← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

العبد، فإن لسيده قتله" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا يقتله إلا الإمام أو نائبه، حرًا كان المرتد أو عبدًا، وهذا قول عامة أهل العلم إلا الشافعي في أحد الوجهين في العبد أن لسيده قتله" (٣). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "ولا يقتله إلا الإمام، أو نائبه، حرًا كان أو عبدًا في قول عامة العلماء" (٤). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن محيريز قال: "الجمعة والحدود والزكاة والفيء إلى السلطان" (٥). وأخرج ابن حزم نحوه عن مسلم بن يسار عن رجل من أصحاب النبي ﷺ (٦). • المخالفون للإجماع: ذهب بعض أهل العلم إلى أن للسيد إقامة حد الردة على رقيقه، بشرط أن يكون السيد مسلمًا عدلًا (٧). وبه قال ابن حزم، وهو وجه عند الشافعية (٨). وثمة وجه للشافعية بجواز إقامة الحد من السيد الفاسق (٩). • دليل المخالف: استدل القائلون بأن للسيد إقامة حد القتل على رقيقة بأدلة منها: ١ - عموم ما رواه مسلم أن علي بن أبي طالب ﵁ خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن؛ فإن أمة لرسول اللَّه ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: (أحسنت) (١٠). ٢ - ما أخرجه الإمام مالك: "أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها

стр. 7247

سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت" (١). ٣ - من النظر: لأنه حق للَّه تعالى، فملك السيد إقامته، كالزاني (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم في حق الحر، أما العبد فالخلاف فيه ظاهر. [٤٠/ ٤] المسألة الأربعون: وجوب قتل المرتد . • المراد بالمسألة: لو ثبتت الردة شرعًا على رجل، فإنه يجب على الإمام إقامة حد الردة على ذلك الشخص، إذا لم يتب من ردته. ويتحصل مما سبق أن الردة لو لم تثبت شرعًا بأن كان المرتد غير عاقل، أو غير بالغ، أو كان مكرهًا، أو متأولًا، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو كان المرتد امرأة حرةً أو أمةً، أو كان قد تاب من ردته سواء كانت توبته بالاستتابة أو بدون استتابة، فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد فاستتيب فلم يتب قُتل، ولا أحفظ فيه خلافًا" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وفقه هذا الحديث (٤) أن من ارتد عن دينه حل دمه، وضربت عنقه، والأمة مجتمعة على ذلك" (٥). وقال أيضا: "فالقتل بالردة -على ما ذكرنا- لا خلاف بين المسلمين فيه، ولا اختلفت الرواية والسنة عن النبي ﷺ فيه، وإنما وقع الاختلاف في الاستتابة" (٦). وقال ابن هبيرة (٥٦٠ هـ): "اتفقوا على أن المرتد عن الإسلام يجب عليه

стр. 7248

القتل" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال الكاساني (٥٨٧ هـ): "ومنها -أي من أحكام المرتد- حرمة الاسترقاق، فإن المرتد لا يسترق، وإن لحق بدار الحرب؛ لأنه لم يشرع فيه إلا الإسلام أو السيف. . . وكذا الصحابة ﵃ أجمعوا عليه في زمن سيدنا أبي بكر ﵁" (٣). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "والمرتد إذا ظُفِرَ به قبل أن يحارب، فاتفقوا على أنه يُقتلُ الرجل" (٤). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتد، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، ولم ينكر ذلك، فكان إجماعًا" (٥). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين" (٦). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "وأجمعوا على قتله -أي المرتد-" (٧). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "أجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين، روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵇، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد ﵃، وغيرهم، فلم ينكر، فكان اجماعًا" (٨). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٨٤ هـ): "أجمعوا على وجوب قتل المرتد" (٩) وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "وأجمعوا على وجوب قتل المرتد" (١٠). وقال الصنعاني (١١٨٢ هـ): "يجب قتل المرتد، وهو إجماع" (١١).

стр. 7249

وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "وقد أجمع المسلمون على وجوب قتل المرتد" (١). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "قتل المرتد عن الإسلام متفق عليه في الجملة" (٢). وقال ابن عابدين (١٢٥٢ هـ): "فإن أسلم وإلا قتل لحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) (٣)، وهذا بالإجماع" (٤). وقال ابن ضويان (١٣٥٣ هـ) (٥): "أجمعوا على وجوب قتله إن لم يتب" (٦). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "أجمع بالعلماء على وجوب قتل المرتد إن لم يتب" (٧). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "وقد انعقد الإجماع على قتل المرتد" (٨). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمسالة الباب بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ (٩). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يجعل في الآية إلا الإسلام أو السيف، والقوم الذين وصفوا بأنهم أولوا باس شديد قيل: هم بنو حنيفة، أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وبه قال مقاتل بن سليمان، والزهري، كما قال رافع بن

стр. 7250

خديج ﵁ (١): "واللَّه لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (٢)، فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم" (٣). ٢ - عموم ما رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (٤). ٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس-)، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس- إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم، ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل؛ قضاء اللَّه ورسوله، ثلاث مرات، فأَمر به، فقُتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي (٥). ٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم

стр. 7251

يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، المارق من الدين التارك للجماعة) (١). • وجه الدلالة: الحديث صريح بأن المرتد عن الإسلام فإنه يحِل دمه، وينتفي عنه عصمة الدم. • المخالفون للإجماع: قل ابن حزم عن بعض أهل العلم القول بأنه لا قتل على مرتد (٢)، ولم ينسبه لأحد من أهل العلم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد يتنازع العلماء في بعض الأمور: هل هو من باب القرب والعبادات، أم لا؟ سواء كان من باب الاعتقادات القولية أو من باب الإرادات العملية، حتى قد يرى أحدهم واجبًا ما يراه الآخر حرامًا، كما يرى بعضهم وجوب قتل المرتد ويرى آخر تحريم ذلك" (٣). وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن إبراهيم النخعي أنه قال في المرتد: "يستتاب أبدًا" (٤)، وقد علق عليه ابن قدامة بقوله: "وهذا يفضي إلى أن لا يقتل أبدًا" (٥) (٦).

стр. 7252

كما نقل ابن حزم عن طائفة من السلف أن المرتد تؤخذ منه الجزية، وأبطل الإجماع في المسألة حيث قال: "فإن ادعوا أن المرتد لا تقبل منه جزية، ولا تؤكل ذبيحته، ولا يسترق إجماعًا، دل ذلك على جهل من ادعى ذلك أو كذبه، فقد صح عن بعض السلف أخذ الجزية منهم، وعن بعض الفقهاء أكل ذبيحته إن ارتد إلى دين صابئ، وأبو حنيفة وأصحابه يقولون: إن المرتدة إذا لحقت بأرض الحرب سبيت واسترقت ولم تقتل" (١). وقد نقل ابن حزم القول بأخذ الجزية عن عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز (٢). • دليل المخالف: استدل المخالف لمسألة الباب بأدلة منها: ١ - قصة ذي الخويصر الخارجي الذي اعترض على قسمة النبي ﷺ ، فأراد خالد بن الوليد، وفي بعض الروايات عمر بن الخطاب، أن يقتله، فمنع النبي ﷺ ذلك (٣). ٢ - أن النبي ﷺ كان يعلم أن ثمة منافقين في عهده، ومع ذلك فلم يقتل واحدًا منهم. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ للخلاف فيه عن بعض السلف.

стр. 7253

[٤١/ ٤] المسألة الحادية والأربعون: قتال المرتدين أولى من قتال الحربيين . • المراد بالمسألة: لو وجد جماعة ارتدت عن الإسلام، وقاتلت على ردتها، وجماعة أخرى كافرة كفر أصلى، وكانت تحارب المسلمين، فإن الأولى للإمام أن يقدم قتال المرتدين على قتال الكفار الحربيين. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الصديق وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب" (١). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "وعلى الإمام حرب المرتدين وتقديمهم على الحربيين؛ لإشارة الصحابة على أبي بكر بتأخير جيش أسامة للمرتدين؛ ولم ينكر إشارتهم بتقديمهم" (٢). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما يلي: ١ - فعل الصحابة، حيث بدؤا بقتال المرتدين قبل قتال الكفار، وقد نقل ابن تيمية اتفاق الصحابة على ذلك حيث قال: "الصديق وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب" (٣). ٢ - من النظر: قال: "إن جهاد هؤلاء -أي المرتدين- حفظ لِما فُتح من بلاد المسلمين، وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مقدم على الربح، وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك، بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، وضررهم في الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب" (٤).

стр. 7254

٣ - ويمكن أن يقال أيضًا: بأن توحيد الصف الداخلي من توحيد الأمة على إمام واحد، ودحر المتمردين الخارجين عن طاعة ولي الأمر المتربصين به الدوائر المنشقين عن الجماعة أولى من فتح جبهة خارجية بها عدو خارجي. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤٢/ ٤] المسألة الثانية والأربعون: المرتد لا يُسبَى . • المراد بالمسألة: لو ارتد شخص أو جماعة عن الإسلام، فقاتلهم الإمام، حتى تمكن منهم فإن الواجب عليه حينئذ استتابتهم، ومن أبى الإسلام فإنه يقتل عند الجمهور، أو يحبس عند بعض أهل العلم، بينما لا يجوز للإمام أن يجعل أحدا منهم سبيا، فيسترقه عبدا عند أحد. وينبه إلى أن هذا ما لم يلحق المرتد بدار الحرب، وكذا سبي ذرية المرتد، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الخطابي (٣٨٨ هـ): "أهل الردة كانوا أصنافًا: منهم من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارًا، ولذلك رأى أبو بكر ﵁ سبي ذراريهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد علي بن أبى طالب ﵁ جارية من سبي بني حنيفة، فولدت له محمد الذي يدعى بن الحنفية (١)، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن

стр. 7255

المرتد لا يسبى" (١)، نقله عنه القاضي عياض (٢)، والنووي (٣)، والشوكاني (٤). ونقل ابن حزم (٤٥٦ هـ) عن بعض أهل العلم الإجماع على أنه لا يسترق المرتد إن سبي، حيث قال: "وبرهان ذلك: إجماعكم معنا على أن المرتد لا يقر على ردته. . . ولا يسترق المرتد إن سبى كما يسترق المشرك إن سبي" (٥). وقال ابن فراموز (٨٨٥ هـ): "لا يسترق، صمان لحق بدار الحرب؛ إذ لم يشرع فيه إلا الإسلام أو السيف. . . وكذا الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعوا عليه في زمن أبي بكر الصديق ﵁" (٦). • المخالفون للإجماع: خالف طائفة من أهل العلم في سبي المرأة المرتدة حيث روي عن علي بن أبي طالب، والحسن البصري، وقتادة، وأبي حنيفة القول بأن المرأة المرتدة تسترق (٧). أما سبي المرتد فخالف فيه أصبغ بن الفرج المالكي (٨) (٩).

стр. 7256

• • دليل المخالف: أما من قال بسبي المرتدين بدليله فعل أبي بكر ﵁، ولم ينكر عليه أحد في عهده (١). وأما من قال بسبي المرتدة واسترقاقها فاستدل بإجماع الصحابة. فإن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة، وذراريهم، وأعطى عليا منهم امرأة، فولدت له محمد بن الحنفية، وكان هذا بمحضر من الصحابة، ولم ينكر، فكان إجماعًا (٢). قال ابن تيمية: "المعروف عن الصحابة أنه تسترق منهن المرتدات نساء المرتدين فإن الحنفية التي تسرى بها علي بن أبي طالب ﵁ أم ابنه محمد بن الحنفية من سبي بني حنيفة المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁" (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، للخلاف فيه عن أبي حنيفة، وأصبغ، وغيره. ولذا قال أبو العباس القرطي: "قد حكى بعضُ الناس: أنّ الإجماع انعقد بعد أبي بكر على أن المرتدَّ لا يُسْبَى؟ وليس ذلك بصحيح؛ لوجودِ الخلاف في ذلك؛ كما قد حكيناه عن أصبَغَ" (٤). [٤٣/ ٤] المسألة الثالثة والأربعون: إكراه المرتد عن دينه حتى يرجع إلى الإسلام . • المراد بالمسألة: لو ارتد شخص عن الإسلام، فإن للإمام أن يلزمه بالرجوع إلى دين الإسلام، وله إكراهه على ذلك، ولا يدخل في عموم قول اللَّه تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (٥).

стр. 7257

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "الأمة مجمعة على إكراه المرتد عن دينه، فمن قائل: يكره ولا يقتل، ومن قائل، يكره ويقتل" (١). • مستند الإجماع: المسألة من حيث الدليل ظاهره فإن النصوص السابقة التي دلت على وجوب قتل المرتد، وأن المرتد إما أن يسلم أو يقتل، وكذا ما سبق في مسألة أن المرتد يضيق عليه في عيشه أيام استتابته، كل هذه تدل على أن المرتد يكره على دينه، حتى يرجع للإسلام. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤٤/ ٤] المسألة الرابعة والأربعون: مشروعية استتابة المرتد . • المراد بالمسألة: إذا ثبتت الردة شرعًا على شخص، فإنه يشرع للإمام أن يستتيبه، بأن يجعل له مدة يطلب منه أن يتوب من ردته، فإن تاب رجع للإسلام، وإن لم يتب فيطبق فيه حكم الشرع في المرتد. ويتحصل مما سبق أن الكلام في مشروعية الاستتابة، وذلك شامل للوجوب والاستحباب. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "ولا أعلم بين الصحابة خلافًا في استتابة المرتد" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "نقل بن القصار المالكي (٣) إجماع الصحابة عليه" أي على استتابة المرتد (٤).

стр. 7258

وكذا نقل ابن حجر والشوكاني، عن ابن القصار المالكي الإجماع السكوتي من الصحابة على استتابة المرتد (١). وذكر ابن المرتضى (٨٤٠ هـ) في سياق الأدلة على مشروعية الاستتابة أنه فعل الخلفاء ولم يخالفوا (٢). • مستند الإجماع: استدل لمسألة الباب بأدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: في الآية عرض التوبة على الكافرين، وهو عام يدخل فيه الاستتابة. ٢ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ "أن أمرأة يقال لها أم مروان أرتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجحت وإلا قتلت" (٤). ٣ - عن أبي بردة قال: "أُتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلةً أو قريبًا منها، فجاء معاذ فدعاه، فأبى، فضرب عنقه" (٥). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديثان صريحان باستتابة المرتد من أمر النبي ﷺ في الحديث الأول، وفعل الصحابي في الحديث الثاني. ٤ - أخرج الإمام مالك "أن عمر بن الخطاب ﵁ قدم على رجل من قِبل أبي موسى الأشعري ﵁، فسأله عن الناس، فأخبره، ثم قال له عمر: هل كان

стр. 7259

فيكم من مغربة خبر، فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به، قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه؛ لعله يتوب ويراجع أمر اللَّه، ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني" (١). • وجه الدلالة: هذا قضاء عمر ﵁ ولم يخالفه أحد من الصحابة فكان إجماعًا سكوتيا منهم على ذلك (٢). ٥ - من النظر: يكون سبب ارتداد المرتد شبهة عرضت له، ففي استتابته إزالة لتلك الشبهة (٣). • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم عن طائفة من أهل العلم القول بأن المرتد يقتل ولا يستتاب (٤). وهو محكي عن الحسن البصري، وطاووس، وبعض السلف (٥). وعن عطاء أن من وُلد مسلمًا فإنه يُستتاب، أما من أسلم ثم كفر فلا يُستتاب (٦). وعن طائفة أنه إن تاب من نفسه قبلت توبته، وإلَّا قُتل دون استتابة، وهذا القول مروي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، حيث وإن كان يرى القتل زمانًا، فلما رأى ما يصنع الزنادقة حين يتوبون ثم يعودون قال: "أرى إذا أتيت بزنديق آمر بضرب عنقه ولا أستتيبه، فإن تاب قبل أن أقتله خليته" (٧). • دليل المخالف: من الأدلة على قتل المرتد دون استتابة:

стр. 7260

١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه) (١). • وجه الدلالة: في الحديث أمر بقتل المرتد وليس فيه ذكر الاستتابة. ٢ - عن أبي موسى ﵁ قال: أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، ورسول اللَّه ﷺ يستاك، فكلاهما سأل، فقال: (يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس-)، قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: (لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى -أو يا عبد اللَّه بن قيس- إلى اليمن)، ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادة، قال: انزل، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديًا فأسلم، ثم تهوَّد، قال: اجلس، قال: لا أجلس حتى يُقتل؛ قضاء اللَّه ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به، فقُتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي (٢). • وجه الدلالة: أن أبا موسى ومعاذًا كانا يريان قتل المرتد، ولم يسأل أبو موسى معاذًا هل استُتيب أم لا، بل ذكر أن وجوب القتل هو قضاء اللَّه ورسوله، ووافقه أبو موسى على ذلك. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، لثبوت الخلاف فيه عن بعض السلف. ولذا لما ذكر شيخ الإسلام المسألة نسبها لعامة أهل العلم (٣)، وكذا ابن المرتضى نسبها لأكثر أهل العلم ولم يجعلها محل إجماع (٤).

стр. 7261

واستتابة المرتد عند المالكية، والشافعية، والحنابلة، على الوجوب، وعند الحنفية، والظاهرية، على الاستحباب (١). [٤٥/ ٤] المسألة الخامسة والأربعون: الزنديق إذا أظهر الزندقة يستتاب كغير الزنديق . • المراد بالمسألة: سبق خلاف الفقهاء في المراد بالزنديق على أقوال، أشهرها قولان: أحدها: أنه من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وهو المعروف في عصر النبوة بالمنافق، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء. قال ابن قدامة: "والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويستسر بالكفر، وهو المنافق كان يسمى في عصر النبي ﷺ منافقًا ويسمى اليوم زنديقًا" (٢). وقال ابن تيمية: "المنافق هو الزنديق في اصطلاح الفقهاء الذين تكلموا في توبة الزنديق" (٣). فيكون بين الردة والزندقة عموم وخصوص وجهي يجتمعان في المرتد إذا أخفى كفره وأظهر الإسلام، وينفرد المرتد فيمن ارتد علانية، وينفرد الزنديق فيمن لم يسبق له إسلام صحيح. والثاني: هو من لا دين له، وبه قال بعض الحنفية، كابن الهمام، وبعض الشافعية (٤). • أما صورة المسألة: فلو أن شخصًا تزندق، وظهر للإمام أمره، فإنه يُشرع

стр. 7262

للإمام أن يستنيبه حينئذ، فيعرض عليه العودة للإسلام، فإن تاب وإلا طبق فيه حكم الشرع في الزنديق (١). هذا على الخلاف الذي سبق بيانه في المراد بالزنديق عند الفقهاء (٢): فالجمهور على أنه من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وعليه فمتى ظهر للإمام أن هذا الشخص يبطن الكفر، شرع له استتابته، قبل تطبيق حكم اللَّه تعالى فيه. ومن قال بأن الزنديق هو من لا دين له، فكذا يشرع للإمام قبل تطبيق حكم اللَّه تعالى فيه أن يستتيبه. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن الزنديق إذا أظهر الزندقة يستتاب كغير الزنديق" (٣). • مستند الإجماع: استدل القائلون بقبول توبة الزنديق بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى ذكر صريحًا قبول توبة المنافقين إذا تابوا وأصلحوا واعتصموا وأخلصوا دينهم للَّه. ٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٥). ٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦).

стр. 7263

• وجه الدلالة من الآيتين: في الآيتين دليل على أن إظهار الإيمان من المنافق يحصن من القتل، يستتاب لكونه إن أظهر الإسلام عصم ماله بنص الآيتين (١). ٤ - استدلوا بالأدلة السابقة في استتابة المرتد، فجعلوا الزنديق كالمرتد. • المخالفون للإجماع: المخالف في مسألة على أقوال يجمعهما القول بأن الزنديق لا يستتاب: القول الأول: من لا يرى قتل الزنديق أصلًا، ولا معاقبته بحبس أو غيره، ولذا لا فائدة من الاستتابة، وهذا القول حكاه ابن حزم عن طائفة من أهل العلم (٢). القول الثاني: من يرى وجوب معاقبة الزنديق بالقتل، لكنه لا يستتاب، وهو الأظهر عند الحنفية (٣)، وهو مذهب المالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وقول عند الشافعية (٦)، ونسبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أكثر أهل العلم (٧). القول الثالث: أن توبة الزنديق إن كانت أول مرة فتقبل، وإن تكررت فلا تقبل. القول الرابع: إن كان الزنديق داعيًا لضلاله فلا تقبل توبته، وإلا فتقبل. وهذان الأخيران هما وجهان في مذهب الشافعي (٨). • دليل المخالف: أما أصحاب القول الأول الذين لا يرون قتل الزنديق ولا معاقبته فاستدلوا بأن هذا هو فعل النبي ﷺ ، فإنه ﷺ كان يعلم أن ثمة منافقين في عهده، وعدَّ بعضهم لحذيفة بن اليمان ﵁، ومع ذلك فلم يقتل واحدًا منهم، ولم يأمر بقتلهم (٩).

стр. 7264

واستدل أصحاب القول الثاني الذين يرون قتل الزنديق بدون استتابة بأدلة منها: ١ - بقول اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن الزنديق لا يظهر منه ما يبين التوبة؛ لأن حال الزنديق في الأصل إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وإذا استتابه الإمام فإنه ولا بد سيُظهر الإسلام، ويلزم من هذا ألَّا يُقتل الزنديق أبدًا (٢). ٢ - أن اللَّه تعالى سن في المحاربين أنهم إن تابوا من قبل القدرة عليهم قبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى ألا تقبل توبته بعد القدرة عليه. ٣ - أن الزنديق هذا دأبه هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، فلو قبلت توبته كان ذلك إعانة له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه، ولا سيما وقد علم أنه أمن بإظهار الإسلام من القتل، فلا يخوفه من المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبة اللَّه ورسوله ﷺ ، ولا ينكف عدوانه عن الإسلام، إلا بقتله (٣). أما أصحاب القول الثالث والرابع فلم أجد لهم نصًا في الأدلة لكن يمكن أن يقال في الاستدلال للقول الثالث بأن الزنديق إن كانت توبته لأول مرة فاحتمال صدق توبته كبير، ويدخل في عموم أدلة قبول توبة المرتد، أما إن تكررت ردته فإنه فاحتمال كذبه هو الأغلب ويكون استتابته سبيل لترك قتله لأنه سيظهر الإسلام حتمًا.

стр. 7265

أما القول الرابع فيمكن أن يستدل له بأن الزنديق إن كان داعيًا لضلالته فإن شره أعظم من الذي لا يدعو للضلالة، فيقتل بدون استتابة، واللَّه أعلم. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم، وأكثر أهل العلم على خلاف مسألة الباب. [٤٦/ ٤] المسألة السادسة والأربعون: دم من يشك في زندقته معصوم ما لم تثبت رندقته ببينة أو إقرار . • المراد بالمسألة: لو وجد شخص زنديق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وشك الإمام في كونه زنديقًا، فإنه لا يجوز له ولا لغيره قتله، حتى يتحقق من أنه زنديق، إما ببينة شهود يشهدون على أنه زنديق، أو بإقرار الزنديق على نفسه بذلك. وكذا لو وُجد مسلم تلفظ بكلمة تقتضي الكُفر، وشك الإمام هل قالها جهلًا، أو تأويلًا، أو نحو ذلك فإنه لا يجوز قتله إلا بعد التيقُّن بأن قوله يقتضي كفره، ويحل دمه. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) في كلامه على من تلفظ بكلام كفري، ولم يُتيفن هل قاله حقيقة أم لا، وهل كان جاهلًا في تلك المقالة أم لا: "الحكم بعصمة دمه وماله واجب في مذهب الشافعي والجمهور، وإن لم يُقر، بل هو واجب بالإجماع مع عدم البينة والإقرار" (١). • مستند الإجماع: يمكن أن يستدل لمسألة الباب بما يلي: ١ - ما جاء في قصة قسم النبي ﷺ للذهب الذي أتى به علي ﵁ من اليمن: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا محمد اتق اللَّه. قال ﷺ : (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي اللَّه)، ثم ولَّى الرجل،

стр. 7266

فقام خالد بن الوليد ﵁، -وفي بعض الرويات: عمر بن الخطاب ﵁ وقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه. فقال النبي ﵊: (لعله أن يكون يصلي) قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه، قال ﵊: (إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم). ثم نظر إليه وهو مقفٍّ فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) (١). • وجه الدلالة: في الحديث أن النبي ﷺ امتنع عن قتل ذي الخويصرة؛ لأنه لا يوجد منه ما يدل على كفره صراحةً، بل ظاهره الإسلام، أما أمر الباطن فما دام غير مجزوم بكفره فالأصل أنه مسلم. ٢ - أن الأصل في المسلم عصمة دمه، وهذا اليقين لا يزول إلا بيقين مثله، والقاعدة المقررة عند أهل الفقه والأصول أن اليقين لا يزول بالشك. وكذا فإن الأصل في المسلم السلامة، أي سلامته مما نقله عن الإسلام من الزندقة أو الردة أو غيرها، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، والأصل هنا أنه مسلم حتى يثبت نقيض ذلك. ٣ - الاستصحاب، وهو أنَّنا إذا لم نعرف باطن الشخص فإننا نستصحب حاله قبل الشك، وهو الإسلام. وإذا كان الأصل الإسلام فإن خلاف ذلك دعوى، والدعاوى لا تثبت إلا ببينة، ولا تثبت بمجرد الدعوى كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم

стр. 7267

ولكن اليمين على المدعى عليه) (١). النتيجة: لم أجد مخالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٤٧/ ٤] المسألة السابعة والأربعون: مشروعية قتل ساب الرسول ﷺ -. • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف السب: السب: أصله القطع، يُقال: سبَّه سبًا: أي قطعه، والمراد به هنا الشتم، وسُمي الشتم سبًا؛ لأنه يقطع ما بينه وبين من شتمه (٢)، وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة السب بأنه: "الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح، ونحوه" (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: لو أن مسلمًا سب النبي ﷺ صريحًا، بشتم، أو قذف، أو نحو ذلك، وهو عاقل، بالغ، مختار، فإن على الإمام أن يقتله، سواء تاب من السب، أو لم يتب. وكذا الذمي، والمعاهد، إذا سب النبي ﷺ ولم يسلم. ويتبين مما سبق أنه لو تنقص النبي ﷺ بغير السب الصريح، كالتعريض مثلًا، وكذا لو كان السب من حربي مثلًا، أو كان من ذمي أو معاهد لكنه أسلم بعد سبه النبي ﷺ ، وكذا لو كان الساب غير عاقل، بأن كان مجنونًا، أو معتوهًا، أو كان غير بالغ، أو كان مكرهًا، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. كما يتبين مما سبق أن المسألة هي في قتله، أما في الحكم بكفره من عدمه فمسألة أخرى غير مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال إسحاق بن راهوية (٢٣٨ هـ): "أجمع المسلمون

стр. 7268

على أن من سب اللَّه ، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل اللَّه تعالى، أو قتل نبيًا من أنبياء اللَّه تعالى، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل اللَّه" (١). وقال محمد بن سحنون (٢٥٦ هـ) (٢): "أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب اللَّه له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر"، نقله عنه القاضي عياض (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤). وحكى الإجماع على ذلك أبو بكر الفارسي (٣٠٥ هـ) (٥)، حيث نقله عنه ابن تيمية (٧٢٨ هـ) فقال: "وقد حكى أبو بكر الفارسي -من أصحاب الشافعي- إجماع المسلمين على أن حد من سب النبي ﷺ القتل، كما أن حد من سب غيره الجلد، وهذا الإجماع الذي حكاه هذا محمول على إجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين، أو أنه أراد به إجماعهم على أن ساب النبي ﷺ يجب

стр. 7269

قتله إذا كان مسلمًا" (١)، ونقله عن أبي بكر الفارسي ابن حجر (٢)، والمطيعي (٣)، والشوكاني (٤). وقال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن من سب النبي ﷺ له القتل"، نقله عنه القرطبي (٥)، وابن حجر (٦)، وأبو الطيب (٧)، والشوكاني (٨). وقال الخطابي (٣٨٨ هـ): "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله" (٩)، ونقله عنه القاضي عياض (١٠)، وابن تيمية (١١)، والمطيعي (١٢)، وابن حجر (١٣). وقال ابن القاسم (١٩١ هـ) (١٤): "من سبه، أو شتمه، أو عابه، أو تنقصه، فإنه يقتل، وحكمه عند الأمة: القتل"، نقله عنه القاضي عياض (١٥). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "روي عن ابن عمر أنه قيل له في راهب سب النبي ﷺ ، قال: "لو سمعته لقتلته" ولا مخالف له من الصحابة علمته" (١٦). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه" (١٧).

стр. 7270

وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أذى الرسول من أعظم المحرمات؛ فإن من آذاه فقد آذى اللَّه، وقتل سابه واجب باتفاق الأمة" (١). وقال أيضًا: "الساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر، ويقتل، بغير خلاف" (٢). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ) لما ذكر جملة من الأدلة على قتل من سب النبي ﷺ : "وفي ذلك بضعة عشر حديثًا ما بين صحاح وحسان ومشاهير وهو إجماع الصحابة" (٣). • مستند الإجماع: من الأدلة على قتل ساب النبي ﷺ ما يلي: ١ - عن ابن عباس ﵄ "أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول (٤) فوضعه في بطنها، واتكأ عليها، فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فجمع الناس فقال: (أنشد اللَّه رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلا قام) فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المِغول، فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ :

стр. 7271

(ألا اشهدوا أن دمها هدر) (١). ٢ - أن النبي ﷺ أمر بقتل كعب بن الأشرف (٢)؛ لأنه آذى اللَّه ورسوله ﷺ ، كما في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى اللَّه ورسوله)؟ فقال محمد بن مسلمة (٣): يا رسول اللَّه أتحب أن أقتله، قال: (نعم)، قال: ائذن لي فلْأقل، قال: (قل)، فأتاه فقال له -وذكر ما بينهما- وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضًا واللَّه لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال:

стр. 7272

فما ترهنني، قال: ما تريد، قال: ترهنني نساءكم، قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم، قال: يُسب ابن أحدنا فيقال رُهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللْأمة -يعني السلاح-، قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بالحارث (١)، وأبي عبس بن جبر (٢)، وعباد بن بشر (٣)، قال: فجاءوا فدعوه ليلًا، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة، ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل نزل وهو متوشح (٤)،

стр. 7273

فقالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشُمَّ منه، قال: نعم فشُم، فتناول فشَم ثم قال: أتاذن لي أن أعود، قال: فاستمكن من رأسه ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه" (١). ٣ - عن علي ﵁ "أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول اللَّه ﷺ دمها" (٢). قال ابن تيمية: "فرتَّب علي ﵁ إبطال الدم على الشتم بحرف الفاء، فعلم أنه هو الموجب لإبطال دمها؛ لأن تعليق الحكم بالوصف المناسب بحرف الفاء يدل على العلِّية" (٣). ٤ - أنه المروي عن جماعة من الصحابة كأبي بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس ﵃، فمن ذلك: أ- عن أبى برزة ﵁ قال: "أتيت على أبي بكر وقد أغلظ لرجل، فرد عليه، فقلت: ألا أضرب عنقه؟ فانتهرني، فقال: إنها ليست لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ " (٤).

стр. 7274

• وجه الدلالة: أن أبا بكر أخبر أنه لا يجوز قتل الرجل الذي رد عليه، وأخبر أن هذا لا يكون إلا في حق النبي ﷺ . ب- أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر ﵁ أنه أصلت (١) على راهب سب النبي ﷺ بالسيف، وقال: "إنا لم نصالحكم على شتم نبينا ﷺ " (٢). والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة، قال ابن القيم: "وفي ذلك بضعة عشر حديثًا، ما بين صحاح، وحسان، ومشاهير، وهو إجماع الصحابة" (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب أبو ثور إلى أن الذمي إن سب النبي ﷺ فإنه لا ينتقض عهده، ولا يقتل، ولكن يعزر، وهو مذهب الحنفية (٤). • دليل المخالف: استدل الحنفية بما يلي: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ أناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: وعليكم، قالت عائشة: قلت: بل عليكم السام والذام، فقال رسول اللَّه ﷺ : (يا عائشة، لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعتَ ما قالوا؟ فقال: (أليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم) (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علم أن اليهود قد سبوه في السلام، ومع ذلك اكتفى بالرد عليهم، ولم يحكم بقتلهم.

стр. 7275

ب- من النظر: أن سب النبي ﷺ كُفر من الذمي، كما هو ردة من المسلم، والكفر المقارن لعقد الذمة لا يمنع عقد الذمة في الابتداء، فالكفر الطارئ لا يرفعه في حال البقاء بطريق أولى (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسلم إذا سب النبي ﷺ فإنه يقتل بإجماع أهل العلم. أما الذمي فإن الذي عليه الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم قتل من سب النبي ﷺ منهم، ثم حصل خلاف بعد ذلك، والجمهور على قتله، وقد أشار إلى هذا التحصيل شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وتحرير القول فيه: أن الساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف. . . وإن كان ذميًا فإنه يقتل أيضًا في مذهب مالك وأهل المدينة. . . وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث" (٢). [٤٨/ ٤] المسألة الثامنة والأربعون: حد الساحر القتل . • المراد بالمسألة: لو ثبت السحر على شخص مسلم، وكان من السحر الذي يكفر به صاحبه، فإنه يشرع للإمام قتل الساحر، ما لم يتب. ويتحصل مما سبق أن الساحر لو لم يكن مسلمًا، بأن كان ذميًا مثلًا، فذلك غير مراد في مسألة الباب. وكذا لو كان السحر من النوع الذي لا يكفر به صاحبه، أو كان الساحر قد تاب من سحره ولو بعد رفعه للإمام فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب.

стр. 7276

• من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) في معرض الاستدلال لترجيح القول بقتل الساحر: "لا مخالف له من الصحابة، إلا عائشة، فإنها لم تر قتل الساحر" (١). قال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "عن بجالة (٢) قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية (٣) عم الأحنف بن قيس (٤)، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: "اقتلوا كل ساحر، فقتلنا ثلاث سواحر في يوم" (٥)، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعًا" (٦). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "عن بجالة قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية -عم الأحنف بن قيس- إذ جاء كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر، فقتلنا ثلاث سواحر في يوم، وهذا اشتهر فلم ينكر، فكان إجماعًا" (٧).

стр. 7277

• مستند الإجماع: استدل على مسألة الباب بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْن اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى سمى السحر كفرًا، وجعل تركه إيمانا وتقوى، فهو دليل على أن الساحر ارتد عن الإسلام، وكفر، والمرتد حده القتل. ٢ - عن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (حد الساحر ضربة بالسيف) (٢).

стр. 7278

٣ - عن بجالة بن عبدة قال: "كنت كاتبا لجزء بن معاوية -عم الأحنف بن قيس-، إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر، وفرِّقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة (١)، فقتلنا في يوم ثلاثة سواحر. . . الحديث" (٢). ٤ - أخرج مالك في الموطأ: "أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت" (٣). ٥ - أن القول بقتل الساحر مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، كعثمان بن عفان، وعبد اللَّه وعبيد اللَّه (٤) ابنا عمر بن الخطاب، وسالم بن عبد اللَّه (٥)،

стр. 7279

وخالد بن المهاجر (١)، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (٢)، وجماعة (٣). • المخالفون للإجماع: ذهب ابن حزم إلى أن الساحر لا يقتل لسحره (٤)، وهو مروي عن عائشة ﵂ (٥). • دليل المخالف: ١ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ سُحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، فقال: (يا عائشة أعلمت أن اللَّه قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه، قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقًا-، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة، قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر، تحت

стр. 7280

راعوفة، في بئر ذروان، قالت: فأتى النبي ﷺ البئر حتى استخرجه" (١). • وجه الدلالة: في الحديث أن النبي ﷺ سُحر، وعرف اللَّه تعالى نبيَّه بمن سحره، ومع ذلك لم يأمر بقتله. ٢ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حرم دم المسلم إلا بإحدى ثلاثة أمور، القتل، والزنى من المحصن، وتارك دينه، والساحر لم يرتكب أحد هذه الأمور الثلاثة فيبقى على الأصل من عصمة دمه (٣). ٣ - أن عدم قتل الساحر مروي عن عائشة ﵂، حيث أخرج أحمد في مسنده أن عائشة ﵂ اشتكت فطال شكواها، فقدم إنسان المدينة يتطبب، فذهب بنو أخيها يسألونه عن وجعها، فقال: واللَّه إنكم تنعتون نعت امرأة مطبوبة، قال: هذه امرأة مسحورة سحرتها جارية لها، قالت: نعم أردتُ أن تموتي فأُعتق، قال: وكانت مدبَّرة، قالت: "بيعوها في أشد العرب ملكة، واجعلوا ثمنها في مثلها" (٤). • وجه الدلالة: أن عائشة ﵂ لم تأمر بقتل من سحرتها، ولذا قال

стр. 7281

ابن عبد البر بعد سياقه الحديث: "فيه أن الساحر لا يُقتل إذا كان عمله من السحر ما لا يَقتل" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن ابن حزم، وهو مروي عن عائشة ﵂.

стр. 7282

الفصل [الثالث] (*) مسائل الإجماع فيما يوجب حد الردة [٤٩/ ٤] المسألة التاسعة والأربعون: الإسلام هو الدين الذي فرضه اللَّه على الإنس والجن، ولا دين سواه، ومن خالف ذلك كفر . • المراد بالمسألة: الإسلام في نصوص الشريعة يطلق ويراد به أحد معنيين: الأول: الإسلام العام، وهو ما بعث به جميع الأنبياء، من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، من الدعوة إلى توحيده تعالى في ربوبيته، وإلهيته (١)، فهذا دين الأنبياء جميعًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢). الثاني: الإسلام الخاص، وهو دين نبينا محمد ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ضابط تحقيق الإسلام: "والإسلام يجمع معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبرًا. والثاني: الإخلاص، من قوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ (٣)، فلا يكون مشركًا" (٤).

стр. 7283

والمراد بمسألة الباب المعنى الأول، وهو أن دين الإسلام الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو الذي يجب اتباعه، على جميع الثقلين الجن والإنس، وحقيقته أن يستسلم الإنسان لربه تعالى بتحقيق توحيده في ربوبيته وإلهيته، فهذا الدين هو الذي بحث به جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنه هو الدين الصحيح فقط، وما سواه باطل، ومن خالف في ذلك فاعتقد صحة اعتناق اليهودية أو غيرها من الأديان، فإن هذا القول يعتبر قولًا كفريًا خارجًا من الملة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا على أن دين الإسلام هو الدين الذي لا دين للَّه في الأرض سواه، وأن من خالف ذلك ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين: أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر" (٢). • مستند الإجماع: المسألة على قسمين: القسم الأول: أن الإسلام هو الدين الذي فرضه اللَّه تعالى على عباده، وأن الأنبياء والرسل كلهم جاءوا بدين الإسلام الذي هو الاستسلام له تعالى بالطاعة والخلوص من الشرك. وهذا النوع أدلته منها الخاصة، ومنها العامة، فمن الأدلة الخاصة على أن الأنبياء والرسل بعثوا بدين الإسلام: ١ - قال اللَّه تعالى عن نوح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ (٣).

стр. 7284

٢ - قال تعالى في حق إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ (١). ٣ - قال تعالى عن يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ (٢). ٤ - قال تعالى عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ (٣). ٥ - قال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٤). ٦ - وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ (٥)، أي أول المسلمين من أمته ﷺ . • ومن الأدلة العامة ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ (٦). ٢ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٧). ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ

стр. 7285

رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦)﴾ (١). ٤ - قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢). ٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد) (٣). • القسم الثاني: أن دين الإسلام لا يقبل غيره، وليس للَّه دين سواه. ومن الأدلة على هذا القسم ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥). ٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ (٦). ٤ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ (٧). ٥ - قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ (٨). ٦ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
следующие страницы →