← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7141–7180 · переход к 7146.

стр. 7141

ويتبيَّن مما سبق أن الكفر يحصل بأحد أربعة أمور: أولًا: الردة بالقول، مثل: الاستهزاء باللَّه أو برسوله ﷺ أو بدينه. ثانيًا: الردة باالفعل، مثل السحر، أو التقرب لغير اللَّه بسجود أو ذبحٍ ونحو ذلك. ثالثًا: الردة بالاعتقاد، مثل: اعتقاد الشريك له تعالى، أو بغض النبي ﷺ ، أو بغض شريعته، أوإنكار أمرٍ معلومٍ من الدين بالضرورة؛ كإنكار البعث، أو الجنة، أو النار، وكاستباحة الزنا، أو الخمر، ونحو ذلك. رابعًا: الردة بالشك، ومنها: الشك في ربوبية اللَّه أو ألوهيته، والشك في نبوة النبي ﷺ ، أو في الأخبار الواردة في القرآن.

стр. 7142

المبحث الثاني الأصل في مشروعية حد الردة دلت نصوص الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع على قتل المرتد في الدنيا، وأنه من أصحاب النار في الآخرة، وبيان ذلك فيما يلي: • أولًا: من الكتاب: لم يرِد في القرآن نص صريح ببيان عقوبة المرتد في الدنيا، وإنما جاءت الآيات بالوعيد في حقه، وأنه من أهل الكفر في الآخرة، المستحقين للنار، ومن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ (٣). • ثانيًا: من السنة: عن ابن عباس النبي ﷺ قال: (مَنْ بدَّل دينَه فاقْتُلوه) (٤). ٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس-)، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني انظر إلى سواكه تحت شفته

стр. 7143

قلصت (١)، فقال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس- إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: أنزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم، ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل؛ قضاء اللَّه ورسوله، ثلاث مرات، فأَمر به، فقُتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي (٢). ٣ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، المارق من الدين التارك للجماعة) (٣). والأدلة في الباب كثيرة، يأتي بعضها في الباب الآتي. • ثالثًا: الإجماع: نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على وجوب قتل المرتد، على خلاف بينهم هل يُستتاب قبل قتله أم لا. وممن نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (٤)، وابن عبد البر (٥)، وابن هبيرة (٦)، والكاساني (٧)، وابن قدامة (٨)، وبهاء الدين المقدسي (٩)،

стр. 7144

والنووي (١)، وشمس الدين ابن قدامة (٢)، وابن مفلح المقدسي (٣)، والبهوتي (٤)، والصنعاني (٥)، والرحيباني (٦)، والشوكاني (٧)، وابن عابدين (٨)، وغيرهم (٩).

стр. 7145

المبحث الثالث ماهية الحد الواجب بالردة من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الدين الذي من أجله خلقت البشرية، وبه تتحقق السعادة الحقيقية. ولأجل الحفاظ على هذا الدين شرع اللَّه الوسائل والأحكام التي تقويه وتنميه، وسد الذرائع التي تضعفه وتفنيه، ففي الجانب الأول أمر بالإيمان والعمل الصالح، والتآخي عليه، والصبر على الأذى فيه، والدعوة إليه، والجهاد دفاعًا عنه وإعلاءً لرايته، والهجرة من البلد الذي لا يأمن على دينه فيه. وفي الجانب الثاني نهى عن مخالطة أهل البدع، وحذر من النظر في كتب الإلحاد، ورتب العقوبة الرادعة لمن تلاعب بهذا الدين، فشرع حد الردة وهو القتل؛ حفظًا لدين المرء الذي هو أعز ما يملك، وأغلى ما يحمل في هذه الحياة. وقد جاءت الشريعة ببيان عقوبة المرتد وأنه يشرع أولًا استتابته وهذا محل وفاق بين المذاهب الأربعة (١) (٢). فإن تاب خُلي سبيله وقُبلت توبته، وإن أبي فإنه يُقتل؛ لعموم حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مَنْ بدَّل دينَه فاقْتُلوه) (٣)، وهذا محل إجماع في حق الرجل الحُر المرتد، وإنما وقع الخلاف بين أهل العلم في المرأة المرتدة، وفي العبد كما سيأتي بيانه (٤).

стр. 7146

الفصل الأول مسائل الإجماع العامة في حد الردة [١/ ٤] المسألة الأولى: المرتد إذا تاب لا يمكَّن من ركوب الخيل وحمل السلاح، إلا إذا حسن إسلامه . • المراد بالمسألة: لو وُجد جماعة مرتدون، ثم تابوا من ردتهم، فإنهم يمنعون من آلات الحرب التي يُتمكن بها من القتال، كركوب الخيل، وحمل السلاح، وما إلى ذلك؛ لئلا يكون لهم شوكة ومنعه، حتى يظهر منهم ما يدل على حسن إسلامه، فحينئذ يمكنهم الإمام مما منعوا منه. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فإن أبا بكر الصديق ﵁ وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاؤوا إليه، قال لهم الصديق: اختاروا إما الحرب المُجْلِية وإما السلم المُخْزِية، قالوا: يَا خليفة رسول اللَّه، هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية، قال: "تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ونقسم ما أصبنا من أموالكم، وتردون ما أصبتم من أموالنا، وتنزع منكم الحلقة والسلاح، وتمنعون من ركوب الخيل، وتتركون تتبعون أذناب الإبل، حتى يرى اللَّه خليفة رسوله والمؤمنين أمرًا بعد ردتكم" (١). فوافقه الصحابة على ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين، فإن عمر بن الخطاب ﵁ قال له: "هؤلاء قتلوا في سبيل اللَّه فأجورهم على اللَّه"، -يعني

стр. 7147

هم شهداء فلا دية لهم- فاتفقوا على قول عمر في ذلك. وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن هذا هو فعل أبي بكر ﵁، ووافقه عليه الصحابة رضوان اللَّه عليهم، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي ولفظه: "عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة أسد وغطفان إلى أبى بكر ﵁ يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر ﵁ بين الحرب المجلية أو السلم المخزية، فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفنا، فما السلم المخزية، قال أبو بكر ﵁: تؤدون الحلَقة والكراع، وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل، حتى يري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرا يعذرونكم به، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتردون ما أصبتم منا، ونغتم ما أصبنا منكم، فقال عمر ﵁: قد رأيت رأيًا وسنشير عليك، أما أن يؤدوا الحلقة والكراع فنعمَّا رأيت، وأما أن يُتركوا قومًا يتبعون أذناب الإبل حتى يُرِي اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرًا يعذرونهم به فنعما رأيت، وأما أن نغنم ما أصبنا منهم ويردون ما أصابوا منا فنعما رأيت، وأما أن قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة فنعما رأيت، وأما أن يدوا قتلانا فلا، قتلانا قتلوا على أمر اللَّه، فلا ديات لهم، فتتابع الناس على ذلك" (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢/ ٤] المسألة الثانية: تحريم التنجيم . • المراد بالمسألة: التنجيم لغة: التنجيم مصدر "نَجَمَ"، المشتق من النجم، وهو الكوكب. والتنجيم: صنعة المنجِّم، وهو الذي ينظر في النجوم، يحسب

стр. 7148

مواقيتها، وسيرها (١). • التنجيم اصطلاحًا: التنجيم في الاصطلاح الشرعي ضرب من السحر، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية (٢). وهو نوعان: • النوع الأول: علم التيسير، وهذا النوع غير مراد في مسألة الباب، وينقسم إلى قسمين: الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية، كأن يستدل بها على جهة القبلة، وهذا النوع مطلوب شرعًا. الثاني: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية، كمعرفة الجهات الأربعة، والفصول الأربعة ونحو ذلك، فهذا محل خلاف بين السلف (٣). • النوع الثاني: علم التأثير، وهو المراد في مسألة الباب، وأقسامه ثلاثة: القسم الأول: أن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعلة بذاتها، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث والشرور، فهذا شرك أكبر؛ وهي كفر بالإجماع (٤)؛ لأن من ادعى أن مع اللَّه خالقًا، فهو مشرك شركًا أكبر، وهذا قد جعل المخلوق المسخَّر خالقًا مسخِّرًا. وهذه الصورة مع الإجماع على تحريمها إلا أنها غير مرادة في مسألة الباب (٥). القسم الثاني: أن يعتقدها سببًا لحدوث الخير والشر، أي أنه إذا وقع شيء

стр. 7149

نسبه إلى النجوم، فهذا القسم وإن كان محرمًا، بل هو شرك أصغر، لكنه غير مراد في مسألة الباب. القسم الثالث: أن يجعلها سببًا يدعي به علم الغيب، فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا؛ لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا، مثل أن يقول: هذا الإنسان ستكون حياته شقاء؛ لأنه ولد في النجم الفلاني، وهذا حياته ستكون سعيدة لأنه ولد في النجم الفلاني، وصاحب هذه الطريقة هو ما يعرف في الشرع بالمنجِّم أو الكاهن أو العراف، وهذا القسم هو المراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "صناعة التنجيم، وأخذ الأجرة عليها، وبذلها، حرام بإجماع المسلمين" (١). وقال أيضًا: "التنجيم كالاستدلال بأحوال الفلك على الحوادث الأرضية هو من السحر، ويحرم إجماعًا" (٢) ونقله عنه المرداوي (٣)، ابن مفلح (٤)، والبهوتي (٥)، والرحيباني (٦)، وابن قاسم (٧). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حلون الكاهن، وهو حرام بالإجماع، لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم، والضرب بالحصى، وغير ذلك مما يتعاطاه العرافون من استطلاع الغيب" (٨). ويمكن أن يضاف إلى ذلك ما نقله أهل العلم من الإجماع على تحريم حلوان الكاهن، ومن ذلك:

стр. 7150

قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أما حلوان الكاهن: فمجتمع أيضًا على تحريمه" (١) وقال البغوي (٥١٦ هـ): "اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن" (٢)، نقله عنه النووي (٣). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "وأما حلوان الكاهن. . . فمحرم بإجماع الأمة" (٤) وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع العلماء على تحريم حلوان الكاهن"، نقله عنه النووي (٥). وقال أبو العباس القرطبي (٦٥٦ هـ): "المهر والحلوان محرمان بالإجماع" (٦). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "قد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان، وتصديقهم فيما يقولون، وتحريم ما يعطون من الحلوان، وهو حرام بإجماع المسلمين" (٧). وقال ابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ) عند كلامه على تحريم حلوان الكاهن ومهر البغي: "والإجماع قائم على تحريم هذين" (٨). وقال الأبي (٨٢٧ هـ) (٩):

стр. 7151

"لا خلاف في حرمة ما يأخذه الكاهن" (١). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع" (٢). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "أجمع العلماء على تحريم حلوان الكاهن" (٣). وحلوان الكاهن هو ما يعطاه الكاهن على كهانته، فيحرم؛ لأنه أخذ للمال بالباطل، والتنجيم نوع من الكهانة، فهو إشارة إلى تحريم التنجيم، قال ابن القيم: "تحريم حلوان الكاهن تنبيه على تحريم حلوان المنجم، والزاجر، وصاحب القرعة التي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصا، والعرَّاف، والرمَّال، ونحوهم ممن تطلب منهم الأخبار عن المغيبات" (٤)، وإذا كان كسبه حرامًا بالإجماع، فالصنعة -أي العمل- محرم كذلك. • مستند الإجماع: من أدلة تحريم التنجيم: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد) (٥). • وجه الدلالة: الحديث ظاهر في أن التنجيم نوع من السحر، ومعلوم أن السحر حرام كما سيأتي نقل الإجماع في ذلك. ٢ - عن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أخاف على أمتي بعدي تكذيب بالقدر، وتصديق بالنجوم) (٦).

стр. 7152

• وجه الدلالة: في الحديث تحذير من التصديق بالنجوم، وأنه من الأمور التي يخاف النبي ﷺ منها على أمته مما يدل على ذمه في الشرع. ٣ - ما أخرجه مسلم عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافًا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (١). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهنًا أو عرافًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ) (٢). ٥ - عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر) (٣).

стр. 7153

• وجه الدلالة من الأحاديث الثلاثة: في هذه الأحاديث وعيد لمن جاء إلى المنجمين، أو لمن صدقهم في زعمهم بادعائهم علم الغيب، وهذا الوعيد إذا ثبت في حق من أتاهم، أو صدقهم، فكيف بالمباشرين له. ٦ - من النظر: أن المنجمين يدَّعون علم الغيب، وهذا تكذيب لقول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم (٢). [٣/ ٤] المسألة الثالثة: تحريم الضرب بالحصى . • المراد بالمسألة: الضرب بالحصى نوع من الكهانة، يدَّعي بها صاحبها معرفة المغيبات عن طريق الضرب بالحصى، بأن يضرب بالحصى، فإن وقعت في مكان كذا كان خيرًا، وإن وقعت في مكان كذا كان شرًا، فهو جامع بين التكهن والطيرة. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الضارب بالحصى ونحوهم فما يعطى هؤلاء حرام، وقد حكى الإجماع على تحريمه غير

стр. 7154

واحد من العلماء" (١). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "حلون الكاهن، وهو حرام بالإجماع. . . وفي معناه التنجيم، والضرب بالحصى، وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن قبيصة بن مخارق ﵁ (٣) قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (العيافة (٤)، والطيرة، والطرق من الجبت) (٥). والطرْق: هو الضرب بالحصى، وأصل الطرق: الضرب، ومنه سميت مطرقة الصائغ والحداد؛ لأنه يطرق بها (٦). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة) (٧).

стр. 7155

• وجه الدلالة: أن الضرب بالحصى نوع من الطيرة، والحديث دليل على النهي عن الطيرة. ٣ - عن عمران بن حصين ﵁ (١) أن النبي ﷺ قال: (ليس منا من تَطير ولا تُطير له، ولا تَكهَّن ولا تُكهن له، أو سَحر أو سُحر له) (٢). • وجه الدلالة: أن الضرب بالحصى فيه تكهُّن، وتطيُّر، والحديث دليل على النهي عنهما، بالوعيد في قوله: "ليس منا". ٤ - الأدلة السابقة في تحريم التنجيم تدل على مسألة الباب؛ لأن كل منهما ضرب من الكهانة، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤/ ٤] المسألة الرابعة: كفر الردة أغلظ من الكفر الأصلي . • المراد بالمسألة: لو وجد رجلان أحدهما أسلم ثم ارتد، والآخر كافر أصلي، فكفر المرتد أشد من كفر الكافر الأصلي، وعليه فإن الأحكام الشرعية المترتبة على كفر الكافر المرتد، أشد منها على الكافر الأصلي.

стр. 7156

• من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "كفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي" (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما يلي: ١ - فعل الصحابة ﵃، حيث بدؤا بقتال المرتدين قبل قتال الكفار، وقد نقل ابن تيمية اتفاق الصحابة على ذلك حيث قال: "الصديق وسائر الصحابة بدأوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب" (٢). ٢ - من النظر: أ - أن الشريعة فرقت بين أحكام المرتد وأحكام الكافر الأصلي، وجعلت أحكام المرتد أشد تضييقًا عليه، فمن ذلك -مثلًا- أنه يجوز إقرار الذمي على دينه بضوابط مقررة في كتب الفقه، أما المرتد فإما أن يسلم أو يقتل. قد بين بعض تلك الأحكام شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة: منها: أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي. ومنها: أن المرتد يُقتل وإن كان عاجزًا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يُقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد. ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد يقتل كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد. ومنها: أن المرتد لا يَرث، ولا يُناكح، ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي، إلى غير ذلك من الأحكام.

стр. 7157

وإذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين، فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلي عن شرائعه، ولهذا كان كل مؤمن يعرف أحوال التتار ويعلم أن المرتدين الذين فيهم من الفرس والعرب وغيرهم شر من الكفار الأصليين من الترك ونحوهم، وهم بعد أن تكلموا بالشهادتين مع تركهم لكثير من شرائع الدين خير من المرتدين من الفرس والعرب وغيرهم، وبهذا يتبين أن من كان معهم ممن كان مسلم الأصل هو شر من الترك الذين كانوا كفارًا؛ فإن المسلم الأصلي إذا إرتد عن بعض شرائعه كان أسوأ حالًا ممن لم يدخل بعد في تلك الشرائع، مثل مانعي الزكاة، وأمثالهم ممن قاتلهم الصديق" (١). ب - علل بعض أهل العلم ذلك بأن المرتد قد ذاق طعم الإيمان, بخلاف الأصلي، فجُعل حكمه أغلظ، قال الشوكاني: "ولا ريب أن ذنب المرتدّ أشدُّ من ذنب من هو باقٍ على الكفر؛ لأن المرتدّ قد عرف الحق، ثم أعرض عنادًا، وتمرُّدًا" (٢)، وهذا كما فرَّقت الشريعة بين الزاني المحصن من غير المحصن، فإن المحصن لما ذاق طعم الحلال وتمكَّن منه ثم عدل للحرام، جُعل له من الحكم ما هو أشد من الزاني غير المحصن (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥/ ٤] المسألة الخامسة: قبول اللَّه لتوبة المرتد والزنديق في الباطن . • المراد بالمسألة: المرتد أو الزنديق إن تاب من ردته وزندقته ففي قبول توبته خلاف بين أهل العلم، وهذا الخلاف هو في قبول التوبة ظاهرًا، وإجراء أحكام أهل الإسلام عليه، كترك قتله. أما أحكام الآخرة، فلا خلاف في أن اللَّه تعالى يقبل توبته إن صدق التوبة.

стр. 7158

• من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم -أي المرتدين- في الظاهر من أحكام الدنيا، من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول اللَّه تعالى لها في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع ظاهرًا أم باطنًا، فلا خلاف فيه" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "والخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم -أي المرتدين- إنما هو في الظاهر من أحكام الدنيا، من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، فأما قبول اللَّه تعالى لها في الباطن وغفران ذنوبهم لمن تاب، وأقلع ظاهرًا وباطنًا، فلا خلاف فيه" (٢). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "الخلاف في قبول توبتهم، إنما هو في الظاهر في أحكام الدنيا، من ترك قتالهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبولها في الباطن فلا خلاف فيه حيث صدق" (٣). وقال المرداوي (٨٨٥ هـ) بعد سياقه أقوال أهل العلم في قبول توبة المرتد: "محل الخلاف المتقدم في عدم قبول توبتهم وقبولها في أحكام الدنيا، من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام، فأما في الآخرة: فإن صدقت توبته، قُبلت، بلا خلاف" (٤). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "والخلاف في أحكام الدنيا من ترك القتل، وثبوت أحكام الإسلام من توريث وغيره، وأما في الآخرة: فإن صدقت توبته قبلت بلا خلاف" (٥). • مستند الإجماع: قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ (٦).

стр. 7159

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر عن المنافقين أنهم إن تابوا فإن توبتهم مقبولة، وأنهم يكونوا مع المؤمنين حينئذٍ الذين يحصِّلون الأجر العظيم. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦/ ٤] المسألة السادسة: المرتد الذي أتلف مال غيره يضمن ما أتلفه . • المراد بالمسألة: لو ارتد شخص في بلاد الإسلام، ثم اعتدى على مال غيره فأتلفه، من غير حرابة، وهو في بلاد الإسلام، فإنه ضامن لما أتلف. ويتحصل مما سبق أن المرتد لو لحق بدار الحرب، ثم اعتدى على مال غيره، فذلك غير مراد، وكذا لو كان المرتد من أهل الحرابة، أو كان المرتدون جماعة ممتنعة وأتلفوا مالًا على المسلمين، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "المرتد الذي أتلف مال غيره وليس بمحارب، بل هو في الظاهر مسلم أو معاهد، فإن هؤلاء يضمنون ما أتلفوه بالإتفاق" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه أمرنا أن نعاقب بالمثل، ومن أتلف شيئًا فإن من عقابه بالمثل أن نلزمه بضمان ما أتلفه، فيرد مثله أو قيمته، قال ابن سيرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣): "إن أخذ الرجل منك شيئًا فخذ منه مثله" (٤).

стр. 7160

٢ - قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١). ٣ - قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). • وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه تعالى أباح لمن اعتُدي عليه بشيء أن يأخذ حقه بمثلها، ويدخل في ذلك أن من أتلف شيئًا فله أن يأخذ حقه ممن أتلفه بمثله دون حيف (٣). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٤).

стр. 7161

٥ - عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) (١). • وجه الدلالة الحديثين: أن اللَّه تعالى أوجب رد ما أخذه الشخص بإذن مالكه كأن يكون على سبيل الأمانة أو العارية، فمن أخذ بلا إذن المالك فتلف في يده يكون ضمانه من باب أولى.

стр. 7162

٦ - من النظر: أن المرتد قد أتلف مالًا ليس له، فوجب عليه ضمانه، قياسًا على المسلم والذمي، وردته لا تبيح له إتلاف أموال الآخرين، قال ابن العربي: "لا إشكال في أن من أتلف شيئًا فعليه الضمان" (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٧/ ٤] المسألة السابعة: الزنديق إذا تاب، وقُتل، لم يكن قتْله ظلمًا . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الزنديق لغةً واصطلاحًا: الزنديق لغةً: قال ابن منظور: "الزِّنْدِيقُ: القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وهو بالفارسية زَنْدِ كِرَايْ، يقول بدوام بقاء الدهر، والزَّنْدَقةُ: الضِّيقُ، وقيل: الزِّنْدِيقُ منه؛ لأنه ضيّق على نفسه" (٢). وقال الفيروزآبادي: "الزِّنديق -بالكسر-: من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان, أو هو معرب: زن دين، أي: دين المرأة، جمعه: زنادقة، أو زناديق" (٣). الزنديق في اصطلاح الفقهاء: اختلف أهل العلم في المراد بالزنديق على أقوال، أشهرها قولان: أحدها: أنه من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وهو المعروف في عصر النبوة بالمنافق، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء. قال ابن قدامة: "والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويستسر بالكفر، وهو المنافق كان يسمى في عصر النبي ﷺ منافقًا ويسمى اليوم زنديقًا" (٤).

стр. 7163

وقال ابن تيمية: "المنافق: هو الزنديق في اصطلاح الفقهاء الذين تكلموا في توبة الزنديق" (١). فيكون بين الردة والزندقة عموم وخصوص وجهي يجتمعان في المرتد إذا أخفى كفره وأظهر الإسلام، وينفرد المرتد فيمن ارتد علانية، وينفرد الزنديق فيمن لم يسبق له إسلام صحيح. والثاني: هو من لا دين له، وبه قال بعض الحنفية، كابن الهمام، وبعض الشافعية (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: إذا وُجد مسلم تزندق، على معنى من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ثم ظهر أمره، فلمَّا استتيب أعلن توبته، فقتله الإمام مع توبته، فإن قتله ليس ظلمًا. • من نقل الإجماع: المسألة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) في معرض على كلامه على الحلاج (٣)، الذي كان يقول بمقالات كفرية كالحلول والاتحاد، فكان زنديقًا يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فلما ظهر أمره حُبِس، فتاب، فقتل مع إعلانه للتوبة، فبيَّن شيخ الإسلام أن قتله مع توبته ليس بظلم فقال: "قول القائل إنه -أي الحلاج- قُتل ظلمًا قول باطل؛ فإن وجوب قتله

стр. 7164

على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه صار زنديقًا، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة، والفقهاء متنازعون في قبول توبة الزنديق، فأكثرهم لا يقبلها، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة ووجه في مذهب الشافعي، والقول الآخر تقبل توبته، وقد اتفقوا على أنه إذا قتل مثل هذا لا يقال قتل ظلمًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يفي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى شرط مع الإصلاح بيان التوبة، والزنديق لا يمكن تحقق بيان توبته على وجه التمام؛ لأنه في الأصل مظهر للإسلام ومبطن للكفر. ٢ - أن ابن مسعود ﵁ أُتي بناس يزعمون أن مسيلمة نبي، فأرسل إليهم، فجيء بهم، فتابوا، فخلى سبيلهم، إلا رجلًا منهم يقال له ابن النواحة (٣). • وجه الدلالة: أن ابن مسعود ﵁ لم قتل ابن النواحة، ولم يقبل توبتة بناء

стр. 7165

على شدة عدائه للإسلام، وأن ظاهر توبته أنها تقية للفلات من العقوبة (١). ٣ - أن حال الزنديق هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، فاستتابته لا فائدة منها؛ لأنه سيظهر الإسلام مرة أخرى، كما هو حاله في الأصل (٢). ٤ - إن اللَّه تعالى سن في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قُبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان, فهو أولى ألَّا تقبل توبته بعد القدرة عليه (٣). ٥ - أن الزنديق دأبه إبطان الكفر وإظهار الإسلام، وفي تركه بلا قتل تسليطًا له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قُدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه (٤). • المخالفون للإجماع: خالف في المسألة جماعة من الفقهاء على أقوال: القول الأول: أن الزنديق إن قبضه الإمام ثم أعلن التوبة بعد القبض عليه فيباح قتله، أما إن جاء الزنديق قبل القبض عليه وأعلن التوبة فتقبل توبته ولا يباح قتله، وهو قول عند المالكية (٥)، والشافعية (٦). القول الثاني: قبول توبة الزنديق ومنع قتله، وهو مروي عن علي بن أبي

стр. 7166

طالب، وابن مسعود ﵄ (١)، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣)، اختارها أبو بكر الخلال (٤)، وهو ظاهر اختيار الخرقي، وابن قدامة (٥). وذكر المرداوي أنه آخر قولي الإمام أحمد (٦)، وحكاه الخطابيُّ عن أكثر العلماء (٧)، ونسبه العراقي للجمهور (٨). القول الثالث: نقل ابن حزم عن بعض أهل العلم القول بأنه لا قتل على المنافقين، حتى من اشتهر نفاقه منهم (٩). • دليل المخالف: يظهر مما سبق أن المخالفين على قسمين: الأول: من يرى عدم قتل الزنديق فيما إذا أظهر التوبة، وهو الذي حكاه الخطابي عن أكثر العلماء. الثاني: من لا يرى قتل المنافقين أصلًا، وهو ما نقله ابن حزم عن بعض أهل العلم.

стр. 7167

أما القسم الأول فيستدلون بأدلة منها: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: الآية صريحة بأن توبة الكافر توجب مغفرة ما سلف من الذنوب، والمنافق كافر، فيدخل في عموم الآية. ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ (٢). • وجه الدلالة: الآية صريحة بأن المنافق إن تاب وأصلح فإنه يدخل في زمرة المؤمنين، مما ينتج عنه تحريم دمه. ٣ - قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾ (٣). • وجه الدلالة: الآية صريحة بأن هؤلاء منافقون يحلفون للنبي ﷺ من باب التقية، ومع ذلك كف النبي ﷺ عنهم بما أظهروه من الشهادة، ولم يقاتلهم. ٤ - أن ابن مسعود ﵁ أُتي بناس يزعمون أن مسيلمة نبي، فأرسل إليهم، فجيء بهم، فتابوا، فخلى سبيلهم، إلا رجلًا منهم يقال له ابن النواحة (٤). أما القسم الثاني فاستدلوا بأن النبي ﷺ كان يعلم أن ثمة منافقين في عهده، وعدَّ بعضهم لحذيفة بن اليمان، ومع ذلك فلم يقتل واحدًا منهم، ولم يأمر بقتلهم (٥). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين

стр. 7168

أهل العلم؛ للخلاف الذي نقله الخطابي وابن حزم في المسألة. [٨/ ٤] المسألة الثامنة: لو طرأت الردة بعد الرمي وقبل الإصابة فإنه لا ضمان لأنه حين جني عليه كان مرتدًا . • المراد بالمسألة: لو رمى شخص آخر برصاص أو حجر، أو نحوه، فجرحه، أو قتله، وكان المرمَي قد ارتد قبل إصابته، ولو بعد الرمي، فإنه لا ضمان على الرامي. • من نقل الإجماع: قال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "لو طرأت -أي الردة- بعد الرمي وقبل الإصابة فلا ضمان باتفاق" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب أنه حين جني عليه كان مرتدًا والعبرة بالجناية، لا بوقت الرمي، بدليل أن الضمان إنما هو تبع للجناية، لا للرمي، فإذا أصابت نفسًا بعد أن ارتدت، فإنها تكون قد أصابت نفسًا مهدرة، لا ضمان على قاتلها. • المخالفون للإجماع: الصواب أن القول بعدم الضمان في المسألة هو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وصاحبي أبي حنيفة (٤). وخالف في ذلك جماعة من أهل العلم فذهبوا إلى أن من رمى شخصًا مسلمًا، ثم ارتد المسلم قبل إصابته ثم أصيب، فإن على الرامي الدية، وهو مذهب الحنفية (٥). • دليل المخالف: علل الحنفية لما ذهب إليه أبو حنيفة بأن الضمان إنما يجب بفعل الرامي، وهو الرمي؛ إذ هو الذي يدخل تحت قدرته، دون

стр. 7169

الإصابة، ولا فعل له أصلًا بعد الرمي، فهو في حقيقة الأمر قاتل بالرمي لا بالإصابة، والمرمي كان مسلمًا متقومًا حال الرمي، فيجب ضمانه. ومما يؤيد أن العبرة بالرمي لا بالإصابة أن المسلم لو رمى بسهمه لصيد وهو مسلم، ثم ارتد فأصاب السهم الصيد وهو مرتد، فجرح الصيد ومات، حل أكله. وكان القياس في المسألة وجوب القصاص لا الدية، لكن لما وجدت فيه شبهة سقوط العصمة في حالة التلف وجبت الدية (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم، بل إن المخالفين في المسألة أكثر من الموافقين -كما سبق-، والظاهر أن مراد الشربيني وغيره ممن نقل الاتفاق من الشافعية على مسألة الباب، اتفاق الأصحاب من الشافعية على نفي الضمان في مسألة الباب، وهذا ظاهر في سياق النووي فإنه ذكره اختلاف الأصحاب في المسألة على وجهين، ثم قال: "لو طرأت -أي الردة- بعد الرمي وقبل الإصابة: فلا ضمان باتفاقهم" (٢)، أي باتفاق الأصحاب، واللَّه تعالى أعلم. [٩/ ٤] المسألة التاسعة: المرتد إن عاد إلى الإسلام وماله قائم فهو أحق به . • المراد بالمسألة: لو أن مسلمًا في دار الإسلام طرأ عليه طارئ نقله إلى الردة، فأصبح مرتدًا عن الإسلام، ثم بعد ذلك هداه اللَّه وعاد للإسلام من جديد، فإنه أحق بماله القائم من غيره، سواء من ورثته، أو بيت مال المسلمين. وينبه إلى أن المرتد لو كان في جماعة لهم شوكة فما أُخذ من أموالهم، غير داخل في كل مسألة الباب، وكذا ما أخذه المرتد معه من مال إلى دار الحرب، أو كسبه في دار الحرب، ثم ظفر به المسلمون، أو كان المال قد تصرف به ورثته،

стр. 7170

ببيع أو غيره، أو تصرف به ولي أمر المسلمين فلم يجد عين ماله، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب (١). • من نقل الإجماع: قال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "الإجماع على أنه -أي المرتد- إن عاد وماله قائم كان أحق به" (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما يلي: ١ - عموم النصوص الشرعية المستقرة في تحريم أخذ مال الغير بغير حق، ومنها: أ- قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ (٣). ب- وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ (٤). ج- عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) (٥). والنصوص في ذلك كثيرة. • وجه الدلالة مما سبق: دلت النصوص السابقة على تحريم أخذ مال الغير،

стр. 7171

والمرتد قد كان المال له حال إسلامه ثم زال عنه بالردة، فلما رجع إلى الإسلام فالأصل رجوع المال له؛ لأنه مالكه الأصلي، والأمر الذي بسببه زال عنه هذا الملك قد زال، فيرجع له ماله، ويحرم على غيره أخذه بغير حق؛ لأنه من أكْل مال الغير ظلمًا. ٢ - إجماع أهل العلم على تحريم أخذ مال الغير بغير طيب نفس منه، حيث قال ابن عبد البر: "الأصل المجتمع عليه أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس" (١). وقال القرطبي: "الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه" (٢). والمرتد إذا رجع للإسلام، رجع له ماله؛ لأن زوال ملكه كان بالردة فيرجع بالإسلام؛ إذ الحكم يدور مع علته. وإذ تقرر هذا فلا يحل لأحد أخذه بغير طيب نفس منه. • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم عن طائفة أن المرتد إن ارتد عن الإسلام فإن ملكه يزول عن ماله بمجرد ردته ولا يرجع له ماله سواء رجع إلى الإسلام أو لم يرجع (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيها. [١٠/ ٤] المسألة العاشرة: المجنون إذا ارتد، فقتله آخر عمدًا، فإنه عليه القود إذا طلب أولياء المقتول ذلك . • المراد بالمسألة: لو وجد مسلم معصوم الدم، وكان قد أصابه جنون، أو كان ممن يُجن أحيانًا ويفيق أخرى، وارتد حال جنونه، فإنه لا يحكم بردته،

стр. 7172

فإن قتله شخص عمدًا، وطلب أولياء المجنون القصاص، وجب عليه القود. ويتحصل مما سبق أن المرتد لو لم يكن معصوم الدم كأن يكون ثيبًا زانٍ مثلًا، أو كان ارتد حال إفاقته ثم جن، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه: أنه مسلم على ما كان قبل ذلك، ولو قتله عمدًا كان عليه القود إذا طلب أولاده ذلك" (١)، ونقله عنه ابن قدامة (٢)، وبهاء الدين المقدسي (٣)، وشمس الدين ابن قدامة (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الردة لا تصح إلا من عاقل، فأما من لا عقل له، كالطفل الذي لا عقل له، والمجنون، ومن زال عقله بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب دواء يباح شربه، فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه، بغير خلاف" (٥). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "الردة لا تصح إلا من عاقل، فأما الطفل الذي لا يعقل، والمجنون، ومن زال عقله بنوم أو إغماء أو شرب دواء مباح شربه، فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه، بغير خلاف" (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان، ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال، باتفاق المسلمين" (٧). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "المجنون لا يصح ارتداده بالإجماع" (٨).

стр. 7173

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما يلي: ١ - ما رواه الخمسة من حديث علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (١). • وجه الدلالة: أن الحديث نص في أن المجنون غير مكلف، وأن من شرط التكليف العقل، فإذا عدم الشرط عدم المشروط، وعليه: فإن المجنون لا يؤاخذ بأقواله ولا أفعاله المتعلقة بالتكليف. إذا تقرر هذا فإن قوله أو فعله لما يوجب الكفر غير معتبر في الحكم عليه، فيرجع إلى حكمه الأصلي قبل الجنون وهو أنه مسلم معصوم الدم، يحرم قتله، فإن قتله آخر فللأولياء حق المطالبة بالدم أو الدية. ٢ - أن الردة تفتقر إلى اعتقاد أونية، والمجنون لا يعتقد ما يقوله، بل لا يعقل ما يقوله فضلًا عن أن يعتقده. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١/ ٤] المسألة الحادية عشرة: من ارتد أثناء صومه فعليه القضاء . • المراد بالمسألة: إذا صام المسلم صيامًا واجبًا كرمضان، أو قضائه، أو صوم نذر، فارتد في أثناء صومه، فإن صيامه يبطل وعليه قضاء ذلك اليوم. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم، أنه يفسد صومه، وعليه قضاء ذلك

стр. 7174

اليوم إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاده ما يكفر به، أو شكه فيما يكفر بالشك فيه، أو بالنطق بكلمة الكفر، مستهزئًا أو غير مستهزئ" (١). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ومن ارتد عن الإسلام أفطر بغير خلاف نعلمه، إذا ارتد في أثناء الصوم فعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد ما يكفر به أو شكه أو النطق بكلمة الكفر مستهزئًا أو غير مستهزئ" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "لو حاضت في بعض النهار أو ارتد: بطل صومهما بلا خلاف، وعليهما القضاء" (٣). وقال ابن مفلح (٧٦٣ هـ): "الردة تمنع صحة الصوم إجماعًا" (٤). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ (٥). ٢ - أن الصوم عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة، كالصلاة والحج. ٣ - أن الصيام عبادة محضة، فنفاها الكفر، كالصلاة (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب الحنفية إلى من ارتد أول النهار ثم أسلم قبل الزوال فصيامه صحيح (٧). وثمة وجه عند الشافعية أن من ارتد أثناء صومه ثم عاد للإسلام فصيامه صحيح وليس عليه قضاء ذلك اليوم (٨). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين

стр. 7175

أهل العلم؛ لخلاف الحنفية، وبعض الشافعية في المسألة. [١٢/ ٤] المسألة الثانية عشرة: عدم تضمين أهل الردة لقتلى المسلمين . • المراد بالمسألة: لو ارتدت جماعة لها منعة، وقاتلوا على ردتهم، ثم تابوا وأرادوا الرجوع للإسلام؛ فإن ما أتلفوه على المسلمين من الأنفس حال الحرب لا يضمنونه. ويتبين مما سبق أن المرتد لو كان فردًا، أو جماعة لا منعة لهم، أو كان ما أتلفوه من غير الأنفس كالأموال ونحوها، أو في غير الحرب، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: المسألة حكاها ابن تيمية (٧٢٨ هـ) محل اتفاق بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم فقال: "فإن أبا بكر الصديق ﵁ وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاؤوا إليه، قال لهم الصديق: اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية، قالوا: يا خليفة رسول اللَّه، هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية، قال: "تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ونقسم ما أصبنا من أموالكم، وتردون ما أصبتم من أموالنا، وتنزع منكم الحلقة والسلاح، وتمنعون من ركوب الخيل، وتتركون تتبعون أذناب الإبل، حتى يرى اللَّه خليفة رسوله والمؤمنين أمرًا بعد ردتكم". فوافقه الصحابة على ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين، فإن عمر بن الخطاب ﵁ قال له: هؤلاء قتلوا في سبيل اللَّه فأجورهم على اللَّه، -يعني هم شهداء فلا دية لهم- فاتفقوا على قول عمر في ذلك. وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء" (١). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "رجع أبو بكر عن تضمين أهل الردة لقتلى

стр. 7176

المسلمين، وأجمعت عليه الصحابة" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: حيث فعله أبي بكر ﵁، ووافقه عليه الصحابة. والأثر أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة ولفظه: "عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة أسد وغطفان إلى أبي بكر ﵁ يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر ﵁ بين الحرب المجلية أو السلم المخزية، فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفنا، فما السلم المخزية، قال أبو بكر ﵁: تؤدون الحلقة والكراع، وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل، حتى يري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرًا يعذرونكم به، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتردون ما أصبتم منا، ونغتم ما أصبنا منكم فقال عمر ﵁: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أما أن يؤدوا الحلقة والكراع فنعما رأيت، وأما أن يُتركوا قومًا يتبعون أذناب الإبل حتى يُري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرا يعذرونهم به فنعما رأيت، وأما أن نغنم ما أصبنا منهم ويردون ما أصابوا منا فنعما رأيت، وأما أن قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة فنعما رأيت، وأما أن يدوا قتلانا فلا، قتلانا قتلوا على أمر اللَّه، فلا ديات لهم، فتتابع الناس على ذلك" (٢). ٢ - أن طليحة الأسدي (٣) قتل عكاشة بن محصن الأسدي

стр. 7177

-﵁ (١)، وثابت بن أقرم ﵁ (٢)، فلم يغرَمْهما (٣). ٣ - أن بني حنيفة (٤) قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة (٥)، فلم

стр. 7178

يغرموا شيئًا (١). ٤ - من النظر: أن في عدم تضمينهم ترغيبًا لهم في الإسلام، فإن تضمينهم قد يكون من أسباب امتناعهم من الرجوع للحق. • المخالفون للإجماع: خالف طائفة أهل العلم في مسألة الباب فذهبوا إلى أن أهل الردة ممن لهم شوكة ومنعه يضمنون ما أتلفوه من الأنفس، وبه قال جمهور الشافعية (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣). • دليل المخالف: أن المرتدين أتلفوا نفسًا معصومة، فيجب ضمانها كما لو أتلفها المسلم، أو الذمي، لا سيما أنه ليس لهم تأويل في ذلك كما هو حال البغاة. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن جمهور الشافعية، والحنابلة. ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند بيان المسألة: "المرتدون الممتنعون إذا قتلوا بعض المسلمين لم يضمنوا دمه إذا عادوا إلى الإسلام عند أكثر العلماء" (٤)، فجعله قول أكثر العلماء ولم يجعله إجماعًا، واللَّه أعلم. [١٣/ ٤] المسألة الثالثة عشرة: ما ظُفر به من مال المرتد فلبيت مال المسلمين . • المراد بالمسألة: إذا ارتد المسلم ثم لحق بدار الحرب وأخذ معه مالًا، فإن هذا المال إذا ظفر به المسلمون بعد ذلك فإنه يكون فيئًا لبيت المال. وكذا ما اكتسبه المرتد في دار الحرب فإنه إذا ظفر به المسلمون يكون فيئًا. ويتحصل مما سبق أن ما لم يظفر به المسلمون لا يكون داخلًا في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "المرتد مذ يرتد فكل ما ظفر به من ماله فلبيت مال المسلمين، رجع إلى الإسلام أو مات مرتدًا، أو قتل مرتدًا،

стр. 7179

أو لحق بدار الحرب. . . وهذا حكم القرآن، والسنن، وموجب الإجماع" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ولم يختلفوا فيما اكتسبه في دار الحرب أو أخرجه من ماله إلى دار الحرب أنه فيء" (٢). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "وإن لحق المرتد بمالة فظهر عليه فهو فيء، أي ماله غنيمة يوضع في بيت المال، بالإجماع" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "إذا لحق المرتد بمالة بدار الحرب ثم ظهر المسلمون على ذلك المال فهو فيء بإجماع الأئمة الأربعة" (٤). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن مال المرتد الذي لحق بمالة إلى دار الحرب أو اكتسبه في دار الحرب يعتبر أنه مال حربي حكمة كسائر أموال أهل الحرب، ولا حق للورثة فيه لتبايق الدارين (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٤/ ٤] المسألة الرابعة عشرة: كل ما لم يظفر به المسلمون من مال المرتد حتى قتل أو مات مرتدًا فلورثته من الكفار . • المراد بالمسألة: إذا ارتد المسلم ثم مات على ردته فماله الذي لم يظفر به المسلمون يكون لوريثه من الكفار، ولا يرثه المسلمون. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وكل من لم يظفر به من ماله حتى قتل أو مات مرتدًا: فلورثته من الكفار. . . وهذا حكم القرآن، والسنن, وموجب الإجماع" (٦). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي:

стр. 7180

١ - ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من ترك مالًا فلورثته) (١). • وجه الدلالة: أن الحديث عام في كل ميت له مال فإن المال ينتقل إلى ورثته، وهذا يشمل المرتد وغيره، فيرثه أهله الكفار، وأما الوارث المسلم فيمنع من الإرث لما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) (٢) (٣). • المخالفون للإجماع: في المسألة خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم: فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المرتد إذا أبي أن يُسلم وقتل على الردة فإن ماله الذي اكتسبه حال إسلامه يكون فيئًا لبيت المال، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وبه قال زيد بن ثابت، وربيعة، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وابن المنذر (٧). وذهب الحنفية (٨)، ورواية عن أحمد (٩) إلى أن ماله يكون لورثته من المسلمين، وحكى الكاساني أن هذا القول عليه إجماع الصحابة (١٠)، وهو
следующие страницы →