← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

يَصْلِبُه صَلْبًا" (١). • الصلب اصطلاحًا: هو أن تُغرَز خشبة في الأرض، ثم يُربط عليها خشبة أخرى عرضًا فيضع من حكم عليه بالحد قدميه عليها، ويربط من أعلاها خشبة أخرى ويربط عليها يديه (٢). على خلاف بين الفقهاء فقيل: يُصلب حيًا، ثم يُقتل مصلوبًا بطعنه بحربة؛ وذلك لأن الصلب عقوبة، وإنما يعاقب الحي لا الميت، ولأنه جزاء على المحاربة، فيشرع في الحياة كسائر الجزاءات، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤). وقيل: يقتل أولًا ثم يُصلب بعد قتله؛ وذلك لأن اللَّه تعالى قدَّم ذكر القتل على ذكر الصلب، فيلتزم هذا الترتيب حيث اجتمعا، ولأن القتل إذا أُطلق في الشرع كان قتلًا بالسيف، ولأن في قتله بالصلب تعذيبًا له ومثلة، وقد نهى الشرع عن المثلة، وهو مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • ثانيًا: صورة المسألة: أن اللَّه تعالى شرع في حد الحرابة أمورًا منها: الصلب، ومنها: القطع من خلاف، وهو قطع أحد اليدين مع أحد الرجلين، وهذا الحكم خاص بالمحارب، أما غيره فلا يأخذ هذا الحكم، ولو كان أشد منه في الجرم؛ كالمرتد مثلًا. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من الأمة

стр. 6967

في أن حكم المرتد المقدور عليه ليس هو الصلب، ولا قطع اليد والرجل، ولا النفي من الأرض" (١). وقال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "لا خلاف أن أحدًا لا يستحق قطع اليد والرجل بالكفر" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن اللَّه تعالى ذكر الصلب والقطع من خلاف في حد الحرابة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٣). أما المرتد فإنما حده السيف، كم سيأتي بيانه (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣/ ٢] المسألة الثالثة: التفريق بين البغاة والخوارج . • المراد بالمسألة: الخوارج الذين خرجوا في زمن الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فيهم بغي من حيث أنهم خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، كما أن الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم حصل من بعضهم ما يسمى بالبغي حين خرج معاوية وأتباعه على علي ﵁ بتأول منه، وصار بينهما قتال الجمل وصفين، وسماها النبي ﷺ بالفئة الباغية، كما ثبت عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال لعمار ﵁ (٥): . . .

стр. 6968

(تقتلك الفئة الباغية) (١)، وفي حديث أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) (٢)، ولكن بغاة الخوارج لا يُعطون أحكام الصحابة الذين بغوا على علي ﵁، فبينهما فرق. فالمقصود بالمسألة التفريق فيما حصل في زمن الصحابة ﵃ بين فعل من بغى على علي ﵁، وفعل الخوارج. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "فليس يختلف أحد في أن حكم الباغي غير حكم المحارب، وبالتفريق بين حكمهما جاء القرآن" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قتال مانعي الزكاة والخوارج ونحوهم ليس كقتال أهل الجمل وصفين، وهذا هو المنصوص عن جمهور الأئمة المتقدمين، وهو الذي يذكرونه في اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو مذهب أهل المدينة: كمالك وغيره، ومذهب أئمة الحديث كأحمد وغيره، وقد نصوا على الفرق بين هذا وهذا في غير موضع. . . وبالجملة فهذه الطريقة هي الصواب المقطوع به، فإن النص والإجماع فرق بين هذا وهذا، وسيرة علي ﵁ تفرق بين هذا وهذا، فإنه قاتل الخوارج بنص رسول اللَّه ﷺ ، وفرح بذلك، ولم ينازعه فيه أحد من الصحابة، وأما القتال يوم صفين فقد ظهر منه من كراهته والذم عليه ما ظهر" (٤).

стр. 6969

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن الشارع ندب إلى قتال الخوارج، وحث عليه صاحب الرسالة ﷺ كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال في الخوارج: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) (١)، وفي رواية: (قتل ثمود) (٢)، وفي رواية: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتَّكلوا عن العمل) (٣)، وفي رواية: (أينما لقيتوهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) (٤). بخلاف قتال الصحابة ﵃، فإن النبي ﷺ أثنى على الحسن بن علي ﵄ (٥) بكونه يصلح بين ما جرى من قتال بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم، كما أخرج ذلك البخاري في صحيحه عن الحسن ﵁ قال: لقد سمعت أبا بكرة ﵁ (٦) يقول: رأيت رسول اللَّه ﷺ على المنبر والحسن بن

стр. 6970

علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (١). وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على قتال الخوارج، وإنما اختلف أهل العلم في حكمهم هل يأخذون أحكام المرتدين أم لا، بخلاف واقعة الجمل وصفين، فقد كان الصحابة فيها على ثلاث طوائف، فطائفة مع علي ﵁، وطائفة مع معاوية ﵁، وطائفة اعتزلت، والمقاتلين إنما قاتلوا من باب دفع الصائل، فلا يقتل الأسير، ولا يجهز على الجريح. كما اتفق أهل العلم على أن البغاة يراد من قتالهم كف شرهم فلا يبدؤون بالقتال إذا لم يقاتلوا، بخلاف الخوارج فذهب طائفة منهم ابن قدامة إلى مشروعية بدأهم بالقتال (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من سوَّى بين قتال الصحابة الذين اقتتلوا بالجمل وصفين وبين قتال ذي الخويصرة التميمي وأمثاله من الخوارج المارقين والحرورية المعتدين كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم المبين، ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل وصفين، كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين، فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين، مع اتفاقهم على الثناء على الصحابة المقتتلين بالجمل وصفين، والإمساك عما شجر بينهم،

стр. 6971

فكيف نسبة هذا بهذا" (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤/ ٢] المسألة الرابعة: مشروعية مدافعة قطاع الطريق، ولو بالقتل . • المراد بالمسألة: لو قطع شخص أو جماعة طريقًا على غيرهم، فلمن اعتدي عليه دفع قاطع الطريق ولو بالقتل، لكن يدفعهم بالأسهل فإن لم يندفع المحارب إلا بالقتل فيقتله ودمه هدر. وينبه إلى أن الكلام على المسألة هو فيمن تحقق عليه إطلاق لفظ قاطع الطريق، فأما إذا لم يتحقق عليه لفظ قاطع الطريق فالمسألة حينئذ لا ترد في مسألة الباب، ومن ذلك ما لو اعتدي عليه نهارًا في داخل المدينة فعند الحنفية وجماعة أن هذا لا يعد قاطعًا للطريق، وعليه فلو قتله في هذه الصورة فذلك غير مراد في مسألة الباب. كما ينبه إلى أن قاطع إذا أمكن دفعه بغير القتل، لكن المعتدى عليه قتله، فذلك غير مراد في مسألة الباب، وإنما المراد أن الواجب دفع الصائل بالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله أن يقتله. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أجمع المسلمون على جواز مقاتلة قطاع الطريق. . . فالقُطَّاع إذا طلبوا مال المعصوم لم يجب عليه أن يعطيهم شيئًا باتفاق الأئمة، بل يدفعهم بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفعوا إلا بالقتال فله أن يقاتلهم، فإن قُتل كان شهيدًا، وإن قَتل واحدًا منهم على هذا الوجه كان دمه هدرًا، وكذلك إذا طلبوا دمه كان له أن يدفعهم ولو بالقتل، إجماعًا" (٢).

стр. 6972

وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "الإجماع على أن من شهر على آخر سلاحًا لقتْله، فدَفع عن نفسه، فقَتَل الشاهر، أنه لا شيء" (١). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أَرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أَرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله)، قال: أَرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النار) (٢). ٢ - عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (٣). ٣ - عن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد) (٤). • وجه الدلالة من الحديثين: أن المحارب صائل، وقد دل الحديثان أن للإنسان دفع الصائل ولو بمقاتلته، وأنه إن قُتل فهو شهيد. • المخالفون للإجماع: نقل المرداوي في الإنصاف وجهًا وهو: أن من قتل الصائل دفاعًا" عن ماله فإنه يقتل به، وإن قتله دفاعًا عن نفسه فلا يقتل به (٥). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع متحقق بين أهل العلم، لوجود الخلاف عن بعض الحنابلة.

стр. 6973

[٥/ ٢] المسألة الخامسة: تخيير الإمام في المحاربين ليس تخيير شهوة . • المراد بالمسألة: إذا ثبت حد الحرابة على شخص، فإن أهل العلم في نوع الحد على خلاف، فقيل: إن قَتل قُتل، وإن قَتل وأخذ المال قُتل وصلب، وإن أخذ المال فقط قطع من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط نُفي، وقيل: الإمام مخير فيه بين قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف أو نفيه، وقيل: غير ذلك. إلا أنه على اختلاف الأقوال فليس أحد يقول أن الإمام مخيَّر تخيير شهوة، بل إما أن يكون التخيير بالنص فإن قَتلوا تعين قتلهم، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم، من خلاف، وإما أن يكون التخيير راجع لما يراه الإمام مصلحة. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "كان عند جميع العلماء قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١)، لا يقتضى أن الإمام يخير تخيير مشيئة، ففِعْل هذه الأربع مسائل كلهم متفقون على أنه يتعين هذا في حال، وهذا في حال، ثم أكثرهم يقولون تلك الأحوال مضبوطة بالنص، فإن قتلوا تعين قتلهم، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا تعين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، كما هو مذهب أبى حنيفة، والشافعي، وأحمد، وروي في ذلك حديث مرفوع، ومنهم من يقول التعيين باجتهاد الإمام، كقول مالك، فإذا رأى أن القتل هو المصلحة قتل، وإن لم يكن قد قتل" (٢). • مستند الإجماع: أما من قال بأن التخيير ثابت بالنص فدليله ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ

стр. 6974

أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (١). حتى ختم الآية فقال: "إذا حارب الرجل وقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف وصلب، وإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال نفي" (٢). وأما من قال بأن التخيير راجع لما يراه الإمام هو الأصلح فاستدل بأن "أو" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (٣). تقتضي التخيير، والتخيير راجع للمصلحة، لأن المراد ردع المحاربين، والإمام راعٍ على رعيته، فيقضي لهم بما هو الأصلح لهم (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦/ ٢] المسألة السادسة: مشروعية قتل المحاربين . • المراد بالمسألة: لو أن جماعة من المحاربين أفسدوا في الأرض بالقتل، وغيره من أنواع الفساد فواجب على الإمام مقاتلتهم، ومن ثَم قتلهم، وإراقة دمائهم. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "لا نعلم خلافًا أن رجلًا لو شهر سيفه على رجل ليقتله بغير حق أن على المسلمين قتله" (٥). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع العلماء على أن من شق العصا،

стр. 6975

وفارق الجماعة، وشهر على المسلمين السلاح، وأخاف السبيل، وأفسد بالقتل والسلب، فقتلهم وإراقة دمائهم واجب؛ لأن هذا من الفساد العظيم في الأرض، والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع" (١). • مستند الإجماع: يدل على وجوب مقاتلة المحاربين الأثر والنظر: ١ - من الأثر: آية الحرابة التي فرض اللَّه تعالى فيها حد المحاربين في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل حد الحرابة لمن قدر عليه الإمام، ولا يتحصل ذلك إلا بطلبه ومقاتلته، فإذا قدر عليه وجب قتله، لكونه حد من حدود اللَّه تعالى. ٢ - من النظر: يمكن أن يقال: أن في قتل المحاربين إذهاب للفساد في الأرض، وذلك مطلوب شرعًا. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم من حيث الجملة، بمعنى أن الإمام يشرع له قتل المحاربين؛ لإنهاء فسادهم. أما من حيث التفصيل، كمسألة هل إقامة الحد بقتل من قتل منهم واجبة على الإمام أم الأمر لولي المقتول له العفو وله طلب القتل، وهل المحارب إذا لم يقتل فيُقتل أم لا. . . إلى غير ذلك من المسائل فإنها محل بحث آخر، منها هو محل خلاف مشهور، ومنها ما هو محل اتفاق، ومنها ما هو محل إجماع، وسيأتي ذكر شيء منها في ثنايا مسائل الكتاب، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 6976

[٧/ ٢] المسألة السابعة: التعاون على الإثم والعدوان بالمؤاخاة المحرمة غير مشروعة . • المراد بالمسألة: إذا بغت طائفة على أخرى، أو كان بين طائفتين قتال فإن معاونة الفئة الباغية ومناصرتها غير مشروعة، حتى لو كان بينها وبين الفئة الباغية أخوة أو قرابة، أو نحوه. • من نقل الإجماع: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) كما في الفتاوى الكبرى ما نصه: "مسألة: في الأخوَّة التي يفعلها بعض الناس في هذا الزمان والتزام كل منهم بقوله: إن مالي مالك، ودمي دمك، وولدي ولدك، ويقول الآخر كذلك، ويشرب أحدهم دم الآخر، فهل هذا الفعل مشروع أم لا؟ وإذا لم يكن مشروعًا مستحسنًا: فهل هو مباح أم لا؟ وهل يترتب على ذلك شيء من الأحكام الشرعية التي تثبت بالأخوة الحقيقية أم لا؟ وما معنى الأخوة التي آخى بها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار؟ الجواب: الحمد للَّه رب العالمين، هذا الفعل على هذا الوجه المذكور ليس مشروعًا باتفاق المسلمين" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - أن هذه المعاونة معاونة على الإثم والعدوان، وقد نهى اللَّه تعالى عنها في قوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال ابن كثير في تفسير الآية: "أمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وينهاهم عن التناصر على الباطل" (٣). ٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا) فقال رجل: يا رسول اللَّه أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان

стр. 6977

ظالما كيف أنصره؟ قال: (تحجزه، أو تمنعه من الظُلم، فإن ذلك نصره) (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حث على أن الظالم يُنصر بكفه عن الظلم، لا بإعانته عليه. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨/ ٢] المسألة الثامنة: حكم المرأة في الحرابة حكم الرجل . • المراد بالمسألة: لو اجتمع نسوة وقمن بالحرابة وقطع الطريق، أو اجتمع رجال ونساء في حرابة، فإنه يقام حد الحرابة على المرأة كالرجل. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "يجب قتلها -أي المرأة- بالإجماع إذا قطعتْ الطريق، وقتلتْ فيه" (٢). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "إذا كان مع الرجال في قطع الطريق امرأة فقتلت هي وأخذت المال، تُقتل حدًا، وكذا الرقيق، فأي شخص من هؤلاء قتل مكافئًا له قتل إجماعًا" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أدلة منها: ١ - من الأثر: عموم آية الحرابة، إذ ليس فيها ما يدل على تخصيص الرجال دون النساء. ٢ - من النظر: أ - الأصل في سائر الحدود أن الرجال والنساء فيه سواء، حتى يرد الدليل على التخصيص، والحرابة من جملة تلك الحدود، ولا نص في خروج المرأة من حد الحرابة. ب - أن المرأة قد يكون لها من القوة والتدبير ما للرجل، أو أشد، والعبرة

стр. 6978

هي الفساد في الأرض وإخافة الناس، فمتى حصل هذا فقد تحققت الحرابة، سواء كان المحارب ذكرًا أو أنثى (١). • المخالفون للإجماع: في المسألة خلاف مشهور عن الحنفية، فثمة رواية موافقة لمذهب الجمهور وهي أن المرأة كالرجل في حد الحرابة، وبه قال الطحاوي (٢). وعن أبي يوسف أنها تقطع ولا تصلب (٣). والرواية الثالثة عند الحنفية: أن المرأة لا يقام عليها حد الحرابة، وإن وَليَت القتال وأخْذِ المال، وأشار الكاساني أن هذه هي الرواية المشهورة (٤). • دليل المخالف: أن ركن الحرابة هو الخروج على وجه المحاربة والمغالبة، ولا يتحقق ذلك في النساء غالبًا؛ لضعفهن ورقتهن (٥). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم، لوجود الخلاف عند الحنفية. [٩/ ٢] المسألة التاسعة: المملوك إذا قطع الطريق فيقام عليه حد الحرابة (٦) • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا كلهم مع النص: أن حد المماليك في القتل والصلب كحد الأحرار. . . وصح النص والإجماع أن حد العبد في القتل بالسيف، والصلب: كحد الحر، وكذلك في النفي غير المؤقت" (٧). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "إذا كان مع الرجال في قطع الطريق امرأة

стр. 6979

فقتلت هي وأخذت المال، تُقتل حدًا، وكذا الرقيق، فأي شخص من هؤلاء قتل مكافئًا له قتل إجماعًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن العبد والأمة داخلان في عموم الآية، وليس ثمة دليل يمنع دخولهم في الآية، أو يدل على خروجهم منها. ٢ - يمكن أن يستدل له من النظر: أن العبرة هو قطع الطريق وإخافة السبيل، وتحصيل ذلك من الحر والعبد سواء. • المخالفون للإجماع: سبق أن ثمة رواية عند الحنفية بأن المرأة لا يقام عليها حد الحرابة. وعلى قياس هذا القول فالأمة كذلك من باب أولى (٣). • دليل المخالف: أن ركن الحرابة هو قطع الطريق، وهذا لا يتحصل من النساء غالبًا لضعفهن في أصل الخلقة (٤). وقبل بيان نتيجة المسألة أنبِّه إلى أن ابن حزم ذكر قولًا مخالفًا للجمهور في القطع من خلاف، فرأى أن القطع فيه للعبد والأمة على النصف من الحر فتقطع اليد من الأنامل، والقدم من نصفها، وهذا القول عند التحقيق لا يعد خلافًا

стр. 6980

لمسألة الباب، لأنه يرى وجوب إقامة الحد، وإنما خالف في صفة إقامة الحد (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع في أن العبد يقام عليه حد الحرابة كالحر، أما الأَمة فإقامة حد الحرابة عليها فيه خلاف عن بعض الحنفية. [١٠/ ٢] المسألة العاشرة: المحاربون إن تابوا قبل القدرة عليهم فلا تسقط عنهم حقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال إلا أن يعفى لهم عنها . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا أو جماعة من المحاربين قتلوا أو سرقوا أو أصابوا جراحات، ثم تابوا قبل أن يقدر عليهم الإمام، فإن حقوق بني آدم لا تسقط عنهم، فإن قتلوا فالأمر للأولياء إما أن يعفوا أو الدية أو القصاص، وإن أخذوا المال وجب رد ما أخذوه، وإن جرحوا فعليهم القصاص أو الدية إن كان عمدًا، أو الدية إن كان خطأ، إلا أن يعفوا أصحاب الحق فلهم ذلك. ويتبين من هذا أنهم لو تابوا بعد القدرة عليهم فذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو فعلوا في الحرابة فعلًا لا تعلق به بالحرابة كالزنى أو السرقة أو نحو ذلك ثم تابوا من الحرابة، فما فعلوه مما لا تعلق له بالحرابة لا يدخل في مسألة الباب، وكذا حق اللَّه تعالى لا يدخل في مسألة الباب، وكذا لو كان المحاربون ممن لا تتحقق الحرابة في حقهم كالباغي، والخارجي، فكل هذا غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن حقوق الآدميين؛ من الأنفس، والأموال، والجراح، يؤخذ بها المحاربون، إلا أن يعفى لهم عنها" (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "فإن تابوا -أي المحاربين- من قبل أن يقدر عليهم، سقطت عنهم حدود اللَّه تعالى، وأخذوا بحقوق الآدميين؛ من الأنفس، والجراح، والأموال، إلا أن يعفى لهم عنها، لا نعلم في هذا

стр. 6981

خلافًا بين أهل العلم" (١) ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "من تاب قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود اللَّه وأخذ بحقوق الآدميين، إلا أن يعفى له عنها، لا نعلم في هذا خلافًا" (٣). وقال ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود اللَّه تعالى من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل، وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى له عنها، لا نعلم في هذا خلافًا" (٤). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم على مسألة الباب بأدلة منها: ١ - عموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (٥). ٢ - عموم الأحاديث الدالة على وجوب رد الحقوق إلى أهلها، كحديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (٦). • المخالفون للإجماع: حكى ابن جرير عن جماعة من السلف القول بسقوط حقوق بني آدم بتوبة المحارب قبل القدرة عليه، على تفصيل بينهم في ذلك، بناء على خلافهم في المراد بتأويل قول اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٧)، فذهب جماعة منهم إلى أن

стр. 6982

الآية في المشرك الذي حارب اللَّه ورسوله ﷺ بالفساد في الأرض، ثم تاب وأسلم قبل القدرة عليه، فتسقط عنه حقوق اللَّه تعالى وحقوق العباد، من مال، أو دم، أو عِرض، أما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فتوبته قبل القدرة عليه لا تُسقط عنه حق اللَّه تعالى، ولا حقوق العباد. وهذا القول منقول عن ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، ومجاهد (١)، والحسن البصري، وقتادة. وذهب آخرون إلى أن المراد بالآية المحاربين من أهل الإسلام، فإذا تابوا من حرابتهم قبل القدرة عليهم، ثم طلبوا الأمان فأمنهم الإمام، فليس لأحد مطالبته بحق للَّه أو لآدمي. وكذا المسلم إذا ارتد ولحق بدار الحرب، جاء تائبًا وطلب الأمان فأمنه الإمام، فليس لأحد مطالبته بحق للَّه أو لآدمي. وهذا منقول عن علي بن أبي طالب، ومكحول (٢). وذهب آخرون إلى أن الآية عامة لكل من جاء تائبًا من الحرابة قبل القُدْرة عليه، سواء أمنه الإمام أو لم يؤمنه.

стр. 6983

وهو منقول عن أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة ﵄، ومالك بن أنس، والليث بن سعد. وذهب آخرون إلى أن الآية خاصة بمن حارب ثم فرَّ إلى دار الكفر، ثم رجع إلى دار الإسلام تائبًا، أما من كان مقيمًا في حرابته في دار الإسلام ثم تاب فلا يسقط عنه شيء من حقوق اللَّه أو حقوق الآدميين. وذهب آخرون إلى أن المراد بالآية من كان محاربًا وله منعة وقوة، كفئة يلجأ إليها تمنعه من السلطان، ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه، فإن توبته تضع عنه كل ما كان من أحْداثه في أيام حِرابته من حقوق اللَّه وحقوق العباد، أما من لم تكن له منعه فلا تسقط عنه حقوق العباد (١). وهذا القول هو اختيار ابن جرير حيث قال: "وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القُدرة عليه، تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حربه وحرابته، من حدود اللَّه، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه، فيرد على أهله؛ لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة للَّه ولرسوله، الساعية في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام، فكذلك حكم كل ممتنع سعى في الأرض فسادًا، جماعة كانوا أو واحدًا" (٢). فهذا محصل ما ذكره ابن جرير من الأقوال المخالفة لمسألة الباب، وبها يتبين أن المسألة محل خلاف قديم بين السلف. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم، لوجود المخالف من بعض الصحابة والتابعين، ومن بعدهم.

стр. 6984

[١١/ ٢] المسألة الحادية عشرة: ما وجد بيد المحارب من مال لغيره مردود لأربابه سواء من المسلمين أم من أهل الذمة . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا أو جماعة من المحاربين أخذوا أموالًا، فوجد أصحاب الأموال أموالهم، فعلى الإمام رد الأموال إلى أربابها، سواء أقيم عليهم حد الحرابة أو لم يُقم. ويتبين من هذا أن ما استهلكه المحارب، أو عمل فيه عملًا أخرجه عن صورته فغير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: حكى ابن عبد البر (٣٦٣ هـ) الإجماع على أن المحاربين يؤخذ مما في أيديهم من أموال المسلمين وأهل الذمة (١). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن ما وجد بيده -أى المحارب- وبيد الباغين المتأولين مردود إلى أربابه" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - عموم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره) (٣).

стр. 6985

٢ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به) (١). ٣ - من النظر: أن ذلك المال لم يخرج عن ملك صاحبه بأخذ المحارب له، فوجب رده إليه. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٢/ ٢] المسألة الثانية عشرة: ما يأخذه المحارب ممن قطع عليه الطريق هو من الإثم والعدوان . • المراد بالمسألة: لو أن المحارب طلب من الشخص المقطوع عليه الطريق أن يدفع إليه مالًا، فإنَّ دفْع هذا المال هو من الإثم والعدوان بالنسبة لقاطع الطريق. • والمراد بالمسألة: الإجماع على أن ما يأخذه قاطع الطريق من الناس هو من باب الإثم والعدوان المنهي عنه؛ لأنه أخذه ظلمًا بغير حق، أما ما يدفعه المقطوع عليه الطريق هل هو من باب الإثم المحرم الذي لا يجوز له بذله، أو هو من المباح لتخليص نفسه، فمسألة أخرى غير مرادة في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا يخلو أخذ المال بالوجه المذكور من الظلم والغلبة بغير حق من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون برًا وتقوى، أو يكون إثمًا وعدوانًا، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أنه ليس برًا ولا تقوى، ولكنه إثم وعدوان بلا خلاف" (٢). أما من حيث عموم المسألة فسبق ابنَ حزم بذلك ابنُ المنذر (٣١٨ هـ) حيث

стр. 6986

نقل الإجماع على تحريم أموال الناس بغير حق فقال: "أجمعوا على تحريم أموال المسلمين ودمائهم إلا حيث أباحه اللَّه" (١)، ومعلوم أن ما يأخذه المحارب ليس مما أباحه اللَّه تعالى له، بدليل إيقاع العقوبة عليه. • مستند الإجماع: المسألة ظاهرة من حيث الدليل لأنه أخذ للمال بغير حق، ونصوص الكتاب والسنة مستقرة في تحريم أخذ مال الغير بغير طيب نفس منه، فمن ذلك: قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (٣). قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "يعني تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضُكم مالَ بعض بالباطل، فجعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل، كالآكل مالَ نفسه بالباطل" (٤). وسبق إباحة قتال من صال على المال لأخذه، مما يدل على أن ما أخذه الصائل حرام لا يحل له. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٣/ ٢] المسألة الثالثة عشرة: الفساد في الأرض المقصود في قوله تعالى: أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا هم الذين يحاربون أهل دين اللَّه . • المراد بالمسألة: المراد بالمسألة حصر معنى الفساد في الأرض المذكور في قول اللَّه : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا

стр. 6987

قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١)، على فعل أهل الحرابة. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قال : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، قال أبو عمر: معناه أو بغير فساد في الأرض، فدل على أن الفساد في الأرض وإن لم يكن قتلًا فهو كالقتل، والفساد المجتمع عليه هنا: قطع الطريق، وسلب المسلمين، وإخافة سبلهم" (٢). • المخالفون للإجماع: ذكر جماعة من أهل التأويل أقوالًا تخالف القول بأن المراد بالفساد في الآية أهل الحرابة دون غيرهم، حيث أن ثمة قولين آخرين: فقيل: المراد به الشرك. وبه قال مقاتل بن سليمان (٣) (٤). وقيل: هو عام لكل إفساد في الأرض ومنه الحرابة. وإلى هذا ذهب البغوي حيث قال: " ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يريد بغير نفس، وبغير فساد في الأرض من كفر، أو زنًا، أو قطع طريق، أو نحو ذلك" (٥). واختاره الرازي (٦)، والشوكاني (٧)، وجماعة كثيرة من المفسرين (٨). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم، لوجود الخلاف فيها.

стр. 6988

[١٤/ ٢] المسألة الرابعة عشرة: من فعل المحاربة فإنه ينطبق عليه اسم المحارب الذي يجب عليه الحد، سواء كان في حال فعل الحرابة، أو لم يكن . • المراد بالمسألة: المحارب إذا فعل الحرابة فإنه يطلق عليه اسم المحارب، ويطبق عليه حد الحرابة، ولو كان حال القبض عليه مسالمًا لا يحارب، إلا إن تاب من فعله الحرابة، قبل القبض عليه، فحينئذ يزول عنه اسم المحارب، ولا يطبق عليه حد الحرابة حال القبض عليه. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "من فعل المحاربة فبلا شك ندري أنه في حال نومه، وأكله، واستراحته، ومرضه أنه محارب، كما كان لم يسقط عنه الاسم الذي وسمه اللَّه تعالى به، وحق عليه الحد به هذا ما لا خلاف فيه" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: بيّن اللَّه تعالى أن المحارب إن قُدر عليه بعد التوبة فإنه لا يقام عليه حد الحرابة، وهو يدل بمفهومه أنه لو قدر عليه قبل التوبة فإنه يقام عليه حد الحرابة، وعلى ذلك يطلق عليه اسم المحارب. ٢ - من النظر: أن المحارب قد قام بفعل الحرابة، وقام الدليل على كونه محاربًا، ولا يرتفع عنه ذلك إلا بالتوبة عن فعله، أو بدليل ظاهر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6989

[١٥/ ٢] المسألة الخامسة عشرة: من دخل مستخفيًا ليسرق، أو ليزني، ففعل شيئًا من ذلك مستخفيًا، فإنما هو سارق عليه ما على السارق، أو إنما هو زان عليه ما على الزاني، وليس على أي من هؤلاء حد الحرابة . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا أو جماعة دخلوا خفية، فأخذوا مالًا سرقة وخفية، أو اعتدوا على العرض، فإنهم في هذه الحال لا ينطبق عليهم حد الحرابة، ولا يشملهم مفهوم المحاربين؛ لأن من شرط تحقق الحرابة في حقهم ألا يكون أمرهم خفية، بل لا بد من إظهار الحرابة بإشهار السلاح أو نحو ذلك. ويتبين مما سبق أن القتل غير مراد، فلو دخل شخص أو جماعة مستخفين وقتلوا شخصًا غيلة، فذلك غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) في معرض ترجيح أن السارق غير مراد في آية المحاربة وأن المراد بها قاطع الطريق فقال: "ولم يقل أحد من أهل الإسلام في أحد من أهل المعاصي إنه المحارب المذكور في الآية، إلا قاطع الطريق المخيف فيها، أو في اللص، فصح أن مُخيف السبيل المفسد فيها هو المحارب المذكور في الآية بلا شك، وبقي أمر اللص. فنظرنا فيه -بعون اللَّه تعالى- فوجدناه إن دخل مستخفيًا ليسرق، أو ليزني، أو ليقتل ففعل شيئًا من ذلك مختفيًا فإنما هو سارق، عليه ما على السارق، لا ما على المحارب بلا خلاف، أو إنما هو زان، فعليه ما على الزاني، لا ما على المحارب بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن اللَّه تعالى جعل حد الحرابة على فعل معين، وهو السعي بالفساد في الأرض على وجه مخصوص من قطع الطريق، بخلاف السارق والزاني فإن الشرع جعل لهما حدودًا خاصة بهما، فرتب على

стр. 6990

الزنى حد معين هو الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن، وأما السارق فرتب الشرع عليه قطع اليد من مفصل الكف، وبذلك توافرت الأدلة من الكتاب والسنة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٦/ ٢] المسألة السادسة عشرة: حكم المحارب يختلف عن حكم الباغي . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت الحرابة على شخص أو جماعة، فإن حكمهم يختلف عن حكم البغاة، في أن للمحاربين حدًا من وجوب قتلهم، أو صلبهم، أو قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو نفيهم من الأرض، وهذا الحكم إنما هو خاص بالمحاربين، ولا يطبق على البغاة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "فليس يختلف أحد في أن حكم الباغي غير حكم المحارب، وبالتفريق بين حكمهما جاء القرآن" (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٢). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٣). • وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه تعالى أوجب على المحاربين حد الحرابة كما في الآية الأولى، بينما في حق البغاة فإن اللَّه تعالى أمر بالصلح أولًا، ثم إن

стр. 6991

تعذَّر الصلح أوجب سبحانه قتالهم، ودفعهم بالأسهل، حتى ترجع عن بغيها، ولم يوجب عليهم حدًا، فدل على أن لكل منهم حكم يختلف عن الآخر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٧/ ٢] المسألة السابعة عشرة: حد الحرابة يقام على المحاربين من أهل الإسلام . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت الحرابة على شخص أو جماعة مسلمين، فإن حد الحرابة يقام عليهم. وليس المراد تخصيص حد الحرابة بالمسلمين دون غيرهم، وإنما المراد أن المسلمين داخلون في الآية الموجبة لحد الحرابة (١). • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ) بعد ذكره لآية الحرابة: "لا خلاف بين السلف والخلف من فقهاء الأمصار أن هذا الحكم غير مخصوص بأهل الردة، وأنه فيمن قطع الطريق وإن كان من أهل الملة، وحكي عن بعض المتأخرين ممن لا يعتد به أن ذلك مخصوص بالمرتدين، وهو قول ساقط مردود مخالف للآية، وإجماع السلف والخلف" (٢). وقال ابن عطية (٥٤٢ هـ) (٣): "ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية

стр. 6992

مترتب في المحاربين من أهل الإسلام" (١). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود" (٢)، ونقله عنه الشوكاني (٣). وقال أبو حيان الأندلسي (٧٤٥ هـ) (٤): "لا خلاف بين أهل العلم أنّ حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام" (٥). • مستند الإجماع: يدل على المسألة قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أسقط على المحاربين الحد إن تابوا من حرابتهم قبل القدرة عليهم، والتوبة إنما تكون للمؤمنين دون أهل الكفر (٧). • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن آية الحرابة نزلت في أهل الكتاب، حيث كانوا أهل مودَاعةٍ لرسول اللَّه ﷺ ، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فعرَّف اللَّه نبيَّه ﷺ الحكمَ فيهم، فتكون آية الحرابة

стр. 6993

مقصورة على ناقضي العهد من أهل الكتاب، وهذا قول ابن عباس ﵄. وذهب آخرون: إلى أنها نزلت في العرنيين الذين ارتدوا عن الإسلام، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁: "أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فاجتووها، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)، ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول اللَّه ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا" (١)، فتكون الحرابة خاصة بالمرتدين. وهذا قول أنس بن مالك ﵁، وقتادة. وذهب فريق ثالث: إلى أن آية الحرابة نزلت في المحاربين من أهل الحرب، فبيَّن اللَّه حكمهم عند الظفر بهم بما ذكره في هذه الآية من عقوبتهم، فيكون حكمها مقصورًا على أهل الحرب. وهو قول الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وابن علية (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها (٣).

стр. 6994

[١٨/ ٢] المسألة الثامنة عشرة: تحريم التستر على المحاربين . • المراد بالمسألة: لو أن جماعة من المحاربين أفسدوا في الأرض، فإنه واجب على كل من علم بهم إبلاغ الإمام أو نائبه؛ ليكفوا عن فسادهم. والستر عليهم ليس مباحًا كالستر على الزاني، أو شارب الخمر، أو غيرهم من أصحاب المعاصي. وهذا فيما لو لم يظهر من المحاربين توبة، أما إن ظهر منهم توبة فغير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لم يقل أحد من أهل الإسلام بإباحة الستر على مسلم في ظُلم ظَلم به مسلمًا، كمن أخذ مال مسلم بحرابة واطلع عليه إنسان، أو غصبه امرأته، أو سرق حرًا، وما أشبهه، فهذا فرض على كل مسلم أن يقوم به حتى يرد الظلامات إلى أهلها" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب قوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ

стр. 6995

وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى عن كل ما كان فيه إثم أو عدوان، والتستر على المحارب الذي لم يتب من حرابته فيه ضرر على المسلمين، وإعانة للمحارب على الإفساد في الأرض، وهو من باب التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، فكان في ترك التستر عنه دفع لشره وهو من باب التعاون على البر والتقوى، ولذا ذهب الفقهاء إلى أن للشهود أن يشهدوا على صاحب الحد دون أن يدعى للشهادة فقال ابن قدامة: "تجوز الشهادة بالحد من غير مدع، لا نعلم فيه اختلافًا" (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٩/ ٢] المسألة التاسعة عشرة: السلطان ولي من حارب . • المراد بالمسألة: إذا أقدم المحارب بقتلِ نفس، فإن عقوبة المحارب من القتل، أو القتل والصلب، أو القطع من خلاف، أو النفي للإمام، وليس لولي الدم أن يتولى أمره. وينبه إلى أن المراد بالمسألة هو فيما إذا تم الحكم بحده حرابة، فالإمام هو الذي يتولى أمر العقوبة، من القتل، أو القتل والصلب، أو القطع من خلاف، أو النفي، أما مسألة: هل للولي حق العفو أو لا؟ ومسألة هل لغير الإمام قتله إذا قدر عليه؟ فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن أمر المحارب إلى السلطان، وإن قتل المحارب أخا امرئ أو أباه في حالة المحاربة أن عفو

стр. 6996

طالب الدم لا يجوز في حالة المحاربة" (١). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "أجمع أهل العلم على أن السلطان ولي من حارب، فإن قتل محاربٌ أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة، فليس إلى طالب الدم من أمر المحارب شيء، ولا يجوز عفو ولي الدم، والقائم بذلك الإمام" (٢) ونقله عنه الشوكاني (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فمن كان من المحاربين قد قَتَل، فإنه يقتله الإمام حدًا لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء. . . ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، بخلاف ما لو قتل رجل رجلًا؛ لعداوة بينهما، أو خصومة، أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول. . . لأنه قتله لغرض خاص، وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام بمنزلة السراق، فكان قتْلهم حد للَّه، وهذا متفق عليه بين الفقهاء" (٤). • مستند الإجماع: استدل الفقهاء لمسألة الباب من الأثر والنظر: فمن الأثر: ١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (دين اللَّه أحق أن يقضى) (٥). ٢ - عن عائشة ﵂ -في قصة عتق بريرة ﵂ (٦) - أن

стр. 6997

رسول اللَّه ﷺ قال: (قضاء اللَّه أحق وشرط اللَّه أوثق) (١). • وجه الدلالة من الحديثين: قال ابن حزم: "فلما اجتمع حقان، أحدهما: للَّه، والثاني: لولي المقتول، كان حق اللَّه تعالى أحق بالقضاء، ودينه أولى بالأداء" (٢). ٣ - من النظر: أن الحرابة حد للَّه ، والحدود إنما يقوم بها الإمام. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 6998

الفصل الثانى مسائل الإجماع في صفة حد قطاع الطريق [٢٠/ ٢] المسألة العشرون: قاطع الطريق إذا قتل فإنه يقتل حدًا، وقتله متحتم لا يدخله عفو . • المراد بالمسألة: لو أن قاطع الطريق الذي تطبق عليه حكم الحرابة قتل في الحرابة مسلمًا أو معاهدًا، مكافئًا له، وليس بينه وبين القتيل عداوة، فإنه يقتل حدًا، وليس للإمام أو أولياء المقتول العفو. ويتبين مما سبق أن قاطع الطريق لو كان ممن لا ينطبق عليه حكم الحرابة كالحربي، أو الباغي، أو كان قتل في حرابته غير مسلم أو معاهد، أو قتل من ليس مكافئًا له. كأن يكون المحارب حرًا ويقتل عبدًا، أو كان بينه وبين المقتول عداوة، أو كان قتله في حرابته غيلة، فكل ذلك ليس داخلًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن أمر المحارب إلى السلطان، وإن قتل المحارب أخا امرئ أو أباه في حالة المحاربة أن عفو طالب الدم لا يجوز في حالة المحاربة" (١)، ونقله عنه ابن تيمية (٢)، وابن قاسم (٣). وقال الطحاوي (٣٢١ هـ) بعد أن ساق حديث العرنيين: "لا اختلاف بين أهل العلم فيما يقام على من كان منه مثل الذي كان من أولئك القوم أنه حد اللَّه للمحاربة التي كانت، لا حقٌّ للذين حوربوا بها، وأن الذين حوربوا بها لو عفا أولياؤهم عما كان أتى إلى أصحابهم، أن عفوهم باطل" (٤). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "لا خلاف في أن الحرابة يُقتل فيها من قَتل" (٥) وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا أن من قتل وأخذ المال منهم وجب عليه إقامة

стр. 6999

الحد، وأنَّ عفو ولي المقتول أو المأخوذ منه ماله غير مؤثر في إسقاط الحد" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إذا قتل وأخذ المال، فإنه يقتل ويصلب، في ظاهر المذهب، وقتله متحتم لا يدخله عفو، أجمع على هذا كل أهل العلم" (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "وإذا قَتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب، وقتله متحتم لا يدخله عفو، أجمع على هذا كل أهل العلم" (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فمن كان من المحاربين قد قتل، فإنه يقتله الإمام حدًا، لا يجوز العفو عنه بحال بإجماع العلماء. . . ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول، بخلاف ما لو قتل رجل رجلًا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة، فإن هذا دمه لأولياء المقتول. . . لأنه قتله لغرض خاص، وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس، فضررهم عام بمنزلة السراق فكان قتلهم حد للَّه، وهذا متفق عليه بين الفقهاء" (٥). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "إذا كان مع الرجال في قطع الطريق امرأة فقتلت هي وأخذت المال تقتل حدًا، وكذا الرقيق، فأي شخص من هؤلاء قتل مكافئًا له قتل إجماعًا" (٦). • مستند الإجماع: استُدل لهذه المسألة بأدلة منها: ١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "خرجت جارية عليها أوضاح (٧) بالمدينة،

стр. 7000

فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : (فلان قتلك)؟ فرفعت رأسها، فأعاد عليها، قال: (فلان قتلك)؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: (فلان قتلك)؟ فخفضت رأسها، فدعا به رسول اللَّه ﷺ فقتله بين الحجرين" متفق عليه (١). ٢ - عن أنس بن مالك ﵁: "أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فاجتووها، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)، ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول اللَّه ﷺ فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا" (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: أنه ليس في الحديثين ما يدل على أن النبي ﷺ خير أولياء المرأة بين القصاص أو الدية أو العفو. ٣ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (دين اللَّه أحق أن يقضى) (٣). ٤ - عن عائشة ﵂ -في قصة عتق بريرة- أن رسول اللَّه ﷺ قال: (قضاء اللَّه أحق وشرط اللَّه أوثق) (٤). • وجه الدلالة من الحديثين: ما قاله ابن حزم: "فلما اجتمع حقان أحدهما للَّه، والثاني لولي المقتول كان حق اللَّه تعالى أحق بالقضاء، ودينه أولى بالأداء" (٥). ٥ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم

стр. 7001

يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة) (١). • وجه الدلالة: الحديث صريح على أن دم الإنسان معصوم إلا إذا أحدث أحد الأمور الثلاثة، وهو عام لقطاع الطريق وغيرهم (٢). ٦ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قطاع الطريق: "إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا طُلبوا حتى يوجدوا فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نُفوا من الأرض" (٣). ٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: "وادع رسول اللَّه ﷺ أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي (٤)، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحاب أبي بردة الطريق، فنزل على رسول اللَّه ﷺ جبريل ﵇ بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال صُلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قُتل، ومن أخذ مالًا ولم يقتل قُطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلمًا هَدَم الإسلام من كان في الشرك" (٥).

стр. 7002

٨ - من جهة النظر: أ - أن الشرع الحكيم قد خالف بين العقوبات -غلظة وخِفَّة- باختلاف أسبابها الموجبة لها، والقول بالتخيير في آية الحرابة وأن من قتل فقد يأخذ أشد العقوبات، ومن أخاف السبيل فقط قد يأخذ أشد العقوبات، لا يناسب حكمة الشرع وعدله، بل فيه تناقض ظاهر (١)، وقد أكد اللَّه تعالى على ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢). ب - أن المستقرئ لكتاب اللَّه تعالى يرى أنه سبحانه يذكر العقوبات بالبداءة بالأغلظ فيما أريد به الترتيب، كما هو الحال في كفارة الظهار، والجماع في نهار رمضان، وغيرها، بخلاف العقوبة التي ترد على وجه التخيير فإنه تُبدأ بالأخف كما هو الحال في كفارة اليمين، وعقوبة الحرابة قد بُدئ فيها بالأغلظ فيكون المراد بها الترتيب (٣). ج - أن حد الحرابة حق للَّه تعالى، كسائر الحدود، والحدود لا تسقط بالعفو بعد بلوغها للحاكم (٤). • المخالفون للإجماع: خالف طائفة من السلف فقالوا: الإمام مخير في حد الحرابة، لا يتحتم عليه القتل (٥). وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك (٦)، . . .

стр. 7003

والنخعي، وأبو الزناد (١)، وأبو ثور، وداود (٢). وذهب بعض الشافعية إلى أن المحارب لا يتحتم قتله مطلقًا إذا قَتل، وإنما إن قَتل لأخذ المال تحتم قتله، وإلا فلا (٣). وذهب ابن حزم إلى أن الولي مخيَّر في دمه وله العفو، وأن قتله هو من باب القصاص (٤). • دليل المخالف: أما من ذهب إلى أن الإمام مخير لا يتحتم عليه القتل فلأن آية الحرابة جاءت بلفظ "أو" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٥)، والأصل أن "أو" تأتي للتخيير، لا للترتيب. وأما عفو أولياء دم من قُتل حرابة فاستدل له ابن حزم بعموم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال لما فتح اللَّه على رسول اللَّه ﷺ مكة قام في الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: (إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسولها والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفَّر صيدها، ولا يختلي شوكها (٦)، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير

стр. 7004

النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل) متفق عليه (١)، ومعلوم أن الفداء لا يكون إلا بعد العفو. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة على وجوب القتل (٢)، لكنها ليست محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7005

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →