← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

المساجد، ولا يستقاد فيها) (١). وفي الباب أحاديث أخرى بيَّن ابن حزم ضعفها وأنه لا يصح في الباب شيء مرفوع للنبي ﷺ (٢)، وذكر ابن حجر طرفًا منها مع الإشارة إلى ضعفها (٣). ٣ - آثار عن الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: حيث أخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن حزم عن عمر ﵁ أنه أتي برجل في حد فقال: "أخرجاه من المسجد، ثم اضرباه" (٤). وكذا جاء نحوه عن علي ﵁ لكن في سنده مقال، كما قاله ابن حجر (٥). ٤ - من جهة النظر: أ - أن في إقامة الحد في المسجد تعريض المسجد للنجاسة، إذ قد يخرج من

стр. 6932

المحدود دمًا ينجس المسجد، وهذا مخالف للأمر بتطييب المساجد. ب - أنه لا يؤمن من أن يرفع المحدود صوته في المسجد، وقد نهي عن ذلك (١). • المخالفون للإجماع: ذهب ابن أبي ليلى إلى جواز إقامة الحدود في المساجد، وهو مروي عن الحسن البصري، وشريح، والشعبي (٢). • دليل المخالف: ليس للمخالف دليل من نص شرعي في المسألة، إلا أنه يمكن الاستدلال لهم بأن الأصل هو الإباحة، حتى يرد الدليل على المنع. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لخلاف بعض التابعين فيه. [٩٤/ ١] المسألة الرابعة والتسعون: من لم يكن له طرف مستحق للقطع، قطع ما بعده . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، فإن الواجب قطع اليد اليمنى من السارق، فإن كان السارق مقطوع اليد اليمنى فإن الحد لا يسقط عنه، بل يُقطع طرف آخر منه، على خلاف في تحديد ذلك الطرف الآخر أهو الرجل اليسرى، أم اليد اليسرى، أم غير ذلك، كما سيأتي بيانه (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٦٥٠ هـ): "أجمعوا على أن من لم يكن له الطرف المستحق قطعه، قطع ما بعده" (٤). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "أجمعوا على أن من لم يكن له الطرف المستحق قطعه قطع ما بعده" (٥). • مستند الإجماع: قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً

стр. 6933

بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن الآية عامة، ومن كان العضو الذي قطعه غير موجود، ووُجد العضو الآخر فإنه داخل في هذا العموم. ٢ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: (جيء بسارق إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه) فقطع، ثم جيء به الثانية فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، فقطع فأتي به الثالثة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، ثم أتي به الرابعة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، فأتي به الخامسة قال: (اقتلوه) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر فيمن سرق ثانيةً أن يُقطع، مع أنه قد قُطعت منه يده اليمني بالسرقة الأولى، فكذلك من كان مقطوع اليد اليمنى أصلًا فإنه يقام عليه الحد كذلك. ٣ - إجماع الصحابة وأهل العلم على أن من سرق فقُطِع ثم سرق ثانية أن عليه القطع ثانيةً (٣)، فكذلك من سرق وهو مقطوع العضو الذي يجب قطعه فإنه يُقطع منه العضو الآخر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل، إجماع بين أهل العلم. وينبه إلي أنه سبق في مسألة ما "لو أقيم الحد على السارق، ثم سرق ثانية ما يجب فيه القطع، فإنه يقطع ثانية"، أن ثمة قولًا عن عطاء أنه لا يقطع إلا يده

стр. 6934

اليمنى فقط، ومحصل هذا القول أن اليد اليمنى إن عدمت فإنه لا قطع، وسيأتي تحقيق الكلام في ذلك بأن هذا النقل عن عطاء ليس بمحقق، والصواب ما حققه ابن حزم أن عطاء مع جمهور أهل العلم في أن من سرق ثانية فعليه القطع ثانية، وعليه فلا يكون مخالفًا في مسألة الباب (١). [٩٥/ ١] المسألة الخامسة والتسعون: قَطْعُ الرِّجْل في حد السرقة يكون من مفصل الكعب . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، ووجب فيها قطع الرجل، لكونها السرقة الثانية، أو لغير ذلك من الأسباب، فإن قطع الرِّجل يكون من مفصل الكعب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا على أنه إذا عاد فسرق ثانيًا ووجب عليه القطع أن تقطع رجله اليسرى، وأنها تقطع من مفصل الكعب" (٢). • مستند الإجماع: ١ - من الأثر: أنه مروي عن جماعة من الصحابة كعمر وعثمان وعلي ﵃ (٣). ٢ - من النظر: أنه أحد العضوبن المقطوعين في السرقة، فيقطع من المفصل كاليد (٤). • المخالفون للإجماع: حكي عن أبي ثور أن الواجب هو قطع الرِّجل معقد لشراك، من نصف القدم (٥). وذهب ربيعة، وابن حزم، وبعض أصحاب داود إلى أن من سرق ثانية

стр. 6935

فالواجب قطع يده الثانية، ولا تُقطع الأرجل في السّرقة (١)، وهذا الرأي نقله ابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح (٢). • دليل المخالف: أما من قال بأن القطع يكون من نصف القدم من معقد الشراك فاستدل بما يلي: ١ - أنه مروي عن علي ﵁ (٣). ٢ - من النظر: أن القطع من نصف القدم يدعُ للسارق شيئًا يمشي عليه، فلا تتعطل رجله بالكلية. وأما من ذهب إلى إن الرِّجل لا تقطع في السرقة مُطلقًا، فدليله قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقطع اليد، ولم يأمر بقطع الرجل، وكذا جميع نصوص السنة إنما دلت على قطع اليد، ولم يصح عن النبي ﷺ شيء في قطع الأرجل. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف أبي ثور، وربيعة، وابن حزم، وبعض أصحاب داود، ولذا لمَّا ساق ابن بطال المسألة ذكرها مسألة خلاف، ونسب القول بالقطع لأكثر الفقهاء ولم يجعله إجماعًا، حيث قال: "واختلفوا في اليد والرجل من أين يُقطعان؟ فروي عن عمر وعثمان وعلي أنهم قالوا: من المفصل، وعليه أكثر الفقهاء" (٥).

стр. 6936

[٩٦/ ١] المسألة السادسة والتسعون: من سرق مرة ثانية بعد قطع يده فحده قطع رجله اليسرى . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد، وقطعت يده اليمنى، ثم سرق عينًا أخرى توجب الحد فحده قطع رجله اليسرى. يتبين مما سبق أنه لو سرق نفس العين مرة أخرى فذلك غير مراد من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ): "كان علي يقول في السارق: "إذا سرق قطعت يده فإن عاد قطعت رجله، فإن عاد استودعته السجن". وعن حجاج عن سماك عن بعض أصحابه أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي" (١). وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب البغدادي (٤٣٠ هـ): "لا خلاف أنه أول ما يقطع يمنى يديه، ثم يسرى رجليه"، نقله عنه أبو الوليد الباجي (٢). وقال الماوردي (٤٥٠ هـ): "تقطع في السرقة الثانية رجله اليسرى، وهو قول الجمهور من الفقهاء. . . ولأنه فعل أبي بكر وعمر ﵄، وليس لهما في الصحابة مخالف، فكان إجماعًا" (٣). وقال البغوي (٥١٠ هـ): "اتفق أهل العلم على أن السارق إذا سرق أول مرة تقطع يده اليمنى، ثم إذا سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى" (٤)، ونقله القاري (٥). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا على أنه إذا عاد فسرق ثانيًا، ووجب عليه القطع أن تقطع رجله اليسرى" (٦)، ونقله ابن قاسم (٧). وقال الزيلعي (٧٤٣ هـ):

стр. 6937

"ورجله اليسري إن عاد. . . وعليه إجماع المسلمين" (١). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "إن ثنَّى فالرجل اليسرى. . . وقال به علي ﵇، وأبو بكر، وعمر، ولم يخالفوا" (٢). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "وإن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى بالإجماع" (٣). وقال إبراهيم (٩٧٠ هـ): "ورجله اليسرى إن عاد. . . وعليه إجماع المسلمين" (٤). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "الأصل في قطع الرِّجل في المرة الثانية ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله"، وهو قول أبي بكر وعمر، ولا مخالف لهما من الصحابة فكار، إجماعًا، ولا نزاع في ذلك يعتد به" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أنه المروي عن جماعة من الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ويعلى بن أمية (٦) رضي اللَّه عن الجميع. بل حكي عليه إجماع الصحابة رضوان اللَّه عليهم، كما سبق (٧). • المخالفون للإجماع: سبق في المسألة الثالثة فيمن سرق فقطعت يده ثم

стр. 6938

سرق مرة أخرى فهل يقطع أم لا؟ ، أن ابن حزم أشار إلى أن ثمة خلافًا في المسألة فقال: "واختلفوا فيمن سرق ثانية أيجب عليه القطع أم لا" (١). وأشار ابن حزم في الخلاف إلى قول عطاء بن أبي رباح فإنه يرى أن الواجب على السارق قطع يده في السرقة الأولى فقط، ثم لا يقطع منه شيء، كما أخرجه ابن حزم فقال: "عن ابن جريج قلت لعطاء: سرَق الأولى؟ قال: تقطع كفه، قلت: فما قولهم: أصابعه، قال: لم أدرك إلا قطع الكف كلها، قلت لعطاء: سرق الثانية؟ قال: ما أرى أن تقطع إلا في السرقة الأولى اليد فقط، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٢)، ولو شاء أمر بالرجل، ولم يكن اللَّه تعالى نسيًا" (٣). وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء ما يخالف ذلك، فقال في مصنفه: "عن عبد الملك عن عطاء سئل: أيقطع السارق أكثر من يده ورجله؟ قال: لا ولكنه يحبس" (٤)، وظاهر هذا الأثر أن عطاء يرى الحبس فيما إذا سرق ثالثة، بعد قطع اليد والرجل. وذهب ربيعة (٥)، وابن حزم، وبعض أصحاب داود إلى أن من سرق ثانية فالواجب قطع يده الثانية، ولا تقطع الأرجل (٦).

стр. 6939

وهذا الرأي نقله ابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح (١). وقرر ابن حزم أنه قول ابن عباس فقال في "المحلى": "عن عمرو بن دينار قال: كتب نجدة بن عامر (٢) إلى ابن عباس: السارق يسرق فتقطع يده، ثم يعود فتقطع يده الأخرى، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣)، قال ابن عباس: بلى، ولكن يده ورجله من خلاف، قال عمرو بن دينار: سمعته من عطاء منذ أربعين سنة". قال أبو محمد ﵀: هذا إسناد في غاية الصحة، ويحتمل قول ابن عباس هذا وجهين: أحدهما: بلى، إن اللَّه تعالى قال هذا، ولكن الواجب قطع يده ورجله. ويحتمل أيضًا: بلى، إن اللَّه تعالى قال هذا -وهو الحق- ولكن السلطان يقطع اليد والرجل. وهذا الوجه الثاني- هو الذي لا يجوز أن يحمل قول ابن عباس على غيره البتة؛ لأنه لا يجوز أن يكون ابن عباس يحقق أن هذا قول اللَّه تعالى ثم يخالفه ويعارضه، إذ لا يحل ترك أمر اللَّه تعالى إلا لسنة عن رسول اللَّه ﵌ ناسخة لما في القرآن، واردة من عند اللَّه تعالى بالوحي إلى نبيه ﵇، فمن الباطل الممتنع أن يخالف قول ابن عباس قول اللَّه تعالى برأيه، أو بتقليده لرأي أحد دون رسول اللَّه ﵌ وهو أبعد الناس من ذلك، وقد دعاهم إلى المباهلة في العول وغيره، وقال في أمر متعة الحج

стр. 6940

وفسخ بعمرة: "ما أراكم إلا سيخسف اللَّه بكم الأرض أقول لكم قال رسول اللَّه ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر"؟ ومن المحال أن يكون عنده عن رسول اللَّه ﷺ سنة في ذلك ولا يذكرها، وقد أعاذه اللَّه تعالى من ذلك؛ ومن المحال أن يسمعه عطاء ويفهم عنه أن عنده في قطع الرجل سنة ينبغي لها ترك القرآن، ثم يأبى عطاء من قطع الرجل في السرقة ويتمسك بالقرآن في ذلك، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (١) لو شاء اللَّه تعالى أمر بالرِّجل". فصح يقينًا أن ابن عباس لم يرد بقوله "بلى، ولكن اليد والرجل" إلا لتصحيح قطع اليدين فقط، على حكم اللَّه تعالى في القرآن، وأن قوله "ولكن اليد والرجل" إنما أخبر عن فعل أهل زمانه فقط" (٢). • دليل المخالف: بقول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقطع اليد، ولم يأمر بقطع الرجل، وكذا جميع نصوص السنة إنما دلت على قطع اليد، ولم يصح عن النبي ﷺ شيء في قطع الأرجل. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل الحلم، لوجود خلاف عن أبي ثور، وربيعة، وابن حزم، ويعض أصحاب داود. ومن نقل الإجماع لعله لم يعتبر قول المخالف، وجعله من قبيل الشاذ، كما وصفه ابن عبد البر فقال: "وشذ قوم عن الجمهور فلم يروا قطع رجل السارق، ولم نعده خلافًا، فتركناهم، روي ذلك عن ربيعة وبه قال أصحاب

стр. 6941

داود" (١)، وتبعه على ذلك ابن قدامة فقال: "هذا شذوذ، يخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم" (٢). [٩٧/ ١] المسألة السابعة والتسعون: من سرق فقُطِعت يده اليمنى فقد أقيم عليه الحد . • المراد بالمسألة: من وجب عنيه حد السرقة، فأقيم عليه الحد بقطع اليد اليمنى، فقد تم إقامة الحد عليه بالإجماع. والمراد بالمسألة أن قطع اليمنى مجزئ، أما مسألة ما لو قطعت الشمال، سواء عمدًا أو غير عمد، وكذا مسألة هل قطع اليمين على الوجوب أو الاستحباب، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من سرق فقطعت يده اليمنى أنه قد أقيم عليه الحد" (٣). • مستند الإجماع: احتجوا في ذلك بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٤)، حيث كان ابن مسعود يقرأها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما" (٥). • وجه الدلالة: أن هذه القراءة إما أن تكون صحيحة فتكون من كلام اللَّه سبحانه، وإما في أن تكون شاذة فتكون من كلام ابن مسعود ﵁، وهي من باب التفسير الذي لا يقال بمجرد الرأي.

стр. 6942

٢ - ما روي عن أبي بكر الصديق وعمر ﵄ أنهما قالا: "إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع"، ولا مخالف لهما في الصحابة (١). ٣ - إجماع أهل العلم على أن الواجب في القطع هو اليد اليمنى حيث نقل الإجماع ابن عبد البر (٢)، وأبو بكر الجصاص (٣)، وابن قدامة (٤)، وشمس الدين ابن قدامة (٥)، والقرطبي (٦)، والنووي (٧)، وابن هبيرة (٨)، وابن تيمية (٩)، وابن كثير (١٠)، وغيرهم (١١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٨/ ١] المسألة الثامنة والتسعون: لا يزاد على قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في حد السرقة . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب الحد فقطعت يده اليمنى، ثم سرق أُخرى ما يوجب الحد فقطعت رجله اليسري، فإذا سرق ثالثة

стр. 6943

ما يوجب الحد فإنه لا قطع عليه، ولكن يعزر بضرب أو حبس أو نحوه من العقوبات التعزيرية. • من نقل الإجماع: قال ابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ): "كان علي يقول في السارق إذا سرق: قُطعت يده، فإن عاد قُطعت رجله، فإن عاد استودعته السجن. وعن سماك عن بعض أصحابه: أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي" (١). وقال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "وهذا -أي أثر ابن أبي شيبة- يقتضي أن يكون ذلك إجماعًا لا يسع خلافه؛ لأن الذين يستشيرهم عمر هم الذين ينعقد بهم الإجماع" (٢). وقال ابن فراموز (٨٨٥ هـ) (٣): "تقطع يمين السارق. . ثم رجله اليسرى إن عاد، فإن عاد لا -أي لا يقطع-، وحبس حتى يتوب، وعزر أيضًا، وقال الشافعي يقطع في الثالثة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى. . . ولنا: إجماع الصحابة" (٤). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "روي أن سيدنا عمر ﵁ أتي بسارق أقطع اليد والرجل، قد سرق نعالًا، يقال له سدوم، وأراد أن يقطعه فقال له سيدنا علي ﵁: إنما عليه قطع يد ورجل فحبسه سيدنا عمر ﵁ ولم يقطعه، وسيدنا عمر وسيدنا علي ﵄ لم يزيدا في القطع على قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم

стр. 6944

ينقل أنه أنكر عليهما منكر؛ فيكون إجماعا من الصحابة ﵃. ولنا أيضًا: دلالة الإجماع، وهي أنا أجمعنا على أن اليد اليمنى إذا كانت مقطوعة لا يعدل إلى اليد اليسرى، بل إلى الرجل اليسرى، ولو كان لليد اليسرى مدخلًا في القطع لكان لا يعدل إلا إليها؛ لأنها منصوص عليها، ولا يعدل عن المنصوص عليه إلى غيره فدل العدول إلى الرجل اليسرى لا إليها على أنه لا مدخل لها في القطع بالسرقة أصلًا" (١). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "إن سرق ثالثًا أو رابعًا لا تقطع اليد اليسرى، والرجل اليمنى عندنا، بل يحبس حتى يتوب. . . وعند الشافعي يقطع في الثالث يده اليسرى، وفي الرابع رجله اليمنى. . . ولنا: الإجماع؛ لأن عليًّا رضي اللَّه تعالى عنه قال: "إني لأستحيي أن لا أدع له يدًا يبطش بها ورجلًا يمشي عليها"، وبهذا حاج بقية الصحابة فحجهم، أي غلبهم، فانعقد إجماعًا" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أنه جاء بيان المراد بأيديهما أي، اليمين، حيث كان ابن مسعود يقرأها: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما" (٤)، فلا يجوز الزيادة عليه إلا بنص صريح صحيح، ولم يرد في ذلك شيء، وفي العدول عن قطع اليد اليسرى إلى الرجل اليسرى في السرقة الثانية دليل على أنها لا تقطع أصلًا، لأن الآية نصت على اليدين، فالعدول عن نص الآية إلى الرجل اليسرى دليل

стр. 6945

على أنها لا تُقطع (١). ٢ - أنه مروي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄، بل حكي عليه إجماع الصحابة، كما سبق، ويؤيده ما نقله ابن حزم عن الزهري أنه قال: "فلم يبلغنا في السنة إلا قطع اليد والرجل، لا يزاد على ذلك" (٢). ٣ - لأن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس، ولو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثانية؛ لأنها آلة البطش كاليمنى، وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها؛ لأن ذلك بمنزلة الإهلاك، إذ لا يمكنه أن يتوضأ، أو يغتسل، أو يستنجي، أو يحترز من نجاسة، ولا يزيلها عنه، أو يدافع عن نفسه، أو يأكل أو، غير ذلك من الأعمال التي قد يكون حث الشرع على فعلها فضلا عن حاجة العبد إليها، وهذه المفسدة حاصلة بقطعها في المرة الثالثة، فوجب أن يمنع من قطعها، كما منع في المرة الثانية (٣). ٤ - أنه لو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثانية، لأنها آلة البطش كاليمنى، وحينما لم تقطع في الثانية دل على أنها لا تقطع في الثالثة كذلك (٤). ٥ - أن المحارب مع عِظم جرمه فإنه لا يزاد على قطع إحدى يديه ورجليه، ولا تقطِع كلتا يديه، وإذا كان هذا في المحارب فالسارق من باب أولى، لأن فعله أخف من فعل الحرابة (٥). ٦ - أن السرقة في الثالثة نادرة الوقوع، فلا يسرق ويده ورجله مقطوعتان إلا

стр. 6946

نادرًا، والحد لا يُشرع إلا فيما يغلب وقوع، لأن مقصوده هو الزجر، وذلك يكون فيما يكثر وقوعه ويُخاف منه لا في النادر (١). • المخالفون للإجماع: التحقيق أن القول بأن السارق لا يزاد على قطع يده ورجله هو مذهب الحنفية (٢)، والحنابلة (٣)، وهو مروي عن جماعة من السلف كعمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، والحسن، والنخعي، والشعبي، والزهري، وحماد، والثوري (٤). والمسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن السارق تقطع يده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة، وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في رواية (٧)، وهو مروي عن أبي بكر، وعمر، وقتادة، وأبي ثور، وابن المنذر (٨). وذهب ربيعة وابن حزم وبعض أصحاب داود إلى أنه لا تقطع الرجل أصلًا، وإنما تقطع اليدان، وعن عطاء إنه لا تقطع إلا يده اليمنى فقط، كما سبق الإشارة إليه (٩).

стр. 6947

• دليل المخالف: استدل القائلون بقطع اليد اليسرى في السرقة الثالثة بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: الآية عامة في اليدين، وجاءت على سبيل التثنية لليدين، فتشمل اليد اليمين واليسار، وقد تقرر قطع الرجل في السرقة الثانية، فبقي أن اليد اليسار تقطع في السرقة الثالثة. ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال في السارق: (إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله) (٢). ٣ - فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، حيث فعله أبو بكر وعمر ﵄، وهما من الذين قال فيهم النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين من بعدي) (٣).

стр. 6948

٤ - من النظر: أ - أن اليد اليسرى أباح الشرع قتلها قودًا، فكذا لا مانع من إباحة قطعها من باب الحد (١). ب - أن عقوبة الحد تتكرر بتكرر وقوعه متى ما كان الموضع قائمًا، كما في الزنا والقصاص، فإذا تكررت السرقة والعضو باق فإنه يقطع (٢). ج - أن حد السرقة شُرع للزجر، والسرقة تتأتى باليد اليسرى، وفي قطعها زجر لمن أراد فعل ذلك. د - أن السرقة الثالثة أولى بالحد من السرقة الأولى، لتقدم الزاجر فيها، فتكون أولى بشرع الحد فيها (٣). وأما القائلون بعدم قطع الرجل أصلًا فاستدلوا: بعموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً﴾ (٤) وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يذكر قطع الرجل. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم، لثبوت الخلاف عن المالكية، والشافعية، والحنابلة في رواية، وقتادة، وأبي ثور، وابن المنذر، وربيعة وابن حزم وبعض أصحاب داود. [٩٩/ ١] المسألة التاسعة والتسعون: لو أخرج السارق يساره، وقال: هذه يميني، فقطع يساره، فلا ضمان على القاطع . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص بما يوجب القطع، وأمر الحاكم بقطع يده اليمنى، فأخرج السارق يساره وقال هذه يميني، فقطعها

стр. 6949

القاطع، ظنًا منه أنها اليمنى، فإن القاطع لا يضمن يد السارق التي قطعت. ويتحصل مما سبق أن القاطع إن قطع اليسرى قبل أمر الحاكم بالقطع، فذلك غير مراد في المسألة، وكذا إن كان يعلم بأنها اليسار، فغير مراد. • من نقل الإجماع: قال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "لو أخرج السارق يساره وقال: هذه يميني، لا يضمن -أي القاطع- بالاتفاق؛ لأنه قطعه بأمره" (١)، وأقره عليها جماعة من شراح هذا المتن من الحنفية، كابن الهمام (٢)، والزيلعي (٣). وقال دامان (١٠٧٨ هـ): "إذا قال أخرج يمينك فأخرج يساره، وقال: هذه يميني، فقطع، لا يضمن إجماعًا، وإن كان عالمًا بأنها يساره" (٤). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - من الأثر: أنه مروى عن علي ﵁ (٥). ٢ - من النظر: أن القاطع قطع اليد بأمر من السارق وإذنه، فلم يكن عليه في ذلك ضمان (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب الحنابلة إلى أن من قطع يد السارق اليسرى خطأً فعليه ديتها (٧)، ونقل ابن حزم هذا القول عن بعض أصحابه (٨). وذكر ابن حزم قولًا آخر هو أن على السارق أن تقطع يده اليمنى بعد قطع اليسرى بالخطأ (٩). • دليل المخالف: علل القائلين بقطع اليمنى بعد قطع اليسرى خطأً بأن الواجب هم قطع اليد اليمنى، فإذا قُطعت اليسرى لم يتحقق الأمر كما أمر

стр. 6950

الشارع، فيجب إعادة القطع بما أمر الشارع (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم. [١٠٠/ ١] المسألة المائة: مشروعية حسم يد السارق بعد قطعها . • المراد بالمسألة: أولا: تعريف الحسم: قال ابن سيده: "أصْل الحَسْم: القَطْع، حَسَمته، أَحْسِمُه، وأحْسُمه، حَسْمًا" (٢). وقال ابن منظور: "حَسَمَ العِرْقَ: قطعه ثم كواه؛ لئلا يسيل دَمُهُ" (٣). فالحسم: هو أن يقطع العضو ثم يكويه كيلا يسيل الدم (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا أقيم حد السرقة على شخص، وقطعت يده أو رجله، فإنه يستحب بعد القطع حسم العضو المقطوع، وذلك بأن يكوى الجزء المقطوع بنار أو زيت أو نحوهما، بأن يُغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت؛ لتنسد أفواه العروق؛ لئلا ينزف الدم. ويتحصل مما سبق أن المراد أن الحسم مما هو مستحب، أما الوجوب فمسألة أخرى غير مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٦٥٠ هـ): "أجمعوا على أن السارق إذا وجب عليه القطع، وكان ذلك أول سرقة وهو صحيح الأطراف فإنه يبدأ بقطع يده اليمنى من مفصل الكف ثم تحسم الكف" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة،

стр. 6951

فقالوا: "رسول اللَّه إن هذا سرق، فقال رسول اللَّه ﷺ : (ما إخاله سوق)، فقال السارق: بلى يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : (اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم إيتوني به)، فقطع ثم أتي به، فقال: (تب إلى اللَّه)، فقال: تبت إلى اللَّه، فقال: (تاب اللَّه عليك) (١). ٢ - أن الحسْم طريق لأن ينكفَّ الدم، وإن استمرار سيلان الدم قد يؤدي إلى التلف، والحد إنما يراد به الزجر لا الإتلاف (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٠١/ ١] المسألة الأولى بعد المائة: ليس للسارق إقامة الحد على نفسه، فإن فعل ذلك كان عاصيًا . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص ما يوجب الحد، وأراد أن يقيم الحد

стр. 6952

على نفسه دون الذهاب إلى الحاكم ليقيم عليه الحد، فإن فعله ذلك خطأ، وهو عاص بذلك. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أما إقامته الحد على نفسه فحرام عليه ذلك بإجماع الأمة كلها، وأنه لا خلاف في أنه ليس لسارق أن يقطع يد نفسه، بل إن فعل ذلك كان عند الأمة كلها عاصيًا للَّه تعالى" (١). ويمكن أن يضاف إليه ما ذكره أبو بكر الجصاص حيث قال: "ثبت باتفاق الجميع أن المأمورين بإقامة هذه الحدود على الأحرار هم الأئمة" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب من الأثر: ١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن محيريز (٣) قال: "الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان" (٤). وأخرج ابن حزم نحوه عن مسلم بن يسار (٥) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (٦).

стр. 6953

• وجه الدلالة: في الأثر أن الحدود إلى السلطان، فمن أقامها دون إذن الإمام، فهو مخالف لما ورَد. ٢ - من النظر: أن السارق قد لا يكون عالمًا بشروط القطع، فقد تكون سرقته مما لا توجب الحد إما لشبهة فيها، أو لكونها من غير حرز أو لغير ذلك، فيوجب على نفسه حدًّا لم يشرعه اللَّه تعالى. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6954

الباب الثاني مسائل الإجماع في باب حد الحرابة (قطاع الطريق) الفصل الأول: مسائل الإجماع العامة في حد قطاع الطريق. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في صفة حد قطاع الطريق. الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يوجب حد قطاع الطريق. الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد قطاع الطريق. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في مسقطات حد قطاع الطريق.

стр. 6955

التمهيد المبحث الأول: تعريف الحرابة لغة واصطلاحًا: • أولًا: تعريف الحرابة لغةً: الحرابة -بكسر الحاء- مصدر من حَارَبَ، يُحَارِبُ، مُحَارَبَة، وَحِرَابَةً: أي قاتله وسلبه، والحرب نقيض السلم (١). وهذه المادة تطلق في اللغة على ثلاثة أصول، قال ابن فارس: "الحاء والراء والباء أصولٌ ثلاثة: أحدها السّلْب، والآخر دوْيبَّة، والثالث بعضُ المجالس. فالأوَّل: الحَرْب، واشتقاقها من الحَرَب وهو السَّلْب. . . وأما الدوْيبَّة فالحِرباء. . . والثالث: المحراب، وهو صدر المجلس" (٢). والمراد به في هذا الباب المعنى الأول. وتطلق الحرابة في نصوص الشرع على معنيين: الأول: العداوة، أو القتل. ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣)، فالحرب هنا بمعنى القتل، كما هو مروي عن ابن عباس ﵄ وقتادة، وقيل: العداوة (٤). الثاني: المعصية، أو الكفر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي

стр. 6956

الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (١). قال ابن كثير: "المحاربة: هي المضادة والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق وإخافة السبيل" (٢). وقال الأزهري: " ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يعني المعصية" (٣). • ثانيًا: تعريف الحرابة اصطلاحًا: اختلفت المذاهب الفقهية في ضابط الحرابة الشرعية التي توجب الحد على أقوال: فعند الحنفية: قال الكاساني: "هو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة، على وجه يمتنع المارة عن المرور، وينقطع الطريق، سواءٌ كان القطع من جماعة، أو من واحد، بعد أن يكون له قوة القطع، وسواء كان القطع بسلاحٍ أو غيره، من العصا، والحجر، والخشب، ونحوها" (٤). وعند المالكية: قال ابن عرفة "الحرابة: الخروج لإخافة سبيل لأخذ مالٍ محترم بمكابرة قتال، أو خوفه، أو ذهاب عقل، أو قتل خفية، أو لمجرد قطع الطريق، لا لإمرة، ولا نائرة (٥)، ولا عداوة" (٦). وعند الشافعية: قال النووي: "هو البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو إرعاب،

стр. 6957

مكابرة، اعتمادًا على الشوكة، مع البعد عن الغوث" (١). وعند الحنابلة: قال الخرقي: "هم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة" (٢). ويتبيَّن مما سبق من التعاريف أن ثمة أمورًا تتفق عليها التعاريف وهي: أولًا: المجاهرة من قاطع الطريق اعتمادًا على شوكته ومنعته. ثانيًا: إرهاب الآدميين وترويعهم، سواء صاحب ذلك أخذ مال، أو قتل، أو لم يحصل شيء من هذا. وبهذا يتبين الفرق بين الحرابة والسرقة بأن السرقة أخذ المال خفية، أما الحرابة فهي مجاهرة، كما أن السرقة أخذ مال من الحرز، والحرابة قد لا يكون فيها أخذ للمال أصلًا. والتعريف المختار لدى الباحث أن يقال: هم الذين يترصدون للناس؛ للقتل، أو أخذ المال، أو الإرهاب، بسلاح أو غيره. تنبيهان: الأول: هذا الباب يُطلق عليه بعض الفقهاء "حد الحرابة"، ويُطلق عليه آخرون "حد قطاع الطريق". الثاني: أطلق فقهاء الحنفية على الحرابة اسم السرقة الكبرى، وسموها بذلك؛ لأن قاطع الطريق يأخذ المال سرًا ممن إليه حفظ الطريق وهو الإمام الأعظم، وسميت كبرى؛ لأن ضرر قطع الطريق على أصحاب الأموال وعلى عامة المسلمين بانقطاع الطريق، وقد سبق الإشارة إليه في أول باب السرقة (٣).

стр. 6958

المبحث الثاني الأصل في مشروعية حد الحرابة الأصل في مشروعية حد الحرابة الكتاب والسنة والإجماع: • أما الكتاب فقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (١). • وأما من السنة فما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: "أن ناسًا من عرينة (٢) قدموا على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فاجتووها (٣)، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)، ففعلوا، فصحُّوا، ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول اللَّه ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم (٤)، وتركهم في الحرة حتى ماتوا" (٥).

стр. 6959

• وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على مشروعية حد الحرابة في الجملة، ومن ذلك قول ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن من شق العصا وفارق الجماعة وشهر على المسلمين السلاح وأخاف السبيل وأفسد بالقتل والسلب، فقتلهم وإراقة دمائهم واجب؛ لأن هذا من الفساد العظيم في الأرض والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع" (١).

стр. 6960

المبحث الثالث ماهية الحد الواجب بالحرابة من أجلّ نعم اللَّه تعالى على عباده نعمة الأمن، حيث يهنأ الناس في عيشهم، آمنين على أنفسهم، وأهليهم، وأموالهم، يعبدون ربهم بحرية واطمئنان، وقد ذكر اللَّه تعالى أن زوال هذه النعمة من البلاء الذي يحتاج إلى صبر كما قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾ (١). ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس، وحفظ المال، وفي الحرابة إفساد لهذين الأمرين العظيمين. ولحماية هذه النعمة فإن الشريعة وضعت عقوبة من أشد العقوبات لمن يزعزع هذا الأمن، أو حتى من أراد مجرَّد أن يبث الرعب في النفوس، وهذه العقوبة هي حد الحرابة. وعقوبة حد الحرابة بيَّنها اللَّه تعالى في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٢). فيتبيَّن من هذه الآية أن حد الحرابة على أربعة أنواع: أولًا: القتل. ثانيًا: الصلب مع القتل. والصلب: هو أن تُغرز خشبة في الأرض، ثم يُربط عليها خشبة أخرى

стр. 6961

عرضًا فيضع من حُكم عليه بالحد قدميه عليها، ويربط من أعلاها خشبة أخرى ويربط عليها يديه (١). ثالثًا: قطع اليد والرجل من خلاف، بأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى. رابعًا: النفي من الأرض. وسيأتي مزيد بيان لهذه الأحكام ونقل إجماعات أهل العلم فيها في هذا الفصل -إن شاء اللَّه تعالى-.

стр. 6962

الفصل الأول مسائل الإجماع العامة في حد قطاع الطريق [١/ ٢] المسألة الأولى: من شهر السلاح وقطع السبيل خارج المدن فهو محارب . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف السبيل: قال ابن الأثير: "السَّبيلُ في الأصل: الطَّريقُ. . . وسبيلُ اللَّه عامٌّ يقعُ على كل عَمل خالِصٍ سُلك به طَريق التقرُّب إلى اللَّه تعالى بأداءِ الفَرَائض، والنَّوافل، وأنْواع التَّطوعُّات، وإذا أُطْلق فهو في الغالِب واقعٌ على الجهَاد، حتى صار لكَثْرة الاسْتِعْمال كأنه مقصورٌ عليه" (١). قال الفيومي: "السَّبِيلُ: الطريق، ويُذكَّر ويؤنث. . . والجمع على التأنيث "سُبُولٌ" كما قالوا: عنوق، وعلى التذكير "سُبُلٌ" و"سُبْلٌ" وقيل للمسافر: ابن السبيل؛ لتلبسه به قالوا: والمراد بابن السبيل في الآية من انقطع عن ماله، و"السَّبِيلُ" السبب، ومنه قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ (٢) أي سببًا وصلة، و"السَّابِلَةُ" الجماعة المختلفة في الطرقات في حوائجهم، و"سَبَّلْتُ" الثمرة -بالتشديد-: جعلتها في "سُبُلِ" الخير وأنواع البرّ" (٣). والمراد بالسبيل في المسألة: الطريق، وقاطع السبيل هو من من جعل الطريق مخوفًا يخاف أهله من السير عليه؛ لوجود من يتعرض لهم بالقتل أو النهب. • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن شخصًا أو جماعة من المسلمين كانوا في حرابتهم حاملين للسلاح، وقطعوا السبيل عليهم، وكان فعلهم ذلك في الصحراء، خارج المدينة، فإن هؤلاء تطبق عليهم حد الحرابة.

стр. 6963

ويتبين من هذا أن المراد حمل السلاح معهم سواء أشهروه في وجه من قطعوا عليه الطريق أو لا. كما يتبين أن هذا الفعل لو كان داخل المدينة، أو لم يكونوا مسلمين بل كانوا حربيين أو أهل ذمة فكل ذلك غير مراد فى مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن من برَزَ، وشهر السلاح، مخيفًا للسبيل، خارج المصر، بحيث لا يدركه الغوث، فإنه محارب قاطع للطريق، جارية عليه أحكام المحاربين" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "فأما الحرابة: فاتفقوا على أنها إشهار السلاح، وقطع السبيل، خارج المصر" (٣). ومعلوم أن مراد ابن هبيرة وابن رشد بالاتفاق: هو اتفاق الأئمة الأربعة، وموجب تخصيص هذا القول بالاتفاق دون الإجماع أن ثمة خلافًا في المراد بالمحارب في قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٤). فالجمهور من أهل العلم على أن الآية نزلت في النفر الذين قدموا على النبي ﷺ من عكل (٥) أو عرينة، وقصتهم في الصحيحين، ولفظ مسلم عن

стр. 6964

أنس بن مالك ﵁: "أن ناسأ من عرينة قدموا على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فاجتووها، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)، ففعلوا، فصحُّوا، ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول اللَّه ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث فى أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا" (١). وأصحاب هذا الرأي منهم من يرى أن الآية وإن كانت في النفر من عكل وعرينة لكنها عامة في كل من أفسد في الأرض بالحرابة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند أهل الأصول والتفسير (٢)، وعلى هذا القول أكثر المفسرين (٣). ومنهم من يرى أن الآية عامة في كل مرتد أفسد في الأرض بالحرابة، ولا يدخل فيها المسلم. وقيل: نزلت بسبب قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ عهد، فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل، وأفسدوا في الأرض، وهو مروي عن ابن عباس ﵄، والضحاك. وعلى القولين الأخيرين تكون الحرابة خاصة بمن أفسد في الأرض من

стр. 6965

المشركين، أو المرتدين، وممن ذهب إلى ذلك الحسن، وعطاء، وعكرمة (١) (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة من حيث الجملة محل إجماع بين أهل العلم، لكن ثمة خلاف في عمومها، فالجمهور على العموم، وذهب طائفة إلى كونها خاصة بأهل الكفر. [٢/ ٢] المسألة الثانية: حد الحرابة بالصلب والقطع من خلاف خاص بالمحارب، ولا يطبق على المرتد حد الحرابة . • صورة المسألة: أولًا: تعريف الصلب: الصلب لغة: قال ابن فارس: "الصاد واللام والباء أصلان: أحدهما يدلُّ على الشدّة والقوّة، والآخر جنس من الوَدَك (٣)، فالأوَّل: الصُّلب، وهو الشيء الشَّديد، وكذلك سُمِّيَ الظَّهر صُلْبًا لقوّته. . . وأما الأصل الآخر: فالصَّليب، وهو وَدَك العَظْم، يقال اصطَلَبَ الرجُل، إِذا جَمَع العظامَ فاستخرج وَدَكها ليأتدِم به" (٤). وقال ابن منظور: "الصَّلْبُ مصدر صَلَبَه يَصْلُبه صَلْبًا، وأَصله من الصَّلِيب، وهو الوَدَكُ. . . وبه سُمِّي المصْلُوب؛ لما يسيل من ودَكه، والصَّلْبُ هذه القِتْلة المعروفة، مشتق من ذلك؛ لأَن ودكه وصديده يسيل، وقد صَلَبه

стр. 6966

يَصْلِبُه صَلْبًا" (١). • الصلب اصطلاحًا: هو أن تُغرَز خشبة في الأرض، ثم يُربط عليها خشبة أخرى عرضًا فيضع من حكم عليه بالحد قدميه عليها، ويربط من أعلاها خشبة أخرى ويربط عليها يديه (٢). على خلاف بين الفقهاء فقيل: يُصلب حيًا، ثم يُقتل مصلوبًا بطعنه بحربة؛ وذلك لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة، فيشرع في الحياة كسائر الجزاءات، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤). وقيل: يقتل أولًا ثم يُصلب بعد قتله؛ وذلك لأن اللَّه تعالى قدَّم ذكر القتل على ذكر الصلب، فيلتزم هذا الترتيب حيث اجتمعا، ولأن القتل إذا أُطلق في الشرع كان قتلًا بالسيف، ولأن في قتله بالصلب تعذيبًا له ومثلة، وقد نهى الشرع عن المثلة، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • ثانيًا: صورة المسألة: أن اللَّه تعالى شرع في حد الحرابة أمورًا منها: الصلب، ومنها: القطع من خلاف، وهو قطع أحد اليدين مع أحد الرجلين، وهذا الحكم خاص بالمحارب، أما غيره فلا يأخذ هذا الحكم، ولو كان أشد منه في الجرم؛ كالمرتد مثلًا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من الأمة

стр. 6967

في أن حكم المرتد المقدور عليه ليس هو الصلب، ولا قطع اليد والرجل، ولا النفي من الأرض" (١). وقال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "لا خلاف أن أحدًا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن اللَّه تعالى ذكر الصلب والقطع من خلاف في حد الحرابة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٣). أما المرتد فإنما حده السيف، كم سيأتي بيانه (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣/ ٢] المسألة الثالثة: التفريق بين البغاة والخوارج . • المراد بالمسألة: الخوارج الذين خرجوا في زمن الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فيهم بغي من حيث أنهم خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، كما أن الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم حصل من بعضهم ما يسمى بالبغي حين خرج معاوية وأتباعه على علي ﵁ بتأول منه، وصار بينهما قتال الجمل وصفين، وسماها النبي ﷺ بالفئة الباغية، كما ثبت عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال لعمار ﵁ (٥): . . .

стр. 6968

(تقتلك الفئة الباغية) (١)، وفي حديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) (٢)، ولكن بغاة الخوارج لا يُعطون أحكام الصحابة الذين بغوا على علي ﵁، فبينهما فرق. فالمقصود بالمسألة التفريق فيما حصل في زمن الصحابة ﵃ بين فعل من بغى على علي ﵁، وفعل الخوارج. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "فليس يختلف أحد في أن حكم الباغي غير حكم المحارب، وبالتفريق بين حكمهما جاء القرآن" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قتال مانعي الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين، وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين، وهو الذي يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو مذهب أهل المدينة: كمالك وغيره، ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره، وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع. . . وبالجملة فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به، فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا، وسيرة علي ﵁ تفرق بين هذا وهذا، فإنه قاتل الخوارج بنص رسول اللَّه ﷺ ، وفرح بذلك، ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة، وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر" (٤).

стр. 6969

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن الشارع ندب إلى قتال الخوارج، وحث عليه صاحب الرسالة ﷺ كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال في الخوارج: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) (١)، وفي رواية: (قتل ثمود) (٢)، وفي رواية: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتَّكلوا عن العمل) (٣)، وفي رواية: (أينما لقيتوهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) (٤). بخلاف قتال الصحابة ﵃، فإن النبي ﷺ أثنى على الحسن بن علي ﵄ (٥) بكونه يصلح بين ما جرى من قتال بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم، كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه عن الحسن ﵁ قال: لقد سمعت أبا بكرة ﵁ (٦) يقول: رأيت رسول اللَّه ﷺ على المنبر والحسن بن

стр. 6970

علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (١). وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على قتال الخوارج، وإنما اختلف أهل العلم في حكمهم هل يأخذون أحكام المرتدين أم لا، بخلاف واقعة الجمل وصفين، فقد كان الصحابة فيها على ثلاث طوائف، فطائفة مع علي ﵁، وطائفة مع معاوية ﵁، وطائفة اعتزلت، والمقاتلين إنما قاتلوا من باب دفع الصائل، فلا يقتل الأسير، ولا يجهز على الجريح. كما اتفق أهل العلم على أن البغاة يراد من قتالهم كف شرهم فلا يبدؤون بالقتال إذا لم يقاتلوا، بخلاف الخوارج فذهب طائفة منهم ابن قدامة إلى مشروعية بدأهم بالقتال (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من سوَّى بين قتال الصحابة الذين اقتتلوا بالجمل وصفين وبين قتال ذي الخويصرة التميمي وأمثاله من الخوارج المارقين والحرورية المعتدين كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم المبين، ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل وصفين، كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين، فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين، مع اتفاقهم على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل وصفين، والإمساك عما شجر بينهم،
следующие страницы →