← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٥٨/ ٤] المسألة الثامنة والخمسون: من حجد صفة القدرة للَّه كفر . • المراد بالمسألة: من المقرر عند أهل السنة والجماعة أن اللَّه تعالى موصوف بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به نبيه ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، ولا تكييف، وقد وصف تعالى نفسه بأنه على كل شيء قدير، فأثبتها أهل السنة والجماعة على ما يليق به سبحانه صفة له تعالى، فمن علم بهذه الصفة من نصوص الشريعة، وخالف هذا الاعتقاد فإنه كافر، إذا قامت الحجة عليه. ويتبين مما سبق أنه ليس المراد نفي كون اللَّه قادر، وإنما المراد نفي كون القدرة صفة له تعالى، أما نفي القدرة عنه تعالى جملة فمسألة أخرى. • من نقل الإجماع: حكى ابن الجوزي (٥٩٧ هـ) الاتفاق في المسألة، كما نقله عنه ابن حجر بقوله: "قال ابن قتيبة: قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين، فلا يكفرون بذلك، وردَّه ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ (٤).

стр. 7317

وغيرها من الآيات الدالة على قدرته تعالى وهي كثيرة يطول حصرها. • وجه الدلالة: أن هاتين الآيتين وغيرهما من الآيات الدالة على القدرة صريحة بأنه تعالى قدير. ٤ - في صحيح مسلم في قصة آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة، وفيه: (فيقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم ما يُصْريني (١) منك، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ ) فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول اللَّه ﷺ فقالوا: مم تضحك يا رسول اللَّه؟ قال: (من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر) (٢). • وجه الدلالة: الحديث صريح بأنه تعالى قادر، وأن ذلك من صفاته. ٥ - إجماع أهل العلم على أن اللَّه تعالى قدير، كما حكاه غير واحد من أهل العلم، منهم أبو الحسن الأشعري حيث قال: "أجمعوا على أنه تعالى لم يزل موجودًا، حيًا، قادرًا، عالمًا، مريدًا" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم باتفاق المسلمين أن اللَّه حي حقيقة، عليم حقيقة، قدير حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة" (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع عند أهل السنة على أن من أنكر صفة القدرة للَّه تعالى كفر.

стр. 7318

لكن ينبه إلى أن كفر المقالة لا يلزم منها تكفير القائل، كما قرره جماعة من أهل العلم، فإن مذهب المعتزلة مما هو مقرر في مذهبهم نفي صفة القدرة عن اللَّه تعالى فيقولون عنه سبحانه: قادر بلا قدرة، لكن مع ذلك فإن جمهور أهل السنة لم يكفروا أعيان المعتزلة بهذه المقالة، وإن كانت المقالة في ذاتها قد تكون كفرًا، ولذا قال النووي: "مذهب الشافعي جماهير أصحابه العلماء أن الخوارج لا يكفرون، وكذلك القدرية، وجماهير المعتزلة، وسائر أهل الأهواء" (١). [٥٩/ ٤] المسألة التاسعة والخمسون: من استحل وطء المحارم كفر . • المراد بالمسألة: من المستقر في نصوص الكتاب والسنة أن الإنسان محرم عليه أن ينكح محارمه إما بسبب نسب أو رضاع أو صهر، فمن استحل وطء من تحرم عليه كأمه من النسب أو الرضاع، أو أخته، أو ابنته، أو غيرهم ممن نص القرآن على تحريمهم، وأجمع عليه أهل العلم، سواء استحل ذلك بزنى، أو بنكاح، أو بملك يمين فقد كفر، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. وينبه إلى أن هذا فيمن ثبت فيه النسب شرعًا، أما لم يثبت فيه النسب شرعًا كبنت الزاني، فغير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: ذكر ابن حزم (٤٥٦ هـ) أن من استحل نكاح عمته أو خالته أو ذوات محارمه فإنه يكفر بلا خلاف (٢). قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه" (٣). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق" (٤).

стр. 7319

وقال القاري (١٠١٤ هـ): "إنكار وجوب المجمع عليه إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة كفر اتفاقًا" (١). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "من جحد الزنا، أو جحد شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها -أي على تحريمها-، أو جحد حل خبز، ونحوه، مما لا خلاف فيه، أو جحد وجوب عبادة من الخمس، أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا، بجهل، عُرِّف ذلك، وإن أصر أو كان مثله لا يجهل كفر، ولا نزاع في كفره" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾ (٣). • وجه الدلالة: الآية صريحة في تحريم نكاح المحارم، قال ابن كثير في تفسير الآية: "أجمع المسلمون على أن معنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ. . .﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء" (٤). ٢ - إجماع أهل العلم على تحريم نكاح المحارم كما نقله ابن قدامة وغيره (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7320

[٦٠/ ٤] المسألة الستون: سب اللَّه تعالى كفر . • المراد بالمسألة: المسلم إذا سب اللَّه تعالى صريحًا فإنه يكفر، سواء كان جادًا في كلامه، أو هازلًا، فإنه يكفر، ويأخذ أحكام المرتد عن الإسلام. ويتبين مما سبق أنه لو قال مقالة يلزم منها سب اللَّه تعالى، كمن سب الدهر، مع أن اللَّه تعالى قال في الحديث القدسي: "وأنا الدهر"، أو نحو ذلك، فإن هذا غير داخل في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال إسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن من سب اللَّه تعالى، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل اللَّه تعالى، أو قتل نبيًا من أنبياء اللَّه ، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل اللَّه"، نقله عنه ابن عبد البر (١)، وابن تيمية (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أما سب اللَّه تعالى: فما على ظهر الأرض مسلم يخالف في أنه كفر مجرد" (٣). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "ولا خلاف في قتل من سب اللَّه" (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فصل: فيمن سب اللَّه تعالى: . . . فإن كان مسلمًا وجب قتله بالإجماع؛ لأنه بذلك كافر مرتد" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أثبت الكفر لمن استهزء باللَّه تعالى، وسب اللَّه

стр. 7321

تعالى من جملة الاستهزاء، قال ابن تيمية: "هذا نص في أن الاسهتزاء باللَّه، وبآياته، وبرسوله، كُفر، فالسب المقصود بطريق الأولى" (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾ (٢). • وجه الدلالة: قال ابن كثير: "وإن نكث هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم، أي: عهودهم ومواثيقهم، ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: عابوه وانتقصوه، ومن هاهنا أخذ قتل من سب الرسول -صلوات اللَّه وسلامه عليه-، أو من طعن في دين الإسلام، أو ذكره بتنقص" (٣). ٣ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى عن سب آلهة المشركين وأصنامهم حتى لا يقعوا في سب اللَّه تعالى، وهو يدل على أن السب محذور، وهو أغلظ من الكفر باللَّه (٥). ٤ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد من آذاه بالعذاب المهين، والسب من الأذية الظاهرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم يجئ إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار" (٧).

стр. 7322

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦١/ ٤] المسألة الحادية والستون: من لم يؤمن باللَّه تعالى، وبرسوله ﷺ ، وبكل ما أتى به ﵊ مما نقل عنه نقلًا متواترًا كفر . • المراد بالمسألة: إذا لم يؤمن المسلم بربه تعالى وذلك يتضمن الإيمان بوجوده سبحانه، والإيمان بألوهيته، وربوبيته، وبكل ما أخبر به تعالى. أو لم يؤمن بنبيه محمد ﷺ وذلك يتضمن الإيمان بأنه نبي اللَّه تعالى، ويتضمن التصديق بوجوب طاعته فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد اللَّه إلا بما شرعه ﷺ . أو لم يؤمن بكل ما صح من حديث رسول اللَّه ﷺ مما كان من الأحاديث المتواترة التي نقلها الكافة عن الكافة، فإنه يكفر إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، ويأخذ المكذب أحكام المرتد حينئذٍ. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من لم يؤمن باللَّه تعالى، وبرسوله ﷺ ، وبكل ما أتى ﵇ مما نقل عنه نقل الكافة، فإنه كافر مشرك" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من بلغته رسالة النبي فلم يؤمن به فهو كافر" (٢). • مستند الإجماع: أدلة الباب كثيرة جدا فمنها: • أولا: من الكتاب: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٣). ٢ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ

стр. 7323

مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (١). ٣ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (٢). ٤ - قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ (٣). ٥ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ (٤). ٦ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾ (٥). • أما أدلة السنة فمنها: ١ - ما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (٦). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (٧). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (فضلت على الأنبياء بست:

стр. 7324

أُعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (١). ٤ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تصدقوا بباطل، أو تكذبوا بحق، فإنه لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) (٢). • وجه الدلالة من الآيات والأحاديث السابقة: هذه جملة من الآيات والأحاديث تدل دلالة صريحة على وجوب الإيمان باللَّه تعالى، وبنبيه ﷺ ، وبكل ما أخبر به النبي ﷺ مما صح سنده نقلًا متواترًا. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم في كل ما سبق. لكن ينبه إلى أنه مع الجزم بأن تصديق ما أخبر به النبي ﷺ مما تواتر عنه ﷺ مما يجب على المسلم، وتكذيبه كفر، لكن ليس كل من أنكر حديثًا صحيحًا يحكم بكفره، بل لا بد من قيام الحجة على ذلك، كما أن تأويل الحديث الصحيح المتواتر عن ظاهره لا يلزم منه القول بتكذيب الحديث أو ردِّه؛ فإن الأفهام تختلف، وقد يكون للمجتهد شبهة تجعله يؤول الحديث عن ظاهره المراد، واللَّه تعالى أعلم. [٦٢/ ٤] المسألة الثانية والستون: من شك في التوحيد كفر . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الشك: قال الفيومي: "شَكَّ الأمر يَشُكُّ شَكًّا: إذا التبس وشَكَكْتُ فيه، قال أئمة اللغة: الشَّكُّ: خلاف اليقين، فقولهم: "خلاف اليقين": هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه، أو رجع أحدهما

стр. 7325

على الآخر" (١). قال الجرجاني: "الشك هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاك" (٢). • ثانيًا: صورة المسألة: المراد بالتوحيد في مسألة الباب هو توحيد الربوبية: وهو الإيمان بكل ما يتعلق بأفعال اللَّه تعالى، فيؤمن بأن اللَّه هو الخالق والرازق والمدبر، إلى غير ذلك. وتوحيد الألوهية: وهو ما يتعلق بأفعال العباد، من الذبح، والنذر، وسائر أنواع العبادات، فلا تكون إلا للَّه تعالى. إذا تبين هذا فمن شك في ألوهية اللَّه تعالى أو ربوبية فقد كفر (٣). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من شك في التوحيد فإنه كافر مشرك" (٤). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن نصوص الكتاب والسنة متوافرة على توحيده ، والرسل إنما بعثت لتقرير التوحيد، حتى ذكر أهل العلم أن القرآن ثلثه إنما جاء في توحيد اللَّه تعالى، ولذا كانت سورة الإخلاص ثلث القرآن؛ لأنها خالصة في توحيده ، فمن شك في هذا الركن العظيم فقد شك في ثلث القرآن، ومقصود الرسالة. واستقصاء الآيات والأحاديث في مثل هذه المسألة مما يطول ذكره. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن

стр. 7326

المسألة محل إجماع بين أهل العلم، لكن ثمة تنبيهان: الأول: أن ثمة مسائل مُفردة لا يمكن القول فيها بتكفير المقالة فضلًا عن تكفير القائل، كصفات اختلف في إثباتها للَّه تعالى أو نفيها، كما أن ثمة مسائل يقال فيها بكفر المقالة أما كفر القائل فيتوقف فيه لاحتمال شبهة أو تأويل، كإنكار بعض الصفات دون بعض، وهذا مقام يطول البحث فيه، وله فروع وقواعد محلها كتب العقيدة، وإنما المراد الإشارة والتنبيه. الثاني: أن ابن حزم الذي حكى الإجماع في المسألة له تخبُّط جلي في باب الأسماء والصفات يُقارب مذهب الجهمية والمعتزلة، ولذا لم أذكر توحيد الأسماء والصفات في صورة المسألة. ولتوضيح قول ابن حزم في الصفات على سبيل الاختصار فإنه ينفي الصفات عن اللَّه تعالى، وإنما يثبت أسماءً مجردة ذات معنى واحد، وقد صرح بذلك في غير موضع، ومن ذلك قوله: "وأما إطلاق لفظ الصفات للَّه فمحال لا يجوز؛ لأن اللَّه تعالى لم ينص قط في كلامه المنزّل على لفظ الصفات، ولا على لفظ الصفة، ولا جاء قط عن النبي ﷺ بأن للَّه تعالى صفة أو صفات. . . ولو قلنا إن الإجماع قد تيقّن على ترك هذا اللفظة لصدقنا، فلا يجوز القول بلفظ الصفات ولا اعتقاده، بل ذلك كله بدعة منكرة" (١). وقال أيضًا: "وصح أن أسماءه تعالى أسماء أعلام ليست أوصافًا ولا مشتقة أصلًا" (٢). وقال أيضًا: "إن اللَّه يسمع ويرى ويدرك كل ذلك بمعنى واحد وهو معنى يعلم ولا فرق" (٣).

стр. 7327

وقال أيضًا: "اللَّه سميع بصير، ولا نقول بسمع ولا ببصر؛ لأن اللَّه تعالى لم يقله ولكن سميع بذاته، بصير بذاته" (١). وهذا ظاهر في أن ابن حزم لا يفرق بين أسمائه سبحانه في المعنى، بل يجعلها أعلامًا محضة مترادفة (٢)، والعجب أنه حكى القول بأن أسماء اللَّه لا يشتق منها الصفات عن الشافعي وداود (٣)، -وهو غلط عليهما بلا شك-. وقول ابن حزم بأن إنكار إطلاق الصفة للَّه تعالى يقارب الإجماع، خطأ ظاهر، فإن الكلام في إثبات الصفات بهذا المسمّى معروف في كلام أئمة السلف الكبار كما هو مذكور في الكتب المصنّفة في هذا كالسنة لعبد اللَّه بن أحمد (٤)، والسنة للخلال، والسنة لابن أبي عاصم (٥)، وخلق أفعال العباد للبخاري، وشرح أصول أهل السنة للالكائي، والإبانة لابن بطة (٦)، والرد على

стр. 7328

الجهمية للدارمي (١)، والنقض على بشر المريسي للدارمي كذلك، والرد على الزنادقة لأحمد بن حنبل، والشريعة للآجري (٢)، وغيرها، ولم ينقل عن أحد من الأئمة أنه أنكر هذه اللفظة، أو قال إنها من كلام المعتزلة، بل إن ابن حزم نفسه المنكِر لإطلاق الصفة في حق اللَّه تعالى قد أطلقها في مواضع من كتبه فمن ذلك قوله: "كلام اللَّه تعالى صفة قديمة من صفاته، ولا توجد صفاته إلا به ولا تبين منه؛ لأنه لم يزل متكلمًا كما أن قدرته لا تبين منه؛ لأن الكلام لا يكون إلا من متكلّم ولا تكون القدرة إلا من قدير" (٣)، وقال أيضًا: "وأما وصفنا الباري تعالى بأنّه أول حي خالق. . . " (٤). وهذا الفعل من ابن حزم يدل على اضطرابه في مسألة الصفات، وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية خطأ ابن حزم في باب الأسماء والصفات فقال: "وكذلك أبو محمد بن حزم مع معرفته بالحديث، وانتصاره لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر، قد بالغ في نفي الصفات، وردها إلى العلم، مع أنه لا يثبت علمًا هو صفة" (٥). وقال أيضًا: "من قال من متكلمة الظاهرية -كابن حزم-: أن أسماءه

стр. 7329

الحسنى كالحي والعليم والقدير بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم ولا قدرة، وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم وبين القدير في المعنى أصلًا، ومعلوم أن مثل هذه المقالات سفسطة في العقليات (١) وقرمطة في السمعيات (٢)، فإنّا نعلم بالاضطرار الفرق بين الحي، والقدير، والعليم، والملك، والقدوس، والغفور. . . ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلامًا وجامدات لا تدل على معنى لم يكن فرق فيها بين اسم واسم، فلا يلحد في اسم دون، اسم ولا ينكر عاقل اسمًا دون اسم، بل قد يمتنع عن تسميته مطلقًا. . . فهذا ونحوه قرمطة ظاهرة من هؤلاء الظاهرية الذين يدعون الوقوف مع الظاهر، وقد قالوا بنحو مقالة القرامطة الباطنية (٣) في باب توحيد اللَّه وأسمائه

стр. 7330

وصفاته مع ادعائهم الحديث ومذهب السلف، وإنكارهم على الأشعري وأصحابه أعظم إنكار، ومعلوم أن الأشعري وأصحابه أقرب إلى السلف والأئمة ومذهب أهل الحديث في هذا الباب من هؤلاء بكثير" (١). [٦٣/ ٤] المسألة الثالثة والستون: من جحد أو شك في محمد ﷺ كفر . • المراد بالمسألة: من المتقرر أن اللَّه تعالى خلق نبيًا لهذه الأمة اسمه محمد، فمن حجد وجوده ﵊، أو صفاته التي وصفه اللَّه تعالى من كريم خُلُقه، أو جحد صدقه، أو شك في شيء من ذلك فقد كفر. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من آمن باللَّه تعالى وبرسوله ﷺ ، وبكل ما أتى به ﵇ مما نقل عنه نقل الكافة، أو شك في التوحيد أو في النبوة أو في محمد ﷺ . . . فإن من جحد شيئًا مما ذكرنا، أو شك في شيء منه، ومات على ذلك، فإنه كافر مشرك، مخلد في النار أبدًا" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب الأثر والنظر: • أولًا: من الأثر: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ (٤). ٣ - قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٥). • وجه الدلالة من الآيات الثلاث السابقة: الآيات صريحة بأن محمد ﷺ

стр. 7331

رسول من عند اللَّه، وأنه من أنبياءه الذين يجب الإيمان بهم. ٤ - ما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي ببعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) (١). ٥ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (٢). ٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (فضلت على الأنبباء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (٣). ٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي. . . الحديث) (٤). ٨ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا، فقال علي ﵁: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي) (٥). ٨ - عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي،

стр. 7332

وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي) (١). • وجه الدلالة من الأحاديث السابقة: هذه جملة من الأحاديث تدل دلالة صريحة على نبوة نبينا محمد ﷺ ، فمن حجده ﵊ أو الشك فيه يلزم منه تكذيب القرآن الذي نزل عليه ﷺ ، وصرح بنبوته في أكثر من آية. • ثانيًا: من النظر: أن جحد النبي ﷺ أو الشك فيه طريق إلى تكذيب جميع أحاديث السنة، مما يلزم منه تكذيب الشريعة بأكملها، وليس بعد هذا كفر. وكذا لو شك في شيء من كريم صفاته ﵊ فإنه تكذيب لقول اللَّه تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ (٢). وهو قدح في القرآن وفي الشريعة من جهة أنه ﵇ هو المبلغ عن ربه. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦٤/ ٤] المسألة الرابعة والستون: من جحد أو شك في نبوة محمد ﷺ كفر . • المراد بالمسألة: هذه المسألة قريبة من التي قبلها لكنها أخص من جهة الشك في نبوته ﷺ ، فلو أقر شخص بأن محمد ﷺ خلقه اللَّه تعالى، وجعل له عظيم الأخلاق، وأوحى إليه ما أوحى، لكنه مع ذلك جاحد أو شاك في أنه نبي من أنبياء اللَّه تعالى أرسله اللَّه بشيرًا ونذيرًا لأمته، وجعل يشك أو يقرر أنه مجرد رجل صالح أعطاه اللَّه الحكمة كلقمان، أو ذي القرنين، فإنه بذلك كافر. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من آمن باللَّه تعالى وبرسوله ﷺ ، وبكل ما أتى به ﵇ مما نقل عنه نقل الكافة، أو شك في التوحيد أو في النبوة أو في محمد ﷺ . . . فإنه من جحد شيئًا مما ذكرنا، أو شك في شيء منه، ومات على ذلك، فإنه كافر مشرك، مخلد في النار أبدًا" (٣).

стр. 7333

وقال العيني (٨٥٥ هـ): "من جحد نبوة محمد -مثلًا- كان كافرًا، ولو لم يجعل مع اللَّه إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن من شك أو جحد نبوته ﵇ فقد كذب القرآن في آيات كثيرة من كتابه تعالى، منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. . .﴾ الآية (٢). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ (٣). ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ (٤). ٤ - قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ (٥). ٥ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ (٦). • وجه الدلالة من الآيات: في هذا الآيات دلالة صريحة على أن نصوص الكتاب والسنة متوافرة على تقرير نبوة نبينا محمد ﷺ ، فمن حجد ذلك أو شك فيه فقد شك في جملة من الآيات والأحاديث الصريحة الصحيحة، وذلك كفر مخرج من الملة. ٦ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ

стр. 7334

مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١). • وجه الدلالة من الآية: من بلغته هذه الآية فإما أن يكذب به، وهذا كفر، وإما أن يزعم أن النبي ﷺ لم يأت بعد وسيأتي اللَّه بنبي يحكم بشريعة جديدة، وهذا أشد كفرًا، إذ يلزم منه تكذيب أحاديث النبي ﷺ جملة، أو على الأقل تكذيب ما أخبر بها أنه نبي، أو أنه خاتم الأنبياء، أو نحو ذلك، وهي أحاديث متوافرة مشتهرة، صحيحة صريحة، لا مجال لإنكارها، وقد سبق جملة منها قريبًا (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦٥/ ٤] المسألة الخامسة والستون: من جحد أو شك في حرف واحد مما أتى به محمد ﷺ كفر . • المراد بالمسألة: هذه المسألة قريبة من سابقتيها لكنها أخص من جهة أنها إنكار لما جاء به النبي ﷺ أو بعضه، فلو أن شخصًا أقر بمحمد ﷺ ، وأنه نبي أرسله اللَّه تعالى، فقد أقر بالمسألتين السابقتين، لكنه مع هذا الإقرار كان جاحدًا لبعض ما ثبت عن النبي ﷺ ، بأن جحد أن النبي ﷺ قاله مع علمه بأنه كاذب فيما زعمه، أو جحد صدق ما قاله ﷺ ، أو كان شاكًا في ذلك، فإنه كافر بذلك الجحود والشك، ولو كان المجحود حرفا واحدًا. ويتبين مما سبق أنه لو شك أو جحد ثبوته عن النبي ﷺ مجتهدًا في ذلك، أو متاولًا، فإن هذه مسألة أخرى غير مرادة في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من آمن باللَّه تعالى

стр. 7335

وبرسوله ﷺ ، وبكل ما أتى به ﵇ مما نقل عنه نقل الكافة، أو شك في التوحيد. . . أو في حرف مما أتى به ﵇ أو في شريعة أتى بها ﵇ مما نقل عنه نقل كافة، فإن من جحد شيئًا مما ذكرنا، أو شك في شيء منه، ومات على ذلك، فإنه كافر مشرك، مخلد في النار أبدًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن النبي ﷺ لا ينطق إلا عن وحي منه تعالى، قال ابن كثير في تفسيره: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ أي: ما يقول قولا عن هوى وغرض، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ أي: إنما يقول ما أمر به، يبلغه إلى الناس كاملًا موفَّرًا من غير زيادة ولا نقصان" (٣)، فتكذيب حرف مما أتى به النبي ﷺ تكذيب لما أوحي إليه، وهو تكذيب للَّه تعالى، وطريق لتكذيب الشرع أيضًا، وكفى به كفرًا. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦٦/ ٤] المسألة السادسة والستون: من جحد أو شك في شريعة أتى بها محمد ﷺ مما نقل عنه نقل كافة فإنه كفر . • المراد بالمسألة: هذه المسألة داخلة ضمنًا في المسألة التي قبلها، إلا أن المسألة السابقة خاصة بإنكار شيء من أقواله ﷺ ، وهذه المسألة فيها عموم من جهة أن فيها إنكار لشريعة شرعها النبي ﷺ ، سواء بقول أو فعل أو تقرير. فإن من الشرائع ما لم يرد فيها نص حرفي عن المصطفى ﷺ ، لكن ثبتت

стр. 7336

الشريعة من فعله ﵊، كتشريع صلاة الظهر أو العصر بأربع ركعات مثلًا، فليس عن النبي ﷺ أن الظهر أو العصر أربعًا، وأن الزيادة أو النقصان عن ذلك لا يصح، لكن هذا مما ثبت بفعله ﵊، فكان يصلي أربعًا، ولما صلى مرة خمسًا سجد للسهو، وكذا صلى مرة ركعتين ثم سلم، فلما علم بذلك قام فأتم أربعًا وسجد للسهو، فعلمنا من كل ذلك أن الصلاة أربعًا لا تصح الزيادة عليه ولا النقصان. فمن شك في شريعة أتى بها النبي ﷺ ، أو جحدها، وقد صح بها الخبر متواترًا بنقل الجماعة عن الجماعة، كالصلاة، أو الزكاة، أو رجم الزاني، أو قطع يد السارق، أو غير ذلك من الشرائع، فإنه يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. ويتحصل مما سبق أن إنكار الشريعة المعينة، أو الشك فيها إن كان مبناها على أن الحديث لم يصح، أو في صحته تردد فإن ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم: (٤٥٦ هـ) "اتفقوا أن من آمن باللَّه تعالى وبرسوله ﷺ ، وبكل ما أتى به ﵇ مما نقل عنه نقل الكافة، أو شك في التوحيد. . . أو في شريعة أتى بها ﵇ مما نُقل عنه نقل كافر، فإن من جحد شيئًا مما ذكرنا، أو شك في شيء منه، ومات على ذلك، فإنه كافر مشرك، مخلد في النار أبدًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على المسألة أن تكذيب شريعة أتى بها النبي ﷺ تكذيب للقرآن، ولصريح السنة، وهو طريق لإنكار الشرع. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7337

[٦٧/ ٤] المسألة السابعة والستون: المتعمد للنطق بما يوجب الكفر يكفر وإن لم يعتقد . • المراد بالمسألة: لو تعمد الإنسان المكلف التلفظ بكلمة تحكم على قائلها بالكفر، لكنه لم يكن يعتقد ما قاله، كأن يكون تلفظ من باب الهزل أو إرادة إضحاك الغير، أو نحو ذلك، فإنه يكفر بمجرد التلفظ، إن توفرت الشروط وانتفت الموانع. وينبه إلى أنه إن كان معذورًا في مقالته تلك كأن يكون قالها مكرهًا، أو تلفظ بها وهو لا يدري معناها، أو لم يتعمد التلفظ بها بل كانت من سبق لسانه، أو نحو ذلك من الأعذار فكل ذلك ليس مرادًا في مسألة الباب. وكذا لو كانت الكلمة ليست كفرًا صريحًا، لكن يلزم منها القول بالكفر، أو كان الكفر من باب الأفعال لا الأقوال كالسجود مثلًا، أو كانت مقالته للكفر من باب الحكاية عن شخص آخر تلفظ بها، فكل ذلك غير مراد في الباب أيضًا. • من نقل الإجماع: قال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأمة" (١)، ونقله عنه القرطبي (٢). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم، أنه يفسد صومه، وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم في أثناء اليوم، أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاده ما يكفر به، أو شكه فيما يكفر بالشك فيه، أو بالنطق بكلمة الكفر، مستهزئا أو غير مستهزئ" (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "ومن ارتد عن الإسلام أفطر بغير خلاف نعلمه، إذا ارتد في أثناء الصوم فعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد

стр. 7338

ما يكفر به، أو شكه، أو النطق بكلمة الكفر مستهزئا أو غير مستهزئ" (١). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "يكفر المتعمد للنطق وإن لم يعتقد، إجماعًا" (٢). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "من أتى بقول أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين كفر إجماعًا" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حكم عليهم بالكفر بمجرد تلفظهم بما قالوه؛ لأنه من باب الاستخفاف بالدين، قال ابن تيمية: "أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم، مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات اللَّه كفر" (٥). وقد ذكر البزدوي في أصوله كلامًا حاصله أنه ليس موجب تكفير من نطق هازلًا بكلمة كفر اعتقاده ما نطق به، بل يحكم بكفره باعتبار أن نفس الهزل بالكفر كفر؛ لأن الهازل -وإن لم يكن راضيًا بحكم ما هزل به لكونه هازلًا فيه- فهو جاد في نفس التكلم به، مختار للسبب، راضٍ به، فإذا سب النبي ﵇ هازلًا، أو دعا للَّه تعالى شريكًا هازلًا، أو نحو ذلك، فهو راضٍ بالتكلم به، مختار لذلك. والمقصود أنه إن لم يكن معتقدًا لما يدل عليه كلامه فإن التكلم بمثل هذه الكلمة هازلًا استخفاف بالدين الحق، وهو كفر كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ

стр. 7339

سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (١)، فصار المتكلم بالكفر بطريق الهزل مرتدًا بعين الهزل لاستخفافه بالدين الحق، لا باعتقاد ما هزل به (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٦٨/ ٤] المسألة الثامنة والستون: من يقول بقدم العالم كفر . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف القديم: القديم لغةً: قال ابن منظور: "القِدَمُ: نَقِيضُ الحُدوث، قَدُمَ يَقْدُم قِدَمًا وقَدامةً، وتَقادَمَ، وهو قدِيم، والجمع: قُدماء، وقُدامى، وشيء قُدَامٌ: كقَدِيم" (٣). قال الخليل: "القِدَم: مصدر القديم من كل شيء" (٤). وقال الفيومي: "قَدُم: الشيء بالضمْ "قِدَمًا" -وِزان عنب-: خلاف حدث، فهو قديم، وعيب قديم: أي سابق زمانه متقدم الوقوع على وقته" (٥). فالقِدَم: مصدر القديم، وهو بمعنى الحادث، أو المتقدم على غيره. • القديم في اصطلاح الشرع: قال ابن تيمية: "أما لفظ القديم فهو في اللغة المشهورة، التي خاطبنا بها الأنبياء: يراد به ما كان متقدمًا على غيره تقدمًا زمانيًا، سواء سبقه عدم، أو لم يسبقه" (٦).

стр. 7340

وقال أيضًا: "اللغة التي نزل بها القرآن فالقديم فيها خلاف المحدث، وهما من الأمور النسبية، فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث، والمتأخر محدث بالنسبة إلى ذلك القديم، وإن كانا كلاهما محدثين بالنسبة إلى من تقدمهما، وقديمين بالنسبة إلى من تقدماه، ولم يوجد في لغة القرآن لفظ القديم مستعملًا إلا فيما يقدم على غيره، وإن كان موجودًا بعد عدمه" (١). • القديم في اصطلاح المتكلمين: قال ابن تيمية: "القديم في اصطلاح المتكلمين: هو ما لا أول لوجوده، وما لم يسبقه عدم، فكل ما كان بعد العدم فهو عندهم محدث، وكل ما كان لوجوده ابتداء فهو عندهم محدث، ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره، هل يسمى قديمًا حقيقة أو مجازًا؛ على قولين لهم" (٢). ويتحصل مما سبق أن لفظ القديم قد يراد به أحد معنيين: الأول: قديم باعتبار الذات، وحاصله: الذي ما زال موجودًا ليس لوجوده أول، المتقدم على غيره مطلقًا دون أن يسبقه عدم. الثاني: قديم باعتبار الزمان: وهو المتقدم على غيره، مع وجود غير آخر متقدم عليه، وهذا يكون مسبوقًا بالعدم. وقد بيَّن هذا التقسيم ابن تيمية فقال: "ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال؛ فقد يراد بالقديم الشيء المعين، الذي ما زال موجودًا ليس لوجوده أول. ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئًا بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم وليس شيء منه بعينه قديمًا، ولا مجموعه قديم، ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار" (٣). والمراد بمسألة الباب هو النوع الأول، بأن العالم لا أول لوجوده، وأنه لم

стр. 7341

يُسبق بعدم، وهو قول الملاحدة الفلاسفة الذين يسمون الخالق العلةَ الأولى، أو مبدأَ الوجود، ويقولون إنه علة تامة للموجودات، والعلة التامة تستلزم معلولها، فهذا العالم قديم بقدم علته، أي أن وجوده لم يُسبق بعدم. وأول من ابتدع هذا القول أرسطو طاليس (١)، ثم نشرها أبو نصر الفارابي (٢) (٣). • ثانيًا: صورة المسألة: فمن قال بأن ذات السماوات، أو الأرض، أو أي فلك من الأفلاك، أي غير ذلك من العالم، أنه قديم بذاته لا أول لوجوده، ولم يسبقه عدم فقوله ذلك كفر. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) في فصل عقده لجملة من الاعتقادات التي يكفر فيها المخالف قوله: "اتفقوا. . . أن العالم كله مخلوق" (٤). وقال ابن جزي (٧٤١): "لا خلاف في تكفير من نفى الربوبية أو الوحدانية. . . أو قال بقدم العالم" (٥). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "من اعترف بإلهية اللَّه ووحدانيته، ولكنه اعتقد أنه غير حي، أو غير قديم، وأنه محدث، أو

стр. 7342

مصور، أو ادعى له ولدًا، أو صاحبة، أو والدًا، أو متولدًا من شيء، أو كائنًا عنه، أو أن معه في الأزل شيئًا قديمًا غيره، أو أنّ ثم صانعًا للعالم سواه، أو مدبرًا غيره، فذلك كله كفر بإجماع المسلمين" (١)، ونقله عنه ابن حجر (٢)، وأبو زيد القيرواني (٣). وحكى ابن تيمية (٧٢٧ هـ) القول بقدم العالم ثم قال: "وهذا كفر باتفاق أهل الملل: المسلمين، واليهود، والنصارى" (٤). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "فمن أشرك باللَّه. . . أو اعتقد قدم العالم، وهو ما سوى اللَّه، أو اعتقد حدوث الصانع جل وعلا، فهو كافر؛ لتكذيبه للكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٦). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (٧). ونحوها من الآيات الدالة على خلق السماوات والأرض. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن السماوات والأرض مخلوقتان بعد أن لم تكونا موجودتين. ٣ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (كتب اللَّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، -قال-: وعرشه على الماء) (٨).

стр. 7343

٤ - عن عمران بن حصين ﵄ قال: دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: (اقبلوا البشرى يا بني تميم) قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم) قالوا: قد قبلنا يا رسول اللَّه، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: (كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض) (١). وفي رواية أخرى للبخاري بلفظ: (كان اللَّه ولم يكن شيء قبله) (٢). وأما لفظ: "لم يكن شيء معه" فليس في شيء من كتب السنة، لكن الحديث مخرجه واحد والقصة متحدة، فلا بد أن يكون أحد اللفظين صحيحًا والآخر روي بالمعنى، فمن أهل العلم من مال إلى الرواية الأولى منهم ابن حجر (٣)، وأن قوله: "ولم يكن شيء غيره"، هي بمعنى لم يكن شيء معه. ٥ - عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول اللَّه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: (كان في عماء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء)، قال أحمد بن منيع قال يزيد بن هارون: العماء أي ليس معه شيء (٤). قال المباركفوري: "كأنه قال: كان ولم يكن معه شيء، بل كل شيء كان عدمًا، عمى، لا موجودًا، ولا مدركًا، والهواء الفراغ أيضًا العدم، كأنه قال: كان ولا شيء معه ولا فوق ولا تحت انتهى. قلت: إن صحت الرواية "عمى" -بالقصر- فلا إشكال في هذا الحديث، وهو حينئذ في معنى حديث "كان اللَّه ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه

стр. 7344

على الماء"" (١). ٦ - عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: "اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر"، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (٢). ٧ - أن هذا القول يرده العقل، قال ابن تيمية: "إن هؤلاء يقولون بقدم الأفلاك، وأن ذلك لم يزل قديمًا أزليًا، وما كان قديمًا أزليًا امتنع أن يكون مفعولًا بوجه من الوجوه، ولا يكون مفعولًا إلا ما كان حادثًا، وهذه قضية بدهية عند جماهير العقلاء، وعليها الأولون والآخرون من الفلاسفة، وسائر الأمم، ولهذا كان جماهير الأمم يقولون كل ممكن أن يوجد، وأن لا يوجد، فلا يكون إلا حادثًا" (٣). ٨ - الإجماع الحاصل على حدوث العالم، قال أبو الحسن الأشعري: "اعلموا أرشدكم اللَّه أن مما أجمعوا -رحمة اللَّه عليهم- على اعتقاده مما دعاهم النبي إليه ونبههم بما ذكرناه على صحته: أن العالم بما فيه من أجسامه وأعراضه محدث، لم يكن ثم كان، وأن لجميعه محدِثًا واحدًا، اخترع أجناسه وأحدث جواهره وأعراضه، وخالف بين أجناسه" (٤). وقال عبد القاهر البغدادي: "أما الركن الثاني -وهو الكلام في حدوث العالم-: فقد أجمعوا على أن العالم كل شئ هو غير اللَّه ، وعلى أن

стр. 7345

كل ما هو غير اللَّه تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع، وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم ولا من جنس شيء من أجزاء العالم" (١). وقال ابن دقيق العيد: "حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع والتواتر بالنقل عن صاحب الشريعة" (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل السنة والجماعة (٣).

стр. 7346

[٦٩/ ٤] المسألة التاسعة والستون: من شك في براءة عائشة ﵂ مما رميت به كفر . • المراد بالمسألة: عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين زوج النبي ﷺ رميت بالزنى في حياتها، فبرأها اللَّه تعالى بآيات قرآنية، فمن رمى عائشة بالزنى بعد نزول هذه الآيات، أو شك في براءتها من الزنى فإنه كافر. يتحصل مما سبق أن من سب عائشة بغير القذف بالزنى فإن ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان -والعياذ

стр. 7347

باللَّه- صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم" (٢). وقال الزركشي (٧٧٣ هـ): "الطاعن في عائشة ﵂ بالقذف كافر إجماعا" (٣). وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): "وقد أجمع العلماء، ﵏، قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن" (٤). وقال العراقي (٨٠٦ هـ): "براءة عائشة ﵂ من الإفك براءة قطعية بنص القرآن، فلو شك فيها إنسان -والعياذ باللَّه تعالى- صار كافرًا، مرتدًا، بإجماع المسلمين" (٥). وقال الحجاوي (٩٦٠ هـ): "من قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه: كفَر بلا خلاف" (٦). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف" (٧). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "قذف عائشة ﵂ بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف" (٨). وقال ابن ضويان (١٣٥٣ هـ): "من قذف عائشة بما برأها اللَّه منه كفر بلا خلاف" (٩). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ

стр. 7348

لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن القرآن صرح ببراءة أم المؤمنين عائشة ﵂، فمن شك في براءتها أو أنكر ذلك فقد شك في القرآن، فإن قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ يعني في قذف عائشة ﵂ (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الخبيثات للخبيثين، والطيبات للطيبين، فإن كانت عائشة زانية فهي خبيثة، ويقتضي ذلك أن يكون النبي ﷺ خبيثًا -والعياذ باللَّه-، وذلك كفر (٤). ٣ - أخرج البخاري ومسلم قصة الإفك وبراءة عائشة مما رميت به في

стр. 7349

حديث طويل ولفظ مسلم فيه: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه، قالت عائشة فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول اللَّه ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه، ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فادلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، وواللَّه ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو

стр. 7350

يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول اللَّه ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول اللَّه ﷺ فيسلم ثم يقول كيف تيكم، فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع -وهو متبرزنا- ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمْرُنا أمر العرب الأول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح -وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب- فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قِبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا قد شهد بدرًا، قالت: أي هنتاه، أوَلم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول اللَّه ﷺ ، فسلم، ثم قال: كيف تيكم؟ قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول اللَّه ﷺ ، فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك، فواللَّه لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثَّرن عليها. قالت: قلت: سبحان اللَّه، وقد تحدث الناس بهذا؟ ! قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، ودعا رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول اللَّه ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال يا رسول اللَّه: هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالب فقال: لم يضيق اللَّه عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول اللَّه

стр. 7351

- ﷺ بريرة، فقال: (أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة) قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، قالت: فقام رسول اللَّه ﷺ على المنبر فاستعذر من عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر: (يا معشر المسلمين: من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فواللَّه ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول اللَّه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن اجتملته الحمية-، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال: لسعد بن عبادة كذبت، لعمر اللَّه لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى همُّوا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول اللَّه ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول اللَّه ﷺ حين جلس، ثم قال: (أما بعد، يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللَّه وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب اللَّه عليه).

стр. 7352

قالت: فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول اللَّه ﷺ فيما قال، فقال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ ، فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن-: إني واللَّه لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فإن قلت لكم إني بريئة واللَّه يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر واللَّه يعلم أني بريئة لتصدقونني، وإني واللَّه ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١)، قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا واللَّه حينئذ أعلم أني بريئة، وأن اللَّه مبرئي ببراءتي، ولكن واللَّه ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللَّه في بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها، قالت: فواللَّه ما رام رسول اللَّه ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللَّه على نبيه ﷺ ، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُري عن رسول اللَّه ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: (أبشري يا عائشة أما اللَّه فقد برأك) فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: واللَّه لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا اللَّه، هو الذي أنزل براءتي، قالت: فأنزل اللَّه : عشر آيات فأنزل اللَّه هؤلاء الآيات براءتي. . . الحديث (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم

стр. 7353

من السنة والجماعة. وإن كان بعض أهل العلم كابن العربي وغيره حكى عن الشافعية قولًا بأن من قذف عائشة فإنه لا يكفر، وهذا ليس بدقيق، وإنما الذي حكاه بعض الشافيعة قولان هو في مسألة من سب عائشة ﵂، لا فى مسألة القذف، واللَّه تعالى أعلم (١). [٧٠/ ٤] المسألة السبعون: من أوجب حكمًا من غير دليل، أو نقص من الدين شيئًا، أو بدل شيئًا منه مكان آخر، كفر . • المراد بالمسألة: إذا أوجب شخص حكمًا لم يوجبه اللَّه تعالى، ولم يكن له في الإيجاب دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، أو تأويل، من استحسان، أو اعتبار مصلحة، أو نحو ذلك، فإنه يكفر بذلك، ومثله من أنقص شيئًا من أحكام الشريعة المجمع عليها كإنكار قطع يد السارق، وكذا من بدل حكمًا مكان حكم آخر، بأن جعل القصاص على من سرق، أو الاكتفاء بالجلد على من زنى وهو محصن، فكل من فعل ذلك بلا شبهة أو تأويل فإنه كافر، إذا توفرت الشروط انتفت الموانع. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أنه مذ مات النبي ﷺ فقد انقطع الوحي، وكمل الدين واستقر، وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئًا من رأيه بغير استدلال منه، ولا أن ينقص منه شيئًا، ولا أن يبدل شيئًا مكان شيء، وأن من فعل ذلك كافر" (٢).

стр. 7354

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الأثر والنظر: • أولًا: من الأثر: ١ - قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ (٢). • وجه الدلالة: في الآيتين السابقتين دلالة على أن اللَّه قد أتم الشريعة، ولم يمت النبي ﷺ حتى أكمل اللَّه به الدين. قال ابن رجب: "فأما العبادات، فما كان منها خارجًا عن حكم اللَّه ورسوله بالكلية، فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣)، فمن تقرَّب إلى اللَّه بعمل لم يجعله اللَّه ورسولُه قربة إلى اللَّه، فعمله باطلٌ مردودٌ عليه، وهو شبيهٌ بحالِ الذين كانت صلاتُهم عندَ البيت مُكاء وتصدية، وهذا كمن تقرَّب إلى اللَّه تعالى بسماع الملاهي، أو بالرَّقص، أو بكشف الرَّأس في غير الإحرام، وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع اللَّه ورسولُه التقرُّب بها بالكلية" (٤). ٣ - عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٥). وفي رواية لمسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٦). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن كل عمل ليس عليه أمر اللَّه ورسوله فإنه مردود، غير مقبول.

стр. 7355

• ثانيًا: من النظر: يمكن أن يعلل بأن تبديل الشرع بالزيادة أو النقص سبيل لإبطال الشرع بأكمله. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٧١/ ٤] المسألة الحادية والسبعون: من قال: أنا لا آخذ عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال: آخذ عن قلبي عن ربي، كفر . • المراد بالمسألة: من أنكر أخذ الشرائع عن أنبياء اللَّه تعالى، وزعم أنه يتلقى الوحي عن ربه مباشرة، بأن يلقي اللَّه في قبله الأحكام فيعلم ذلك الشخص بأن هذا الذي وقع في قلبه هي من الأحكام التي أنزلها اللَّه له، فيعمل بمقتضاها، ثم يسند ذلك قائلا: حدثني قلبي عن ربي بكذا، ويستغني بذلك عن الكتاب والسنة، أو عن جملة منها، فكل ذلك كفر مخرج من الملة. • من نقل الإجماع: قال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "وقد بلغنا عن بعضهم أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وكذا قال آخر: أنا آخذ عن قلبي عن ربي، وكل ذلك كفر باتفاق أهل الشرائع" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه أخبر بأن النبي ﷺ مبلغ عن ربه، وقد سبق تقرير أن الشرع قد تم وكمُل بوفاة نبينا محمد ﷺ ، فمن لم يأخذ عن الأنبياء فقد قدح فيهم، وقدح في نبينا ﷺ من جهة أن فيه تهمة للنبي ﷺ بأنه لم يبلغ جميع الشرع.
следующие страницы →