← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

الفصل الرابع مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد قطاع الطريق [٣٦/ ٢] المسألة السادسة والثلاثون: إن أخاف المحارب السبيل فقط، لم يكن عليه عقاب غير النفي . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف النفي: النفي لغة: قال الزبيدي: "نفاه، ينفيه، نفيًا: نحَّاه وطرده وأبعده" (١). النفي اصطلاحًا: اختلف الفقهاء في المراد بالنفي في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢)، وبناءً عليه وقع الخلاف في المراد بنفي المحارب على أقوال: القول الأول: أن يُحبس في السِّجن، في البلد الذي وقعت فيه الحرابة، وهو مذهب الحنفية (٣)، وقول عند المالكية (٤)، ورواية عن أحمد (٥). وقد استدل له السرخسي بقوله: "لأنه إما أن يكون المراد نفيه من جميع الأرض، وذلك لا يتحقق ما دام حيًا، أو المراد نفيه من بلدته إلى بلدة أخرى، وبه لا يحصل المقصود، وهو دفع أذيَّته عن الناس، أو يكون المراد نفيه عن دار الإسلام إلى دار الحرب، وفيه تعريض له على الردة، فعرفنا أن المراد نفيه من جميع الأرض إلى موضع حبسه، فإن المحبوس يسمى خارجًا من الدنيا" (٦). القول الثاني: أن يُنفى إلى بلد آخر ويُحبس فيها، وهو قول المالكية (٧)،

стр. 7037

واختاره ابن جرير (١). واستدلوا له بأن المفهوم من النفي إذا أُطلق هو الإخراج من البلد، لكنَّ هذا النفي لا يمكن أن يكون من جميع الأرض إلا بسجنه في الأرض التي نُفي إليها (٢). القول الثالث: هو أن يعزره الإمام بما يراه مناسبًا في ردعه، من سجن أو غيره، وهو مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا عليه بأن هؤلاء ارتكبوا معصية لا حد فيها ولا كفارة (٥). القول الرابع: هو أن يشرَّدوا فلا يُتركون يأوون في أي بلد، حتى تظهر منهم التوبة، وهو مذهب الحنابلة (٦)، والظاهرية (٧)، ومروي عن الحسن والزهري (٨). واستدلوا بظاهر الآية، فإن النفي هو الطرد والإبعاد، . ولا يتم نفيه من جميع الأرض إلا تشريده وكون نفيه إلى غير مكان معيَّن (٩). القول الخامس: هو أن يُطلب أبدًا في كل مكان، حتى يُؤخذ فيقام عليه الحد، فيكون دمه هدر، لا يُطالب قاتله بالدم، وهو قول الشافعي (١٠)، ورواية عن أحمد (١١)، وري عن ابن عباس وأنس بن مالك، والحسن، وقتادة، والزهري، والضحاك (١٢).

стр. 7038

القول السادس: المراد بالنفي هو إبعادهم من بلد الإسلام إلى بلد الشرك، وهو قول أنس بن مالك، وري عن الحسن وقتادة، والزهري (١). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص، وكان المحارب لم يقتل، ولم يأخذ مالًا، وإنما أخاف الناس، فالواجب على الإمام نفيه، وليس له قتله، أو صلبه، أو قطع يده ورجله من خلاف. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وإن أخاف السبيل فقط لم يكن عليه غير النفي، وروي هذا أيضًا عن بن عباس، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وهو قول أبي مجالد (٢)، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وهو قول أهل العلم" (٣). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن "أو" في آية الحرابة للتفصيل، فإن قَتل قُتل، وإن أخذ المال قُتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإن أخاف السبيل فقط لم يكن عليه غير النفي، فقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هي لمن أخاف السبيل فقط، دون أن يقتل أو يأخذ المال (٤). عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٥)، قال: "إذا حارب الرجل وقتل وأخذ المال فطعت يده ورجله

стр. 7039

من خلاف، وصلب، وإذا قتل ولم يأخذ المال قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ المال نُفي" (١). • المخالفون للإجماع: خالف المالكية في مسألة الباب فذهبوا إلى أن من أخاف السّبيل فقط فالإمام مخيّر بين قتله، أو صلبه، أو قطعه، أو نفيه، وذلك باعتبار المصلحة، وقد جاء في المدونة: "قال مالك: وإن هو خرج وأخاف السبيل وعلا أمره ولم يأخذ المال، فإن الإمام مخير إن شاء قتله وإن شاء قطع يده ورجله" (٢). وكذا قياس قول من ذهب إلى أن حد الحرابة على التخيير كما هو منقول عن سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبي الزناد، وأبي ثور، وداود، فإن النفي لا يكون لازمًا في مسألة الباب. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لخلاف المالكية في المسألة. [٣٧/ ٣] المسألة السابعة والثلاثون: الحربي إذا أسلم لا يضمن ما فعل في حال كفره من قتل أو إتلاف . • المراد بالمسألة: أولا: تعريف الحربي: الحرب في اللغة نقيض السلم (٣). والحربي في اصطلاح الفقهاء هو من بيننا وبين بلاده حرب. وكل من حارب المسلمين من الكفار، بأي نوع من أنواع القتال فهو حربي (٤). • ثانيًا: صورة المسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص أو جماعة، وكان

стр. 7040

المحارب فعل حرابته أثناء كونه كافرًا حربيًا، ثم تاب وأسلم، فإنه لا يؤحذ بما فعل حال كفره من حقوق اللَّه، ولا من حقوق بني آدم مما قد أتلفه. ويتبين من هذا أن المسلم، أو الكافر غير الحربي، كأهل الذمة، والمرتد، والمعاهد، والمستأمن، وغيرهم، غير داخلين في مسألة الباب. وكذا ينبه إلى أن ما بقي في يد الحربي بعد ما أسلم ولم يتلف فإنه غير داخل في مسألة الباب. وكذا مسألة الباب خاصة بما أتلفه الحربي من مال المسلم، أما لو أتلف الحربي مال حربي ثم أسلم فضمان ما أتلفه غير مراد. • من نقل الإجماع: قال إسماعيل بن إسحاق (٢٨٢ هـ) (١): "لا أعلم خلافًا بين العلماء في مشركين لو ظهر عليهم وقد قتلوا وأخذوا الأموال فلما صاروا في أيدي المسلمين وهم على حالهم تلك أسلموا قبل أن يحكم عليهم بشيء أنهم لا يحل قتلهم"، نقله عنه ابن بطال (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وقد صح النص والإجماع بإسقاطه، وهو ما أصابه أهل الكفر ما داموا في دار الحرب قبل أن يتذمموا أو يسلموا فقط، فهذا خارج بفعل رسول اللَّه ﷺ في كل من أسلم منهم، فلم يؤاخذهم بشيء مما سلف لهم من قتل، أو زنى، أو قذف، أو شرب خمر، أو سرقة، وصح الإجماع بذلك" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وقد أجمع علماء المسلمين على أن الكفار

стр. 7041

إذا انتهوا وتابوا من كفرهم غفر لهم كل ما سلف، وسقط عنهم كل ما كان لزمهم في حال الكفر، من حقوق اللَّه وحقوق المسلمين قبل أن يقدروا عليهم، وبعد أن يقدروا عليهم ويصيروا في أيدي المسلمين فلا يحل قتلهم بإجماع المسلمين، ولا يؤخذ بشيء جنوه في مال أو دم، فدل ذلك على أن الآية تنزل في أهل الشرك والكفر" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا أعلم خلافًا في أن الكافر الحربي، إذا أسلم، أو دخل إلينا بأمان، بعد أن استولى على مال مسلم فأتلفه، أنه لا يلزمه ضمانه" (٢). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا أعلم خلافًا في أن الكافر الحربي إذا أسلم أو دخل إلينا بأمان بعد أن استولى على مال مسلم فأتلفه أنه لا يلزمه ضمانه" (٤). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "أما الحربي الكافر فلا يؤخذ بشيء في كفره إجماعًا" (٥). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ): "أما الحربي الكافر فلا يؤخذ بشيء في كفره إجماعًا" (٦). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم على المسألة بعموم قول اللَّه : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ (٧).

стр. 7042

قال البغوي في تفسير الآية: "فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال" (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7043

الفصل الخامس مسائل الإجماع في مسقطات حد قطاع الطريق [٣٨/ ٢] المسألة الثامنة والثلاثون: سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا أو جماعة من المحاربين تابوا قبل القدرة عليهم، فإن حد الحرابة يسقط عنهم، بتوبتهم. ويتبين من ذلك أن حق الآدمي غير مراد في مسألة الباب، وكذا حق اللَّه فيما لو تاب بعد القدرة عليهم، كمن زنى أو سرق أو شرب خمرًا، فإن إسقاط الحد عنه أو عدمه في هذه الأشياء إن تاب قبل القدرة عليه غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "صح النص من القرآن وصح الإجماع بأن حد المحاربة تسقطه التوبة قبل القدرة عليهم" (١). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا أن من تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق اللَّه تعالى إلا أن أبا إسحاق ذكر في التنبيه عن الشافعي أن في سقط قطع اليد عن قاطع الطريق قولين، أحدهما: يسقط قطع اليد عنه كغيره مما يسقط عنه، والقول الآخر: لا يسقط قطع اليد خاصة عنه" (٢). وقال القرافي (٦٨٤ هـ): "الحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح إلا الحرابة والكفر فإنهما يسقط حدهما بالتوبة إجماعًا" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "إن تاب من الزنا، والسرقة، أو شرب الخمر قبل أن يرفع إلى الإمام فالصحيح أن الحد يسقط عنه، كما يسقط عن المحاربين بالإجماع إذا تابوا قبل القدرة" (٤). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمسألة الباب بنص قول اللَّه

стр. 7044

في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (١). • المخالفون للإجماع: ثمة وجه عند الشافعية أن المحارب إن أخذ المال في حرابته ثم تاب قبل القدرة فإنه يسقط عنه حد الحرابة المختص بالقتل أو القتل والصلب أو قطع الرجل، أما قطع اليد فإنه لا يسقط، قياسًا على السارق فيما لو تاب قبل القدرة عليه (٢). وأشار ابن حزم إلى الخلاف في المسألة دون ذِكر الخلاف حيث قال في معرض كلامه على المحاربين: "وَاخْتلفُوا فيم تاب قبل أَن يظفر به، أيسقط عنه الحد أم لا" (٣). وقد سبق أن ثمة خلافًا في المحارب هل هو خاص بالمشرك، أو هو في المسلم، فإن جماعة من السلف يرون أن المحارب لا يكون إلا من أهل الشرك، وعليه فيرون أن المسلم إذا حارب ثم تاب قبل القدرة عليه فإن التوبة لا تسقط الحد عنه، وقد سبق بيان ذلك في المسألة العاشرة من مسائل قطاع الطريق. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم. [٣٩/ ٢] المسألة التاسعة والثلاثون: حد الحرابة لا يقبل الفداء . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الحرابة على شخص أو جماعة فواجب على الإمام أن يقيم عليهم حد الحرابة، ولا يصح أن يقبل منهم فداء من مال أو غيره لإسقاط حد الحرابة عنهم. وبه يتبين أن هذا الفداء لو كان لولي المقتول في الحرابة فذلك غير مراد في

стр. 7045

مسألة الباب؛ لأنه سبق أن ثمة من ذهب إلى أن الحرابة لولي المقتول له فيها أن يعفو. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ، أو غيره، لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق، والشارب، والمحارب، وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد، مال سحت خبيث" (١). وكلام شيخ الإسلام وإن كان ظاهره العموم سواء كان آخذ المال ولي المقتول أو الإمام، لا سيِّما وأنه قد نقل الاتفاق قبل ذلك أنه ليس لولي المقتول بالحرابة العفو، لكن صرفتُه عن ظاهره وجعلتُه خاصًا بالإمام أو نائبه، لتخرج مسألة الخلاف المذكور في ولي المقتول، ويستقيم كلام ابن تيمية ﵀. وقال الحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ): "الحد لا يقبل الفداء، وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر" (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ (٣). • وجه الدلالة: الآية تدل على أن الحرابة لحد للَّه ، وقد تقرر أن من الأمور المجمع عليها أن الحدود لا تسقط إذا بلغت الإمام، كما سبق بيانه في كتاب السرقة (٤).

стр. 7046

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7047

الباب الثالث مسائل الإجماع في باب حد البغي وفيه: تمهيد، وخمسة فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع العامة في حد البغي. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في ضابط البغاة. الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يوجب حد البغاة. الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد البغاة. الفصل الخامس: مسائل الإجماع فيما يسقط حد البغاة.

стр. 7048

التمهيد المبحث الأول: تعريف البغي لغةً واصطلاحًا: • أولًا: تعريف البغي لغةً: يطلق البغي في اللغة على معان عدة منها: ١ - الطلب: ومنه: بَغَيْتُ الشيء أبْغِيه إذا طلبتَه، وأكثر ما يستعمل في معنى الطلب لفظ: "ابتغى"، لا بغى (١). ٢ - الظلم والاعتداء، ويُقال: بَغَى على الناس بَغْيًا: أي ظلم واعتدى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (٢). ٣ - الفساد والمعصية: يُقال: برئ الجرح على بغي إذا التأم على فساد (٣)، ويمكن أن يدخل هذا المعنى في الآية السابقة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٤). ٤ - المرأة الفاجرة بالزنا: ومنه قوله تعالى ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ (٥). ٥ - الكِبْر، وتفخيم الكلام، والتشادق فيه (٦). ٦ - الحسد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٧).

стр. 7049

٧ - الخروج على الإمام، ومنه قول النبي ﷺ لعمار ﵁: (تقتلك الفئة الباغية) (١). وحاصل هذه المعاني -غير المعنى الأول- ترجع إلى معنى الفساد كما ذكره ابن فارس، أو مجاوزة الحد. وجميع هذه المعان السابقة ترجع إلى معنيين أحدهما: طلب الشيء، والثاني: مجاوزة الحد. وقد بيَّن ذلك أهل اللغة فقال ابن فارس: "الباء والغين والياء أصلان: أحدهما: طَلَب الشيء، والثاني: جنسٌ من الفَساد" (٢)، وقال ابن الأثر: "أصل البغي مجاوزة الحد" (٣). • ثانيًا: تعريف البغي اصطلاحًا: اختلفت عبارات أهل العلم في ضابط البغاة على أقوال: فعند الحنفية: قال ابن عابدين (٤): "هم الخارجون عن الإمام بغير حق" (٥). وعند المالكية: قال ابن عرفة: "البغي: الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة، ولو تأول" (٦). وعند الشافعية: قال النووي: "هم مخالفوا الإمام بخروج عليه، وترك الانقياد، أو منع حق توجه عليهم، بشرط شوكة لهم، وتأويل، ومطاع فيهم" (٧).

стр. 7050

وعند الحنابلة: قال البهوتي: "هم الخارجون على الإمام، ولو غير عدل، بتأويل سائغ، ولهم شوكة، ولو لم يكن فيهم مطاع" (١). ويتحصل مما سبق أن ثمة أمورًا تتفق عليها الأقوال السابقة في ضابط البغاة، وهي أنهم قوم لهم شوكة، خرجوا عن الإمام بتأويل سائغ، ولذا قال القرافي: "البغاة هم الذين يخرجون على الإمام، يبغون خلعه، أو منع الدخول في طاعته، أو تبغي منع حق واجب، بتأويل في ذلك كله، وقاله الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ﵃، وما علمتُ في ذلك خلافًا" (٢). ويمكن أن نَخلُص إلى تعريف جامع للبغاة في الاصطلاح بأن يقال: "هم قوم لهم شوكة خرجوا على الإمام بتأويل سائغ". ومن خلال هذا التعريف يمكن أن نخرج بفوائد منها: أولًا: أن من لم يكن لهم تأويل سائغ، أو كانوا جمعًا يسيرًا لا شوكة لهم، فهم محاربون لا بغاة. ثانيًا: أن البغاة يتفقون مع المحاربين في أنهم يخرجون على الإمام، إلا أنهم يختلفون عنهم في أمرين: ١ - أن البغاة لهم تأويل سائغ، أي شبهة قوية، وأما المحاربون فهم يخرجون بقصد الإفساد، وليس لهم شبهة، أو لهم شبهة ولكنها واهية. ٢ - أن البغاة لهم شوكة، أي قوة ومنعة كالجيش، وأما المحاربون فلا شوكة لهم، ولهذا يتخفُّون في أوساط الناس وليس لهم مكان معروف يتحصنون به. • تنبيه: عرَّف بعض الفقهاء البغاة بأنهم الخوارج، منهم الكاساني حيث قال: "البغاة: هم الخوارج، وهم قوم من رأيهم أن كل ذنب كفر، كبيرة كانت

стр. 7051

أو صغيرة، يخرجون على إمام أهل العدل، ويستحلون القتال والدماء والأموال بهذا التأويل، ولهم منعة وقوة" (١). وهذا القول تعقَّبه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "أما قول القائل: إن الأئمة اجتمعت على أن لا فرق بينهما -أي البغاة والخوارج- إلا في الاسم، فدعوى باطلة، ومدعيها مجازف، فإن نفي الفرق إنما هو قول طائفة من أهل العلم من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، مثل كثير من المصنفين في قتال أهل البغي فإنهم قد يجعلون قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، وقتال علي الخوارج، وقتاله لأهل الجمل وصفين، إلى غير ذلك من قتال المنتسبين إلى الإسلام من باب قتال أهل البغي، ثم مع ذلك فهم متفقون على أن مثل طلحة والزبير ونحوهما من الصحابة من أهل العدالة؛ لا يجوز أن يحكم عليهم بكفر ولا فسق؛ بل مجتهدون: إما مصيبون، وإما مخطئون، وذنوبهم مغفورة لهم، ويطلقون القول بأن البغاة ليسوا فساقًا، فإذا جعل هؤلاء وأولئك سواء لزم أن تكون الخوارج وسائر من يقاتلهم من أهل الاجتهاد الباقين على العدالة سواء؛ ولهذا قال طائفة بفسق البغاة، ولكن أهل السنة متفقون على عدالة الصحابة، وأما جمهور أهل العلم فيفرقون بين "الخوارج المارقين" وبين "أهل الجمل وصفين" وغير أهل الجمل وصفين، ممن يعد من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم: من أصحاب مالك، وأحمد، والشافعي، وغيرهم" (٢).

стр. 7052

المبحث الثاني الأصل في مشروعية حد البغاة • الأصل في مشروعية حد البغاة الكتاب، والأثر، والإجماع: • أولًا: من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (١). • ثانيًا: من الأثر: فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فإن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ واسْتُخْلِف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قال لا إله إلا اللَّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على اللَّه)؟ فقال أبو بكر: واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: "فواللَّه ما هو إلا أن رأيت اللَّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق" (٢) (٣). وكذا علي ﵁ قاتل

стр. 7053

أهل الجمل (١)، وصفين (٢). • ثالثًا: الإجماع: أجمع العلماء على مشروعية قتال البغاة، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر (٣)، والموفق ابن قدامة (٤)، وبهاء الدين المقدسي (٥)، والنووي (٦)، وشمس الدين ابن قدامة (٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 7054

المبحث الثالث ماهية الحد الواجب بالبغي من الأصول المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة وجوب السمع والطاعة لولي أمر المسلمين بالمعروف، إذ لا تجتمع الكلمة، ولا تتحقق المصالح العامة إلا بذلك، بل إن كثيرًا من الشعائر الإسلامية لا تؤدى إلا بإذن إمام المسلمين، كالجهاد، إقامة الحدود، ونصب القضاة وغير ذلك، وفي الخروج على الإمام مفاسد عظيمة في هلاك النفس والمال، ومن مقاصد الشريعة حفظ هذين الأمرين، لذا حرم الإسلام الخروج على الإمام، وأوجب على المسلمين قتالهم، ودفع شرِّهم، فإذا خرج جماعةٌ على إمام المسلمين فيجب على الإمام أولًا مراسلتهم، وإزالة شبههم، وما يدعون من المظالم، فإذا ذكروا مظلمةً أزالها، وإن ذكروا شبهةً كشفها؛ لأن ذلك وسيلة إلى الصلح المأمور به في الآية. فإن رجعوا وإلا لزمه قتالهم؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (١). ويجب، على رعية الإمام معونته، فإذا ترك البغاة القتال حرُم قتلهم، وقتْل مدبرهم وجريحهم؛ لأن المقصود قتالهم لا قتلهم، ولا يغنم مالهم ولا تسبى ذراريهم، ويجب رد ذلك إليهم؛ لأن أموالهم كأموال غيرهم من المسلمين، وإنما أبيح قتالهم لردهم إلى الطاعة، ويغسل قتلاهم، ويصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون، كما سيأتي بيان ذلك مفصلًا بأدلته (٢).

стр. 7055

ومما سبق يتبين أن قتال البغاة يختلف عن بقية الحدود من جهة أنه لا يعد عقوبة بالمعنى المألوف للعقوبة التي توقع على الأفراد، وإنما هو من باب دفع الصائل، فيعمل الإمام على دفع شرهم بالأسهل فالأسهل، فمتى اندفع شرهم بالموعظة لم يجز قتالهم، وهكذا.

стр. 7056

الفصل الأول مسائل الإجماع العامة في حد البغي [١/ ٣] المسألة الأولى: الخوارج مع ضلالهم فرقة من المسلمين، تجوز مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام . • المراد بالمسألة: الكلام في مسألة الباب على الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁، وقالوا بكفر مرتكب الكبيرة، فإنهم مع ضلالهم في الخروج على علي ﵁ واستباحتهم لدماء المسلمين، وتكفيرهم إياهم، إلا أنهم مع ذلك لم يخرجوا من دائرة الإسلام، فدماؤهم فأموالهم وأعراضهم معصومة، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وتجوز مناكحتهم (أي تزويجهم أو الزواج منهم)، وأكل ذبائحهم، وكذا كل من سلك نهجهم ممن بعدهم. أما من اعتقد شيئًا آخر كفريًا زيادة على معتقد الخوارج في زمن علي ﵁، فغيم داخلين في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الخطابي (٣٨٨ هـ): "أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسِّكين بأصل الإسلام"، نقله عنه ابن حجر (١)، والمناوي (٢). . .

стр. 7057

(١)، والقاري (٢)، والشوكاني (٣). وذى ابن الهمام (٨٦١ هـ) أن حكم الخوارج عند جمهور الفقهاء وجمهور أهل الحديث حكم البغاة، ثم قال: "وذهب بعض أهل الحديث إلى أنهم مرتدون لهم حكم المرتدين. . . قال ابن المنذر: "ولا أعلم أحدًا وافق أهل الحديث على تكفيرهم"، وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء" (٤). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لهذه المسألة: بأن هذا هو ظاهر مذهب الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فإنهم لم يعملوا في قتال الخوارج بما يشرع في حق الكفار، من السبي، والغنيمة، وأمثال ذلك مما هو مشهور في أحكام المقاتلين من الكفار وأهل الردة، بل أجْرَوا فيهم حكم المسلمين. فلم يجهزوا على الجريح، ولم يتبعوا المدبر، ولم يغنموا منهم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة، وقتالًا للأمة، وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يُكفرهم، لا علي بن أبى طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين" (٥). ومما يبين ذلك أن علي بن أبي طالب ﵁ لما قاتل الحرورية -وهم الخوارج- قيل له: أكفارهم؟ قال: "من الكفر فرُّوا", قيل: فمنافقين؟ قال: "إن المنافقين لا يذكرون اللَّه إلا قليلًا وهؤلاء يذكرون اللَّه كثيرًا، قيل:

стр. 7058

فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصمُّوا" (١). ولما ضربه عبد الرحمن بن ملجم (٢) قال علي ﵁: "أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا أولى بدمه عفوًا وقصاصًا، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين" (٣). فقوله: "وإن حييت فأنا ولي الدم" دليل على أنه لا يرى الخوارج كفارًا؛ لأنه لو كان ابن ملجم كافرًا أو مرتدًا لما كان علي ﵁ ولي الدم عفوًا أو قصاصًا، لأن من بدَّل دينه وجب قتله بحد الردة. • المخالفون للإجماع: خالف جماعة في مسألة الباب فذهبوا إلى أن الخوارج الذي قاتلوا عليًا ﵁ كفار، فلا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم، وهذا القول ذهب إليه طائفة من المحدثين، ويحكى رواية عن أحمد الإمام رحمه اللَّه تعالى (٤). وإليه ذهب جماعة من أهل العلم كالقرطبي (٥)، وابن العربي (٦)، والسبكي (٧)، والمرداوي (٨). قال ابن حجر: "وهو مقتضى صنيع البخاري -أي القول بكفر الخوارج-

стр. 7059

حيث قرنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتأولين بترجمة" (١). كما نسب ابن حجر هذا القول للقاضي عياض (٢) (٣)، إلا أن القاضي عياض وإن كان نص على كفر من أنكر الرجم من الخوارج، وكُفر من كفَّر الصحابة، لكنه بين في موضع آخر أن الصواب عدم كفرهم فقال في معرض كلامه على خلاف الناس في كفر من تأول الصفات عن ظاهرها، بتحريف، أو تعطيل، أو تشبيه، أو تمثيل: "الصواب ترْك إكفارهم، والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحاتهم، ودياتهم، والصلوات عليهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر معاملاتهم، لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر، حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر، ورأي الخوارج، والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبرًا، ولا قطعوا لأحد منهم ميراثًا، لكنهم هجروهم، وأدَّبوهم بالضرب، والنفي، والقتل، على قدر أحوالهم؛

стр. 7060

لأنهم فُسَّاق، ضُلًّال، عصاة، أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم، خلافًا لمن رأى غير ذلك" (١). • دليل المخالف: استدل القائلون بكفر الخوارج بأمر النبي ﷺ بقتالهم، ووصفه لهم بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ومن ذلك ما جاء في قصة قسم النبي ﷺ للذهب الذي أتى به علي من اليمن: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا محمد اتق اللَّه، قال ﷺ : (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي اللَّه)، ثم ولَّى الرجل، فقام خالد بن الوليد ﵁ (٢)، -وفي بعض الروايات: عمر بن الخطاب ﵁ وقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه. فقال النبي ﵊: (لعله أن يكون يصلي) قال: وكم من مصلِّ يقول بلسانه ما ليس بقلبه، قال ﵊: (إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، ثم نظر إليه وهو مقف فقال: (إنه يخرج من ضئضئ (٣) هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية،

стр. 7061

لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) (١)، وفي رواية: (قتل ثمود) (٢). وفي رواية: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل) (٣). وفي رواية: (أينما لقيتوهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) (٤). قال شيخ الإسلام: "قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه" (٥). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن طائفة من المحدثين، وابن العربي، والقرطبي، والسبكي، والمرداوي، وهو ظاهر صنيع البخاري، ورواية محكية عن أحمد. لكن ينبه إلى أن جمهور أهل السنة القائلين بأن قتال الخوارج ليس بقتال كفار، لا يريدون بذلك مساواة الخوارج بغيرهم من البغاة، أو مساواتهم بأهل الجمل وصفين (٦)، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإن الصحابة أجمعوا على

стр. 7062

قتال الخوارج، بخلاف واقعة الجمل، وصفين، فقد كان الصحابة فيها على ثلاث طوائف، فطائفة مع علي ﵁، وطائفة مع معاوية ﵁، وطائفة اعتزلت. [٢/ ٣] المسألة الثانية: عدم تكفير أهل البغي . • المراد بالمسألة: لو أن جماعة خرجوا على الإمام بتأويل، فقتلوا وأفسدوا فإنهم لا يكفرون بسبب بغيهم. ويتبين من ذلك أن البغاة لو كانت لديهم بدعة مكفرة غير البغي فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "إذا قتل أهل العدل إنسانًا من أهل البغي في حال القتال غُسل وصُلي عليه بلا خلاف" (١)، وهذا ظاهر في أنهم مسلمون. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين" (٢). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمسألة الباب بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٣). • وجه الدلالة من الآية: أن اللَّه تعالى سماهم مؤمنين، وسماهم إخوة، والمراد الأخوة الإيمانية. ٢ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لعبد اللَّه بن مسعود ﵁: (يا ابن

стр. 7063

مسعود، أتدري ما حكم اللَّه فيمن بغى من هذه الأمة)؟ قال ابن مسعود: اللَّه ورسوله أعلم، قال: (فإن حكم اللَّه فيهم أن لا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يُذَفَّف (١) على جريحهم) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن قتل المقاتل من أهل البغي إذا هرب، ونهى عن الإجهاز عليه إذا جرح، وهذا يدل على حرمة دمائهم، وأن المقصود من قتالهم دفع شرهم، لا كونهم كفارًا. ٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لا يذفف على جريح، ولا يقتل أسير، ولا يتبع مدبر" (٣). وعن جويبر (٤) قال: أخبرتني امرأة من بني أسد قالت: سمعت عمارًا

стр. 7064

-﵁ بعدما فرغ علي من أصحاب الجمل ينادي: "لا تقتلن مدبرًا ولا مقبلًا، ولا تذففوا على جريح، ولا تدخلوا دارًا، ومن ألقى السلاح فهو آمن" (١). وعن أبي أمامة ﵁ (٢) قال: "شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يقتلون موليًا، ولا يسلبون قتيلًا" (٣). • وجه الدلالة: دلت الآثار السابقة أن فعل الصحابة رضوان اللَّه عليهم عدم قتل مدبر البغاة، أو جريحهم، حتى قال علي ﵁ يوم الجمل: "لا تقتلوا أسيرا ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى السلاح فهو آمن"، قال أبو بكر الجصاص: "هذا حكم علي في البغاة، ولا نعلم له مخالفًا من السلف" (٤)، وهو يدل على أن القصد من قتالهم هو دفع شرهم، لا الحكم عليه بالكفر.

стр. 7065

• المخالفون للإجماع: نقل ابن عبد البر عن طائفة القول بتكفير البغاة، فقال: "أجمع العلماء على أن من شق العصا، وفارق الجماعة، وشهر على المسلمين السلاح، وأخاف السبيل، وأفسد بالقتل، والسلب، فَقَتْلُهُم وإراقة دمائهم واجب؛ لأن هذا من الفساد العظيم في الأرض، والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع، إلا أن يتوب فاعل ذلك من قبل أن يقدر عليه، والانهزام عندهم ضرب من التوبة، وكذلك من عجز عن القتال لم يقتل إلا بما وجب عليه قبل ذلك. ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارًا على ظواهر الأحاديث فيهم مثل قوله: (من حمل علينا السلاح فليس منا) (١)، ومثل قوله: (يمرقون من الدين) (٢) " (٣). فظاهر كلام ابن عبد البر العموم لجميع البغاة، لكن بيَّن جماعة من أهل العلم أن هذا القول من بعض المحدِّثين بالتكفير خاص بالخوارج، أما البغاة غير الخوارج فلا يشملهم ذلك، إلا إذا أتوا بما يكفرهم (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣/ ٣] المسألة الثالثة: وجوب نصرة الإمام في قتال أهل البغي . • المراد بالمسألة: إذا بغت طائفة على إمام عادل متفق على إمامته، فخرجت عليه الطائفة ظلمًا فيجب على أهل العدل نُصرة الإمام بمقاتلة أهل البغي مع الإمام. ويتبين من هذا أن الإمام إذا لم تثبت إمامته وبيعته، أو كان ثبوت إمامته بأن قهر الناس بسيفه حتى أذعنوا له، وصار إمامًا، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب.

стр. 7066

وكذا لو كان الإمام ظالمًا والباغي عليه عادلًا أو أقل فسقًا من الإمام، أو كان خروج الفئة لحقٍّ طلبوه، كمنع معصية أمر بها الإمام، أو منع ظلم قام به الإمام، فذلك ليس مرادًا في مسألة الباب أيضًا، وكذا إذا لم يخرج على الإمام، وإنما أراد الإمام ظلمه، أو ما أشبه ذلك، فدافع عن نفسه ضد الإمام، فكل ذلك ليس من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته، ثبتت إمامته، ووجبت معونته، لما ذكرنا من الحديث، والإجماع" (١). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "فمن اتفق المسلمون على إمامته وبيعته، ثبتت إمامته، ووجبت معونته؛ لما ذكرنا من الحديث وإجماع الصحابة" (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "من اتفق المسلمون على إمامته وبيعته ثبتت إمامة ووجبت معونته لما ذكرنا من النص، مع الإجماع على ذلك" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "واختلف الفقهاء أيضًا فيمن يقتل السلطان كقتلة عثمان، وقاتل علي ﵄ هل هم كالمحاربين فيقتلون حدًا أو يكون أمرهم إلى أولياء الدم. . . وهذا كله إذا قدر عليهم. فأما إذا طلبهم السلطان أو نوابه لإقامة الحد بلا عدوان فامتنعوا عليه فإنه يجب على المسلمين قتالهم باتفاق العلماء حتى يقدر عليهم كلهم" (٤). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي:

стр. 7067

١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (١). • وجه الدلالة من الآية: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة ولي الأمر، وقرنه بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ومن الطاعة مناصرته على من بغى عليه. ٢ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) (٢). ٣ - عن عرفجة ﵁ (٣) قال: دمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إنه ستكون هنَات وهنَات (٤)، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان) (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤/ ٣] المسألة الرابعة: لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه على أهل البغي والتأويل . • المراد بالمسألة: لو خرج جماعة على الإمام فأتلف الإمام أو أعوانه على أهل البغي من النفس والمال، لأجل دفع شرهم، فلا ضمان على ما أُتلف حال حرب البغاة.

стр. 7068

ويتبين مما سبق أن الإتلاف لو لم يكن أثناء الحرب، بل كان قبل خروجهم، أو بعده، أو كان لأجل الانتقام لا لدفع شرهم، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ): "عن الزهري قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فأجمع رأيهم على أنهم لا يقاد ولا يودي ما أصيب على تأويل القرآن، إلا مال يوجد بعينه"" (١).

стр. 7069

وقال السرخسي (٤٨٣ هـ): "فأما سقوط الضمان فهو حكم ثبت باتفاق الصحابة بخلاف القياس" (١). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على ما يتلفه أهل العدل على أهل البغي فلا ضمان فيه" (٢). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في أن العادل إذا أصاب من أهل البغي من دم أو جراحة أو مال استهلكه، إنه لا ضمان عليه" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه على أهل البغي بالتأويل باتفاق العلماء" (٤). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "أجمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر في قتالهم في الفتنة" (٥). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن عندنا ولا يأثم؛ لأنه مأمور بقتالهم دفعًا لشرهم، وهذا بالاتفاق" (٦). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - أنه فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، كما حكاه الزهري عنهم (٧). قال القاضي أبو يعلى الحنبلي بعد ذكره لأثر الزهري: "وهذا إجماع منهم مقطوع به" (٨). وقال الشوكاني: "ظاهره وقوع الإجماع منهم -أي الصحابة- على عدم جواز الاقتصاص ممن وقع منه القتل لغيره في الفتنة، سواء كان باغيًا أو مبغيًا عليه" (٩). ٢ - من النظر: أن أهل العدل فعلوا ما أمروا به شرعًا من طاعة ولى الأمر

стр. 7070

وقتال أهل البغي، فأتلفوا ما أذن لهم الشارع بإتلافه، والقاعدة المقررة أن ما ترتب على المأذون فليس بمضمون (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. ولا يشكل على هذا ما ذكره بعض الحنفية من أن العادل يضمن ما أتلفه على الباغي، لأنهم يرون الضمان في صورة ليست من مسألة الباب، كما بينه الزيلعي حيث قال: "العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم -إلى أن قال- وفي "المحيط" (٢): العادل إذا أتلف مال الباغي يؤخذ بالضمان، لأن مال الباغي معصوم في حقنا، وأمكن إلزام الضمان؛ فكان في إيجابه فائدة، بخلاف ما إذا أتلفوا مال العادل. فعلى هذا ما ذكره في الهداية (٣) والبدائع (٤) من عدم وجوب الضمان، محمول على ما إذا أتلفه حالة القتال، بسبب القتال؛ إذ لا يمكنه أن يقتلهم إلا بإتلاف شيء من مالهم، كالخيل والقماش الذي عليهم، وعند إرسال الماء والنار عليهم، وأما إذا أتلفوها في غير هذه الحالة فلا معنى لمنع الضمان؛ لأن مالهم معصوم، واعتقاد الحرمة موجود، فلا مانع من وجوب الضمان والإثم" (٥).

стр. 7071

وخرَّج ابن عابدين القول بضمان ما أتلفه العادل على الباغي بتخريج آخر فقال: "ويظهر لي التوفيق بوجه آخر، وهو حمل الضمان على ما قبل تحيزهم وخروجهم، أو بعد كسرهم، وتفرق جمعهم، أما إذا تحيزوا لقتالنا مجتمعين فإنهم غير معصومين، بدليل حل قتالنا لهم، ويدل عليه تعليل "الهداية" بالأمر بقتالهم؛ إذ لا يؤمر بقتالهم إلا في هذه الحالة، فلو أتلف العادل منهم شيئًا في هذه الحالة لا يضمنه لسقوط العصمة، بخلاف غيرها فإنه يضمن؛ لأنه حينئذٍ معصوم في حقِّنا" (١). [٥/ ٣] المسألة الخامسة: قتل الباغي قبل الإسار مباح . • المراد بالمسألة: لو خرج جماعة بغاة على الإمام، فقُتِل أحد البغاة أثناء حربه، لدفع شره، قبل أسرهم، ولم يمكن دفعه إلا بذلك، فذلك مباح ولا إثم على قاتله. ويتبين من ذلك أن القتل لو كان بعد أسره، أو في أثناء البغي لكن حال قعود البغاة عن الحرب، أو كان يمكن دفعه بلا قتل، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٦٥ هـ) في معرض نقاشه مع القائلين بجواز قتل الباغي بعد أسره، فذكر جملة من أدلتهم منها قوله: "فإن قالوا: قد كان قتله بلا خلاف مباحًا قبل الإسار، فهو على ذلك بعد الإسار حتى يمنع منه نص، أو إجماع" (٢). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في أن العادل إذا قتل باغيًا لا يحرم الميراث؛ لأنه لم يوجد قتل نفس بغير حق لسقوط عصمة نفسه" (٣). • مستند الإجماع: يدل على المسألة قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ

стр. 7072

إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح مقاتلة الباغي حتى يرجع للحق، فيدل على جواز قتله إن لم يمكن دفع شره إلا بذلك. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. إلا أن هذا الإجماع محلَّه فيما إذا كان قتل الباغي حال الحرب، ولم يمكن دفع شر أهل البغي إلا بالقتل، وهي داخلة في المسألة السابقة، واللَّه تعالى أعلم (٢). [٦/ ٣] المسألة السادسة: سبي ذرية البغاة حرام . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف السبي: قال ابن فارس في تعريف السبي: "السين والباء والياء أصلٌ واحد يدلُّ على أخذِ شي من بلد إلى بلد آخر كرْهًا، من ذلك السَّبْيُ، يقال: سَبَى الجارَيةَ يَسبيها سبْيًا فهو سابٍ، والمأخوذة سَبِيَّة" (٣). وقال ابن الأثير: "السَّبي: النَّهبُ وأخذُ الناس عَبيدًا وإماءً" (٤). وقال ابن منظور: "السَّبْيُ والسِّباءُ الأَسْر، معروف، سَبَى العدوَّ وغيرَه سَبْيًا وسِباءً إذا أَسَرَه: فهو سَبِيٌّ" (٥). فالسبي يراد به النهب والأسر، والنقل من بلد إلى آخر.

стр. 7073

وفي الاصطلاح: هو أسر أهل الحرب من أهل القتال وذراريهم. • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن جماعة من البغاة خرجوا على الإمام، فليس لأهل العدل أن يسبوا أحدًا من نسائهم أو ذراريهم، الذين ليس لهم أمر في الخروج. ويتبين من هذا أن الذرية أو النساء لو كان لهم أمر في الخروج، أو الحرب، أو البغي على الإمام، فسبيهم غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما غنيمة أموالهم -أي البغاة-، وسبي ذريتهم، فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافًا" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية، ولا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافًا" (٢). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "لا يجوز سبيهم ولا اغتنام ما لم يَجْلِبوا به إجماعًا؛ لبقائهم على الملة" (٣)، ونقله عنه الشوكاني (٤). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن البغاة معصوموا الدم في الأصل، وإنما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم، فيبقى ما عداه على الأصل (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7074

[٧/ ٣] المسألة السابعة: ما وُجِد بيد البغاة من مالٍ لغيرهم مردودٌ إلى أصحابه . • المراد بالمسألة: إذا بغت طائفة على أهل العدل، ثم انتهى بغيهم إما بتوبة منهم، أو بتمكن أهل العدل عليهم، أو بغير ذلك، فإن ما وُجد عند البغاة من مال أهل العدل يُرد إلى أصحابه، ومن وجد ماله بعينه فهو أحق به. • من نقل الإجماع: قال ابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ): "عن الزهري قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فأجمع رأيهم على أنهم لا يقاد ولا يودي ما أصيب على تأويل القرآن إلا مال يوجد بعينه"" (١). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن ما وجد بيده -أي المحارب-، وبيد الباغين المتأولين، مردود إلى أربابه" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عموم الأدلة الدالة على حرمة مال المسلم ووجوب رده إليه، ومن ذلك حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: (على اليد ما أخذت حتى تودي) (٣). ٢ - إجماع الصحابة ﵃ على ذلك كما في رواية ابن أبي شيبة السابقة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨/ ٣] المسألة الثامنة: الرجل من البغاة إذا أتلف مالًا بتأويل القرآن فإنه لا يغرم . • المراد بالمسألة: لو خرج البغاة على إمام بتأويل سائغ، ولهم مَنَعَةٌ، فإن

стр. 7075

ما أتلفوه على أهل العدل حال القتال لا ضمان فيه. ويتبين مما سبق أن البغاة إن لم تكن لهم مَنَعَةٌ، أو لم يكن لهم تأويل سائغ، أو كان ما أتلفوه في غير الحرب، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: المسألة حكاها جمع من أهل العلم على أنها إجماع من الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: قال ابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ): "عن الزهري قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فأجمع رأيهم على أنهم لا يقاد ولا يودي ما أصيب على تأويل القرآن إلا مال يوجد بعينه"" (١). وقال السرخسي (٤٨٣ هـ): "فأما سقوط الضمان فهو حكم ثبت باتفاق الصحابة بخلاف القياس" (٢). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "الباغي إذا أصاب شيئًا من ذلك -أي الدماء أو الأموال- من أهل العدل فقد اختلفوا فيه، قال أصحابنا: إن ذلك موضوع، وقال الشافعي ﵀: إنه مضمون. . . ولنا: ما روي عن الزهري أنه قال: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع" ومثله لا يكذب، فانعقد الإجماع من الصحابة ﵃ على ما قلنا" (٣). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "الباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان عندنا ويأثم. وقال الشافعي ﵀ في القديم: إنه يجب، وعلى هذا الخلاف إذا تاب المرتد وقد أتلف نفسًا أو مالًا، وله: أنه أتلف مالًا معصومًا، أو قتل نفسًا معصومةً، فيجب الضمان اعتبارًا بما قبل المنعة، ولنا: إجماع الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، رواه الزهري" (٤).
следующие страницы →