← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

الرجال إلا الزنا؛ من أجل أنه لا ينبغى أن ينظرن إلى ذلك" (١). وممن خالف أيضًا ابن حزم فأجاز شهادة النساء، حيث قال: "ولا يقبل في سائر الحقوق كلها من الحدود، والدماء، وما فيه القصاص، والنكاح، والطلاق، والرجعة، والأموال، إلا رجلان مسلمان عدلان، أو رجلان وامرأتان كذلك، أو أربع نسوة كذلك" (٢). • دليل المخالف: استدل القائلون بقبول شهادة النساء في الحدود أن الأصل قبول والشهادة، ليس ثمة نص من كتاب أو سنة يمنع ذلك. • المسألة الثانية: أن يكون الشهود اثنان فأكثر: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا في أن قطع يد السارق إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان عدلان مسلمان حران ووصفا ما يجب فيه القطع ثم عاد أنه يقطع" (٣). ونقل ابن حزم (٤٥٦ هـ) الاتفاق على القطع بشاهدين (٤). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين" (٥). وقال صاحب تكلمة المجموع: "اتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين" (٦). • المخالفون للإجماع: الذي يظهر -والعلم عند اللَّه تعالى- أن عدم قبول شهادة الواحد محل إجماع؛ فإنه لا مخالف في المسألة فيما اطلعت عليه من كتب أهل العلم، ولا أشار أحد من أهل العلم إلى قول، أو رواية، أو وجه يبيح شهادة الواحد.

стр. 6827

أما الاكتفاء بالاثنين فحكي عن الحسن البصري أنه لا تقبل شهادة أقل من أربعة قياسًا على الزنا (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن اشتراط الرجال للشهادة بحد السرقة ليس محل إجماع متحقق، ولذا لما ذكر ابن رشد الحفيد المسألة نسب القول باشتراط الرجال للجمهور فقال: "واختلفوا في قبولهما في الحدود، فالذي عليه الجمهور أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود لا مع رجل ولا مفردات" (٢)، وكذا صنع ابن حجر (٣)، وهو في ذلك متبع لابن بطال حيث قال في شرحه: "أجمع أكثر العلماء على أن شهادتهن لا تجوز في الحدود والقصاص" (٤)، فلم يجزم بالإجماع وإنما جعله للأكثر. أما عدد الشهود فعامة أهل العلم على أنه يكفي اثنين، وعند الحسن لا بد من أربعة، وثمة أجماع على أنه لا يكفي الواحد، واللَّه تعالى أعلم. [٤٩/ ١] المسألة التاسعة والأربعون: يثبت حد السرقة بالشهادة إذا لم يختلف الشاهدان أو يتراجعا عن شهادتهما . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان ثبوتها بشاهدة شاهدين، فيشترط حينئذ شرطان: أحدهما: أن لا تختلف شهادتهما في تعيين السارق، أو في المكان، أو الزمان، أو جنس المسروق. فإن اختلفت، بأن شهد الأول بأن السارق فلان، وشهد الثاني بأنه فلان آخر، أو شهد الأول بأن السرقة كانت صباحًا، وشهد الآخر أنها كانت مساءً، أو شهد الأول أنها من منزل فلان، وشهد الثاني أنها من منزل فلان آخر، أو

стр. 6828

شهد الأول أن المسروق بقرة، وشهد الآخر أنه حمارًا، فلا قطع. الثاني: ألا يتراجع أحد عن أداء الشهادة، فإن تراجع أحد الشاهدين عن الشهادة فمسألة أخرى. فإذا توفر الشرطان، وتوفرت شروط السرقة الباقية قطع بالإجماع، وإن تراجعا أو اختلفت شهادتهما لم يقطع. ويتبين مما سبق أن الاختلاف في لون المسروق ليس من مسألة الباب؛ فإن الخلاف فيها مشهور بين أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. • من نقل الإجماع: يظهر مما سبق أن مسألة الباب على شقين: أحدها: وجوب قطع من شهد عليه شاهدان، لم يتراجعا عن شهادتهما. الثاني: اشتراط الاتفاق في الوصف، فإن اختلفت شهادتهما في المكان أو الزمان أو جنس المسروق. وهذه نصوص أهل العلم في نقل الإجماع: حكى ابن حزم (٤٥٦ هـ) الاتفاق أن من سرق ما يوجب القطع، وشهد عليه شاهدان ولم يتراجعا أو يختلفا في الشهادة فإنه يُقطع (١). ونقل ابن قدامة (٦٢٠ هـ) الإجماع على أنه لو اختلف الشاهدان في جنس المسروق أو مكانه أو زمانه فإنه لا قطع، فقال: "إذا اختلف الشاهدان في الوقت، أو المكان، أو المسروق، فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس، والآخر أنه سرق يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت، وشهد الآخر أنه سرق من هذا البيت، أو قال أحدهما: سرق ثورا، وقال الآخر: سرق بقرة، أو قال: سرق ثورًا، وقال الآخر: سرق حمارًا، لم يقطع في قولهم جميعًا" (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وإذا اختلف الشاهدان في الوقت

стр. 6829

أو الزمان أو المسروق فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس والآخر أنه سرق يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت والآخر أنه سرق من هذا البيت الآخر، أو قال أحدهما: سرق ثورًا، وقال الآخر: سرق بقرة، أو قال الآخر: سرق حمارًا، لم يقطع في قولهم جميعًا" (١). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "مما يُسقط الحد اختلاف الشهود في المكان مع التباين الكبير كالبصرة وبغداد، فلا حد عليه إجماعًا" (٢). • مستند الإجماع: أما وجوب الحد على من شهد عليه شاهدان ولم يتراجعا فعلَّته ظاهرة من حيث أن الأصل إقامة الحد بالشهود، واتفاقهما على الشهادة مع عدم التراجع من أحدهما يدل على ضبطها. وأما سقوط الحد إن اختلفت شهادتهما أو تراجع أحدهما فسببه أن تراجع أحدهما، أو اختلاف شهادتهما، إشعار على عدم ضبط الشهادة، ويكون في إقامة الحد شبهة حينئذ، والحدود تدرأ بالشبهات. • المخالفون للإجماع: خالف ابن حزم في بعض الصور المندرجة في مسألة الباب، فيرى مثلًا أن اختلاف الشهود في تعيين السارق يسقط القطع، أما اختلافهما في المكان، أو الزمان، أو جنس المسروق، فلا يسقط الحد، وفي ذلك يقول: "الذي نقول به: أن كل ما تمت به الشهادة، ووجب القضاء بها، فإن كل ما زاده الشهود على ذلك فلا حكم له، ولا يضر الشهادة اختلافهم، كما لا يضرها سكوتهم عنه، وأن كل ما لا تتم الشهادة إلا به فهذا هو الذي يفسدها اختلافهم، فالشهادة إذا تمت من أربعة عدول بالزنى على إنسان، بامرأة يعرفونها أجنبية، لا يشكون في ذلك، ثم اختلفوا في المكان، أو في الزمان، أو في المزني بها، فقال بعضهم: أمس بامرأة سوداء، وقال بعضهم: بامرأة

стр. 6830

بيضاء اليوم، فالشهادة تامة، والحد واجب؛ لأن الزنى قد تم عليه، ولا يحتاج في الشهادة إلى ذكر مكان ولا زمان، ولا إلى ذكر التي زنى بها، فالسكوت عن ذكر ذلك وذكره سواء، وكذلك في السرقة، ولو قال أحدهما: أمس، وقال الآخر: عام أول، أو قال أحدهما: بمكة، وقال الآخر: ببغداد، فالسرقة قد صحت، وتمت الشهادة فيها، لا معنى لذكر المكان، ولا الزمان، ولا الشيء المسروق منه، سواء اختلفا فيه، أو اتفقا فيه، أو سكتا عنه؛ لأنه لغو، وحديث زائد، ليس من الشهادة في شيء" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، في أنه لو اتفقت شهادتهما ولم يتراجعا فيجب القطع. أما اشتراط اتفاق الشهود فعلى قسمين: الأول: الاتفاق في تعيين السارق، فهذا محل إجماع. الثاني: الاتفاق في الزمان، أو المكان، أو جنس المسروق، فذلك ليس بمحل إجماع، واللَّه تعالى أعلم. [٥٠/ ٣] المسألة الخمسون: يكفي في الإقرار، الإقرار المجرد دون إحضار المال المسروق . • المراد بالمسألة: إذا أقر شخص على نفسه مختارًا بما يوجب حد السرقة، فإنه لا يشترط لإقامة الحد أن يحضر المال المسروق. ويتحصل مما سبق أن السرقة لو ثبتت ببينة، أو كان إقرار السارق فيه نوع وإكراه كأن يمتحن بالضرب أو الحبس، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "قد روينا عن أبي بكر الصديق بحضرة عمر بن الخطاب وسائر الصحابة ﵃ أنه قَطَع [إلا

стр. 6831

قطع] (١) بإقرار مجرد دون إحضار السرقة" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن الآية عامة، وليس فيها اشتراط أن يكون السارق معه المال المسروق. ٢ - عن أبي أمية المخزومي أن رسول اللَّه ﷺ أتي بلص اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (ما إخالك سرقت) قال: بلى، قال: (اذهبوا به فاقطعوه)، ثم جيئوا به، فقطعوه، ثم جاءوا به، فقال له: (قل أستغفر اللَّه وأئوب إليه) فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قال: (اللهم تب عليه) (٤). • وجه الدلالة: قوله: "ولم يوجد معه متاع"، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بقطعه حين أقر. ٣ - نصوص السنة الدالة على القطع؛ إذ ليس في شيء منها اشتراط إحضار المال المسروق. • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم عن المالكية خلافًا في مسألة الباب، وأن من أقر بسرقة مال معين، فلا بد من إحضار المال المسروق ليقبل إقراره (٥). • دليل المخالف: استدل المخالف بأنه مروي عن ابن عمر ﵁، بما رواه

стр. 6832

ابن حزم أن ابن عمر استفتي في إنسان متهم بسرقة فجُلد حتى اعترف بها، فقال ﵁: "لا تُقطع يده حتى يبرزها" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، وإن كنت لم أجد عن المالكية شيئًا في أن المقر لا يقبل إقراره إلا بإحضار المال المسروق، فإن ثبت كلام ابن حزم في خلاف المالكية، فإن المسألة حينئذ ليست بإجماع، وإن لم يثبت كلام ابن حزم فالمسألة حينئذ محل إجماع؛ لأن من نقل الخلاف في المسألة إنما يذكرها فيما لو أكره الشخص على الإقرار، فقال طائفة لا يقبل الإقرار إلا بما يدل على سرقته كأن يحضر المال المسروق (٢). وأما جعل إحضار المال المسروق شرطًا عامًا في كل اعتراف فلم أجده لأحد من أهل العلم، واللَّه تعالى أعلم. [٥١/ ١] المسألة الحادية والخمسون: السرقة تثبت بالإقرار . • المراد بالمسألة: لو أقر شخص حر على نفسه بالسرقة، دون تهديد من غيره، وكان ممن يصح إقراره، فإن الحد يثبت عليه. ويتخرج من ذلك أن الشخص لو كان عبدًا، أو كان أقر على نفسه بموجب التهديد والعذاب، أو كان ممن لا يصح إقراره، كالصغير، والمجنون،

стр. 6833

ونحوهما، فكل ذلك غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من أقر على نفسه بسرقة، في مجلسين مختلفين، وثبت على إقراره، أو أحضر ما سرق، أن القطع يجب عليه" (١). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن السرقة تثبت بشاهدين عدلين، وعلى أنها تثبت بإقرار الحر" (٢). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما في صحيح مسلم عن بريدة ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال: (ويحك ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه، طهرني؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (ويحك، ارجع فاستغفر اللَّه وتب إليه)، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال النبي ﷺ مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول اللَّه ﷺ : (فيم أطهرك)؟ فقال: من الزنى، فسأل رسول اللَّه ﷺ : (أبه جنون)؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أشَرِب خمرًا)؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال فقال رسول اللَّه ﷺ : (أزنيت)؟ فقال: نعم، فأمر به فرُجِم. ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول اللَّه طهرني؟ فقال: (ويحك، ارجعي فاستغفري اللَّه وتوبي إليه) فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: (وما ذاك؟ )، قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: (آنت؟ ) قالت: نعم، فقال لها: (حتى تضعي ما في بطنك) قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: (إذا لا نرجمها وندع لها ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه)، فقام رجل

стр. 6834

من الأنصار فقال إلى رضاعه يا نبي اللَّه، قال: فرجمها (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقام على ماعز والغامدية الحد بموجب إقرارهما، مما يدل على اعتبار الإقرار في الحد، ويندرج تحته حد السرقة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٢/ ١] المسألة الثانية والخمسون: باب البيت وغلقه حرز . • المراد بالمسألة: من كان عنده مال فوضعه في بيته وأغلق الباب، أو عقله إن غاب عنه، فإن ماله يعتبر محرزًا. ويتبين من هذا أن ثمة مسألتين غير مرادتين هنا: • المسألة الأولى: لو أغلق الباب، ثم غاب عنه، ولم يكن قد عقل الباب بقفل أو نحوه، فهذه مسألة أخرى هي محل خلاف بين أهل العلم هل يعتبر حرزًا أم لا، كما سيأتي في كلام ابن عبد البر قريبًا. • المسألة الثانية: لو كان البيت عبارة عن عمارة ولها أبواب لكل شخص باب خاص به، كما هو الحال في الشقق والفنادق، فإن إغلاق الباب العام للعمارة لا يعتبر من مسألة الباب، وكذا لو لم يضع المال في البيت، بل وضعه في الممر العام داخل العمارة، فأخذه شخص آخر فإنه غير داخل في مسألة الباب، ويوضح ذلك ما قاله القرطبي في تفسيره: "لا خلاف أن الساكنين في دار واحدة كالفنادق التي يسكن فيها كل رجل بيته على حدة، يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعة الدار وإن لم يدخل بها بيته ولا خرج بها من الدار. ولا خلاف في أنه لا يقطع من سرق منهم من قاعة الدار شيئًا، وإن أدخله بيته أو أخرجه من الدار؛ لأن قاعتها مباحة للجميع للبيع والشراء، إلا أن تكون

стр. 6835

دابة في مربطها أو ما يشبهها من المتاع" (١). • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لم يختلفوا أن من فتح باب دار أو بيت وسرق منه ما يبلغ المقدار أنه يقطع، وقد أبى كثير من الفقهاء أن يجعلوا ذلك حرزًا إذا غاب عنه صاحبه، ولم يكن عقله، ولا تحت حرزه وقفله" (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "وأما الحرز عند الذين أوجبوه فإنهم اتفقوا منه على أشياء واختلفوا في أشياء، مثل اتفاقهم على أن باب البيت وغلقه حرز" (٣). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "لو نقب الحائط أو كسر الباب أو فتحه وأخذ النصاب فإنه يقطع باتفاق" (٤). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "لو نقب الحائط أو كسر الباب أو فتحه وأخذ النصاب فإنه يقطع باتفاق" (٥). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "وأما الحرز عند الذين أوجبوه فإنهم اتفقوا منه على أشياء واختلفوا في أشياء مثل اتفاقهم على أن باب البيت وغلقه حرز" (٦). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما يلي: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه

стр. 6836

بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (١). وفي رواية أخرى للنسائي أن رسول اللَّه ﷺ سُئل في كم تقطع اليد؟ قال: (لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب القطع فيمن سرق من الثمر بعد وضعه في الجرين؛ لأن الجرين موضع حفظ للطعام وحرزه، وكذلك هنا فإن وضع باب للبيت وغلقه يعتبر حرزًا له. ٢ - من النظر: أن المذاهب الأربعة متفقة على أن مرجع الحرز إلى العرف (٣)، وقد تعارف المسلمون على أن باب البيت وغلقه يُعتبر حرزًا للبيت. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، ولا يشكل عليه أن ثمة من لم ير الحرز أصلًا؛ لأن من لا يرى الحرز فإنه يرى القطع في هذه المسألة أيضًا من باب أولى، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6837

الفصل الرابع مسائل الإجماع فيما يوجب حد السرقة [٥٣/ ٤] المسألة الثالثة والخمسون: من سرق عبدًا صغيرًا فعليه القطع . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان المسروق عبدًا صغيرًا لا يعبِّر عن نفسه، وتوفرت فيه شروط القطع كبلوغ قيمه النصاب، وكونه أخذ من حرز وغير ذلك، فإن فيه الحد. ويتبيَّن مما سبق أن المسروق لو كان حرًا، أو كان عبدًا كبيرًا، أو صغيرًا لكنه يفهم، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أنه من سرق عبدًا صغيرًا من الحرز أن عليه القطع" (١) ونقله عنه ابن قدامة (٢)، وابن قاسم (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا نعلم خلافًا في أن من سرق عبدًا صغيرًا لا يفهم أن عليه القطع" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن سرق عبدًا صغيرًا فعليه القطع في قول عامة أهل العلم" (٥)، وقال ابن القطان (٦٢٨ هـ): "وأجمعوا على أن من سرق عبدًا صغيرًا من الحرز قطع" (٦). وقال ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ويقطع بسرقة العبد الصغير في قول عامة أهل العلم" (٧). وحكاه ابن الهمام (٨٦١ هـ) إجماعًا (٨). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب أن العبد مال يبلغ قيمته نصابًا، فيكون سارقه في حكم من سرق مالًا (٩).

стр. 6838

• المخالفون للإجماع: المسألة وإن كان عليها جمهور أهل العلم إلا أن أبا يوسف صاحب أبي حنيفة روي عنه القول بعدم القطع، وروي عنه أنه استحسن عدم القطع (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف أبي يوسف، لذا فإن ابن قدامة لما ذكر المسألة نسب القول بالقطع لعامة أهل العلم، ولم يذكرها إجماعا (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [٥٤/ ١] المسألة الرابعة والخمسون: من سرق تبرًا فضرب دراهم أو دنانير فإنه يقطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف التِّبْر: التِّبْر في لغة العرب: هو فتات الذهب والفضة قبل أن يُصاغا، فإن صيغا سميا ذهبًا وفضة، فإن ضُربا دراهم ودنانير سميا عينًا. وقيل: لا يقال تبر إلا في الذهب أما الفضة فلا، وقيل بل يطلق على الذهب والفضة وجميع معادن الأرض من رصاص ونحاس ونحوه (٣). والمراد به هنا هو الذهب أو الفضة قبل أن تُضرب. • ثانيًا: صورة المسألة: لو سرق شخص تبرًا، فضربه ذهبًا أو فضة وبلغت قيمته بعد الضرب نصابًا فإنه يجب القطع، سواء كان قبل الضرب يبلغ النصاب أو لا. ويتبين مما سبق أن التبر لو كان يبلغ نصابًا، لكن قيمته بعد الضرب لا تبلغ النصاب فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "لو سرق تبرًا فضرب دراهم أو دنانير قطع إجماعًا" (٤). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "اتفق أهل العلم أن من سرق نصابًا وجب

стр. 6839

قطعه بشرطه، وأن يكون النقد المسروق خالصًا من الغش، وسواء كان النقد مضروبًا، أو تبرًا، أو حليًا" (١). • مستند الإجماع: المسألة ظاهرة من حيث الدليل فإن سارق التبر الذي بلغت قيمته نصابًا، توفرت فيه شروط القطع، فالأصل القطع، ومن منَع يحتاج إلى دليل. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٥/ ١] المسألة الخامسة والخمسون: إذا كانت العين المسروقة تبلغ نصابًا ثم نقصت بعد إخراجها من الحرز، فلا قطع . • المراد بالمسألة: أن يسرق شخص من الحرز مالًا يبلغ النصاب كدراهم أو غيرها، ثم بعد إخراجها من الحوز، ينقص عين المال المسروق عن النصاب، بأن يقطِّع الدراهم، أو يشق الثوب نصفين، أو يتلفه، أو غير ذلك مما ينقص عين المال المسروق عن النصاب. ويتبين مما سبق أنه لو نقصت قيمة المال المسروق مع بقاء عينه كما أخرجه من الحرز، فهذه مسألة أخرى ليست مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: هذه المسألة يُعبَّر بها بما لو نقصت العين المسروقة عن النصاب بعد إخراجها من الحوز: فقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "نقصان المسروق لا يخلو: إما أن كان نقصان العين بأن دخل المسروق عيب، أو ذهب بعضه، وإما أن كان نقصان السعر، فإن كان نقصان العين يقطع السارق، ولا يعتبر كمال النصاب وقت القطع، بل وقت السرقة بلا خلاف" (٢).

стр. 6840

وقال البابرتي (٧٨٦ هـ): "المعتبر في قيمة المسروق أن يكون يوم السرقة ويوم القطع عشرة دراهم، فإن نقص عن ذلك قبل القطع في العين لم يمنع عن الاستيفاء بالاتفاق" (١). وحكى ابن الهمام (٨٦١ هـ) الاتفاق على ذلك (٢). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ) (٣): "إذا كانت ذات العين ناقصة وقت الاستيفاء والباقي منها لا يساوي عشرة يقطع بالاتفاق" (٤). • مستند الإجماع: يعلل الفقهاء لهذه المسألة بأمور: ١ - أن العبرة اعتباره حين الأخذ من الحرز. ٢ - إن ما أخذه يُعد دينًا في ذمته، ولا يمكن أن يسقط القطع بتصرفه فيما هو عليه دين في ذمته، ولو سقط الحد بإتلافه لكان كل سارق أراد إسقاط الحد أتلف ما سرقه. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٦/ ١] المسألة السادسة والخمسون: من سرق من ذي رحم غير محرم فإنه يقطع . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان السارق قد سرق المال من قريب له ذي رحم، لكنه غير محرم، كابن عمه، أو

стр. 6841

ابن خاله، أو غيرهما، فينه يجب عليه القطع، ولا يعتبر مجرد كونه ذي رحم أن ذلك من جملة الشُّبه التي تدرأ بها الحدود. ويتحصل مما سبق أن لو كان ثمة شبهة دارئة للحد كأن يكونا في مسكن واحد، أو بينهما مال مشترك، أو نحو ذلك، فليس هذا مردًا في مسألة الباب، وإنما المقصود أن مجرد السرقة من القريب غير ذي الرحم لا يعد شبهة دارئة للحد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا كلهم أنه يقطع فيما سرق من ذي رحمه غير المحرمة" (١). وقال الكاساني: "لو سرق من ذي رحم غير محرم يقطع بالإجماع" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: عموم الآية، ويدخل فيها من سرق من ذي الرَّحِم غير المحرمة، وليس ثمَّة دليل يخرجه من هذا العموم. ٢ - من النظر: أن من سرق من ذي رحم غير محرم فكأنه سرق من أجنبي، فإن المباسطة بالدخول عليه ليست كالمباسطة بدخول ذي الرحم، ولا يوجد ما يدل على شبهة يُدرأ بها الحد، فبقي الحكم على أصله من وجوب الحد (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6842

[٥٧/ ١] المسألة السابعة والخمسون: من سرق من الفسطاط شيئًا قيمته ما يقطع فيه اليد قُطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الفسطاط لغةً: الفسطاط فى اللغة يطلق على عدة معان: ١ - على ضرب من الأبنية في السفر. ٢ - على البيت من الشَّعر. ٣ - على مصر قديمًا وعلى البصرة، والفسطاط هي عاصمة الديار المصرية القديمة يوم أن فتحها عمرو بن العاص ﵁ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ سنة (٢٠ هـ)، وتقع بين النيل وجبل المقطم، وهي اليوم إحدى أحياء مدينة القاهرة، وبها يقع جامع عمرو بن العاص الذي صار من أكبر جوامع مصر. ٤ - على كل مدينة جامعة. ٥ - على كل مجتمع للناس. ويجمع على فَسَاطِيطُ، والفَسَاسِيْطُ (١). وفي الفسطاط ست لغات، قال النووي: "الفسطاط بيت من شعر كذا قاله أهل اللغة، وفيه ست لغات: فسْطاط، وفسْتاط، وفسّاط، بضم الفاء فيهن وكسرها، والضم أجود وأفصح" (٢). • الفسطاط اصطلاحًا: الفسطاط في اصطلاح الفقهاء هو الخيمة، أو البيت

стр. 6843

من الشعر (١). • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن شخصًا نصب الفسطاط في مكان غير محروز، ووضع فيه متاعا، فسرق شخص المتاع الذي في الفسطاط، وكان مما يجب به الحد كبلوغ النصاب ونحوه، فإنه يقطع، بناء على أن الفسطاط حرز. ويتبين من هذا أنه لو سرق الفسطاط بما فيه، أو كان الفسطاط في حرز، فإن ذلك غير مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن من سرق من الفسطاط شيئًا قيمته ما يقطع منه اليد أن عليه القطع" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٣). • وجه الدلالة: دل الحديث على اعتبار الحرز في السرقة، والفسطاط يعتبر حرزًا للمتاع، فمن أخذ من الفسطاط فقد أخذ من الحرز. • المخالفون للإجماع: القول بقطع يد السارق من الفسطاط هو مذهب الحنفية (٤)، . . .

стр. 6844

والمالكية (١). أما الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) فيرون أن الفسطاط ليس بحرز، إلا إن كان فيها أحد مضطجعًا، أو منتبهًا عليه، وبناء على ذلك فلا قطع في السرقة من داخل الفسطاط، إلا إن كان صاحبه مضطجعًا، أو منتبهًا عليه. • دليل المخالف: علل القائلون بعدم القطع في صورة المسألة بأن الفسطاط لا يعتبر حرزًا، ومن شروط القطع أن يكون المال محرزًا (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم، بل ولا اتفاق بين المذاهب الأربعة، لوجود الخلاف من الشافعية، والحنابلة. [٥٨/ ١] المسألة الثامنة والخمسون: يقطع في سرقة الحِنْطة والسُّكَّر . • المراد بالمسألة: أولًا: المراد بالحِنْطة، والسُّكَّر: الحِنْطة: نوع من الحبوب، ويقال له: البر، أو القمح، وجمعه حِنَط (٥). السُّكَّر: يطلق السُّكَّر على أمور منها: ١ - نوع من الحَلْوَى، معروف، وهو فارسي مُعَرّبُ مِن: شَكَرَ. ٢ - عنب يصيبه آفة فيَنْتَثِر فلا يبقى في العنقود منه إلا أَقَلّه، وعَنَاقِيدُه أَوْسَاطٌ، وهو أبيض رطب، ذو حلاوة، ويمكن تزبيبه. ٣ - ماء بالقادسية؛ سمي بالسكَّر لحلاوته (٦).

стр. 6845

والإطلاق الأول هو المراد بمسألة الباب. • صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق حنطةً وسكرًا ففيه القطع، ما لم تكن الحنطة في سنبلها. ويتبين مما سبق أن الحنطة إن كانت في سنبلتها، فإن ذلك غير داخل غير مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال المرغيناني (٥٩٣ هـ) (١): "يُقطع في الحنطة والسكر إجماعًا" (٢). وقال البابرتي (٧٨٦ هـ): "يُقطع في الحنطة والسكر بالإجماع" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "الإجماع على أنه يقُطع في الحنطة والسكر" (٤). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): "وجوب القطع في الحنطة والسكر بالإجماع" (٥). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "يُقطع في الحنطة والسكر إجماعًا" (٦). وقال دامان (١٠٧٨ هـ) (٧): "كالحنطة والسكر فإنه يقطع فيه إجماعًا" (٨).

стр. 6846

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: عموم الآية حيث أوجبت القطع بكل سرقة، فيدخل في ذلك الحنطة والسكر، ولا يوجد دليل يُخرِج السكر والحنطة من هذا العموم. ٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٢). • وجه الدلالة: في الحديث دلالة على وجوب القطع في الثمر الذي يؤوى في الجرين، أي مما لا يتسارع إليه الفساد، والحنطة والسكر من هذا النوع (٣). ٢ - أن السكر والحنطة مال متقوم، وليس ثمة دليل على منع القطع به، فيبقى على الأصل. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٩/ ١] المسألة التاسعة والخمسون: يقطع في العسل والخل . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العسل والخل: العَسَل: يُذكر ويُؤنث،

стр. 6847

والتأنيث أكثر (١) ويطلق العسل في لغة العرب على أحد أصلين: الأول: بمعنى الحرَكة والاضطراب. الثاني: الطعام الحلو. قال ابن فارس: "العين والسين واللام، الصحيح في هذا الباب أصلان، وبعدهما كلماتٌ إن صحّت، فالأول من الأصلين دالٌّ على الاضطراب، والثاني: طعامٌ حُلْو" (٢). وهذا المعنى الثاني هو المراد به في هذا البحث، إلا أنه طعام مخصوص وهو: سائل حلو تصنعه النحل من الرحيق الذي تجمعه من الأزهار، وتُحوِّل السكروز من الرحيق إلى سكر محوَّل -مزيج متعادل من الفركتوز والجلوكوز-. والسُّكَّر المحول هو المكوِّن الرئيسي في العسل الذي يحتوي أيضًا على كميات قليلة من فيتامينات وعناصر مغذية أخرى (٣). واختُلِف في العسل في مصدر العسل من النحل على قولين: فقيل: هو لعاب النحل، تخرجه من أفواهها، وذلك أنها تأكل من الأزهار والأوراق ما يملأ بطونها، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل أبدانها عسلًا، ثم تلقيه من أفواهها. وقال آخرون: تخرج من أدبارها (٤). أما الخل: الخل مفرد جمعه خُلُول، وهو يطلق في اللغة على ثلاثة معان: الأول: ما حَمُض من عصير العنب وغيره، وهو لفظ عربي صحيح. الثاني: الطريق النافذ بين رملتين، أو النافذ في الرمل المتراكم، وكذا على

стр. 6848

الثوب البالي إذا ظهرت فيه طُرُقًا. الثالث: عِرْق في العنق متصل بالرأس (١). والمراد بالخل هنا فهو المعنى الأول وهو سائل حمضي يُستخدم لتتبيل الأطعمة وحفظها، ويَنْتُج الخل بتفاعل الخميرة مع البكتيريا في المنتجات الزراعية، التي تشمل الفواكه والحبوب والمحاليل السكرية مثل العسل والدبس، وتأخذ مختلف أنواع الخل أسماءها من المواد الخام المستخدمة، فمثلًا يأتي خل النبيذ من العنب، وخل التفاح من التفاح، وخل المِلْت من الشعير (٢).

стр. 6849

• ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق خلًا أو عسلًا، فإن على الإمام إقامة حد القطع على السارق. • من نقل الإجماع: قال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "في الخل يقطع إجماعًا. . . وكذا في العسل" (١) ونقله عنه ابن نجيم (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: عموم الآية حيث أوجبت القطع بكل سرقة، فيبقى هذا العموم على الأصل حتى يرد الدليل إخراج شيء منه، وليس ثمة دليل يُخرِج العسل أو الخل من هذا العموم. ٢ - أن العسل والخل كلٌ منهما مال محترم متقوَّم، وليس ثمة دليل على منع القطع به، فيبقى على الأصل (٤). • المخالفون للإجماع: هذا الإجماع تعقبه ابن نجيم وغيره بأن ثمة قول عن أبي حنيفة بأن الخل لا قطع فيه؛ لأنه صار خمرًا (٥). وحمل بعض الحنفية قول أبي حنيفة إما على أن أنه رواية، أو أن الإجماع

стр. 6850

منقول في الخل الذي لم يصر خمرًا بعد (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق في الخل؛ للخلاف فيه عن أبي حنيفة، وهي محل إجماع في العسل؛ لعدم المخالف فيه. [٦٠/ ١] المسألة الستون: إذا أحرز المضارب مال المضاربة، أو الوديع أو المستعير العارية، أو المال الذي وكل فيه الوكيل، فسرقه أجنبي من هؤلاء، فعليه القطع . • المراد بالمسألة: لو كان المال عند غير صاحبه بطريق مباح، كأن يكون صاحب المال وضع ماله عند شخص، وديعة، أو عارية، أو ليضارب به، فوضع الشخص المال في حرز، فإن جاء غير ذلك الشخص وأخذ المال من الحزر، فعليه القطع. ويتبين مما سبق أن المال لو كان عند غير مالكه بطريق غير مباح، كأن يأخذه بطريق السرقة أو الغصب، أو نحو ذلك، ثم يضعه في حرز، فإن سرقة الأجنبي في مثل هذه الصورة غير مرادة في مسألة الباب، وكذا لو كان المال عند غير مالكه بطريق مباح لكن السارق لم يكن أجنبيًا بل كان من وُضع عنده المال، وكذا لو أخذه صاحب المال المالك له، فإن كل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إذا أحرز المضارب مال المضاربة، أو الوديعة، أو العارية، أو المال الذي وكل فيه، فسرقه أجنبي، فعليه القطع، لا نعلم فيه مخالفًا" (٢). وقال ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وإذا أحرز المضارب مال المضاربة، أو الوديعة، أو العارية، أو المال الذي وكل فيه، فسرقه أجنبي، فعليه القطع، لا نعلم فيه مخالفًا" (٣).

стр. 6851

• مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب أن من وُضع عنده المال فإنه ينوب مناب المالك في حفظ المال وإحرازه، فالسرقة منه كالسرقة من المالك (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦١/ ١] المسألة الحادية والستون: لو كان في الدار نهر جار فألقي المسروق فيه، وكان راكدًا، أو جريه ضعيفًا، فأخرجه بتحريك الماء قطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف النهر لغة: قال ابن فارس: "النون والهاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على تفتُح شيءٍ أو فتحِه، وأنْهَرْتُ الدَّم: فتحتُه وأرسلْته، وسمِّي النّهرُ؛ لأنه يَنْهَر الأرض أي يشقُّها" (٢). والنهر عند أهل اللغة بسكون الهاء وفتحها، مفرد، جمعه أنهار، أَنْهُر، ونُهُر، ونُهُورٌ، وقال الزبيدي: "النَّهْرُ، بالفتح ويُحَرَّكُ: مَجرى الماءِ، وهذا قول الأَكثر، وقيل: هو الماءُ نفسُه" (٣). وقال الفيومي: "النَّهْرُ: الماء الجاري المتسع والجمع "نُهُرٌ" بضمتين، و"أَنْهُرٌ"، و"النَّهَرُ" بفتحتين: لغة، والجمع "أَنْهَارٌ"، مثل سبب وأسباب، ثم أطلق "النَّهْرُ" على الأخدود مجازًا للمجاورة" (٤). • النهر اصطلاحًا: هو مسطح مائي ينساب على اليابسة في مجرى طويل، ويقع مصبه في نهايته، حيث تصب مياهه في نهر أكبر، أو في بحيرة، أو في أحد المحيطات. وتبدأ معظم الأنهار من أعالي الجبال أو التلال، وقد يكون منبع النهر مثلجة، أو نهرًا جليديًا ينصهر، أو ينبوعًا، أو بحيرة تفيض مياهها (٥).

стр. 6852

والمراد بالنهر في المسألة هو كل ماء جارٍ سواء كان مُتَّسِعًا أو ضيقًا، صغيرًا أو كبيرًا. • ثانيًا: صورة المسألة: لو أخذ شخص مالًا من الدار، وفي الدار نهر راكد، أو جريه ضعيف، لا يمكن أن يخرج المال بسبب هذا الجري، فألقى السارق ما سرقه في النهر، ثم أخرجه من النهر بتحريك الماء، فإنه يُقطع. ويتبين من هذا أن النهر لو كان خارج الدار، أو كان ماء النهر هو الذي أخرج المال بنفسه، لقوة جريانه، فإن ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لو كان في الدار نهر جار فرمى المال في النهر ثم خرج فأخذه، إن خرج بقوة الماء لا يقطع؛ لأنه لم يخرجه، وقيل: يُقطع. . . ولو كان راكدًا أو جريه ضعيفًا فأخرجه بتحريك الماء، قُطع بالإجماع" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء ذلك بأنه الذي أخرج المال من الحرز، واستعمال الماء كآلة لإكمال الإخراج لا يضر، ولا يغير من الحكم شيئًا، كما لو دخل الدار وأخرج المال بعصا أو نحوه (٢). • المخالفون للإجماع: يتحصل مما سبق أن المسألة لها تعلق بالحرز، وإخراج المال من الحرز، وسبق أن الظاهرية لا يرون اشتراط الحرز أصلًا، وسبق أن ثمة طائفة نُقل عنهم القول بعدم اشتراط إخراج المال من الحرز، حيث نقله ابن حزم عن عائشة ﵂، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، والحسن البصري (٣).

стр. 6853

إذا تقرر هذا، فتخريج المسألة على قولهم: أن فيها القطع بمجرد أخذ المتاع سواء أخرجه أو لا. • دليل المخالف: أنه لا دليل صريح صحيح على اشتراط الحرز، أو اشتراط إخراج المتاع من الحرز، كما أنه ليس في لغة العرب ما يدل على أن الحرز معتبر في السرقة، بل نقل الإجماع على أن السرقة تطلق على الآخذ بخفية، وليس في لغة العرب أن يكون المال محرزًا، فقال: "أما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفي بأخذ ما ليس له، وأنه لا مدخل للحرز فيما اقتضاه الاسم، فمن أقحم في ذلك اشتراط الحرز فقد خالف الإجماع على معنى هذه اللفظة في اللغة، وادعى في الشرع ما لا سبيل له إلى وجوده، ولا دليل على صحته" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لوجود خلف الظاهرية. [٦٢/ ١] المسألة الثانية والستون: من سرق ثوبا فشقه في الدار قبل أن يخرجه نصفين، ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم بعد الشق، قُطع . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا أخذ مالًا من حرزه، فأتلف المال وهو في الحرز تلفًا فاحشًا، ثم أخرجه، لكن الحرز لم ينقص عن النصاب حتى بعد تلفه، فيجب القطع في هذه الصورة. ومثاله: لو وجد ثوبًا في الحرز فشقه نصفين، ولم ينقص الثوب عن النصاب بعد شقه، ثم أخرجه من الحرز بعد الشق، فيجب القطع.

стр. 6854

ويتبين من هذا أن المال لو نقصت قيمته أو عينه عن النصاب بعد تلفه، أو كان التلف يسيرًا فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال السرخسي (٤٨٣ هـ): "أما إذا شق الثوب في الحرز ثم أخرجه، وهو يساوي عشرة، فإن كان هذا العيب يمكن نقصانًا يسيرًا فعليه القطع بالاتفاق" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "من سرق ثوبًا فشقه في الدار قبل أن يخرجه من الحرز نصفين ثم أخرجه، وهو يساوي عشرة بعد الشق قُطع. . . وإن كان لا يساوي عشرة بعده لم يقطع بالاتفاق" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: عموم الآية حيث أوجبت القطع بكل سرقة، والمال المسروق في مسألة الباب مما توفرت فيه شروط القطع حتى بعد إتلافه، وليس ثمة ما يمنع القطع، فبقي الحكم على ما هو عليه. • المخالفون للإجماع: نقل جمع من الحنفية عن أبي يوسف عدم القطع في مسألة الباب. وزاد بعض الحنفية فجعل القول بعدم القطع رواية عن أبي حنيفة (٤). • دليل المخالف: علل الحنفية لقول أبي يوسف بأن السارق له في المسروق سبب الملك، وهو الخرق الفاحش، فإنه يوجب القيمة، وتملك المضمون. وقد بيَّن ذلك الكاساني فذكر دليل أبي يوسف بقوله: "أن السارق وجد منه

стр. 6855

سبب ثبوت الملك قبل الإخراج، وهو الشق؛ لأن ذلك سبب لوجوب الضمان، ووجوب الضمان يوجب ملك المضمون من وقت وجود السبب على أصل أصحابنا، وذلك يمنع وجوب القطع: ولهذا لم يقطع إذا كان المسروق شاة فذبحها، ثم أخرجها كذا هذا" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن أبي يوسف، ورواية عن أبي حنيفة.

стр. 6856

الفصل الخامس مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد السرقة [٦٣/ ١] المسألة الثالثة والستون: لا قطع على المضارب إذا سرق من مال مضاربه . • المراد بالمسألة: أولا: تعريف المضاربة: المضاربة لغة: المضاربة مصدر ضارب، قال ابن منظور: "ضَرَبَ في الأَرضِ يَضرِبُ ضَرْبًا وضَرَبانًا ومَضْرَبًا -بالفتح-: خرج فيها تاجِرًا، أَو غازِيًا، وقيل: أَسْرَعَ، وقيل: ذَهَب فيها، وقيل: سارَ في ابْتِغاءِ الرزق. . . وضَرَبْتُ في الأَرض: أَبْتَغِي الخَيْرَ من الرزق، قال اللَّه : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (١) أَي سافرتم، وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، يقال ضَرَبَ في الأَرض إِذا سار فيها مسافرًا، فهو ضارِبٌ. والضَّرْبُ يقع على جميع الأَعمال إِلا قليلًا، ضَرَبَ في التجارة، وفي الأَرض، وفي سبيل اللَّه، وضارَبه في المال: من المُضارَبة، وهي القِراضُ، والمُضارَبةُ: أَن تعطي إِنسانًا من مالك ما يَتَّجِرُ فيه على أَن يكون الربحُ بينكما، أَو يكونَ له سهمٌ معلومٌ من الرّبْح، وكأَنه مأخوذ من الضَّرْب في الأَرض لطلب الرزق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣). . . وعلى قياس هذا المعنى يقال للعامل ضارِبٌ لأَنه هو الذي يَضْرِبُ في الأَرضِ، وجائز أَن يكون كل واحد من رب المال ومن العامل يسمى مُضاربًا؛ لأَنَّ كل واحد منهما يُضارِبُ صاحِبَه" (٤). • المضاربة اصطلاحًا: هو عقد يتضمن دفع مال خاص -وما في معناه-،

стр. 6857

معلوم قدره، ونوعه، وصفته، من جائز التصرف، لعاقل مميز رشيد، يتجر فيه، بجزء مشاع معلوم من ربحه له (١). قال النووي: "سُمِّيت مضاربة لأن كل واحد منهما يضرب في الربح بسهم، وقيل: لما فيه من الضرب بالمال والتقليب" (٢) • ثانيًا: صورة المسألة: إذا كان بين اثنين شراكة في مال، وكان المال بينهما على الشيوع، فسرق أحد الشريكين من حرز شريكه أو من حرزه مالًا من مال الشراكة بينهما، بقدر نصيبه، فإنه لا قطع حينئذ على السارق. ويتحصل مما سبق أن الشريك لو سرق من شريكه من غير مال الشراكة، أو سرق من المال المشترك بينهما قدرًا زائدًا عن نصيبه، أو كانت أموال الشراكة مميزة غير شائعة، أو كان المال ليس في حرز شريكه، بل كان مودعًا عند شخص آخر أجنبي، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب.

стр. 6858

• من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع العلماء أنه لا قطع على المضارب من مال مضاربه، وكذلك المودع عنده الوديعة" (١). وقال الكاساني: "لا خلاف في أنه إذا كان فيهم شريك المسروق منه أنه لا قطع على أحد" (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن المال المسروق ملك الشريكين على الشيوع، فما سرقه الشريك له فيه حق، وهذا يعد شبهة دارئة للحد، والحدود تدرأ بالشبهات (٣)، ولذا كان من شروط القطع عند بعض الفقهاء هو أن يكون الملك تامًا قويًا لا شبهة فيه (٤). • المخالفون للإجماع: خالف ابن حزم في المسألة فذهب إلى أن من سرق من شريكه مالًا فإن عليه القطع (٥). • دليل المخالف: علل ابن حزم ذلك بأن أخذ الشريك من مال شريكه حرام، وليس له فعل ذلك، فكان أخذه للمال سرقة تجب فيها القطع، وقد أوجب اللَّه قطع يد السارق، ولم يستثن سرقة الشريك من شريكه، وليس ثمة دليل على عدم القطع، أما كونه حد يدرأ بالشبهات فقد سبق أن الظاهرية لا يرون درأ الحدود بالشبهات (٦). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق، واللَّه تعالى أعلم؛ لخلاف ابن حزم.

стр. 6859

[٦٤/ ١] المسألة الرابعة والستون: المسلم إذا سرق من أخيه المسلم خمرًا لا قطع عليه . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص مسلم بما يوجب القطع، وكان السارق قد سرق خمرًا من مسلم فإنه لا قطع. تبين من هذا أن السارق لو لم يكن مسلمًا، أو كان المسروق منه الخمر غير مسلم كذمي أو معاهد، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن المسلم إذا سرق من أخيه خمرًا أن لا قطع عليه" (١). وابن الهمام لما ذكر مسألة سرقة الشراب المسكر نقل أنه لا قطع في سرقته بلا خلاف (٢)، فالخمر من باب أولى (٣). • مستند الإجماع: استدل الفقهاء لمسألة الباب أن الخمر محرم شرعًا، فهو لا يعتبر مالًا محترمًا، ومن شروط القطع أن يكون المسروق مالًا محترمًا شرعًا. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦٥/ ١] المسألة الخامسة والستون: لا قطع في سرقة إنسان حر كبير . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان المسروق حرًا كبيرًا يُعبِّر عن نفسه، فلا قطع، والمراد بالإنسان هو الآدمي، ذكرًا كان أو أنثى، من بنى آدم (٤). ويتبين مما سبق أن المسروق لو كان عبدًا، أو كان حرًا صغيرًا، أو غير

стр. 6860

مميز، أو كان حرًا كبيرًا لكنه أخذه حالة فقدان لعقله، بجنون، أو نوم، أو إغماء، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "لا قطع في سرقة حرٍ كبير إجماعًا" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لو كان -أي الصبي الحر- يمشي، ويتكلم، ويميز، لا يقطع إجماعًا (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لهذه المسألة بما يلي: ١ - أن الحر ليس بمال، من شرط القطع كونه مالًا. ٢ - أن الكبير لا يمكن سرقته وإنما يؤخذ عن طريق الخداع ونحوه (٣). • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم مخالفًا في المسألة فقال: "اختلف الناس فيمن سرق عبدًا كبيرًا يتكلم، وفيمن سرق حرًا صغيرًا أو كبيرًا"، ثم لم يذكر القائلين به صريحًا (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، لعدم وجود المخالف، وما نقله ابن حزم، لم أجد من قال به، ولا من أشار إلى الخلاف غير ابن حزم. [٦٦/ ١] المسألة السادسة والستون: من سرق الماء فلا قطع عليه . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان المسروق ماءً سائلًا، فإنه لا قطع حينئذٍ، ولو بلغ قيمة الماء النصاب، وسواء كان محرزًا أو لا. ويتبين مما سبق أن الماء لو كان ثلجًا، فمسألة أخرى غير مرادة في الباب،

стр. 6861

وكذا لو كان الماء في آنية تبلغ قيمته نصابًا. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن سرق ماءً، فلا قطع فيه. . . ولا أعلم في هذا خلافًا" (١)، ونقله عنه المرداوي (٢)، وابن قاسم (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "إن سرق ماءً فلا قطع فيه. . . ولا نعلم فيه خلافًا" (٤)، ونقله المرداوي (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: (المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار) (٦). • وجه الدلالة: في الحديث أن الماء حق لكل أحد، ولا يتملكه أحد ملكية تامة، بل هو حق مشاع لكل أحد، فمن سرق منه فقد أخذ ما فيه حق له، أو ما فيه شبهة في أحقية أخذه من الماء.

стр. 6862

٢ - من النظر: أن الماء مما لا يتمول عادة (١). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم القطع بسرقة الماء إذا بلغ النصاب، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة، وقيل رواية، حكاهما المرداوي في "الإنصاف" فقال: "لا يقطع بسرقة الماء على الصحيح من المذهب. . . وقال ابن عقيل (٤): يقطع، وقدمه في الرعايتين، وجزم به ابن هبيرة، قاله في تصحيح المحرر، وأطلقهما في المحرر، والحاوي الصغير، وقال في الروضة: إن لم يتمول عادة كماءٍ وكلأ محرز، فلا قطع في إحدى الروايتين" (٥). النتيجة: ظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن المالكية، والشافعية، ووجه عند الحنابلة، ولذا فإن ابن قدامة عندما ذكر المسألة لم ينقل إجماعًا أو اتفاقًا، ولا نفى الخلاف المطلق، وإنما نفى علمه من الخلاف، وهذا مقام فاضل لأهل العلم، لا يحسنه كل أحد، واللَّه ولي التوفيق. [٦٧/ ١] المسألة السابعة والستون: من سرق الطير فلا قطع عليه . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق طيرًا، أخذه من حرزه، فإن الحد لا يقام حينئذ.

стр. 6863

ويتبين من هذا أن الطير لو لم يكن محرزًا كأن يكون خرج للطيران، وفي أثناء ذلك أخذه السارق فإن ذلك مسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "نظرنا من احتج يقول من لم ير القطع فيه -أي الطير-، فوجدناهم يقولون: إن إبطال القطع فيه قد روي عن عثمان بن عفان، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "روي عن سيدنا عثمان، وسيدنا علي ﵄ أنهما قال: "لا قطع في الطير" ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك، فيكون إجماعًا" (٢). • مستند الإجماع: استدل أصحاب هذا القول لقولهم بأدلة من الأثر والنظر: فمن الأثر: ١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة: "أن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سرق طيرًا، فاستفتى في ذلك السائب بن يزيد، فقال: ما رأيت أحدًا قطع في الطير، وما عليه في ذلك قطع، فتركه عمر بن عبد العزيز ولم يقطعه" (٣). ٢ - أنه مروي عن جماعة من الصحابة كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي الدرداء (٤) (٥). وروي مرفوعًا أن النبي ﷺ قال: "لا قطع في الطير"، لكنه لا يصح (٦).

стр. 6864

ومن النظر: أ- لأن الطير مباح الأصل، غير مرغوب فيه، ولا يتم إحرازه في الناس عادة. ب- لأن فعل السارق اصطياد من وجه، والاصطياد مباح (١). • المخالفون للإجماع: ذهب أبو يوسف إلى وجوب الحد (٢). ونسبه ابن حزم إلى مالك والشافعي إذا سُرق من حرز (٣). وبه قال ابن شهاب الزهري، كما نقله ابن حزم فقال: "وعن ابن شهاب أنه قال: إنما السرقة فيما أحصن، فما كان محصنًا في دار، أو حرز، أو حائط، أو مربوط، فاحتل رباطه فذهب به، فتلك من السرقة التي يقطع فيها، قال: فمن سرق طيرًا من حرز له معلق، فعليه ما على السارق" (٤). وثمة قول آخر محصله وجوب الحد ولو سُرق من غير حرز، وهو اختيار ابن حزم (٥). • دليل المخالف: أن الطير مال متقوَّم شرعًا، فالأصل وجوب القطع بسرقته، حتى يرد دليل على المنع، ولا دليل (٦). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت المخالف. [٦٨/ ١] المسألة الثامنة والستون: من قلع شيئًا من البقول القائمة والشجر القائمة فلا قطع على سارقها . • المراد بالمسألة: تعريف البقل والشجر: البقل في اللغة يستعمل بمعنى الظهور، يقال: بقل فلان إذا ظهرت لحيته (٧). والبقل المراد به هنا: هو كل نبات اخضرت به الارض، وقيل: هو كل

стр. 6865

عشب ينبت من بذر، وقيل: منابتة في أول ما تنبت فهو البقل، مفرده: بَقْلة، وجمعه: وبُقول (١). أما الشجر: فقال ابن منظور: "الشَّجَرَة الواحدة تجمع على الشَّجَر، والشَّجَرَات، والأَشْجارِ. . . والشَّجَر من النبات ما قام على ساق، وقيل: الشَّجَر كل ما سما بنفسه دَقَّ أَو جلَّ، قاوَمَ الشِّتاءَ أَو عَجَزَ عنه، والواحدة من كل ذلك: شَجَرَة" (٢). • صورة المسألة: من سرق شيئًا من البقول أو الشجر القائمة من بستان غير محرز، فإنه لا قطع. ويتبين من هذا أن الشجر أو البقول إن كانت قد قُلعت ووضعت في الأرض، وكذا إن كانت قائمة في الدار أو ما هو حرز عادة، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لم يختلفوا في من قلع شيئًا من البقول القائمة والشجر القائمة أنه لا قطع على سارقها" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: إما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك
следующие страницы →