← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

دفعتين، وأجمعوا على أنه يسقط القطع عن سارقه" (١). الثاني: تغريمه مثل ما أَخذ: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال بعد نقله كلام أهل السلف فيمن في أخذ من الثمر المعلق: "وعلى من استهلكه قيمته في قول جماعة أهل العلم لا أعلمهم اختلفوا في ذلك" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - عن عمرو بن اشعيب عن أبيه عن جده عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مِثْليه والعقوبة) (٣). وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول اللَّه ﷺ في كم تقطع اليد؟ قال: (لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في حريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن) (٤). ٢ - من النظر: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الشجر المعلق لم يحرز بعد، فليس فيه القطع. • المخالفون للإجماع: خالف الظاهرية في مسألة الباب، فيرون وجوب القطع على من سرق من الثمر المعلق، إذا أخذه على سبيل الخفية (٥). • دليل المخالف: أنه لا دليل صحيح صريح في اشتراط الحرز، والأصل هو

стр. 6897

القطع حتى يرد دليل بمنع القطع ولا دليل (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق؛ لثبوت الخلاف فيها مع الظاهرية. [٨٠/ ١] المسألة الثمانون: لا يقطع السيد بسرقته من مال مكاتبه . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف المكاتب: المكاتب اسم مفعول من كاتَب يُكاتب، قال الأزهري (٢): "المكاتبة: لفظة وُضعت لعتق على مالٍ مُنجَّم إلى أوقات معلومة، يحلُّ منجم لوقته المعلوم" (٣). والمراد بالمكاتب عند الفقهاء هو أن يشتري العبد نفسه ويعتقها، بعقد بين السيد وعبْده على أن يدفع له مالًا على أيام معدودة، يصير بأدائها حرًا (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن شخصًا لديه عبد كاتبه، فسرق السيد من مال مكاتبه قبل أن يسدد المكاتب ما عليه، فلا قطع على السيد حينئذ. ويتبين من هذا أن المكاتب لو أدى جميع ما عليه ثم سرق السيد منه فليس

стр. 6898

ذلك من مسائل الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لو سرق المولى من مكاتبه لا يقطع بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب أن للسيد في كسب مكاتبه حق، وهذه شبهة ملك للسيد تدرأ الحد، والحدود تدرأ بالشبهات (٢). النتيجة: لم أجد فى من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة كما قال ابن الهمام بلا خلاف بين أهل العلم. إلا أنَّ ابن حزم لا يأخذ بقاعدة درء الحدود بالشبهات، ويرى في المكاتب أنه حر بقدر ما أدى، وأنه من حين يعقد عقد الكتابة فليس للسيد حق في ماله، ولا أن يأخذ من مال مكاتبه شيء، فقياس قول ابن حزم القطع بسرقة السيد من مال المكاتب، لكنه لم يذكر المسألة في شيء من كتبه، لذا لا يمكن الجزم بخلافه في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٨١/ ١] المسألة الحادية والثمانون: لا يقطع في سرقة العبد إذا كان يعبر عن نفسه . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وكان المسروق عبدًا كبيرًا يعبر عن نفسه، فإنه لا قطع. ويتبين من ذلك أن العبد لو كان صغيرًا، أو كان كييرًا لكنه لا يعقل، ولا يعبر عن نفسه، بأن يأخذه حال كونه مجنونًا، أو مغمى عليه، أو نحو ذلك، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "إذا سرق عبدًا صبيًا يعبر عن نفسه، لا يقطع بلا خلاف" (٣).

стр. 6899

• مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الكبير لا يمكن أخذه عن طريق السرقة، وإنما يكون من باب الخداع، أو الغصب. • المخالفون للإجماع: أشار ابن حزم في المحلى إلى أن المسألة محل خلاف فقال: "اختلف الناس فيمن سرق عبدًا كبيرًا يتكلم"، ثم لم يذكر القائلين به صريحًا، لكن ظاهر كلامه ترجيح القول بالقطع (١). • دليل المخالف: ١ - استدل القائلون بوجوب القطع على من سرق العبد الكبير بأن العبد مال، يجب إقامة الحد بسرقته كسائر الأموال، ولا مانع من إقامة الحد على من سرقه؛ إذ لا دليل يدل على المنع من ذلك. ٢ - أنه لا دليل على التفريق بين العبد الصغير والكبير، فكلاهما مال، والتفريق يحتاج إلى دليل. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ للخلاف الذي نقله ابن حزم. [٨٢/ ١] المسألة الثانية والثمانون: الشاهدان إذا شهدا على السارق ثم قطعت يده، ثم جاءا بآخر، فقالا: هذا الذي سرق، وقد أخطأنا بالأول، غُرما بالدية، ولا تقبل شهادتهما على الثاني . • المراد بالمسألة: أن يشهد شاهدان على شخص بسرقة ما يوجب القطع، فتقطع يده لذلك، ثم يتراجع الشاهدان، بأنهم قد أخطأوا في شهادتهما، في تعيين ذات السارق، وأن السارق فلان آخر، فإن الشاهدان يغرمان دية يد من قُطعت يده بالشهادة الأولى، ولا تقبل شهادتهما على الثاني.

стр. 6900

ويتبين مما سبق أنه لو تعمد الشاهدان الكذب في الشهادة على الأول، فإن هذا ليس من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن الشاهدين إذا شهدا على سارق فقطعت يده، ثم جاءا بآخر فقالا هذا الذي سرق، وقد أخطأنا الأول، أنهما يغرمان دية اليد، ولا تقبل شهادتهما على الثاني" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما أخرجه البخاري (٢) في صحيحه حيث قال: "باب: إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم، وقال مطرف عن الشعبي: في رجلين شهدا على رجل أنه سرق، فقطعه علي، ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذا بدية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما" (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6901

الفصل السادس مسائل الإجماع فيما يسقط حد السرقة [٨٣/ ١] المسألة الثالثة والثمانون: لا يسقط حد السرقة إذا لم يهبه المسروق منه ما سرق . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص ما يوجب القطع، ولم يتملك السارق ما سرقه، بهبة أو نحوه، فإن الأمر إذا بلغ للحاكم وجب القطع (١). • من نقل الإجماع: نقل ابن حزم (٤٥٦ هـ) الاتفاق على أن صاحب المال إذا لم يهب المسروق للسارق فإنه يقطع (٢). • مستند الإجماع: دليل المسألة ظاهر من حيث أن السارق سرق ما يوجب القطع، وليس ثمة ما يسقط إقامة الحد. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨٤/ ١] المسألة الرابعة والثمانون: يسقط حد السرقة بهبة المسروق منه للسارق ما سرق قبل بلوغ الإمام . • المراد بالمسألة: الهبة لغةً: قال أبو البقاء: "الهبة: أصلها من الوهب، بتسكين الهاء وتحريكها، كذلك في كل معتل الفاء، كالوعد والعِدّة، والوعظ والعظة، فكانت من المصادر التي تحذف أوائلها وتعوض في آخرها التاء،

стр. 6902

ومعناها إيصال الشيء إلى الغير بما ينفعه، سواء كان مالًا، أو غير مال" (١). وقال الفيومي: "وهَبْتُ لزيد مالًا، أهَبُهُ له هِبَةَ: أعطيته بلا عوض" (٢). • الهبة اصطلاحًا: قال الجرجاني: "الهبة في اللغة: التبرع، وفي الشرع: تمليك العين بلا عوض" (٣). ويتبيَّن من هذا أن المعنى الاصطلاحي للهبة موافق للمعنى اللغوي. • ثانيًا: صورة المسألة: لو سرق شخص من آخر ما يوجب القطع، وقبل بلوغ الأمر للإمام تملَّك السارق ما سرقه، إما بأن تبرع المسروق منه بهبة المسروق للسارق، وقبل السارق الهبة، أو باعه إياه، أو ورثه، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا قطع حينئذٍ. ويتبين مما سبق أن الإهداء لو كان بعد بلوغ الأمر للحاكم، أو كان السارق لم يتملك تمام الملك، بأن لم يقبل بالهبة مثلًا، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "مُلك السارق المسروق قبل القضاء، نحو ما إذا وهب المسروق منه المسروق من السارق قبل القضاء: وجملة الكلام فيه، أن الأمر لا يخلو: إما أن وهبه منه قبل القضاء، وإما أن وهبه

стр. 6903

بعد القضاء قبل الإمضاء. فإن وهبه قبل القضاء: يسقط القطع بلا خلاف" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "إن ملك العين المسروقة بهبة أو بيع أو غير ذلك من أسباب الملك وكان ملكها قبل رفعه إلى الحاكم والمطالبة بها عنده لم يجب القطع، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافًا" (٢)، ونقله عله عنه ابن مفلح (٣). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): "أجمعوا على أنه لو ملكه قبل الخصومة لا يجوز استيفاء القطع" (٤). • مستند الإجماع: دليل المسألة الأثر والنظر: ١ - عن صفوان بن أمية ﵁ أنه: "سُرقت خميصته من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي ﷺ ، فأخذ اللص، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال صفوان: أتقطعه؟ قال: (فهلا قبل أن تأتيني به تركته) (٥). وفي رواية لأبي داود والنسائي بلفظ: "قال صفوان: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا، أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، (قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به) (٦). وفي رواية لابن ماجه بلفظ: "فقال صفوان: يا رسول اللَّه لم أرد، هذا ردائي عليه صدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : (فهلا قبل أن تأتيني به) (٧). • وجه الدلالة: سياق الحديث بروايته فيه دلالة صريحة على قبول إسقاط الحد

стр. 6904

بهبة المال المسروق قبل رفعه للحاكم، ولذا قال ابن عبد البر بعد سياقه للحديث: "وهذا يدل على أنه لو وهب للسارق رداءه قبل أن يأتيه به لما قطع" (١). ٢ - من النظر: علل الفقهاء لعدم القطع بأن المطالبة شرط للحكم بالقطع، فإذا تملكه السارق قبل القضاء امتنعت المطالبة (٢). • المخالفون للإجماع: القول بعدم القطع في مسألة الباب هو مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن أحمد (٥). بينما ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب إقامة الحد، وهو مذهب المالكية (٦)، والرواية الأخرى عن أحمد (٧) وبه قال ابن أبي ليلى، وحكاه الطحاوي وغيره عن الشافعي (٨). • دليل المخالف: علل المخالف في مسألة الباب بما يلي: ١ - أن العبرة بحال المسروق حين خروجه من الحرز، بدليل أن المسروق لو نقص بعد إخراجه من الحرز لم يسقط القطع؛ لأن العبرة بالمسروق حين إخراجه من الحرز، فكذلك هنا، ولذا فلا تشترط مطالبة صاحب المال المسروق عند مالك، وأحمد في رواية. ٢ - القياس: فإن الزاني بأمة غيره لو وهبت له قبل أن يقام عليه الحد، أو يشتريها قبل أن يقام عليه الحد، فإن ملكه الطارئ لا يزيل عنه الحد، فكذا هنا (٩). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل

стр. 6905

العلم، بل هي محل خلاف بين المذاهب الأربعة؛ لثبوت الخلاف فيها مع المالكية، وأحمد في رواية، وابن أبي ليلى. ولذا قال، ابن رشد الحفيد في سياق المسألة: "اختلفوا في السارق يسرق ما يجب فيه القطع فيرفع إلى الإمام وقد وهبه صاحب السرقة ما سرقه، أو يهبه له بعد الرفع وقبل القطع" (١)، واللَّه تعالى أعلم. [٨٥/ ١] المسألة الخامسة والثمانون: حد السرقة لا يسقط بالتوبة بعد الرفع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف التوبة لغة واصطلاحًا: التوبة لغة: قال ابن فارس: "التاء والواو والباء كلمةٌ واحدة تدل على الرُّجوع، يقال: تابَ مِنْ ذنبه، أي رَجَعَ عنه" (٢) • التوبة اصطلاحًا: التوبة في اصطلاح الفقهاء هي الرجوع إلى اللَّه تعالى بترك ما مضى من المعاصي والذنوب (٣). ولها شروط حاصلها: ١ - الإقلاع عن الذنب. ٢ - الندم على ما فعل. ٣ - العزم على عدم العودة للذنب (٤). ٤ - أن تكون التوبة قبل فوات وقتها، وذلك بطلوع الشمس من مغربها، أو بلوغ الغرغرة.

стр. 6906

٥ - رد المظالم إلى أهلها، إن كان الذنب يتعلق بحقوق الآخرين (١). • ثانيًا: صورة المسألة: لو شبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وبعد رفعه للإمام تاب السارق من سرقته، فإن القطع لا يسقط حينئذٍ. يتبين مما سبق أن توبته لو كانت قبل ثبوت الأمر للسلطان، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "قد اتفقنا أن التوبة لا تُسقط الحد" (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تُسقط حدًا" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولى الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم بل تجب إقامته وإن تابوا" (٤). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "الحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا" (٥). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "ولا يسقط -أي الحد- بالتوبة بعد الرفع إجماعا" (٦). قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا" (٧). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "الإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا" (٨). وقال القاري (١٠١٤ هـ)، والشوكاني (١٢٥٠ هـ) مثل قول ابن الهمام تمامًا: "للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا" (٩). وقال أبو الطيب (١٣٢٩ هـ):

стр. 6907

"أجمع العلماء على أن التوبة لا تسقط حدًا من حدود اللَّه" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن الآية عامة، ولم تستثن التائب من غيره. ٢ - عن ثعلبة بن سعد الأنصاري ﵁ (٣): "أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس (٤) جاء إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إني سرقت جملًا لبني فلان فطهرني، فأرسل إليهم النبي ﷺ ، فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا، فأمر به النبي ﷺ فقطعت يده، قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد للَّه الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار" (٥). • وجه الدلالة: أن عمرو بن سمرة جاء تائباص يطلب الحد، ومع ذلك أقام عليه النبي ﷺ الحد، ولم يسقطه بالتوبة. ٣ - القياس على حد الزنى؛ فإن ماعز بن مالك، والغامدية، حين تابا من الزنى، ويلغ أمرهم للإمام، لم يُسقط النبي ﷺ عنهم الحد لأجل توبتهم، فكذا السرقة، لا تسقط بالتوبة، إذا بلغت الإمام.

стр. 6908

• المخالفون للإجماع: ذهب بعض الفقهاء إلى أن التوبة بعد الرفع مسقطة للحد، وهو قول بعض الشافعية كالماوردي، والروياني (١)، والمحاملي (٢) (٣). وهو قول الشافعي لمَّا كان بالعراق، ثم رجع عنه بمصر (٤). وهو أيضًا رواية عند الحنابلة اختارها أبو الخطاب (٥) (٦). وإن كان ابن تيمية قرر في كتابه الصارم المسلول أن الخلاف هو فيما لو لم يثبت الحد عند الإمام، أما إن ثبت عند الإمام فالمسألة محل إجماع. وقرر أن ما نُقل عن الإمام أحمد في هذه المسألة أن من تاب فلا حد عليه ولو ثبت عليه الحد عند الإمام، ليس بصواب، بل متى أظهر التوبة بعد أن ثبت

стр. 6909

عليه الحد عند الإمام بالبينة لم يسقط عنه الحد قولًا واحدًا عن الإمام أحمد، وأما إن تاب قبل أن يقدر عليه -بأن يتوب قبل أخذه وبعد إقراره الذي له أن يرجع عنه-: فهذا الذي فيه روايتان عن أحمد، إذ كان يقول بسقوط الحد ثم رجع عنه، وأيَّد ابن تيمية ذلك بأن هذا ما صرح به غير واحد من أئمة المذهب منهم الشيخ أبو عبد اللَّه بن حامد (١). فتحصل مما قرره ابن تيمية أن المسألة عند الإمام أحمد على ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يتوب بعد ثبوت الحد عند الإمام، فهنا لا يسقط قولًا واحدًا عن الإمام أحمد. الحال الثانية: أن يتوب قبل أن يقر بالحد، بأن يجيء للإمام تائبًا، فهذه لا حد فيها عند الإمام أحمد. الحال الثالثة: أن يتوب بعد أن يقر، بأن يقر ثم يتوب، ففي هذه الحال روايتان عن أحمد، فكان يقول بسقوط الحد عنه، ثم رجع وقال بعدم سقوط الحد (٢). • دليل المخالف: استدل القائلون بسقوط الحد عن التائب بقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ (٣). • وجه الدلالة: الآية دليل على أن التائب لا يقام عليه الحد، إذ لو أقيم عليه الحد بعد التوبة لما كان لذكرها فائدة (٤).

стр. 6910

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لوجود المخالف من بعض الشافعية وبعض الحنابلة، ولذا لمَّا ساق الصنعاني المسألة قال: "التوبة لا تسقط الحد، وهو أصح القولين عند الشافعية والجمهور" (١)، فذكر المسألة على أنها خلافية، وليست إجماعًا محققًا، واللَّه تعالى أعلم. [٨٦/ ١] المسألة السادسة والثمانون: لصاحب المال المسروق أن يعفو عن السارق، وأن عفوه يسقط الحد قبل أن يرفع للإمام . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص مالًا يجب فيه الحد، فلصاحب المال المسروق أن يعفو عن السارق قبل أن يرفع الأمر للحاكم، وبالعفو يسقط عن السارق حد القطع. • من نقل الإجماع: قال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن لصاحب السرقة أن يعفو ما لم يرفع ذلك إلى الإمام" (٢). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "ويسقط بالعفو قبل الرفع إجماعًا" (٣). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "القطع يسقط بالعفو قبل الرفع وهو مجمع عليه" (٤). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "اتفقوا على أن لصاحب السرقة أن يعفو ما لم يرفع ذلك إلى الإمام" (٥). • مستند الإجماع: يدل على هذه المسألة الأثر والنظر: ١ - فمن الأثر: عن صفوان بن أمية ﵁ أنه: "سُرقت خميصته من تحت رأسه وهو نائم في مسجد النبي ﷺ ، فأخذ اللص، فجاء به إلى النبي ﷺ ، فأمر

стр. 6911

بقطعه، فقال صفوان: أتقطعه؟ قال: (فهلا قبل أن تأتيني به تركته) (١). وفي رواية لابن ماجة بلفظ: "فقال صفوان: يا رسول اللَّه لم أرد، هذا ردائي عليه صدقة، فقال رسول اللَّه ﷺ : (فهلا قبل أن تأتيني به) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أشار في الحديث إلى أن العفو إن كان قبل بلوغ الأمر إليه لكان تجاوز صفوان مقبولًا في الشرع، أما بعد الرفع فإن الحد قد وجب ولا يسقطه العفو (٣). ٢ - من النظر: علل الفقهاء لعدم القطع بأن المطالبة شرط للحكم بالقطع، فإذا تملكه إلى سارق قبل القضاء امتنعت المطالبة (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨٧/ ١] المسألة السابعة والثمانون: من أقر على نفسه بسرقة ثم رجع عن إقراره سقط الحد . • المراد بالمسألة: لو أقر شخص على نفسه بسرقة ما يوجب القطع، ثم رجع عن إقراره وأكذب نفسه، قبل البدء بإقامة الحد، فإنه يسقط عنه الحد، ولا يقام. ويتحصل مما سبق أنه الحد لو ثبت بالبينة، فمسألة أخرى، وكذا لو شرع في إقامة الحد ثم بدأ بالرجوع، فمسألة أخرى ليست مرادة في الباب، وكذا يتبين أن المسألة هي في إقامة الحد، لا في الضمان؛ لأن ضمان ما أقر به ثم تراجع عنه محل خلاف، وليست هي مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢٢ هـ): "قد رأيناهم جميعًا لما رووا عن رسول اللَّه ﷺ في المقر بالزنا لمَّا هرب فقال النبي ﷺ : (لولا خليتم سبيله)

стр. 6912

فكان ذلك عندهم على أن رجوعه مقبول، واستعملوا ذلك في سائر حدود اللَّه ، فجعلوا من أقر بها ثم رجع، قُبل رجوعه، ولم يخصُّوا الزنا بذلك دون سائر حدود اللَّه" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ذا أقر بالسرقة ثم رجع فقال لم أسرق بل هو ملكي فإنه لا يقطع بالإجماع" (٢). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): "إذا أقر بالسرقة ثم رجع فقال لم أسرق بل هو ملكي فإنه لا يقطع بالإجماع. . . فإن المقر إذا رجع صح، أي إجماعًا" (٣). وقال دامان (١٠٧٨ هـ) في باب السرقة: "صحة الرجوع بعد الإقرار: إجماعًا" (٤). • مستند الإجماع: استدل لهذه المسألة بأدلة منها: ١ - عن أبي أمية -رجل من الأنصار- أن رسول اللَّه ﷺ أتي بلص اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (ما إخالك سرقت) قال: بلى، قال: (اذهبوا به فاقطعوه، ثم جيئوا به، فقطعوه)، ثم جاءوا به، فقال له: (قل: أستغفر اللَّه وأتوب إليه) فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قال: (اللهم تب عليه) (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عرض له ليرجع، ولو لم يسقط الحد برجوعه لم يكن في ذلك فائدة. ٢ - من النظر: أن رجوعه عن الإقرار يورث شبهة في إقامة الحد، وقد تقرر عند عامة أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات (٦).

стр. 6913

٣ - من القياس: وهو على نوعين: قياس على أثر، وقياس على نظر: أ - أما القياس على الأثر فما ورد في قصة ماعز حين أقر بالزنا، وأقيم عليه الحد، فلما وجد مس الحجارة، فر يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل، فضربه به، وضربه الناس، حتى مات، فذكروا ذلك لرسول اللَّه ﷺ : أنه فر حين وجد مس الحجارة، ومس الموت، فقال رسول اللَّه ﷺ : (هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب اللَّه عليه) (١). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن ماعزًا لو رجع عن إقراره سقط عنه الحد، وهذا في الزنا، فيقاس عليه الحد في السرقة. ب - وأما القياس على النظر فقال ابن عبد البر: "وقد أجمع العلماء على أن الحد إذا وجب بالشهادة وأقيم بعضه ثم رجع الشهود قبل أن يقام الحد أو قبل أن يتم أنه لا يقام عليه، ولا يتم ما بقي منه بعد رجوع الشهود، فكذلك الإقرار والرجوع" (٢). ولمجموع هذه الأدلة ذهب الأئمة الأربعة إلى أن من رجع عن إقراره قبل منه رجوعه وسقط عنه الحد (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يقبل رجوع من أقر على، نفسه بالسرقة، ونسبه ابن حزم إلى الحسن، وسعيد بن

стр. 6914

جبير (١)، وابن أبي ليلى (٢) (٣)، وهو قول في مذهب الشافعي (٤)، وقول في مذهب أحمد (٥). وروي عن مالك أنه إن ظهر منه ما يشبه البينة، كظهور بعض المتاع، وهو من أهل التهم فلا يقبل رجوعه. وفي رواية أخرى عن مالك أنه إن اعترف بالسرقة من غير محنة ولا ترويع لم يقبل رجوعه عن إقراره (٦). وإلى عدم سقوط الحد بالرجوع عن الإقرار بالسرقة ذهب الظاهرية أيضًا، كما قال ابن حزم: "من أقر لآخر، أو للَّه تعالى بحق في مال، أو دم، أو بشرة، وكان المقر عاقلًا بالغًا غير مكره، وأقر إقرارًا تامًا، ولم يصله بما يفسده، فقد لزمه، ولا رجوع له بعد ذلك، فإن رجع لم ينتفع برجوعه، وقد لزمه ما أقر به على نفسه من دم، أو حد، أو مال.

стр. 6915

فإن وصل الإقرار بما يفسده بطل كله، ولم يلزمه شيء، لا من مال، ولا قود، ولا حد، مثل أن يقول: لفلان علي مائة دينار، أو يقول: قذفت فلانًا بالزنى، أو يقول: زنيت، أو يقول: قتلت فلانًا، أو نحو ذلك، فقد لزمه، فإن رجع عن ذلك، لم يلتفت، فإن قال: كان لفلان علي مائة دينار وقد قضيته إياها، أو قال: قذفت فلانًا وأنا في غير عقلي، أو قتلت فلانا؛ لأنه أراد قتلي ولم أقدر على دفعه عن نفسي، أو قال: زنيت وأنا في غير عقلي، أو نحو هذا، فإن هذا كله يسقط ولا يلزمه شيء" (١). • دليل المخالف: علل ابن حزم لمسألة الباب بما يلي: ١ - بأن المقر قد ثبت في حقه الحد بإقراره، فادعاء سقوطه يحتاج إلى برهان وبينة، فإن لم يكن له بينة حُكم عليه بما أقر أولًا (٢). ٢ - أن من أقر بالسرقة ثم رجع عنها فإيجاب الضمان عليه بغرم ما أقر بسرقته ثم رجوعه عنه باطل؛ لأنه لا يخلو من أحد أمرين: فإما أن يكون سارقًا في الحقيقة، فيكون حينئذٍ قد أُسقط الحد في حقه. وإما أن يكون صادقًا في رجوعه فيكون حينئذٍ إيجاب ضمان ما أقر بسرقته ظلمًا في حقه (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها. [٨٨/ ١] المسألة الثامنة والثمانون: إذا أدخل اللص يده في الدار وأمكنه الدخول ولم يدخل لم يقطع . • المراد بالمسألة: لو كان ثمة مال محرز في دار معينة، فنقب شخص الدار، وأخرج المتاع منه دون أن يَدخُله، فهل عليه القطع أم لا.

стр. 6916

وينبه إلى أن هذه المسألة هي فيما يكون الحرز فيه مما يتصور فيه الدخول، كالدار ونحوه، أما لو كان الحرز مما لا يتصور دخوله كالصندوق، أو جيب الثوب، أو ما أشبهه فَنَقبه وأخذ المال، فإنه غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: هذه المسألة ذكرها الكاساني (٥٨٧ هـ) مذهبًا لأبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن، واستدل لهما بقوله: "لهما: ما روي عن سيدنا علي ﵁ أنه قال: "إذا كان اللص ظريفًا لم يقطع قيل: وكيف يكون ظريفًا؟ قال: يدخل يده إلى الدار ويمكنه دخولها"، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - أنه مروي عن علي ﵁ كما سبق في نقل الإجماع (٢). ٢ - من النظر: أن هتك الحرز يشترط أن يكون على سبيل الكمال؛ لأن به تتكامل الجناية، ولا يتكامل الهتك فيما يتصور فيه الدخول إلا بالدخول، ولم يوجد، بخلاف الأخذ من الصندوق، والجوالق (٣): فإنَّ هتكهما بالدخول متعذر، فكان الأخذ بإدخال اليد فيها هتكًا متكاملًا يجب فيه القطع (٤).

стр. 6917

• المخالفون للإجماع: ذهب أبو يوسف من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى وجوب قطع من أدخل يده إلى الدار وأخذ المتاع، سواء دخل الدار أو لم يدخل. • دليل المخالف: يدل على مسألة الباب أن هتك الحرز يحصل بنقبه وأخذ المال، أما الدخول فغير معتبر في القطع (٥). ولم أجد كلامًا لابن حزم في المسألة، إلا أنه على قياس مذهب الظاهرية فإنهم يرون وجوب القطع في مسألة الباب؛ وذلك أن المسألة مبينة على المعتبر في هتك الحرز، فالحنفية يرون من شرط هتك الحرز دخول ما يمكن دخوله، والجمهور مع أبي يوسف يرون المعتبر نقبه وأخذ المتاع، والظاهرية -كما سبق- لا يرون اشتراط الحرز أصلًا، فكان قياس مذهبهم هو مذهب الجمهور في هذه المسألة. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم، وما نقله الكاساني يحتاج إلى تحرير من جهة صحة النقل عن علي ﵁، ومن جهة أخرى النظر في تحقق الإجماع السكوتي في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٨٩/ ١] المسألة التاسعة والثمانون: إذا أقر بالسرقة، ثم رجع فقال: لم أسرق بل هي ملكي، فإنه لا يُقطع . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكان ثبوت السرقة بالإقرار، فادعى السارق أن المسروق ملكه، فإنه لا حد عليه، ولو لم تكن له بينة على دعوى ملكية المال المسروق.

стр. 6918

يتبين مما سبق أن الحد لو ثبت ببينة، أو كان للسارق بينة على دعواه ملْك المال المسروق فكل ذلك ليس مرادا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "إذا أقر بالسرقة ثم رجع فقال لم أسرق بل هو ملكي فإنه لا يقطع بالإجماع ولكن يلزمه المال" (١)، ونقله عنه الزيلعي (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب أن ادعاء السارق للملك شبهة يدرأ به الحد، والحدود تدرأ بالشبهات. • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من الفقهاء إلى عدم سقوط الحد في مسألة الباب، وهو قول للمالكية (٣)، وقول للشافعي (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥). وفي رواية ثالثة عن أحمد أيضًا: أنه لا يقطع إلا إن كان السارق معروفًا بالسرقة (٦). وقياس مذهب ابن حزم أيضًا هو القول بعدم سقوط الحد، لأنه لا يرى قاعدة درأ الحدود بالشبهات كما سبق بيانه. • دليل المخالف: علل القائلون بالقطع في مسألة الباب أن ادعاء السارق ملك ما سرقة لا يعتر شبهة دارئة للحد. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم، بل ليست محل اتفاق بين أئمة المذاهب الأربعة؛ لوجود الخلاف عن بعض المالكية، وبعض الشافعية، والحنابلة في رواية، ولذا ساق ابن هبيرة "في الإفصاح" المسألة على أنها خلافية (٧)، وهو الصواب، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6919

الفصل السابع مسائل الإجماع في صفة إقامة حد السرقة [٩٠/ ١] المسألة التسعون: إذا كان السارق سالم اليد اليسرى والرجل اليمنى لا ينقص منها شيء، فيجب عليه الحد . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص وكان سليم اليد اليسرى والرجل اليمنى، غير أشل في أحدهما، ولا ناقصة الأصابع في شيء منها، فإنه يجب عليه إقامة الحد. ويتبين مما سبق أنه لو كان أشل اليد اليسرى سليم الرجل اليمنى أو العكس، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أنه من سرق وكان سالم اليد اليسري، وسالم الرجل اليمنى لا ينقص منها شيء فقد وجب عليه حد السرقة" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة عموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢)، وأول من يدخل فيه سليم اليدين والرجلين. وإنما ذكر ابن حزم مسألة الباب لأن جماعة من أهل العلم يرون أن السارق إذا كان أشل الرجل اليمنى واليد اليسرى فإنه لا قطع عليه حينئذ، كما نص عليه الحنفية، والحنابلة في كتبهم (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6920

[٩١/ ١] المسألة الحادية والتسعون: حد السارق قطع يده اليمنى . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وكانت يده اليمنى صحيحة غير شلاء، ولا ناقصة، وكان سليم اليد اليسرى، والرجل اليمنى، ولم يكن السارق أعسرًا، فإن صفة إقامة الحد عليه أن تقطع يده اليمنى، وذلك على سبيل الوجوب. ويتحصل مما سبق أن اليد اليمنى لو كانت شلاء، أو ناقصة، فإن ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو كانت يده اليسرى شلاء أو ناقصة، أو كانت رجله اليمنى كذلك، أو كان أعسرًا، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الجصاص (٣٧٠ هـ): "لم تختلف الأمة في أن اليد المقطوعة بأول سرقة هي اليمين" (١). وقال القاضي أبو محمد (٤٣٠ هـ): "لا خلاف أنه أول ما يقطع يمنى يديه، ثم يسرى رجليه"، نقله عنه أبو الوليد الباجي (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "واتفقوا أن من سرق فقطعت يده اليمنى أنه قد أقيم عليه الحد" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "اختلف العلماء من السلف والخلف فيما يقطع من السارق إذا قطعت يده اليمنى بسرقة يسرقها، ثم عاد فسرق أخرى، بعد إجماعهم أن اليد اليمنى هي التي تقطع منه أولًا" (٤). وقال البغوي (٥١٠ هـ): "اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى" (٥)، نقله القاري (٦). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا على أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة وهو صحيح الأطراف فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف" (٧).

стр. 6921

وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى" (١) وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا خلاف أن اليمنى هي التي تقطع أولًا" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على أنه إذا سرق أولًا قطعت يده اليمنى" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى" (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب، والسنة، والإجماع" (٥). وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ) في بيان قراءة ابن مسعود لآية السرقة: "عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما"، وهذه قراءة شاذة، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقًا لها" (٦). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "أطلق في الآية اليد وأجمعوا على أن المراد اليمنى إن كانت موجودة" (٧). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف بلا خلاف، وفي قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما) روي عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة" (٨). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "قُطع يمينه: أي يده اليمني أولًا، وإن كان أعسر، بالإجماع" (٩). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "إذا وجب القطع قطعت يده اليمنى لقراءة ابن مسعود "فاقطعوا أيمانهما". . .

стр. 6922

ولأنه قول أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما من الصحابة" (١). وقال الصنعاني (١٠٩٩ هـ): "الواجب قطع اليمين في السرقة الأولى إجماعًا" (٢). وقال الخرشي (١١٠١ هـ): "السارق المكلف مسلمًا كان أو كافرًا، حرًا كان أو رقيقًا، ذكرا كان، أو أنثى، إذا سرق، ويمينه صحيحة، فإنها تقطع من كوعها إجماعًا" (٣). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ) (٤): "إذا أوجب القطع قطعت يده اليمنى؛ لقراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما". . . ولأنه قول أبي بكر وعمر ولا مخالف لهما من الصحابة" (٥). وقال الجزيري (١٣٦٠ هـ): "اتفق الأئمة رحمهم اللَّه تعالى- على أن السارق إذا وجب عليه القطع وكان ذلك أول سرقة له، وأول حد يقام عليه بالسرقة وكان صحيح الأطراف فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف" (٦). • مستند الإجماع: احتجوا في ذلك بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٧). حيث كان ابن مسعود يقرأها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما" (٨).

стр. 6923

• وجه الدلالة: أن هذه القراءة إما أن تكون صحيحة فتكون من كلام اللَّه سبحانه، وإما حيث أن تكون شاذة فتكون من كلام ابن مسعود ﵁، وهي من باب التفسير الذي لا يقال بمجرد الرأي. ٢ - ما روي عن أبي بكر الصديق وعمر ﵄ أنهما قالا: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع"، ولا مخالف لهما في الصحابة (١). ٣ - من النظر: أ - أن البطش باليمين أقوى عند غالب الناس، فكانت البداية بها أردع. ب - أن اليمنى هي آلة السرقة غالبًا، فناسب عقوبته بإعدامها (٢). • المخالفون للإجماع: ذهب ابن حزم إلى أن قطع اليمين ليس بواجب، فيباح قطع اليمين أو الشمال، لكن يستحب أن تكون اليمين، وليس ذلك على سبيل الوجواب (٣). وكذا ظاهر كلام قتادة في أن قطع الشمال مجزئ مطلقًا، يقتضى أنه لا يتحتم قطع اليمين (٤). • دليل المخالف: استدل المخالف بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن الآية عامة، ولم تحدد يمينًا من شمال. ٢ - أخرج ابن حزم عن نافع مولى ابن عمر ﵁ قال: "سرق سارق بالعراق في زمان علي بن أبي طالب ﵁، فقدم ليقطع يده، فقدم السارق يده اليسرى -ولم يشعروا- فقطعت، فأخبر علي بن أبي طالب خبره،

стр. 6924

فتركه ولم يقطع يده الأخرى" (١). وجه الدلالة: اكتفاء علي ﵁ بقطع الشمال عن اليمين، يدل على عدم وجوب اليمين، إذ لو وجب قطع اليمين لما أجزأ عن ذلك قطع الشمال (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم، لثبوت خلاف قتادة، وابن حزم فيها، وقد نفى ابن حزم الإجماع فقال: "قال قائلون: تقطع اليمنى. . . وادعوا إجماعًا، وهو باطل؛ يرده قطع علي الشمال عن اليمين، واكتفاؤه بذلك" (٣). [٩٢/ ١] المسألة الثانية والتسعون: محل القطع هو مفصل الكف . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف مفصل الكف: المفصل: قال ابن فارس: "الفاء والصاء واللام كلمةٌ صحيحةٌ تدلُّ على تمييز الشَّيء من الشَّيء وإبانته عنه" (٤). وقال ابن منظور: "الفَصْل: بَوْنُ ما بين الشيئين، والفَصْل من الجسد موضع المَفْصِل. . . والمَفْصِل واحد مَفاصِل الأَعضاء والانْفصال مطاوع فصَل والمَفْصِل كل ملتقى عظمين من الجسد" (٥). الكف: الكف: هي راحة يد الإنسان مع أصابعه، سميت بذلك لأنها تكُف الأذى عن البدن، وهو مؤنث، قال الفيومي: "وزعم من لا يوثق به أن الكَفَّ مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم كَفَّ خضب: فعلى معنى ساعد مخضب، وجمعها: كُفُوفٌ، وأَكُفٌ" (٦). مفصل الكف: المراد بمفصل الكف: هو المفصل الفاصل بين الكف

стр. 6925

والساعد، وهو ما يُسمى بالرِّسغ. ويعبر عنه آخرون بالكوع، ولا منافاة، فإن الرسغ هو مفصل الكف، وله طرفان، هما عظمان، فالذي يلي الإبهام كوع، والذي يلي الخنصر كرسوع (١). • ثانيًا: وصورة المسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، فإن محل القطع هو مفصل الكف، وهو الرسغ. وهذا الحكم عام سواء في الرجل والمرأة، وفي الحر والعبد. • من نقل الإجماع: قال الجصاص (٣٧٠ هـ): "ولا خلاف بين السلف من الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن القطع من المفصل، وإنما خالف فيه الخوارج وقطعوا من المنكب لوقوع الاسم عليه وهم شذوذ لا يعدون خلافًا" (٢). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة وهو صحيح الأطراف فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف" (٣)، ونقله عنه ابن قاسم (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): إلا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه، يده اليمنى، من مفصل الكف، وهو الكوع" (٥)، وحكاه عنه الزركشي (٦). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى، من مفصل الكف، وهو الكوع" (٧).

стр. 6926

وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ): "كل من قطع من الأئمة قطع من الرسغ، فصار إجماعًا فعلًا، فلا يجوز خلافه" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "وأَخرج -أي ابن أبي شيبة- عن عمر وعلي أنهما قطعا من المفصل وانعقد عليه الإجماع" (٢). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف بلا خلاف" (٣)، ونقله عنه البهوتي (٤)، وابن قاسم (٥). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف، لقول أبي بكر وعمر: تقطع يمين السارق من الكوع، ولا مخالف لهما من الصحابة" (٦). وقال الخرشي (١١٠١ هـ): "السارق المكلف مسلمًا كان أو كافرًا، حرًا كان أو رقيقًا، ذكرًا كان أو أنثى، إذا سرق ويمينه صحيحة، فإنها تُقطع من كوعها إجماعًا" (٧). وقال الجزيري (١٣٦٠ هـ): "اتفق الأئمة رحمهم اللَّه تعالى- على أن السارق إذا وجب عليه القطع وكان ذلك أول سرقة له، وأول حد يقام عليه بالسرقة وكان صحيح الأطراف فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف" (٨). • مستند الإجماع: استدل القائلون بالقطع بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٩). • وجه الدلالة: في الآية أمر بقطع اليد، واليد تطلق على ما بين المنكب وأطراف الأصابع، وتطلق على ما بين الرسغ إلى أطراف الأصابع، لكن بينت السنة أن المراد هو الثاني.

стр. 6927

٢ - من الأثر: جاءت آثار بأن النبي ﷺ أمر بقطع السارق من مفصل الكف لكنها لا تخلو من مقال، فمنها: أ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قال: كان صفوان بن أمية بن خلف نائمًا في المسجد، ثيابه تحت رأسه، فجاء سارق فأخذها، فأتى به النبي ﷺ ، فأقر السارق، فأمر به النبي ﷺ أن يقطع، فقال صفوان: يا رسول اللَّه ﷺ أيقطع رجل من العرب في ثوبي؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (أفلا كان هذا قبل أن تجيء به) ثم قال رسول اللَّه ﷺ : (اشفعوا ما لم يتصل إلى الوالي، فإذا أوصل إلى الوالي فعفا فلا عفا اللَّه عنه) ثم أمر بقطعه من المفصل" (١). ب - أخرج البيهقي وابن عدي (٢) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ قال: "قطع النبي ﷺ سارقًا من المفصل" (٣).

стр. 6928

ج - عن عمرو بن دينار قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ يقطع السارق من المفصل" (١). د - وكذا روي عن علي ﵁ نحوه (٢). هـ - روي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما قالا: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع" (٣). قال ابن قدامة: "وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر ﵄ أنهما قالا: إذا سرق السارق، فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة" (٤). ٣ - من النظر: أ - أن البطش بالكف أقوى عند غالب الناس، فكانت البداية بها أردع (٥). ب - أن الكف هي آلة السرقة غالبًا، فناسب عقوبته بإعدامها (٦). • المخالفون للإجماع: خالف في المسألة ثلاث طوائف: فذهبت طائفة إلى أن اليد تقطع من المرفق أو المنكب، وهو مروي عن الزهري، ومحكي عن الخوارج. وذهبت طائفة إلى أن القطع من الأصابع فقط، وهو مروي عن علي ﵁. وذهبت طائفة ثالثة إلى أن اليد تقطع من مفصل الكف في الحر، أما العبد

стр. 6929

فلا تقطع يده إلا من أطراف أصابعه، وبه قال ابن حزم (١). • دليل المخالف: استدل الفريق الأول القائلون بالقطع من المنكب أو المرفق بعموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢)، فإن اليد في لغة العرب تطلق على ما بين المنكب إلى أطراف الأصابع. واستُدل للقول الثاني بكون القطع من الأصابع فقط بأن بطش السارق كان بالأصابع، فتقطع أصابعه ليزول تمكنه من البطش بها، ولأن في قطع يده من المفصل تعطل لمنفعة اليد بالكلية، فتقطع من الأصابع ليبقى شيء من منفعة اليد. أما الفريق الثالث الذين فرقوا بين الحر والعبد فاستدلوا بعموم قول اللَّه تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣)، والمراد بالمحصنات في الآية الحرائر (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم. ولعلَّ من نقل الإجماع في المسألة لم يعتبر قول المخالف وجعله من قبيل الشاذ كما صرح به أبو العباس القرطبي فقال: "قيل: تقطع اليد إلى المرفق، وقيل: إلى المنكب: وهما شاذان" (٥). وقال ابن الهمام: "ما نُقل عن شذوذ من الاكتفاء بقطع الأصبع؛ لأن بها البطش، وظن الخوارج من أن القطع من المنكب؛ لأن اليد اسم لذلك واللَّه أعلم بصحته، وبتقدير ثبوته هو خرق للإجماع، وهم لم يقدحوا في الإجماع قبل الفتنة" (٦).

стр. 6930

[٩٣/ ١] المسألة الثالثة والتسعون: لا يقام حد السرقة في المسجد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، فإن الحد لا يقام على السارق في المسجد الذي تقام في الفروض، بغض النظر عن الإثم. بمعنى أن المراد بالمسألة نقل الإجماع على المنع من إقامة الحد في المسجد، لكن قد يكون هذا المنع على سبيل التحريم، وقد يكون على سبيل الكراهة. ويتبين مما سبق أن الحد لو كان في مصلى معد لغير الفروض، كمصلى الجنائز، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا تقام الحدود فيه -أي المسجد- إجماعًا" (١). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولا يقام حد في مسجد بإجماع الفقهاء" (٢). • مستند الإجماع: استُدل لمسألة الباب بادلة منها: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقام الحدود في المساجد) (٣). ٢ - عن حكيم بن حزام (٤) ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تقام الحدود في

стр. 6931

المساجد، ولا يستقاد فيها) (١). وفي الباب أحاديث أخرى بيَّن ابن حزم ضعفها وأنه لا يصح في الباب شيء مرفوع للنبي ﷺ (٢)، وذكر ابن حجر طرفًا منها مع الإشارة إلى ضعفها (٣). ٣ - آثار عن الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: حيث أخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن حزم عن عمر ﵁ أنه أتي برجل في حد فقال: "أخرجاه من المسجد، ثم اضرباه" (٤). وكذا جاء نحوه عن علي ﵁ لكن في سنده مقال، كما قاله ابن حجر (٥). ٤ - من جهة النظر: أ - أن في إقامة الحد في المسجد تعريض المسجد للنجاسة، إذ قد يخرج من

стр. 6932

المحدود دمًا ينجس المسجد، وهذا مخالف للأمر بتطييب المساجد. ب - أنه لا يؤمن من أن يرفع المحدود صوته في المسجد، وقد نهي عن ذلك (١). • المخالفون للإجماع: ذهب ابن أبي ليلى إلى جواز إقامة الحدود في المساجد، وهو مروي عن الحسن البصري، وشريح، والشعبي (٢). • دليل المخالف: ليس للمخالف دليل من نص شرعي في المسألة، إلا أنه يمكن الاستدلال لهم بأن الأصل هو الإباحة، حتى يرد الدليل على المنع. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لخلاف بعض التابعين فيه. [٩٤/ ١] المسألة الرابعة والتسعون: من لم يكن له طرف مستحق للقطع، قطع ما بعده . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، فإن الواجب قطع اليد اليمنى من السارق، فإن كان السارق مقطوع اليد اليمنى فإن الحد لا يسقط عنه، بل يُقطع طرف آخر منه، على خلاف في تحديد ذلك الطرف الآخر أهو الرجل اليسرى، أم اليد اليسرى، أم غير ذلك، كما سيأتي بيانه (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٦٥٠ هـ): "أجمعوا على أن من لم يكن له الطرف المستحق قطعه، قطع ما بعده" (٤). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "أجمعوا على أن من لم يكن له الطرف المستحق قطعه قطع ما بعده" (٥). • مستند الإجماع: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً

стр. 6933

بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن الآية عامة، ومن كان العضو الذي قطعه غير موجود، ووُجد العضو الآخر فإنه داخل في هذا العموم. ٢ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: (جيء بسارق إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه) فقطع، ثم جيء به الثانية فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، فقطع فأتي به الثالثة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، ثم أتي به الرابعة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، فأتي به الخامسة قال: (اقتلوه) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر فيمن سرق ثانيةً أن يُقطع، مع أنه قد قُطعت منه يده اليمني بالسرقة الأولى، فكذلك من كان مقطوع اليد اليمنى أصلًا فإنه يقام عليه الحد كذلك. ٣ - إجماع الصحابة وأهل العلم على أن من سرق فقُطِع ثم سرق ثانية أن عليه القطع ثانيةً (٣)، فكذلك من سرق وهو مقطوع العضو الذي يجب قطعه فإنه يُقطع منه العضو الآخر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل، إجماع بين أهل العلم. وينبه إلي أنه سبق في مسألة ما "لو أقيم الحد على السارق، ثم سرق ثانية ما يجب فيه القطع، فإنه يقطع ثانية"، أن ثمة قولًا عن عطاء أنه لا يقطع إلا يده

стр. 6934

اليمنى فقط، ومحصل هذا القول أن اليد اليمنى إن عدمت فإنه لا قطع، وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك بأن هذا النقل عن عطاء ليس بمحقق، والصواب ما حققه ابن حزم أن عطاء مع جمهور أهل العلم في أن من سرق ثانية فعليه القطع ثانية، وعليه فلا يكون مخالفًا في مسألة الباب (١). [٩٥/ ١] المسألة الخامسة والتسعون: قَطْعُ الرِّجْل في حد السرقة يكون من مفصل الكعب . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، ووجب فيها قطع الرجل، لكونها السرقة الثانية، أو لغير ذلك من الأسباب، فإن قطع الرِّجل يكون من مفصل الكعب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا على أنه إذا عاد فسرق ثانيًا ووجب عليه القطع أن تقطع رجله اليسرى، وأنها تقطع من مفصل الكعب" (٢). • مستند الإجماع: ١ - من الأثر: أنه مروي عن جماعة من الصحابة كعمر وعثمان وعلي ﵃ (٣). ٢ - من النظر: أنه أحد العضوبن المقطوعين في السرقة، فيقطع من المفصل كاليد (٤). • المخالفون للإجماع: حكي عن أبي ثور أن الواجب هو قطع الرِّجل معقد لشراك، من نصف القدم (٥). وذهب ربيعة، وابن حزم، وبعض أصحاب داود إلى أن من سرق ثانية

стр. 6935

فالواجب قطع يده الثانية، ولا تُقطع الأرجل في السّرقة (١)، وهذا الرأي نقله ابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح (٢). • دليل المخالف: أما من قال بأن القطع يكون من نصف القدم من معقد الشراك فاستدل بما يلي: ١ - أنه مروي عن علي ﵁ (٣). ٢ - من النظر: أن القطع من نصف القدم يدعُ للسارق شيئًا يمشي عليه، فلا تتعطل رجله بالكلية. وأما من ذهب إلى إن الرِّجل لا تقطع في السرقة مُطلقًا، فدليله قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقطع اليد، ولم يأمر بقطع الرجل، وكذا جميع نصوص السنة إنما دلت على قطع اليد، ولم يصح عن النبي ﷺ شيء في قطع الأرجل. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف أبي ثور، وربيعة، وابن حزم، وبعض أصحاب داود، ولذا لمَّا ساق ابن بطال المسألة ذكرها مسألة خلاف، ونسب القول بالقطع لأكثر الفقهاء ولم يجعله إجماعًا، حيث قال: "واختلفوا في اليد والرجل من أين يُقطعان؟ فروي عن عمر وعثمان وعلي أنهم قالوا: من المفصل، وعليه أكثر الفقهاء" (٥).
следующие страницы →