← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

وكذا لو كان الماء في آنية تبلغ قيمته نصابًا. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إن سرق ماءً، فلا قطع فيه. . . ولا أعلم في هذا خلافًا" (١)، ونقله عنه المرداوي (٢)، وابن قاسم (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "إن سرق ماءً فلا قطع فيه. . . ولا نعلم فيه خلافًا" (٤)، ونقله المرداوي (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثًا أسمعه يقول: (المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ، والماء، والنار) (٦). • وجه الدلالة: في الحديث أن الماء حق لكل أحد، ولا يتملكه أحد ملكية تامة، بل هو حق مشاع لكل أحد، فمن سرق منه فقد أخذ ما فيه حق له، أو ما فيه شبهة في أحقية أخذه من الماء.

стр. 6862

٢ - من النظر: أن الماء مما لا يتمول عادة (١). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم القطع بسرقة الماء إذا بلغ النصاب، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة، وقيل رواية، حكاهما المرداوي في "الإنصاف" فقال: "لا يقطع بسرقة الماء على الصحيح من المذهب. . . وقال ابن عقيل (٤): يقطع، وقدمه في الرعايتين، وجزم به ابن هبيرة، قاله في تصحيح المحرر، وأطلقهما في المحرر، والحاوي الصغير، وقال في الروضة: إن لم يتمول عادة كماءٍ وكلأ محرز، فلا قطع في إحدى الروايتين" (٥). النتيجة: ظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن المالكية، والشافعية، ووجه عند الحنابلة، ولذا فإن ابن قدامة عندما ذكر المسألة لم ينقل إجماعًا أو اتفاقًا، ولا نفى الخلاف المطلق، وإنما نفى علمه من الخلاف، وهذا مقام فاضل لأهل العلم، لا يحسنه كل أحد، واللَّه ولي التوفيق. [٦٧/ ١] المسألة السابعة والستون: من سرق الطير فلا قطع عليه . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق طيرًا، أخذه من حرزه، فإن الحد لا يقام حينئذ.

стр. 6863

ويتبين من هذا أن الطير لو لم يكن محرزًا كأن يكون خرج للطيران، وفي أثناء ذلك أخذه السارق فإن ذلك مسألة أخرى. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "نظرنا من احتج يقول من لم ير القطع فيه -أي الطير-، فوجدناهم يقولون: إن إبطال القطع فيه قد روي عن عثمان بن عفان، ولا يعرف له في ذلك مخالف من الصحابة" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "روي عن سيدنا عثمان، وسيدنا علي ﵄ أنهما قال: "لا قطع في الطير" ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك، فيكون إجماعًا" (٢). • مستند الإجماع: استدل أصحاب هذا القول لقولهم بأدلة من الأثر والنظر: فمن الأثر: ١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة: "أن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سرق طيرًا، فاستفتى في ذلك السائب بن يزيد، فقال: ما رأيت أحدًا قطع في الطير، وما عليه في ذلك قطع، فتركه عمر بن عبد العزيز ولم يقطعه" (٣). ٢ - أنه مروي عن جماعة من الصحابة كعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي الدرداء (٤) (٥). وروي مرفوعًا أن النبي ﷺ قال: "لا قطع في الطير"، لكنه لا يصح (٦).

стр. 6864

ومن النظر: أ- لأن الطير مباح الأصل، غير مرغوب فيه، ولا يتم إحرازه في الناس عادة. ب- لأن فعل السارق اصطياد من وجه، والاصطياد مباح (١). • المخالفون للإجماع: ذهب أبو يوسف إلى وجوب الحد (٢). ونسبه ابن حزم إلى مالك والشافعي إذا سُرق من حرز (٣). وبه قال ابن شهاب الزهري، كما نقله ابن حزم فقال: "وعن ابن شهاب أنه قال: إنما السرقة فيما أحصن، فما كان محصنًا في دار، أو حرز، أو حائط، أو مربوط، فاحتل رباطه فذهب به، فتلك من السرقة التي يقطع فيها، قال: فمن سرق طيرًا من حرز له معلق، فعليه ما على السارق" (٤). وثمة قول آخر محصله وجوب الحد ولو سُرق من غير حرز، وهو اختيار ابن حزم (٥). • دليل المخالف: أن الطير مال متقوَّم شرعًا، فالأصل وجوب القطع بسرقته، حتى يرد دليل على المنع، ولا دليل (٦). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت المخالف. [٦٨/ ١] المسألة الثامنة والستون: من قلع شيئًا من البقول القائمة والشجر القائمة فلا قطع على سارقها . • المراد بالمسألة: تعريف البقل والشجر: البقل في اللغة يستعمل بمعنى الظهور، يقال: بقل فلان إذا ظهرت لحيته (٧). والبقل المراد به هنا: هو كل نبات اخضرت به الارض، وقيل: هو كل

стр. 6865

عشب ينبت من بذر، وقيل: منابتة في أول ما تنبت فهو البقل، مفرده: بَقْلة، وجمعه: وبُقول (١). أما الشجر: فقال ابن منظور: "الشَّجَرَة الواحدة تجمع على الشَّجَر، والشَّجَرَات، والأَشْجارِ. . . والشَّجَر من النبات ما قام على ساق، وقيل: الشَّجَر كل ما سما بنفسه دَقَّ أَو جلَّ، قاوَمَ الشِّتاءَ أَو عَجَزَ عنه، والواحدة من كل ذلك: شَجَرَة" (٢). • صورة المسألة: من سرق شيئًا من البقول أو الشجر القائمة من بستان غير محرز، فإنه لا قطع. ويتبين من هذا أن الشجر أو البقول إن كانت قد قُلعت ووضعت في الأرض، وكذا إن كانت قائمة في الدار أو ما هو حرز عادة، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "لم يختلفوا في من قلع شيئًا من البقول القائمة والشجر القائمة أنه لا قطع على سارقها" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: إما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك

стр. 6866

فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (١). ٢ - من النظر: أ- لأن الشجر أو البقول القائمة في البستان لا تعتبر محرزة. ب- أن أصل النخلة أو الشجرة مما لا يتمول، فأشبه سرقة التافه، والتافه لا قطع فيه إجماعًا (٢). • المخالفون للإجماع: خالف الظاهرية في مسألة الباب فذهبوا إلى أن من سرق شيئًا من البقول أو الشجر القائمة فعليه القطع (٣). • دليل المخالف: استدل القائلون بوجوب القطع بأن الأصل قطع من سرق خفية، ولا دليل على منع قطع من سرق الشجر أو البقول القائمة، فيبقى الحكم على الأصل (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت خلاف ابن حزم. وإن كان ظاهر سياق كلام ابن عبد البر أنه أراد نفي الخلاف في مذهبه -

стр. 6867

مذهب المالكية-، فإنه نص على الخلاف في المسألة، ثم ذكر الخلاف مع تحرير محل النزاع في مذهب المالكية، فقال: "واختلف الفقهاء فيمن سرق شجرة مقلوعة أو غير مقلوعة. . . قال مالك: لا قطع في النخلة الصغيرة ولا الكبيرة إذا قلعها من موضعها. واختلف أصحابه في الشجرة تقلع وتوضع في الأرض فقال بعضهم: وضعها في الأرض حرز لها إذا كان في موضع محروز، واللَّه أعلم. وقال بعضهم: لا قطع فيها على حال، ولم يختلفوا في من قلع شيئًا من البقول القائمة والشجر القائمة أنه لا قطع على سارقها" (١)، واللَّه تعالى أعلم. [٦٩/ ١] المسألة التاسعة والستون: لا تقطع يد الوالد بالسرقة من ولده وإن نزل، وسواء في ذلك الأب، والأم، والابن، والبنت، والجد، والجدة من قبل الأم والأب . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان السارق قد سرق من أصوله، كأبيه أو جده من جهة الأم أو الأب، أو من فروعه كابنه، أو بنته فإنه لا قطع حينئذ. والمراد بالقرابة هنا سواء في الأصول أو الفروع قرابة النسب، فأما إن كان من الرضاع، كالأب أو الأم من الرضاع، أو الابن والبنت من الرضاع فليس ذلك داخلا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أنه لا يقطع الوالدان وإن علوا فيما سرقوه من مال أولادهم" (٢) ونقله عنه ابن قاسم (٣). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "لإجماعهم على أنه لا يقطع فيما سرق من مال ولده" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده، وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم والابن والبنت، والجد والجدة من قبل الأب

стр. 6868

والأم، وهذا قول عامة أهل العلم" (١) ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "لا يقطع والد لولده وإن سفل. . . والأم كالأب اتفاقًا" (٣). • مستند الإجماع: ١ - يدل على منع القطع في سرقة الأصول من الفروع ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلا أتى النبي ﷺ يخاصم أباه فقال: يا رسول اللَّه إن هذا قد احتاج إلى مالي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) (٤). • وجه الدلالة: دل الحديث أن مال الولد للوالد، ويترتب عليه أن في سرقة الأصل من الفرع شبهة ملك المال، والحدود تدرأ بالشبهات. ٢ - سرقة الفرع من الأصل موجب القول بعدم القطع أنها شبهة، فإن الإنسان غالبًا يتبسط بمال والده وإن علا، فلما وجدت الشبهة درئ الحد بها.

стр. 6869

• المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفرع يقطع بسرقة مال الأصل، فيقطع الولد إذا سرق من مال أبيه أو جده وإن علا، وهو مذهب المالكية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، وهي ظاهر قول الخرقي (٣) (٤). وتوسع الظاهرية فذهبوا إلى وجوب القطع بسرقة الأصول من الفروع وسرقة الفروع من الأصول (٥)، وبه قال أبو ثور وابن المنذر (٦). وثمة قول في مذهب أحمد أن عدم القطع خاص بالأب دون غيره (٧). ويرى أشهب من المالكية (٨) أنه خاص بالأب والأم دون غيرهما، فلا يدخل الجد والجدة (٩). • دليل المخالف: علل المخالف في مسألة الباب أن اللَّه تعالى أوجب حد

стр. 6870

السرقة، وليس ثمة دليل يدل على إخراج ما سرقه كل الأصل من الفروع، الشبهة منتفية في السرقة، فيجب إقامة الحد. أما ابن حزم فسبق أنه لا يعتبر الشبهات دارئة للحد أصلًا. النتيجة: يتحصل مما سبق أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها، ولذا لما ساق ابن قدامة المسألة قال: "الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده، وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم والابن والبنت، والجد والجدة من قبل الأب والأم، وهذا قول عامة أهل العلم" (١)، ثم ذكر المخالف في المسألة، وهو كما قال، واللَّه تعالى أعلم. [٧٠/ ١] المسألة السبعون: الرقيق إذا سرق من مال سيده فلا قطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الرقيق لغةً واصطلاحًا: • الرقيق لغةً: قال ابن منظور: "الرَّقِيقُ نقيض الغَلِيظ والثَّخِينِ، والرِّقَّةُ ضدُّ الغِلَظ، رَقَّ يَرِقُّ رِقَّة فهو رَقِيقٌ، ورُقاقٌ، وأَرَقَّه ورَقَّقه، والأُنثى رَقيقةٌ، ورُقاقةٌ، . . . والرِّقُّ -بالكسر-: المِلك والعُبوديَّةُ، والجمع: أرقَّاء" (٢). • الرقيق اصطلاحًا: الرِّق: هو عجز حكمي شُرع في الأصل جزاء عن الكفر (٣). وبيان ذلك: أما أنه عجز: فلأنه لا يملك ما يملكه الحر من الشهادة، والقضاء، وغيرهما. وأما أنه حكمي: فلأن العبد قد يكون أقوى في الأعمال الحسيَّة من الحر. أما كونه جزاء عن الكفر: فلأن أساس موجبه أن يُسبى الشخص -ذكرًا أو

стр. 6871

أنثى- وهو كافر (١). والحاصل: أن لفظ الرقيق يطلق على الواحد والجمع، وهو الشخص المملوك لغيره، فاقد التصرف بذاته ومكاسبه. ويسمى بالرقيق، والعبد، والقِن، والمملوك. • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان السارق رقيقًا غير آبق قد سرق من مال سيده، فإنه لا قطع حينئذٍ. ويتحصل مما سبق أن العبد إن كان آبقًا من سيده الذي سرق منه، أو سرق من غير سيده، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن لا قطع على العبد إذا سرق من مولاه" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "الجمهور من العلماء الذين هم حجة على من شذ عنهم أجمعوا على أن العبد لا يقطع في ما سرق من مال سيده وسيدته، وكذلك الأمة لا قطع عليها في ما سرقت من مال سيدها وسيدتها مما يؤتمن عليه ومما لا يؤتمنون عليه. . . ثبت عن عمر بمحضر من الصحابة قوله: "خادمكم سرق متاعكم" فجعلوا العلة المانعة من القطع في الغلام الذي شكا بن الحضرمي وهو غلامه أنه سرق مرآة امرأته قوله: "خادمكم سرق متاعكم"، وثبت عن ابن مسعود أنه قال في عبد سرق من مال سيده: "مالك سرق بعضه بعضًا"، ولا أعلم لعمر وابن مسعود مخالفًا من الصحابة، ولا من التابعين بعدهم، إلى ما ذكرنا من اتفاق العلماء أئمة الفتوى بالأمصار على ذلك" (٣). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "إذا سَرق العبدُ من مال سيده، أو السيد من

стр. 6872

عبده: فلا قطع بحال؛ لأن العبد وماله لسيده، فلم يقطع أحدٌ بأخذ مال عبده لأنه أخْذٌ لماله، وإنما إذا سَرَق العبدُ يسقط القطع بإجماع الصحابة" (١). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا يقطع عبد في سرقة من مولاه مكاتبًا كان العبد، أو مدبرًا، أو تاجرًا عليه دين، أو أم ولد سرقت من مال مولاها: لأن هؤلاء مأذونون بالدخول في بيوت ساداتهم للخدمة، فلم يكن بيت مولاهم حرزًا في حقهم، وذكر في الموطأ أن عبد اللَّه ابن سيدنا عمر، والحضرمي جاءا إلى عمر ﵁ بعبد له فقال: اقطع هذا فإنه سرق فقال: وما سرق قال: مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا، فقال سيدنا عمر ﵁: أرسله ليس عليه قطع، خادمكم سرق متاعكم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر: فيكون إجماعًا" (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "العبد يسرق مال سيده، فإن الجمهور من العلماء على أنه لا يقطع. . . ويدرء الحد، قال عمر ﵁ وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة" (٣). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما العبد إذا سرق من مال سيده، فلا قطع عليه في قولهم جميعًا -أي الأئمة الأربعة- ووافقهم أبو ثور فيه، وحكي عن داود أنه يقطع؛ لعموم الآية، ولنا ما روى السائب بن يزيد قال: "شهدت عمر بن الخطاب، وقد جاءه عبد اللَّه بن عمرو بن الحضرمي بغلام له فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده، فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مرآة امرأتي، ثمنها ستون درهما، فقال: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيره قطع"، وفي لفظ قال: "مالكم سرق بعضه بعضا، لا قطع عليه" رواه سعيد، وعن ابن مسعود: "أن رجلا جاءه فقال: عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر، فقال: لا قطع؛ مالك سرق

стр. 6873

مالك"، وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفها أحد، فتكون إجماعا، وهذا يخص عموم الآية، ولأن هذا إجماع من أهل العلم؛ لأنه قول من سمينا من الأئمة ولم يخالفهم في عصرهم أحد، فلا يجوز خلافه يقول من بعدهم، كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة يقول واحد من التابعين" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا يقطع العبد إن سرق من مال سيده. . . وسقط قطع العبد بإجماع الصحابة" (٣). وكذا قال ابن قدامة (٦٨٢ هـ) نفس أحرف ابن قدامة (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ) بعد أن نقل أثر عمر ﵁: "وعن ابن مسعود مثله، ولم ينقل عن أحد من الصحابة شيء خلافه، فحل محل الإجماع" (٥). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "لا قطع بسرقة من فيه رق ولو مبعضًا ومكاتبًا مال سيد، أو أصله، أو فرعه، أو نحوهما، من كل من لا يقطع السيد بسرقة ماله إجماعًا" (٦). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "واختلفوا إذا سرق العبد من مال سيده، فالجمهور على أنه لا يقطع. . . قال عمر وابن مسعود ولا مخالف لهما من الصحابة" (٧). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - ما أخرجه مالك وعبد الرزاق (٨). . .

стр. 6874

عن السائب بن يزيد (١): "أن عبد اللَّه بن عمرو ابن الحضرمي جاء بغلام له إلى عمر بن الخطاب فقال له: اقطع يد غلامي هذا؛ فإنه سرق، فقال له "عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا، فقال عمر: أرسله فليس عليه قطع؛ خادمكم سرق متاعكم" (٢). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ لم يقطع العبد حين سرق من مال سيده، ولم ينكر عليه ذلك أحد (٣). ٢ - أنه مروي عن جماعة من الصحابة ولا مخالف لهم، كما سبق في كلام ابن قدامة، وابن عبد البر، وابن العربي، والكاساني. ٢ - من النظر: أ- لئلا يجتمع على السيد عقوبتان، ضياع ماله، وقطع غلامه (٤). ب- لشبهة استحقاق النفقة، والحدود تدرأ بالشبهات (٥). • المخالفون للإجماع: حكي عن داود، وأبي ثور أن العبد يقطع إن سرق من مال سيده (٦). إلا أن ابن عبد البر قال في نقل أبي ثور: "قال أبو ثور: يقطع العبد إذا سرق من سيده إلا أن يمنع منه إجماع" (٧).

стр. 6875

• دليل المخالف: يدل على قطع العبد إن سرق من مال سيده قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: عموم الآية، وليس فيها تخصيص العبد فيما إذا سرق من سيده، أو من غيره. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع سكوتي في بين الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، ثم ظهر الخلاف بعد ذلك من أبي ثور وداود، والجمهور على ما نُقل عن الصحابة، ولذا لما ذكر ابن رشد الحفيد المسألة قال. "اختلفوا فيما هو شبهة يدرأ من ذلك مما لا يدرأ منها، فمنها العبد يسرق مال سيده، فإن الجمهور من العلماء على أنه لا يقطع" (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [٧١/ ١] المسألة الحادية والسبعون: من سرق شيئًا من الحمَّام ولا حافظ له، فلا قطع عليه . • المراد بالمسألة: أولًا: المراد بالحمَّام: الحمَّام لفظ مفرد مذكر، جمعه حمَّامات، وأنثه بعضهم، والمراد به البناء الذي أُعد للاغتسال، سمي بالحمّام؛ لأنه مكان للاستحمام، قال ابن الأثير (٣): "المسْتَحَمُّ: الموضع الذي يُغْتَسل فيه بالحَميم وهو في الأصل: الماء الحارُّ ثم قيل للاغتِسال بأيِّ ماء كان

стр. 6876

اسْتِحْمامٌ" (١). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان السارق قد سرق من حمَّام لا حافظ له، دخله من بابه العام، فإنه لا قطع. ويتبين مما سبق أن الحمام إن كان له حافظ، أو كان قد دخله من غير بابه، بل نقبه أو نحو ذلك ثم دخل، فمسألة أخرى ليست مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: ذكر ابن حزم (٤٥٦ هـ) أن القول بعدم قطع من سرق من الحمَّام أنه قول أبي الدرداء ﵁ ثم قال: "ولا يعرف له من الصحابة مخالف" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٨ هـ): "إذا سرق من الحمام ولا حافظ فيه فلا قطع عليها في قول عامتهم" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب:

стр. 6877

١ - عن بلال بن سعد (١): "أن رجلًا سرق برنسًا (٢) من الحمام فرفع إلى أبي الدرداء؟ فلم ير عليه قطع" (٣). ٢ - لأن الحمام عرضة للخطأ بأن يأخذ الإنسان ثوبًا يظنه ثوبه، أو نحو ذلك. • المخالفون للإجماع: خالف الظاهرية في مسألة الباب وذهبوا إلى وجوب القطع (٤). • دليل المخالف: تعليل الظاهرية للقطع بأن الحرز غير معتبر في القطع (٥). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع، لثبوت الخلاف مع الظاهرية. [٧٢/ ١] المسألة الثانية والسبعون: لا يقطع في سرقة محرم، وآلة لهو . • المراد بالمسألة: تعريف آلة اللهو: الآلة: قال الجرجاني: "الآلة: اسم الآلة هو ما يعالج به الفاعل المفعول بوصول الأثر إليه" (٦). ويختلف المعنى المراد بالآلة باختلاف استخدامها، فيقال: آلة التصوير، وآلة الخياطة، وآلة القتال، وآلة الطَّرَب. . . إلخ (٧).

стр. 6878

المراد بالآلة هنا: أداة الطرب. اللهو: قال ابن فارس: "اللام والهاء والحرف المعتلّ أصلانِ صحيحان: أحداهما يدلُّ على شُغْل عن شَيء بشيء، والآخر على نَبْذِ شيء من اليد، فالأوَّل اللَّهْو، وهو كلُّ شيءٍ شَغَلك عن شيء، فقد ألهاك" (١). وقال الفيومي: "أصل اللَّهْوِ: الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة" (٢)، وقيل: اللهو: اللعب (٣)، وقيل: هو ما يشغل عن الخير، من هوى، أو طراب، ونحوه (٤). والمراد به هنا هو الأداة التي تستخدم للهو المحرم شرعًا، كمزمار ونحوه. • صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان القياس محرمًا في شريعة المسروق منه، كخمر، أو خنزير، أو نحوه، أو كان من آلات اللهو المحرمة بإطلاق كمزماز ونحوه، ولم يتصل بها ما يبلغ قيمته نصابًا من حلية ذهبا أو غيره، ولم يبلغ قيمتها بعد كسرها نصابًا، فلا قطع في ذلك. ويتبين كما سبق أن ثمة خمس مسائل غير مرادة في مسألة الباب، وهي: • المسألة الأولى: لو كان المسروق محرمًا شرعًا، لكن المسروق منه يعتقد حله في شرعه، كمن سرق خمرًا أو صليبًا من ذمي. • المسألة الثانية: إن كان في آلة اللهو المسروقة حلية من ذهب أو غيره تبلغ نصابًا، أو كان نفسه ذهبا أو فضة، كأن يكون الصليب أو الصنم من ذهب أو فضة تبلغ نصابًا، أو كان قيمة المسروق بعد زوال تأليفه يبلغ نصابًا، بأن يكون قيمة ما يبقى منها بعد إفساد صورتها وإذهاب المنفعة المقصودة بها يبلغ

стр. 6879

النصاب، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب (١). • المسألة الثالثة: لو كانت آلة اللهو غير محرمة شرعًا، فإن بعض ما ورد تسميته في الشرع مما يلتهى قد يحث عليه الشارع؛ لما فيه من المنافع، فمن ذلك السهام، حيث أخرج مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر (٢) ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (ستفتح عليكم أرضون، ويكفيكم اللَّه، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) (٣)، أي في تعلم الرمي. وجاءت النصوص في الحث على تعلم الرمي متوافرة مع أن النبي ﷺ جعلها من اللهو، فمن ذلك في صحيح مسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر يقول: (﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٤) ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) (٥). ويلتحق ذلك كل ما كان من اللهو المباح كآلات الألعاب الرياضية وغيرها. • المسألة الرابعة: ما لو كان التحريم غير مطلق، أو كان في تحريمه خلاف معتبر بين أهل العلم، كالدف مثلًا، أو الطبل حيث أباحه طائفة من أهل العلم للغزاة في المعارك (٦)، فلو سرق شيئًا مما فيه خلاف معتبر، أو مما أباحه

стр. 6880

الشارع في أحوال، ومنعه في أحوال أخرى، فسرقته غير مرادة في مسألة الباب. • المسألة الخامسة: لو كان المسروق يبلغ قيمته بعد كسره نصابًا، فذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لا قطع في الأشربة المطربة. . . ولا في الطنبور ونحوه من آلات الملاهي بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء عدم القطع بسرقة الملاهي وكل محرم، إما لأنها أشياء غير متقومة شرعًا، أو لأن للآخذ بها شبهة في سرقتها، والحدود تدرأ بالشبهات، ومن شبهة الآخذ أن يسرق الخمر لإراقته، أو يسرق المزمار لكسره من باب النهي عن المنكر، أو غير ذلك من الشبه الذي تُدرؤ بها الحدود (٢). • المخالفون للإجماع: لم أجد من خالف في المسألة، إلا كلامًا لأبي بكر الجصاص يؤخذ سنه خلاف أبي يوسف حيث قال: "لا قطع في شيء من الخمر، ولا في شيء من آلات الملاهي، وقال أبو يوسف: يقطع في كل شيء سرق من حرز" (٣). والذي ورد عن أبي يوسف القطع في مسألة من سرق الصليب من الحرز (٤)، ولعل قياس هذا القول هو القطع في كل محرم إذا سرق من حرز، ولذا ذكره الجصاص على عمومه. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل، العلم، لخلاف أبي يوسف. [٧٣/ ١] المسألة الثالثة والسبعون: ليس على خائن قطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الخائن: الخائن: هو الذي يخون ما في يده

стр. 6881

من الأمانات، يقال: خَانَ الرجل الأمانة، يَخُونُهَا، خوْنًا، وخِيَانَةً، ومَخَانَةً (١). فالخائن في السرقة: هو الذي يؤتمن على شيء بطريق العارية أو الوديعة أو نحو ذلك، فيأخذه ويدعي ضياعه، أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص، بما يوجب الحد، وكان قد أخذ المال المسروق عن طريق الخيانة، فلا قطع حينئذ. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن لا قطع على الخائن" (٣). وقال مكي القيرواني (٤٣٧ هـ) (٤): "لا قطع على مختلس أو خائن عند جماعة العلماء" (٥). قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع علماء المسلمين أنه ليس على خائن قطع" (٦). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب والخائن على عظم جنايتهم وآثامهم، فإنهم لا قطع على واحد منهم" (٧)، ونقله عنه ابن قاسم (٨).

стр. 6882

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فأما جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات، فلا نعلم أحدًا يقول بوجوب القطع عليه" (١) ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ولا يقطع جاحد الوديعة ولا غيرها من الأمانات، لا نعلم فيه خلافًا" (٣): وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حديث: "ليس على خائن ولا مختلس أولا منتهب قطع". . . وقد أجمعوا على العمل به إلا ما ذكر من قطع جاحد العارية، وأجمعوا على أن لا قطع على الخائن في غير ذلك" (٤)، أي في غير جحد العارية. وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): ""ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع". . . وقد حكي الإجماع على هذه الجملة" (٥). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ) في معرض كلامه على الخائن: "لا قطع فيه بإجماع العلماء وفقهاء الأمصار" (٦). • مستند الإجماع: استدل الفقهاء لمسألة الباب من الأثر والنظر: ١ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع) (٧).

стр. 6883

٢ - علله بعض الفقهاء بقصور الحرز؛ لأن المال المسروق كان في يد الخائن وحرزه. ٣ - أن السرقة مأخوذة من المسارقة وهي الاختفاء، فيخرج منها ما كان عن طريق المجاهرة أو الجحد (١). • المخالفون للإجماع: المسألة خالف فيها جماعة من أهل العلم، فذهب الظاهرية إلى وجوب القطع على الخائن (٢). كما خالف الحنابلة إلى صورة من صور المسألة، وهي جحد العارية، حيث ذهب الإمام أحمد في رواية -وهي المذهب عند الحنابلة-، وبه قال إسحاق بن راهويه، إلى قطع جاحد العارية دون غيرها من الأمانات، فجاحد الوديعة وغيرها من الأمانات لا يقطع (٣). • دليل المخالف: استدل القائلون بوجوب القطع في جحد العارية بما رواه مسلم وأصله في الصحيحين عن عائشة قالت: "كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم رسول اللَّه ﷺ فيها، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت

стр. 6884

محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بقطع المرأة التي كانت تستعير المتاع ثم تجحده، وعُدَّ ذلك من السرقة. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف الظاهرية في الخائن، وخلاف الحنابلة في صورة من صور المسألة وهي قطع جاحد العارية. [٧٤/ ١] المسألة الرابعة والسبعون: لا تقطع يد المختلس . • المراد بالمسألة: أولا: تعريف الاختلاس لغة وصطلاحًا: • الاختلاس لغة: قال ابن منظور: "الخَلْسُ: الأَخذ في نُهْزَةٍ ومُخاتلة خَلَسَه يَخلِسُه خَلْسًا وخَلَسَة إِياه فهو خالِسٌ وخَلَّاس" (٢). ويطلق الخلْس أيضًا في اللغة على الكلأ اليابس ينبت في أصلِه الرَّطِب فيختَلِط (٣). • الاختلاس اصطلاحًا: الاختلاس هو أخذ الشيء غير المُحرَز بحضرة صاحبه جهرًا مع الهرب به، ويكون باستغفال صاحب المال بدون غلبة، وقد يتفطن له صاحب المال ويكون ثمة مغالبة (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان الساراق قد أخذ المال اختلاسًا، فلا قطع حينئذ.

стр. 6885

• من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن لا قطع على المختلس وانفرد إياس بن معاوية (١) فقال: أقطعه" (٢). وقال مكي القيرواني (٤٣٧ هـ): "لا قطع على مختلس أو خائن عند جماعة العلماء" (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "القول في المختلس لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون اختلس جهارًا غير مستخف من الناس، فهذا لا خلاف فيه أنه ليس سارقًا، ولا قطع عليه. أو يكون فعل ذلك مستخفيًا عن كل من حضر، فهذا لا خلاف بيننا وبين الحاضرين من خصومنا في أنه سارق، وأن عليه القطع" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه ليس في الخلسة قطع بلغ ثمنها ما يقطع فيه أو لم يبلغ. قال أبو عمر: هذا كما ذكره مالك أمر مجتمع عليه لا خلاف فيه" (٥). وقال في موضع آخر: "أجمعوا أنه ليس على الغاصب ولا على المكابر الغالب قطع إلا أن يكون قاطع طريق" (٦). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "أجمعت الأمة أنه لا قطع على المختلس والمنتهب" (٧). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "أجمعوا أنه ليس في الخيانة ولا في الاختلاس قطع إلا إياس بن معاوية" (٨). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على

стр. 6886

أن المختلس والمنتهب والغاصب والخائن على عظم جنايتهم وآثامهم، فإنهم لا قطع على واحد منهم" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فإن اختطف أو اختلس لم يكن سارقًا، ولا قطع عليه عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية، قال: أقطع المختلس: لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقا، وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا يقطع مختطف ولا مختلس عند أحد علمناه غير إياس بن معاوية. . . وأهل الفقه والفتوى من علماء الأمصار على خلافه" (٤). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حديث: "ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع". . . وقد أبي أجمعوا على العمل به، إلا من شذ" (٥)، . وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): ""ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع". . . وقد حكي الإجماع عنى هذه الجملة" (٦). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): "الاختلاس أن يأخذ من البيت سرعة جهرًا، لا قطع فيه بإجماع العلماء وفقهاء الأمصار" (٧). • مستند الإجماع: استدل الفقهاء لمسألة الباب: ١ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع) (٨). ٢ - ما ورد عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت ﵃ أنه لا قطع على مختلس، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف (٩).

стр. 6887

٣ - من النظر: علله بعض الفقهاء بعدم الحرز، فلما لم يهتك فيه الحرز لم يجب القطع (١). • المخالفون للإجماع: المسألة حكي فيها خلاف عن إياس بن معاوية، حيث قال بقطع المختلس (٢). • دليل المخالف: دخول المختلس في عموم السارق بكونه أخذ خفية (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، وقول المخالف فيها شاذ، كما نص عليه ابن حجر حيث قال: "حديث: "ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع". . . وقد أجمعوا على العمل به، إلا من شذ" (٤) واللَّه تعالى أعلم. [٧٥/ ١] المسألة الخامسة والسبعون: ليس على المنتهب قطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف المنتهب: النهْب لغةً: قال ابن منظور: "النَّهْبُ: الغَنيمةُ. . . والنهب: الغارة والسلْب" (٥). المنتهب اصطلاحًا: المنتهِب في اصطلاح الفقهاء: هو من أخذ المال من صاحبه جهارًا، قهرًا (٦). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت المسألة على شخص بما يوجب القطع، وكانت السرقة عن طريق الانتهاب، فلا قطع. • من نقل الإجماع: قال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "أجمعت الأمة أنه لا قطع

стр. 6888

على المختلس والمنتهب" (١). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن المختلس والمنتهب والغاصب والخائن على عظم جنايتهم وآثامهم، فإنهم لا قطع على واحد منهم" (٢)، ونقله عنه ابن قاسم (٣). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حديث: "ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع". . . وقد أجمعوا على العمل به" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع". . . وقد حُكي الإجماع على هذه الجملة" (٥). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "ولأبي داود مرفوعًا: "ليس على المنتهب قطع"، وهو اتفاق" (٦). • مستند الإجماع: استدل الفقهاء لمسألة الباب: ١ - عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليس على خائن، ولا منتهِب، ولا مختلِس قطع) (٧). ٢ - من جهة النظر: لأن السرقة ما أخذ خفية، قال ابن حزم: "لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفي بأخذ ما ليس له" (٨)، معلوم أن الانتهاب لا يتحقق فيه الأخذ خفية. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6889

[٧٦/ ١] المسألة السادسة والسبعون: لا قطع في سرقة كلب ولا فهد . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الكلب والفهد: الكلب: الكَلْب -بسكون اللام- يطلق في اللغة على معان كثيرة منها: كل سبع عقور، وغلب على الحيوان النابح، وجمعه: أكْلُب، وأكالِب، وكلاب، وكِلابات، ذَكَره: كلب، والأنثى: كلبة. كما يُطلق أيضًا على الأسد، وعلى أول زيادة الماء في الوادي، وعلى حديدة الرحى في رأس القطب، وعلى خشبة يعمد بها الحائط، وعلى نوع من الأسماك، وعلى نوع من النجوم، وعلى طرف الأكَمَة، وعلى المسمار في قائم السيف، وعلى وسير أحمر يجعل بين طرفي الأديم، وعلى جبل باليمامة (١). والمراد به في هذا البحث هو نوع من السباع، يسمى صوته بالنباح (٢). الفهد: قال ابن سيده (٣): "الفَهْد ضَرْب من السِّباعِ يُتَصَيَّد به، والجمع أفُهُدُ

стр. 6890

وفُهُود والأنثى فَهْدةُ" (١). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان المسروق كلبًا لا يباح اتخاذه، أو فهدًا، فإنه لا قطع على السارق حينئذ. ويتحصل مما سبق أن الكلب إن كان مما يباح اتخاذه ككلب الصيد والماشية والزرع فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لا قطع في سرقة كلب ولا فهد بالإجماع" (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الكلب والفهد مما لا يتمول، وما لا قيمة له شرعًا فلا قطع فيه. وعند من يقول بصحة بيعه وتموله، فإن قوة القول بكونه لا يتمول يورث شبهة في القطع، والحدود تدرأ بالشبهات (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٧٧/ ١] المسألة السابعة والسبعون: لو أخذ شاة فذبحها ثم أخرجها مذبوحة لم يقطع . • المراد بالمسألة: لو أتلف السارق المسروق في حرزه، فصار مما لا قطع فيه، إما لأنه نقص عن قيمة النصاب، أو لعلة أخرى جعلته مما لا قطع فيه، ثم

стр. 6891

أخرجه من الحرز، فإنه لا قطع؛ إذ العبرة بالمسروق حين إخراجه من الحرز، ومثال ذلك: ما لو وجد شخص شاة تبلغ نصابًا في حرز، فذبحها في الحرز، ونقصت قيمتها عن النصاب بعد ذبحها، ثم أخرجها من الحرز، فلا قطع لأنها لم تبلغ نصابًا، وكذا على قول من يرى أن سرقة ما يتسارع إليه الفساد لا قطع فيه، فإن الشاة بعد ذبحها تكون لحمًا، وسرقة اللحم لا قطع فيه لأنه مما يتسارع إليه الفساد. ومثل هذه المسألة ما لو وجد ثوبًا يبلغ نصابًا، فشقه نصفين، فنقصت قيمته عن النصاب، ثم أخرجه من الحرز. يتبين مما سبق أنه لو أتلف المسروق في حرزه لكنه لم ينقص عن قيمة النصاب، كما لو كانت الشاة تبلغ نصابًا بعد ذبحها، فذلك غير مراد في مسألة الباب (١). كذا لو صار المسروق بعد تلفه مما لا قطع فيه، كالشاة مثلًا لو ذبحها ثم أخرجها لحمًا، فعند من يرى أن اللحم لا قطع في سرقته لأنه مما يتسارع إليه الفساد، يكون في هذه الصورة مما لا قطع فيه، لأن العبرة بالمسروق حين إخراجه من الحرز. • من نقل الإجماع: هذه المسألة يُعبر عنها الفقهاء بأن المعتبر في السرقة حين إخراجه من الحرز، لا حين أخذه من الحرز، وقد ذكر الإجماع في المسألة جماعة من أهل العلم: قال السرخسي (٤٨٣ هـ): "وإذا سرق ثوبًا فشقه في الدار نصفين ثم أخرجه فإن كان لا يساوي عشرة دراهم بعدما شقه لم يقطع بالاتفاق" (٢). قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لو أخذ شاة فذبحها، ثم أخرجها مذبوحة

стр. 6892

لا يقطع بالإجماع" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "من سرق ثوبًا فشقه في الدار قبل أنا يخرجه من الحرز نصفين ثم أخرجه، وهو يساوي عشرة بعد الشق قطع. . . وإن كان لا يساوي عشرة بعده لم يقطع بالاتفاق" (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بما يلي: ١ - أن المعتبر كمال النصاب عند تمام السرقة وتمامه بالإخراج من الحرز، فإذا لم تكن قيمته نصابًا عند الإخراج، أو كان مما لا حد فيه، لم يلزمه القطع. ٢ - علل فقهاء الحنفية مسألة الشاة بأن الشاة بعد ذبحها يكون المسروق لحمًا، واللحم لا قطع فيه؛ لأنه مما يتسارع إليه الفساد، وعلى هذا الرأي فلا قطع في الشاة المذبوحة ولو بلغت نصابًا (٣). • المخالفون للإجماع: يتبين مما سبق أن المسألة مبنية على اشتراط الحرز، واشتراط إخراج المسروق من الحرز، أما من لا يرى اشتراط الحرز، أو لا يرى شرطية إخراج المال المسروق من الحرز، كما هو منقول عن عائشة ﵂، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، والحسن البصري، وهو مذهب الظاهرية، فكل هؤلاء يخالفون في مسألة الباب (٤). • دليل المخالف: استدل المخالف بأنه لا دليل صريح على اشتراط الحرز، أو اشتراط إخراج المال المسروق من الحرز، وبيَّن ذلك ابن حزم فقال: "لا خلاف بين أحدا من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، وأن السارق هو المختفي بأخذ ما ليس له، وأنه لا مدخل للحرز فيما اقتضاه الاسم، فمن أقحم في ذلك اشتراط الحرز فقد خالف الإجماع على معنى هذه اللفظة في اللغة، وادعى في الشرع ما لا سبيل له إلى وجوده، ولا دليل على صحته، وأما قول الصحابة فقد أوضحنا أنه لم يأت قط عن أحد منهم اشتراط

стр. 6893

الحرز أصلًا وإنما جاء عن بعضهم "حتى يخرج من الدار" وقال بعضهم "من البيت" وليس هذا دليلًا على ما ادعوه من الحرز، مع الخلاف الذي ذكرنا عن عائشة، وابن الزبير في ذلك" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ للخلاف المنقول فيها عن عائشة ﵂، والنخعي، وسعيد بن المسيب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، والحسن البصري، وهو مذهب الظاهرية. [٧٨/ ١] المسألة الثامنة والسبعون: لا قطع فيمن سرق صبيًا حرًا يُعبِّر عن نفسه . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الصبي: الصبي لغةً: الصِّبا يطلق في اللغة على ثلاث معان: قال الرازي: "الصَّبْيُّ: الغلام، والجمع: صِبْية، وصِبْيانٌ، ويقال: صبي بيِّن الصِّبَا والصَّبَاءِ -إذا فتحت مددت وإذا كسرت قصرت-، والجارية صَبِيَّةٌ، والجمع الصَّبَايَا، مثل: مطية ومطايا. والصِّبَا أيضًا: من الشوق، يقال منه: تَصَابَى، وصَبَا يصبو صَبْوةً وصُبُّوًّا: أي مال إلى الجهل والفتوة. . . والصَّبَا: ريح، ومهبها المستوي أن تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، ومقابلتها الدبور" (٢). • الصبي اصطلاحًا: المراد بالصبي هنا هو الغلام صغير السِّن دون البلوغ، وحدَّه آخرون بأنه من الولادة إلى أن يُفطم (٣). والقول الأول هو الأقرب -واللَّه أعلم-؛ لأن المسألة هي في الصبي الذي يُعبِّر عن نفسه، والصبي قبل الفطام لا يستطيع أن يُعبر عن نفسه.

стр. 6894

• ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق صبيًا حرًا يعبر عن نفسه، فلا قطع، وكذا لو كان حرًا كبيرًا يعبر عن نفسه فهو كذلك من باب أولى (١)، إذ العبرة في المسألة أن يكون حرًا، وأن يعبر عن نفسه. ويتبين من هذا أن المسروق لو كان صبيًا حرًا لكنه لا يعبر عن نفسه، وكذا لو كان كبيرًا لكنه لا يعبر عن نفسه لجنون أو زيادة الكبر أو نحو ذلك، أو كان المسروق عبدًا صغيرًا أو كبيرًا، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "إن كان -أي الحر الصبي- يعبِّر عن نفسه لا يقطع بالإجماع" (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء للمسألة بما يلي: ١ - أن من شرط السرقة أن يكن المسروق مالًا متقومًا، والحر ليس بمال. ٢ - لأن الذي يعبر عن نفسه لا يمكن سرقته بأخذه من الحرز، وإنما يكون أخذه من باب خداعه (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. • إلا أن ثمة تنبيهان: الأول: ظاهر إطلاق الحنابلة في كتبهم أن ثمة رواية عن أحمد بوجوب القطع على من سرق الحر الصغير، ولم يقيدوا بكونه مميزًا، أو غير مميز، لكن شمس الدين ابن قدامة لما ذكر المسألة قال: "ظاهر المذهب أنه لا يقطع بسرقة الحر الصغير. . . " عن أحمد رواية ثانية: أنه يقطع بسرقة الصغير، وذكرها

стр. 6895

أبو الخطاب وهو قول الحسن، والشعبي، ومالك، وإسحاق؛ لأنه غير مميز أشبه العبد" (١)، وهذا التعليل من ابن قدامة يدل على أن مراد الحنابلة بالصغير هو غير المميز. الثاني: أشار ابن حزم إلى وجود الخلاف فقال: "اختلف الناس فيمن سرق عبدًا كبيرًا يتكلم، وفيمن سرق حرًا صغيرًا أو كبيرا" (٢)، وتعلم أن مذهب المالكية ورواية عند الحنابلة يرون القطع على من سرق صغيرًا، لكنهم يخصونه بغير المميز، فإن كان مراد ابن حزم ذلك الخلاف، فتكون مسألة الباب محل إجماع، لأنها في الحر الصبي المميز الذي يعبر عن نفسه، وإن أراد الصغير مطلقًا حتى غير المميز، فتكون المسألة محل خلاف، لكن لم أجد من قال به، فلعله أراد الأول، واللَّه تعالى أعلم. [٧٩/ ١] المسألة التاسعة والسبعون: لا قطع على من سرق الثمر المعلق غير المحرز، وعليه غرامة مثله . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق ثمرًا معلقًا في الشجر، داخل بستان لا حائط فيه ولا حارس، فهنا لا قطع؛ لأن البستان ليس بحرز. ويتبين من هذا أن الشجرة لو كانت في دار محرزة، أو كانت في بستان عليها باب مغلق أو حارس، فسرق منها نصابًا، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: مسألة الباب على شقين: الأول: أنه لا قطع في سرقة الثمر المعلق: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اختلفوا فيمن سرق تمرًا معلقًا على النخل أو الشجر إذا لم يكن محرزًا بحرز، فقال: أبو حنيفة ومالك والشافعي: يجب عليه قيمته، وقال أحمد: يجب قيمته

стр. 6896

دفعتين، وأجمعوا على أنه يسقط القطع عن سارقه" (١). الثاني: تغريمه مثل ما أَخذ: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال بعد نقله كلام أهل السلف فيمن في أخذ من الثمر المعلق: "وعلى من استهلكه قيمته في قول جماعة أهل العلم لا أعلمهم اختلفوا في ذلك" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - عن عمرو بن اشعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مِثْليه والعقوبة) (٣). وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول اللَّه ﷺ في كم تقطع اليد؟ قال: (لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن) (٤). ٢ - من النظر: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الشجر المعلق لم يحرز بعد، فليس فيه القطع. • المخالفون للإجماع: خالف الظاهرية في مسألة الباب، فيرون وجوب القطع على من سرق من الثمر المعلق، إذا أخذه على سبيل الخفية (٥). • دليل المخالف: أنه لا دليل صحيح صريح في اشتراط الحرز، والأصل هو

стр. 6897

القطع حتى يرد دليل بمنع القطع ولا دليل (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق؛ لثبوت الخلاف فيها مع الظاهرية. [٨٠/ ١] المسألة الثمانون: لا يقطع السيد بسرقته من مال مكاتبه . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف المكاتب: المكاتب اسم مفعول من كاتَب يُكاتب، قال الأزهري (٢): "المكاتبة: لفظة وُضعت لعتق على مالٍ مُنجَّم إلى أوقات معلومة، يحلُّ منجم لوقته المعلوم" (٣). والمراد بالمكاتب عند الفقهاء هو أن يشتري العبد نفسه ويعتقها، بعقد بين السيد وعبْده على أن يدفع له مالًا على أيام معدودة، يصير بأدائها حرًا (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن شخصًا لديه عبد كاتبه، فسرق السيد من مال مكاتبه قبل أن يسدد المكاتب ما عليه، فلا قطع على السيد حينئذ. ويتبين من هذا أن المكاتب لو أدى جميع ما عليه ثم سرق السيد منه فليس

стр. 6898

ذلك من مسائل الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لو سرق المولى من مكاتبه لا يقطع بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب أن للسيد في كسب مكاتبه حق، وهذه شبهة ملك للسيد تدرأ الحد، والحدود تدرأ بالشبهات (٢). النتيجة: لم أجد فى من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة كما قال ابن الهمام بلا خلاف بين أهل العلم. إلا أنَّ ابن حزم لا يأخذ بقاعدة درء الحدود بالشبهات، ويرى في المكاتب أنه حر بقدر ما أدى، وأنه من حين يعقد عقد الكتابة فليس للسيد حق في ماله، ولا أن يأخذ من مال مكاتبه شيء، فقياس قول ابن حزم القطع بسرقة السيد من مال المكاتب، لكنه لم يذكر المسألة في شيء من كتبه، لذا لا يمكن الجزم بخلافه في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٨١/ ١] المسألة الحادية والثمانون: لا يقطع في سرقة العبد إذا كان يعبر عن نفسه . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق عبدًا كبيرًا يعبر عن نفسه، فإنه لا قطع. ويتبين من ذلك أن العبد لو كان صغيرًا، أو كان كييرًا لكنه لا يعقل، ولا يعبر عن نفسه، بأن يأخذه حال كونه مجنونًا، أو مغمى عليه، أو نحو ذلك، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "إذا سرق عبدًا صبيًا يعبر عن نفسه، لا يقطع بلا خلاف" (٣).

стр. 6899

• مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الكبير لا يمكن أخذه عن طريق السرقة، وإنما يكون من باب الخداع، أو الغصب. • المخالفون للإجماع: أشار ابن حزم في المحلى إلى أن المسألة محل خلاف فقال: "اختلف الناس فيمن سرق عبدًا كبيرًا يتكلم"، ثم لم يذكر القائلين به صريحًا، لكن ظاهر كلامه ترجيح القول بالقطع (١). • دليل المخالف: ١ - استدل القائلون بوجوب القطع على من سرق العبد الكبير بأن العبد مال، يجب إقامة الحد بسرقته كسائر الأموال، ولا مانع من إقامة الحد على من سرقه؛ إذ لا دليل يدل على المنع من ذلك. ٢ - أنه لا دليل على التفريق بين العبد الصغير والكبير، فكلاهما مال، والتفريق يحتاج إلى دليل. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ للخلاف الذي نقله ابن حزم. [٨٢/ ١] المسألة الثانية والثمانون: الشاهدان إذا شهدا على السارق ثم قطعت يده، ثم جاءا بآخر، فقالا: هذا الذي سرق، وقد أخطأنا بالأول، غُرما بالدية، ولا تقبل شهادتهما على الثاني . • المراد بالمسألة: أن يشهد شاهدان على شخص بسرقة ما يوجب القطع، فتقطع يده لذلك، ثم يتراجع الشاهدان، بأنهم قد أخطأوا في شهادتهما، في تعيين ذات السارق، وأن السارق فلان آخر، فإن الشاهدان يغرمان دية يد من قُطعت يده بالشهادة الأولى، ولا تقبل شهادتهما على الثاني.

стр. 6900

ويتبين مما سبق أنه لو تعمد الشاهدان الكذب في الشهادة على الأول، فإن هذا ليس من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن الشاهدين إذا شهدا على سارق فقطعت يده، ثم جاءا بآخر فقالا هذا الذي سرق، وقد أخطأنا الأول، أنهما يغرمان دية اليد، ولا تقبل شهادتهما على الثاني" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما أخرجه البخاري (٢) في صحيحه حيث قال: "باب: إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم، وقال مطرف عن الشعبي: في رجلين شهدا على رجل أنه سرق، فقطعه علي، ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذا بدية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما" (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.
следующие страницы →