← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة) (١). • وجه الدلالة: الحديث صريح على أن دم الإنسان معصوم إلا إذا أحدث أحد الأمور الثلاثة، وهو عام لقطاع الطريق وغيرهم (٢). ٦ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قطاع الطريق: "إذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتلوا ولم يُصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا طُلبوا حتى يوجدوا فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نُفوا من الأرض" (٣). ٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: "وادع رسول اللَّه ﷺ أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي (٤)، فجاء أناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحاب أبي بردة الطريق، فنزل على رسول اللَّه ﷺ جبريل ﵇ بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال صُلب، ومن قتل ولم يأخذ المال قُتل، ومن أخذ مالًا ولم يقتل قُطعت يده ورجله من خلاف، ومن جاء مسلمًا هَدَم الإسلام من كان في الشرك" (٥).

стр. 7002

٨ - من جهة النظر: أ - أن الشرع الحكيم قد خالف بين العقوبات -غلظة وخِفَّة- باختلاف أسبابها الموجبة لها، والقول بالتخيير في آية الحرابة وأن من قتل فقد يأخذ أشد العقوبات، ومن أخاف السبيل فقط قد يأخذ أشد العقوبات، لا يناسب حكمة الشرع وعدله، بل فيه تناقض ظاهر (١)، وقد أكد اللَّه تعالى على ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢). ب - أن المستقرئ لكتاب اللَّه تعالى يرى أنه سبحانه يذكر العقوبات بالبداءة بالأغلظ فيما أريد به الترتيب، كما هو الحال في كفارة الظهار، والجماع في نهار رمضان، وغيرها، بخلاف العقوبة التي ترد على وجه التخيير فإنه تُبدأ بالأخف كما هو الحال في كفارة اليمين، وعقوبة الحرابة قد بُدئ فيها بالأغلظ فيكون المراد بها الترتيب (٣). ج - أن حد الحرابة حق للَّه تعالى، كسائر الحدود، والحدود لا تسقط بالعفو بعد بلوغها للحاكم (٤). • المخالفون للإجماع: خالف طائفة من السلف فقالوا: الإمام مخير في حد الحرابة، لا يتحتم عليه القتل (٥). وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك (٦)، . . .

стр. 7003

والنخعي، وأبو الزناد (١)، وأبو ثور، وداود (٢). وذهب بعض الشافعية إلى أن المحارب لا يتحتم قتله مطلقًا إذا قَتل، وإنما إن قَتل لأخذ المال تحتم قتله، وإلا فلا (٣). وذهب ابن حزم إلى أن الولي مخيَّر في دمه وله العفو، وأن قتله هو من باب القصاص (٤). • دليل المخالف: أما من ذهب إلى أن الإمام مخير لا يتحتم عليه القتل فلأن آية الحرابة جاءت بلفظ "أو" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٥)، والأصل أن "أو" تأتي للتخيير، لا للترتيب. وأما عفو أولياء دم من قُتل حرابة فاستدل له ابن حزم بعموم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال لما فتح اللَّه على رسول اللَّه ﷺ مكة قام في الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: (إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسولها والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفَّر صيدها، ولا يختلي شوكها (٦)، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير

стр. 7004

النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل) متفق عليه (١)، ومعلوم أن الفداء لا يكون إلا بعد العفو. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة على وجوب القتل (٢)، لكنها ليست محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7005

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7006

[٢١/ ٢] المسألة الحادية والعشرون: تقديم القتل على الصلب ثابت . • المراد بالمسألة: المراد بمسألة الباب أن اللَّه تعالى بدأ بذكر القتل ثم الصلب في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (١). وليس المراد أن قتل المحارب مقدم على صلبه، فإن مسألة البداءة بالقتل أو الصلب محل خلاف مشهور بين أهل العلم. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "اللَّه تعالى قدَّم القتل على الصلب لفظًا، والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف" (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "اللَّه تعالى قدَّم القتل على الصلب لفظًا، والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف" (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7007

[٢٢/ ٢] المسألة الثانية والعشرون: القتل الواجب إنما هو ضرب العنق بالسيف فقط . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص أو جماعة وكان حدهم القتل، فإن قتلهم إنما يكون بضرب عنقهم بالسيف، حتى لو كان قتلهم لغيرهم أيام الحرابة بغير ذلك. ويتبين مما سبق أنه لو كان حد المحاربين الصلب مع القتل فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف على أن القتل الواجب في المحارب إنما هو ضرب العنق بالسيف فقط" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأمور منها: ١ - بأن القتل إذا أطلق في كلام الشارع فالأصل أن يراد به القتل بالسيف. ٢ - ثم إنه موافق لأمر صاحب الرسالة بإحسان القتلة كما في صحيح مسلم عن شداد بن أوس ﵁ (٢) قال: ثنتان حفظتهما عن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته) (٣). • المخالفون للإجماع: نقل شيخ الإسلام ابن تيمية خلافًا في المسألة فقال: "وقد جوز بعض العلماء قتلهم -أي المحاربين- بغير السيف حتى قال: يتركون على المكان العالي حتى يموتوا حتف أنوفهم بلا قتل" (٤).

стр. 7008

• دليل المخالف: استدل المخالف بقصة العرنيين حيث بعث النبي ﷺ في أثرهم، فأتي بهم، "فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق؛ للخلاف الذى، نقله ابن تيمية في المسألة. [٢٣/ ٢] المسألة الثالثة والعشرون: القطع من خلاف يكون في يده اليمنى ورجله اليسرى، إذا كانتا يداه ورجلاه صحيحتين . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص وكان حكمه القطع من خلاف -سواء كان هذا الحكم على القول بأن من أخذ ولم يقتل فعليه القطع من خلاف، أو على القول بأن الإمام مخير، أو على غيره من الأقوال- فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين. ويتبين من هذا أنه إن كان أشل، أو مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "كون المقطوع: اليد اليمنى والرجل اليسرى بالإجماع" (٢). • مستند الإجماع: أما قطع اليمنى فلأمرين: ١ - أنها آلة البطش. ٢ - لأنها اليد التي تقطع من السارق أولًا. وأما الرجل اليسرى فلأمرين: ١ - ليتحقق كون القطع من خلاف كما أمر اللَّه تعالى به. ٢ - لأن قطع اليدين أو الرجلين يؤدي إلى تفويت جنس المنفعة، وكذا قطع

стр. 7009

اليمين من اليد والرجل، أو اليسار منهما (١). • المخالفون للإجماع: أما كون القطع شامل لإحدى اليدين وإحدى الرجلين فلم يخالف فيه أحد، لكن خالف ابن حزم في أي اليدين والرجلين يقطع، ورأى إباحة قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو اليد اليسرى والرجل اليمنى، فكل ذلك سواء (٢). • دليل المخالف: أن اللَّه تعالى أمر بقطع اليد والرجل من خلاف ولم يحدد ﵎ اليمين من اليسار منها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣) (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف ابن حزم في المسألة، وقد نفى ابن حزم الإجماع فقال: "ومن ادعى هاهنا إجماعًا فقد كذب على جميع الأمة، ولا يقدر على أن يوجد ذلك عن أحد من الصحابة أصلًا، وما نعلمه عن أحد من التابعين" (٥)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤/ ٢] المسألة الرابعة والعشرون: إن كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى مقطوعة، قُطعت يمنى يديه، ولم يقطع منه غير ذلك . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص، وكان ذلك الشخص مقطوع أو أشل الرجل اليسرى، وحُكم عليه بالقطع من خلاف، فإنما يقطع منه يده اليمنى فقط. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لو كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى مقطوعة قطعت يمنى يديه، ولم يقطع غير ذلك. . . ولا نعلم فيه خلافًا" (٦). وقال ابن يونس الشلبي (٩٤٧ هـ): "لو كانت يداه صحيحتين ورجله اليسرى

стр. 7010

مقطوعة قطعت يده اليمنى فقط، ولا خلاف فيه" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بما يلي: ١ - أنه قد وجد في محل الحد ما يمكن استيفاؤه، فلا ينتقل إلى غيره. ٢ - أنه لو قطعت رجله اليمنى لأدى ذلك إلى تفويت جنس المنفعة (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٥/ ٢] المسألة الخامسة والعشرون: قاطع الطريق لا يجوز قطع يديه ورجليه معًا . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص وحكم بقطعه من خلاف، وكان سليم الأعضاء، فإنما تقطع منه يد واحدة ورجل واحدة، ولا يجوز قطع جميع يديه ورجليه. ويتبين مما سبق أن المراد هو القطع في حكم الحرابة للمرة الواحدة، أما لو قطعت إحدى يديه ورجليه، ثم حارب ثانية فقطْع باقي يديه ورجليه محل خلاف، وليست مرادة في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أما قطعه -أي المحارب- فإن اللَّه تعالى قال: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (٣)، فصح بهذا أنه لا يجوز قطع يديه ورجله معًا؛ لأنه لو كان ذلك لم يكن القطع من خلاف، وهذا أيضًا إجماع لا شك فيه" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين" (٥)، ونقله عنه ابن قاسم (٦).

стр. 7011

وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين" (١). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "ولا خلاف أنه لا يقطع منه إلا يد ورجل، إذا كانتا صحيحتين" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب قول اللَّه تعالى في آية الحرابة: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقطع المحارب من خلاف، وقطع جميع الأعضاء، أو اليدين مع الرجل، أو الرجلين مع اليد ينافي ذلك (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7012

الفصل الثالث مسائل الإجماع فيما يوجب حد قطاع الطريق [٢٦/ ٢] المسألة السادسة والعشرون: من أخذ مال امرئ مسلمٍ أو معاهد بغير حق، غير طيبة به نفسه، وكان أخذه مكابرة بسلاح من صاحبه في الصحراء، سمي محاربًا . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا أو جماعة أخذوا مال مسلم، أو معاهد بغير حق، وكان ذلك عن طريق المكابرة، وإشهار السلاح، وفي الصحراء، فإن هؤلاء ينطبق عليهم حد الحرابة. ويتبين من هذا أن المال لو أخذ من غير المسلم أو المعاهد، كان أُخذ من حربي، أو كان أخْذه بحق، كأن يكون المال لهم أُخذ منهم عن طريق الغصب أو السرقة، أولم يكن ذلك عن طريق المكابرة بل كان عن طريق الخفية والاستتار كالسرقة، وكذا لو لم يكن فيه إشهار السلاح أو لم يكن ذلك في الصحراء بل كان في المدينة، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ): "أجمع جميع الخاصة والعامة أن اللَّه حرم أخذ مال امرئ مسلم أو معاهد بغير حق، إذا كان المأخوذ منه ماله غير طيب النفس، بأن يؤخذ منه ما أخذ، وأجمعوا جميعًا أن آخذه على السبيل التي وصفنا بفعله آثم، وبأخذه ظالم، وأجمعت الحجة التي وصفناها جميعًا أن آخذه على السبيل التي وصفنا إن كان أخذه من حرز مستخفيًا بأخذه وبلغ المأخوذ ما يجب فيه القطع أنه يسمى بما أخذ سارقًا وإن كان أخذه مكابرة من صاحبه في صحراء أنه يسمى محاربًا" (١).

стр. 7013

وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وجدنا أن من دخل مستخفيًا ليسرق أو ليزني أو ليقتل، ففعل شيئًا من ذلك مختفيًا، فإنما هو سارقٌ عليه ما على السارق لا ما على المحارب بلا خلاف، أو إنما هو زانٍ فعليه ما على الزاني لا ما على المحارب بلا خلاف" (١). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "واتفقوا على أن من برز، وشهر السلاح مخيفًا للسبيل خارج المصر بحيث لا يدركه الغوث فإنه محارب قاطع للطريق، جارية عليه أحكام المحاربين" (٢)، ونقله عنه ابن قاسم (٣). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أنها -أي الحرابة- إشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ) في معرض كلامه على شروط من تنطبق عليهم الحرابة: "الشرط الثاني: أن يكون معهم سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح، فهم غير محاربين، لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، ولا نعلم في هذا خلافًا" (٥) وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "شرط الثاني: أن يكون معهم سلاح، فان لم يكن سلاح فليسوا محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، ولا نعلم في هذا خلافًا" (٦). • مستند الإجماع: يدل على الإجماع قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٧).

стр. 7014

• وجه الدلالة: أن من أخذ مال امرئ مسلم أو معاهد بغير حق، غير طيبة به نفسه، وكان أخذه مكابرة بسلاح من صاحبه في الصحراء، فإن هذا الفعل هو من الفساد في الأرض، ومحاربة أهل دين اللَّه تعالى، وبالقيود المذكورة في صورة الباب تخرج غيرها من المسائل التي قد تشتبه بها كالسرقة والغصب. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، مع التنبيه على الخلاف السابق في الحرابة هل هي في حق المشرك، أو المسلم. [٢٧/ ٢] المسألة السابعة والعشرون: يشترط في المحارب أن يكون معه سلاح . • المراد بالمسألة: أولا: المراد بالسلاح لغة واصطلاحًا: السلاح لغةً: قال ابن الأثير: "السِّلَاح: ما أعْدَدته للحَرْب من آلة الحديد مما يُقَاتَل به" (١). وظاهر كلام ابن الأثير أن السلاح خاص بآلة الحديد ممّا أُعد للحرب، وثمة من خصه بالسيف وحده، وآخرون يرونها عامة في كل ما أعد للحرب من حديد وغيره، قال ابن منظور: "السلاح اسم جامع لآلة الحرب، وخص بعضهم به ما كان من الحديد، يؤنث ويذكر، والتذكير أعلى؛ لأنه يجمع على أسلحة، وهو جمع المذكر، مثل حمار وأحمرة، ورداء وأردية، ويجوز تأنيثه، وربما خص به السيف، قال الأزهري: والسيف وحده يسمى سلاحًا. . . والعصا تسمى سلاحًا. . . والجمع أَسْلِحة وسُلُحُ وسُلْحانٌ" (٢). والحاصل مما سبق أن السلاح هو اسم جامع لآلة الحرب التي يقاتل بها

стр. 7015

في البر، أو البحر، أو الجو، وهذا العموم قاله غير واحد من أهل اللغة، منهم ابن فارس حيث قال: "السين واللام والحاء السلاح، وهو ما يُقَاتَل به" (١). وهذا المعنى اللغوي موافق للمعنى الاصطلاحي عند الفقهاء إذ السلاح عندهم شامل لكل أدوات الحرب (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن شخصًا أو جماعة تعرضوا لغيرهم في الطريق فأخذوا أو قتلوا، فإن من شرط تحقق حد الحرابة عليهم أن يكونوا قد حملوا معهم السلاح في حرابتهم، والمراد بالسلاح هنا هو ما كان يقتل بمحدد أو مثقل، أما العصا والحجارة الصغيرة ونحوهما فليست مرادة في مسألة الباب. وكذا لو كان قتله غيلة عند من يرى أن ذلك من الحرابة فحمل السلاح في هذه الصورة غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٥ هـ) في معرض كلامه على شروط من تنطبق عليهم الحرابة: "الشرط الثاني: أن يكون معهم سلاح، فإن لم يكن معهم سلاح، فهم غير محاربين، لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، ولا نعلم في هذا خلافًا" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "شرط الثاني: أن يكون معهم سلاح، فان لم يكن سلاح فليسوا محاربين؛ لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، ولا نعلم في هذا خلافًا" (٤). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن المحارب إن لم يكن معه سلاح فإنه لا يتحقق فيه تمام معنى الإفساد في الأرض؛ إذ عديم السلاح يمكن رده والتغلب عليه دون الاستغاثة بأحد (٥). • المخالفون للإجماع: خالف ابن حزم في المسألة فرأى أن الحرابة هي الإفساد

стр. 7016

في الأرض وإخافة أهل الطريق، سواء حمل قاطع الطريق معه السلاح أو لا (١). وإليه ذهب بعض الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). ونقله المرداوي في الإنصاف عن بعض الحنابلة فقال: "قال في البلغة وغيرها: لم غصبوهم بأيديهم من غير سلاح كانوا من قطاع الطريق" (٣). • دليل المخالف: استدل من قال بأن الحرابة لا يُشترط فيها حمل السلاح بما يلي: ١ - عموم ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه) (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عمَّم الحكم بكل من ضرب البر والفاجر، ولم يقيده بالسلاح أو عدمه (٥). ٢ - أن الإفساد حاصل بكل نوع من أنواع القتل والسلب، فكما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سهم، أو حجارة أو عصي، فهو مجاهد في سبيل اللَّه، فكذا القول في المحارب (٦). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لخلاف ابن حزم، وابن تيمية، وبعض الحنابلة في المسألة. [٢٨/ ٢] المسألة الثامنة والعشرون: قاطع الطريق إذا رفع إلى ولي الأمر، ثم تاب بعد ذلك لم يسقط عنه الحد . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت الحرابة على شخص أو جماعة، وثبتت محاربتهم بالإقرار، ثم تابوا بعد رفع أمرهم للإمام، فإن التوبة لا تسقط عنهم حد الحرابة.

стр. 7017

ويتبين مما سبق أن التوبة لو كانت قبل الرفع للإمام، أو كان ثبوت المحاربة بإقرار، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال القرطبي (٦٧١ هـ): "لا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدًا" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق العلماء فيما أعلم على أن قاطع الطريق واللص ونحوهما إذا رفعوا إلى ولى الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم بل تجب إقامته وإن تابوا" (٢)، ونقله عنه ابن قاسم (٣). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "الحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا" (٥). • مستند الإجماع: يدل على أن توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تدفع عند الحد النص والنظر: ١ - أما النص: فقول اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن تقييد التوبة بما إذا كان قبل القدرة عليه، يدل على أن التوبة بعد القدرة لا تدفع الحد، وإلا لما كان للقيد فائدة (٧). ٢ - وأما من النظر: أ - لأن المحارب إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، أما بعد القدرة عليه فقد تكون تقية من إقامة الحد عليه (٨). ب - لأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيبًا في توبته،

стр. 7018

فناسب ذلك الإسقاط عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه؛ لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة (١). ج- أن قبول توبة المحارب بعد القدرة عليه يفضي إلى انتهاك المحارم، وسد باب العقوبة؛ من جهة كونه ذريعة لكل مجرم قُبض عليه أن يتظاهر بالتوبة، مما ينتج عنه تعطيل حد اللَّه تعالى في الحرابة (٢). • المخالفون للإجماع: ثمة قول عند الشافعية أن من تاب بعد القدرة عليه فإن الحد يسقط عنه (٣). وسبق أن السارق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند طائفة من أهل العلم أن الحد يدفع عنهم بالتوبة، وعلى قياس هذا القول فإن توبة المحارب بعد القدرة عليه تدفع الحد. لكن يمكن أن يقال بأن هذا القياس غير لازم، فإن ثمة قولًا عن الإمام أحمد بأن توبة السارق مسقطة لحد السرقة دون الحرابة، فلا يلزم من القول بإسقاط حد السرقة أو غيره من الحدود بالتوبة أن يطرد ذلك في الحرابة. وإذا تقرر هذا فالأصل بقاء المسألة على الأصل المتفق عليه، وهو أن توبة المحارب بعد بلوغ الأمر للحاكم لا تسقط الحد، وهذا هو الظاهر، واللَّه تعالى أعلم. • دليل المخالف: نقل الزركشي دليل القائلين بإسقاط الحد على المحارب إذا تاب بعد القدرة عليه فقال: "وقع في "الوسيط" في باب قطاع الطريق حيث احتج للقول الصائر إلى أنه لو تاب بعد القدرة عليه يسقط عنه الحد، قال: لأنه تعالى خصَّص هذا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤)، وأطلق في آية السرقة قوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ (٥) اهـ، وفي هذا حمل المقيد على

стр. 7019

المطلق، فإنه حمل آية المحاربة، وقد ورد فيها التقييد، على ما ورد فيه الأمر مطلقًا، وهو السرقة، وهو غريب" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الشافعية في المسألة، ولذا ساق البغوي المسألة على أنها خلافية فقال: "أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها، وقيل: كل عقوبة تجب حقًا للَّه من عقوبات قطع الطريق، وقطع السرقة، وحد الزنا، والشرب، تسقط بالتوبة بكل حال، والأكثرون على أنها لا تسقط" (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٩/ ٢] المسألة التاسعة والعشرون: وجوب دفع الصائل على العرض . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الصائل: الصائل لغة: قال ابن فارس: "الصاد والواو واللام أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على قَهْرِ وعُلُوّ. يقال: صال عليه يَصُول صَولةً، إذا استطال" (٣). قال ابن منظور: "صالَ على قِرْنِه، صَوْلًا، وصِيالًا، وصُؤُولًا، وصَوَلانًا، وصَالًا، ومَصالةً: سَطا" (٤). وشرعًا: هو من سطا عاديًا على غيره يريد نفسه أو عرضه أو ماله (٥). • ثانيًا: تعريف العرض: العِرْض -بكسر العين- يطلق في اللغة على البدن، والنفس، وما يُمدح ويُذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو سلفه، أو من يلزمه أمره، كما يطلق على الحسب، وعلى الرائحة أيًا كانت طيِّبة أو سيِّئة،

стр. 7020

وعلى السحاب العظيم، وعلى الوادي فيه الشجر، ويُجمع على أعراض (١). والمراد بالصول على العرض هنا: الاعتداء على الشخص بُغية فعل الفاحشة من زنى أو لواط، أو مقدِّماتها كالقبلة ونحوها. • ثالثًا: صورة المسألة: لو أن المحارب صال على عرض الرجل، فأراده على نفسه، أو على حريمه، فيجب على المصول عليه دفع الصائل، ما لم يخف على نفسه. ويتبين مما سبق أن المحارب لو أراد أخذ المال، أو قتل النفس، أو ما دون النفس، أو كان المصول عليه يخاف على نفسه، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعًا" (٢). وقال أيضًا: "فإفساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها وهو عنده أعظم من أخذ ماله، ولهذا يجوز له قتله دفعا عنها باتفاق العلماء إذا لم يندفع إلا بالقتل بالاتفاق" (٣). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حكى بن المنذر عن الشافعي قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار أن يكلِّمه أو يستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل

стр. 7021

الحلم أن للرجل أن يدفع عما ذُكر إذا أُريد ظلمًا بغير تفصيل" (١). ونقله أيضًا عن ابن المنذر: الشوكاني (٢)، والصنعاني (٣)، والمباركفوري (٤) (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب الأثر والنظر: ١ - فمن الأثر: عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون أهله فهو شهيد" (٦). وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) (٧). • وجه الدلالة من الحديث: لما جعل النبي ﷺ من قاتل دون عرضه شهيدًا دل على أن له القتل والقتال، كما أن من قتله أهل الحرب لما كان شهيدًا كان له القتل والقتال (٨).

стр. 7022

٢ - عن عبيد بن عمير (١) قال: استضاف رجل ناسًا من هذيل، فأرسلوا جارية لهم تحتطب، فأعجبت الضيف، فتبعها، فأرادها على نفسها، فامتنهت، فعاركها ساعة، فانفلتت منه انفلاتة، فرمته بحجر، ففضَّت كبده، فمات، ثم جاءت إلى أهلها فأخبرتهم، فذهب أهلها إلى عمر، فأخبروه، فأرسل عمر فوجد آثارهما، فقال عمر: "قتيل اللَّه لا يؤدى أبدًا" (٢). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أهدر دم من صال على العرض. ٣ - من النظر: لأن العرض لا يباح بحال، فلا يجوز بذله للصائل بأي حال من الأحوال (٣). • المخالفون للإجماع: ثمة قول في مذهب الإمام أحمد بأن من صال على حريمه لا يجب عليه دفعه، حيث قال المرداوي: "يلزمه الدفع عن حرمته على الصحيح من المذهب، نص عليه. . . وقيل: لا يلزمه" (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الحنابلة في المسألة. [٣٠/ ٣] المسألة الثلاثون: مشروعية مدافعة المحاربين على المال . • المراد بالمسألة: لو قطع شخص أو جماعة طريقًا على غيرهم، فلمن اعتدي عليه دفع قاطع الطريق ولو بالقتل، لكن يدفعهم بالأسهل فإن لم يندفع

стр. 7023

المحارب إلا بالقتل فيقتله. وينبه إلى أن الكلام على المسألة هو فيمن تحقق عليه إطلاق لفظ قاطع الطريق، فأما إذا لم يتحقق عليه لفظ قاطع الطريق فالمسألة حينئذ لا ترد في مسألة الباب، ومن ذلك ما لو اعتدي عليه نهارًا في داخل المدينة فعند الحنفية وجماعة أن هذا لا يعد قاطعًا للطريق، وعليه فلو قتله في هذه الصورة فذلك غير مراد في مسألة الباب. كما ينبه إلى أن القاطع إذا أمكن دفعه بغير القتل، لكن المعتدى عليه قتله، فذلك غير مراد في مسألة الباب، وإنما المراد أن الأَولى دفع الصائل بالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله أن يقتله. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "السنة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل قُتل، وإن كان المال الذي يأخذه قيراطًا من دينار" (١). ونص في موضع آخر على المحارب فقال: "القطاع إذا طلبوا مال المعصوم لم يجب عليه أن يعطيهم شيئًا باتفاق الأئمة، بل يدفعهم بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفعوا إلا بالقتال فله أن يقاتلهم، فإن قُتل كان شهيدًا، وإن قَتل واحدًا منهم على هذا الوجه كان دمه هدرًا" (٢). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حكى ابن المنذر عن الشافعي قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار أن يكلِّمه أو يستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل

стр. 7024

العلم أن للرجل أن يدفع عما ذُكر إذا أُريد ظلمًا بغير تفصيل" (١). ونقله أيضًا عن ابن المنذر: الشوكاني (٢)، والصنعاني (٣)، والمباركفوري (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله)، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النار) (٥). ٢ - عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (٦). وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) (٧). • وجه الدلالة من الحديثين: أن المحارب صائل، وقد دل الحديثين أن للإنسان دفع الصائل ولو بمقاتلته، وأنه إن قُتل فهو شهيد. • المخالفون للإجماع: نقل المرداوي في الإنصاف وجهًا أن من قتل الصائل دفاعًا عن ماله فإنه يقتل به (٨).

стр. 7025

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع متحقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الحنابلة في المسألة. [٣١/ ٢] المسألة الحادية والثلاثون: الحرابة لا تكون إلا بالمحدد أو المثقَّل . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف المحدد والمثقل: المحدد: هو ما كان له حد وسِن يخدش الجلد ويجرحه، كسكين ونحوه (١). المثقل: هو ما كان يؤذي بسبب ثقله، كخشب، أو عصا كبيرة (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: لو أقيمت دعوى الحرابة على شخص، فإن من شرط تحقق الحرابة أن يكون في حرابته حاملًا لسلاح محدد أو مثقل. ويتبين من هذا أن السلاح إن كان غير مثقل كعصا صغيرة، أو حجارة صغيرة فذلك غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: أشار ابن تيمية (٧٢٨ هـ) إلى أن ثمة من نقل الإجماع فقال: "حكى بعضهم الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل" (٣). • مستند الإجماع: يدل على المسألة قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا

стр. 7026

وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه أوجب حد الحرابة لمن سعى في الأرض فسادًا، والسعي بالإفساد في الأرض يكون بإخافة المسلمين وقتلهم، وهذا غالبًا لا يكون إلا بحمل سلاح يؤثر في البدن، وهو ما كان محددًا أو مثقلًا. • المخالفون للإجماع: المخالف في المسألة فريقان: أحدهما: من لم يشترط حمل السلاح أصلًا، وبه قال ابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣)، وحكاه المرداوي عن بعض الحنابلة (٤). الثاني: من اشترط حمل السلاح المحدد، أما المثقَّل فلا يقام به على صاحبه حد الحرابة، وهذا القول نسبه ابن تيمية لبعض الفقهاء (٥). وثمة رواية عند الحنفية أن السلاح المثقل إن كان داخل المصر نهارًا، فإنه لا يقام به على صاحبه حد الحرابة، أما إن كان خارج المصر، أو كان داخل المصر ليلًا فتحقق الحرابة سواء كان السلاح محددًا أو مثقلًا (٦). • دليل المخالف: أما عدم اشتراط حمل السلاح أصلًا فيدل عليه ما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من خرج على أمتى، يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذى عهد عهده، فليس مني ولست منه) (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عمَّم الحكم بكل من ضرب البر والفاجر، ولم يقيده بالسلاح أو عدمه (٨).

стр. 7027

٢ - أن الإفساد حاصل بكل نوع من أنواع القتل والسلب، وكما أن من قاتل المسلمين من الكفار بأي نوع كان من أنواع القتال فهو حربي، ومن قاتل الكفار من المسلمين بسيف، أو رمح، أو سمهم، أو حجارة، أو عصي، فهو مجاهد في سبيل اللَّه، فكذا المحارب إذا قاتل بأي نوع من السلاح فهو محارب عليه حد الحرابة (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لخلاف ابن حزم، وابن تيمية، والحنفية في رواية، وجماعة من الفقهاء. بل نسب ابن تيمية القول بعدم اشتراط حمل السلاح للجمهور، فقال: "ولو حاربوا بالعصي والحجارة المقذوفة بالأيدي، أو المقاليع ونحوها، فهم محاربون أيضًا، وقد حكي عن بعض الفقهاء لا محاربة إلا بالمحدد، وحكى بعضهم الإجماع على أن المحاربة تكون بالمحدد والمثقل، وسواء كان فيه خلاف أو لم يكن، فالصواب الذي عليه جماهير المسلمين: أن من قاتل على أخذ المال بأي نوع كان من أنواع القتال فهو محارب قاطع" (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [٣٢/ ٢] المسألة الثانية والثلاثون: من قُتل من المحاربين كان دمه هدرًا . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الهدر: قال ابن فارس: "الهاء والدال والراء يدلُّ على سقوطِ شيء وإسقاطه، وعلى جنسٍ من الصَّوت، وهَدَرَ السُّلطانُ دمَ فلانٍ هَدْرًا: أباحَه، وبنو فلان هَدَرَةٌ: أي ساقطون" (٣). وقال الأزهري: "الهدْر: ما يبطل، تقول: هدَر دمه يهدِر هَدَارًا، وأهدرْته أنا إهدارًا" (٤). وهذا المعنى اللغوي هو المراد به في المعنى الاصطلاحي؛ إذ المراد بالهدر في المسألة أن دم المحارب مباح، والدية فيه ساقطة لا شيء فيها.

стр. 7028

• ثانيًا: صورة المسألة: إذا صال قطاع الطريق المكلَّف على شخص ولم يستطع الدفع إلا بالقتل، فإن دم القاطع الطريق حال الحرابة هدر، لا قود فيه ولا دية. ويتبين مما سبق أنه الصائل لو كان غير مكلَّف، أو كان مكلفًا لكن قتْله كان بعد فعل الحرابة أو قبلها، فكل ذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ): "لا نعلم خلافًا أن رجلًا لو شهر سيفه على رجل ليقتله بغير حق أن على المسلمين قتله" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أجمع المسلمون على جواز مقاتلة قطاع الطريق. . . فالقطاع إذا طلبوا مال المعصوم لم يجب عليه أن يعطيهم شيئًا باتفاق الأئمة، بل يدفعهم بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفعوا إلا بالقتال فله أن يقاتلهم، فإن قتل كان شهيدًا، وإن قتل واحدًا منهم على هذا الوجه كان دمه هدرًا، وكذلك إذا طلبوا دمه كان له أن يدفعهم ولو بالقتل إجماعًا" (٢). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "الإجماع على أن من شهر على آخر سلاحًا لقتله فدفع عن نفسه، فقتل الشاهر أنه لا شيء عليه" (٣). • مستند الإجماع: يدل على إهدار دم المحارب الصائل على النفس والعرض: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أَرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله)، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النار) (٤). ٢ - عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله

стр. 7029

فهو شهيد" (١). وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) (٢). • وجه الدلالة من الحديثين: أن المحارب صائل، وقد دل الحديثين أن للإنسان دفع الصائل ولو بمقاتلته، وأنه إن قُتل فهو شهيد. ٣ - عن عبد اللَّه بن الزبير ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من شهر سيفه ثم وضعه فدمه هدر) (٣). ٤ - عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا) (٤). • وجه الدلالة من الحديثين: فيه تصريح النبي ﷺ بأن حمل السلاح فإنه ليس من فعل المسلمين، وأن دمه هدر.

стр. 7030

٥ - عن عبيد بن عمير قال: استضاف رجل ناسًا من هذيل، فأرسلوا جارية لهم تحتطب، فأعجبت الضيف، فتبعها، فأرادها على نفسها، فامتنعت، فعاركها ساعة، فانفلتت منه انفلاتة، فرمته بحجر، ففضَّت كبده، فمات، ثم جاءت إلى أهلها فأخبرتهم، فذهب أهلها إلى عمر، فأخبروه، فأرسل عمر فوجد آثارهما، فقال عمر: "قتيل اللَّه لا يؤدى أبدًا" (١). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أهدر دم الصائل، والمحارب فعله أشد من الصائل. • المخالفون للإجماع: نقل المرداوي وجهًا عند الحنابلة أن من قتل الصائل دفاعًا عن ماله فإنه يقتل به، وإن قتله دفاعًا عن نفسه فلا يقتل به (٢). النتيجة: يظهر لي واللَّه أعلم أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الحنابلة في المسألة. [٣٣/ ٢] المسألة الثالثة والثلاثون: المحارب المقدور عليه يقام عليه حد الحرابة سواء قُدر عليه قبل تمام الحرب أو بعدها . • المراد بالمسألة: إذا حارب شخص أو جماعة، وقدر الإمام عليهم قبل توبتهم، فإن الإمام يقيم عليهم حد الحرابة، سواء انتهت الحرابة أو ما زالت قائمة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "المحارب المقدور عليه يقتل إن رأى الإمام ذلك قبل تمام الحرب وبعدها بلا خلاف في أن حكمه في كلا الأمرين سواء" (٣).

стр. 7031

• مستند الإجماع: يدل على المسألة قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب على المحاربين حد الحرابة، ولم يسقطه إلا عن الذين تابوا قبل القدرة عليهم، أما من قدر عليه قبل التوبة فبقي على الأصل من وجوب إقامة الحد، سواء انتهت الحرابة أم كانت لا تزال قائمة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٤/ ٢] المسألة الرابعة والثلاثون: قاطع الطريق إذا قتل لأجل المال فإنه يتحتم قتله . • المراد بالمسألة: لو كان قاطع الطريق قتل في محاربته مسلمًا أو معاهدًا لأجل أخذ ما معه، وكان قاطع الطريق ممن تطبق عليه حكم الحرابة، والمقتول مكافئًا له، وليس بينه وبين القتيل عداوة، فإنه يقتل حدًا، وليس للإمام أو أولياء المقتول العفو. ويتبين مما سبق أن قاطع الطريق لو كان ممن لا ينطبق عليه حكم الحرابة كالحربي، أو الباغي، أو كان قتل في حرابته غير مسلم أو معاهد، أو قتل من ليس مكافئًا له كأن يكون المحارب حرًا ويقتل عبدًا، أو لم يقتله لأجل ماله، بل لعداوة بينهما، أو كان قتله في حرابته غيلة، فكل ذلك ليس داخلًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق الفقهاء على أن قاطع الطريق لأخذ المال يقتل حتمًا، وقتله حد للَّه، وليس قتله مفوضًا

стр. 7032

إلى أولياء المقتول" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأمرين: ١ - أن المحارب لم يقتل المصول عليه لغرض خاص معه، وإنما قتله لأجل المال، فلا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره، فلذا كان قتله مصلحة عامة، توجب على الإمام إقامته (٢). ٢ - أن قتل المحارب الذي قتل من باب الحدود التي لا تسقط بالعفو. • المخالفون للإجماع: سبق في مسألة المحارب الذي قتل في حرابته أن حده القتل حدًا، ولا يصح العفو عنه، وأن ثمة من خالف في ذلك، حيث نقل ابن قدامة عن طائفة من السلف أن الإمام مخير في حد الحرابة فلا يتحتم القتل على الإمام وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، وأبي ثور، وداود (٣). وسبق أيضا مذهب الظاهرية أن لأولياء الدم العفو في حد الحرابة، ونسب ابن حزم هذا القول لأبي حنفية والشافعي (٤). ولم يأت عن أحد من هؤلاء التفصيل بين ما إذا كان القتل لأجل المال أو لا، فقياس قولهم العموم في مسألة الباب. • دليل المخالف: أما من ذهب إلى إن الإمام مخير لا يتحتم عليه القتل فاستدلوا بما يلي:

стр. 7033

١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن آية الحرابة جاءت بلفظ "أو" والأصل أن "أو" تأتي للتخيير، لا للترتيب، وقد ورد عن عباس ﵁ أنه قال: "كل شيء في القرآن " أو، أو" فهو مخير" (٢). ٢ - عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .﴾ الآية (٣). قال: من شَهَر السلاح في قُبّة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظُفِر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجلَه (٤). ٣ - استدل ابن حزم لمن قال بجواز عفو أولياء دم من قتل حرابة بعموم ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال لما فتح اللَّه على رسول اللَّه ﷺ مكة قام في الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: (إن اللَّه حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسولها والمؤمنين، وإنها لن تحل لأحد كان

стр. 7034

قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وانها لن تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلي شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدى، وإما أن يقتل) (١)، ومعلوم أن الفداء لا يكون إلا بعد العفو. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، وأبي ثور، وداود، وغيرهم. [٣٥/ ٢] المسألة الخامسة والثلاثون: المرتد إذا حارب اللَّه ورسوله ﷺ وسعى في الأرض فسادًا فإن حد الحرابة يطبق عليه . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا كان مسلمًا ثم ارتد، أو كان من أهل الذمة، وثبتت عليه حد الحرابة، فيقام عليه الحد كالمسلم. ويتبين مما سبق أن غير المرتد، غير داخل في مسألة الباب، كالحربي، والمعاهد، والمستأمن ونحوهم. • من نقل الإجماع: قال ابن جرير (٣١٠ هـ) بعد نقله لأقوال أهل العلم في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (٢): "وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القُدرة عليه، تضع عنه تَبِعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حربه وحرابته، من حدود اللَّه، وغرم لازم، وقود وقصاص، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه، فيرد على أهله؛ لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة للَّه

стр. 7035

ولرسوله، الساعية في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام، فكذلك حكم كل ممتنع سعى في الأرض فسادًا، جماعة كانوا أو واحدًا" (١). • مستند الإجماع: أما المرتد فدليله حديث العرنيين، كما في الصحيحين، واللفظ لمسلم عن أنس بن مالك ﵁: "أن ناسًا من عرينة قدموا على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فاجتووها، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : (إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها)، ففعلوا، فصحوا، ثم مالوا على الرعاة، فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول اللَّه ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا" (٢). فإن نزول آية الحرابة كانت بسببهم، وهم قوم ارتدوا بعد إسلامهم كما هو ظاهر الرواية. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7036

الفصل الرابع مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد قطاع الطريق [٣٦/ ٢] المسألة السادسة والثلاثون: إن أخاف المحارب السبيل فقط، لم يكن عليه عقاب غير النفي . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف النفي: النفي لغة: قال الزبيدي: "نفاه، ينفيه، نفيًا: نحَّاه وطرده وأبعده" (١). النفي اصطلاحًا: اختلف الفقهاء في المراد بالنفي في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، وبناءً عليه وقع الخلاف في المراد بنفي المحارب على أقوال: القول الأول: أن يُحبس في السِّجن، في البلد الذي وقعت فيه الحرابة، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول عند المالكية (٤)، ورواية عن أحمد (٥). وقد استدل له السرخسي بقوله: "لأنه إما أن يكون المراد نفيه من جميع الأرض، وذلك لا يتحقق ما دام حيًا، أو المراد نفيه من بلدته إلى بلدة أخرى، وبه لا يحصل المقصود، وهو دفع أذيَّته عن الناس، أو يكون المراد نفيه عن دار الإسلام إلى دار الحرب، وفيه تعريض له على الردة، فعرفنا أن المراد نفيه من جميع الأرض إلى موضع حبسه، فإن المحبوس يسمى خارجًا من الدنيا" (٦). القول الثاني: أن يُنفى إلى بلد آخر ويُحبس فيها، وهو قول المالكية (٧)،

стр. 7037

واختاره ابن جرير (١). واستدلوا له بأن المفهوم من النفي إذا أُطلق هو الإخراج من البلد، لكنَّ هذا النفي لا يمكن أن يكون من جميع الأرض إلا بسجنه في الأرض التي نُفي إليها (٢). القول الثالث: هو أن يعزره الإمام بما يراه مناسبًا في ردعه، من سجن أو غيره، وهو مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا عليه بأن هؤلاء ارتكبوا معصية لا حد فيها ولا كفارة (٥). القول الرابع: هو أن يشرَّدوا فلا يُتركون يأوون في أي بلد، حتى تظهر منهم التوبة، وهو مذهب الحنابلة (٦)، والظاهرية (٧)، ومروي عن الحسن والزهري (٨). واستدلوا بظاهر الآية، فإن النفي هو الطرد والإبعاد، . ولا يتم نفيه من جميع الأرض إلا تشريده وكون نفيه إلى غير مكان معيَّن (٩). القول الخامس: هو أن يُطلب أبدًا في كل مكان، حتى يُؤخذ فيقام عليه الحد، فيكون دمه هدر، لا يُطالب قاتله بالدم، وهو قول الشافعي (١٠)، ورواية عن أحمد (١١)، وري عن ابن عباس وأنس بن مالك، والحسن، وقتادة، والزهري، والضحاك (١٢).

стр. 7038

القول السادس: المراد بالنفي هو إبعادهم من بلد الإسلام إلى بلد الشرك، وهو قول أنس بن مالك، وري عن الحسن وقتادة، والزهري (١). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص، وكان المحارب لم يقتل، ولم يأخذ مالًا، وإنما أخاف الناس، فالواجب على الإمام نفيه، وليس له قتله، أو صلبه، أو قطع يده ورجله من خلاف. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وإن أخاف السبيل فقط لم يكن عليه غير النفي، وروي هذا أيضًا عن بن عباس، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وهو قول أبي مجالد (٢)، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وهو قول أهل العلم" (٣). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن "أو" في آية الحرابة للتفصيل، فإن قَتل قُتل، وإن أخذ المال قُتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط لم يكن عليه غير النفي، فقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هي لمن أخاف السبيل فقط، دون أن يقتل أو يأخذ المال (٤). عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٥)، قال: "إذا حارب الرجل وقتل وأخذ المال فطعت يده ورجله

стр. 7039

من خلاف، وصلب، وإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال نُفي" (١). • المخالفون للإجماع: خالف المالكية في مسألة الباب فذهبوا إلى أن من أخاف السّبيل فقط فالإمام مخيّر بين قتله، أو صلبه، أو قطعه، أو نفيه، وذلك باعتبار المصلحة، وقد جاء في المدونة: "قال مالك: وإن هو خرج وأخاف السبيل وعلا أمره ولم يأخذ المال، فإن الإمام مخير إن شاء قتله وإن شاء قطع يده ورجله" (٢). وكذا قياس قول من ذهب إلى أن حد الحرابة على التخيير كما هو منقول عن سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، وأبي ثور، وداود، فإن النفي لا يكون لازمًا في مسألة الباب. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لخلاف المالكية في المسألة. [٣٧/ ٣] المسألة السابعة والثلاثون: الحربي إذا أسلم لا يضمن ما فعل في حال كفره من قتل أو إتلاف . • المراد بالمسألة: أولا: تعريف الحربي: الحرب في اللغة نقيض السلم (٣). والحربي في اصطلاح الفقهاء هو من بيننا وبين بلاده حرب. وكل من حارب المسلمين من الكفار، بأي نوع من أنواع القتال فهو حربي (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص أو جماعة، وكان

стр. 7040

المحارب فعل حرابته أثناء كونه كافرًا حربيًا، ثم تاب وأسلم، فإنه لا يؤحذ بما فعل حال كفره من حقوق اللَّه، ولا من حقوق بني آدم مما قد أتلفه. ويتبين من هذا أن المسلم، أو الكافر غير الحربي، كأهل الذمة، والمرتد، والمعاهد، والمستأمن، وغيرهم، غير داخلين في مسألة الباب. وكذا ينبه إلى أن ما بقي في يد الحربي بعد ما أسلم ولم يتلف فإنه غير داخل في مسألة الباب. وكذا مسألة الباب خاصة بما أتلفه الحربي من مال المسلم، أما لو أتلف الحربي مال حربي ثم أسلم فضمان ما أتلفه غير مراد. • من نقل الإجماع: قال إسماعيل بن إسحاق (٢٨٢ هـ) (١): "لا أعلم خلافًا بين العلماء في مشركين لو ظهر عليهم وقد قتلوا وأخذوا الأموال فلما صاروا في أيدي المسلمين وهم على حالهم تلك أسلموا قبل أن يحكم عليهم بشيء أنهم لا يحل قتلهم"، نقله عنه ابن بطال (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وقد صح النص والإجماع بإسقاطه، وهو ما أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط، فهذا خارج بفعل رسول اللَّه ﷺ في كل من أسلم منهم، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم من قتل، أو زنى، أو قذف، أو شرب خمر، أو سرقة، وصح الإجماع بذلك" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمع علماء المسلمين على أن الكفار
следующие страницы →