← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

ابن عبد البر بعد سياقه الحديث: "فيه أن الساحر لا يُقتل إذا كان عمله من السحر ما لا يَقتل" (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن ابن حزم، وهو مروي عن عائشة ﵂.

стр. 7282

الفصل [الثالث] (*) مسائل الإجماع فيما يوجب حد الردة [٤٩/ ٤] المسألة التاسعة والأربعون: الإسلام هو الدين الذي فرضه اللَّه على الإنس والجن، ولا دين سواه، ومن خالف ذلك كفر . • المراد بالمسألة: الإسلام في نصوص الشريعة يطلق ويراد به أحد معنيين: الأول: الإسلام العام، وهو ما بعث به جميع الأنبياء، من آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، من الدعوة إلى توحيده تعالى في ربوبيته، وإلهيته (١)، فهذا دين الأنبياء جميعًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٢). الثاني: الإسلام الخاص، وهو دين نبينا محمد ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ضابط تحقيق الإسلام: "والإسلام يجمع معنيين: أحدهما: الاستسلام والانقياد، فلا يكون متكبرًا. والثاني: الإخلاص، من قوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ (٣)، فلا يكون مشركًا" (٤).

стр. 7283

والمراد بمسألة الباب المعنى الأول، وهو أن دين الإسلام الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو الذي يجب اتباعه، على جميع الثقلين الجن والإنس، وحقيقته أن يستسلم الإنسان لربه تعالى بتحقيق توحيده في ربوبيته وإلهيته، فهذا الدين هو الذي بحث به جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنه هو الدين الصحيح فقط، وما سواه باطل، ومن خالف في ذلك فاعتقد صحة اعتناق اليهودية أو غيرها من الأديان، فإن هذا القول يعتبر قولًا كفريًا خارجًا من الملة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا على أن دين الإسلام هو الدين الذي لا دين للَّه في الأرض سواه، وأن من خالف ذلك ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين: أن من سوَّغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر" (٢). • مستند الإجماع: المسألة على قسمين: القسم الأول: أن الإسلام هو الدين الذي فرضه اللَّه تعالى على عباده، وأن الأنبياء والرسل كلهم جاءوا بدين الإسلام الذي هو الاستسلام له تعالى بالطاعة والخلوص من الشرك. وهذا النوع أدلته منها الخاصة، ومنها العامة، فمن الأدلة الخاصة على أن الأنبياء والرسل بعثوا بدين الإسلام: ١ - قال اللَّه تعالى عن نوح: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ (٣).

стр. 7284

٢ - قال تعالى في حق إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ (١). ٣ - قال تعالى عن يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ (٢). ٤ - قال تعالى عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ (٣). ٥ - قال تعالى عن نبينا محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٤). ٦ - وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ (٥)، أي أول المسلمين من أمته ﷺ . • ومن الأدلة العامة ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ (٦). ٢ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٧). ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ

стр. 7285

رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦)﴾ (١). ٤ - قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢). ٥ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد) (٣). • القسم الثاني: أن دين الإسلام لا يقبل غيره، وليس للَّه دين سواه. ومن الأدلة على هذا القسم ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥). ٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ (٦). ٤ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ (٧). ٥ - قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾ (٨). ٦ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ

стр. 7286

إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ (١). ٧ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ (٢). والآيات في تقرير هذه الباب كثيرة، وفيما ذكر كفاية إن شاء اللَّه تعالى. وإذا تقرر هذا من نصوص القرآن المتواترة فإن من أنكر ذلك وزعم أن للَّه ديناَ غير الإسلام فقد كذب القرآن وكفر باللَّه العظيم. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٠/ ٤] المسألة الخمسون: من خالف الإجماع المتيقن بعد علمه بأنه إجماع كفر . • المراد بالمسألة: إذا أجمع أهل عصر على مسألة معينة، حتى انقرضوا، وكان الإجماع فيها قطعيًا متيقنًا (٣)، ولم يكن فيها خلاف سابق، فإن من قال قولًا يخالف هذا الإجماع فإنه يكفر. ويتحصل مما سبق أن الإجماع لو لم يكن متيقنًا، بل كان إجماعًا ظنيًا، بأن كان من الإجماع السكوتي مثلًا، الذي محصله أن ثمة من قال بهذا القول ولم ينكر عليه أحد، أو كان من الإجماع الاستقرائي بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافًا، أو يكون ظاهر نص الشارع على حكم معين ولا يعلم أحدًا قال بغير ظاهره، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. وكذا لو كان الإجماع إنما هو لطائفة من أهل العلم كإجماع الخلفاء الأربعة، أو أهل المدينة، أو كان الإجماع قد حصل بعد خلافٍ قبله، فمخالفة الإجماع حينئذٍ غير مرادة في مسألة الباب.

стр. 7287

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من خالف الإجماع المتيقن، بعد علمه بأنه إجماع، فإنه كافر" (١). وحكاه القاضي عياض (٥٤٤ هـ) عن طائفة فقال: "ومن الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عمومًا. . . وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع" (٢). وقال ابن الوزير (٨٤٠ هـ) (٣): "إجماع الأمة على تكفير من خالف الدين المعلوم بالضرورة، والحكم بردته إن كان قد دخل فيه قبل خروجه منه" (٤). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (٥) (٦). • وجه الدلالة: في الآية أن من اتبع غير سبيل المؤمنين، وهو الطريق الذي سلكوه ورأوه، فإنه موعد بالنار، وجعل ذلك في منزلة من شاقق الرسول (٧). ٢ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن اللَّه لا يجمع أمتي -أو قال: أمة محمد ﷺ على ضلالة) (٨).

стр. 7288

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نفى اجتماع أمته على ضلالة، وهذا اللفظ هو نكرة في سياق النفي، وهو يفيد العموم، مما يدل على امتناع اجتماع أمته ﷺ على أي ضلالة، وأن كل ما أجمعوا عليه فإنه حق، ومن خرج عن الإجماع فقد كذب بالحديث، وظن أن الأمة أجمعت على الضلال. ٣ - أن القول بأن إنكار الإجماع القطعي يتضمن إنكار نص مقطوع بصحته، مما يلزم منه تكذيب نص شرعي، وهذا موجب للكفر (١). • المخالفون للإجماع: تعقب ابن تيمية في كتابه "نقد مراتب الإجماع" ما ذكره ابن حزم حيث قال: "في ذلك نزاع مشهور بين الفقهاء" (٢). وقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى أن من أنكر إجماعًا قطعيًا فإنه يفسق، ولا يكفر. وبه قال الرازي (٣)، وأبو الخطاب، وجمع من الحنابلة (٤)، ونسبه ابن تيمية والصنعاني للجمهور (٥). إلا أن هؤلاء يقولون بكفر من خالف الإجماع القطعي إن كان مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كما حرر ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم الصنعاني حيث قال: "واعلم أن كون الإجماع حجة قطعية إن روي تواترًا مسألة خلاف وتفصيل، فإن كان مما علم ضرورة كالصلوات الخمس مثلًا وإن كان وجوبها علم من ضرورة الدين لا من باب الإجماع بخصوصه، فمخالف هذا لا خلاف في كفره، وليس من محل النزاع" (٦). إذا تقرر هذا فإنه لا بد أن يحرَّر مراد ابن حزم في الإجماع فيُقال:

стр. 7289

مذهب الظاهرية منهم ابن حزم في الإجماع أنه خاص بإجماع الصحابة فقط، أما من بعدهم فلا يعتبروه إجماعًا، وشرط تحقق الإجماع أن يكون متيقنًا عن الصحابة، وضابطه أن يتيقن أنهم علموا الحكم، وقالوا به، وعملوا به، قال ابن حزم: "أما نحن فليس الإجماع عندنا إلا الذي تيقن أنهم -أي الصحابة- أولهم عن آخرهم قالوا به، وعملوه، وصوَّبوه، دون سكوت من أحد منهم، ولا خلاف من أحد منهم، فهذا حقًا هو الإجماع" (١). وقال: "الإجماع هو ما تيقن أن جميع أصحاب رسول اللَّه ﷺ عرفوه، وقالوا به، ولم يختلف منهم أحد، كتيقننا أنهم كلهم ﵃ صلوا معه ﵇ الصلوات الخمس، أو علموا أنه صام مع الناس رمضان في الحضر، وكذلك سائر الشرائع التي تيقنت مثل هذا اليقين، والتي من لم يقر بها لم يكن من المؤمنين وهذا ما لا يختلف أحد في أنه إجماع. وما صح فيه خلاف من واحد منهم، أو لم يتيقن أن كل واحد منهم ﵃ عرفه ودان به، فليس إجماعًا" (٢). وقد قسَّم ابن حزم الإجماع المتيقن إلى قسمين، فقال بعد أن قرر أن الإجماع هو ما كان في عصر الصحابة دون من بعدهم: "الإجماع الذي هو الإجماع المتيقن، ولا إجماع غبره، لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى لكن ينقسم قسمين: أحدهما: كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام في أن من لم يقل به فليس مسلمًا، كشهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وكوجوب الصلوات الخمس، وكصوم شهر رمضان، وكتحريم الميتة، والدم، والخنزير، والإقرار بالقرآن، وجملة الزكاة، فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلمًا،

стр. 7290

فإذا ذلك كذلك فكل من قال بها فهو مسلم، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام. والقسم الثاني: شيء شهده جميع الصحابة ﵃ من فعل رسول اللَّه ﷺ ، أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه ﷺ منهم، كفعله في خيبر إذ أعطاها يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو تمر، ويخرجهم المسلمون إذا شاءوا. فهذا لا شك عند كل أحد في أنه لم يبق مسلم في المدينة إلا شهد الأمر، أو وصل إليه، يقع ذلك الجماعة من النساء والصبيان الضعفاء، ولم يبق بمكة والبلاد النائية مسلم إلا عرفه وسُر به. على أن هذا القسم من الإجماع قد خالفه قوم بعد عصر الصحابة ﵃، وهْمًا منهم، وقصدًا إلى الخير، وخطأ باجتهادهم. فهذان قسمان للإجماع ولا سبيل إلى أن يكون الإجماع خارجًا عنهما، ولا أن يعرف إجماع بغير نقل صحيح إليهما. ولا يمكن أحدًا إنكارهما، وما عداهما فدعوى كاذبة، ومن ادعى أنه يعرف إجماعًا خارجًا من هذين النوعين فقد كذب على جميع أهل الإسلام ونعوذ باللَّه العظيم من مثل هذا" (١). ويتحصل من كلام ابن حزم السابق أن الإجماع عنده على حالين: الحال الأولى: إما أن يكون على ما عُلم بالضرورة من أمور الدين، واستقرت عليه نصوص الشريعة، كوجوب الصلاة: فهذا القسم من أنكره بعد علمه بالإجماع فيكفر كما قال ابن حزم، لأنه تكذيب للقرآن، ولنصوص السنة الصريحة. وليس موجب التكفير حينئذٍ مخالفة الإجماع، وإنما جحوده ما هو معلوم

стр. 7291

من الدين بالضرورة، وإنكاره نصوص الشرع الصريحة، أما مخالفة الإجماع فقط فلا يكفر به، فإن قومًا أنكروا الإجماع جملة ولم ينقل تكفيرهم عن أحد من السلف بموجب إنكارهم الإجماع، كما قال القرافي: "قد جحد أصل الإجماع جماعة كبيرة من الروافض والخوارج كالنظَّام (١)، ولم أر أحدًا قال بكفرهم من حيث إنهم جحدوا أصل الإجماع" (٢). الحال الثانية: أن يكون على أمر فعله النبي ﷺ واشتهر عند جميع الصحابة، فهذا وقع فيه خلاف مشهور بين أهل العلم، ولا يصح تكفير من خالف فيه. وهذا التقسيم نص عليه ابن تيمية فقال: "فكل مسألة يقطع فيها بالإجماع وبانتفاء المنازع من المؤمنين فإنها مما بين اللَّه فيه الهدى، ومخالف مثل هذا الإجماع يكفر كما يكفر مخالف النص البيِّن. وأما إذا كان يظن الإجماع ولا يقطع به، فهنا قد لا يقطع أيضًا بأنها مما تبين فيها الهدى من جهة الرسول ومخالف مثل هذا الإجماع قد لا يكفر بل قد يكون ظن الإجماع خطأ، وأن الصواب في خلاف هذا القول، وهذا هو فصل الخطاب فيما يكفر به من مخالفة الإجماع وما لا يكفر" (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن منكر الإجماع القطعي على قسمين: الأول: أن تكون المسألة مما هي معلومة من الدين بالضرورة، كوجوب

стр. 7292

الصلوات الخمس، فهذا القول بكفر منكره محل إجماع بين أهل العلم. الثاني: أن تكون المسألة ليست مما هي معلوم من الدين بالضرورة، فليست محل إجماع محقق، والنزاع فيها مشهور كما حكاه ابن تيمية. [٥١/ ٤] المسألة الحادية والخمسون: الإسلام ناسخ لجميع الشرائع، ولا ينسخه دين بعده، ومن خالف ذلك كفر . • المراد بالمسألة: المراد بمسألة الباب أن دين محمد ﷺ ناسخ لجميع الأديان السابقة، فلا يسع أحدًا أن يتبع اليهودية، أو النصرانية، أو غيرها من الأديان، بعد بعثة النبي ﷺ ، كما أن دينه ﵇ لا ينسخه شرع آخر، فلا يمكن لأحد أن يدعي النبوة بعد محمد ﷺ ، ويحكم بشرع جديد، حتى أن عيسى ﵇ إذا نزل في آخر الزمان فإنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ . • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "صح الإجماع بأن دين الإسملام نسخ كل دين كان قبله، وأن من التزم ما جاءت به التوراة أو الإنجيل، ولم يتبع القرآن فإنه كافر مشرك" (١). وقال في موضع آخر: "اتفقوا أن دين الإسلام ناسخ لجميع الأديان قبله، وأنه لا ينسخه دين بعده أبدًا، وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد: أني على علم من علم اللَّه علَّمنيه اللَّه لا تعلمه، ومن سوَّغ هذا أو اعتقد أن أحدًا من الخلق الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة محمد ومتابعته، فهو كافر باتفاق المسلمين" (٣). • مستند الإجماع: أدلة مسألة الباب متوافرة من الكتاب والسنة منها:

стр. 7293

١ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ (٤). ٥ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ (٥). قال ابن كثير في تفسير الآية: "هذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صَلوات اللَّه وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة" (٦). • أما أدلة السنة فمنها: ١ - ما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي

стр. 7294

يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (١). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (٢). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (فُضِّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون) (٣). ٤ - عن أبى موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي المغانم ولم تحل لمن كان قبلي. . . الحديث) (٤). ٥ - عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسالوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) (٥).

стр. 7295

٦ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي ﷺ ، فغضب فقال: (أمتهوِّكون (١) فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لفد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني) (٢). ٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء (٣)، كلَّما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي. . . الحديث) (٤). ٨ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ (٥) أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى تبوك،

стр. 7296

واستخلف عليًا، فقال علي ﵁: أتخلفني في الصبيان والنساء؛ قال ﷺ : (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي) (١). ٩ - عن جبير بن مطعم ﵁ (٢) أن النبي ﷺ قال: (أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي) (٣). ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (نحن الأخرون، ونحن السابقون يوم القيامة) (٤). ١١ - في صحيح البخاري أن إسماعيل (٥) قال لابن أبي أوفى (٦) ﵁: "رأيتَ

стр. 7297

إبراهيم ابن النبي ﷺ ؟ قال: مات صغيرًا، ولو قضي أن يكون بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه، ولكن لا نبي بعده" (١). • وجه الدلالة من الآيات والأحاديث السابقة: هذه جملة من الآيات والأحاديث تدل دلالة صريحة على أن النبي ﷺ مبعوث للناس كافة، فدينه ناسخ لجميع الأديان، وأنه ﷺ خاتم النبيين، فلا نبي بعده، ولا ناسخ لشريعته، وعليه أجمع أهل العلم، حيث قال النووي: "وبإجماع المسلمين أنه لا نبي بعد نبينا ﷺ ، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ" (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٢/ ٤] المسألة الثانية والخمسون: من زعم أن للقرآن ظاهرآ وباطنًا فقد كفر . • المراد بالمسألة: من زعم أن الأوامر التي ذكرها اللَّه تعالى أو النواهي التي نهى اللَّه تعالى عنها إنما يراد به العامة، أما الخاصة فلهذه الأوامر أو النواهي معان أخرى، فهذا كفر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في توضيح هذا المذهب: "أما الأوامر فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدًا ﷺ أمرهم بالصلوات المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، وأما النواهي فإن اللَّه تعالى حرم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، وأن يشركوا باللَّه ما لم ينزل به سلطانًا، وأن يقولوا على اللَّه ما لا يعلمون، كما حرم الخمر، ونكاح ذوات المحارم، والربا، والميسر، وغير ذلك، فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما يعرفه المسلمون،

стр. 7298

ولكن لهذا باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الإسماعيلية (١) الذين انتسبوا إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الذين يقولون أنهم معصومون، وأنهم أصحاب العلم الباطن، كقولهم الصلاة معرفة أسرارنا، لا هذه الصلوات ذات الركوع والسجود والقراءة، والصيام كتمان أسرارنا ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب، والنكاح والحج زيارة شيوخنا المقدسين، وأمثال ذلك، وهؤلاء المدعون للباطن لا يوجبون هذه العبادات، ولا يحرمون هذه المحرمات، بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونكاح الأمهات والبنات، وغير ذلك من المنكرات" (٢). • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وأما سؤال القائل إنهم أصحاب العلم الباطن فدعواهم التي ادعوها من العلم الباطن هو أعظم حجة ودليل على أنهم زنادقة منافقون لا يؤمنون باللَّه ولا برسوله ولا باليوم الآخر، فإن هذا العلم الباطن الذي ادعوه هو كفر باتفاق المسلمين، واليهود، والنصارى" (٣). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن القول بأن للقرآن ظاهر وباطن طريق لإنكار شرائع الإسلام، وسبيل للإلحاد في نصوص الشريعة، وتحريف أخبارها، وأوامرها، ونواهيها.

стр. 7299

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٣/ ٤] المسألة الثالثة والخمسون: اللَّه واحد لا شريك له، وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شيء معه، ومن خالف ذلك فهو كافر . • المراد بالمسألة: هذه المسألة على قسمين: الأول: أن اللَّه تعالى واحد في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، فمن أنكر ذلك، وزعم أن ثمة شريكًا للَّه تعالى يستحق أن يكون ربًا أو إلهًا يُعبد فقد كفر. الثاني: أن اللَّه تعالى لم يزل وحده، ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع: اتفقوا أن اللَّه واحد لا شريك له، خالق كل شيء. وأنه تعالى لم يزل وحده، ولا شيء معه غيره. وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا" (١). • مستند الإجماع: أما أن اللَّه تعالى واحد لا شريك له فأدلته مستفيضة، منها: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ (٢). ٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٣). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ (٤).

стр. 7300

٤ - قال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١). بل قد أفرد اللَّه تعالى لذلك سورة وجعلها تعدل ثلث القرآن (٢)، وهي سورة الإخلاص حيث قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٣). والنصوص في تقرير وحدانيته تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته متواترة مستقرة، يطول حصرها والمراد الإشارة (٤). وأما أن اللَّه تعالى لم يزل ولم يكن شيء معه فدليله ما يلي: ١ - عن عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: (اقبلوا البشرى يا بني تميم) قالوا: قد بشَّرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم) قالوا: قد قبلنا يا رسول اللَّه، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: (كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) (٥). وفي رواية أخرى للبخاري بلفظ: (كان اللَّه ولم يكن شيء قبله) (٦).

стр. 7301

وأما لفظ: "لم يكن شيء معه" فليس في شيء من كتب السنة، لكن الحديث مخرجه واحد والقصة متحدة، فلا بد أن يكون أحد اللفظين صحيحًا والآخر روي بالمعنى، ولذا مال جماعة من أهل العلم إلى الرواية الأولى منهم ابن حجر (١)، وأن قوله: "ولم يكن شيء غيره"، هي بمعنى لم يكن شيء معه. ٢ - عن أبي العقيلي (٢) قال: قلت: يا رسول اللَّه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: (كان في عماء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء)، قال أحمد بن منيع (٣) قال يزيد بن هارون (٤): العماء أي ليس معه شيء (٥).

стр. 7302

قال المباركفوري: "كأنه قال: كان ولم يكن معه شيء، بل كل شيء كان عدمًا عمى لا موجودًا ولا مدركًا، والهواء الفراغ أيضًا العدم، كأنه قال: كان ولا شيء معه، ولا فوق، ولا تحت. انتهى. قلت: إن صحت الرواية عمى -بالقصر- فلا إشكال في هذا الحديث، وهو حينئذٍ في معنى حديث "كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء"" (١). ٣ - عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر" وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن مسألة أن اللَّه تعالى واحد لا شريك له فالإجماع منعقد في الجملة على تكفير مخالفه، إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع. وأما أنه تعالى لم يزل وحده لا شيء معه، فهذا مما تعقيه شيخ الإسلام ابن تيمية على ابن حزم من جهة أن هذا الحرف لم يأت في نصوص الشريعة، ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فضلًا عن أن يدعى فيها الإجماع، فضلًا عن كفر المخالف.

стр. 7303

ورجح ابن تيمية أن الصواب في حديث عمران هو لفظ "كان اللَّه ولم يكن شيء قبله"؛ لأنه الموافق لما رواه مسلم: (أنت الأول فليس قبلك شيء) (١)، أما لفظ: "كان اللَّه ولم يكن شيء غيره" فروي بالمعنى (٢). ولم يرد شيخ الإسلام بهذا الكلام مخالفة ابن حزم في أصل المسألة، فإن ابن تيمية يقر بأن اللَّه تعالى خالق، وكل ما سواه فهو مخلوق خلقه اللَّه تعالى، وأنه لا شيء أزلي قديم سوى اللَّه تعالى (٣)، وإنما أراد ابن تيمية أن ينبه إلى أن نقل الإجماع في مثل هذه المسألة، وتكفير المخالف، ليس بصواب، واللَّه تعالى أعلم. [٥٤/ ٤] المسألة الرابعة والخمسون: اللَّه لا يخفى عليه شيء، ولا يضل، ولا ينسى، ولا يجهل، ومن أنكر ذلك فقد كفر . • المراد بالمسألة: اللَّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فيعلم كل صغيرة، وكبيرة، وهو وتعالى لا يضل فيفوته شيء لا يعلمه، بل علمه محيط بكل شيء، ولا يضل فيهلك كما تهلك المخلوقات وتفنى، ولا يضل فيخطئ في تدبير أمر أو تقديره، وقد اختلفت عبارات أهل التأويل في المراد بنفي الضلال عن اللَّه تعالى في قوله : ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ فقيل: أي لا يهلك، وقيل: لا يفوته علم شيء، وقيل: لا يُخطئ (٤)، كما أنه تعالى لا ينسى شيئًا علمه، ومن زعم غير ذلك فقد كفر. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) في جملة من الاعتقادات التي يكفر من خالفها: "اتفقوا أن اللَّه تعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يضل، ولا ينسى، ولا يجهل" (٥).

стр. 7304

وقال المازري (٥٣٦) (١): "المعتزلي إذا نفى العلم نفى أن يكون اللَّه تعالى عالمًا، وذلك كفر بالإجماع" (٢)، نقله عنه النووي (٣)، والشوكاني (٤). قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ) في معرض كلامه على صفة العلم للَّه تعالى: "نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها" (٥). وقال أيضًا فى القدرية (٦) الأُول الذين نفوا تقدم علم اللَّه تعالى بالكائنات: "القائل بهذا كافر بلا خلاف" (٧)، ونقله عنه النووي (٨). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "والمأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية (٩) المحضة الذين ينكرون الصفات. . . وأما القدرية الذين ينفون

стр. 7305

الكتابة والعلم فَكفَّروهم" (١). وقال ابن جزي (٧٤١) (٢): "لا خلاف في تكفير من نفى الربوبية أو الوحدانية. . . أو اعتقد أن اللَّه غير حي أو غير عليم" (٣). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ) في معرض كلامه على مراتب القدر: "المرتبة الأولى: وهي العلم السابق، فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة" (٤). وقال في موضع آخر: "فقوله: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين" دليل على أن اللَّه يعلم ما يصيرون إليه بعد ولادتهم على الفطرة، هل يبقون عليها فيكونون مؤمنين، أو يغيَّرون فيصيرون كفارًا، فهو دليل على تقدم العلم الذي ينكره غلاة القدرية، واتفق السلف على تكفيرهم بإنكاره" (٥). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "من جحد صفة من صفاته كالحياة والعلم كفر إجماعًا" (٦). • مستند الإجماع: النصوص الدالة على عموم علمه تعالى متوافرة فمنها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ (٧). ٢ - قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ (٨). ٣ - قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ

стр. 7306

وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ (١). ٤ - قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ (٢). ٥ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ (٣). ٦ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ (٤). ٧ - قال سبحانه في قصة فرعون وموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ (٥)، وهذا على أن تفسير قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ راجع إلى اللَّه تعالى، لا إلى الكتاب، وأنه كلام مستأنف، لبيان صفتين من صفاته تعالى جيء بها للإخبار بأن اللَّه تعالى قد كتب ذلك لا لحاجة للكتاب، فإنه تعالى من صفاته أنه لا يضل ولا ينسى. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على إحاطة عمله تعالى بكل شيء. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7307

[٥٥/ ٤] المسألة الخامسة والخمسون: اللَّه تعالى خالق كل شيء كما شاء، فمن خالف ذلك فهو كافر . • المراد بالمسألة: من مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بأن اللَّه تعالى خالق كل شيء، بمشيئته، ومن جملة ذلك أنه تعالى خالق لجميع العباد، ولأفعالهم، فأفعال العباد مخلوقة، وهي تحت مشيئة اللَّه تعالى. وليس المراد هنا تقرير أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى، ولا أن أفعال العباد لا تكون إلا بمشيئته سبحانه، فإن هاتين المسألتين محل إجماع عند أهل السنة والجماعة، وإنما المراد كفر من خالف ذلك. وقد نقل جماعة من أهل العلم الإجماع على ذلك منهم اللالكائي حيث حكى إجماع الصحابة ومن بعدهم على أن أفعال العباد مخلوقة فقال: "سياق ما فُسر من الآيات في كتاب اللَّه ، وما روي من سنة رسول اللَّه ﷺ في إثبات القدر، وما نقل من إجماع الصحابة والتابعين والخالفين لهم من علماء الأمة: أن أفعال العباد كلها مخلوقة للَّه ، طاعاتها، ومعاصيها" (١). ومما نقله ابن القيم على أن كل شيء لا يكون إلا بمشيئته تعالى قوله: "وهذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند اللَّه، والفطرة التي فطر اللَّه عليها خلقه، وأدلة العقول والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة اللَّه وحده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به" (٢). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "باب من الإجماع في الاعتقادات يكفر من خالفه بإجماع: اتفقوا أن اللَّه وحده لا شريك له،

стр. 7308

خالق كل شيء غيره، واتفقوا أن اللَّه واحد لا شريك له، خالق كل شيء، وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شيء معه غيره، وأن من خالفه ممن بلغه كافر مخلد في النار أبدًا" (١). • مستند الإجماع: من الأدلة الدالة على عموم خلق اللَّه لجميع الأشياء ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ (٣). ٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾ (٤). ٤ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ (٥). • وجه الدلالة من الآيات: في الآيات دلالة صريحة على أن اللَّه تعالى خالق كل شيء سبحانه، ومن جملة ذلك خلقه لأفعال العباد. ٥ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ (٦). قال ابن الجوزي: "في "ما" وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى المصدر، فيكون المعنى: واللَّه خلقكم وعملكم. والثاني: أن تكون بمعنى الذي، فيكون المعنى: واللَّه خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام.

стр. 7309

وفي هذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة للَّه" (١). أما كون كل شيء بمشيئته تعالى فيدل عليه ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ (٣). ٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٤). ٤ - قال تعالى حكاية عن شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (٥)، وهذا نص في أن المعصية تكون بمشيئته تعالى، فهي تحت إرادته تعالى الكونية لا الشرعية. ٥ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ (٦). ٦ - قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٧). ٧ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ (٨). والآيات في تقرير ذلك كثيرة جدًا.

стр. 7310

• المخالفون للإجماع: هذه المسألة مما تعقبها شيخ الإسلام ابن تيمية على ابن حزم من جهة أن تكفير منكري المشيئة والخلق محل خلاف مشهور بين السلف، وأن المنصوص عن الأئمة كمالك وأحمد والشافعي عدم تكفير منكري الخلق أو المشيئة. ثم قال ابن تيمية معقبًا على ابن حزم: "ومعلوم أن مثل هذا النقل للإجماع لم ينقله عن معرفته بأقوال الأئمة، لكن لما علم أن القرآن أخبر بأن اللَّه خالق كل شيء، وأن هذا من أظهر الأمور عند الأمة حكى الإجماع على مثل هذا، ثم اعتقد أن من خالف الإجماع كفر بإجماع، فصارت حكايته لهذا الإجماع مبنية على هاتين المقدمتين اللتين ثبت النزاع في كل منهما" (١). ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد روايتان في كفر القدرية المقرين بالعلم والمنكرين للخلق والمشيئة، ثم قال: "مع أن الغالب عليه التوقف عن تكفير القدرية المقرين بالعلم" (٢). وأما ما جاء عن الإمام مالك في القدرية أنه لا يُصلَّى عليهم ويستتابون، كما جاء في المدونة: "قال مالك: في القدرية والإباضية (٣) لا يصلى على موتاهم، ولا يتبع جنائزهم، ولا تعاد مرضاهم، فإذا قتلوا فذلك أحرى عندي أن لا يصلى عليهم" (٤)، فإن جماعة من المالكية منهم سحنون (٥) وابن عبد البر حملوا ذلك على أنه من باب الأدب لا التكفير، وترك الصلاة عليهم هو من

стр. 7311

الإمام وأهل الفضل، لا من عموم الناس. قال ابن عبد البر: "وأما أن تترك الصلاة عليهم جملة إذا ماتوا فلا، بل السنة المجتمع عليها أن يصلى على كل من قال لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، مبتدعًا كان أو مرتكبًا للكبائر. ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار أئمة الفتوى يقول في ذلك بقول مالك" (١). بل ذكر ابن حزم في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" أنه لا يكفر من خالف أهل السنة في اعتقاداتهم إذا كانوا مجتهدين في تحصيل الحق، ثم أخذ يرد على من كفر القدرية، ويضعف الأحاديث الواردة في كونهم مجوس هذ الأمة (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع بين أهل العلم في مسألة التكفير، للخلاف الذي حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية. ولذا قال ابن رجب: "وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خُصموا، وإن جحدوه فقد كفروا، يريدون: أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن اللَّه قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ، فقد كذب بالقرآن، فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك، وأنكروا أن اللَّه خلق أفعال عباده، وشاءها، وأرادها منهم إرادة كونية قدرية، فقد خصموا؛ لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء" (٣).

стр. 7312

[٥٦/ ٤] المسألة السادسة والخمسون: من خالف الحديث المنقول نقل الكافة وعلم ذلك كفر . • المراد بالمسألة: إذا صح الحديث المنقول عن النبي ﷺ بنقل جماعة عن جماعة، فإن من تعمد مخالفة الحديث بلا تأويل أو شبهة فإنه يكفر. ويتبين من ذلك أن الحديث إن لم يكن صحيحًا، أو لم يكن من رواية الجماعة عن الجماعة، بل كان من رواية الآحاد، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. وكذا من خالف الحديث من غير تعمد المخالفة، إما لتأويل أو شبهة، أو نحو ذلك فكل ذلك غير مراد في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن نقل الكافة حق، فمن خالفه بعد علمه أنه نقل كافة، كفر" (١). وقد بين ابن حزم مراده بنقل الكافة فقال: "دين الإسلام اللازم لكل أحد لا يؤخذ إلا من القرآن، أو مما صح عن رسول اللَّه ﷺ إما برواية جميع علماء الأمة عنه ﵊ وهو الإجماع، وإما بنقل جماعة عنه ﵊ وهو نقل الكافة، وإما برواية الثقات واحدًا عن واحد حتى يبلغ إليه ﵊" (٢). • مستند الإجماع: يدل لمسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣). ٢ - أن حقيقة من رد الحديث الصحيح مع علمه بذلك فقد أنكر شيئًا مما جاء به النبي ﷺ . النتيجة: الظاهر أن هذا من جملة ما ذكره ابن تيمية عن ابن حزم أنه قد

стр. 7313

ينقل في هذا الباب أقوالًا بالتكفير بناء على أنه من الأمور المشهورة عند أئمة المسلمين، فمخالفه كافر، لا بناء عن نقولات من السلف، وإلا فمن المعلوم أن من خالف نص الحديث الصريح الصحيح في مسألة معينة فإنه لا يكفر، فالحاكم مثلًا إن جاءه سارق وهو يعلم شرع اللَّه تعالى في قطع يده، لكنه تركه رحمة به أو مراعاة لنسب بينهما أو نحو ذلك فلا يقال بكفر مثل هذا. والمقصود أن ما ذكره ابن حزم ليس بدقيق، واللَّه تعالى أعلم. [٥٧/ ٤] المسألة السابعة والخمسون: من استجاز الصلاة إلى غير القبلة كَفَر . • المراد بالمسألة: من أجاز صلاة الفريضة إلى جهة مخالفة لجهة القبلة لغير عذر، فقد كفر باللَّه تعالى، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. ويتبين مما سبق أنه لو أجاز صلاة النافلة، أو أجاز الصلاة إلى الجهة ولم يشترط عين القبلة، أو أجاز الصلاة إلى القبلة مع الانحراف اليسير عن عينها، أو استجاز الصلاة لغير القبلة لعذر كصلاة الخوف مثلًا، أو للجهل، أو نحوهما، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. كما ينبه إلى أن مجرد الصلاة إلى غير القبلة عامدًا، غير مراد في مسألة الباب، وإنما المراد من فعل ذلك مجيزًا ومستحلًا له. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من الأمة في أن امرءًا لو كان بمكة بحيث يقدر على استقبال الكعبة في صلاته فصرف وجهه عامدًا عنها إلى أبعاض المسجد الحرام من خارجه أو من داخله فإن صلاته باطلة، وأنه إن استجاز ذلك كافر" (١). • مستند الإجماع: يدل على وجوب استقبال القبلة في الصلاة نصوص متوافرة من الكتاب والسنة والإجماع وكذا عمل الناس على وجوب استقبال القبلة فمنها:

стр. 7314

• أولًا: من الكتاب: يدل عليه من القرآن قول اللَّه تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالصلاة إلى المسجد الحرام وهي الكعبة، قال القرطبي: "قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ﴾ أمر، ﴿وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ أي ناحية، ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني الكعبة، ولا خلاف في هذا" (٢). • ثانيًا: من السنة: يدل عليه من السنة أدلة منها: ١ - عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده -أو قال أخواله- من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهم راكعون، فقال: أشهد باللَّه لقد صليت مع رسول اللَّه ﷺ قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلمَّا ولَّى وجهه قِبَل البيت أنكروا ذلك (٣). ٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة اللَّه وذمة رسوله، فلا تخفروا اللَّه في ذمته) (٤). ٣ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يصلي على راحلته

стр. 7315

حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة" (١). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن رجلًا دخل المسجد ورسول اللَّه ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (عليك السلام ارجع فصل، فإنك لم تصل) فرجع فصلى، ثم جاء فسلم، فقال: (وعليك السلام، فارجع فصل فإنك لم تصل) فقال في الثانية أو في التي بعدها: علمني يا رسول اللَّه، فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ بما تبسر معك من القرآن. . . الحديث) (٢). • ثالثًا: من الإجماع: أجمع أهل العلم على فرضية استقبال القبلة لصلاة الفرض، كما نقله غير واحد من أهل العلم، قال ابن عبد البر: "وأجمعوا على أنه فرض واجب على من عاينها وشاهدها استقبالها بعينها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها فلا صلاة له" (٣). • وجه الدلالة من هذه الأدلة على مسألة الباب: إذا تقرر هذا فإن من خالف وأجاز الصلاة لغير القبلة فقد خالف صريح الكتاب والسنة والإجماع، في أمر هو معلوم من الدين بالضرورة، وإنكار ما هو معلوم في الدين الضرورة كفر كما نقله غير واحد من أهل العلم، منهم ابن تيمية حيث قال: "فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة هو من أعظم أصول الإيمان وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق" (٤). وقال القاري: "إنكار وجوب المجمع عليه إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة كفر اتفاقًا" (٥).

стр. 7316

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٨/ ٤] المسألة الثامنة والخمسون: من حجد صفة القدرة للَّه كفر . • المراد بالمسألة: من المقرر عند أهل السنة والجماعة أن اللَّه تعالى موصوف بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به نبيه ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف، وقد وصف تعالى نفسه بأنه على كل شيء قدير، فأثبتها أهل السنة والجماعة على ما يليق به سبحانه صفة له تعالى، فمن علم بهذه الصفة من نصوص الشريعة، وخالف هذا الاعتقاد فإنه كافر، إذا قامت الحجة عليه. ويتبين مما سبق أنه ليس المراد نفي كون اللَّه قادر، وإنما المراد نفي كون القدرة صفة له تعالى، أما نفي القدرة عنه تعالى جملة فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: حكى ابن الجوزي (٥٩٧ هـ) الاتفاق في المسألة، كما نقله عنه ابن حجر بقوله: "قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين، فلا يكفرون بذلك، وردَّه ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ (٤).

стр. 7317

وغيرها من الآيات الدالة على قدرته تعالى وهي كثيرة يطول حصرها. • وجه الدلالة: أن هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات الدالة على القدرة صريحة بأنه تعالى قدير. ٤ - في صحيح مسلم في قصة آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة، وفيه: (فيقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم ما يُصْريني (١) منك، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ ) فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول اللَّه ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول اللَّه؟ قال: (من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر) (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح بأنه تعالى قادر، وأن ذلك من صفاته. ٥ - إجماع أهل العلم على أن اللَّه تعالى قدير، كما حكاه غير واحد من أهل العلم، منهم أبو الحسن الأشعري حيث قال: "أجمعوا على أنه تعالى لم يزل موجودًا، حيًا، قادرًا، عالمًا، مريدًا" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم باتفاق المسلمين أن اللَّه حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة" (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع عند أهل السنة على أن من أنكر صفة القدرة للَّه تعالى كفر.

стр. 7318

لكن ينبه إلى أن كفر المقالة لا يلزم منها تكفير القائل، كما قرره جماعة من أهل العلم، فإن مذهب المعتزلة مما هو مقرر في مذهبهم نفي صفة القدرة عن اللَّه تعالى فيقولون عنه سبحانه: قادر بلا قدرة، لكن مع ذلك فإن جمهور أهل السنة لم يكفروا أعيان المعتزلة بهذه المقالة، وإن كانت المقالة في ذاتها قد تكون كفرًا، ولذا قال النووي: "مذهب الشافعي جماهير أصحابه العلماء أن الخوارج لا يكفرون، وكذلك القدرية، وجماهير المعتزلة، وسائر أهل الأهواء" (١). [٥٩/ ٤] المسألة التاسعة والخمسون: من استحل وطء المحارم كفر . • المراد بالمسألة: من المستقر في نصوص الكتاب والسنة أن الإنسان محرم عليه أن ينكح محارمه إما بسبب نسب أو رضاع أو صهر، فمن استحل وطء من تحرم عليه كأمه من النسب أو الرضاع، أو أخته، أو ابنته، أو غيرهم ممن نص القرآن على تحريمهم، وأجمع عليه أهل العلم، سواء استحل ذلك بزنى، أو بنكاح، أو بملك يمين فقد كفر، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. وينبه إلى أن هذا فيمن ثبت فيه النسب شرعًا، أما لم يثبت فيه النسب شرعًا كبنت الزاني، فغير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: ذكر ابن حزم (٤٥٦ هـ) أن من استحل نكاح عمته أو خالته أو ذوات محارمه فإنه يكفر بلا خلاف (٢). قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق" (٤).

стр. 7319

وقال القاري (١٠١٤ هـ): "إنكار وجوب المجمع عليه إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة كفر اتفاقًا" (١). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "من جحد الزنا، أو جحد شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها -أي على تحريمها-، أو جحد حل خبز، ونحوه، مما لا خلاف فيه، أو جحد وجوب عبادة من الخمس، أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، بجهل، عُرِّف ذلك، وإن أصر أو كان مثله لا يجهل كفر، ولا نزاع في كفره" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ (٣). • وجه الدلالة: الآية صريحة في تحريم نكاح المحارم، قال ابن كثير في تفسير الآية: "أجمع المسلمون على أن معنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ. . .﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء" (٤). ٢ - إجماع أهل العلم على تحريم نكاح المحارم كما نقله ابن قدامة وغيره (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7320

[٦٠/ ٤] المسألة الستون: سب اللَّه تعالى كفر . • المراد بالمسألة: المسلم إذا سب اللَّه تعالى صريحًا فإنه يكفر، سواء كان جادًا في كلامه، أو هازلًا، فإنه يكفر، ويأخذ أحكام المرتد عن الإسلام. ويتبين مما سبق أنه لو قال مقالة يلزم منها سب اللَّه تعالى، كمن سب الدهر، مع أن اللَّه تعالى قال في الحديث القدسي: "وأنا الدهر"، أو نحو ذلك، فإن هذا غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال إسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن من سب اللَّه تعالى، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل اللَّه تعالى، أو قتل نبيًا من أنبياء اللَّه ، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل اللَّه"، نقله عنه ابن عبد البر (١)، وابن تيمية (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أما سب اللَّه تعالى: فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد" (٣). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "ولا خلاف في قتل من سب اللَّه" (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فصل: فيمن سب اللَّه تعالى: . . . فإن كان مسلمًا وجب قتله بالإجماع؛ لأنه بذلك كافر مرتد" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أثبت الكفر لمن استهزء باللَّه تعالى، وسب اللَّه
следующие страницы →