← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

[١٧/ ٣] المسألة السابعة عشرة: من أُريد بظلم من الإمام أو غيره فدفع عن نفسه ذلك، فليس ذلك باغيًا . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا اعتُدي عليه بظلم، فدفع عن نفسه ذلك الظلم، فإن دفاعه مباح، ولا يعتبر باغيًا، حتى لو كان المعتدي هو الإمام. • من نقل الإجماع: ذكر ابن حزم (٤٥٦ هـ) هذا القول عن عبد اللَّه بن عمرو، وأنه لا مخالف له من الصحابة، حيث قال: "فهذا عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بقية الصحابة وبحضرة سائرهم ﵃ يريد قتال عنبسة بن أبي سفيان عاملُ أخيه معاوية أمير المؤمنين، إذ أمره بقبض الوهط (١)، ورأى عبد اللَّه بن عمرو أن أخذه منه غير واجب، وما كان معاوية ﵀ ليأخذ ظلمًا صراحًا، لكن أراد ذلك بوجه تأوله بلا شك، ورأى عبد اللَّه بن عمرو أن ذلك ليس بحق، ولبس السلاح للقتال، ولا مخالف له في ذلك من الصحابة ﵃" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا

стр. 7107

بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى شرع قتال الفئة الباغية، دون التفريق بين سلطان وغيره (٢). ٢ - النصوص الدالة على مشروعية الدفاع عن النفس، ومنها: أ- في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يَا رسول اللَّه أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك) قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (قاتله)، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (هو في النَّار) (٣). ب- عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد" (٤). وعن سعيد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) (٥). • وجه الدلالة من الأحاديث: أن الشرع أثبت مشروعية الدفاع عن النفس، ولم يفرق بين الحاكم وغيره. قال ابن حزم: "وكذلك قوله ﵇: (من قتل دون ماله فهو شهيد) عموم لم يخص معه سلطانًا من غيره، ولا فرق في قرآن، ولا حديث،

стр. 7108

ولا إجماع، ولا قياس، بين من أريد ماله، أو أريد دمه، أو أريد فرج امرأته، أو أريد ذلك من جميع المسلمين، وفي الإطلاق على هذا هلاك الدين وأهله، وهذا لا يحل بلا خلاف" (١). ٣ - أنه مروي عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁، ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة، فقد أخرج الإمام أحمد أن معاوية ﵁ أراد أن يأخذ أرضًا لعبد اللَّه بن عمرو ﵁ يقال لها الوهط، فأمر عبد اللَّه مواليه، فلبسوا آلتهم وأرادوا القتال، وقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (ما من مسلم يُظلم بمظلمة فيقاتِل فيُقتل إلا قتل شهيدًا) (٢). وأخرجه عبد الرزاق وابن حزم بلفظ: أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عامل له أن يأخذ الوهط، فبلغ ذلك عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁، فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته وقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد) (٣) • وجه الدلالة: أن عبد اللَّه بن عمرو دافع عن نفسه ضد ولي الأمر، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، كما ذكره ابن حزم (٤) فكان إجماعًا منهم.

стр. 7109

• المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الإمام ليس كغيره، فلو اعتدى على أحد من رعيته فلا يجوز مدافعته، ومحاربته (١). وذكر ابن المنذر أن هذا القول هو كالإجماع، كما نقله عنه ابن حجر حيث قال: "حكى بن المنذر عن الشافعي قال من أريد ماله، أو نفسه، أو حريمه، فله الاختيار أن يكلمه، أو يستغيث، فإن منع أو أمتنع لم يكن له قتاله، وإلا فله أن يدفعه عن ذلك، ولو أتى على نفسه، وليس عليه عقل، ولا دية، ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر، إذا أريد ظلمًا، بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، وترك القيام عليه" (٢). • دليل المخالف: يدل على عدم مدافعة الإمام ومحاربته وإن بغى ما يلي: ١ - عموم النصوص الدالة على وجوب طاعة ولي الأمر: ومنها: أ- عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من كره من أميره شيئًا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرًا، مات ميتة جاهلية) (٣). ب- عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه فيه برهان" (٤).

стр. 7110

ج- في صحيح مسلم أن سلمة بن يزيد الجعفي (١) سأل رسول اللَّه ﷺ فقال: يا نبي اللَّه أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرَض عنه، ثم سأله, فأعرض عنه، ثم سأله -في الثانية أو في الثالثة-، فجذبه الأشعث بن قيس فقال رسول اللَّه ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم) (٢). د- عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه إنا كنا بشر فجاء اللَّه بخير، فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: (نعم)، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: (نعم)، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: (نعم)، قلت: كيف؟ قال: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس)، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللَّه إن أدركت ذلك؟ قال: (تسمع، وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع) (٣). هـ- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك) (٤). والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

стр. 7111

٢ - أخرج ابن حزم بسنده عن عن أيوب السختياني (١): أن رجالًا سألوا ابن سيرين فقالوا: أتينا الحرورية زمان كذا وكذا، لا يسألون عن شيء غير أنهم يقتلون من لقوا؟ فقال ابن سيرين: "ما علمت أن أحدًا كان يتحرج من قتل هؤلاء تأثمًا، ولا من قتل من أراد قتالك، إلا السلطان؛ فإن للسلطان نحوًا" (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ للخلاف الذي ذكره ابن المنذر في المسألة. [١٨/ ٣] المسألة الثامنة عشرة: البغاة إذا طلبوا من الإمام هدنة، نظر الإمام في حالهم، وبحث أمرهم، فإن ظهر له أن قصدهم الرجوع إلى الطاعة، ومعرفة الحق، وجب عليه إمهالهم . • المراد بالمسألة: لو أن طائفة بغت على الإمام، ثم طلبت الهدنة لينظروا فيما خرجوا فيه أحق هو أو باطل، فيجب على الإمام قبول الهدنة إذا تبين له أن قصدهم الرجوع عن البغي. وبهذا يتبين أن الفئة الباغية إن طلبت الهدنة لا لقصد الرجوع، بل للتجهز للحرب، بالتدرب على القتال، أو انتظار مدد، أو مخادعة الإمام لقتاله على غرة وغفلة، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن أهل البغي

стр. 7112

إذا سألوا الإمام النظر، ورجا رجوعهم عما هم عليه إلى طريق أهل العدل، فعليه أن يفعل" (١) ونقله عنه الموفق ابن قدامة (٢). وقال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "كتاب الصلح: ويتنوع أنواعًا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "الصلح معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المختلفين ويتنوع أنواعا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. . . وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرنا" (٤). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - النصوص الدالة على جواز الهدنة مع الكفار (٥)، ومنها: أ- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾ (٦). ب- قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾ (٧)، قال ابن كثير: "قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه الطلب، أي

стр. 7113

لا تُمَكِّنوا هؤلاء -إذا قَدَرُتم عليهم- من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية" (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أباح الهدنة مع الكفار، فجوازه مع أهل البغي من المسلمين أولى (٢). ٢ - يمكن أن يستدل له من النظر بأمرين: أ- أن المقصود من قتال البغاة دفع شرهم، وكف أذاهم، فإذا كان في طلبهم للهدنة حصول هذا المقصود، فهو أولى من دفع شرهم بالمقاتلة. ب- من القواعد المقررة عند أهل العلم أن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، وقد نص على ذلك الشافعي ﵀ حيث نقله عنه جماعة من أهل العلم، منهم بدر الدين الزركشي حيث قال: "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، نص عليه" (٣). وقال السيوطي (٤): "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، هذه القاعدة نص عليها الشافعي" (٥). وعلى هذا فإذا تحققت المصلحة بالهدنة مع أهل البغي، وليس ثمة دليل شرعي يمنع ذلك، فإن الإمام يفعل ما هو في مصلحة رعيته.

стр. 7114

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7115

الفصل الثالث مسائل الإجماع فيما يوجب حد البغاة [١٩/ ٣] المسألة التاسعة عشرة: الدم المصاب بتأويل القرآن هدر . • المراد بالمسألة: لو خرج البغاة على إمام بتأويل سائغ، ولهم منعه، فإن من قُتل من أهل العدل حال القتال فدمه هدر لا ضمان فيه. ويتبين مما سبق أن البغاة إن لم تكن لهم منعه، أو لم يكن لهم تأويل سائغ، أو كان الدم الذي أراقوه في غير الحرب، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: المسألة حكاها جمع من أهل العلم على أنها إجماع من الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "الباغي إذا أصاب شيئًا من ذلك -أي الدماء-، أو الجروح، أو الأموال من أهل العدل فقد اختلفوا فيه، قال أصحابنا: إن ذلك موضوع، وقال الشافعي ﵀: إنه مضمون. . . ولنا: ما روي عن الزهري أنه قال: "وقعت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع" ومثله لا يكذب، فانعقد الإجماع من الصحابة ﵃ على ما قلنا" (١). وقال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "وليس على أهل البغي أيضًا ضمان ما أتلفوه حال الحرب، من نفس ولا مال، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه. وفي الآخر: يضمنون ذلك؛ لقول أبي بكر لأهل الردة: تدون قتلانا, ولا ندي قتلاكم. . . فأما قول أبي بكر ﵁ فقد رجع عنه، ولم يمضه، فإن عمر قال له: أما أن يدوا

стр. 7116

قتلانا فلا، فإن قتلانا قتلوا في سبيل اللَّه تعالى، على ما أمر اللَّه. فوافقه أبو بكر، ورجع إلى قوله، فصار أيضًا إجماعًا حجةً لنا" (١). وكذا قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) نفس أحرف ابن قدامة (٢). • مستند الإجماع: استدل لمسألة الباب بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع عن بغيه، ولم يذكر سبحانه ضمان ما أتلف من مال أو نفس. ٢ - أن هذا إجماع الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فإنهم في قتال الجمل وصفين لم يضمن أحد للآخر ما قتل، وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فاجتمع رأيهم على أنه لا يقاد، ولا يودى ما أصيب على تأويل القرآن، إلا مال يوجد بعينه" (٤). وأخرجه البيهقي عن الزهري بلفظ: "كتب إليه سليمان بن هشام يسأله عن امرأة فارقت زوجها وشهدت على قومها بالشرك ولحقت بالحرورية، فتزوجت فيهم ثم جاءت تائبة. قال فكتب إليه الزهري وأنا شاهد: أما بعد، فإن الفتنة الأولى ثارت وفي أصحاب النبي ﷺ ممن شهد بدرًا، فرأوا أن يهدم أمر الفتنة، لا يقام فيها حد على أحد في فرج استحله بتأويل القرآن، ولا قصاص في دم استحله بتأويل

стр. 7117

القرآن، ولا مال استحله بتأويل القرآن، إلا أن يوجد شيء بعينه، وإني أرى أن تردها إلى زوجها وتحد من قذفها" (١). ٣ - من النظر: أن ترك تضمينهم لما أراقوه أدعى لتوبتهم؛ فإن القول بتضمينهم قد يؤدي إلى تنفيرهم عن التوبة والعود إلى الطاعة، ويكون ذلك حاملًا لهم على التمادي فيما هم فيه (٢). • المخالفون للإجماع: خالف جماعة من أهل العلم لمسألة الباب فذهبوا إلى أن الباغي يضمن ما أراقه من دماء أهل العدل، وهو قول للشافعي (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، وبه قال بعض الظاهرية منهم ابن حزم (٥). • دليل المخالف: يدل على مسألة الباب الأثر والنظر: ١ - أما الأثر: فما ذكره ابن حزم بأن هذا هو حكم علي بن أبي طالب ﵁ كما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن حميد بن هلال (٦) عن أبيه (٧) قال: "لقد أتيت الخوارج وإنهم لأحب قوم على وجه الأرض إلي، فلم أزل فيهم حتى اختلفوا، فقيل لعلي بن أبي طالب: قاتلهم، فقال: لا، حتى يَقْتُلوا،

стр. 7118

فمر بهم رجل استنكروا هيئته، فثاروا إليه، فإذا هو عبد اللَّه بن خباب، فقالوا: حدثنا ما سمعت أباك يحدث عن النبي ﷺ فقال: سمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: (تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، والساعي في النار) قال: فأخذوه وأم ولده فذبحوهما جميعًا على شط النهر، فلقد رأيت دماهما في النهر كأنهما شراكان، فأخبر بذلك علي بن أبي طالب، فقال: أقيدوني من ابن خباب؟ قالوا: كلنا قتلناه، فحينئذ استحل قتالهم، فقتلهم" (١). قال ابن حزم بعد نقله لهذا الأثر: "فهذا أثر أصح من أثر الزهري، أو مثله، بأن علي بن أبي طالب رأى القود على الخوارج فيمن قتلوه بتأويل القرآن" (٢). ٢ - ما أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة ولفظه: "عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بُزاخة أسد وغطفان إلى أبي بكر ﵁ يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر رضى اللَّه عنه بين الحرب المُجْلِية أو السلم المُخْزِية، فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفنا، فما السلم المخزية، قال أبو بكر ﵁: تؤدون الحلقة والكراع، وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل، حتى يري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرًا يعذرونكم به، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتردون ما أصبتم منا، ونغنم ما أصبنا منكم" (٣). • وجه الدلالة: قول أبي بكر ﵁ في الأثر: "وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم"، حيث قضى أبو بكر ﵁ بأن على البغاة دية قتلاهم.

стр. 7119

٢ - أما النظر: فلأن الباغي معتدي، فيضمن ما أتلفه، بناء على الأصل، ولا يوجد دليل صحيح في إسقاط الضمان عليه، ثم إن الأولى في حقه التغليظ لا التخفيف (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لخلاف الشافعي في قول، وأَحمد في رواية, وبعض الظاهرية منهم ابن حزم. [٢٠/ ٣] المسألة العشرون: مشروعية قتال الخوارج . • المراد بالمسألة: المراد بالخوارج هم من خرجوا على علي بن أبي طالب ﵁، وكفروه، بل وكفروا صحابة النبي ﷺ ، واستحلوا دماءهم، بناء على أصلهم الفاسد بكفر مرتكب الكبيرة (٢). ويدخل في هذا الحكم كل من سار على نهجهم، واعتقد معتقدهم، وخرج على الإمام، فقتاله واجب. ويتبين من هذا أن البغاة غير الخوارج، وهم من خرجوا على الإمام بتأويل سائغ، ولم يعتقدوا كفر الإمام وأتباعه، فهؤلاء غير مرادين في مسألة الباب. وكذا الخوارج غير الخارجين على الإمام، وإنما اعتقدوا معتقدهم، فغير مرادين في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: المسألة حكاها جمع من الأئمة، لكن منهم من ذكرها إجماعًا للصحابة، ومنهم من ذكرها إجماعًا عامًا، ومنهم من جمع وحكاها عن الصحابة ومن بعدهم. فممن نقلها عن الصحابة: قال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمعت الصحابة ﵃، على قتال البغاة؛ فإن أبا بكر ﵁ قاتل مانعي الزكاة، وعلي ﵁ قاتل أهل الجمل، وصفين،

стр. 7120

وأهل النهروان" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أجمعت الصحابة ﵃ على قتال البغاة؛ فإن أبا بكر رضي اللَّه أنه قاتل ما نعي الزكاة، وعلي ﵁ قاتل أهل الجمل، وأهل صفين، وأهل النهروان" (٢). وإن كان هذا الحرف في البغاة لكن الخوارج داخلين ضمنًا في ذلك، فكل خارجي باغ، وليس العكس، ومعلوم أن أهل النهروان كانوا من بغاة الخوارج. • وأما إجماع العلماء عامة: فقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأى الجماعة وشقوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم والاعتذار إليهم"، نقله عنه النووي (٣)، والعراقي (٤)، وابن مفلح (٥). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "قوله ﷺ : (فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا) (٦) هذا تصريح بوجوب قتال الخوارج والبغاة، وهو إجماع العلماء" (٧). • وأما من جمع بين إجماع الصحابة ومن بعدهم: فقال شيخ الإمعلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الصحابة والأئمة متفقين على قتال الخوارج المارقين" (٨). ويمكن أن يضاف إلى هذه النقولات ما سبق في النقل على جواز قتال البغاة، فإن كل من خرج على الإمام ومعه معتقد الخوارج فهو خارجي باغ، وليس كل باغ خارجي.

стр. 7121

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب صريح أحاديث النبي ﷺ بقتال الخوارج، والتي رويت من عشرة أوجه عن النبي ﷺ ، ومن ذلك ما جاء في قصة قسم النبي ﷺ لذهب من اليمن: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا محمد اتق اللَّه. قال ﷺ : (ويلك، أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي اللَّه)؟ ! ثم ولَّى الرجل، فقام خالد بن الوليد ﵁، -وفي وجه في الصحيح: عمر بن الخطاب ﵁ وقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه، فقال النبي ﵊: (لعله أن يكون يصلي) قال: وكم من فصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه، قال ﵊: (أني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، ثم نظر إليه وهو مقف فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) (١)، وفي رواية: (قتل ثمود) (٢). وفي رواية: (لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل) (٣). وفي رواية: (أينما لقيتوهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل، إجماع بين أهل العلم.

стр. 7122

[٢١/ ٣] المسألة الحادية والعشرون: وجوب قتال الخوارج ونحوهم إذا فارقوا جماعة المسلمين . • المراد بالمسألة: إذا وُجدت طائفة خرجت على الإمام، وعلى جماعة المسلمين، وكان خروجهم مبني على أمر عقدي بدعي، كالخوارج، أو الروافض (١)، فإنه يجب على الإمام أن يقاتلهم. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أجمع المسلمون على وجوب قتال الخوارج والروافض ونحوهم، إذا فارقوا جماعة المسلمين، كما قاتلهم علي ﵁" (٢). • مستند الإجماع: المسألة ظاهرة من حيث الدليل، فكما يجب قتال البغاة من أهل الإسلام الذين لا بدعة معهم، فغيرهم من أهل البدع أولى، وكل ما سبق من أدلة وجوب قتال البغاة، ووجوب قتال الخوارج، يمكن تضمينها في مسألة الباب. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7123

الفصل الرابع مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد البغاة [٢٢/ ٣] المسألة الثانية والعشرون: من استباح من البغاة فرجًا حرامًا بتأويل القرآن فإن الحد لا يقام عليه . • المراد بالمسألة: لو خرج البغاة على إمام بتأويل سائغ، ولهم منعة، واستباحوا فروجًا محرمة بتأويل سائغ، فإنه لا يقام عليه حد الزنى باستباحاتهم لتلك الفروج. ويتبين مما سبق أن البغاة إن لم تكن لهم منعة، أو لم يكن لهم تأويل سائغ، فيما استباحوه من الفروج، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: المسألة ذكرها الزهري (١٢٤ هـ) إجماعًا للصحابة كما أخرجه البيهقي عن الزهري بلفظ: "كتب إليه سليمان بن هشام يسأله عن امرأة فارقت زوجها وشهدت على قومها بالشرك، ولحقت بالحرورية، فتزوجت فيهم ثم جاءت تائبة. قال: فكتب إليه الزهري وأنا شاهد: أما بعد، فإن الفتنة الأولى ثارت وفي أصحاب النبي ﷺ ممن شهد بدرًا، فرأوا أن يهدم أمر الفتنة، لا يقام فيها حد على أحد في فرج استحله بتأويل القرآن، ولا قصاص في دم استحله بتأويل القرآن، ولا مال استحله بتأويل القرآن، إلا أن يوجد شيء بعينه، وإني أرى أن تردها إلى زوجها وتحد من قذفها" (١). ونقله ابن قدامة (٢).

стр. 7124

• مستند الإجماع: استدل لمسألة الباب بأدلة منها: ١ - قول اللَّه سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بقتال الفئة الباغية حتى ترجع عن بغيها، ولم يذكر سبحانه ضمان ما أتلفوه من مال أو نفس أو عرض. ٢ - أن هذا إجماع الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فإنهم في قتال الجمل وصفين لم يضمن أحد للآخر ما قتل، أو أتلف من مال، وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن شهاب الزهري أنه قال: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه ﷺ متوافرون، فاجتمع رأيهم على أنه لا يقاد، ولا يودى ما أصيب على تأويل القرآن، إلا مال يوجد بعينه" (٢). ٣ - من النظر: أن ترك إقامة الحد عليهم أدعى لتوبتهم؛ فإن القول بتغريمهم قد يؤدي إلى تنفيرهم عن التوبة والعود إلى الطاعة، ويكون ذلك حاملًا لهم على التمادي فيما هم فيه (٣). • المخالفون للإجماع: خالف بعض الظاهرية منهم ابن حزم في مسألة الباب فرأوا أن عليه الحد (٤).

стр. 7125

• دليل المخالف: علل القائلون بإيجاب إقامة الحد بأن الباغي معتدي فيضمن ما أتلفه، بناء على الأصل، ولا يوجد دليل صحيح في إسقاط الحد عليه، ثم إن الأولى في حقه التغليظ لا التخفيف (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الظاهرية في المسألة. [٢٣/ ٣] المسألة الثالثة والعشرون: الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الإمام، وهو لا يكفر باعتقاده، ما لم ينصب لذلك حربًا . • المراد بالمسألة: لو وجدت طائفة لا تحمل معتقدًا كفريًا، لكنها تعتقد إباحة الخروج على الإمام، لكنهم لم يخرجوا, ولم يكونوا في دائرة الاستعداد للحرب، أو التجهز له، فليس للإمام قتلهم ولا قتالهم في هذه الحال لمجرد ما رأوه من إباحة الخروج. ويتحصل مما سبق أن الطائفة لو كان لها معتقد كفري، أو كانت تتجهز للحرب، أو تتهيأ له بالتدرب، أو بانتظار مدد، أو غير ذلك، فكل هذا ليس مرادًا في مسألة الباب. وكذا من جاء النص بقتالهم وهم الخوارج، فهؤلاء غير داخلين في مسألة الباب؛ لأن البداءة بقتالهم ولو لم يخرجوا على الإمام مذهب طائفة من أهل العلم، لا لاعتقادهم جواز الخروج، ولكن لما انتحلوه من معتقد الخوارج. كما ينبه أن الإجماع هو في ترك قتالهم، أما مناصحتهم، وتبيين الحق لهم فمسألة أخرى.

стр. 7126

• من نقل الإجماع: قال ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) فيما نقله عنه ابن حجر حيث قال في شرحه لحديث ذو الخويصرة (١) حين قال فيه خالد بن الوليد: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه، فقال ﷺ : (لا لعله أن يكون يصلي) (٢): "فيه الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الإمام ما لم ينصب لذلك حربًا، أو يستعد لذلك؛ لقوله: "فإذا خرجوا فاقتلوهم" وحكى الطبري الإجماع على ذلك في حق من لا يكفر باعتقاد" (٣). وتبع الشوكاني (١٢٥٠ هـ) ابن حجر في ذلك فنقل المسألة عن الطبري (٤). • مستند الإجماع: يمكن أن يستدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - النصوص الشرعية العامة على تحريم قتل النفس بغير حق، ومنها: أ- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال: (الشِّرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (٥). ب- عن أنس ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الكبائر، قال: (الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) (٦).

стр. 7127

ج - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، المارق من الدين التارك للجماعة) (١). ٢ - أن اللَّه تعالى لا يؤاخذ العبد بالمعصية ما لم يتكلم أو يعمل بها، كما في الصحيحين واللفظ للبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن اللَّه تجاوز لي عن أمتي ما سوَّست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم) (٢). ٣ - يمكن أن يستدل له من النظر: أن قتال البغاة إنما شرع لدفع شرهم، وكف أذاهم، فإذا كانوا لم يعلنوا حربًا، أو يستعدوا له، بالتدرب أو انتظار مدد ونحوه، فليس فيهم شر يُدفع، أو أذى يُكف. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٤/ ٣] المسألة الرابعة والعشرون: لا يحل تملك شيء من أموال البغاة . • المراد بالمسألة: إذا بغت طائفة على الإمام فإنه لا يحل للإمام ولا أتباعه من أهل العدل أن يتملك من أموالهم شيء، لا قبل الحرب، ولا في أثنائه، لا بعده، فلا تُغنم أموالهم ولا تُخمس، كما هو الحال في قتال الكفار. ويخرج من ذلك السلاح والخيل وكل ما كان آلة للسلاح يستخدمها البغاة، فإنها محل خلاف ولا تدخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أنه لا يحل تملك شيء من أموالهم ما داموا في الحرب" (٣). وقال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أما

стр. 7128

غنيمة أموالهم -أي البغاة-، وسبي ذريتهم، فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافًا" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية، ولا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافًا" (٢). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "لا يجوز سبيهم، ولا اغتنام ما لم يجلبوا به، إجماعًا" (٣)، ونقله عنه الشوكاني (٤). • مستند الإجماع: استدل الفقهاء لمسألة الباب بما يلي: ١ - عموم الآيات والأحاديث الدالة على تحريم أخذ مال المسلم وهي كثيرة، فمن الكتاب قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (٥). ومن السنة حديث أبي بكرة ﵁ وفيه: أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) (٦). ٢ - من النظر: أن البغاة لا يخرجون عن دائرة الإسلام ببغيهم، فهم داخلون ضمن النصوص الشرعية التي تحرم أن يأخذ الرجل مال أخيه المسلم (٧). • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم عن الحسن بن حَيِّ الخلاف لما عليه الجمهور، وأنه ذهب إلى أن أموال البغاة تغنم وتخمس إذا كانت في

стр. 7129

معسكرهم، أما ما في بيوتهم فلا يجوز أخذها أو تملكها (١). • دليل المخالف: ما يُستدل لما قاله الحسن بن حَيِّ بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن عصمة الأسدي ﵁ (٢) قال: "بهش الناس (٣) إلى علي فقالوا: اقسم بيننا نساءهم وذراريهم؟ فقال علي: عنتني الرجال فعنيتها، وهذه ذرية قوم مسلمين في دارهم، لا سبيل لكم عليهم، ما أوت الدار من مال فهو لهم، وما أجلبوا به عليكم في عسكرهم فهو لكم مغنم (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، والمخالف، فيها قوله شاذ.

стр. 7130

الفصل الخامس مسائل الإجماع فيما يسقط حد البغاة [٢٥/ ٣] المسألة الخامسة والعشرون: من ترك من البغاة القتال تائبًا لا يحل قتله . • المراد بالمسألة: لو أن طائفة من البغاة تابوا عن خروجهم، أو تاب فرد منهم، وترَك القتال توبة منه، فإنه لا يحل قتله ولا مقاتلته. ويتبين من هذا أنه لو ترك القتال؛ لغرض يعينه على الحرب، كالاستعداد بالتدرب للقتال، أو انتظار مدد، أو نحو ذلك، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من ترك منهم القتال تائبًا لا يحل قتله" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأمرين: ١ - أن مقاتلة الباغي إنما شرعت لأجل دفع ضرره، وكف شره، فإذا تاب الباغي فقد تحصل هذا المقصود. ٢ - أن المشروع إنما هو مقاتلة الباغي لا قتله، فإذا كان قتله غير مشروع حال بغيه فبعد توبته من باب أولى (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٦/ ٣] المسألة السادسة والعشرون: قتال الطائفتين المسلمتين حرام . • المراد بالمسألة: لو اقتتلت طائفتان مسلمتان، على أمر غير شرعي، كأن يقتتلان لثأر بينهما، أو غير ذلك، ففعلهما محرم، ولو بغت طائفة مسلمة على طائفة أخرى مسلمة، ففِعل الطائفة الباغية محرم.

стр. 7131

• من نقل الإجماع: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) كما في الفتاوى الكبرى: "مسألة: طائفتان يزعمان أنهما من أمة محمد ﷺ ، تتداعيان بدعوة الجاهلية: كأسد، وهلال، وثعلبة، وحرام، وغير ذلك، وبينهم أحقاد ودماء. . .؟ الجواب: الحمد للَّه: قتال هاتين الطائفتين حرام بالكتاب والسنة والإجماع" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) (٢). ٢ - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إنها ستكون فتن، ألا ثُم تكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه) فقال رجل: يا رسول اللَّه، أرأيت من لم يكن له إبل، ولا غنم، ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدق على حَدِّه بحجر، ثم لينجُ إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت)، فقال رجل: يا رسول اللَّه أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: (يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار) (٣). ٣ - عن جرير البجلي ﵁ (٤) قال: قال النبي ﷺ في حجة الوداع: (لا ترجعوا

стр. 7132

بعدي كفارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض) (١). ٤ - عموم الأحاديث الدالة على تحريم دماء المسلمين بغير حق، كما في الصحيحين عن أبي بكرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) (٢). أما إن بغت فئة على أخرى فإن الباغية هي التي عليها الإثم، أما العادلة التي، تقاتل الباغية فإنه لا يحرم عليها القتال لأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ (٣). ٢ - من النظر: أن الفئة الباغية معتدية بغير حق، وقتالها هو من باب دفع الصائل. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٧/ ٣] المسألة السابعة والعشرون: جواز الصلح بين أهل العدل والبغاة . • المراد بالمسألة: إذا بغت طائفة مسلمة على الإمام، أو على طائفة أخرى، فإن للإمام أو غيره إقامة صلح بين أهل العدل وبين أهل البغي، لكن لا يأخذ على ذلك مالًا. ويتبين من هذا أن الإمام أو غيره إن أخذ مالًا على الصلح فذلك غير داخل في مسألة الباب.

стр. 7133

• من نقل الإجماع: قال الموفق ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الصلح: معاقدة يتوصل بها إلى الإصلاح بين المختلفين، ويتنوع أنواعا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. . . وأجمعت الأمة على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرناها" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "الصلح معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين المختلفين ويتنوع أنواعا: صلح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما. . . وأجمع العلماء على جواز الصلح في هذه الأنواع التي ذكرنا" (٢). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمسألة الباب من الأثر والنظر، ومنها: ١ - قول اللَّه سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالإصلاح بين المتقاتلين من المؤمنين. ٢ - عن الحسن ﵁ قال: "لقد سمعت أبا بكرة ﵁ يقول: رأيت رسول اللَّه ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) (٤). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أثنى على الحسن بن علي بكونه يصلح بين ما جرى من قتال بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم.

стр. 7134

٣ - عموم النصوص الدالة على مشروعية الصلح، فمنها حديث كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني (١) عن أبيه (٢) عن جده (٣) أن رسول اللَّه ﷺ قال: (الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا) (٤).

стр. 7135

٤ - من النظر: أن أهل البغي داخلون في دائرة الإسلام، والمقصود من قتالهم دفع شرهم، وكف أذاهم، وتحصيل ذلك بالصلح أولى منه بالقتال. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٨/ ٣] المسألة الثامنة والعشرون: المفارق للجماعة كالخوارج وغيرهم إذا لم يكن محاربًا لم يجز قتله إذا أسر . • المراد بالمسألة: لو أن طائفة رأت الخروج على الإمام، سواء كانوا خوارج يحملون معتقدًا بدعيًا مع خروجهم، أو كانوا بغاة لا يحملون المعتقد الخارجي، لكن هذه الطائفة مع كونها ترى الخروج لم تخرج، أو خرجت وكان من أفرادها من لم يخرج، فإن من ترك الخروج للحرب لا يجوز قتله، سواء كان قبل أسره، أو بعده. وينبه إلى أن المراد بالمفارق للجماعة هو من فارق جماعة المسلمين بما لا يكون مخرجًا من الملة، أما من فارق المسلمين بكونه مرتدًا فهذا غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "لو أُسِر -أي المفارق للجماعة- لم يجز قتله صبرًا، اتفاقًا في غير المحاربين" (١).

стр. 7136

• مستند الإجماع: استدل المانعون من قتل من لم يقاتل مع البغاة بأدلة منها: ١ - عموم قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن الآية صريحة في تحريم قتل النفس المعصومة، حتى يرد الدليل على إباحة تلك النفس، ولا دليل على إباحة قتل من بغى ولم يقاتل. ٢ - عموم الأحاديث الدالة على تحريم قتل المسلم بغير حق، ومنها: أ- ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال: (الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) (٢). ب- عن أنس ﵁ قال: سُئل النبي ﷺ عن الكبائر، قال: (الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) (٣). • وجه الدلالة من الأحاديث: أن الأحاديث نص في تحريم قتل النفس بغير حق، ومن لم يدخل مع البغاة في حربهم فهو داخل ضمن هذه الأحاديث الدالة على تحريم قتل النفس بغير حق؛ فإن الباغي إنما شرع قتاله لدفع شره، ومن لم يقاتل مع البغاة ليس لديه شر يدفع فيبقى على الأصل في تحريم دمه. ٣ - من النظر: إذا كان أهل العلم قد حرموا قتل مدبر البغاة، والإجهاز على جريحهم، مع أنهم إنما تركوا القتال عجزًا عنه، ومتى ما قدووا عليه عادوا إليه، فمن لا يقاتل تورعًا عنه مع قدرته عليه، ولا يُخاف منه القتال بعد ذلك أولى (٤).

стр. 7137

• المخالفون للإجماع: ذهب بعض أهل العلم إلى جواز قتل من حضر القتال ولو لم يقاتل، وهذا الرأي وجه عند الشافعية (١)، وهو قول الهادوية (٢). لكن الظاهر أن مرادهم غير النساء والصبيان والشيوخ الذين نهى النبي ﷺ عن قتلهم في حرب الكفار، ممن ليس له في الحرب رأي ولا قتال. • دليل المخالف: استدل أصحاب هذا القول بأثر عن علي ﵁ أنه نهى أصحابه عن قتل محمد بن طلحة السجاد (٣)، وقال: "إياكم وصاحب البرنس"، فقتله رجل، وأنشأ يقول: وأشعث قوَّام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعًا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليًا ومن لم يتبع الحق يظلم يناشدني (حم) والرمح شاجر ... فهلا تلا (حم) قبل التقدم. وكان السجاد حامل راية أبيه، ولم يكن يقاتل، فلم ينكر علي قتله (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الشافعية في المسألة.

стр. 7138

الباب الرابع مسائل الإجماع في باب حد الردة الفصل الأول: مسائل الإجماع العامة في حد الردة. الفصل الثاني: مسائل الإجماع في صفة حد الردة. الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يوجب حد الردة. الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد الردة.

стр. 7139

التمهيد المبحث الأول: تعريف الردة لغة واصطلاحًا: • أولًا: تعريف الردة لغةً: الرِّدة -بكسر الراء المشدَّدة- مصدر للفعل ردَّ يَرُدُّ رَدًّا ورِدَّة، وهو بمعنى الرجوع عن الشيء، والتحول عنه، قال ابن فارس: "الراء والدال أصلٌ واحدٌ مطّردٌ منقاس، وهو رَجْع الشَّيء، تقول: ردَدْتُ الشَّيءَ أرُدُّه ردًّا، وسمِّي المرتدُّ لأنّه ردّ نفسَه إلى كُفْره" (١). ومن هذا الباب: إطلاق الرِّدة على عماد الشيء الذي يُرجع إليها، وكذا على امتلاء الضرع من اللبن قبل النتاج، وكأنها لم تكن ذات لبن فرجع إليها لبنها (٢). • ثانيًا: تعريف الردة اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في حد الردة، وإن كانوا لا يختلفون كثيرًا في المؤدَّى: فعند الحنفية: قال الكاساني: "الردة عبارة عن الرجوع عن الإيمان" (٣). وعند المالكية: قال ابن عرفة: "الردة: كفر بعد إسلام" (٤). وعند الشافعية: قال النووي: "الردة: قطع الإسلام بنية، أو قول كفر، أو فعل، سواء قاله استهزاء، أو عنادًا، أو اعتقادًا" (٥). وعند الحنابلة: قال البهوتي: "الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا، أو اعتقادًا، أو شكًا، أو فعلًا" (٦). وقبل بيان التعريف المختار للردة أذكر شروط الرّدة عند أهل العلم على

стр. 7140

وجه الإجمال، ثم أذكر التعريف الذي يمكن أن يكون شاملًا للتعاريف السابقة. من شروط الردة عند الفقهاء ما يلي: ١ - الإسلام، فالكافر إذا تلفظ بالكفر، لا ينطبق عليه حكم المرتد، وهذا محل اتفاق من جهة اللغة والشرع. ٢ - العقل، فالمجنون لا تصح ردته، وهذا محل إجماع بين أهل العلم كما نقله جماعة من أهل العلم منهم: ابن المنذر (١)، وابن قدامة (٢)، وشمس الدين ابن قدامة (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وابن الهمام (٥) (٦). ٣ - الاختيار، فالمُكْره لا يحكم بردّته، وحكى عليه الإجماع جماعة من أهل العلم منهم: ابن المنذر (٧)، وابن بطال (٨)، وابن حزم (٩)، وابن العربي (١٠)، والقرطبي (١١)، وابن تيمية (١٢)، وابن القيم (١٣). ومما سبق يُمكن تعريف الردة اصطلاحًا بأن يقال: "هي قطع الإسلام إلى الكفر، بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد، أو الشك، من مسلم، عاقل، مختار" (١٤).

стр. 7141

ويتبيَّن مما سبق أن الكفر يحصل بأحد أربعة أمور: أولًا: الردة بالقول، مثل: الاستهزاء باللَّه أو برسوله ﷺ أو بدينه. ثانيًا: الردة باالفعل، مثل السحر، أو التقرب لغير اللَّه بسجود أو ذبحٍ ونحو ذلك. ثالثًا: الردة بالاعتقاد، مثل: اعتقاد الشريك له تعالى، أو بغض النبي ﷺ ، أو بغض شريعته، أوإنكار أمرٍ معلومٍ من الدين بالضرورة؛ كإنكار البعث، أو الجنة، أو النار، وكاستباحة الزنا، أو الخمر، ونحو ذلك. رابعًا: الردة بالشك، ومنها: الشك في ربوبية اللَّه أو ألوهيته، والشك في نبوة النبي ﷺ ، أو في الأخبار الواردة في القرآن.

стр. 7142

المبحث الثاني الأصل في مشروعية حد الردة دلت نصوص الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع على قتل المرتد في الدنيا، وأنه من أصحاب النار في الآخرة، وبيان ذلك فيما يلي: • أولًا: من الكتاب: لم يرِد في القرآن نص صريح ببيان عقوبة المرتد في الدنيا، وإنما جاءت الآيات بالوعيد في حقه، وأنه من أهل الكفر في الآخرة، المستحقين للنار، ومن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ (٣). • ثانيًا: من السنة: عن ابن عباس النبي ﷺ قال: (مَنْ بدَّل دينَه فاقْتُلوه) (٤). ٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس-)، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني انظر إلى سواكه تحت شفته

стр. 7143

قلصت (١)، فقال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس- إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: أنزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم، ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل؛ قضاء اللَّه ورسوله، ثلاث مرات، فأَمر به، فقُتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي (٢). ٣ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، المارق من الدين التارك للجماعة) (٣). والأدلة في الباب كثيرة، يأتي بعضها في الباب الآتي. • ثالثًا: الإجماع: نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على وجوب قتل المرتد، على خلاف بينهم هل يُستتاب قبل قتله أم لا. وممن نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٤)، وابن عبد البر (٥)، وابن هبيرة (٦)، والكاساني (٧)، وابن قدامة (٨)، وبهاء الدين المقدسي (٩)،

стр. 7144

والنووي (١)، وشمس الدين ابن قدامة (٢)، وابن مفلح المقدسي (٣)، والبهوتي (٤)، والصنعاني (٥)، والرحيباني (٦)، والشوكاني (٧)، وابن عابدين (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 7145

المبحث الثالث ماهية الحد الواجب بالردة من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الدين الذي من أجله خلقت البشرية، وبه تتحقق السعادة الحقيقية. ولأجل الحفاظ على هذا الدين شرع اللَّه الوسائل والأحكام التي تقويه وتنميه، وسد الذرائع التي تضعفه وتفنيه، ففي الجانب الأول أمر بالإيمان والعمل الصالح، والتآخي عليه، والصبر على الأذى فيه، والدعوة إليه، والجهاد دفاعًا عنه وإعلاءً لرايته، والهجرة من البلد الذي لا يأمن على دينه فيه. وفي الجانب الثاني نهى عن مخالطة أهل البدع، وحذر من النظر في كتب الإلحاد، ورتب العقوبة الرادعة لمن تلاعب بهذا الدين، فشرع حد الردة وهو القتل؛ حفظًا لدين المرء الذي هو أعز ما يملك، وأغلى ما يحمل في هذه الحياة. وقد جاءت الشريعة ببيان عقوبة المرتد وأنه يشرع أولًا استتابته وهذا محل وفاق بين المذاهب الأربعة (١) (٢). فإن تاب خُلي سبيله وقُبلت توبته، وإن أبي فإنه يُقتل؛ لعموم حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ بدَّل دينَه فاقْتُلوه) (٣)، وهذا محل إجماع في حق الرجل الحُر المرتد، وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في المرأة المرتدة، وفي العبد كما سيأتي بيانه (٤).
следующие страницы →