• الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١).
• وجه الدلالة من الآية من وجهين:
الأول: أن اللَّه ﵎ عَدَّلهم بقبول شهادتهم، ولما كان قول الشاهد حجة؛ إذ لا معنى لقبول شهادته إلا كون قوله حجة يجب العمل بمقتضاه، فيدل هذا على أن إجماع الأمة حجة يجب العمل بمقتضاه وهو المطلوب.
الثاني: أنه تعالى جعل شهادتهم حجة على الأمم السابقة في الآخرة، كما جعل شهادة الرسول حجة علينا حينئذ، فيكون قولهم في الأحكام في الدنيا حجة أيضًا، قياسا على قولهم في الآخرة؛ لأنه لا معنى لكون الإجماع حجة سوى كون أقوالهم حجة على غيرهم (٢).
الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣).
• وجه الدلالة من وجهين:
الأول: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم جنس دل على استغراق العموم، وعلى ذلك تكون الآية إخبارا من اللَّه عن أمة محمد ﷺ بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، وصِدْق خبر اللَّه يستلزم أنهم إذا نهوا عن شيء علمنا أنه منكر، وإذا أمروا بشيء علمنا أنه معروف، فكان نهيهم وأمرهم حجة يجب اتباعه.
الثاني: أن النهاية في الخيرية الموصوفة بها الأمة تقتضي أن يكون ما أجمعوا عليه حقا؛ لأنه لو لم يكن حقا كان ضلالا؛ إذ ليس بعد الحق إلا الضلال، والحق
стр. 737
واجب الاتباع، فيكون إجماعهم على الحق واجبَ الاتباع (١).
ومن السنة:
يستدل على الإجماع من سنة النبي ﷺ بجملة الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة، وبيان فضلها، وتعظيم شأنها، والإخبار بعصمتها عن الخطأ، ومنها (٢):
الدليل الأول: ما جاء في حديث عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فمن أراد بحبوحة (٣) الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد" (٤).
الدليل الثاني: ما جاء في حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول ﷺ : "إن اللَّه لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد ﷺ على ضلالة" (٥).
الدليل الثالث: ما جاء في حديث أبي ذر (٦) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 738
"من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبقة (١) الإسلام من عنقه" (٢).
• وجه الدلالة من الأحاديث السابقة:
قال الشافعي: [إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان، فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفُجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى؛ لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس -إن شاء اللَّه-] (٣).
وها هنا مسألتان (٤):
المسألة الأولى: أن هذه النصوص أفادت أن العصمة ثابتة للأمة دون اشتراط عدد معين، بل إن أهل الإجماع متى ثبت اتفاقهم وجب اتباع قولهم وثبتت
стр. 739
العصمة لهم، وبناء عليه فلا يشترط لصحة الإجماع أن يبلغ المجمعون عدد التواتر؛ لأن الدليل الشرعي لم يشترط ذلك، بل علق العصمة على الإجماع والاتفاق فقط (١).
المسألة الثانية: أن هذه النصوص تدل على أن الإجماع حجة ماضية في جميع العصور، سواء في ذلك عصر الصحابة أو عصر من بعدهم؛ لأن أدلة حجية الإجماع عامة مطلقة، ولا يجوز تخصيص هذه الأدلة أو تقييدها دون دليل شرعي معتبر (٢).
стр. 740
كما لا يصح الاحتجاج لإبطال إجماع غير الصحابة بصعوبةٍ، أو تعذرِ وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة لتفرق المجتهدين في الآفاق وانتشارهم في الأقطار، إذ غاية ذلك هو القول بعدم صحة وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة وتعذر إمكانه.
أما حجية الإجماع فأمر آخر، فلا بد من التفريق بين حصول الإجماع وإمكان
стр. 741
وقوعه، وبين حجيته في كل عصر، وليس بين الأمرين تلازم.
فالأول محل نظر بين العلماء: إذ منع بعضهم وقوع إجماع بعد عصر الصحابة (١)، ونقل البعض الآخر الإجماع في عصر الصحابة وفي عصر من بعدهم.
والثاني وهو حجية الإجماع: فلا شك أن الدليل الشرعي قاطع في ثبوت حجية الإجماع مطلقا في كل عصر.
* * *
стр. 742
المبحث الثالث: أنواع الإجماع
الإجماع له أنواع متعددة، وأنواعه مختلفة باختلاف اعتباره:
• المطلب الأول: أنواع الإجماع باعتبار ذاته:
وينقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين:
القسم الأول: الإجماع الصريح: هو عبارة عن اتفاق كل مجتهدي الأمة المحمدية في عصر من العصور على حكم شرعي لواقعة، بأن يبدي كل واحد منهم رأيه صراحة، أو يبين بعضهم الحكم قولا، ويفعل البقية على ذلك القول، وهذا حجة قاطعة بلا نزاع كما مر.
القسم الثاني: الإجماع السكوتي: هو أن يعمل بعض المجتهدين عملا، أو يبدي رأيا في مسألة اجتهادية، قبل استقرار المذاهب فيها، ويسكت باقي المجتهدين عن إبداء رأيه بالموافقة أو بالمخالفة بعد علمهم سكوتا مجردا عن أمارات الرضا والسخط، مع مضي زمن يكفي للبحث والنظر (١).
ومثله الإجماع الاستقرائي، وهو: أن يُسْتَقرأ أقوال العلماء في مسألة، فلا يُعْلم خلاف فيها (٢).
وقد اختلف العلماء في هذا النوع من أنواع الإجماع، فأقول:
تحرير محل النزاع:
أولًا: لا خلاف بين العلماء القائلين بحجية الإجماع في أن الإجماع السكوتي حجة فيما تعم به البلوى، إذا اشتهر الحكم المجمع عليه، وتكرر السكوت من مجتهدي عصر الإجماع؛ لأن السكوت مرة بعد أخرى يحصِّل علما ضروريا
стр. 743
بالرضا بذلك القول، كما أن العادة تحيل السكوت في كل مرة من غير رضا به.
ثانيًا: لا خلاف بين العلماء أنه ليس بحجة، إذا حصل السكوت بعد استقرار المذاهب؛ لأن الظاهر أنهم سكتوا اعتمادا على معرفة مذهبهم في تلك المسألة من قبل، مثل أن يسكت الحنفي عن مذهب الشافعي.
ثالثًا: إذا كان السكوت من المجتهد مقترنا بما يدل على الرضا بالقول المشتهر، فهو إجماع بلا نزاع، وإن كان مقترنا بما يدل على السخط، فليس بإجماع.
رابعًا: محل النزاع فيما إذا كان السكوت في غير ما تعم به البلوى، ولم يكن هناك مانع من إبداء الرأي، وكان السكوت قبل استقرار المذاهب، ومضت مدة تكفي للنظر والتأمل بعد الفتوى أو القضاء، وكانت المسألة اجتهادية تكليفية، وعُلِم أن القول قد بلغ جميع علماء العصر (١).
سبب الخلاف بين العلماء:
سبب الخلاف راجع إلى أن السكوت محتمل للرضا وعدمه، فمن رجح جانب الرضا وجزم به قال: إنه حجة قاطعة، ومن رجح جانب الرضا, ولم يجزم به، قال: إنه حجة ظنية، ومن رجح جانب المخالفة، قال: إنه لا يكون حجة (٢).
الخلاف والأدلة في المسألة:
اختلف العلماء في هذا الإجماع على عدة أقوال، أبرزها:
القول الأول: أنه حجة وإجماع. وهو قول جماهير العلماء (٣).
واستدلوا على قولهم بعدة أدلة، أهمها:
الدليل الأول: أنه لو اشترط لانعقاد الإجماع أن ينص كل واحد منهم على رأيه
стр. 744
صراحة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبدا؛ لأنه يتعذر اجتماع أهل كل عصر على قول يسمع منهم، والمتعذر معفو عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم، فثبت بذلك: أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة، فكان إجماعا وحجة.
الدليل الثاني: الوقوع: وذلك أن المجتهدين من التابعين إذا حدثت حادثة بينهم، ولم يجدوا حكما لها في نص، ووجدوا قولا فيها لصحابي، وعلموا أن هذا القول قد انتشر وسكت بقية الصحابة عن الإنكار، فإن التابعين لا يُجوِّزون العدول عن ذلك القول، بل يعملون به؛ بناء على أنه قول قد أجمع عليه.
الدليل الثالث: أنه قد وقع الإجماع على أن السكوت عن رضا معتبر في المسائل الاعتقادية، فيقاس عليها المسائل الاجتهادية؛ لأن الحق في الموضعين واحد (٢).
القول الثاني: أنه ليس بإجماع ولا حجة. وهذا القول نسبه إلى الإمام الشافعي كثير من الشافعية، وهو اختيار الغزالي (٣) والرازي وابن حزم (٤).
стр. 745
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
الدليل الأول: قصة ذي اليدين (١) لما قال للنبي ﷺ : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟ فنظر رسول اللَّه إلى أبي بكر وعمر ﵄ وقال: "أحقٌّ ما يقوله ذو اليدين؟ " (٢).
• وجه الدلالة: أن السكوت لو كان دليلا لاكتفى به النبي ﷺ ، لكنه سأل أبا بكر وعمر، فدل على أن السكوت لا يدل على الرضا.
وأجيب عنه: أن الصحابة إنما سكتوا اكتفاء بما قاله ذو اليدين؛ لكونهم مثله في عدم العلم (٣).
الدليل الثاني: أن مذهب المجتهد يعلم بقوله الصريح الذي لا يتطرق إليه أي احتمال، أما سكوت الساكت فإنه يحتمل أنه سكت؛ لأنه لم يجتهد في المسألة، أو اجتهد ولكنه لم يتوصل فيها إلى حكم معين، أو وصل إلى حكم معين لكنه لم يعلنه تقية ومخافة، أو يسكت لعارض طرأ عليه لم يظهره لنا، وغيرها من الاحتمالات وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، ولا ينسب له كلام في هذه الحالة ما لم يصرح به، ويعلنه للناس.
وأجيب عن هذا الدليل: أنه إذا سكت المجتهد بعد أن يعلن المجتهد رأيه مدة يستطيع من خلالها التفكر في المسألة؛ فإن سكوته يدل على رضاه بذلك الرأي المعلن؛ فيكون حجة وإجماعا.
أما هذه الاحتمالات فهي احتمالات عقلية، وليس حقيقية، فليس من عادة العلماء السكوت على قول الحق خشية من سطوة أحد من الناس، وليس هذا
стр. 746
ديدنهم في النوازل التي تنزل.
ونوقشت هذه الإجابة: بأن الواقع يرد هذه الإجابة، ويجعل هذه الاحتمالات حقيقة وواردة عند المجتهدين، ولا يمكن إنكارها.
القول الثالث: أنه حجة، وليس بإجماع. قال به بعض الشافعية، وهو اختيار الآمدي (١)(٢).
ودليل هذا المذهب: أن سكوت الباقين يدل دلالة ظاهرة على الموافقة، فيكون قول ذلك المجتهد المعلن مع سكوت الباقين من المجتهدين عن الإنكار حجة يجب العمل به، كخبر الواحد والقياس.
وإنما لم نقل: إنه إجماع؛ لأن سكوت الباقين من المجتهدين يحتمل عدة احتمالات قد سبقت في الدليل الثاني للقول الثاني، ومع وجود الاحتمال فإنه يضعف الاستدلال به، وجعله إجماعا.
الإجابة والمناقشة:
قد سبقت الإجابة عن هذه الاحتمالات ومناقشتها عند إيراد الدليل (٣).
الترجيح:
يظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلة القائلين به، وضعف أدلة القائلين بالقولين الآخرين ومناقشتها.
стр. 747
تنبيه: المتأمل للإجماعات التي يحكيها العلماء، يجد أن غالبها مردُها إلى هذا النوع من أنواع الإجماع، سوى نزر يسير منها، وهي الإجماعات القطعية التي هي معلومة من الدين بالضرورة، فالعالم إما أن ينقل الإجماع عن عالم آخر، أو ينقله ابتداء، ونعلم أنه لم يستنطق العلماء الذين في زمانه واحدا واحدا، أو يتتبع أقوالهم وإنما غاية ما في الأمر أنه لم يطلع على المخالف في المسألة، ويرى اشتهارها بين العلماء، ولم يعلم أحدا خالف من المتقدمين من العلماء، فيحكيه ابتداء، خاصة إذا علمنا أن الإجماع الذي يذكره الأصوليون بشروطه المعروفة يَصْعب وقوعه، ويقِل حدوثه؛ لصعوبة تحقق الشروط مجتمعة، وهذا يؤدي إلى عدم الاستفادة بأصل الإجماع، ويفتح أبوابا من الشر عظيمة، يقول د. عمر الأشقر: [فَتَح القول بهذا النوع من الإجماع -يقصد الذي يذكره الأصوليون- بابَ شر على المسلمين، فبعض ضعاف النفوس الذين يريدون أن يلبِسوا على المسلمين دينهم، يجادلون وينازعون في قضايا مسلَّمة عند جمهور الأمة، وعندما يُواجهون ويحاورون، يقولون: إن هذه المسائل خلافية، ليس فيها إجماع، اثبتوا لي أن جميع علماء الأمة ذهبت هذا المذهب، أو قالت بهذا القول! ! فإذا لم نستطع إثبات ذلك، جعل هذا الرجل عدم قدرتنا على تلبية طلبه ذريعة لمخالفته ما سار عليه جمهور علماء الأمة، كما هو حادث في هذه الأيام] (١).
• المطلب الثاني: أنواع الإجماع باعتبار قوته:
وهو بهذا الاعتبار على قسمين:
القسم الأول: الإجماع القطعي، وهو ما توفرت فيه الشروط التالية:
الشرط الأول: أن تتوفر فيه شروط الإجماع كافة، المتفق عليها والمختلف فيها.
الشرط الثاني: أن يصرح كل واحد من المجتهدين بحكم المسألة، أو أن يصرح البعض، ويعمل البعض الآخر على وفق القول المصرح به.
الشرط الثالث: أن ينقل إلينا هذا القول وهذا التصريح نقلا متواترا.
стр. 748
فإذا توفرت هذه الشروط مجتمعة أصبح الإجماع قطعيا، وهو لا يكون إلا في الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وإجماع الصحابة المنقول بالتواتر خاصة (١).
القسم الثاني: الإجماع الظني، وهو: ما اختل فيه شرط من شروط الإجماع القطعي.
ويدخل في هذا النوع صور من مسائل الإجماع التي يذكرها العلماء، منها:
الإجماع السكوتي والاستقرائي، الاتفاق بعد الخلاف، الاتفاق دون انقراض العصر، الإجماع الذي يكون مستنده ظنيا، وأشباهها من المسائل التي لا تدخل في القسم الأول (٢).
وعامة الإجماعات ظنية، لا يحكم بقطعيتها، لعدم توفر الشروط فيها.
* * *
стр. 749
المبحث الرابع: شروط الإجماع
يشترط للإجماع جملة من الشروط أذكر أهمها (١):
الشرط الأول: أن يكون للإجماع مستند .
والمستند هو: الدليل الذي يعتمد عليه المجتهدون فيما أجمعوا عليه، وهذا شرط عند جماهير العلماء، بل قال الآمدي: [اتفق الكل على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا على مأخذ ومستند يوجب اجتماعها عليه، خلافًا لطائفة شاذة. . .] (٢).
ويؤيد قول الجمهور عدة أدلة، منها:
الدليل الأول: قياس علماء الأمة على النبي ﷺ ، فكما أنه لا يتكلم إلا بوحي، كما وصفه اللَّه بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٣) فكذلك علماء الأمة -وهم أقل منزلة منه- أولى ألَّا يتكلموا إلا بدليل.
الدليل الثاني: أنه لو جاز انعقاد الإجماع من غير دليل لم يكن لاشتراط الاجتهاد في قول المجمعين معنى، وهذا محال، وما أدى إلى المحال فهو محال، ولا يخفى أن اشتراط الاجتهاد مجمع عليه.
الدليل الثالث: أن الإجماع بغير مستند قول في الدين بغير علم، وقد نهى اللَّه عن ذلك فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٤)(٥).
стр. 750
الشرط الثاني: أن يكون الإجماع صادرا من جميع مجتهدي العصر:
وهذا يعني أنه إذا خالف واحد أو اثنان فإن اتفاق الباقين غير معتبر.
وقد اختلف العلماء في هذا الشرط على قولين، هما (١):
القول الأول: أنه لا بد من اتفاق الجميع على المسألة، وهذا قول جماهير العلماء (٢)(٣).
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
الدليل الأول: الأدلة السابقة التي في حجية الإجماع، وهي دالة على عصمة الأمة عن الخطأ، ولفظ الأمة إنما يطلق على الجميع، وليس على الأكثر، ولا يطلق عليه إلا بقرينة.
الدليل الثاني: وقوع اتفاق الأكثر في زمن الصحابة مع مخالفة الأقل لهم، فقد سوغوا لهم الاجتهاد بلا نكير، فلو كان اتفاق الأكثر إجماعا يلزم غيرهم أن يأخذوا به لأنكروا عليهم، وبادروا بتخطئتهم، كما وقع في مخالفة ابن عباس ﵄ في بعض مسائل الربا والفرائف، وأما ما يوجد منهم من الإنكار في هذه الصورة فلم يكن إنكار تخطئة، بل إنكار مناظرة في المأخذ، ولذلك بقي الخلاف الذي ذهب إليه الأقلون منقولا إلى زماننا، بل ربما ظهر أن ما ذهب إليه الأقل هو
стр. 751
المعوَّل عليه فيما بعد، كما وقع في قتال الردة (١).
القول الثاني: أن مخالفة الواحد والاثنين لا تؤثر في الإجماع. وهذا قول ابن جرير الطبري، وأبي بكر الجصاص (٢)، وبعض المعتزلة (٣)، وقد أومأ إليه الإمام أحمد (٤).
واستدلوا بعدة أدلة، منها:
الدليل الأول: الوقوع: فإنه لما اتفق أكثر الأمة على مبايعة أبي بكر ﵁ بالخلافة، انعقد الإجماع على ذلك، ومن المعلوم أن بعض الصحابة خالف في ذلك، فلو لم يكن اتفاق الأكثر إجماعا لما كانت خلافة أبي بكر ثابتة بالإجماع.
وأجيب عن هذا الدليل: بعدم التسليم بما ذكر، حيث إن خلافة أبي بكر وقعت باتفاق الصحابة، فبعضهم نطق بالمبايعة، وبعضهم لم ينكر ذلك، وما نُقل عن تأخر بعضهم إنما كان لعذر خاص، ثم نقل عنه المبايعة صراحة.
الدليل الثاني: أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد أو الاثنين لما انعقد الإجماع أصلا؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه (٥).
الترجيح: ويظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ وذلك لقوة أدلته،
стр. 752
وضعف أدلة القول الثاني.
الشرط الثالث: أن يكون المجمعون عدولًا:
والعدالة، هي: ملكة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة (١).
وقد اختلف العلماء في اشتراط هذا الشرط على قولين، بعد اتفاقهم على أن الكافر الأصلي لا عبرة بمخالفته أبدا (٢):
القول الأول: أن العدالة شرط في الإجماع، فلا يقبل قول الفاسق مطلقا. وهو قول الجمهور (٣).
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها:
الدليل الأول: أن الأدلة على حجية الإجماع تتضمن العدالة، خاصة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٤) إذ معنى الوسط هو: العدل.
الدليل الثاني: أن غير العدل أوجب اللَّه التوقف في أخباره بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥) واجتهاده إخبار بأن رأيه كذا، فيجب التوقف في قوله، وإذا وجب التوقف في قبول إخباره، لم يحكم بقبول خبره (٦).
القول الثاني: أنه لا يشترط عدالة المجتهدين إذا بلغوا درجة الاجتهاد. وهو
стр. 753
مذهب الجويني (١)، والإسفراييني، والشيرازي (٢)، والغزالي، والآمدي، وأبي الخطاب الحنبلي (٣)(٤).
ودليلهم، قالوا: إن أدلة حجية الإجماع عامة، ولم تشترط عدالة المجتهد، فاشتراطها تخصيص بلا دليل.
وأجيب عن ذلك: بأن الأدلة قد اشترطت ذلك وإن لم يكن هذا صراحة، ثم هذا الفاسق لا يؤمن عصيانه في الإجماع كما يعصي في غيره (٥).
الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن القول الأول هو الراجح؛ وذلك لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني والإجابة عليها.
الشرط الرابع: أن يسبق الإجماع خلاف مستقر بين العلماء .
ويدخل في هذا الشرط خلاف العلماء في مسألة اختلاف الصحابة أو الأولين
стр. 754
في مسألة على قولين، ثم أجمع التابعون أو المتأخرون على أحد قولي الصحابة أو الأولين:
القول الأول: أن إجماع المتأخرين إجماع صحيح، وتحرم مخالفته. وهو قول أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، وأبي بكر القفال (١)، وأبي الخطاب من الحنابلة (٢).
واستدلوا على ذلك بما يلي:
الدليل الأول: أن النصوص الدالة على حجية الإجماع عامة، يدخل فيها أيُّ إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه خلاف أم لا.
الدليل الثاني: القياس على اتفاق الصحابة على مسألة بعد اختلافهم فيها: فهذا إجماع صحيح، فكذلك في المسألة معنا، بجامع أن كلا منهما اتفاق بعد اختلاف (٣).
القول الثاني: أنه لا يكون إجماعا صحيحا، وعليه فتجوز مخالفته. قال به الشيرازي، والجويني، والغزالي، والآمدي من الشافعية، وأبو يعلى (٤) من الحنابلة (٥).
стр. 755
واستدل هؤلاء بعدة أدلة، منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١).
• وجه الدلالة: أن اللَّه أوجب الرد إليه عند التنازع، ولو جوزنا انعقاد الإجماع الثاني، للزم الرد إلى الإجماع، وهذا مخالف لما أوجب اللَّه.
وأجيب عنه: أن وجوب الرد إلى اللَّه مشروط بوجود التنازع، فإذا حصل الإجماع زال هذا الوجوب، ثم إن الرد إلى الإجماع هو رد إلى اللَّه تعالى؛ لأن المجمعين اتفقوا على هذا الحكم المستند إلى الكتاب والسنة.
الدليل الثاني: أن اختلاف الصحابة على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان، فلو انعقد الإجماع على أحد القولين فإنه يلزم من ذلك رفع الإجماع.
وأجيب عنه: بعدم التسليم على أن اختلافهم على قولين هو إجماع على جواز الأخذ بأي قول كان؛ لأن كلا من الفريقين لا يُجَوِّز الأخذ إلا بقوله فقط، دون قول الفريق الآخر (٢).
الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الثاني والإجابة عنها، وكذلك لو قيل بالقول الثاني، لضعفت الإجماعات وندرت، لأن كثيرا من الإجماعات وقعت بعد خلاف سبقها.
* * *
стр. 756
المبحث الخامس: خلاف أهل الظاهر
أهل الظاهر: هم أتباع داود بن علي (١)، وإليه ينسب المذهب.
وقد اختلف العلماء في الاعتداد بقول الظاهرية على أقوال:
القول الأول: عدم الاعتداد بقولهم مطلقا. وعلى هذا القول جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين (٢).
قالوا: لأنهم نفوا القياس الذين قَبلته الأمة وأجمعت عليه (٣)، ومن أنكره لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر، فهو كالعامي الذي لا معرفة له، ويكون حكمهم كالشيعة في الفروع، فلا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء، ولا يلتفت إلى أقوالهم، ولا ندُل مستفتيا عليهم. ثم إن النصوص الشرعية لا تفي بعشر معشار ما يحتاجه الناس، فلو جمد الناس على ظواهر النصوص، لوقع لهم خلل وقصور في معاملاتهم التي يحتاجونها (٤).
وأجيب عن ذلك:
أن القول بنفي القياس هو قول أدى إليه اجتهادهم، كما أدى القول عند المثبتين إلى إثباته (٥).
стр. 757
القول الثاني: الاعتداد بقولهم في الوفاق والخلاف. وهذا قال به القاضي عبد الوهاب (١)، والأستاذ أبو منصور البغدادي (٢)، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، كما نسبه إليهم ابن الصلاح (٣)(٤).
وهؤلاء قالوا: ما اعتددنا بخلافهم؛ لأن مفردات المسائل عندهم حجة، ولكن لأن أقوالهم مثل أقوال غيرهم من العلماء، فيها السائغ، وبعضها القوي، وبعضها ساقط لا يُعتد به، ويلزم من لم يعتد بخلافهم ألَّا يعتد بخلاف من ينفي المرسل، ويمنع العموم، ومن حمل الأمر على غير الوجوب، وغيرها من المسائل الأصولية ولا قائل بهذا، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني،
стр. 758
وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي.
ويشهد لهذا أيضا ما كان عليه العمل عند المتقدمين الذين أدركوا إمام المذهب أبا سليمان داود بن علي، فإن مذهبه كان مشهورا، بل مما يزيد في شهرته أنه كان في بغداد، حاضرة العالم، ومعقل العلم والعلماء، ولم يُذْكر إنكار العلماء عليه، لا في فتاويه، ولا في دروسه، ولا في تآليفه، وقد عاصره علماء أجلاء، وشيوخ كبار، بل كانوا يذكرونه بالعلم والخير، ولما سُئل الطبري وابن سريج (١) عن كتاب ابن قتيبة في الفقه، أين هو عندكم؟ فقالا: [ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد (٢)، فإذا أردت الفقه: فكتب الشافعي وداود ونظرائهما].
وكذلك العلماء من بعدهم، بل كانوا يتجالسون ويتناظرون فيما بينهم، ويبرز كل واحد منهم حجته، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان، بل أبلغ من ذلك أنهم ينصبون معهم الخلاف في تصانيفهم قديما وحديثا، وهذا دليل على اعتبار قولهم وخلافهم، وإلا فلا فائدة من ذلك (٣).
القول الثالث: التفصيل: الاعتداد بقوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله في التغوط في الماء الراكد، وقوله: لا ربا إلا في ستة الأصناف المنصوص عليها، فخلافه فيها غير معتد به؛ لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه. وهذا القول اختاره الأبياري (٤)، وابن الصلاح من
стр. 759
الشافعية (١).
ويمكن أن يستدل لهم: بأن هؤلاء من علماء الأمة، ولا يمكن الإجماع إلا بقول الجميع دون استثناء أحد منهم، فيؤخذ بقولهم ويعتد به إلا ما كان مبنيا على الأمر الذي خالفوا فيه إجماع العلماء وهو ترك العمل بالقياس، وإلا فليس من العدل والإنصاف أن يطرح قولهم جملة وتفصيلا، ولا يعتد به، لترك القياس، فيترك قولهم الذي كان مبنيا على المخالفة فقط.
الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الثالث؛ لسلوكه طريق العدل والإنصاف تجاه هؤلاء العلماء.
وقفتان لا بد منهما:
الأولى: الذي ظهر للباحث من خلال البحث أن ظاهر صنيع كثير من العلماء الذين يعتنون بنقل الخلاف بين المذاهب أنهم يعتدون بخلاف الظاهرية؛ وذلك لذكر خلافهم في بطون كتبهم، لكن إذا جاءت مسائل الإجماع فإنهم يحكون الإجماع ولا ينظرون إلى خلافهم، ومثلها المسائل التي انفردوا بها وهي من غرائبهم فإنهم لا يذكرونهم أصلا، أو يذكرونهم ويردون عليهم.
الثاني: أن مذهبهم كسائر المذاهب التي لم يُعْتنى بها، وأصبحت كالمندثرة، فلم يبق من آثارهم شيء يُعَول عليه، إلا ما ذكره ابن حزم في "المحلى"، وابن حزم أحد أفرادهم لكنه خالفهم في مسائل ليست قليلة، وأقول: لعل من أسباب عدم الاعتداد بقولهم والتهجم على مذهبهم، ما عرف عن ابن حزم من حدة لسانه وتهكمه بالعلماء، فربما كان هذا سببا في هجران أقوالهم وعدم الالتفات إليها، خاصة وأنه لا يعرف القول بعدم الاعتداد بقولهم إلا في زمن ابن حزم، كما يفهم من دليل القول الثاني.
стр. 760
المبحث السادس: القول الشاذ: أحكامه وضوابطه (١)
أولًا: تعريفه:
• تعريفه في اللغة: هو ما انفرد به عن الجمهور وندر، أو الخارج عن الجماعة، وما خالف القاعدة أو القياس، ومن الناس: خلاف السوي، وكل شيء منفرد فهو شاذ (٢).
• وفي الاصطلاح: التفرد بقول مخالف للحق بلا حجة معتبرة (٣).
ثانيًا: استعمال الفقهاء لهذه اللفظة:
هذه اللفظة بهذا المعنى استعملها الفقهاء في أمرين:
الأول: الحكم على القول بالشذوذ بالنسبة للمذهب.
مثال ذلك: ما قال ابن تيمية: [وفي المذهب خلاف شاذ يشترط الإشهاد على إذنها] (٤).
وهذا القسم ليس عليه الكلام؛ لأنه ربما يكون شاذا في مذهب، معتبرا في مذهب آخر له دليله وحظه من النظر.
الثاني: الحكم على القول بالشذوذ بالنسبة لأقوال العلماء عموما، أو بالنسبة إلى الحق والصواب.
стр. 761
مثال ذلك: قال ابن عبد البر: [وروي عن ابن عباس ﵄ في الجدة أيضا قول شاذ أجمع العلماء على تركه] (١).
ثالثًا: ضوابط في معرفة القول الشاذ:
الأول: أن يكون القول على خلاف النصوص الصريحة الصحيحة.
الثاني: أن يكون القول مسبوقا بإجماع.
الثالث: أن ينفرد به صاحبه، ولم يتابعه عليه أحد، وضعف مأخذه فيه.
الرابع: أن يكون القول لم يجر عليه عمل العلماء وهجروه.
الخامس: أن يكون مخالفا لأصول الشريعة وقواعدها العامة.
ولا يعرف هذه القواعد أو يحكم بها في الأصل إلا العلماء الذين علا كعبهم، ورسخت أقدامهم، وارتفع شأنهم في العلم.
رابعًا: حكاية القول الشاذ:
الأصل في حكاية الأقوال الشاذة التي ليس عليها أثارة من علم، والاشتغال بها وبردها، مضيعة للوقت والجهد، وهو من باب التكلف والخوض فيما لا طائل تحته (٢)، وفيه تسويد للصفحات من غير فائدة. إلا أنه متى اشتهر القول الشاذ، وسارت به الركبان، وتعلق به أهل الأهواء، أو خُشي من ذلك، فإن في ذكره وبيان ضعفه، إسقاط له، وإعذار إلى اللَّه تعالى، كالحديث الموضوع.
وهذا هو ظاهر صنيع العلماء في نقلهم للشذوذات التي وقعت، كما أنهم أتوا بأقوال اليهود والنصارى وغيرهم ليبطلوا ما فيها.
يقول الشاطبي (٣): [فأما المخالف للقطعي، فلا إشكال في اطِّراحه، ولكن
стр. 762
العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه، وعلى ما فيه، لا للاعتداد به] (١).
وعلى هذا متى تبين شذوذ القول، فلا يصح أن يُعَد خلافا في المسألة، ولا يخرق الإجماع المحكي فيها، ولو صدر ممن هو من أهل الاجتهاد، فضلا عن أن يصدر من صاحب هوى، أو متزبب (٢).
يقول الشاطبي: [لا يصح اعتمادها خلافا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاده، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشرع، كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل، أو عدم مصادفته فلا، فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها] (٣).
ويقول القرافي: [كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس، ولا يفتي به في دين اللَّه] (٤).
ويقول العز بن عبد السلام (٥): [والضابط في هذا أن مأخذ المخالفة إن كان في
стр. 763
غاية الضعف والبعد عن الصواب فلا نظر إليه، ولا التفات عليه، إذا كان ما اعتمد عليه لا يصح نصبه دليلا شرعا، ولا سيما إذا كان مأخذه مما ينقض الحكم بمثله] (١).
المبحث السابع: وقفات وملاحظات مع مناهج العلماء في حكاية الإجماع
هذا المبحث معقود لبيان جملة من الملاحظات والفوائد والتنبيهات التي سجلها الباحث أثناء رحلته مع البحث، تمثل طريقة العلماء في تعاملهم مع الإجماع، وحكايتهم له، وبيان مناهجهم فيه، فإلى بيانها في النقاط التالية:
أولًا: أن مردَّ حكاية الإجماع إلى جملة من العلماء هم الذين اعتنوا به وأكثروا منه، منهم: ابن المنذر، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن قدامة، وابن تيمية، ومن عداهم فالغالب عليهم النقل عنهم.
ثانيًا: أن غالب الكتب المذهبية التي تعتني بذكر المذهب، ولا تذكر غيره، لا تنقل الإجماعات المرادة بالمعنى الأصولي، وإذا ذكرت إجماعا فإما أن يكون نقلا عن عالم آخر، أو يراد منه الإجماع المذهبي.
ثالثًا: أن ألفاظ الإجماع متفاوتة في استعمالات العلماء، فليست كلها على درجة واحدة، فأعلاها كلمة [أجمع] وما تصرف منها، ثم [اتفق] وما تصرف منها، ثم ما يُذكر من نفي الخلاف في المسألة (٢).
стр. 764
ويلاحظ أن الكتب المذهبية تستخدم كلمة [اتفاقا] كثيرا، ويقصدون بها الاتفاق المذهبي، وليس الاتفاق المقارن.
رابعًا: قد يَنص العالم على مراده بالإجماع وهذا قليل، منهم ابن هبيرة، وقد لا ينص وهم أكثر العلماء (١).
خامسًا: أما الترمذي:
فلم أجد له إجماعا في الأبواب المدروسة في البحث، وما يذكره البعض من أن مراده حين يقول: [العمل على هذا عند أهل العلم] يقصد به الإجماع، فهذا -كما يظهر للباحث- غير صحيح؛ وذلك لعدة قرائن تظافرت تدل على عدم صحة هذا المقصود، سأذكرها مع بعض الأمثلة على سبيل الاختصار، منها:
الأولى: أنه يحكي هذه العبارة ثم يحكي بعدها خلاف العلماء، أو ينقلها عن غيره ثم يحكي معها الخلاف، وهذه أقوى القرائن؛ إذ لو أراد بها الإجماع لما حكى الخلاف في المسألة.
من أمثلة ذلك:
يقول: [والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر
стр. 765
أو بعرفة، ورخص بعض أهل العلم من التابعين في الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق (١)، وقال بعض أهل العلم: يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير الشافعي للمريض أن يجمع بين الصلاتين] (٢).
وكذلك يقول: [والعمل على هذا عند أهل العلم قالوا: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب اللَّه، وأعلمهم بالسنة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة، وقال بعضهم: إذا أذن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلي به، وكرهه بعضهم وقالوا: السنة أن يصلي صاحب البيت، قال أحمد بن حنبل: وقول النبي ﷺ : "ولا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه"، فإذا أذن فأرجو أن الإذن في الكل، ولم ير به بأسا إذا أذن له أن يصلي به] (٣).
ويقول أيضا: [على هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بد منه، ويُروى عن إبراهيم النخعي (٤) أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة] (٥).
ويقول أيضا لما ذكر انصراف النبي ﷺ عن يمينه وعن يساره بعد انقضاء الصلاة: [وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء: إن شاء عن
стр. 766
يمينه، وإن شاء عن يساره، وقد صح الأمران عن النبي ﷺ ، ويُروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره] (١).
ومثال الحالة الثانية: ما ذكره حين قال: [اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد: فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، حتى ذكر عن بعضهم أنه كان يهرول إلى الصلاة، ومنهم من كره الإسراع واختار أن يمشي على تؤدة ووقار، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقالا: العمل على حديث أبي هريرة. وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع في المشي] (٢).
الثانية: أنه يورد هذه العبارة في أحايينَ كثيرة في بعض المسائل الخلافية التي الخلاف فيها ظاهر منتشر، يجزم معه القارئ عدم خفائه على الإمام الترمذي.
مثال ذلك: لما أورد حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه". قال بعده: [حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه] (٣). ويقصد بهذا عدم شرعيةِ جلسة الاستراحة، والخلاف في هذه المسألة سلفي معروف (٤)، بل الترمذي نفسه ذكر قبل هذا الحديث الذي يدل على شرعية جلسة الاستراحة، ثم قال: [العمل على هذا عند بعض أهل العلم] (٥).
وكذلك لما أورد حديث عبد اللَّه بن زيد (٦) في صفة الاستسقاء قال بعده:
стр. 767
[حديث عبد اللَّه بن زيد حديث حسن صحيح، وعلى هذا العمل عند أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق] (١). والخلاف في المسألة قديم معروف (٢).
وكذلك لما أورد حديث ابن عباس ﵄ في قتل اللائط في البهيمة وقتلها معه، قال: [والعمل على هذا عند أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق] (٣). والخلاف في المسألة مشهور (٤).
الثالثة: أنه لو كان مراده الإجماع لما حكى الإجماع صراحة في مواضع متفرقة من كتابه، فلما غاير بين الألفاظ دلَّ على اختلاف المراد (٥).
الرابعة: أنه يغاير في استعمال هذه العبارة أحيانا كثيرة فيقول: [عند أكثر أهل العلم] ويقول أيضا: [عند بعض أهل العلم]، مما يتعذر معه حمله على معنى
стр. 768
الإجماع، وهذا أشهر من أن يُمثَّل له.
هذه بعض القرائن التي تدل على عدم قصده بهذه العبارة الإجماع في المسألة، ومعرفة معناها يحتاج إلى استقراء تام لجامعه، حتى يعرف المراد، ويفهم على ما أراد.
سادسًا: أما الإمامان: الشافعي والطبري؛ فلم أجد لهما من الإجماعات إلا القليل، وقد حكى كل واحد منهما ستة إجماعات، ولم ينقلا أو يَنْقل عنهما أحد شيئًا من الإجماعات.
سابعًا: أما ابن المنذر:
فهو بحق إمام أهل الإجماع، وعمدة كثير ممن ينقل الاتفاق، وعنه ينقل المتأخرون، وبكلامه يصدرون، فهو ابن بجدتها، ولا ينبئك مثل خبير، يقول ابن تيمية: [عليه اعتماد كثير من المتأخرين في نقل الإجماع والخلاف. . .] (١). ويقول ابن القيم: [وهو من أعلم الناس بالإجماع والاختلاف. . .] (٢).
وقد حكى خمسين إجماعا، منها أربعون مسألة نقلها عنه العلماء، ونقل هو عن غيره مسألتين فقط.
غالبا ما يحكي الإجماع باللفظ الصريح في كتابه الإجماع، أما في كتاب الإشراف فيقول في الغالب في نفس المسائل المذكورة في كتاب الإجماع: [أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم] وهذا من ورعه واحتياطه في ذكر الإجماع.
أحيانا إذا قال: [أجمع عوام أهل العلم] فإنه يحكي بعدها الخلاف، فهناك مخالفون لكنهم قلة، كما فعل في مسألة: إجارة الأرض بالذهب والفضة.
أحيانا يحكي الإجماع في المسألة، ثم يذكر من خالف فيها من العلماء، كما في مسألة: ملكية ثمر النخل، ومسألة الأخذ بالشفعة للصبي. وهذا ربما يكون راجعا إلى أنه يرى أن مخالفة الواحد والاثنين لا تخرق الإجماع (٣).
стр. 769
يغلب على ظن الباحث أنه لم يؤلف كتاب الإجماع استقلالا، وإنما هو مُسْتل من كتاب الإشراف، حتى إنه سار في ترتيب الإجماعات على ما هو مذكور في الإشراف حذو القذة بالقذة.
ثامنًا: أما ابن عبد البر:
فهو إمام موسوعي، لا يُشَق له غبار في معرفة مواطن الخلاف والإجماع بين العلماء، مشهود له بذلك، حتى عُدت بعض كتبه من نوادر الكتب التي إليها مرد العلم والفقه في الدين (١).
وقد حكى سبعة وأربعين إجماعا، منها عشرون مسألة نقلها عنه غيره، ولم ينقل عن غيره شيئا.
وقد عُرف عنه اهتمامه بحكاية الإجماع ودقة نقله فيه، فهو يُميِّز بين ألفاظ الإجماع، ويُغَاير بينها، إذا لزم الأمر، فإذا قال [أجمعوا على كذا] ليس كما لو قال: [أجمع الفقهاء]، أو [بلا خلاف بين العلماء] ونحوها من العبارات.
من غريب ما يذكر أنه وإن كان إماما مبرزا في العلم، إلا أن أزهد الناس في النقل عنه هم علماء مذهبه، فلا تكاد تجدهم ينقلون عنه إلا قليلا، ولذا حاز قصب السبق في النقل عنه أئمة المذاهب الأخرى.
стр. 770
تاسعًا: ابن حزم:
لا يخفى -كما مر- أن مذهبه لا يرى الاعتداد بالإجماع إلا بالإجماعات القطعية، أو التي وقعت وانتشرت انتشارا ظاهرا في زمن النبي ﷺ بحيث لا يتخلف عن معرفتها أحد من الصحابة (١).
وقد حكى ثلاثة وخمسين إجماعا، منها ثلاث وثلاثون مسألة نقلها عنه غيره، ولم ينقل عن أحد شيئًا.
كل الإجماعات التي حكاها في كتابه مراتب الإجماع، حكاها بلفظ الاتفاق، دون غيرها من سائر الألفاظ، إلا في مسألتين من مسائل السبق، وهما: إخراج السبق من الإمام، وإخراجه من أحد المتسابقَين، فقد حكاهما بنفي العلم في الخلاف.
من عادته أنه يُحاج المذاهب الأخرى بإجماعات الصحابة ولا يعتد هو بها.
وقد ذكر في خاتمة كتابه المراتب أنه يفرق بين الألفاظ في حكاية الإجماع، فقال: [وليعلم القارئُ لكلامنا، أن بين قولنا لم يجمعوا وبين قولنا لم يتفقوا فرقا عظيما] (٢) ثم ختم الكتاب ولم يذكر هذا الفرق.
ذكر في كتابه مراتب الإجماع [وإنما ندخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا مخالف فيه ألبتة، الذي يعلم كما يعلم أن صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان، وأن شهر رمضان هو الذي بين شوال وشعبان، وأن الذي في المصاحف هو الذي أتى به محمد ﷺ ، وأخبر أنه وحي من اللَّه، وأن في خمس من الابل شاة، ونحو ذلك] (٣). ولم يلتزم شرطه في الكتاب، ولو التزمه لم يبق من كتابه إلا النزر اليسير من المسائل، بل تجده يحكي الاتفاق في مراتب الإجماع، ويخالفه هو في كتابه المحلى، كما في مسألة: اشتراط الخيار ثلاثة أيام بلياليها.
أو أحيانا ينقل الخلاف هو في المسألة، كما في مسألة: اشتراط المشتري مال الرقيق.
стр. 771
أحيانا ينقل الصورة الصحيحة في المسألة، فيذكر لها قيودا كثيرة مما يتفق عليها العلماء ويحكي فيه الاتفاق، وربما تكثر قيودها حتى تتجاوز صفحة كاملة (١).
عاشرًا: أما ابن هبيرة:
فقد نص في المقدمة على أنه اقتصر في حكاية الاتفاق على المذاهب الأربعة فقال: [. . . رأيت أن أجعل ما أذكره من إجماع مشيرا به إلى إجماع هؤلاء الأربعة] (٢).
ويظهر أنه مقصوده المشهور في المذاهب، ولذا كثرت مخالفته لروايات مذهبه المذهب الحنبلي، كما في: مسألة العتق في زمن الخيار، والسلم في المكيلات والموزونات، وحمل الثمن على غالب نقد البلد، وبيع أمهات الأولاد، وشراء المصحف، وخيار المجلس في العقود الجائزة.
وقد حكى تسعة وستين إجماعا، منها خمس وعشرون مسألة، نقلها عنه العلماء، ولم ينقل عن غيره إجماعا.
كثيرا ما يحكي الاتفاق في المنهيات بلفظ الكراهة لا التحريم، وأحيانا لا يكون أحد من أهل العلم يقول بالكراهة، كما في مسألة: البيع بعد النداء يوم الجمعة، وبيع العنب ممن يتخذه خمرا، وبيع عسب الفحل.
وربما يتبعها بلفظة تدل على التحريم، فيقول: [اتفقوا على كراهة التسعير للناس، وأنه لا يجوز].
فإما أن يكون مقصوده الكراهة التحريمية، أو يكون من باب الاحتياط في حكاية الإجماع.
الحادي عشر: أما ابن قدامة:
إمام حنبلي بارز، مغنيه أغنى عن كثير من الكتب، وقد حكى مائة وواحد وأربعين إجماعا، منها تسع وثلاثون مسألة نقلها عنه العلماء، ونقل تسعا وعشرين
стр. 772
مسألة عن غيره.
لا يجزم بحكاية الإجماع إلا في المسائل الظاهرة المشتهرة، أو التي ينقلها عن غيره، وفي الغالب ينقل عن ابن المنذر.
ما عدا ذلك فإنه ينفي علمه بالخلاف، اتباعا لسنة إمامه الإمام أحمد كما سبق ذكر ذلك عنه.
والحنابلة مرد إجماعاتهم التي ينقلونها -في الغالب- إليه، فمثلا شمس الدين ابن قدامة، وابن مفلح، والبهوتي، والقاسم، وغيرهم لا يتعدون ما يذكره ابن قدامة.
أما شمس الدين ابن قدامة، فلا يخفى أنه نقل كتاب المغني على كتاب المقنع ولم يُضفْ إليه إلا القليل، لكنه نقل إجماعات لم ينقلها الموفق أبو محمد في مغنيه انظر على سبيل المثال: (١١/ ٣٤، ٤٩، ١٣٠، ١٧٥، ٢٨٩، ٣٧٥) وكذا (١٤/ ١٩٣، ٢٦٦، ٣١٢).
وكذلك لم ينقل إجماعا ذكره الموفق في مغنيه كما في مسألة: استئجار الأرض التي ماء دائم للزرع والغرس (١).
كثير من الحنابلة ينقل عن شمس الدين؛ لأنه رتب كتابه على ترتيب متأخري الحنابلة فسَهُلَ الرجوع إليه أكثر من الكتاب الأم وهو المغني.
الثاني عشر: أما النووي:
فهو إمام الشافعية في زمانه، وله أثر على المذهب لا ينكر، وقد حكى اثنين وسبعين إجماعا، منها عشر مسائل نقلت عنه، وإحدى عشرة مسألة نقلها عن غيره.
ومن الملاحظ أنه إذا حكى الإجماع بلفظ الإجماع ففي الغالب يقصد به الإجماع الأصولي.
стр. 773
أما إذا حكاه بلفظ نفي الخلاف، ففي الغالب يقصد به الإجماع المذهبي، ولذا كثيرا ما يسبقها بلفظ: [قال أصحابنا] أو [عندنا]، وهذا هو الأكثر عنده في كتاب المجموع فهو مليء بالإجماعات المذهبية، بل لا تكاد تخلو صفحة من صفحات الكتاب منه.
ونادرا ما يحكي الإجماع بلفظ الاتفاق، فلم ترد في القسم الذي بحثه الباحث إلا في موضعين، انظرها في المجموع (٩/ ٢٨٧، ٤٦٦).
الثالث عشر: أما القرافي:
فقد حكى ثلاثة عشر إجماعا، منها مسألة واحدة نقلها عن غيره، ولم ينقل أحد من العلماء عنه.
وهو ينفي الخلاف في المسائل كثيرا، وإذا نفاه بهذا اللفظ فمقصوده الخلاف المذهبي.
إذا حكى الإجماع بهذا اللفظ فهو في الغالب يقصد منه الإجماع بالمعنى الأصولي.
كثيرا ما يحكي الإجماع في القواعد الفقهية والأصولية في كتاب الذخيرة (١).
الرابع عشر: أما ابن تيمية:
فهو عالم نحرير، وجهبذ خبير، لم يُر مثله في زمانه، كما شهد بذلك القاصي والداني، كان له اطلاع واسع على الخلاف في زمن قلَّ فيه معرفة الخلاف، ولذا اتهم بمخالفة الإجماع في جملة من المسائل.
وله اهتمام واسع بنقل الإجماع، ولذا استقل بنقل جملة منها، فقد حكى ستة وشين إجماعا، منها ثمان مسائل نقلت عنه، وأربع استفادها من غيره، وفي الغالب يذكر الإجماعات في معرض المحاجَّة والمناقشة لأقوال المخالفين لمذهبه الذي يرجحه.
ولوفرة علمه فقد انتقد جملة من الإجماعات المحكية في المسائل.
الخامس عشر: الإجماعات التي يحكيها علماء الحنفية هي أكثر الإجماعات
стр. 774
بالنسبة للمذاهب الأخرى، لكن لا يفرح بها كثيرا؛ لأنهم غالبا ما يريدون بها الإجماع المذهبي لا الإجماع بالمعنى الأصولي، وقد درس الباحث في بحثه الإجماعات التي حكاها: الكاساني، والعيني، وابن الهمام، وابن نجيم.
أما الكاساني: فقد حكى أربعة وأربعين إجماعا، نُقلت عنه مسألتان، ولم ينقل عن غيره مسألة واحدة.
أما العيني: فقد حكى أربعة وتسعين إجماعا، منها ثماني عشر نقلها عن غيره، ولم ينقل أحد عنه.
أما ابن الهمام: فقد حكى سبعة وخمسين إجماعا، منها تسع مسائل نقلت عنه، وواحدة نقلها هو عن غيره.
أما ابن نجيم: فقد حكى ثمانية وعشرين إجماعا، منها خمس مسائل نقلت عنه، ونقل هو خمس مثلها عن العلماء.
وهم غالبا ما يوردون الإجماع بلفظه الصريح، وهذا الذي جعل إجماعاتهم أقل الإجماعات أهمية من بين سائر المذاهب، فلذا لم ينقل الإجماع عنهم أحد من المذاهب الأخرى، ولم ينقلوا هم عن غيرهم إلا القليل.
وأوثقهم في حكاية الإجماع ابن الهمام والعيني، وما يورده الأول بصيغة الاتفاق فيقصد به غالبا علماء المذهب، وقد جاء هذا ظاهرا في مسألة: الزيادة المتصلة وأثرها في رد العين المعيبة، فقد ذكر الاتفاق، ثم ذكر خلاف المذاهب.
السادس عشر: أما ابن العربي:
فهو من علماء المالكية، وخرج عن مذهبه في مسائل كثيرة، وقد حكى تسعة عشر إجماعا، منها ست نقلت عنه، ولم ينقل عن غيره شيئا.
السابع عشر: أما القرطبي:
فقد حكى تسعة وعشرين إجماعا، نقل منها أربع عشرة مسألة، ولم يَنقل عنه أحد من العلماء، ولعل سبب ذلك أن كتابه كتاب تفسير وليس كتاب فقه؛ ولذا لم يَنقل عنه أحد.
الثامن عشر: أما البغوي وابن حجر والشربيني:
стр. 775
فهؤلاء من علماء الشافعية، ولم يكن لهم إلا إجماعات قليلة.
أما البغوي فقد حكى ستة إجماعات، نقل العلماء عنه إجماعا واحدا، ولم ينقل هو عن أحد شيئا.
أما ابن حجر فقد حكى ثلاثة وثلاثين إجماعا، منها ثلاث عشرة مسألة نقلها عن غيره، ونُقِل عنه عشر مسائل.
أما الشربيني: فقد حكى تسعة وعشرين إجماعا، منها ثمان مسائل نقلها عن غيره، ولم يَنقل عنه أحد من العلماء.
التاسع عشر: أما الصنعاني والشوكاني:
فقد استفادا كثيرا من ابن حجر في كتابه فتح الباري، فربما نقلا عنه شرح أحاديث بأكملها، ولذا فهما لم ينفردا بذكر إجماعات إلا شيئا يسيرا، وإن لم يذكرا ذلك.
أما الصنعاني: فقد حكى سبعة وعشرين إجماعا، منها ثمان مسائل نقلها عن غيره.
أما الشوكاني: فقد حكى سبعة وثلاثين إجماعا، منها إحدى وعشرون مسألة نقلها عن غيره، ونُقِلت عنه مسألة واحدة.
والشوكاني مذهبه في الإجماع أنه لا يعتد به إلا على سبيل الاعتضاد لا الاعتماد (١)، ولذا فهو ناقل للإجماع، وليس موردا له ابتداء، وقد نقل إجماعات كثيرة عن علماء مذهب بلده، وهم الزيدية (٢)(٣).