزنى على إنسان، بامرأة يعرفونها أجنبية، لا يشكون في ذلك، ثم اختلفوا في المكان، أو في الزمان، أو في المزني بها، فقال بعضهم: أمس بامرأة سوداء، وقال بعضهم: بامرأة

стр. 6830

بيضاء اليوم، فالشهادة تامة، والحد واجب؛ لأن الزنى قد تم عليه، ولا يحتاج في الشهادة إلى ذكر مكان ولا زمان، ولا إلى ذكر التي زنى بها، فالسكوت عن ذكر ذلك وذكره سواء، وكذلك في السرقة، ولو قال أحدهما: أمس، وقال الآخر: عام أول، أو قال أحدهما: بمكة، وقال الآخر: ببغداد، فالسرقة قد صحت، وتمت الشهادة فيها، لا معنى لذكر المكان، ولا الزمان، ولا الشيء المسروق منه، سواء اختلفا فيه، أو اتفقا فيه، أو سكتا عنه؛ لأنه لغو، وحديث زائد، ليس من الشهادة في شيء" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، في أنه لو اتفقت شهادتهما ولم يتراجعا فيجب القطع. أما اشتراط اتفاق الشهود فعلى قسمين: الأول: الاتفاق في تعيين السارق، فهذا محل إجماع. الثاني: الاتفاق في الزمان، أو المكان، أو جنس المسروق، فذلك ليس بمحل إجماع، واللَّه تعالى أعلم. [٥٠/ ٣] المسألة الخمسون: يكفي في الإقرار، الإقرار المجرد دون إحضار المال المسروق . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص على نفسه مختارًا بما يوجب حد السرقة، فإنه لا يشترط لإقامة الحد أن يحضر المال المسروق. ويتحصل مما سبق أن السرقة لو ثبتت ببينة، أو كان إقرار السارق فيه نوع وإكراه كأن يمتحن بالضرب أو الحبس، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "قد روينا عن أبي بكر الصديق بحضرة عمر بن الخطاب وسائر الصحابة ﵃ أنه قَطَع [إلا
следующие страницы →