← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

سلسلة الرسائل الجامعية (٦٩) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي [٢] مسائل الإجماع في عقود المعاوضات المالية إعداد د. علي بن عبد العزيز بن أحمد الخضيري

стр. 702

سلسلة الرسائل الجامعية (٦٩) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي [٢] مسائل الإجماع في عقود المعاوضات المالية

стр. 703

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 704

المقدمة إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. • أما بعد: إن نعم اللَّه على هذه الأمة تترى، وآلاءه لا تعد ولا تحصى، ومما فضلها اللَّه به على سائر الأمم، أن جعل إجماع علمائها على أمر من أمور دينها معصوما من الخطأ والزلل؛ ليحفظ اللَّه به الدين، وتبقى هذه الملة ما بقيت السماوات والأرض، لا يضرها كيد الكائدين، ولا تحريف الضالين، ولا انتحال المبطلين (١). ولا يخفى على أحد مكانة الإجماع، ومنزلته من الدين، فهو المصدر الثالث من مصادر التشريع، منه تؤخذ الأحكام، وبه يعمل الناس، وقد أشار إلى ذلك أئمة الهدى ممن سلف من هذه الأمة، وبيَّنوا عظم شأنه، وخطورة مخالفته، وضرورة معرفته، بل لا يبلغ المجتهد درجة الاجتهاد حتى يكون على دراية ومعرفة به، حتى يقيه من الوقوع في الزلل والشذوذ. ومما يجلي الموضوع، ويوضح أهميته، أن من العلماء من جعل الإجماع مقدمًا على أخبار الآحاد لتطرق الاحتمال إليها من نسخ، أو تأويل، أو خطأ وأشباهها، وقد بيَّن ذلك أبو محمد بن قتيبة (٢) حين قال: [ونحن نقول: إن الحق

стр. 705

يثبت عندنا بالإجماع أكثر من ثبوته بالرواية؛ لأن الحديثَ قد تعترضُ فيه عوارضُ من السهو والإغفال، وتدخل عليه الشبه والتأويلات والنسخ، ويأخذه الثقة عن غير الثقة، وقد يأتي بأمرين مختلفين وهما جميعًا جائزان، كالتسليمة الواحدة والتسليمتين، وقد يحضر الصحابي الأمر يأمر به النبي ﷺ رجلًا، ثم يأمر بخلافه ولا يحضره، فينقل لنا الأمر الأول ولا ينقل لنا الثاني؛ لأنه لا يعلمه، والإجماع سليم من هذه الأسباب كلها] (١). ومما يزيد في خطورة الموضوع، أن من خالف الإجماع القطعي وحاد عنه وهو عالم به، فإنه على خطر في دينه، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): [والتحقيق أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه، لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به، وأما ثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع، وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره] (٣). ولذا كان لزامًا على أهل العلم والدين أن يظهروا هذا الدليل، ويعلنوه للناس، حتى لا يقع الزيغ والانحراف عن الجادة الحقة، والطريقة السوية. ولو نظرنا في اهتمام العلماء بأدلة الشرع، لوجدنا عنايتهم فائقة في الدليلين الأصليين: الكتاب والسنة، فتجد الأدلة مبثوثة في كتبهم، مبسوطة في ثنايا بحوثهم، فكتاب اللَّه محفوظ بحفظ اللَّه له، وسنة رسوله ﷺ وحي من اللَّه، فهو لا ينطق عن الهوى، وقد هيأ اللَّه لها رجالًا كانت لهم عناية فائقة بها، جمعًا

стр. 706

وترتيبًا، تصنيفًا وتبويبًا، صحة وضعفًا، جرحا وتعديلًا. . .، وهذا واضح من خلال الكتب المصنفة في السنة من الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات والأجزاء، وكتب التراجم والرجال، والجرح والتعديل وغيرها مما هو خادم في هذا الباب. ومثلهما الدليل الثالث، لكنه لم يحظ بالعناية كما حظي سابقاه، فجاءت عنايتهم به عابرة من خلال كتبهم، ولم يفردْه بالتصنيف إلا النوادر من العلماء لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، وأصبح المتأخرون ينقلون عن المتقدمين حكايتهم له نقلا من غير تمحيص ولا تدقيق، وهذا هو الغالب. ولذا كانت الحاجة ماسة إلى دراسة هذه الإجماعات وتمييز صحيحها من ضعيفها، وقطعيها من ظنيها، فوقع نظري على أن تكون أطروحة الدكتوراه في خدمة جانب من جوانب الموضوع، وهو دراسة الإجماعات الواردة في كتاب المعاملات المالية، واقتصرت على جزء منه نظرا لطوله، واخترت أن يكون هذا الجزء هو فاتحة أبواب المعاملات وهي عقود المعاوضات، فكان عنوان الأطروحة (مسائل الإجماع في عقود المعاوضات المالية، جمعا ودراسة). • مشكلة البحث: لا بد لكل بحث من مشكلات تعتريه، تعليق البحث والباحث، وهذا البحث أُجمل مشكلاته في النقاط التالية: أولًا: أن المسائل التي حُكِي فيها الإجماع كثيرة جدًّا، وهذا يعني طول البحث وتشعب طرقه مما يتطلب جهدا كبيرًا، ووقتًا كثيرًا. ثانيًا: قلة الكتب التي تحكي الإجماع، فعلى كثرة كتب الفقه وتنوع مذاهبها إلا أن التي تعتني بنقل الإجماع قليلة، وهذا يتطلب من الباحث التعرف على الكتب التي تحكي الإجماع وانتقاءها دون غيرها، ومثله التعرف على الكتب التي تنقل من غيرها واستبعادها. ثالثًا: مناهج العلماء في مسائل الإجماع متباينة، فمنهم: من لا يعتد بخلاف الواحد والاثنين، ويحكي الإجماع في المسألة، ومنهم من يعتد بخلاف الواحد، وينفي الإجماع معه، وهذا يتطلب أيضًا جهدًا مضاعفًا في التعرف على مناهجهم

стр. 707

الأصولية في تقرير الإجماع قبل النقل من كتبهم الفقهية. • حدود البحث: من المعلوم أن الألفاظ التي تدل على الإجماع ليست قليلة، ولو أدرجت ضمن البحث لازداد طولا وتشعبًا، لكن الباحث اقتصر على أبرز الألفاظ في نقل الإجماع، وهي تتمثل في: ١) لفظة [الإجماع] وما تصرف منها. ٢) وكذلك لفظة [الاتفاق] وما تصرف منها. ٣) نفي الخلاف في المسألة، وهو قولهم: [لا أعلم خلافا في المسألة] ونحوها من العبارات التي تدل على هذا المعنى. وسيكون البحث شاملا للإجماعات التي قصدها العلماء حين عرَّفوا الإجماع، وهو الإجماع الأصولي المنطوق به لفظا فقط، دون غيره من سائر الإجماعات: كإجماع الخلفاء الأربعة، أو الأئمة الأربعة، أو الصحابة، أو أهل المدينة، أو السكوتي، أو الإجماع المذهبي، أو أهل بلد معين، أو نحوها من أنواع الإجماع، سواء وجد الباحث ذلك عن طريق التصريح به من قبل العلماء، أو قامت قرينة من القرائن على أن العالم أراد به نوعا من أنواع الإجماع، والدراسة ستكون مقصورة على عقود المعاوضات المالية فقط دون غيرها من أبواب الفقه، أما الإجماعات اللغوية أو الحديثية وغيرها من الإجماعات التي يذكرها الفقهاء، فإن الباحث لا يتعرض لها. وقد جمع الباحث الإجماعات التي يذكرها العلماء صراحة، أو ينقلونها عن غيرهم من غير نقد؛ إذ يعد هذا قرينة على الموافقة والإقرار. أما ما ينقله العالم من الإجماع بصيغة التمريض، ولم ينسبه إلى أحد، فلا يدخل في البحث، كقولهم: [حُكي إجماعا] و [منهم من حكى الإجماع] ونحوها من العبارات. وكذلك إذا نقله ثم نقل بعده الخلاف، أو تعقَّبه، فلا أدرجه ضمن البحث. ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن الباحث ربما يتجوز في ذكر بعض الإجماعات

стр. 708

خاصة المذهبية منها إذا كان ذلك عن طريق التبع لا الاستقلال، فغاية ما هنالك أن الحاكي للإجماع اختصر لنا قول مذهبه. وقد قامت اللجنة المختصة بالمشروع، والمشكَّلة من قبل القسم مشكورة، باختيار الكتب التي تقوم عليها دراسة الباحث، مراعية في ذلك عناية العالم بالإجماع واهتمامه بحكايته، مع النظر في اختلاف المذاهب، وتفرق الأزمنة، وهي مرتبة على النحو التالي: أولًا: الكتب المتخصصة في نقل الإجماع: ١) الإجماع لابن المنذر (١) (٣١٨ هـ). ٢) مراتب الإجماع لابن حزم (٢) (٤٥٦ هـ). ٣) الإفصاح إلى معاني الصحاح لابن هبيرة (٣) (٥٦٠ هـ). ٤) نقد مراتب الإجماع لابن تيمية (٤) (٧٢٨ هـ).

стр. 709

ثانيًا: المذهب الحنفي: ١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (١) (٥٨٧ هـ). ٢) البناية في شرح الهداية للعيني (٢) (٨٥٥ هـ). ٣) فتح القدير شرح الهداية لابن الهمام (٣) (٨٦١ هـ).

стр. 710

٤) البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (١) (٩٧٠ هـ). ثالثًا: المذهب المالكي: ١) الاستذكار لابن عبد البر (٢) (٤٦٣ هـ). ٢) عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي لابن العربي (٣) (٥٤٣ هـ). ٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤) (٦٧١ هـ). ٤) الذخيرة للقرافي (٥) (٦٨٤ هـ).

стр. 711

رابعًا: المذهب الشافعي: ١) الأم للإمام الشافعي (٢٠٤ هـ). ٢) شرح السنة للبغوي (١) (٥١٦ هـ). ٣) المجموع شرح المهذب للنووي (٢) (٦٧٦ هـ). ٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (٣) (٨٥٢ هـ). ٥) مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشربيني (٤) (٩٧٧ هـ).

стр. 712

خامسًا: المذهب الحنبلي: ١) المغني لابن قدامة (١) (٦٢٠ هـ). ٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (٧٢٨ هـ) جمع: عبد الرحمن القاسم (٢) وابنه محمد. ٣) جامع الرسائل لابن تيمية، جمع: د. محمد رشاد سالم. ٤) مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية، جمع الشيخ: محمد رشيد رضا. ٥) مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، جمع: البعلي (٣). ٦) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية (٤) (٧٥١ هـ). ٧) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية.

стр. 713

٨) حاشية الروض المربع لعبد الرحمن القاسم (١٣٩٢ هـ). سادسًا: المذاهب الأخرى: ١) جامع الترمذي للإمام الترمذي (١) (٢٧٩ هـ). ٢) جامع البيان عن تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري (٢) (٣١٠ هـ). ٣) المحلى لابن حزم (٤٥٦ هـ). ٤) سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام للصنعاني (٣) (١١٨٢ هـ). ٥) نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار للشوكاني (٤) (١٢٥٠ هـ).

стр. 714

• أهمية الموضوع: تبرز أهمية الموضوع في النقاط التالية: أولًا: قلة الأحاديث الواردة في كتاب البيوع، بالنسبة لكتاب العبادات، وقد جمع أحد الإخوة الأحاديث في كتاب البيوع من الكتب التسعة، فلم تتجاوز الخمسمائة حديث فقط (١)، وهذا يعني أهمية إبراز الدليل الثالث، حتى يستفاد منه في قضايا المعاملات ونوازلها المعاصرة. ثانيًا: تسهيل الوصول إلى الدليل الثالث من أدلة الشريعة المتفق عليه، وتقريبه بين يدي الأمة الإِسلامية، خاصة العلماء منهم الذين إليهم مردُّ الفتوى في الدين؛ إذ إن من شروط بلوغ درجة الاجتهاد أن يكون المجتهد على بصيرة بمواطن الإجماع والخلاف. ثالثًا: تضييق دائرة الخلاف بين المسلمين، وقطع دابر التعصب الذي فشا بين المذاهب الأربعة المعتبر؛ إذ مسائل الإجماع التي اتفقت عليها الأمة كثيرة وليست قليلة، ولا يخفى أن من الخلاف ما فرق جمع الأمة، وشتت شملها، وأفسد رأيها، وسلط أعداءها عليها، فبالإجماع تتحد الصفوف، وتجتمع الكلمة، ويَلْتم الشعث، ويندحر التعصب. رابعًا: ظهر في هذا الزمان أناس نسبوا أنفسهم للعلم وأهله، وليس لهم من الفقه إلا رسمه، ولا لهم من العلم إلا اسمه، فأخذوا يبحثون في كتب الفقهاء ما يوافق أهواءهم، ويحقق شهواتهم، فنظروا في الأقوال الشاذة، وأظهروها للناس على أنها أقوال قال بها علماء متقدمين، بل تعدى الأمر إلى أن يصبغ هذا بصبغة الدين، وأنه من المرونة التي تتسم بها هذه الشريعة الغراء، من غير النظر في صحة الأقوال وعدمها، أو موافقتها للدليل، أو مخالفتها للإجماع، وهذا أدهى وأمر، فكل يؤخذ منه ويرد إلا رسول اللَّه ﷺ ، والتعبد للَّه إنما هو بالنصوص الشرعية لا بأقوال الفقهاء، وتتبعُ الشواذ من طرائق أهل البدع والإلحاد، وليس هذا من سمت أهل الحق والاستقامة في شيء.

стр. 715

فلعل هذا البحث أن يَسدَّ الطريق عليهم، ويغلق المنافذ التي ولجوا منها للوصول إلى هذه الثغرات. • أسباب اختيار البحث: ترجع أسباب اختيار الباحث للبحث إلى أمور أهمها: أولًا: عدم وجود دراسات سابقة تجمع بين الشمول والتمحيص متخصصة في هذا الباب. ثانيًا: قلة الكتب المؤلفة في هذا الباب عند المتقدمين، وهذا البحث يجمع شتات ما تفرق في بطون الكتب من الإجماعات المتناثرة فيها، فيكون هذا من المساهمة في إبراز هذا الدليل للعلماء والمتعلمين، وتقريب مسائله، حتى يسهل الوصول إليها بعيدا عن العناء والمشقة. ثالثًا: أنه بمعرفة الإجماع يجعل الأمة كلها تقف على دليل من الأدلة القطعية التي لا تجوز لهم مخالفته، فلا يتعدوا حَدَّه، ولا يتجاوزوا رسمه، إذا نظروا في المسائل والنوازل. رابعًا: إعانة الباحثين على تحرير محل النزاع في المسائل الفقهية، وذلك لا يتم إلا بمعرفة مواطن الإجماع في المسألة. خامسًا: هذا البحث يُعرَّف الباحث بالإجماعات الصحيحة من الضعيفة، وكذلك الإجماعات المذهبية من الإجماعات المرادة بالمعنى الأصولي؛ إذ المسائل التي حُكي فيها الإجماع كثيرة جدًّا، لكن ليس كل ما حُكي فيه الإجماع يعتبر إجماعًا صحيحًا، لذا فلا غرابة في مقولة أبي إسحاق الإسفراييني (١) حين يقول: [نحن نعلم أن مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة. وبهذا يُردُّ قول الملحدة: إن هذا الدين كثير الاختلاف؛ إذ لو كان حقًّا لما اختلفوا فيه. فنقول:

стр. 716

أخطأت، بل مسائل الإجماع أكثر من عشرين ألف مسألة، ثم لها من الفروع التي يقع عليها الاتفاق منها وعليها، وهي صادرة عن مسائل الإجماع التي هي أصول أكثر من مائة ألف مسألة، يبقى قدر ألف مسألة هي من مسائل الاجتهاد، والخلاف في بعضها يحكم بخطأ المخالف على القطع، وبفسقه، وفي بعضها ينقض حكمه، وفي بعضها يتسامح، ولا يبلغ ما بقي من المسائل التي تبقى على الشبهة إلى مائتي مسألة] (١). سادسًا: معرفة قول جماهير العلماء يعتبر من الأهمية بمكان، ولذا جعله بعض الأصوليين مرجحًا من المرجحات (٢)، ولا شك أن الإجماع إن لم يكن صحيحًا فهو قول جماهير العلماء، وينبغي لطالب العلم أن يتهيب مخالفته إلا بحجة وبرهان. • الدراسات السابقة: لم تكن هذه الموسوعة التي يشترك فيها الباحث مع زملائه في هذا البحث بدعة لم يُسْبقوا إليها، بل ثمة دراسات كثيرة في هذا الموضوع سبقت هذا المشروع، والدراسات التي وقف عليها الباحث في هذا سارت على طريقتين، هما: الطريقة الأولى: التخصص في عالم معين، والباحثون على هذه الطريقة لهم اتجاهان: الاتجاه الأول: جمع الإجماعات التي تكلم عنها العالم مع دراستها صحة وضعفًا، وذكر من خالف الإجماع، وتحقيق الخلاف في المسألة، ومن هؤلاء الذي وقفت على بحوثهم: ١) إجماعات ابن عبد البر، من الأيمان والنذور إلى كتاب البيوع لعبد الرحمن الموجان، رسالة دكتوراه مقدمة في جامعة أم القرى. ٢) إجماعات ابن عبد البر في البيوع والنكاح وفرقه من كتابه التمهيد جمعا ودراسة، لمحمد بن عبد اللَّه بن عتيق، رسالة ماجستير مقدمة في قسم الثقافة

стр. 717

الإِسلامية في كلية التربية بجامعة الملك سعود. ٣) تحرير اتفاقات ابن رشد، من كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد [أحكام الأسرة والمعاملات المالية عدا الوصايا] لمحمد عبد الرحيم الخالد، رسالة ماجستير مقدمة في جامعة أم القرى. ٤) إجماعات الإمام النووي في شرح مسلم، لعلي الراشدي، رسالة ماجستير في جامعة أم القرى. ويمكن إجمال المآخذ على هذه الطريقة، ومن كتب فيها في النقاط التالية: أولًا: عدم ذكر الموافقين للإجماع من المذاهب الأخرى الذين لم يَذْكُروا الإجماع في المسألة، وتوثيق ذلك من كتب المذاهب، وهذا من شأنه أن يوقف القارئ على أقوال العلماء في المسألة، فلربما اختلفت وجهات النظر في فهم القول ومعرفته. ثانيًا: الاقتصار على عالم واحد في دراسة المسائل، وهذا فيه بُعْد عن الشمولية في بحث المسائل، وربما يكون فيه جانب إيجابي وهو التعرف على منهج العالم واستخلاص النتائج الدقيقة في بيان منهجه في حكاية الإجماع، وألفاظه التي يستخدمها في حكايته للإجماع، والتفريق بينها. ثالثًا: الاقتصار على تحرير كلام المذاهب الأربعة فقط دون من عداهم، ودون النظر في مستند الإجماع، وهذا ما وقع للرسالة الثالثة. رابعًا: فوات كثير من الإجماعات التي ينقلها العالم على الباحث، وهذا ما وقع للأول منهم. الاتجاه الثاني: الاقتصار على ذكر الإجماعات التي حكاها العالم فقط، ومن هؤلاء: ١) موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية، للدكتور/ عبد اللَّه بن مبارك البوصي. جمع فيها جميع المسائل التي حكى فيها شيخ الإسلام الإجماع في مسائل الفقه، ورتب أبوابها على ترتيب متأخري الحنابلة، وقد جمعها من أكثر من خمسين مجلدًا من كتب شيخ الإسلام.

стр. 718

٢) الإجماع لابن عبد البر، لفؤاد الشلهوب وعبد الوهاب الشهري. وقد جمعا إجماعات ابن عبد البر في كتاب التمهيد فقط. ويمكن إجمال الملاحظات على هذه الطريقة ومن كتب فيها في النقاط التالية: أولًا: أن حظ أصحابها منها إنما هو الجمع فقط، دون التمحيص والتدقيق، والنظر في صحة الإجماع من عدمه. ثانيًا: عدم الاهتمام بمسائل كثيرة تخدم الإجماع في المسألة المنقولة، كتصوير المسألة وبيان المراد منها، وذكر مستند الإجماع، والموافقين والمخالفين للإجماع ونحو ذلك. ثالثًا: مع اهتمام الأول بهذا الجمع إلا أنه فاته إجماعات كثيرة لم ينقلها عن ابن تيمية في كتبه. الطريقة الثانية: الجمع المطلق لمجموعة من العلماء: وهذا -حسب علمي القاصر- لم أجد من فعله إلا اثنين: الأول: الحافظ ابن القطان في كتاب سماه [الإقناع في مسائل الإجماع] جمع الإجماعات فيه من أربعة وعشرين كتابًا من كتب المتقدمين، بعضها لا يُعرفُ له وجود، وقد سُجل تحقيق الكتاب في رسالتي ماجستير في كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية، ومنهج التحقيق عند الباحِثَين إنما هو توثيق الإجماع من المذاهب الأربعة، من غير النظر في صحة الإجماع وعدمه (١). الثاني: الأستاذ سعدي أبو حبيب في كتاب أسماه [موسوعة الإجماع في الفقه الإِسلامي] وقد جمع جمعا مباركا، استخلصها من ستة عشر كتابًا من الكتب التي رأى أنها تعتني بالإجماع (٢).

стр. 719

وأجمل المآخذ على هذه الطريقة ومن كتب فيها في الأمور التالية: الأول: أن حظهما من التصنيف إنما هو الجمع فقط، ولم يُعْملا القلم في التحرير والتدقيق والنقد لما نقلاه من المسائل. الثاني: التصرف في نقل عبارات العلماء، فلم يكن نقلهم نقلا نصيا؛ ولذا وقع لهم بعض القصور في نقل المسائل. الثالث: التكرار في المسائل وهذا عند ابن القطان، فهو ينقل عن العالم من كتابه، ثم ينقل عن العالم الآخر، فربما تكرر الإجماع عند الثاني وهكذا. الرابع: أن الأول منهما نقل عن كتاب متخصص في نقل النوادر الفقهية، ولم يكن في نقل الإجماعات (١). الخامس: أن الثاني عَدَّ من الإجماع ما يذكره الترمذي في جامعه من قوله: [العمل على هذا عند أهل العلم] وهذه العبارة لم يقصد منها المؤلف حكاية الإجماع في المسألة كما سيأتي. ولذا سيكون العمل في هذا البحث جامعًا بين الطريقتين، وهما: الأولى: جمع المسائل التي حُكِي فيها الإجماع من كتب الفقهاء. الثانية: تحرير هذا الإجماع بالنظر في ثبوته من عدمه، وذكر مستنده، وبيان المخالف في المسألة وتأثير المخالفة فيها. ولا شك أن هذا يحتاج إلى جهد مضاعف، وأوقات كبيرة، وقبل هذا وبعده عون اللَّه وتوفيقه. • أهداف البحث: أما الهدف الكلي العام للبحث فهو: تقريب المصدر الثالث من مصادر الشريعة المتفق عليها بين يدي الأمة، وذلك من خلال جمع المسائل التي حُكي

стр. 720

فيها الإجماع، ثم تمييز الصحيح من الضعيف منها، تقريبًا مرتبًا حسب الأبواب الفقهية. أما الأهداف الجزئية فهي إجمالًا ما يلي: ١) جمع المسائل التي حكي فيها الإجماع في عقود المعاوضات، من خلال الكتب التي أُقرت من قبل اللجنة المشرفة على المشروع، ودراسة صحتها من عدمه. ٢) ذكر مستند الإجماع في مسائل الباب من الكتاب والسنة، وسائر الأدلة الأخرى المختلف فيها. ٣) التعرف على ألفاظ العلماء في حكايتهم للإجماع في المسألة. ٤) معرفة أقوال جماهير العلماء. ٥) الاطلاع على الأقوال الشاذة التي لا يُعتد بها، وتعتبر مخالفة للإجماع. ٦) هذا البحث يجمع للباحث بين علمي الوسيلة والغاية، وهما: الفقه وأصوله، ذلك أن طبيعة البحث تتطلب النظر في القواعد الأصولية المنضبطة، ومن ثم الخوض في غمارها بين الكتب الفقهية، ومثل هذا يُمكَّن الباحث من الملكة الفقهية، والدربة العلمية، في الجمع بين التأصيل والتطبيق. • أسئلة البحث: من خلال النظر في البحث فإن الباحث قد أجاب على عدة أسئلة، أهمها: س: ما المسائل التي حُكِي فيها الإجماع بين العلماء في عقود المعاوضات؟ س: ما مستند الإجماع في هذه المسائل؟ س: ما صحة الإجماع في مسائل البحث المبحوثة؟ س: ما الطريقة العلمية المناسبة في التمييز بين الأقوال الشاذة والمعتبرة التي خالفت الإجماع؟ س: ما الكتب التي تعتني بذكر الإجماع ابتداءً، وكذلك نقلا عن الآخرين؟ س: ما طرائق العلماء في الإجماع، سواء كان في نقله، أو في التفريق بين ألفاظه؟

стр. 721

• منهج البحث: الناظر في هذا البحث يجد أن الباحث يحتاج إلى الجمع بين طريقتي البحث المعتمدة، وهما: الطريقة الاستقرائية، والطريقة الاستنتاجية. فأولًا: يعتمد استقراء النصوص المتصلة بالموضوع استقراءً تامًا، ثم تصنيفها وترتيبها حسبما يقتضيه التحليل العلمي. ثم ثانيًا: التحليل العلمي لهذه النصوص، ويعني الفحص والاختبار لهذه المادة العلمية والتوصل إلى النتائج بإقرار ما كان صحيحا مناسبًا، وإلغاء ما كان ضعيفًا غير مناسب (١). • إجراءات البحث: أما إجراءات البحث التي سار عليها الباحث فكما يلي: الأول: الكتابة في الموضوع ذاته وتكون على النحو التالي: أولًا: يقوم الباحث بحصر جميع الإجماعات الواردة في الكتب المقررة، وهي ثلاثون كتابا -سبق تسميتها-، ومن ثَم ترتيبها على حسب الأبواب الفقهية في عقود المعاوضات المالية، وقد سار الباحث في ترتيب المسائل داخل الأبواب على ما كتبه متأخروالحنابلة، وأعتمد كتاب الروض المربع إذ هو المشهور عند متأخريهم، إلا نزرا يسيرا منها، وهي المسائل التي لم يَنص عليها الحنابلة في كتبهم، واحتاج الباحث إلى بحثها لكونها في كتب لا يمكن استدراكها في البحوث الأخرى، كالمسائل التي ذكرها ابن المنذر وابن حزم وابن هبيرة، وغيرهم في كتبهم المفردة للإجماع. ثانيًا: أضع عنوانا مناسبا للمسألة، يكون شاملا لها. ثالثًا: أشرع بعد هذا ببيان المراد من المسألة التي حكي فيها الإجماع، وهذا يشمل تعريف المصطلحات الواردة في عنوان المسألة من جهة اللغة والاصطلاح، ثم تصوير المسألة والاقتصار عليه من غير بيان المسائل الأخرى

стр. 722

المشابهة، أو ذكر تقسيمات متابعة للمسألة إلا عند الحاجة لذلك، مع مراعاة أن العلماء قد يتفاوتون في حكاية الإجماع فمنهم: الذي يذكره مختصرا، ومنهم الذي يسترسل في ذكر قيود وفروع له، فأراعي ذلك في شرح المسألة. والمقصود بالاصطلاح عند إطلاقه إنما هو اصطلاح الفقهاء، والتنبيه عليه هنا من أجل الاستغناء عن ذكره في ثنايا البحث. رابعًا: بعد هذا أذكر من نقل الإجماع في المسألة، فأذكر اسم العالم، ثم تاريخ وفاته، ثم أنقل نص عبارته التي حكى فيها الإجماع، وقد تكون العبارة في معرض كلام له لا يستقيم الكلام إلا بذكر ما يوضحها، فأذكر ما يوضح المراد إما قبل إيراد كلامه، أو أثناء الكلام لكني أميز التوضيح بوضعه بين شرطتين وأفتتحه بكلمة [أي] للدلالة على أن الكلام من الباحث، وألتزم بنقل الإجماع عن العلماء ترتيبَهم الزمني حسب وفاتهم. خامسًا: أذكر من نقل الإجماع عن العالم، فإن نص أحد العلماء على أنه نقله عن عالم آخر، فإني أذكر بعد هذا أن فلانا نقله من الأول، وإلا فإني أنقل عبارة العالم حتى وإن كانت بالنص، من أجل أن يتعرف القارئ الكريم على مناهج العلماء في النقل والاستفادة من بعضهم، وطرقهم في ذلك، وتصرفهم في العبارة في بعض الأحيان، ولا شك أن النقل أوكد وأوثق في موافقة الإجماع. سادسًا: أذكر من وافق العلماء الذين نقلت عنهم الإجماع من المذاهب الأخرى الذين لا ينتمي إليهم العلماء المنقول عنهم الإجماع، فمثلا: إذا انفرد ابن عبد البر بحكاية الإجماع في المسألة، فإني أذكر المذاهب الأخرى التي لا ينتمي إليها ابن عبد البر وهي المذهب الحنفي، ثم الشافعي، ثم الحنبلي، وأذكر المسألة عند ابن حزم من المذهب الظاهري إذا وجدتها صراحة، وإلا فلا، إلا في القليل النادر من المسائل الظاهرة التي يعلم قوله فيها وإن لم ينص عليه مبينا ذلك في الحاشية، واقتصرت على ذكر المذاهب الأربعة دون ذكر مذاهب الصحابة والتابعين وأتباعهم، وغيرهم من العلماء المستقلين عن المذاهب؛ وذلك لأن القول الذي حُكي فيه الإجماع هو الأصل، فذكرهم استكثار لا حاجة له. فإن وجدت المسألة في المذهب منصوصا عليها، فالحمد للَّه، وإلا فإني

стр. 723

أجتهد في إلحاق المسألة بنظائرها من مسائل المذهب وما يشبهها من الفروع الفقهية، وأنبه على هذا في الحاشية. سابعًا: أذكر مستند الإجماع في المسألة من الكتاب والسنة إن كان، وإلا فمن أدلة الاستنباط الأخرى المعتبرة عند العلماء، هذا كله إذا وجدت العلماء قد استدلوا به، وإلا فإني أجتهد في استنباط الأدلة للإجماع، وعلامة ذلك في البحث عدم التوثيق وهذا من حيث الأصل، ولا أستقصي بذكر جميع الأدلة، وإنما اقتصر على الدليلين والثلاثة حتى لا يخرج البحث عن المقصود، ولا أزيد على هذا إلا إذا كانت المسألة ذات فروع متعددة. ثامنًا: أذكر القول المخالف للإجماع المحكي في المسألة، ثم أذكر دليله إن وجد وإلا فأجتهد في استنباط دليل له، ثم بعد هذا أُثني بذكر نقد القول إن كان، وذلك ببيان ضعفه، أو شذوذه إن وافق القاعدة، سواء نص على ذلك عالمٌ، أو كان اجتهادا من الباحث. تاسعًا: أذكر نتيجة الإجماع المحكي في المسألة هل ثبت أم لا؟ مع بيان التعليل باختصار، وهي بحسب اجتهاد الباحث واطلاعه. عاشرًا: وحَّد الباحث العناوين المندرجة تحت المسألة، فجعلها كلها بلفظ الإجماع سواء كان الإجماع بلفظ الاتفاق أو بنفي الخلاف. الحادي عشر: قام الباحث بترقيم المسائل ترقيما تسلسليا، ووضع رقمين لكل مسألة، رقم بحسب ورودها في البحث، وآخر بحسب ورودها في المبحث أو المطلب. الثاني: الهوامش: ١) عزوت الآيات إلى سورها مع ذكر رقمها. ٢) خرجت الأحاديث والآثار من مصادرها في كتب السنة المعتمدة، فإذا كان الحديث في الكتب الستة، فإني أذكر رقم الحديث أو الأثر، ثم رقم الجزء، والصفحة، فإذا كان الحديث في الصحيحين، أو في أحدهما فأكتفي بتخريجه منهما فقط ولا أزيد، وإلا فأُخرج الحديث من المصادر الأخرى مع نقل كلام العلماء المتقدمين الذين يعتمد عليهم في نقد الحديث وبيان درجته صحة وضعفا،

стр. 724

ولا ألتزم هذا في الآثار. ٣) وثقت أقوال الفقهاء من الكتب المعتمدة في كل مذهب، وجمعت توثيق المذاهب في فقرة الموافقين على الإجماع، حسب ترتيبهم الزمني في حاشية واحدة، طلبا للاختصار في الحواشي، وعادة الباحث عند توثيق الكتب ألا يذكر معلومات الكتاب اكتفاء بما سيذكر في قائمة المراجع إلا في الكتب المتشابهة. ٤) عرفت بالمصطلحات الأصولية والفقهية التي ترد في صلب البحث، موثقة من مصادرها ومراجعها المعتمدة. ٥) بينت معاني الألفاظ اللغوية الغريبة التي ترد في البحث مع توثيقها من كتب معاجم اللغة المعتمدة. ٦) في حالة النقل من كتاب يشتمل على جزء واحد، فقد ذكرت الصفحة مسبوقة بحرف الصاد هكذا (ص: ). ٧) ترجمت باختصار لكل علم يرد في صلب البحث ترجمة تتضمن: اسمه، ونسبه، ومذهبه الفقهي، وشهرته، وأهم مؤلفاته، وتاريخ مولده ووفاته، مع ذكر مصادر ترجمته. واقتصرت في التراجم على غير المشهورين، فالخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، والمعاصرون، ومشاهير الصحابة -وهم الذي كثرت روايتهم لحديث رسول اللَّه ﷺ ونحوهم أشهر من أن أترجم لهم. الثالث: الخاتمة: دونت فيها أهم نتائج البحث وتوصياته التي خلصت إليها في البحث، وجعلتها على هيئة عناصر مرقومة، راعيت فيها دقة الصياغة والإيجاز، بحيث تعطي صورة واضحة عن البحث. الرابع: الفهارس ، وتتضمن ما يلي: ١) فهرس المصادر والمراجع. ٢) فهرس الموضوعات. هذه هي إجراءات البحث التي التزمها الباحث في بحثه، وبذل وسْعه في السير

стр. 725

عليها، وما ندَّ عنها، فهي غفلة الذهن المكدود، أو الضرورة التي ليس عنها محيد. • خطة البحث: وتحتوي على مقدمة، وتمهيد، وثمانية أبواب، وخاتمة، وهي على النحو التالي: المقدمة: وقد بينت فيها مشكلة البحث، ثم حدوده وأهميته، ومن بعدها أسباب اختياره، والدراسات السابقة، ثم أهدافه وأسئلته ومنهجه، ويأتي بعدها إجراءاته وخطته. أما التمهيد: وفيه الدراسة التأصيلية لبعض مسائل الإجماع. ويشتمل على سبعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: مكانة الإجماع وحجيته. المبحث الثالث: أنواع الإجماع، وتحته مطلبان: المطلب الأول: أنواع الإجماع باعتبار ذاته. المطلب الثاني: أنواع الإجماع باعتبار قوته. المبحث الرابع: شروط الإجماع. المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر. المبحث السادس: القول الشاذ أحكامه وضوابطه. المبحث السابع: وقفات وملاحظات مع مناهج العلماء في حكاية الإجماع. أما أبواب الدراسة في عقود المعاوضات المالية، فيندرج تحتها ثمانية أبواب: الباب الأول: مسائل الإجماع في أسباب التملك والكسب. الباب الثاني: مسائل الإجماع في كتاب البيع، ويندرج تحته ستة فصول: الفصل الأول: مسائل الإجماع في باب شروط البيع.

стр. 726

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في باب الشروط في البيع. الفصل الثالث: مسائل الإجماع في باب الخيار في البيع. الفصل الرابع: مسائل الإجماع في باب الصرف. الفصل الخامس: مسائل الإجماع في باب بيع الأصول والثمار. الفصل السادس: مسائل الإجماع في باب السلم. الباب الثالث: مسائل الإجماع في كتاب الإجارة. الباب الرابع: مسائل الإجماع في كتاب المساقاة والمزارعة. الباب الخامس: مسائل الإجماع في كتاب الجعالة. الباب السادس: مسائل الإجماع في كتاب الصلح. الباب السابع: مسائل الإجماع في كتاب المسابقة. الباب الثامن: مسائل الإجماع في كتاب الشفعة. أما الخاتمة فأبرزت فيها أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها من خلال رحلة البحث. • الصعوبات التي واجهت الباحث: لا يخفى أن البحوث العلمية متفاوتة في الكم والكيفية، وليست على درجة واحدة، وكل بحث تعتريه مشاكل وصعوبات تعليق البحث والباحث، وفي هذا البحث مرت على الباحث بعض الصعوبات، أذكر أبرزها: أولًا: أن البحث متعلق بالمعاملات التي هي أدق أبواب الفقه على الإطلاق، وكانت تمر بالباحث مسائل يمكث فيها الليالي ذوات العدد في فهمها، ومعرفة المراد منها، وتمييزها عما يشبهها من المسائل. ثانيًا: كثير من المسائل التي مرت بالباحث مسائل متعلقة بتفريعات المذاهب، وفي أحيان كثيرة لا يجد الباحث هذه الفروع في المذاهب الأخرى، مما يجعله يبحث عن تخريج أو قياس على هذا الفرع، ومثل هذا لا يخفى فيه قدر الطاقة والجهد المبذولين فيه على الممارس له.

стр. 727

ثالثًا: طول البحث وتشعب فروعه، فالمسائل المبحوثة تربو على الثلاثمائة وستين مسألة، والباحث جاوز الوقت المعتاد للبحث، ووقته وجهده وطاقته كلها مصروفة إلى هذا البحث، واللَّه يعلم الحال، وإليه المرد والمآل. ومع هذه الصعاب إلا أن أفضال ربي علي لا تعدُّ ولا تحصى، فلولا فضله وتوفيقه على عبده الضعيف لبقي البحث حبيسا، وسُلِب الباحث توفيقا. • شكر وعرفان: في ختام هذه المقدمة أحمد ربي على نعمه العظام، وفضائله الجسام، أن يسر لي السبيل، وسهل علي الطريق، فلولا فضل ربي لما كان هذا البحث قد تم، ولا كان هذا الخير قد عم، ولا أملك إلا أن أمثتل قول النبي الصالح سليمان ﵇ ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١). ومن باب "لا يشكرُ اللَّه من لا يشكرُ الناس" (٢)، فإني أكتب صفحات الشكر لجامعة الملك سعود التي أتاحت لي فرصة المواصلة والبحث في قسم الثقافة الإِسلامية، بكلية التربية. ثم أُثني بصاحب الخلق العالي، والأدب الضافي، المشرف على البحث، فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الرحيم صالح يعقوب، فقد كانت له آثار ظاهرة، وبصمات واضحة على البحث والباحث، فالباحث مدين له بالفضل والإحسان في بحثه ما بقي في الحياة. ثم أثلث بذي الرأي المُسدد، والقول الموفق، فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد اللَّه ابن إبراهيم الناصر، فقد كانت له آثار لا تُنسى، وأفضال لا تُجحد، في إعدادات البحث ومقدماته، بل ما استقام مشروع البحث على عوده، ولا استوى على سوقه إلا باهتمامه وحرصه، فله مني الثناء، وله علي الدعاء.

стр. 728

ثم أعرج على بقية أعضاء لجنة المناقشة، وهم فضيلة شيخي الأستاذ الدكتور/ خالد بن علي المشيقح، وفضيلة شيخي الأستاذ الدكتور/ حسن بن عبد الغني أبو غدة، وفضيلة الشيخ الدكتور/ بله الحسن عمر، فأشكر لهم قبولهم المناقشة، وتكبدهم قراءة الرسالة. وأختم كلمات الشكر لكل من أسدى إلي معروفا، أو أهدى إلي خيرا، فأهل الفضل علي كثير، وحقهم علي عظيم، فاللهم اجزهم عني خير الجزاء وأوفاه، وأعظم البر وأعلاه. وأخيرا أستغفر اللَّه مما زلَّ به القلم، أو طغى به الفِكر، ورحم اللَّه عبدا أقال العَثرة، وستر العَيبة، وأسدى النصيحة، وأخفى النقيصة. واللَّه أعلم وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبها علي بن عبد العزيز بن أحمد الخضيري يوم الاثنين الموافق ٩/ ٣/ ١٤٢٩ هـ

стр. 729

التمهيد: الدراسة التأصيلية لبعض مسائل الإجماع وتحته عدة مباحث: المبحث الأول: تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: مكانة الإجماع وحجيته. المبحث الثالث: أنواع الإجماع. المبحث الرابع: شروط الإجماع. المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر. المبحث السادس: القول الشاذ أحكامه وضوابطه. المبحث السابع: وقفات وملاحظات مع مناهج العلماء في حكاية الإجماع. * * *

стр. 730

المبحث الأول: تعريف الإجماع في اللغة والاصطلاح أولًا: تعريفه في اللغة: أصل الكلمة الجيم والميم والعين يدل على ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (١). ويقال: وأَجْمعت كذا، أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يُتوصل إليه بالفكرة، نحو ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (٣) ويقال: أجمع المسلمون على كذا، أي: اجتمعت آراؤهم عليه (٤). والإجماع: الإحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وأجمعت على الخروج، ويقال: أجمعت الرأي، وأزمعته، وعزمت عليه، كلها بمعنى، وفي الحديث: "من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له" (٥) أي: إحكام النية والعزيمة (٦). ثانيًا: تعريفه في الاصطلاح عرف العلماء الإجماع بعدة تعاريف مختلفة؛ نظرا لاختلاف العلماء في كثير

стр. 731

من المسائل المتعلقة بأركان الإجماع، وشروطه، وأحكامه (١). وسأكتفي بذكر أجمع التعاريف في بيان معنى الإجماع الأصولي، وهو: اتفاق مجتهدي الأمة، بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ في عصر على أيِّ أمر كان (٢). بيان شرح التعريف ومحترزاته (٣): [اتفاق] أي: الاشتراك في الرأي أو الاعتقاد، سواء أدلَّ عليه الجميع بأقوالهم جميعا، أم بأفعالهم جميعا، أم يقول البعض وفعل البعض -وهذا يشمل أنواع الإجماع الصريح- أم يقول البعض أو فعله مع سكوت البعض الآخر -وهذا يشمل الإجماع السكوتي- (٤). [مجتهدي] المجتهد: هو الذي يبذل وُسْعه في طلب الظن بحكم شرعي على وجه يُحِس معه بالعجز من المزيد عليه (٥). [الأمة] المراد بها: أمة محمد ﷺ الذين آمنوا به واتبعوه في أي زمان كان. وخرج بهذه الألفاظ السابقة: ١) اتفاق المقلدين والعوام. ٢) اتفاق بعض المجتهدين. ٣) اتفاق المجتهدين من غير هذه الأمة. فكل هؤلاء لا يعد اتفاقهم إجماعا يحتج به (٦).

стр. 732

[بعد وفاة الرسول ﷺ ] وهذا يخرج الاتفاق الذين يكون في حياته؛ فإنه لا عبرة به، يقول الرازي (١): [الإجماع إنما ينعقد دليلا بعد وفاة الرسول ﵇؛ لأنه ما دام ﵇ حيا لم ينعقد الإجماع من دونه. . .، ومتى وجد قوله فلا عبرة يقول غيره] (٢). [في أي عصر] أي: أن الاتفاق يحصل في أي زمن كان، سواء كان في زمان الصحابة، أم في زمن من بعدهم (٣). والمقصود أن يتفق العلماء كلهم على أمر ثم ينقرض زمانهم ولم يخالف أحد منهم. [على أيِّ أمر كان] وهذا قيد يدخل فيه: ١) الأمر الديني: كأحكام الطهارة، والصلاة، والمعاملات، ونحوها. ٢) الأمر الدنيوي: كترتيب الجيوش، والحروب، وتدبير أمور الرعية، ونحوها. ٣) الأمر العقلي: كحدوث العالم. ٤) الأمر اللغوي: يكون الفاء للترتيب والتعقيب (٤). وهذه الأمور الثلاثة الأخيرة المراد منها ما له صلة بالحكم الشرعي، وعليه فيكون الإجماع فيها ليس مقصودا لذاتها بل لما يلزم منها (٥). فلا حاجة لتقييد التعريف بالأمر الديني إذا كان هذا هو المراد.

стр. 733

المبحث الثاني: مكانة الإجماع وحجيته • أولًا: مكانة الإجماع: ١) الإجماع حجة قاطعة، ودليل ظاهر من أدلة الشريعة، بل هو ثالث الأدلة المتفق عليها بعد كتاب اللَّه، وسنة النبي ﵇، كما دل عليه كتاب عمر ﵁ إلى شريح القاضي (١) حين قال له: [اقض بما في كتاب اللَّه، فإن لم تجد فبما في سنة رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون] وفي رواية: [فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به] (٢). وما جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: [من عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب اللَّه، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، فليقض بما قضى به نبيه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه ﷺ ، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب اللَّه، ولا قضى به نبيه ﷺ ، ولا قضى به الصالحون، فليجتهد رأيه] (٣). وفي هذا رد على ما جاء عن بعض المتأخرين من الرجوع أولا للإجماع، فإن

стр. 734

وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصا يخالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وهو رد على الطائفة الأخرى التي تقول بأن الإجماع نفسه ينسخ النص، وهذا كله مخالف لمنهج السلف الصالح (١). وهذا مراد منه الإجماع الظني، أما الإجماع القطعي فهو مقدم على غيره من الأدلة؛ لأن غاية ما في الأمر هو تقديم النصوص القطعية الثبوت والدلالة على النصوص الظنية الثبوت أو الدلالة، لا أنه تقديم للإجماع على النص (٢). ٢) والإجماع دليل تبعي وليس استقلاليا، فهو تابع للكتاب والسنة؛ لأن مرده إليهما، فلا بد له من مستند يرجع إليه، سواء عُلم هذا المستند أم لا فإذا ثبت دل على رفع الاحتمال، والتأويل، والتخصيص، والنسخ في النصوص الشرعية، وكان هذا سبيلا من سبل رفع الجهد عن المجتهد في النظر والاستنباط (٣). ٣) والمنكر للإجماع، أو المخالف له بعد علمة به، وقيام الحجة عليه، يعد متبعا لسبيل غير المؤمنين، وفي هذا يقول ابن حزم: [ومن خالفه -أي: الإجماع - بعد علمه به، أو قيام الحجة عليه بذلك، فقد استحق الوعيد المذكور في الآية] (٤). يقصد ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (٥). ومن جحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، وهو: ما يعرفه الخواص والعوام من غير تشكيك: كوجوب الصلاة والصوم، وحرمة الزنا والخمر، فهذا كافر قطعا؛ لأن جحده يستلزم تكذيب النبي ﷺ . ومن جحد المجمع عليه الخفي الذي لا يعرفه إلا الخواص، حتى وإن كان منصوصا عليه: كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف، واستحقاق بنت الابن السدس

стр. 735

مع بنت الصلب، فإنه لا يكفر جاحده (١). • ثانيًا: حجية الإجماع: اتفق أهل العلم من أهل السنة والجماعة على أن الإجماع حجة شرعية، يجب اتباعه، والمصير إليه (٢). يقول ابن حزم: [اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء الإسلام حجة، وحجة مقطوع به في دين اللَّه ] (٣). ويستدل لهذا بعدة أدلة من الكتاب والسنة: فمن الكتاب: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن معنى مشاقة الرسول ﷺ : منازعته ومخالفته فيما جاء عن ربه، ومعنى سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من قول أو فعل أو اعتقاد، وقد جعل اللَّه كلا من المشاقة واتباع غير المؤمنين موجبا للعقاب؛ لأنه عطفهما على بعض بالواو المفيدة للتشريك في الحكم، فيلزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما، كما حرمت مشاقة الرسول ﷺ ؛ إذ لو لم يكن محرما لما جمع بين الحرام والمباح في الوعيد، وإذا حرُم اتباع غير سبيل المؤمنين وجب تجنُّبه باتباع سبيلهم؛ لأنه لا واسطة بينهما, ولزم من وجوب اتباع سبيلهم كون الإجماع حجة (٥).

стр. 736

• الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١). • وجه الدلالة من الآية من وجهين: الأول: أن اللَّه ﵎ عَدَّلهم بقبول شهادتهم، ولما كان قول الشاهد حجة؛ إذ لا معنى لقبول شهادته إلا كون قوله حجة يجب العمل بمقتضاه، فيدل هذا على أن إجماع الأمة حجة يجب العمل بمقتضاه وهو المطلوب. الثاني: أنه تعالى جعل شهادتهم حجة على الأمم السابقة في الآخرة، كما جعل شهادة الرسول حجة علينا حينئذ، فيكون قولهم في الأحكام في الدنيا حجة أيضًا، قياسا على قولهم في الآخرة؛ لأنه لا معنى لكون الإجماع حجة سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم (٢). الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣). • وجه الدلالة من وجهين: الأول: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم جنس دل على استغراق العموم، وعلى ذلك تكون الآية إخبارا من اللَّه عن أمة محمد ﷺ بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، وصِدْق خبر اللَّه يستلزم أنهم إذا نهوا عن شيء علمنا أنه منكر، وإذا أمروا بشيء علمنا أنه معروف، فكان نهيهم وأمرهم حجة يجب اتباعه. الثاني: أن النهاية في الخيرية الموصوفة بها الأمة تقتضي أن يكون ما أجمعوا عليه حقا؛ لأنه لو لم يكن حقا كان ضلالا؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، والحق

стр. 737

واجب الاتباع، فيكون إجماعهم على الحق واجبَ الاتباع (١). ومن السنة: يستدل على الإجماع من سنة النبي ﷺ بجملة الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة، وبيان فضلها، وتعظيم شأنها، والإخبار بعصمتها عن الخطأ، ومنها (٢): الدليل الأول: ما جاء في حديث عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فمن أراد بحبوحة (٣) الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد" (٤). الدليل الثاني: ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "إن اللَّه لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد ﷺ على ضلالة" (٥). الدليل الثالث: ما جاء في حديث أبي ذر (٦) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 738

"من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبقة (١) الإسلام من عنقه" (٢). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: قال الشافعي: [إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان، فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفُجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس -إن شاء اللَّه-] (٣). وها هنا مسألتان (٤): المسألة الأولى: أن هذه النصوص أفادت أن العصمة ثابتة للأمة دون اشتراط عدد معين، بل إن أهل الإجماع متى ثبت اتفاقهم وجب اتباع قولهم وثبتت

стр. 739

العصمة لهم، وبناء عليه فلا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر؛ لأن الدليل الشرعي لم يشترط ذلك، بل علق العصمة على الإجماع والاتفاق فقط (١). المسألة الثانية: أن هذه النصوص تدل على أن الإجماع حجة ماضية في جميع العصور، سواء في ذلك عصر الصحابة أو عصر من بعدهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع عامة مطلقة، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة أو تقييدها دون دليل شرعي معتبر (٢).

стр. 740

كما لا يصح الاحتجاج لإبطال إجماع غير الصحابة بصعوبةٍ، أو تعذرِ وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة لتفرق المجتهدين في الآفاق وانتشارهم في الأقطار، إذ غاية ذلك هو القول بعدم صحة وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة وتعذر إمكانه. أما حجية الإجماع فأمر آخر، فلا بد من التفريق بين حصول الإجماع وإمكان
следующие страницы →