← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

المسلمين، وأجمعت عليه الصحابة" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم: حيث فعله أبي بكر ﵁، ووافقه عليه الصحابة. والأثر أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة ولفظه: "عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد بزاخة أسد وغطفان إلى أبي بكر ﵁ يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر ﵁ بين الحرب المجلية أو السلم المخزية، فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفنا، فما السلم المخزية، قال أبو بكر ﵁: تؤدون الحلقة والكراع، وتتركون أقوامًا تتبعون أذناب الإبل، حتى يري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرًا يعذرونكم به، وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتردون ما أصبتم منا، ونغتم ما أصبنا منكم فقال عمر ﵁: قد رأيت رأيا وسنشير عليك، أما أن يؤدوا الحلقة والكراع فنعما رأيت، وأما أن يُتركوا قومًا يتبعون أذناب الإبل حتى يُري اللَّه خليفة نبيه والمسلمين أمرا يعذرونهم به فنعما رأيت، وأما أن نغنم ما أصبنا منهم ويردون ما أصابوا منا فنعما رأيت، وأما أن قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة فنعما رأيت، وأما أن يدوا قتلانا فلا، قتلانا قتلوا على أمر اللَّه، فلا ديات لهم، فتتابع الناس على ذلك" (٢). ٢ - أن طليحة الأسدي (٣) قتل عكاشة بن محصن الأسدي

стр. 7177

-﵁ (١)، وثابت بن أقرم ﵁ (٢)، فلم يغرَمْهما (٣). ٣ - أن بني حنيفة (٤) قتلوا من قتلوا من المسلمين يوم اليمامة (٥)، فلم

стр. 7178

يغرموا شيئًا (١). ٤ - من النظر: أن في عدم تضمينهم ترغيبًا لهم في الإسلام، فإن تضمينهم قد يكون من أسباب امتناعهم من الرجوع للحق. • المخالفون للإجماع: خالف طائفة أهل العلم في مسألة الباب فذهبوا إلى أن أهل الردة ممن لهم شوكة ومنعه يضمنون ما أتلفوه من الأنفس، وبه قال جمهور الشافعية (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣). • دليل المخالف: أن المرتدين أتلفوا نفسًا معصومة، فيجب ضمانها كما لو أتلفها المسلم، أو الذمي، لا سيما أنه ليس لهم تأويل في ذلك كما هو حال البغاة. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف عن جمهور الشافعية، والحنابلة. ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند بيان المسألة: "المرتدون الممتنعون إذا قتلوا بعض المسلمين لم يضمنوا دمه إذا عادوا إلى الإسلام عند أكثر العلماء" (٤)، فجعله قول أكثر العلماء ولم يجعله إجماعًا، واللَّه أعلم. [١٣/ ٤] المسألة الثالثة عشرة: ما ظُفر به من مال المرتد فلبيت مال المسلمين . • المراد بالمسألة: إذا ارتد المسلم ثم لحق بدار الحرب وأخذ معه مالًا، فإن هذا المال إذا ظفر به المسلمون بعد ذلك فإنه يكون فيئًا لبيت المال. وكذا ما اكتسبه المرتد في دار الحرب فإنه إذا ظفر به المسلمون يكون فيئًا. ويتحصل مما سبق أن ما لم يظفر به المسلمون لا يكون داخلًا في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "المرتد مذ يرتد فكل ما ظفر به من ماله فلبيت مال المسلمين، رجع إلى الإسلام أو مات مرتدًا، أو قتل مرتدًا،

стр. 7179

أو لحق بدار الحرب. . . وهذا حكم القرآن، والسنن، وموجب الإجماع" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "ولم يختلفوا فيما اكتسبه في دار الحرب أو أخرجه من ماله إلى دار الحرب أنه فيء" (٢). وقال ابن نجيم (٩٧٠ هـ): "وإن لحق المرتد بمالة فظهر عليه فهو فيء، أي ماله غنيمة يوضع في بيت المال، بالإجماع" (٣). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "إذا لحق المرتد بمالة بدار الحرب ثم ظهر المسلمون على ذلك المال فهو فيء بإجماع الأئمة الأربعة" (٤). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن مال المرتد الذي لحق بمالة إلى دار الحرب أو اكتسبه في دار الحرب يعتبر أنه مال حربي حكمة كسائر أموال أهل الحرب، ولا حق للورثة فيه لتبايق الدارين (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٤/ ٤] المسألة الرابعة عشرة: كل ما لم يظفر به المسلمون من مال المرتد حتى قتل أو مات مرتدًا فلورثته من الكفار . • المراد بالمسألة: إذا ارتد المسلم ثم مات على ردته فماله الذي لم يظفر به المسلمون يكون لوريثه من الكفار، ولا يرثه المسلمون. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "وكل من لم يظفر به من ماله حتى قتل أو مات مرتدًا: فلورثته من الكفار. . . وهذا حكم القرآن، والسنن, وموجب الإجماع" (٦). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي:

стр. 7180

١ - ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من ترك مالًا فلورثته) (١). • وجه الدلالة: أن الحديث عام في كل ميت له مال فإن المال ينتقل إلى ورثته، وهذا يشمل المرتد وغيره، فيرثه أهله الكفار، وأما الوارث المسلم فيمنع من الإرث لما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) (٢) (٣). • المخالفون للإجماع: في المسألة خلاف بين فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم: فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المرتد إذا أبي أن يُسلم وقتل على الردة فإن ماله الذي اكتسبه حال إسلامه يكون فيئًا لبيت المال، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦) وهو مروي عن ابن عباس ﵄، وبه قال زيد بن ثابت، وربيعة، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وابن المنذر (٧). وذهب الحنفية (٨)، ورواية عن أحمد (٩) إلى أن ماله يكون لورثته من المسلمين، وحكى الكاساني أن هذا القول عليه إجماع الصحابة (١٠)، وهو

стр. 7181

اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، بل قال: "وهو المعروف عن الصحابة" (١). • دليل المخالف: استدل القائلون بأن مال المرتد يكون لورثته من المسلمين بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى علق حكم الإرث بوقت هلاك الموروث، والمرتد هالك بردته؛ لأنه ارتكب جريمة استحق بها نفسه فيكون هالكًا. ٢ - فعل النبي ﷺ ؛ فإن عبد اللَّه بن أبي ابن سلول لما مات جعل رسول اللَّه ﷺ ماله لورثته المسلمين. ٣ - فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم؛ "فإن عليًا ﷺ "قتل المستورد العجلي على الردة، وقسم ماله بين ورثته المسلمين" (٣)، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة، بل جاء عن بعض الصحابة كابن مسعود، ومعاذ بن جبل، ما يوافق هذا الفعل، فكان إجماعًا" (٤). ٤ - أما من النظر: فبيَّنه السرخسي حيث قال: "المعنى فيه أنه كان مسلمًا مالكًا لماله، فإذا تم هلاكه يخلفه وارثه في ماله، كما لو مات المسلم. وتحقيق هذا الكلام أن الردة هلاك، فإنه يصير به حربًا، وأهل الحرب في حق المسلمين كالموتى، إلا أن تمام هلاكه حقيقة بالقتل أو الموت، فإذا تم ذلك استند التوريث إلى أول الردة، وقد كان مسلمًا عند ذلك فيخلفه وارثه

стр. 7182

المسلم في ماله، ويكون هذا توريث المسلم من المسلم، وهذا لأن الحكم عند تمام سببه يثبت من أول السبب، كالبيع بشرط الخيار إذا أجيز يثبت الملك من وقت العقد حتى يستحق المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة جميعًا، فعلى هذا الطريق يكون فيه توريث المسلم من المسلم" (١). أما القائلون بأن ماله يكون فيئًا للمسلمين فعللوا ذلك بأن المرتد كافر فلا يرثه المسلم، للنهي الصريح في حديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) (٢). • وجه الدلالة: أن الحديث صريح في أن المسلم لا يرث الكافر، وهو عام سواء كان كافرًا أصليًا أو مرتدًا. ٢ - أن المرتد لا يرثه أهل ملته، كما هو قول عامة أهل العلم، بل حكي الإجماع عليه (٣). إذا تقرر هذا فإما أن يكون مال المرتد مال محارب لا أمان له فيكون فيئا للمسلمين، أو هو مال ضائع لا صاحب له فيكون لبيت المال كالذمي إذا مات. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست من الإجماع في شيء، بل الجمهور على خلافه، وعبارة ابن حزم أن هذا القول هو موجَب الإجماع، يحتمل أن يريد به أن هذا القول مما يوجِب القول به الإجماع (٤). ويحتمل مراده أن هذا القول له من الأدلة ما يوجِب أن يكون القول

стр. 7183

إجماعًا، وعلى هذا فلا يكون حكاية ابن حزم للمسألة أنها إجماع، ولعل هذا الأخير أنسب؛ لأن ابن حزم حكى خلاف المذاهب في المسألة، ورد على الجمهور في اختياراتهم، ثم ذكر رأيه، وأنه موجب الإجماع، واللَّه أعلم. [١٥/ ٤] المسألة الخامسة عشرة: إن رجع المرتد إلى الإسلام فماله لورثته من المسلمين إن مات مسلمًا . • المراد بالمسألة: المرتد إن كان معه مال، ثم رجع إلى الإسلام ومعه ذلك المال، أو اكتسب مالًا بعد إسلامه، فإن إن مات على الإسلام فماله لورثته من المسلمين. ويتحصل مما سبق أن مال المرتد الذي اكتسبه قبل الردة، أو حال الردة مما ظفر به المسلمون، فذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "فإن رجع -أي المرتد- إلى الإسلام فهو له، أو لورثته من المسلمين إن مات مسلمًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن المرتد قد رجع إلى الإسلام، فيأخذ أحكام أهل الإسلام في كل شيء، ومنها التوارث. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٦/ ٤] المسألة السادسة عشرة: المرتد لا يرثه ورثته من الكفار . • المراد بالمسألة: المسلم إذا ارتد عن الإسلام، ومات على الردة، فإن ماله الذي اكتسبه حال إسلامه أو ردته لا يرثه أحد من ورثته الكفار. سواء من ارتد إلى ملتهم، أو من ارتد إلى غير ملتهم. • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢٢ هـ): "رأيناهم مجمعين أن المرتدين

стр. 7184

لا يرث بعضهم بعضًا" (١). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "وأجمعوا على أن ورثته -أي المرتد- من الكفار لا يرثونه، سوى عمر بن عبد العزيز فإنه قال: يرثونه" (٢). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما سبق من الأدلة على أن المرتد إن مات على الردة فإن ماله لورثته من المسلمين، ومن تلك الأدلة: فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم؛ "فإن عليًا ﵁ "قتل المستورد العجلي على الردة، وقسم ماله بين ورثته المسلمين" (٣)، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة، بل جاء عن بعض الصحابة كابن مسعود، ومعاذ بن جبل، ما يوافق هذا الفعل، فكان إجماعًا" (٤). • المخالفون للإجماع: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن المرتد إن مات على الردة فماله لأهل دينه الذي ارتد إليهم. وهو مذهب الظاهرية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦). وبه قال قتادة، وسعيد بن أبي عروبة (٧)، وعلقمة (٨)، وهو

стр. 7185

مروي عن عمر بن عبد العزيز (١). وذهب ابن حزم إلى أن المرتد مذ يرتد فكل ما ظفر به من ماله فلبيت مال المسلمين، سواء رجع إلى الإسلام، أو مات مرتدًا، أو لحق بدار الحرب، وكل من لم يظفر به من ماله حتى قتل أو مات مرتدًا فلورثته من الكفار (٢). • دليل المخالف: علل القائلون بأن مال المرتد لورثته من الكفار بأن المرتد كافر، فيرثه من هو على دينه كسائر الكفار (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن قتادة، وسعيد بن أبي عروبة، وعلقمة، والحنابلة في رواية, والظاهرية. [١٧/ ٤] المسألة السابعة عشرة: المرتد لا يرث المسلم ولا الكافر . • المراد بالمسألة: إذا ارتد المسلم عن دينه، فإنه لا يرث أحدًا، لا من المسلمين، ولا من أهل الكفر. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن المرتد لا يرث أحدًا، وهذا قول، مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم" (٤). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع" (٥). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا نعلم خلافًا بين أهل العلم أن المرتد لا يرث أحدًا" (٦).

стр. 7186

وقال الشربيني (٩٧٧ هـ): "لا يرث مرتد بحال؛ إذ لا سبيل إلى توريثه من مثله، ولا من مسلم للخبر، وإن عاد إلى الإسلام بعد موت مورثه، وما ادعاه ابن الرفعة (١) من أنه إذا أسلم بعد موت مورثه أنه يرثه رده السبكي وقال: إنه مصادم للحديث، وخرق للإجماع، قال: وممن نقل الإجماع على أن المرتد لا يرث من المسلم شيئًا وإن أسلم بعد ذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي" (٢). وقال أبو الطيب (١٣١٠ هـ): "أما المرتد فلا يرث المسلم بالإجماع" (٣). • مستند الإجماع: المسألة على قسمين: الأول: عدم توريث المرتد من المسلم: فهذا يدل عليه حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) (٤). • وجه الدلالة: الحديث صريح أن الكافر لا يرث من المسلم، والمرتد كافر فلا يرث من المسلمين. الثاني: عدم توريث المرتد من الكافر: فهذا علل له الفقهاء بوجود المنافاة بينهما؛ لأن المرتد لا يقر على دينه، بخلاف الكافر الأصلي فإنه يقر، ولهذا فلا يثبت للمرتد أحكام الدين الذي انتقل إليه (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن

стр. 7187

المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٨/ ٤] المسألة الثامنة عشرة: المرتد لا تؤكل ذبيحته . • المراد بالمسألة: من ثبتت ردته شرعًا عن الإسلام إلى الكفر، فإن ذبيحته حرام لا يحل أكلها، ما لم يكن ارتداده إلى دين أهل الكتاب. ويتحصل مما سبق أن المسلم لو ارتد إلى اليهودية أو النصرانية، فمسألة أخرى هي محل خلاف، وليست مرادة في مسألة الباب (١). وكذا لو كانت ردته لم تثبت شرعًا، كما لو ارتد حال جنونه، أو حال كونه لم يبلغ، أو ارتد مكرهًا -على رأي من لا يرى صحة ردة البالغ أو المكره-، أو غير ذلك من الصور. • من نقل الإجماع: حكى ابن حزم (٤٥٦ هـ) الإجماع على أنه لا تؤكل ذبيحة المرتد، وذلك في معرض الرد على من قال بأن المرتد إذا أسلم فإنه لا يضمن ما أتلفه قياسًا على الكافر، فبيَّن أن بين الكافر والمرتد فرق وقال: "إجماعكم معنا على أن المرتد لا يقر على ردته بخلاف المشرك الكتابي الذي يقر على كفره إذا أدى الجزية صاغرًا وتذمم. . . وأنبما لا تؤكل ذبيحة المرتد بخلاف المشرك الكتابي" (٢). وحكاها اتفاقًا جماعة من الحنفية منهم السرخسي (٤٨٣ هـ) (٣)، والمرغيناني (٥٩٣ هـ) (٤)، ودامان (١٠٨٧) (٥).

стр. 7188

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين إباحة طعام أهل الكتاب، أي ذبائحهم، مما يدل على تحريم ذبيحة غيرهم من غير المسلمين. قال ابن قدامة في بيان الآية: "فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار، ولأنهم لا كتاب لهم، فلم تحل ذبائحهم كأهل الأوثان" (٢). وقال ابن كثير: "فدل بمفهومه -مفهوم المخالفة- على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل" (٣). ولأن المرتد لا يُقر على دينه الذي ارتد له، فهو في حكم الكافر والمجوسي، وقد استقرت نصوص الشريعة بتحريم ذبيحة غير المسلم، وأهل الكتاب (٤). • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم خلافًا في المسألة فقال: "وعن بعض الفقهاء: أكل ذبيحته إن ارتد إلى دين صابئ" (٥). • دليل المخالف: لم أجد من نص على دليل لمن أباح ذبيحة من ارتد، ولعلَّ علة القائلين به أن المرتد كان مسلمًا تحل ذبيحته، فلا يزول الحكم عنه بالردة. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم،

стр. 7189

والخلاف فيها شاذ. [١٩/ ٤] المسألة التاسعة عشرة: الكافر يلزمه الإسلام باختيار، وهو بالغ، عاقل، غير سكران . • المراد بالمسألة: لو أسلم شخص وهو بالغ عاقل مختار غير سكران، فيلزمه الإسلام، فإن أراد العود للكفر كان حكمه حكم المرتد. ويتبين مما سبق أنه لو أسلم حال كونه فاقدًا لشيء من ذلك كأن يسلم مكرهًا، أو قبل بلوغه، أو حال سكره، أو حال فقدان عقله بجنون، أو إغماء، أو نحوه فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من أسلم وهو بالغ، مختار، عاقل، غير سكران: أنه قد لزمه الإسلام" (١). • مستند الإجماع: يمكن إن يستدل للإجماع في مسألة الباب بما يلي: ١ - ما رواه الخمسة من حديث علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٢). • وجه الدلالة: الحديث دل على أن البلوغ والعقل شرطان في حصول التكليف، ومن أسلم وهو بالغ، عاقل، غير سكران، فقد تحصلت فيه شروط التكليف حين إسلامه. ٢ - أن البالغ العاقل غير السكران تتحصل عنده النية، فإذا أسلم فإنه يكون قد أسلم بنية معتبرة، وليس ثمة ما يمنع قبول إسلامه.

стр. 7190

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٠/ ٤] المسألة العشرون: مال المرتد الذي اكتسبه حال اسلامه لورثته من المسلمين . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة على شخص، ثم قتل على ردته، فإن المال الذي كان قد اكتسبه حال كونه مسلمًا، يكون لورثته من المسلمين. ويخرج من المسألة المرتد لو تاب عن الردة، ثم لم يقتل، وكذا لو تاب ثم مات، بأن كان القاضي لا يرى قبول توبة المرتد مثلًا، وكذا ما كسبه بعد الردة، وكذا ما ظفر عليه المسلمون من ماله بعد ردته، فكل ذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "لا خلاف بين أصحابنا ﵃ في أن المال الذي اكتسبه في حالة الإسلام يكون ميراثًا لورثته المسلمين إذا مات أو قتل، قال الشافعي ﵀: هو فيء، ولنا: ما روي أن سيدنا عليًا ﵁ قتل المستورد العجلي بالردة، وقسم ماله بين ورثته المسلمين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ﵃ ولم ينقل أنه أنكر منكر عليه، فيكون إجماعًا من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم" (١). • مستند الإجماع: استدل القائلون بأن مال المرتد الذي اكتسبه حال إسلامه لورثته المسلمين، بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى علق حكم الإرث بوقت هلاك الموروث،

стр. 7191

والمرتد هالك بردته؛ لأنه ارتكب جريمة استحق بها نفسه فيكون هالكًا. ٢ - كما استدلوا بفعل النبي ﷺ ؛ فإن عبد اللَّه بن أبي ابن سلول لما مات جعل رسول اللَّه ﷺ ماله لورثته المسلمين (١). ٣ - كما استدلوا بأن هذا هو فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فإن عليًا ﵁ "قتل المستورد العجلي على الردة، وقسم ماله بين ورثته المسلمين" (٢)، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة، بل جاء عن بعض الصحابة كابن مسعود، ومعاذ بن جبل، ما يوافق هذا الفعل، فكان إجماعًا (٣). ٤ - أما من النظر: فبينه السرخسي حيث قال: "المعنى فيه أنه كان مسلمًا مالكًا لماله، فإذا تم هلاكه يخلفه وارثه في ماله، كما لو مات المسلم، وتحقيق هذا الكلام أن الردة هلاك، فإنه يصير به حربًا، وأهل الحرب في حق المسلمين كالموتى، إلا أن تمام هلاكه حقيقة بالقتل أو الموت، فإذا تم ذلك استند التوريث إلى أول الردة، وقد كان مسلمًا عند ذلك فيخلفه وارثه المسلم في ماله، ويكون هذا توريث المسلم من المسلم، وهذا لأن الحكم عند تمام سببه يثبت من أول السبب، كالبيع بشرط الخيار إذا أجيز يثبت الملك من وقت العقد حتى يستحق المبيع بزوائده المتصلة والمنفصلة جميعًا، فعلى هذا الطريق يكون فيه توريث المسلم من المسلم" (٤). • المخالفون للإجماع: المخالفون في المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المرتد إذا أبي أن يسلم وقتل

стр. 7192

على الردة فإن ماله الذي اكتسبه حال إسلامه يكون فيئًا لبيت المال، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣). وهو مروي عن ابن عباس ﵁، وبه قال زيد بن ثابت، وربيعة، وابن أبي ليلى، وأبو ثور، وابن المنذر (٤). القول الثاني: ذهب آخرون إلى أن المرتد إن مات على الردة فماله لأهل دينه الذي ارتد إليهم، وهو مذهب الظاهرية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦). وبه قال قتادة، وسعيد بن أبي عروبة، وعلقمة، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز (٧). • دليل المخالف: أما الفريق الأول: فعلل القائلون بأن ماله فيء للمسلمين بأن المرتد كافر فلا يرثه المسلم، للنهي الصريح في حديث أسامة بن زيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) (٨). • وجه الدلالة: أن الحديث صريح في أن المسلم لا يرث الكافر، وهو عام سواء كان كافرًا أصليًا أو مرتدًا. ٢ - أن المرتد لا يرثه أهل ملته، كما هو قول عامة أهل العلم، بل حكي الإجماع عليه (٩).

стр. 7193

إذا تقرر هذا فإما أن يكون مال المرتد مال محارب لا أمان له فيكون فيئًا للمسلمين، أو هو مال ضائع لا صاحب له فيكون لبيت المال كالذمي إذا مات. أما الفريق الثاني: الذين جعلوا ماله لورثته من أهل دينه، فاستدلوا عليه بأن المرتد كافر فيرثه من هو على دينه كسائر الكفار (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم، من السلف والخلف، وليست من الإجماع في شيء، حتى قول الكاساني بأنه إجماع الصحابة ليس بمحقق، فإن زيد بن ثابت مخالف في المسألة كما سبق بيانه، ولذا قال ابن عبد البر: "ولا حجة لهم في قول علي؛ لأن زيد بن ثابت يخالفه" (٢). [٢١/ ٤] المسألة الحادية والعشرون: المرتدة لا يزول ملكها عن أموالها . • المراد بالمسألة: لو ارتدت امرأة في دار الإسلام، ولم تلحق بدار الحرب، فإن ملكها لا يزول عنها، بل لها التصرف في أملاكها كيف شاءت. • من نقل الإجماع: قال الكاساني (٥٨٧ هـ): "وأما المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف، فتجوز تصرفاتها في مالها بالإجماع" (٣). • مستند الإجماع: علل الحنفية لهذا القول بأن المرتدة تحبس ولا تقتل، ولذا فإن ردتها لا تكون سببًا لزوال ملكها عن أموالها، بخلاف المرتد (٤). • المخالفون للإجماع: يتبين من تعليل الحنفية لمسالة الباب أن المسألة مبيَّنة على القول بأن المرتدة لا تقتل، وإنما تحبس، وسيأتي في الفصل الثاني من مسائل الردة أن القول بأن المرتدة لا تقتل إنما هو قول الحنفية، أما الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة فيرون المساواة بين الذكر والأنثى حكم

стр. 7194

الردة، حيث إن هذا هو الأصل، ولا دليل على التفريق، ولذا يقولون: المرتدة تقتل كالمرتد (١). وإذا تقرر هذا فإن الجمهور يخالفون في مسألة الباب، ويرون أن المرتدة يزول تصرفها عن ملكها بردتها, ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، وإنما العلة هي الردة، فمتى وجدت وُجد الحكم (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن المالكية، والشافعية، والحنابلة. ولعل مراد الكاساني نقل الإجماع في مذهبه، فإن القول بعدم قتل المرتدة لا خلاف فيه بين الحنفية كما صرح به الكاساني فقال: "المرتدة لا تُقتل، بلا خلاف بين أصحابنا" (٣). [٢٢/ ٤] المسألة الثانية والعشرون: عصمة دم المرتد وماله بإسلامه بدون حكم حاكم . • المراد بالمسألة: لو ارتد شخص عن الإسلام، ثم تاب من ردته، فإنه بتوبته يكون معصوم الدم والمال، ولا يحتاج لثبوت التوبة أن يحكم الحاكم بها وبما يترتب عليها من عصمة الدم والمال. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الأئمة متفقون على أن المرتد إذا أسلم عصم بإسلامه دمه وماله، وإن لم يحكم بذلك

стр. 7195

حاكم" (١)، ونقله عنه ابن مفلح (٢)، وابن مفلح المقدسي (٣)، وابن قاسم (٤). • مستند الإجماع: يستدل لهذه المسألة بأدلة منها: ١ - ما أخرجه الشيخان عن أسامة بن زيد ﵄ قال: "بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى الحُرَقَة (٥)، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه) قلت: كان متعوذًا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" (٦). وفي لفظ لمسلم: أن النبي ﷺ قال لأسامة: (أقتلته)؟ قال: نعم، قال: (فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة) قال: يا رسول اللَّه استغفر لي، قال: (وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة (قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة) (٧). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حكم بإسلام الرجل وعصمته، بمجرد تلفظه بالشهادة، دون الرجوع للنبي ﷺ في ذلك. ٢ - عموم الأحاديث الدالة على عصمة دم من أسلم، منها:

стр. 7196

أ- عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه. . .) الحديث (١). ب- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه) (٢). ج - عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه) (٣). • وجه الدلالة: هذه الأحاديث وما شابهها تدل على عصمة الدم والمال بالإِسلام، وليس فيها ما يدل على اشتراط حكم الحاكم بصحة إسلامه. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٣/ ٤] المسألة الثالثة والعشرون: لعن غير رسول اللَّه ﷺ لا يوجب القتل . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا سب أحدًا من أمة محمد صلى ﷺ غير النبي ﷺ ، فإنه لا يقتل ردَّة.

стр. 7197

ويتحصل مما سبق أن سب سائر الأنبياء غير النبي ﷺ غير داخل في مسألة الباب، كما أنه لو قُتل من باب التعزيز، فغير مراد أيضًا (١). • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "لا أعلم أحدًا يوجب قتل من سب بعد النبي ﷺ " (٢)، نقله عنه ابن القطان (٣)، وابن تيمية (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق الأئمة على أن من سب نبيًا قُتل، ومن سب غير النبي لا يقتل بكل سب سبه" (٥). • مستند الإجماع: استدل من قال بأنه لا يقتل أحد سب غير النبي ﷺ بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ميز بين مؤذي اللَّه ورسوله ومؤذي المؤمنين، فجعل الأول ملعونًا في الدنيا والآخرة، وقال في الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (٧)، ومطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل، وإنما هو موجب للعقوبة في الجملة، فيكون عليه عقوبة مطلقة ولا يلزم من العقوبة جواز القتل (٨).

стр. 7198

٢ - عن أبي برزة ﵁ (١) قال: "أتيت على أبي بكر وقد أغلظ الرجل، فرد عليه، فقلت: ألا أضرب عنقه؟ فانتهرني، فقال: إنها ليست لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ " (٢). • وجه الدلالة: أن أبا بكر أخبر أنه لا يجوز قتل الرجل الذي رد عليه، وأخبر أن هذا لا يكون إلا في حق النبي ﷺ دون غيره، وإذا لم يجز قتل سابِّ أبي بكر ﵁ وهو خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، فعدم القتل بسب غيره من باب أولى. • المخالفون للإجماع: وقع الخلاف في سب الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، إما أشخاصًا بعينهم، أو الصحابة عمومًا إلى أقوال ثلاثة حاصلها: القول الأول: ذهب طائفة إلى أنهم لا يكفرون وفقًا على مسألة الباب (٣). القول الثاني: ذهب طائفة إلى كفر من سب الشيخين أو أحدهما فيقتلون ردة.

стр. 7199

وهذا قول عند الحنفية (١)، ووجه عند الشافعية (٢). ونسب شيخ الإسلام ابن تيمية القول بقتل من سب الصحابة إلى طائفة من فقهاء أهل الكوفة، كمحمد بن يوسف الفريابي (٣)، وأحمد بن يونس (٤)، وأبو بكر الأثرم (٥)، وعبد اللَّه بن إدريس (٦).

стр. 7200

كما نسب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى بعض الحنابلة القول بكفر من سب جميع الصحابة (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولقد بالغ السلف في الاحتياط بجنابه ﷺ ، حتى أفتى بعضهم بأن من سب فاطمة وعائشة أن يقتل، وقال: على هذا مضت سيرة أهل العلم. وأفتى بعض الشافعية: أن من سب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليًا رضى اللَّه عنهم فهو كافر" (٢). ونسب النووي لبعض المالكية القول بقتل من سب أحدًا من صحابة النبي ﷺ (٣). والقول الثالث: التوقف (٤). والقولان الأخيران هما روايتان للإمام أحمد كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "فأما من سب أحدًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، من أهل بيته وغيرهم، فقد أطلق الإمام أحمد أنه يضرب نكالًا وتوقف عن قتله وكفره. قال أبو طالب: سألت أحمد عمن شتم أصحاب النبي ﷺ قال: "القتل أجبن عنه، ولكن أضربه ضربًا نكالًا". وقال عبد اللَّه: سألت أبي عمن شتم أصحاب النبي ﷺ قال: "أرى أن يضرب"، قلت له: حد؟ ، فلم يقف على الحد إلا أنه قال: "يضرب"، وقال: "ما أراه على الإسلام ". . . قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: "هذا زندقة". وقال في رواية المروزي: "من شتم أبا بكر وعمر وعائشة: ما أراه على الإسلام".

стр. 7201

قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة، وتوقف في رواية عبد اللَّه، وأبي طالب عن قتله، وكمال الحد، وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره. قال: فيحتمل أن يحمل قوله: "ما أراه على الإسلام" إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي. قال: ويحتمل قوله: "ما أراه على الإسلام" على سب يطعن في عالتهم، نحو قوله: ظلموا، وفسقوا، بعد النبي ﷺ وأخذوا الأمر بغير حق. ويحمل قوله في إسقاط القتل على يسب لا يطعن في دينهم، نحو قوله: كان فيهم قلة علم، وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شح، ومحبة للدنيا، ونحو ذلك. قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان: إحداهما: يكفر، والثانية: يفسق، وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره، حكوا في تكفيرهم روايتان" (١). • دليل المخالف: استدل القائلون بقتل سب الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم بأدلة منها: قول اللَّه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) (٣)، قال

стр. 7202

ابن كثير: "من هذه الآية انتزع الإمام مالك ﵀ في رواية عنه: بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية" (١). وقال ابن تيمية: "قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٢): تعليق للحكم بوصف مشتق مناسب؛ لأن الكفر مناسب لأن يغاظ صاحبه، فإذا كان هو الموجب لأن يغيظ اللَّه صاحبه بأصحاب محمد فمن غاظه اللَّه بأصحاب محمد فقد وُجد في حقه ذلك، وهو الكفر" (٣). ٢ - أن اللَّه تعالى أثنى على الصحابة رضوان اللَّه عليهم في غير ما آية من كتابه فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ رضي اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (٦)، فمن سب الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم فقد كذب خبر اللَّه تعالى في القرآن. ٣ - أن النبي ﷺ أثنى على أصحابه في أحاديث كثيرة منها: أ- عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: سئل رسول اللَّه ﷺ : أي الناس خير؟

стр. 7203

قال: (قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١). ب- عن أبي سعيد الخدري -رضى اللَّه عنه- قال: قال النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (٢). ج- عن البراء ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه اللَّه ومن أبغضهم أبغضه اللَّه) (٣). د- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا يبغض الأنصار رجل يومن باللَّه واليوم الآخر) (٤). والأحاديث في هذا الباب كثيرة، فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، ويكون كما قال ﷺ منافقًا لا يؤمن باللَّه ولا باليوم الآخر. ٤ - كما استدلوا بأن هذا هو المأثور عن جملة من الصحابة رضوان اللَّه عليهم، كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن أبزى ﵃ (٥) (٦). وقد أخرج اللالكائي: "أن عليًا ﵁ لمّا بلغه أن ابن السود (٧) ينتقص أبا بكر وعمر فدعا به، ودعا بالسيف، وهمَّ بقتله، فكُلم فيه فقال: "لا يساكني

стр. 7204

ببلد أنا فيه"، فنفاه إلى الشام (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا يظهر عن علي ﵁ أنه يريد قتل رجل إلا وقتله حلال عنده، ويشبه -واللَّه أعلم- أن يكون إنما تركه خوف الفتنة بقتله، كما كان النبي ﵊ يمسك عن قتل بعض المنافقين؛ فإن الناس تشتتت قلوبهم عقب فتنة عثمان ﵁ وصار في عسكره من أهل الفتنة أقوام لهم عشائر لو أراد الانتصار منهم لغضبت لهم عشائرهم" (٢). النتيجة: ظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية، وغيرهم. وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية مسألة سب الصحابة على ثلاثة أقسام فقال: "أما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم، ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك: فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم. وأما من لعن وقبَّح مطلقًا: فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول اللَّه ﵊ إلا نفرًا قليلًا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم: فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة: أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق" (٣)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 7205

[٢٤/ ٤] المسألة الرابعة والعشرون: المرتد إذا مات على ردته حبط عمله . • المراد بالمسألة: لو ارتد شخص مسلم عن الإسلام، ثم مات وهو مرتد، فإنه يلقى اللَّه تعالى وقد حبطت عنه جميع أعماله الصالحة التي كان عملها في إسلامه، وبعد ردته. ويتحصل مما سبق أنه لو ارتد ثم عاد للإسلام فكون أعماله التي عملها قبل الردة يحبطها اللَّه تعالى أم لا مسألة خلاف ليست مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "الردة المتصلة بالموت تحبط العبادات بالنص والإجماع" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وأما الردة عن الإسلام، بأن يصير الرجل كافرًا، مشركًا، أو كتابيًا، فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء" (٢). وقال قليوبي (٣) وابن عميرة (٤): "واعلم أنها -أي الردة- تحبط ثواب الأعمال مطلقًا، وكذا العمل إن اتصلت بالموت إجماعا" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي

стр. 7206

الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ (٣). ٤ - قال تعالى في حق النبي ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ (٤). ٥ - كما يدل عليه عموم النصوص الدالة على أن الكافر لا يقبل منه يوم القيامة عمل، منها: أ- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها للَّه في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها) (٥). ب- عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول اللَّه ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: (لا ينفعه؛ إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) (٦). • وجه الدلالة من الأحاديث: هذه أحاديث تدل على أن الكافر لا يقبل منه عمل، والمرتد الذي مات على ردته يكون كافرًا، فيدخل ضمن هذه النصوص، واللَّه أعلم. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7207

[٢٥/ ٤] المسألة الخامسة والعشرون: تعلم السحر وتعليمه وعمله حرام . • المراد بالمسألة: أولا: تعريف السحر لغةً واصطلاحًا: السِّحر لغةً: قال ابن فارس: "السين والحاء والراء أصولٌ ثلاثة متباينة: أحدها: عضْوٌ من الأعضاء، والآخر: خَدْعٌ وشِبههُ، والثالث: وقتٌ من الأوقات. فالعُضْو السَّحْر، وهو ما لَصِقَ بالحُلقوم والمَرِيء من أعلى البطن. . . وأمّا الثّاني فالسِّحْر، قال قوم: هو إخراج الباطل في صورة الحقِّ، ويقال هو الخديعة. . . وأما الوقت فالسَّحَر، والسُّحْرة، وهو قَبْل الصُّبْح" (١). ويتحصل مما سبق أن هذه المادة على ثلاثة أضرب: الأول: السِّحر -بتشديد السين المكسورة-. والثاني: السَّحْر -بتشديد السين المفتوحة، وسكون الحاء-. والثالث: السَّحَر -بتشديد السين المفتوحة، وفتح الحاء-. والذي يخصُّنا في البحث هو الضرب الأول، قال الخليل بن أحمد: "السِّحر: كل ما كان من الشيطان فيه معونة، والسِّحر: الأخذة التي تأخذ العين، والسِّحر: البيان في الفطنة" (٢). وقال الجوهري (٣): "السحر: الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو

стр. 7208

سحر" (١). وقال الأزهري: "أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره" (٢). ويتحصل مما سبق أن السِّحر في اللغة يطلق على كل ما لطف مأخذه ودق، أي ما كان سببه خفيًا، كما يُطلق على العمل الذي فيه معونة من الشيطان، وعلى صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره -ومنه: الخديعة-، وعلى الفطنة، والبيان، وفصاحة اللسان. • السحر اصطلاحًا: اختلف أهل العلم في حد السحر اصطلاحًا، وذلك لكثرة أنواعه، وعدم تحقق قدر مشترك بين هذه الأنواع يكون جامعًا لها مانعًا عن دخول غيرها، ولذا قال الشافعي: "السحر: اسم جامع لمعان مختلفة" (٣). وقال ابن جرير الطبري: "تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته" (٤). وعرفه ابن العربي بقوله: "كلام مؤلف يعظم به غير اللَّه تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات" (٥). وعرفه ابن قدامة بقوله: "هو عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا في بدن المسحور أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، وما يمرض، ويأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما إلى الآخر، أو يحبب بين اثنين" (٦). • ثانيًا: صورة المسألة: من استعمل السِّحر عن طريق تعظيم غير اللَّه تعالى، أو استعمال الجن بالصرف والعطف، أو ضرر الناس، أو خديعتهم، أو نحو ذلك، فقد ارتكب أمرًا محرمًا شرعًا.

стр. 7209

ويُبيَّن أن السحر الذي يعتمد على خفة اليد، أو ما سمي في نصوص الشرع سحرًا من البيان في الكلام، أو النميمة فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال أبو عثمان الصابوني (٤٤٩ هـ) (١): "وإن قال: السحر ليس بحرام، وأنا أعتقد إباحته، وجب قتله؛ لأنه استباح ما أجمع المسلمون على تحريمه" (٢). قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "تعلّم السحر وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم" (٣). وقال أيضًا: "القرآن نطق بتحريمه -أي السحر- وثبت بالنقل المتواتر والإجماع" (٤). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "عمل السحر حرام، وهو من الكبائر، بالإجماع" (٥)، ونقله عنه ابن حجر (٦). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "تعليم السحر وتعلمه حرام، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم" (٧). وقال أيضا: "القرآن نطق بتحريمه -أي السحر- وثبت بالنقل المتواتر والإجماع" (٨). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قد علم أنه -أي السحر- محرم بكتاب اللَّه، وسنة رسوله، وإجماع الأمة" (٩). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "تعليم السحر حرام بلا خلاف بين أهل العلم" (١٠).

стр. 7210

وقال زكريا الأنصاري (٩٢٦ هـ): "ويحرم فعله -أي السحر- بالإجماع" (١). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "وتعلمه -أي السحر-، وتعليمه، وفعله حرام، بلا نزاع" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى تعليم السحر كفرًا، وجعل من اشتراه ليس له خلاق -أي نصيب- في الآخرة، وجعل تعلم السحر منافيًا للإيمان والتقوى. ٢ - قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ (٤). ٣ - قال تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ (٥). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (اجتنيوا السبع الموبقات) قيل: يا رسول اللَّه وما هن؟ قال: (الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) (٦).

стр. 7211

٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه) (١). ٦ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إن الرقى، والتمائم، والتولة، شرك) (٢). والتولة ضرب من السحر يزعمون به أنه يقرب الرجل إلى امرأته (٣). • المخالفون للإجماع: خالف بعض أهل العلم في بعض صور المسألة فنقل ابن عابدين عن بعض الحنفية استثناء تعلم السحر لرد ساحر أهل الحرب فيجب في هذه الحال، وإنْ تعلمه ليوفق بين زوجين فجائز (٤). وذهب بعض الشافعية إلى تحريم تعليم السحر، إلا إن كان لتحصيل نفع، أو لدفع ضرر، أو للوقوف على حقيقته (٥). وأشار إلى هذا القول ابن حجر فقال: "قد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لأزالته عمن وقع فيه.

стр. 7212

فأما الأول فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه والعمل به" (١). وأشد من خالف في المسألة الفخر الرازي حيث نقل اتفاق المحققين على أن تعلم السحر ليس بمحظور، فقال في تفسيره: "العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ (٢)، ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزًا واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا كيف يكون حرامًا وقبيحًا" (٣).

стр. 7213

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع في الجملة، وإنما الخلاف في بعض الصور، وقول الرازي شاذ لا يُعول عليه. [٢٦/ ٤] المسألة السادسة والعشرون: السحر لا يظهر إلا من فاسق . • المراد بالمسألة: لو ثبت السحر المحرم على شخص من الأشخاص، فإنه دليل على فسق ذلك الشخص. ويتبين مما سبق أن السحر الذي ليس بمحرم كالذي يكون باستعمال الأدوية أو يعتمد على خفة الحركة أو ما سمي في نصوص الشرع سحرًا وهو مباح كالبيان والفصاحة، فكل ذلك ليس مرادا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال إمام الحرمين الجويني (٤٧٨ هـ) (١): "ولا يظهر السحر إلا على فاسق، ولا تظهر الكرامة على فاسق، وليس ذلك بمقتضى العقل بل مستفاد من إجماع الأمة"، نقله عنه الشربيني (٢)، وزكريا الأنصاري (٣) (٤)، وابن حجر. . .

стр. 7214

الهيتمي (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق" (٢). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق" (٣). • مستند الإجماع: أن السحر المذكور محرم، بل هو من الكبائر كما نقل النووي الإجماع عليه، وقد يكون وسيلة إلى الكفر باللَّه تعالى، ومن ظهر منه ما هذا حكمه فلا ريب في فسقه. • المخالفون للإجماع: لم أجد من نص على خلاف في مسألة الباب، لكن سبق في المسألة السابقة أن ثمة من يرى جواز تعلم السحر لقضايا معينة، ومن لازم قولهم أن من تعلم السحر لهذه الأغراض فإنه تعلم أمرًا مباحًا، ولا يكون بذلك فاسقًا. لكن من المُقرر أن لازم القول لا يكون قولًا لصاحبه، وإنما يدل على قوة القول وضعفه، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٧/ ٤] المسألة السابعة والعشرون: السحر ثابت وله حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء . • المراد بالمسألة: المراد بمسألة الباب أن السحر له حقيقة ووجود، يؤثر به الساحر على المسحور. أما مسألة كون الساحر يستطيع قلب الأعيان حقيقة، فهذه مسألة أخرى ليست مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا على أن السحر له

стр. 7215

حقيقة، إلا أبا حنيفة: فإنه قال لا حقيقة له" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في نفسه، وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، وأبو حنيفة" (٢). • مستند الإجماع: يدل على أن السحر له حقيقة ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (٣). والمراد بالنفاثات في العقد: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن عليه، كما فسره بذلك مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك (٤). • ووجه الدلالة من الآية: أن اللَّه تعالى أمر بالاستعاذة من السحر، ولولا أن له حقيقة، لما أمر اللَّه تعالى بالاستعاذة منه (٥). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ (٦). • وجه الدلالة من الآية: أخبر تعالى أن السحر مما يُتعلم، ويُفرَّق به بين الرجل وزوجه، وهذا لا يكون فيما لا حقيقة له (٧).
следующие страницы →