← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه) (١). ٦ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إن الرقى، والتمائم، والتولة، شرك) (٢). والتولة ضرب من السحر يزعمون به أنه يقرب الرجل إلى امرأته (٣). • المخالفون للإجماع: خالف بعض أهل العلم في بعض صور المسألة فنقل ابن عابدين عن بعض الحنفية استثناء تعلم السحر لرد ساحر أهل الحرب فيجب في هذه الحال، وإنْ تعلمه ليوفق بين زوجين فجائز (٤). وذهب بعض الشافعية إلى تحريم تعليم السحر، إلا إن كان لتحصيل نفع، أو لدفع ضرر، أو للوقوف على حقيقته (٥). وأشار إلى هذا القول ابن حجر فقال: "قد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإما لأزالته عمن وقع فيه.

стр. 7212

فأما الأول فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا، كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل بخلاف تعاطيه والعمل به" (١). وأشد من خالف في المسألة الفخر الرازي حيث نقل اتفاق المحققين على أن تعلم السحر ليس بمحظور، فقال في تفسيره: "العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ (٢)، ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزًا واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا كيف يكون حرامًا وقبيحًا" (٣).

стр. 7213

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع في الجملة، وإنما الخلاف في بعض الصور، وقول الرازي شاذ لا يُعول عليه. [٢٦/ ٤] المسألة السادسة والعشرون: السحر لا يظهر إلا من فاسق . • المراد بالمسألة: لو ثبت السحر المحرم على شخص من الأشخاص، فإنه دليل على فسق ذلك الشخص. ويتبين مما سبق أن السحر الذي ليس بمحرم كالذي يكون باستعمال الأدوية أو يعتمد على خفة الحركة أو ما سمي في نصوص الشرع سحرًا وهو مباح كالبيان والفصاحة، فكل ذلك ليس مرادا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال إمام الحرمين الجويني (٤٧٨ هـ) (١): "ولا يظهر السحر إلا على فاسق، ولا تظهر الكرامة على فاسق، وليس ذلك بمقتضى العقل بل مستفاد من إجماع الأمة"، نقله عنه الشربيني (٢)، وزكريا الأنصاري (٣) (٤)، وابن حجر. . .

стр. 7214

الهيتمي (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق" (٢). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق" (٣). • مستند الإجماع: أن السحر المذكور محرم، بل هو من الكبائر كما نقل النووي الإجماع عليه، وقد يكون وسيلة إلى الكفر باللَّه تعالى، ومن ظهر منه ما هذا حكمه فلا ريب في فسقه. • المخالفون للإجماع: لم أجد من نص على خلاف في مسألة الباب، لكن سبق في المسألة السابقة أن ثمة من يرى جواز تعلم السحر لقضايا معينة، ومن لازم قولهم أن من تعلم السحر لهذه الأغراض فإنه تعلم أمرًا مباحًا، ولا يكون بذلك فاسقًا. لكن من المُقرر أن لازم القول لا يكون قولًا لصاحبه، وإنما يدل على قوة القول وضعفه، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٢٧/ ٤] المسألة السابعة والعشرون: السحر ثابت وله حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء . • المراد بالمسألة: المراد بمسألة الباب أن السحر له حقيقة ووجود، يؤثر به الساحر على المسحور. أما مسألة كون الساحر يستطيع قلب الأعيان حقيقة، فهذه مسألة أخرى ليست مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "أجمعوا على أن السحر له

стр. 7215

حقيقة، إلا أبا حنيفة: فإنه قال لا حقيقة له" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيرًا في نفسه، وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، وأبو حنيفة" (٢). • مستند الإجماع: يدل على أن السحر له حقيقة ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (٣). والمراد بالنفاثات في العقد: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن عليه، كما فسره بذلك مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك (٤). • ووجه الدلالة من الآية: أن اللَّه تعالى أمر بالاستعاذة من السحر، ولولا أن له حقيقة، لما أمر اللَّه تعالى بالاستعاذة منه (٥). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ (٦). • وجه الدلالة من الآية: أخبر تعالى أن السحر مما يُتعلم، ويُفرَّق به بين الرجل وزوجه، وهذا لا يكون فيما لا حقيقة له (٧).

стр. 7216

٣ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، فقال: (يا عائشة أعلمت أن اللَّه قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه، قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا-، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة، قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر، تحت راعوفة (١)، في بئر ذروان، قالت: فأتى النبي ﷺ البئر حتى استخرجه" (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح في أن السحر حصل بأشياء أُخذت ودُفنت، ثم أُخرجت وأُتلفت، مما يدل على أن له حقيقة ووجود. ٤ - من النظر: واقع الحال، فقد اشتهر بين الناس وجود عقد الرجل عن امرأته، فلا يقدر على إتيانها، وبعد حل عقده يتمكن من إتيانها، وفي ذلك من الأخبار والوقائع المشاهدة ما هو مشهورٌ لا يمكن جحده (٣). • المخالفون للإجماع: نقل بعض أهل العلم عن أبي حنيفة القول بأن السحر مجرد تخييل، وأنه لا حقيقة له، ولا تأثير على الأبدان (٤). لكن ثمة تنبيهان: الأول: ما نُقِل عن أبي حنفية من القول بأن السحر تخييل لا حقيقة له محل نظر، والأقرب عدم صحة ذلك عنه، ويؤيده أن أصحابه لم ينقلوا عنه ذلك، بل المنقول في كتب الحنفية هو القول بأن السحر له حقيقة، ومن ذلك: قال ابن الهمام: "قال أصحابنا: للسحر حقيقة وتأثير في إيلام الأجسام،

стр. 7217

خلافًا لمن منع ذلك وقال: إنما هو تخييل" (١). وقال ابن عابدين: "في شرح الزعفراني: السحر حق عندنا، وجوده، وتصوره، وأثره" (٢). وكذا نقله غيرهم من أهل العلم، فقال ابن بطال: "قال ابن القصار: ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أن السحر له حقيقة، وقد يمرض من يفعل ويموت ويتغير عن طبعه" (٣). الثاني: ذكر بعض أهل العلم كابن جرير (٤)، وابن حزم (٥)، والبغوي (٦) أن الصواب في مسألة السحر أنه تخييل، لكنهم لا يريدون بذلك أن السحر لا حقيقة له ولا تأثير، وإنما أرادوا مسألة أخرى وهي قلب الأعيان، كأن يقلب الساحر الإنسان حمارًا، والصندوق دراهمًا، وما إلى ذلك، فهذا تخييل لا حقيقة له، أما نفس السحر فلم يريدوا أنه تخييل لا حقيقة له، بل نصوا على وجوده حقيقة، كما قال البغوي: "والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه أكثر الأمم" (٧). ويمكن أن يحمل كلام أبي حنيفة إن صح النقل عنه بأن السحر لا حقيقة له، أنه أراد هذا المعنى من قلب الأعيان، وأنه في ذلك تخييل، لا أن السحر لا حقيقة له في ذاته، ولا تأثير، واللَّه أعلم. • دليل المخالف: استدل المخالف بقول اللَّه تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ (٨). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، وإن كان المارزي لما ذكر المسألة نسبها

стр. 7218

لجمهور العلماء، فقال: "مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة" (١)، ولعله اعتبر خلاف أبي حنيفة في ذلك. [٢٨/ ٤] المسألة الثامنة والعشرون: المرتد أحكامه مردودة . • المراد بالمسألة: من المقرر عند الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦) أن الإسلام شرط لتولي منصب القضاء بين المسلمين، فإذا تولى المسلم القضاء بين المسلمين، ثم ارتد حال توليه القضاء، فإن ما حكم به حال ارتداده مردود غير نافذ. ويتبيَّن مما سبق أن ما حَكَم به قبل ارتداده، أو كان حكمه للقضاء بين غير المسلمين، كأهل الذمة، وغيرهم، فكل ذلك غير مراد من مسألة الباب. وينبه أيضًا إلى أن المسألة مقيَّدة بحال الاختيار، أما في حال الضرورة فإن ذلك غير مراد، ومثال الضرورة: كأن يستبد بالسلطة حاكم ظالم ذو بطش وشوكة، فيولى القضاء كافرًا، فهذا قاضي ضرورة ينفذ قضاؤه رغم بطلان توليته؛ حتى لا تتعطل مصالح الناس، إذ وجود القاضي مهم لحل الخصومات،

стр. 7219

وترك المكان بلا قاض فيه ضرر بيِّن (١). • من نقل الإجماع: قال أبو الوليد الباجي (٤٧٤ هـ): "وأما اعتبار إسلامه -أي القاضي- فلا خلاف فيه بين المسلمين" (٢). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "المرتد أحكامه مردودة باتفاق العلماء" (٣). وقال ابن فرحون (٧٩٩) (٤): "لا تصح -أي ولاية القضاء- من الكافر اتفاقًا" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة بطلان تولي المرتد للقضاء ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٦). • وجه الدلالة: الآية دلت بمنطوقها أن من شرط وُلاة الأمر أن يكونوا مؤمنين، وذلك في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ (٧). ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٨). • وجه الدلالة: أن تولية غير المسلم القضاء على المسلم يعتبر سبيلًا وسيطرة على المسلم؛ لأن القضاء ولاية، والآية صريحة أنه لا سبيل للكافر على المسلم، وهو من باب الخبر الذي بمعنى النهي (٩).

стр. 7220

٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: الآية صريحة في النهي عن اتخاذ بطانة من دون المسلمين، وتولية الكافر القضاء هو نوع من اتخاذه بطانة (٢). ٤ - قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (٣). ٥ - عن عائذ بن عمرو ﵁ (٤) أن النبي ﷺ قال: (الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه) (٥).

стр. 7221

• وجه الدلالة من الآية والحديث: فيهما دليل على أن حق الكافر الذل والصغار، ومعلوم أن القضاء منصب رفيع فيه إكرام وتعظيم لمن تقلَّده، والكافر لا يستحق التعظيم (١). ٦ - قياس القضاء على الشهادة بجامع أن كلًا منهما ولاية، فكما لا يجوز شهادة الكافر، وهي ولاية خاصة، فمن باب أولى ألا يصح قضاؤه، لكونه ولاية عامة (٢). ٧ - أن القصد من القضاء تطبيق الأحكام الشرعية، والكافر جاهل بها غالبًا. ٨ - أن القضاء منصب عظيم، يحتاج لأمانة ودين فيمن يتولاه، والكافر فاقد لذلك. ٩ - قياس الكافر على الفاسق بجامع فقدان شرط العدالة في كل منهما، فإذا كان الفاسق ممنوعًا من تولي القضاء مع كونه خيرًا من الكافر ومع أصل

стр. 7222

الإيمان، فمن باب أولى أن يمنع الكافر من تولي القضاء (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم (٢).

стр. 7223

[٢٩/ ٤] المسألة التاسعة والعشرون: اتفق العلماء على أن القرآن هو المتلو في الأمصار المكتوب الذي بين أيدينا وهو ما جمعته الدفتان من أول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) إلى آخر سورة الناس. • المراد بالمسألة: القرآن الذي أنزله اللَّه تعالى هو ما بين دفتي المصاحف الموجودة بين أيدينا، من أول سورة الفاتحة وهي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، إلى آخر سور الناس. لكن يستثنى من ذلك البسملة التي في أول السور، فإن إثبات كونها قرآنًا أو نفيه محل خلاف، سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى (٣)، وكذا يستثنى منه ذكر أسماء السور، والأجزاء، والأحزاب، وتحديد الآيات. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) في باب عقده لجملة من الاعتقادات التي يكفر من خالفها: "اتفقوا أن القرآن المتلو الذي في المصاحف بأيدي الناس، في شرق الأرض وغربها من أول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، إلى آخر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ (٤)، هو كلام اللَّه ووحيه، أنزله على نبيه محمد ﷺ مختارًا له من بين الناس" (٥). وقال القاضي عياض (٤٥٤ هـ): "أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في

стр. 7224

جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدى المسلمين مما جمعه الدفتان من أول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، إلى آخر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، أنه كلام اللَّه، ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ " (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "قد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في الأقطار المكتوب في الصحف الذي بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، إلى آخر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، كلام اللَّه ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ " (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٠/ ٤] المسألة الثلاثون: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ثم ارتد عن الإسلام فلا يكون من الصحابة . • المراد بالمسألة: من المقرر أن الصحابي هو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، وإن لم يكن رآه كابن مكتوم. وأن الصحابة كلهم مسلمون عدول، أثنى اللَّه تعالى عليهم في كتابه، وواجب علينا أن نترضى عليهم. فأمَّا من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به ثم ارتد ومات على الردة فإنه لا يعد من الصحابة. ويتحصل من ذلك أن من رآه مؤمنًا به ثم ارتد ثم رجع للإسلام فذلك غير مراد. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من الأمة

стр. 7225

في أنه لا يحل لمسلم أن يسمي كافرًا معلِنًا بأنه صاحب رسول اللَّه ﷺ ، ولا أنه من أصحاب النبي ﵇" (١). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "من صحبه أو رآه مؤمنًا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعُد إلى الإسلام فإنه ليس صحابيًا اتفاقًا" (٢). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ (٣). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ رضي اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ (٤). ٣ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥). ٤ - قول اللَّه : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ (٦). قال القرطبي في تفسير هذه الآية: "وهذا كله مع علمه ﵎

стр. 7226

بحالهم ومآل أمرهم" (١). ٥ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (٢). ٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (٣). • وجه الدلالة من النصوص السابقة: النصوص السابقة من الكتاب والسنة صريحة في الثناء على الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، فبعضها نص على المهاجرين، وفي بعضها على الذين بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان، وفي بعضها عموم الصحابة، وهذا كله يدل على أنهم مسلمون؛ إذ المرتد لا يستحق الثناء. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣١/ ٤] المسألة الحادية والثلاثون: إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح . • المراد بالمسألة: إذا عقد مسلم على مسلمة ثم ارتد أحد الزوجين قبل الدخول، فإن النكاح ينفسخ بينهما. ويتبين مما سبق أن المسلم لو عقد على كتابية، أو كان الزوجان المسلمان ارتدا معًا، أو ارتد أحدهما بعد الدخول، فكل ذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول: انفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم" (٤). وقال شمس الدين بن قدامة (٦٨٢ هـ): "إذا ارتد أحد الزوجين قبل

стр. 7227

الدخول: انفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم" (١). وقال الرحيباني: "إن ارتد أحد الزوجين قبل الدخول: انفسخ النكاح في قول عامة أهل العلم" (٢). وقال ابن مفلح المقدسي: "إن ارتد أحد الزوجين قبل الدخول: انفسخ النكاح في قول عامتهم" (٣). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نفى حليَّة الكافرات للمؤمنين، وحليَّة المؤمنات للكافرين، ونهى أن يمسك المؤمن بعصمته امرأة كافرة. ٢ - من النظر: لأن المرتد بارتداده يكون قد اختلف دينه مع زوجه، وهذا الاختلاف يمنع الدخول والإصابة، فأوجب فسخ النكاح، كما لو أسلمت المرأة تحت كافر (٥). المخالف في المسألة: حكي عن داود أنه لا ينفسخ النكاح بالردة (٦). • دليل المخالف: استدل القائلون ببقاء النكاح بأن النكاح وقع صحيحًا، ولا يحكم بفسخه إلا بدليل صريح صحيح، ولا يوجد دليل على الفسخ، فبقي الحكم على الأصل من استمرارية النكاح (٧).

стр. 7228

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، وأما ما حكي عن داود، فإنها حكاية غير مجزوم بها، لا سيما أن ابن حزم حين ذكر المسألة في كتابه "المحلى" لم يذكر هذا القول عن داود (١)، وإن ثبت عن داود فإنه يعتبر شاذًا، واللَّه أعلم.

стр. 7229

الفصل الثاني مسائل الإجماع في صفة حد الردة [٣٢/ ٤] المسألة الثانية والثلاثون: إذا ارتد ثم أسلم فإنه لا يعزر أول مرة . • المراد بالمسألة: لو أن مسلمًا ارتد عن الإسلام، ثم تاب ورجع مسلمًا، فإذا كانت هذه الردة هي الأولى للرجل، فإن الأصل ألا يعزر الإمام من تاب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "لا نعلم أحدًا أوجب على المرتد مرة واحدة أدبًا إذا رجع إلى الإسلام" (١). وقال الخطيب الشربيني (٩٧٧ هـ): "ولا يعزر في المرة الأولى، وحكى ابن يونس الإجماع عليه" (٢) وقال الرملي (١٠٠٤ هـ): "ويعزر إن تكرر منه الارتداد، فلا يعزر في المرة الأولى، وقد حكى ابن يونس الإجماع عليه" (٣). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: الآية تدل على أن من أسلم فإنه قد غفر له ما سبق فعله في الإسلام، وهي عامة لكل من تاب من الكفر، سواء كان كفره أصلي أو عن ردة، وليس في الآية ما يدل على التعزير لمن انتهى عن الكفر. ٢ - عن ابن عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام

стр. 7230

وحسابهم على اللَّه) (١). • وجه الدلالة: في الحديث بيان أن من أسلم فإنه لا يجوز التعرض له بشيء، وهو عام فيمن كفره أصلي أو عن ردة، وليس فيه ذكر للتعزير. ٣ - من النظر: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الواجب على المرتد حد القتل، والحد متى استوفي أو سقط لم تجز الزيادة عليه، وقد سقط هنا بالتوبة (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع في الجملة، وإن كان ثمة مسائل وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، كمن ارتد بسبب سبه للَّه تعالى، أو بسبب سب النبي ﷺ ، أو سبَّ نبيًا مجمعًا على نبوته، فإن جماعة من أهل العلم يرون مع قبول توبته وجوب تعزيره، وآخرون يرون مع قبول توبته، وجوب قتله حدًا لا كفرًا. لكن التحقيق في مثل هذه المسائل أن القول بوجوب تعزير الإمام فيها أو القتل حدًا، ليس موجبه الردة بذاتها، وإنما اللفظ أو الفعل الموجب للردة، وحينئذ فيمكن أن يتحقق الإجماع الذي حكاه ابن المنذر. ويُنبَّه إلى أن كلام ابن المنذر منصب على الوجوب، وهذا لا يمنع أن الإمام له أن يعزر من باب الردع، إن رأى المصلحة في ذلك، كأن يتفشى في الناس التهاون في مسألة الردة ثم الإسلام، فيكون التعزير رادعا لهم عن مثل ذلك، وليس ثمة ما يمنع ذلك من نص أو إجماع، واللَّه تعالى أعلم. [٣٣/ ٤] المسألة الثالثة والثلاثون: إباحة دم المرتد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة على شخص ذكر بما لا يحتمل التأويل، وكان حال ردته صحيحًا، عاقلًا، بالغًا، مختارًا، فإن دم المرتد يكون هدرًا، إذا لم يتب من ردته، وليس على من قتله دية أو قود، والمسألة خاصة بالمرتد الرجل.

стр. 7231

ويتحصل مما سبق أن الردة لو كانت من امرأة، أو كان رجلًا لكنه لم يكن عاقلًا، بأن كان مجنونًا، أو معتوهًا، أو سكرانًا، أو نحو ذلك، أو لم يكن بالغًا، أو كان مكرهًا، أو متأولًا، أو تاب من ردته فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن دقيق (٧٠٢ هـ): "المراد بالجماعة: جماعة المسلمين، وإنما فراقهم بالردة عن الدين، هو سبب لإباحة دمه بالإجماع في حق الرجل" (١)، ونقله عنه ابن حجر (٢). ويضاف للمسألة ما سيأتي من نقل إجماعات أهل العلم في وجوب قتل المرتد، فإنها تدل على هدر دمه (٣). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمسألة الباب بما يلي: ١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (٤). ٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس-)، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني انظر إلى سواكه تحت شفته قَلَصَت، فقال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس- إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم، ثم

стр. 7232

تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل؛ قضاء اللَّه ورسوله، ثلاث مرات، فأَمر به، فقُتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي (١). • وجه الدلالة من الحديثين: في الحديثين دلالة على أن حكم الشارع في المرتد القتل. ٣ - الإجماع المنقول على قتل المرتد، حيث نقله جماعة من أهل العلم، قال ابن قدامة: "أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا" (٢). وقال النووي: "أجمعوا على قتله -أي المرتد-" (٣). وهذا يدل على أن دمه غير معصوم، وأنه ممن قد أباح الشرع قتله، فلا دية على قاتله، ولا دية. • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم عن بعض أهل العلم القول بأنه لا قتل على مرتد (٤)، ولم ينسبه لأحد من أهل العلم، وأخرج البيهقي وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أنه قال في المرتد: "يستتاب أبدًا" (٥)، قال ابن قدامة: "وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدًا" (٦).

стр. 7233

فقد يكون من لازم هذا القول إيجاب الضمان على من قتل المرتد، لأن الشرع لم يبح قتله عندهم. • دليل المخالف: استدل المخالف لمسألة الباب بأدلة منها: ١ - أن النبي ﷺ كان يعلم أن ثمة منافقين في عهده، ومع ذلك فلم يقتل واحدًا منهم. ٢ - قصة ذي الخويصر الذي اعترض على قسمة النبي ﷺ ، فأراد خالد بن الوليد، وفي بعض الروايات عمر بن الخطاب، أن يقتله، فمنع النبي ﷺ ذلك (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الفقهاء فيه كما نقله ابن حزم. ويحسن التنبيه إلى أن عامة أهل العلم القائلين بأن دم المرتد هدر، لا يبيحون قتله من عامة الناس، وإنما القتل خاص بالإمام أو نائبه (٢)، ومن قتله من عامة الناس، فللإمام أن يعزره؛ لافتياته على الإمام، ولضبط الفوضى في الناس. [٣٤/ ٤] المسألة الرابعة والثلاثون: قتل الزنادقة مشروع . • المراد بالمسألة: من كان زنديقًا وظهر أمره، ولم يتب، فيشرع للإمام قتله. ويتبين من هذا أن من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، ولم يظهر منه خلاف ما أظهر، أو كان قد تاب من زندقته سواءً قبل القدرة عليه أو بعد القدرة عليه، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن الزنديق الذي يُسِر الكفر، ويظهر الإسلام: يُقتل" (٣).

стр. 7234

• مستند الإجماع: يدل على قتل الزنديق ما يلي: ١ - ما أخرجه البخاري عن عكرمة قال: أتي علي ﵁ بزنادقة، فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرِّقهم؛ لنهي رسول اللَّه ﷺ : (لا تعذبوا بعذاب اللَّه)، ولقَتلْتهم؛ لقول رسول اللَّه ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) (١)، فاتفق علي وابن عباس ﵄ على قتلهم، وإنما اختلفوا في صفة القتل. ٢ - أن اللَّه تعالى توعد المنافقين في آيات من كتابه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ (٣)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر المنافق. ٣ - الإجماع المحكي على كفر المنافقين، حيث قال ابن حزم: "لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن المنافقين كفار" (٤). وهذا الإجماع يدل على أن المسلم إن تزندق إلى النفاق فإنه يكون بذلك كافرًا، وهذه ردة عن الإسلام للكفر، والمرتد إن لم يتب فحقه القتل. • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم عن بعض أهل العلم القول بأنه لا قتل على المنافقين، حتى من اشتهر نفاقه منهم (٥). • دليل المخالف: استدل المخالف لمسألة الباب بأدلة منها أن النبي ﷺ كان يعلم أن ثمة منافقين في عهده، وعدَّ بعضهم لحذيفة بن اليمان، ومع ذلك فلم

стр. 7235

يقتل واحدا منهم، ولم يأمر بقتلهم (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لخلاف بعض الفقهاء كما نقله ابن حزم. [٣٥/ ٤] المسألة الخامسة والثلاثون: تقبل شهادة عدلين في الردة . • المراد بالمسألة: لو شهد شاهدان على رجل بأنه ارتد بقول أو فعل يدل على الردة، فتقبل دعوى الشهود ضده، ويؤتى بالمشهود عليه فإما أن ينكر، أو يقر. ويتبين مما سبق أن محل الإجماع في المسألة هو في عدد الشهود، أما اشتراط العدالة، أو المذكورة، أو ما إلى ذلك، فكل ذلك ليس مرادا في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمع أهل العلم على أن شهادة شاهدين يجب قبولها على الارتداد، ويقتل المرء بشهادتهما إن لم يرجع إلى الإسلام، وانفرد الحسن فقال: لا يقبل في القتل إلا شهادة أربعة" (٢)، ونقله عنه ابن قدامة (٣). وكذا حكاه ابن الهمام (٨٦١ هـ) بنحوه فقال: "تقبل الشهادة بالردة من عدلين، ولا يعلم مخالف إلا الحسن ﵀ قال: لا يقبل في القتل إلا أربعة قياسًا على الزنا" (٤). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لذلك بقياسها على سائر الشهادات، كالسرقة وغيرها، وإنما خص الزنى بالأربع لعلة الزنى، لا لكون الزاني مما يجب في حد القتل بالرجم، لأنه كذلك في الزاني غير المحصن. فالشرع إنما حدد الأربعة شهود في الزنا لعلة الزنا، فبقي ما دون الزنى على

стр. 7236

الأصل وهو شاهدين (١). • المخالفون للإجماع: سبق في كلام ابن المنذر أن الحسن خالف في المسألة وذهب إلى وجوب أربعة شهود (٢). • دليل المخالف: الشهادة على الردة توجب القتل حدًا، فوجب فيها أربعة شهود كحد الزنى (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، وقول المخالف فيه شاذ لم يتابع عليه. [٣٦/ ٤] المسألة السادسة والثلاثون: يُحال بين المرتد وبين الطعام إلا ما يقوم بنفسه، ويحال بينه وبين سعة العيش، والتصرف في أرض اللَّه حتى يراجع دين اللَّه تعالى، أو يأبى ذلك ويمضى فيه حكم اللَّه تعالى . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة على شخص بالغ، صحيح، عاقل، فيشرع للإمام أن يضيق عليه في العيش، ويمنعه من التصرف في ماله، حتى يسلم، أو يطبق عليه حكم اللَّه تعالى في المرتد (٤). يتبين مما سبق أن المراد هو منع المرتد من التمتع برغد العيش، أما إشعار المرتد بالجوع أو العطش، أو ما أشبه ذلك، فغير مراد في مسألة الباب. كما يتبين أن المسألة ليست محمولة على الوجوب، وإنما هي على المشروعية المحتملة للوجوب أو الاستحباب. • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢٢ هـ): "أجمع المسلمون جميعًا أن المرتد يحال بينه وبين الطعام إلا ما يقوم بنفسه وأنه يحال بينه وبين سعة

стр. 7237

العيش، والتصرف في أرض اللَّه حتى يراجع دين اللَّه تعالى أو يأبى ذلك فيمضي عليه حكم اللَّه تعالى" (١). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه، فمن قائل: يكره ولا يقتل، ومن قائل، يكره ويقتل" (٢). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما أخرجه مالك وغيره "أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم على رجل من قِبل أبي موسى الأشعري ﵁، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال له عمر: هل فيكم من مُغَرِّبة خبر (٣)، فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به، قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه؛ لعله يتوب ويراجع أمر اللَّه، ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني" (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٣٧/ ٤] المسألة السابعة والثلاثون: لا فرق في وجوب القتل بالردة بين الرجل والمرأة . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة شرعًا على شخص، ببينة أو إقرار، ولم يتب، فإنَّه ينفذ فيه حد الردة وهو القتل، سواء كان المرتد رجلًا أو امرأة.

стр. 7238

ويتحصل مما سبق أن الردة لو لم تثبت شرعًا بأن كان المرتد غير بالغ، أو غير عاقل، أو كانت بشهادة مردودة، أو نحو ذلك، أو كان المرتد قد تاب من ردته، سواء بعد القدرة عليه أو قبل ذلك، فكل هذا غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "قتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكر ذلك عليه أحد" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "وقتل أبو بكر الصديق في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكر عليه أحد ذلك" (٢). • مستند الإجماع: استدل القائلون بتسوية الرجل والمرأة في القتل بحد الردة بأدلة منها: ١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (٣). ٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس-)، قال: قلت: والذي

стр. 7239

بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني انظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس- إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم، ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل؛ قضاء اللَّه ورسوله، ثلاث مرات، فأَمر به، فقُتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي (١). ٣ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، المارق من الدين التارك للجماعة) (٢). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: الأحاديث صريحة بقتل المرتد، والأصل في الأحكام الشرعية أنها عامة للرجال والنساء، لا سيما حديث ابن عباس فإنه بلفظ: (مَن) الشرطية وهي للعموم، والقتل منوط بترك الدين، فمتى حصل ذلك وجب القتل، وليس ثمة دليل يُخرج المرأة من هذا العموم. ٤ - ما أخرجه البيهقي والدارقطني (٣) من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه

стр. 7240

عنهما: "أن امرأة يقال لها أم مروان (١) ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت وإلا قتلت" (٢). ٥ - في حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) (٣)، قال ابن حجر: "سنده حسن، وهو نص في موضع النزاع، فيجب المصير إليه" (٤). ٦ - أنه الوارد عن الصحابة رضوان اللَّه عليهم كما قال ابن حجر: "وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كله ابن المنذر، وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن" (٥).

стр. 7241

٧ - أن الأصل استواء الرجال والنساء في الحدود، وليس ثمة دليل صريح على التفريق بينهما في حد الردة. • المخالفون للإجماع: خالف في مسألة الباب جماعة من أهل العلم على أقوال: فقيل: يقتل الرجل أما المرأة فتسترق ولا تقتل، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، والحسن البصري، وقتادة (١). وقيل: يقتل الرجل المرتد، أما المرأة فتحبس، وهو مروي عن ابن عباس ﵁، والحسن البصري، وبه قال عطاء، والثوري (٢). وهو مذهب الحنفية في الجملة (٣)، حيث نصوا على أن المرأة إذا ارتدت فإنها تحبس، وتخرج كل يوم ليعرض عليها الإسلام، فإن ثابت وإلا رجعت للحبس، وهكذا حتى تسلم أو تموت، وذكر بعض الحنفية أنها تجلد مع الحبس، تعزيرًا لها، لكن لا تقتل لحد الردة، ولذا قال الكاساني: "المرتدة لا تُقتل، بلا خلاف بين أصحابنا" (٤). وهذا إذا ارتدت بدار الإسلام، أما إذا لحقت بدار الحرب فإنها تسترق، وعن أبي حنيفة أنها تسترق مطلقًا، ولو ارتدت بدار الإسلام. وقيل: لا تقتل المرأة بل تباع بأرض أخرى، وبه قال عمر بن عبد العزيز. وممن قال بأن المرتدة لا تقتل أبو ثور، وابن علية، وابن شبرمة (٥) (٦).

стр. 7242

وقيل: لا يقتل المرتد أصلًا، وإنما يستتاب حتى يسلم أو يموت، وهو لازم قول إبراهيم النخعي كما أخرج البيهقي وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أنه قال في المرتد: "يستتاب أبدا" (١). قال ابن قدامة: "وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدا" (٢). • دليل المخالف: أما من قال بأن المرأة تسترق ولا تُقتل فدليلهم: فعل الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم، وذلك أن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة، وذراريهم، وأعطى عليًا منهم امرأة، فولدت له محمد بن الحنفية، وكان هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكر، فكان إجماعًا (٣). قال ابن تيمية: "المعروف عن الصحابة أنه تسترق منهن المرتدات نساء المرتدين؛ فإن الحنفية التي تسرى بها علي بن أبي طالب ﵁ أم ابنه محمد بن الحنفية من سبي بني حنيفة المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁" (٤). أما الحنفية القائلين بأن المرأة المرتدة تُحبس فاستدلوا بما يلي: ١ - عن ابن عمر ﵁ "أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول اللَّه ﷺ قتل النساء والصبيان" (٥). • وجه الدلالة: في الحديث نهي عن قتل النساء، وذلك عام في المرتدة وغيرها (٦).

стр. 7243

٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: "لا يقتلن النساء إذا هن ارتددن عن الإسلام، ولكن يحبسن، ويدعين إلى الإسلام فيجبرن عليه" (١). • وجه الدلالة: فيه تصريح ابن عباس ﵄ بأن المرتدات لا يُقتلن، وابن عباس هو رواي حديث (من بدل دينه فاقتلوه) (٢)، وهو أعلم بمعنى ما روى (٣). ٣ - من النظر: أ- قال الكاساني: "لأن القتل إنما شرع وسيلة إلى الإسلام بالدعوة إليه بأعلى الطريقين عند وقوع اليأس عن إجابتها بأدناهما، وهو دعوة اللسان بالاستتابة، بإظهار محاسن الإسلام، والنساء أتباع الرجال في إجابة هذه الدعوة في العادة، فإنهن في العادات الجارية يُسلمن بإسلام أزواجهن، على ما روي أن رجلًا أسلم وكانت تحته خمس نسوة فأسلمن معه، وإذا كان كذلك فلا يقع شرع القتل في حقها وسيلة إلى الإسلام، فلا يفيد، ولهذا لم تقتل الحربية، بخلاف الرجل، فإن الرجل لا يتبع رأي غيره، خصوصًا في أمر الدين، بل يتبع رأي نفسه، فكان رجاء الإسلام منه ثابتًا، فكان شرع القتل مفيدًا، فهو الفرق" (٤). ب- ذكر بعض الحنفية علة أخرى هي أن الأصل تأخير الأجزية إلى دار الآخرة؛ إذ تعجيلها يخل بمعنى الابتلاء، وإنما عدل عنه دفعًا لشر ناجز وهو الحراب، ولا يتوجه ذلك من النساء؛ لعدم صلاحية البنية، بخلاف

стр. 7244

الرجال، فصارت المرتدة كالأصلية (١). ج- أن المرأة ما دامت لا تُقتل بالكفر الأصلي، فإنه من باب أولى أن لا تُقتل بالكفر الطارئ الذي ثبت لها فيه حرمة الإسلام (٢). د- قال السرخسي: "لأنا لمَّا جعلنا المرتد بمنزلة حربي مقهور، لا أمان له، فكذلك المرتدة بمنزلة حربية مقهورة، لا أمان لها، فتسترق، وإن كانت في دارنا" (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين المذاهب الأربعة، فضلًا عن كونها إجماعًا؛ لخلاف الحنفية، وبعض السلف فيها. [٣٨/ ٤] المسألة الثامنة والثلاثون: لا فرق في القتل بالردة بين العبد والحر . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة شرعًا على شخص، ببينة أو إقرار، ولم يتب، فإنه ينفذ في حق المرتد حد القتل، سواء كان المرتد حرًا، أو عبدًا. ويتحصل مما سبق أن الردة لو لم تثبت شرعًا، بأن كان المرتد غير بالغ أو غير عاقل، أو كانت بشهادة مردودة، أو نحو ذلك، أو كان المرتد قد تاب من ردته سواء بعد القدرة عليه أو قبل ذلك، فكل هذا غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد فاستتيب فلم يتب قتل ولا أحفظ فيه خلافًا" (٤).

стр. 7245

وحكى ابن حجر عن ابن التين (٦١١) (١) قوله: "الإجماع انعقد على أن العبد والحر في الردة سواء" (٢). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولا فرق في وجوب قتل المرتد بين كون المرتد حرًا أو عبدًا، وإن كان يتضمن قتله إبطال حق المولى بالإجماع" (٣). • مستند الإجماع: يدل قتل المرتد حرًا كان أو عبدًا ما رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (٤). • وجه الدلالة: أن الحديث عام في كل من بدل دينه، وليس ثمة ما يخص العبد، فيبقى الحديث على إطلاقه (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، لكن ينبه إلى أن هذا في العبد، أما الأمة فالخلاف فيها هو كالخلاف في الحرة (٦)، واللَّه تعالى أعلم. [٣٩/ ٤] المسألة التاسعة والثلاثون: قتل المرتد يتولاه الإمام، سواء أكان المرتد حرًا أم عبدًا . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة شرعًا على عبد، فإنه ليس لأحد أن يتولى قتله، وإنما قتله يتولاه الإمام أو نائبه، سواء كان المرتد حرًا، أو عبدًا. • من نقل الإجماع: قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "قتل المرتد إلى الإمام، حرًا كان أو عبدًا، وهذا قول عامة أهل العلم، إلا الشافعي في أحد الوجهين في

стр. 7246

العبد، فإن لسيده قتله" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا يقتله إلا الإمام أو نائبه، حرًا كان المرتد أو عبدًا، وهذا قول عامة أهل العلم إلا الشافعي في أحد الوجهين في العبد أن لسيده قتله" (٣). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "ولا يقتله إلا الإمام، أو نائبه، حرًا كان أو عبدًا في قول عامة العلماء" (٤). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن محيريز قال: "الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان" (٥). وأخرج ابن حزم نحوه عن مسلم بن يسار عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض أهل العلم إلى أن للسيد إقامة حد الردة على رقيقه، بشرط أن يكون السيد مسلمًا عدلًا (٧). وبه قال ابن حزم، وهو وجه عند الشافعية (٨). وثمة وجه للشافعية بجواز إقامة الحد من السيد الفاسق (٩). • دليل المخالف: استدل القائلون بأن للسيد إقامة حد القتل على رقيقة بأدلة منها: ١ - عموم ما رواه مسلم أن علي بن أبي طالب ﵁ خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول اللَّه ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: (أحسنت) (١٠). ٢ - ما أخرجه الإمام مالك: "أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها

стр. 7247

سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت" (١). ٣ - من النظر: لأنه حق للَّه تعالى، فملك السيد إقامته، كالزاني (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم في حق الحر، أما العبد فالخلاف فيه ظاهر. [٤٠/ ٤] المسألة الأربعون: وجوب قتل المرتد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة شرعًا على رجل، فإنه يجب على الإمام إقامة حد الردة على ذلك الشخص، إذا لم يتب من ردته. ويتحصل مما سبق أن الردة لو لم تثبت شرعًا بأن كان المرتد غير عاقل، أو غير بالغ، أو كان مكرهًا، أو متأولًا، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو كان المرتد امرأة حرةً أو أمةً، أو كان قد تاب من ردته سواء كانت توبته بالاستتابة أو بدون استتابة، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد فاستتيب فلم يتب قُتل، ولا أحفظ فيه خلافًا" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وفقه هذا الحديث (٤) أن من ارتد عن دينه حل دمه، وضربت عنقه، والأمة مجتمعة على ذلك" (٥). وقال أيضا: "فالقتل بالردة -على ما ذكرنا- لا خلاف بين المسلمين فيه، ولا اختلفت الرواية والسنة عن النبي ﷺ فيه، وإنما وقع الاختلاف في الاستتابة" (٦). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن المرتد عن الإسلام يجب عليه

стр. 7248

القتل" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ومنها -أي من أحكام المرتد- حرمة الاسترقاق، فإن المرتد لا يسترق، وإن لحق بدار الحرب؛ لأنه لم يشرع فيه إلا الإسلام أو السيف. . . وكذا الصحابة ﵃ أجمعوا عليه في زمن سيدنا أبي بكر ﵁" (٣). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "والمرتد إذا ظُفِرَ به قبل أن يحارب، فاتفقوا على أنه يُقتلُ الرجل" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا" (٥). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين" (٦). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "وأجمعوا على قتله -أي المرتد-" (٧). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵇، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد ﵃، وغيرهم، فلم ينكر، فكان اجماعًا" (٨). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "أجمعوا على وجوب قتل المرتد" (٩) وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "وأجمعوا على وجوب قتل المرتد" (١٠). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "يجب قتل المرتد، وهو إجماع" (١١).

стр. 7249

وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "وقد أجمع المسلمون على وجوب قتل المرتد" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "قتل المرتد عن الإسلام متفق عليه في الجملة" (٢). وقال ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): "فإن أسلم وإلا قتل لحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) (٣)، وهذا بالإجماع" (٤). وقال ابن ضويان (١٣٥٣ هـ) (٥): "أجمعوا على وجوب قتله إن لم يتب" (٦). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "أجمع بالعلماء على وجوب قتل المرتد إن لم يتب" (٧). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "وقد انعقد الإجماع على قتل المرتد" (٨). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمسالة الباب بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ (٩). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يجعل في الآية إلا الإسلام أو السيف، والقوم الذين وصفوا بأنهم أولوا باس شديد قيل: هم بنو حنيفة، أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وبه قال مقاتل بن سليمان، والزهري، كما قال رافع بن

стр. 7250

خديج ﵁ (١): "واللَّه لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (٢)، فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم" (٣). ٢ - عموم ما رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (٤). ٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس-)، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس- إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم، ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل؛ قضاء اللَّه ورسوله، ثلاث مرات، فأَمر به، فقُتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي (٥). ٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم
следующие страницы →