← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

وخرَّج ابن عابدين القول بضمان ما أتلفه العادل على الباغي بتخريج آخر فقال: "ويظهر لي التوفيق بوجه آخر، وهو حمل الضمان على ما قبل تحيزهم وخروجهم، أو بعد كسرهم، وتفرق جمعهم، أما إذا تحيزوا لقتالنا مجتمعين فإنهم غير معصومين، بدليل حل قتالنا لهم، ويدل عليه تعليل "الهداية" بالأمر بقتالهم؛ إذ لا يؤمر بقتالهم إلا في هذه الحالة، فلو أتلف العادل منهم شيئًا في هذه الحالة لا يضمنه لسقوط العصمة، بخلاف غيرها فإنه يضمن؛ لأنه حينئذٍ معصوم في حقِّنا" (١). [٥/ ٣] المسألة الخامسة: قتل الباغي قبل الإسار مباح . • المراد بالمسألة: لو خرج جماعة بغاة على الإمام، فقُتِل أحد البغاة أثناء حربه، لدفع شره، قبل أسرهم، ولم يمكن دفعه إلا بذلك، فذلك مباح ولا إثم على قاتله. ويتبين من ذلك أن القتل لو كان بعد أسره، أو في أثناء البغي لكن حال قعود البغاة عن الحرب، أو كان يمكن دفعه بلا قتل، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٦٥ هـ) في معرض نقاشه مع القائلين بجواز قتل الباغي بعد أسره، فذكر جملة من أدلتهم منها قوله: "فإن قالوا: قد كان قتله بلا خلاف مباحًا قبل الإسار، فهو على ذلك بعد الإسار حتى يمنع منه نص، أو إجماع" (٢). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف في أن العادل إذا قتل باغيًا لا يحرم الميراث؛ لأنه لم يوجد قتل نفس بغير حق لسقوط عصمة نفسه" (٣). • مستند الإجماع: يدل على المسألة قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ

стр. 7072

إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح مقاتلة الباغي حتى يرجع للحق، فيدل على جواز قتله إن لم يمكن دفع شره إلا بذلك. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. إلا أن هذا الإجماع محلَّه فيما إذا كان قتل الباغي حال الحرب، ولم يمكن دفع شر أهل البغي إلا بالقتل، وهي داخلة في المسألة السابقة، واللَّه تعالى أعلم (٢). [٦/ ٣] المسألة السادسة: سبي ذرية البغاة حرام . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف السبي: قال ابن فارس في تعريف السبي: "السين والباء والياء أصلٌ واحد يدلُّ على أخذِ شي من بلد إلى بلد آخر كرْهًا، من ذلك السَّبْيُ، يقال: سَبَى الجارَيةَ يَسبيها سبْيًا فهو سابٍ، والمأخوذة سَبِيَّة" (٣). وقال ابن الأثير: "السَّبي: النَّهبُ وأخذُ الناس عَبيدًا وإماءً" (٤). وقال ابن منظور: "السَّبْيُ والسِّباءُ الأَسْر، معروف، سَبَى العدوَّ وغيرَه سَبْيًا وسِباءً إذا أَسَرَه: فهو سَبِيٌّ" (٥). فالسبي يراد به النهب والأسر، والنقل من بلد إلى آخر.

стр. 7073

وفي الاصطلاح: هو أسر أهل الحرب من أهل القتال وذراريهم. • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن جماعة من البغاة خرجوا على الإمام، فليس لأهل العدل أن يسبوا أحدًا من نسائهم أو ذراريهم، الذين ليس لهم أمر في الخروج. ويتبين من هذا أن الذرية أو النساء لو كان لهم أمر في الخروج، أو الحرب، أو البغي على الإمام، فسبيهم غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما غنيمة أموالهم -أي البغاة-، وسبي ذريتهم، فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافًا" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية، ولا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافًا" (٢). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "لا يجوز سبيهم ولا اغتنام ما لم يَجْلِبوا به إجماعًا؛ لبقائهم على الملة" (٣)، ونقله عنه الشوكاني (٤). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن البغاة معصوموا الدم في الأصل، وإنما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم، فيبقى ما عداه على الأصل (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7074

[٧/ ٣] المسألة السابعة: ما وُجِد بيد البغاة من مالٍ لغيرهم مردودٌ إلى أصحابه . • المراد بالمسألة: إذا بغت طائفة على أهل العدل، ثم انتهى بغيهم إما بتوبة منهم، أو بتمكن أهل العدل عليهم، أو بغير ذلك، فإن ما وُجد عند البغاة من مال أهل العدل يُرد إلى أصحابه، ومن وجد ماله بعينه فهو أحق به. • من نقل الإجماع: قال ابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ): "عن الزهري قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فأجمع رأيهم على أنهم لا يقاد ولا يودي ما أصيب على تأويل القرآن إلا مال يوجد بعينه"" (١). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن ما وجد بيده -أي المحارب-، وبيد الباغين المتأولين، مردود إلى أربابه" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عموم الأدلة الدالة على حرمة مال المسلم ووجوب رده إليه، ومن ذلك حديث سمرة بن جندب عن النبي ﷺ أنه قال: (على اليد ما أخذت حتى تودي) (٣). ٢ - إجماع الصحابة ﵃ على ذلك كما في رواية ابن أبي شيبة السابقة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨/ ٣] المسألة الثامنة: الرجل من البغاة إذا أتلف مالًا بتأويل القرآن فإنه لا يغرم . • المراد بالمسألة: لو خرج البغاة على إمام بتأويل سائغ، ولهم مَنَعَةٌ، فإن

стр. 7075

ما أتلفوه على أهل العدل حال القتال لا ضمان فيه. ويتبين مما سبق أن البغاة إن لم تكن لهم مَنَعَةٌ، أو لم يكن لهم تأويل سائغ، أو كان ما أتلفوه في غير الحرب، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: المسألة حكاها جمع من أهل العلم على أنها إجماع من الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: قال ابن أبي شيبة (٢٣٥ هـ): "عن الزهري قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فأجمع رأيهم على أنهم لا يقاد ولا يودي ما أصيب على تأويل القرآن إلا مال يوجد بعينه"" (١). وقال السرخسي (٤٨٣ هـ): "فأما سقوط الضمان فهو حكم ثبت باتفاق الصحابة بخلاف القياس" (٢). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "الباغي إذا أصاب شيئًا من ذلك -أي الدماء أو الأموال- من أهل العدل فقد اختلفوا فيه، قال أصحابنا: إن ذلك موضوع، وقال الشافعي ﵀: إنه مضمون. . . ولنا: ما روي عن الزهري أنه قال: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع" ومثله لا يكذب، فانعقد الإجماع من الصحابة ﵃ على ما قلنا" (٣). وقال المرغيناني (٥٩٣ هـ): "الباغي إذا قتل العادل لا يجب الضمان عندنا ويأثم. وقال الشافعي ﵀ في القديم: إنه يجب، وعلى هذا الخلاف إذا تاب المرتد وقد أتلف نفسًا أو مالًا، وله: أنه أتلف مالًا معصومًا، أو قتل نفسًا معصومةً، فيجب الضمان اعتبارًا بما قبل المنعة، ولنا: إجماع الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، رواه الزهري" (٤).

стр. 7076

وقال الموفق ابن قدامة (٦٢٥ هـ): "وليس على أهل البغي أيضًا ضمان ما أتلفوه حال الحرب، من نفس ولا مال، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه. وفي الآخر: يضمنون ذلك؛ لقول أبي بكر لأهل الردة: "تدون قتلانا، ولا ندي قتلاكم". . . فأما قول أبي بكر ﵁ فقد رجع عنه، ولم يُمضه، فإن عمر قال له: أما أن يدوا قتلانا فلا؛ فإن قتلانا قُتلوا في سبيل اللَّه تعالى، على ما أمر اللَّه". فوافقه أبو بكر، ورجع إلى قوله، فصار أيضًا إجماعًا حجة لنا" (١). وكذا قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) نفس أحرف ابن قدامة (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ما أتلفه أهل البغي المتأولون على أهل العدل من النفوس والأموال هل يضمنون على روايتين: إحداهما: يضمنونه؛ جعلا لهم كالمحاربين، وكقتال العصبية الذي لا تأويل فيه، وهذا نظير من يجعل العقود والقبوض المتأول فيها بمنزلة ما لا تأويل فيه. والثانية: لا يضمنونه، وعلى هذا اتفق السلف" (٣). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "أجمع أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر في قتالهم في الفتنة" (٤). • مستند الإجماع: استدل لمسألة الباب بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع عن بغيها، ولم يذكر سبحانه ضمان ما أتلف من مال أو نفس (٦).

стр. 7077

٢ - أن هذا إجماع الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فإنهم في قتال الجمل وصفين لم يضمن أحد للًاخر ما قتل، أو أتلف من مال، وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فاجتمع رأيهم على أنه لا يقاد، ولا يودى ما أصيب على تأويل القرآن، إلا مال يوجد بعينه" (١). وأخرجه البيهقي عن الزهري بلفظ: "كتب إليه سليمان بن هشام يسأله عن امرأة فارقت زوجها وشهدت على قومها بالشرك ولحقت بالحرورية، فتزوجت فيهم ثم جاءت تائبة. قال: فكتب إليه الزهري وأنا شاهد: أما بعد، فإن الفتنة الأولى ثارت وفي أصحاب النبي ﷺ ممن شهد بدرًا، فرأوا أن يهدم أمر الفتنة، لا يقام فيها حد على أحد في فرج استحله بتأويل القرآن، ولا قصاص في دم استحله بتأويل القرآن، ولا مال استحله بتأويل القرآن، إلا أن يوجد شيء بعينه، وإني أرى أن تردها إلى زوجها وتحد من قذفها" (٢). ٣ - من النظر: أن ترك تغريمهم أدعى لتوبتهم؛ فإن القول بتغريمهم قد يؤدي إلى تنفيرهم عن التوبة والعود إلى الطاعة، ويكون ذلك حاملًا لهم على التمادي فيما هم فيه. • المخالفون للإجماع: خالف جماعة من أهل العلم لمسألة الباب فذهبوا إلى أن الباغي يضمن ما أتلفه على أهل العدل، وهو قول للشافعي (٣)، ورواية

стр. 7078

عن الإمام أحمد (١). وبه قال الأوزاعي (٢) وبعض الظاهرية منهم ابن حزم (٣). • دليل المخالف: استدل الموجبون للضمان بأدلة منها: ١ - ما أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة ولفظه: "عن طارق بن شهاب (٤) قال:

стр. 7079

جاء وفد بُزاخة أسد وغطفان (١) إلى أبى بكر ﵁ يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر ﵁ بين الحرب المُجْلِية (٢) أو السلم المُخْزِية، فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفنا، فما السلم المخزية، قال أبو بكر ﵁: تؤدون الحلَقة (٣) والكراع (٤)، وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل، حتى يري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرا يعذرونكم به، وتدون قتلانا (٥) ولا ندي قتلاكم، وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتردون ما أصبتم منا، ونغتم ما أصبنا منكم، فقال عمر ﵁: قد رأيت رأيًا وسنشير عليك، أما أن يؤدوا الحلقة والكراع فنعما رأيت، وأما أن يُتركوا قوما يتبعون أذناب الإبل حتى يُرِي اللَّه خليفة نبيه

стр. 7080

والمسلمين أمرا يعذرونهم به فنعما رأيت، وأما أن نغنم ما أصبنا منهم ويردون ما أصابوا منا فنعما رأيت، وأما أن قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة فنعما رأيت، وأما أن يدوا قتلانا فلا، قتلانا قتلوا على أمر اللَّه، فلا ديات لهم، فتتابع الناس على ذلك" (١). • وجه الدلالة: قول أبي بكر ﵁ في الأثر: "وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم". فقضى أبو بكر ﵁ بأن البغاة عليهم دية من يقتلون من صف أبي بكر ﵁. ٢ - من النظر: أن الباغي معتدي فيضمن ما أتلفه، بناء على الأصل، ولا يوجد دليل صحيح في إسقاط الضمان عليه، ثم إن الأولى في حقه التغليظ لا التخفيف (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن الشافعي في قول، ورواية عن الإمام أحمد، والأوزاعي، وبعض الظاهرية منهم ابن حزم، ولذا ساق ابن هبيرة المسألة على إنها موضع خلاف بين الأئمة (٣). [٩/ ٣] المسألة التاسعة: قبول شهادة البغاة . • المراد بالمسألة: إذا بغت طائفة أو فرد بتأويل ثم وقعت حادثة تستدعي إحضار شاهد، فجاء أحد البغاة ليشهد، فإن شهادته مقبولة. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين. . . ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافًا" (٤).

стр. 7081

وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "والبغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين، وإنما هم مخطئون في تأويلهم، والإمام وأهل العدل مصيبون في قتالهم. . . ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافًا" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وقد آل الشر بين السلف إلى الاقتتال، مع اتفاق أهل السنة على أن الطائفتين جميعًا مؤمنتان، وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق" (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن البغاة وإن كانوا مخطئين إلا أنهم متأولون في فعلهم، فهم مخطئون في التأويل، ولا يحكم عليهم بالفسق فضلًا عن رد شهادتهم. ونقل عن أبي حنيفة أنهم يفسقون، لكن لا ترد شهادتهم؛ لأن فسقهم من جهة الدين (٣). يمكن أن يستدل له بأن رد الشهادة موجبها خشية الكذب من الشاهد، والباغي ليس ممن يستجيز الكذب. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٠/ ٣] المسألة العاشرة: إذا قتل أهلُ العدل أهلَ البغي فإن البغاة يُغسلون ويصلى عليهم . • المراد بالمسألة: من المقرر شرعًا أن المسلم إن مات فإنه يغسَّل ويصلى عليه ثم يُدفن، وهذا الحكم يندرج على البغاة إن قتلهم أهل العدل، لأنهم مسلمون، ولا يخرجون من الإسلام ببغيهم، ولا يأخذون حكم الكفار في قتالهم للمسلمين.

стр. 7082

• من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "إذا قتل أهل العدل إنسانًا من أهل البغي في حال القتال، غُسِّل، وصُلي عليه، بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن البغاة مسلمون، وأنهم لا يكفرونا ببغيهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سماهم مؤمنين، مما يدل على أنهم يُعطون أحكام المسامين من غسل ميتهم والصلاة عليهم، وما إلى ذلك، ولما ذكر ابن عبد البر الخلاف في مسألة الصلاة على البغاة قال: "أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم وإن كانوا أصحاب كبائر" (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب الحنفية إلى أن أن الباغي لا يغسل ولا يصلى عليه (٤). • دليل المخالف: استدل الحنفية لذلك بما يلي: ١ - فعل علي ﵁ حيث لم يغسل أهل النهروان (٥)، ولم يصل عليهم (٦).

стр. 7083

٢ - أن ذلك هو إجماع الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، حيث ذكره الكاساني فقال: "ولا يصلى على البغاة وقطاع الطريق عندنا، وقال الشافعي: يصلى عليهم. . . ولنا: ما روي عن علي "أنه لم يغسل أهل نهروان ولم يصل عليهم، فقيل له: أكفار هم؟ فقال: لا، ولكن هم إخواننا بغوا علينا"، أشار إلى ترك الغسل والصلاة عليهم إهانة لهم ليكون زجرًا لغيرهم، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃، ولم ينكر عليه أحد، فيكون إجماعًا" (١). النتيجة: يظهر -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين مذاهب الأئمة الأربعة؛ لثبوت الخلاف عن الحنفية، ولعل مراد النووي نفي الخلاف المذهبي عند الشافعية. [١١/ ٣] المسألة الحادية عشرة: إذا أخذ الخوارج والبغاة الزكاة أجزأت عن صاحبها . • المراد بالمسألة: لو أن قومًا من الخوارج، أو البغاة، ظهروا على بلاد فأخذوا الزكاة من الناس قهرًا، فإن مَن دَفع الزكاة إليهم من الأموال الظاهرة، أو الباطنة التي لا يستطيع إخفاءها، على أنها زكاة، أجزأه ذلك، فإذا ظهر أهل العدل مرة أخرى وطلب الإمام الزكاة فليس عليه أن يخرجها مرة أخرى. ويتحصل مما سبق أنه لو دفع من المال الذي يستطيع إخفاءه، أو كان هو قد دفع المال للخوارج والبغاة من عنده، أو كان دفَع الزكاة إليهم ليس على أنها زكاة، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إذا أخذ الخوارج والبغاة

стр. 7084

الزكاة، أجزأت عن صاحبها. . . وقال أبو عبيد في الخوارج يأخذون الزكاة: على من أخذوا منه الإعادة. . . ولنا: قول الصحابة ﵃، من غير خلاف في عصرهم علمناه، فيكون إجماعًا" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "إذا أخذ الخوارج والبغاة الزكاة، أجزأت عن صاحبها. . . وقال أبو عبيد في الخوارج يأخذون الزكاة: على من أخذوا منه الإعادة. . . ولنا: قول الصحابة ﵃، من غير خلاف في عصرهم علمناه، فيكون إجماعًا" (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بما يلي: ١ - أن هذا القول هو المروي عن جماعة من الصحابة كسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وجابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵃، ولا مخالف لهم (٣). ٢ - من النظر: أ - أن البغاة لا يؤاخذون بما أصابوا من دم أو مال، فكذلك لا يؤاخذون بما أخذوا من مال صدقة. ب- أن التفريط حاصل من الإمام؛ لأن الواجب حمايتهم وبعث السعاة لأخذ الجباية، فإذا فرَّط في ذلك فليس له أخذها مرة أخرى وقد أُخذت (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب الظاهرية إلى أن ما أخذه البغاة والخوارج من الزكاة التي يقبضها الإمام، فإنه لا يجزئ، وعليه دفعها مرة أخرى للإمام، أما إن لم يكن للقرية أو البلدة إمام فظهر عليهم أهل البغي فدفعوها إليهم أجزأت (٥). وذكر ابن قدامة عن أبي عبيد القول بأن من دفع الزكاة للخوارج فعليه الإعادة (٦).

стр. 7085

وأما الحنفية فإنهم مع الجمهور في مسألة الباب وأنه لا يجب عليه إخراجها مرة أخرى للإمام لكن قالوا: يفتى فيما بينه وبين اللَّه تعالى بالأداء ثانية؛ لأن البغاة والخوارج لا ياخذون أموالنا على طريق الصدقة بل على طريق الاستحلال، ولا يصرفونها إلى مصارف الصدقة فينبغي لصاحب المال أن يؤدي ما وجب عليه للَّه تعالى (١). • دليل المخالف: استدل ابن حزم بوجوب إخراج الزكاة مرة أخرى بأن النبي ﷺ أمر بطاعة الإمام في العسر واليسر، وألا ينازع السلطان في سلطانه، كما في الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من اللَّه فيه برهان" (٢). بل أمر بقتل من نازع أمر السلطان كما في صحيح مسلم من حديث عرفجة قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إنه ستكون هنَات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان) (٣). • وجه الدلالة: دلت الأحاديث السابقة أنه لا يحل لأحد أن ينازع السلطان في سلطانه، وأن المنازعين له في الملك أو الرياسة مريدون تفريق جماعة هذه الأمة، فهم عصاة، وحينئذٍ فكل حكم حكموه مما هو إلى الإمام، وكل زكاة قبضوها مما قبْضها إلى الإمام فهو باطل لا يصح؛ لأنه على غير أمر اللَّه تعالى، وقد قال ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو

стр. 7086

رد) (١)، وفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٢)، أي مردود لا يقبل (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف أبي عبيد، والظاهرية في المسألة. [١٢/ ٣] المسألة الثانية عشرة: وجوب نصرة المظلوم . • المراد بالمسألة: لو وجد شخص مظلوم، فإنه واجب على من علم كونه مظلومًا أن ينصره ويعينه على ظالمه، فإن كان المظلوم يحتاج لشهادة مثلًا تنصره على الظالم فعلى من عنده علم بالشهادة أن يدلي بشهادته، وإن كان يحتاج لجاهٍ أو قوة أو نحو ذلك فعلى من يملك شيئًا من هذه المقومات أن يبذلها للمظلوم لينتصر على ظالمه. والمراد بالوجوب هنا أنه فرض كفاية فمتى حصل نصر المظلوم سقط الحكم عن الباقين. ونصرة المظلوم في مسألة الباب شاملة لنوعين من الظلم: الأول: ظلم الإنسان لنفسه، وذلك بإهلاكها بالذنوب والمعاصي، كما قال تعالى لما أكل آدم وحواء من الشجرة: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (٤). الثاني: ظلم الإنسان لغيره من الخلق، كأكل أموالهم بغير حق، أو الاعتداء عليهم أو ما إلى ذلك. فعلى المسلم أن ينصر أخاه المظلوم في النوع الأول بأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وفي النوع الثاني برد الحق إلى صاحبه.

стр. 7087

ويتحصل مما سبق أن المسألة هي في نصرة المظلوم، أما نصرة الظالم بمنعه من ظلمه فمسألة أخرى. كما يُنبّه إلى أن النصرة الواجبة مقيَّدة بما يطيقها المرء، فأما النصرة إن كانت لا يستطيعها المرء، كأن يكون عليه في النصرة ضرر، أو يكون في النصرة مفسدة أشد من مصلحة النصرة، فذلك غير مراد في مسألة الباب. وكذا لو كانت النصرة في فتنة كأن بغت فئة على أخرى فإن نصرة الفئة التي بُغي عليها غير داخلة في مسألة الباب. وكذا لو كان ثمة شخص آخر قد نصر المظلوم، فإن وجوب النصرة حينئذٍ غير مرادة لسقوطها بنصرة غيره. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "نصر المظلوم واجب. . . فإن امتنع هذا العالم به من الإعلام بمكانه جازت عقوبته بالحبس وغيره حتى يخبر به؛ لأنه امتنع من حق واجب عليه لا تدخله النيابة، ولا تجوز عقوبته على ذلك إلا إذا عرف أنه عالم به، وهذا مطرد في ما تتولاه الولاة والقضاة وغيرهم في كل من امتنع من واجب من قول أو فعل، وليس هذا بمطالبة للرجل بحق وجب على غيره، ولا عقوبة على جناية غيره، حتى يدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه وهو أن يكون قد علم مكان الظالم الذي يطلب حضوره لاستيفاء الحق، أو يعلم مكان المال الذي قد تعلق به حقوق المستحقين فيمتنع من الإعانة والنصرة الواجبة عليه في الكتاب والسنة والإجماع إما محاباة أو حمية لذلك الظالم" (٢). قال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "يجب نصر المظلوم ودفع من أراد إذلاله بوجه من الوجوه، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا" (٣).

стр. 7088

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٢). ٣ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: "اقتتل غلامان، غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار، فخرج رسول اللَّه ﷺ فقال: (ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية! ) قالوا: لا يا رسول اللَّه، إلا أن غلامين اقتتلا فكسمع (٣) أحدهما الآخر, قال: (فلا بأس، ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا، إن كان ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فلينصره) (٤). ٤ - عن البراء بن عازب ﵁ (٥) قال: "أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم،

стр. 7089

وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي (١)، والإستبرق" (٢). ٥ - عن المقدام بن معدي كرب ﵁ (٣) عن النبي ﷺ قال: (أيما مسلم أضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإن حق على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله) (٤). ٦ - عن جابر بن عبد اللَّه وأبا طلحة بن سهل الأنصاري (٥) قالا: قال رسول اللَّه ﷺ : (ما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله اللَّه في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره

стр. 7090

اللَّه في موطن يحب نصرته) (١). ٧ - ثمة عمومات تدل على ذلك منها ما أخرجه البخاري عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك أصابعه) (٢). والأدلة في هذا الباب كثيرة، واللَّه أعلم. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7091

الفصل الثاني مسائل الإجماع في ضابط البغاة [١٣/ ٣] المسألة الثالثة عشرة: البغي فسوق . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الفسق: الفسق لغةً: أصل الفسق في كلام العرب بمعنى الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها (١). قال الزبيدي: "الفِسْق بالكَسر: التّركُ لأمر اللَّه ، والعِصْيانُ والخُروجُ عن طريق الحق سبحانه. . . قال الأصبهانيُّ: الفِسْق أعمُّ من الكفر، والفسق يقع بالقَليل من الذنوب وبالكثير، ولكن تعورف فيما إذا كان بكَثيره. . . وإذا قيل للكافِر الأصل فاسِق فلأنّه أخَلّ بحُكمِ ما ألزمَه العَقل واقتَضَتْه الفطرة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (٢) أفَمَنْ كانَ مؤمِنًا كمَنْ كان فاسِقًا لا يسْتَوون فقابل به الإيمان، فالفاسق أعمُّ من الكافر، والظالِمُ أعمُّ من الفاسِق" (٣). وقد حكى ابن فارس عن بعض أهل اللغة أنه لم يسمعْ قَطُّ في كلامِ الجاهليّة ولا في شِعرهم لفظ فاسِقٌ في وصف الإنسان، وإنّما قالوا إذا خَرَجت

стр. 7092

الرُّطَبَة من قشرِها: فسَقَت الرُطَبَةُ عن قِشْرِها، وأنه من العجيب أن تكون كلمة عربية لم تأتِ في شِعْرِ جاهليٍّ (١). ونقل الزبيدي أيضًا عن بعضِ فُقَهاء اللُّغَة أنّ الفسق من الألفاظ الإسلامية التي لا يعرف إطلاقُها على هذا المَعْنى قبلَ الإسلام، وإن كان أصلُ معْناها الخُروجَ فهي من الحقائق الشرعية التي صارت في معناها حقيقة عرفيَّة في الشّرْع (٢). • وفي الاصطلاح: قال القرطبي: "الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة اللَّه ، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان" (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٤)، أي خرج عن أمر ربه وطاعته (٥). • ثانيًا: صورة المسألة: صورة المسألة لو أن جماعة خرجوا على إمامهم، فإن فعلهم ذلك يعتبر فسقًا، وخروجًا عن طاعة اللَّه تعالى. • من نقل الإجماع: قال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "البغي فسق إجماعًا" (٦) ونقله عنه الشوكاني (٧). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ

стр. 7093

وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، والبغاة خرجوا على الإمام، فعصوا أمر اللَّه في ذلك، فتحقق في فعلهم وصف الفسق، لأن الفسق لغة بمعنى الخروج. ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى أمر اللَّه، مما يدل على أن فعلها خروج عن أمره تعالى. • المخالفون للإجماع: جمهور أهل العلم على خلاف الإجماع الذي ذكره ابن المرتضى ونقله عنه الشوكاني، بدليل أنهم نصوا على قبول شهادة أهل البغي، وممن نص على عدم فسق أهل البغي ابن قدامة حيث قال: "البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع، ليسوا بفاسقين، وإنما هم يخطئون في تأويلهم، والإمام وأهل العدل مصيبون في قتالهم، فهم جميعا كالمجتهدين من الفقهاء في الأحكام، من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلًا، وهذا قول الشافعي، ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافًا" (٣). وقال القرطبي: "لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به؛ إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا اللَّه ، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا، بالكف عمَّا شجر بينهم، وألَّا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبهم، وأن اللَّه غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.

стр. 7094

هذا مع ما قد ورد من الاخبار من طرق مختلفة عن النبي ﷺ أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض (١). فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانًا لم يكن بالقتل فيه شهيدًا. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرًا في الواجب عليه؛ لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه. ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار، وقوله سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (بشِّر قاتل ابن صفية بالنار) (٢). وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي ﷺ في طلحة: شهيد، ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار. وكذلك من قعد: غير مخطئ في التأويل، بل صواب أراهم اللَّه الاجتهاد.

стр. 7095

وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم، والبراءة منهم، وتفسيقهم" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل من كان باغيًا، أو ظالمًا، أو معتديًا، أو مرتكبًا ما هو ذنب، فهو قسمان: متأول، وغير متأول. فالمتأول المجتهد كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور، واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل، والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف، فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢). وقد أخبر سبحانه عن داود وسليمان ﵉ أنهما حكما في الحرث، وخص أحدهما بالعلم والحكم مع ثنائه على كل منهما بالعلم والحكم، والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا فهم أحدهم من المسألة ما لم يفهمه الآخر، لم يكن بذلك ملومًا ولا مانعًا لما عرف من علمه ودينه، وإن كان ذلك مع العلم بالحكم يكون إثما وظلمًا والإصرار عليه فسقًا، بل متى علم تحريمه ضرورة كان تحليله كفرا، فالبغي هو من هذا الباب. أما إذا كان الباغي مجتهدًا ومتأولًا ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه على الحق، وإن كان مخطئًا في اعتقاده، لم تكن تسميته باغيًا موجبة لإثمه فضلًا عن أن توجب فسقه. والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم، لا عقوبة لهم، ويقولون: إنهم باقون على العدالة لا يفسقون" (٣).

стр. 7096

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم (١).

стр. 7097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7098

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7099

[١٤/ ٣] المسألة الرابعة عشرة: الممتنع عن شعائر الإسلام يقاتل . • المراد بالمسألة: لو وجدت طائفة من أهل بلد أو محلة اتفقت على ترك شيء من شعائر الإسلام الظاهرة الواجبة المجمع عليها، كالصلاة، أو الزكاة، أو الصيام، فإن الإمام يدعوهم لإقامتها، فإن أبوا فللإمام مقاتلة هذه الفئة حتى تؤدي الشغيرة. ويتبين من هذا أن الشعيرة لو كانت تطوع، أو محل خلاف، أو مما يفعل فرادى، وليست ظاهرة، أو كانت ظاهرة وكان تركها من فرادى الناس فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا ينبه إلى أن المراد المقاتلة، لا القتل، ولا التكفير. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة متواترة من شرائع الإسلام، فإنه يجب قتالها؛ حتى يكون الدين كله للَّه" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال أيضًا: "كل

стр. 7100

طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين، وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا على الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا، وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة، وكذلك إن امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق، وكذلك إن امتنعوا عن تحريم الفواحش، أو الزنا، أو الميسر، أو الخمر، أو غير ذلك من محرمات الشريعة" (١). ونقل اتفاق الصحابة في موضع آخر فقال: "كل طائفة ممتنعة عن إلتزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبى بكر ﵄، فاتفق الصحابة ﵃ على القتال على حقوق الإسلام عملًا بالكتاب والسنة" (٢). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "وقد اختلف الصحابة فيهم -أي مانعي الزكاة- بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو لا كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقر الإجماع عليه في حق من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فإن فصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن أبا بكر ﵁ قاتل الممتنعين عن

стр. 7101

أداء الزكاة كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ واسْتُخْلِف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف، تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قال لا إله إلا اللَّه فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على اللَّه)؟ فقال أبو بكر: واللَّه لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فواللَّه ما هو إلا أن رأيت اللَّه قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٥/ ٣] المسألة الخامسة عشرة: البغاة متى خرجوا ظلمًا على إمام عادل، واجب الطاعة، صحيح الإمامة، وخالفوا رأي الجماعة، وشقوا عصا الطاعة، فقد وجب قتالهم بعدا إنذارهم . • المراد بالمسألة: لو أن ثمة طائفة خرجت ظلمًا على الإمام العادل المتفق على إمامته، فيجب على الإمام وأتباعه قتالهم. ويتبين من هذا أن الإمام لو لم يكن عادلًا، أو أن إمامته لم تثبت بالاتفاق، بأن قهرهم بسيفه مثلًا حتى صار إمامًا، فحكم مقاتلة أهل العدل لهم غير مرادة في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع العلماء على أن من شق العصا، وفارق الجماعة، وشهر على المسلمين السلاح، وأخاف السبيل، وأفسد بالقتل والسلب، فقتْلهم وإراقة دمائهم واجب؛ لأن هذا من الفساد

стр. 7102

العظيم في الأرض، والفساد في الأرض موجب لإراقة الدماء بإجماع" (١) (٢). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام، وخالفوا رأى الجماعة، وشقوا العصا، وجب قتالهم بعد إنذارهم والاعتذار إليهم"، نقله عنه العراقي (٣)، والنووي (٤)، وابن مفلح (٥). وقال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة" (٦). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "اجتمعت الصحابة رضوان اللَّه عليهم على قتال البغاة" (٧). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "قوله ﷺ : (فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا) (٨) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة، وهو إجماع العلماء" (٩). وقال ابن ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة" (١٠). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الصحابة والأئمة متفقين على قتال الخوارج المارقين" (١١). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه" (١٢).

стр. 7103

وقال الشربيني (٩٧٧): "الإجماع منعقد على قتالهم -أي البغاة-" (١). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "جواز قتال البغاة، وهو إجماع" (٢). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "قتال البغاة جائز إجماعا" (٣). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "أجمع الصحابة على قتال الباغي" (٤). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمقاتلة البغاة بأدلة منها: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٥). • وجه الدلالة من الآية: أن اللَّه أمر بمقاتلة الفئة الباغية حتى ترجع لأمر اللَّه من الطاعة. ٢ - عموم الأحاديث الدالة على قتال الخوارج، والتي رويت من عشرة أوجه عن النبي ﷺ ، ومن ذلك ما جاء في قصة قسم النبي ﷺ لذهب من اليمن: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يَا محمد اتق اللَّه. قال ﷺ : (ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي اللَّه)؟ ! ثم ولَّى الرجل، فقام خالد بن الوليد ﵁، -وفي وجه في الصحيح: عمر بن الخطاب ﵁ وقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه. فقال النبي ﵊: (لعله أن يكون يصلي) قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه، قال ﵊: (أني لم أومر أن

стр. 7104

أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، ثم نظر إليه وهو مقفٍّ فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) (١)، وفي رواية: (قتل ثمود) (٢)، وفي رواية: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل) (٣)، وفي رواية: (أينما لقيتوهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) (٤). ٣ - فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فإن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وعلي ﵁ قاتل أهل الجمل وصفين (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٦/ ٣] المسألة السادسة عشرة: من قاتل الفئة الباغية ممن له أن يقاتلها، وهي خارجة ظلمًا على إمام عادل، واجب الطاعة، صحيح الإمامة، فلم يتبع مدبرًا، ولا أجهز على جريح منهم، ولا أخذ لهم مالًا، أنه قد فعل في القتال ما وجب عليه . • المراد بالمسألة: إذا خرجت فئة باغية ظلمًا على إمام عادل واجب الطاعة، فقام رجل مع الإمام بمقاتلة الفئة الباغية، وهو في قتاله لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم، ولا يأخذ منهم مالًا، فإنه قد فعل ما أمر به الشرع في القتال ضد البغاة.

стр. 7105

ويتحصل من هذا أن الفئة لو لم تكن خرجت ظلمًا، بل خرجت لطلب حق لها، أو لنهي عن معصية أمر بها الإمام، وكذا لو لم يكن الإمام عادلًا، أو لم تكن إمامته صحيحة متفق عليها، أو كان المقاتل من أهل العدل ممن يتبع مدبر البغاة، أو يقتل جرحهم، أو يأخذ أموالهم، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من قاتل الفئة الباغية ممن له أن يقاتلها، وهي خارجة ظلمًا على إمام عدل، واجب الطاعة صحيح الإمام، فلم يتبع مدبرًا، ولا أجهز على جريح، ولا أخذ لهم مالًا، أنه قد فعل في القتال ما وجب عليه" (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم (٢).

стр. 7106

[١٧/ ٣] المسألة السابعة عشرة: من أُريد بظلم من الإمام أو غيره فدفع عن نفسه ذلك، فليس ذلك باغيًا . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا اعتُدي عليه بظلم، فدفع عن نفسه ذلك الظلم، فإن دفاعه مباح، ولا يعتبر باغيًا، حتى لو كان المعتدي هو الإمام. • من نقل الإجماع: ذكر ابن حزم (٤٥٦ هـ) هذا القول عن عبد اللَّه بن عمرو، وأنه لا مخالف له من الصحابة، حيث قال: "فهذا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بقية الصحابة وبحضرة سائرهم ﵃ يريد قتال عنبسة بن أبي سفيان عاملُ أخيه معاوية أمير المؤمنين، إذ أمره بقبض الوهط (١)، ورأى عبد اللَّه بن عمرو أن أخذه منه غير واجب، وما كان معاوية ﵀ ليأخذ ظلمًا صراحًا، لكن أراد ذلك بوجه تأوله بلا شك، ورأى عبد اللَّه بن عمرو أن ذلك ليس بحق، ولبس السلاح للقتال، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة ﵃" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا

стр. 7107

بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى شرع قتال الفئة الباغية، دون التفريق بين سلطان وغيره (٢). ٢ - النصوص الدالة على مشروعية الدفاع عن النفس، ومنها: أ- في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يَا رسول اللَّه أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله)، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النَّار) (٣). ب- عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (٤). وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) (٥). • وجه الدلالة من الأحاديث: أن الشرع أثبت مشروعية الدفاع عن النفس، ولم يفرق بين الحاكم وغيره. قال ابن حزم: "وكذلك قوله ﵇: (من قتل دون ماله فهو شهيد) عموم لم يخص معه سلطانًا من غيره، ولا فرق في قرآن، ولا حديث،

стр. 7108

ولا إجماع، ولا قياس، بين من أريد ماله، أو أريد دمه، أو أريد فرج امرأته، أو أريد ذلك من جميع المسلمين، وفي الإطلاق على هذا هلاك الدين وأهله، وهذا لا يحل بلا خلاف" (١). ٣ - أنه مروي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁، ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة، فقد أخرج الإمام أحمد أن معاوية ﵁ أراد أن يأخذ أرضًا لعبد اللَّه بن عمرو ﵁ يقال لها الوهط، فأمر عبد اللَّه مواليه، فلبسوا آلتهم وأرادوا القتال، وقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (ما من مسلم يُظلم بمظلمة فيقاتِل فيُقتل إلا قتل شهيدًا) (٢). وأخرجه عبد الرزاق وابن حزم بلفظ: أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عامل له أن يأخذ الوهط، فبلغ ذلك عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁، فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته وقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد) (٣) • وجه الدلالة: أن عبد اللَّه بن عمرو دافع عن نفسه ضد ولي الأمر، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، كما ذكره ابن حزم (٤) فكان إجماعًا منهم.

стр. 7109

• المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الإمام ليس كغيره، فلو اعتدى على أحد من رعيته فلا يجوز مدافعته، ومحاربته (١). وذكر ابن المنذر أن هذا القول هو كالإجماع، كما نقله عنه ابن حجر حيث قال: "حكى بن المنذر عن الشافعي قال من أريد ماله، أو نفسه، أو حريمه، فله الاختيار أن يكلمه، أو يستغيث، فإن منع أو أمتنع لم يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل، ولا دية، ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر، إذا أريد ظلمًا، بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه" (٢). • دليل المخالف: يدل على عدم مدافعة الإمام ومحاربته وإن بغى ما يلي: ١ - عموم النصوص الدالة على وجوب طاعة ولي الأمر: ومنها: أ- عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من كره من أميره شيئًا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرًا، مات ميتة جاهلية) (٣). ب- عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه فيه برهان" (٤).

стр. 7110

ج- في صحيح مسلم أن سلمة بن يزيد الجعفي (١) سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبي اللَّه أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرَض عنه، ثم سأله, فأعرض عنه، ثم سأله -في الثانية أو في الثالثة-، فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول اللَّه ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم) (٢). د- عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه إنا كنا بشر فجاء اللَّه بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: (نعم)، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: (نعم)، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: (نعم)، قلت: كيف؟ قال: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس)، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللَّه إن أدركت ذلك؟ قال: (تسمع، وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع) (٣). هـ- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك) (٤). والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
следующие страницы →