← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ (١). ٢ - عن جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: "سألت رسول اللَّه ﷺ عن نظر الفجاءة؟ فأمرني أن أصرف بصري" (٢). ٣ - عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) (٣). ٤ - نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم النظر للأجنبية بشهوة، كما قال ابن حجر: "وقد أجمعوا على أن الأجنبية يحرم النظر إليها مؤمنة كانت أو كافرة" (٤). ونقل الإجماع أيضًا ابن حجر الهيتمي (٥)، والرملي (٦)، وغيرهم (٧). إذا تقرر هذا فإن من استحل النظر للأجنبية بشهوة فقد كذب الكتاب، والسنة، والإجماع، وذلك كفر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨٤/ ٤] المسألة الرابعة والثمانون: استحلال الفواحش كفر . • المراد بالمسألة: الفاحشة لغة: الفاحشة في لغة العرب تطلق على كل ما قبُح من الأقوال والأفعال (٨)، قال الأزهري: "وكل شيء جاوز حده وقدره

стр. 7387

فهو فاحش" (١). • أما في الاصطلاح: فترد الفاحشة في نصوص الشارع ويراد بها كل ما اشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، كشرب الخمر، والقتل بغير الحق، وكثيرًا ما ترد الفاحشة في النص الشرعي بمعنى الزنا أو اللواط (٢). والفواحش المرادة هنا في مسألة الباب فاحشة الزنا واللواط. فمن استحل شيئًا من ذلك فقد كفر، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق، ولا يحرِّم ما حرم اللَّه ورسوله، من الفواحش، والظلم، والشرك، والإفك، فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة المسلمين، ولا يغني عنه التكلم بالشهادتين" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ (٥). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٦). ٤ - قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا

стр. 7388

تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (١). ٥ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ (٢). ٦ - قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾ (٣). ٧ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا أحد أغير من اللَّه، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من اللَّه، ولذلك مدح نفسه) (٤). • وجه الدلالة من النصوص السابقة: أن نصوص السابقة جاءت صريحة بتحريم الفواحش، فمن استحلها، فقد استحل ما حرمه اللَّه تعالى. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨٥/ ٤] المسألة الخامسة والثمانون: من سب نبيًا قُتل . • المراد بالمسألة: مما استقرت عليه نصوص الشريعة أن للَّه تعالى أنبياء أرسلهم اللَّه تعالى يبلغون رسالات ربهم، وقد سمى اللَّه بعضهم مع ذكر قصصهم، وسمى آخرين دون ذكر قصصهم، وثمة أنبياء آخرين لم يسمهم اللَّه تعالى، ومما حكمت به هذه الشريعة وجوب الإيمان بكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن آدم إلى نبينا محمد ﷺ ، ومن سب واحدًا منهم ممن أُجمع

стр. 7389

على نبوته فيجب قتله ردة، إلا إن تاب. ويتحصل مما سبق أنه لو كان ممن في نبوته خلاف كلقمان، أو كان من سبه قد تاب، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو حكم الحاكم بقتله من باب التعزير لا من باب الردة فتلك مسألة مخالفة لمسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال إسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن من سب اللَّه ، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل اللَّه تعالى، أو قتل نبيًا من أنبياء اللَّه تعالى، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل اللَّه"، نقله عنه ابن عبد البر (١) وابن تيمية (٢). وقال محمد بن سحنون (٢٥٦ هـ): "أجمع العلماء أن شاتم النبي ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب اللَّه له، وحكمه عند الأمة: القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر"، نقله عنه القاضي عياض (٣). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ). "من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكذب فيما بلغه، وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه، أو قال إنه لم يبلغ، أو استخف به، أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم، أو قتل نبيًا، أو حاربه، فهو كافر بإجماع" (٤). وذكر النووي (٦٧٦ هـ) أن تنقيص الأنبياء "كفر بلا خلاف" (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "من سب نبيًا من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء" (٦). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي:

стр. 7390

١ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ (٤). ٥ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ. . .﴾ الآية (٥). ٦ - قال تعالى بعد ذكره لجملة من الأنبياء: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى

стр. 7391

وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ (١). ٧ - وقال تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ (٢)، أي كذب بأنبياء اللَّه تعالى كما قاله القرطبي (٣). • وجه الدلالة من الآيات السابقة: في الآيات السابقة دلالة صريحة على وجوب الإيمان بجميع الرسل، وأن الإيمان ببعض دون ببعض كفر بهم جميعًا. • المخالفون للإجماع: نقل ابن حزم خلافًا في مسألة الباب فقال: "اختلف الناس فيمن سب النبي ﷺ ، أو نبيًا من الأنبياء ممن يقول أنه مسلم، فقالت طائفة: ليس ذلك كفرًا، وقالت طائفة: هو كفر، وتوقف آخرون في ذلك" (٤). وهذا الخلاف وإن كان في قتل من سب نبيًا لا في كفره، إلا أن مسألة الباب مبينة على أن القتل من باب الردة. • دليل المخالف: استدل القائلون بأن من سب نبيًا فإنه لا يقتل ردة بما في الصحيحين من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: واللَّه إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه اللَّه، فقلت: واللَّه لأخبرن النبي ﷺ ، فأتيته، فأخبرته، فقال: (فمن يعدل إذا لم يعدل اللَّه ورسوله، رحم اللَّه موسى؛ قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) (٥).

стр. 7392

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ للخلاف الذي حكاه ابن حزم في المسألة. [٨٦/ ٤] المسألة السادسة والثمانون: الدروز كفار . • المراد بالمسألة: الدروزية طائفة ذات معتقد باطل، بيَّنه شيخ الإسلام فقال: "أما الدرزية فأتباع هشتكين الدرزي، وكان من موالي الحاكم، أرسله إلى أهل وادي تيم اللَّه بن ثعلبة، فدعاهم إلى إلاهية الحاكم، ويسمونه الباري العلام، ويحلفون به، وهم من الإسماعيلية القائلين بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد اللَّه، وهم أعظم كفرًا من الغالية، يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله، أو مجوسًا، وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهروا التشيع نفاقًا" (١)، فكل مسلم انتحل هذا المعتقد فإنه كافر، يعامل معاملة المرتد عن الإسلام. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الدرزية والنصيرية (٢) كفار

стр. 7393

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7394

باتفاق المسلمين" (١). وقال في موضع آخر ردا على بعض طوائف الدروز: "كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون" (٢). • مستند الإجماع: يدل على كفر الدرزية كفر معتقدهم الفاسد، كادعاء نسخ الشريعة المحمدية، أو جحد واجبات الإسلام، أو إنكار محرماته، وغير ذلك مما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم، وكل تلك المعتقدات كفر، كما هو مبين في ثنايا هذا الفصل بتفصيل الأقوال والأدلة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7395

[٨٧/ ٤] المسألة السابعة والثمانون: تكفير القائلين بوحدة الأديان . • المراد بالمسألة: مما هو معلوم أن الدين السماوي (١) الذي أنزله اللَّه تعالى على أنبياءه كله حق يجب الإيمان به، سواء أنزل على موسى، أو عيسى، أو على نبينا محمد ﷺ ، أو على غيره من الأنبياء، وشرائعهم كلها حق يجب الإيمان بها، فيؤمن كل قوم بشريعة من أنزل إليه، حتى بعث اللَّه نبينا محمد ﷺ ، فصار دينه وشرعه ناسخًا لجميع تلك الشرائع، فلا يقبل غير شريعة محمد ﷺ ، ومن زعم أن الشرائع السماوية كلها سواء، فالإيمان بشريعة نبي من الأنبياء يكفي عن الإيمان بغيره، فقد كفر. فإذا ادعى أحد إن اليهودي إذا آمن بدين موسى ﵇ وشرعه، فهو على حق، ولا يلزمه الإيمان بشريعة محمد ﷺ ، أو أن النصراني إذا آمن بدين عيسى ﵇ فهو على حق، ولا يلزمه الإيمان بشريعة محمد ﷺ ؛ اكتفاء بالشريعة السماوية التي معه، فكل ذلك كفر مخرج من الملة. ومسألة الباب منهم من يسميها بـ "التقريب بين الأديان"، ويسميها آخرون بـ "التآخي بين الأديان"، وكلها مصطلحات لمعنى واحد، محصلها أن شرائع الأنبياء كلها من عند اللَّه تعالى، والإيمان بواحد منها يكفي عن غيرها، ويتحصل صاحبها على عصمة الدم والمال، وشريعة محمد ﷺ ليست ناسخة للشرائع السابقة.

стр. 7396

ويتبين مما سبق أن مسألة اعتقاد أن الأنبياء جميعا دينهم واحد، ليست مرادة في مسألة الباب، فإن هذا معلوم في الشرع، ومستقر في نصوص الكتاب والسنة أن جميع الرسل بعثوا بدين واحد محصله عبادة اللَّه تعالى وحده لا شريك له، وقد أجمع أهل العلم على ذلك، بل أجمعوا على كفر من أنكره، كما بُين في أول مسائل هذا الفصل. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين، أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر" (١). وقال أيضًا: "وقول القائل: المعبود واحد وإن كانت الطرق مختلفة ونحو ذلك من الأقوال والأفعال التي تتضمن: إما كون الشريعة النصرانية أو اليهودية المبدلين المنسوخين موصلة إلى اللَّه، وإما استحسان بعض ما فيها مما يخالف دين اللَّه أو التدين بذلك، أو غير ذلك مما هو كفر باللَّه ورسوله وبالقرآن وبالإسلام بلا خلاف بين الأمة" (٢). • مستند الإجماع: مما يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ (٣). • وجه الدلالة: بين اللَّه تعالى أن ثمة صراط مستقيم، ثم بين أن دين اليهود والنصارى خارج عن هذا الصراط، فهم إما مغضوب عليهم، أو ضالين. ٢ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤). • وجه الدلالة: الآية صريحة بكفر النصارى القائلين بأن اللَّه ثالث ثلاثة،

стр. 7397

والقول بوحدة الأديان أن فيه كف ألسنة المسلمين عن تكفير اليهود والنصارى، وهذا مخالف للنصوص الصريحة بتكفيرهم. ٣ - أن في هذا القول إبطال للجهاد، أو إبطال للجزية التي فرضها اللَّه تعالى على أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (١). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (٢). ٥ - أن اليهود والنصارى قد ارتكبوا ما استقرت عليه نصوص الشريعة، وأجمع أهل العلم على أنه كفر، كقول اليهود بأن عزيرًا ابن اللَّه، وقول النصارى المسيح ابن اللَّه، وكتكذيب كلا الطائفتين بما جاء به نبينا محمد ﷺ ، وتكذيبهم بالقرآن الكريم، إلى غير ذلك مما هو كفر صريح. ٦ - أن نصوص الشريعة صريحة في أن الإسلام ناسخ لجميع الشرائع السابقة، بل أجمع أهل العلم على كفر من أنكر ذلك، كما سبق بيانه (٣). والأدلة في هذه المسألة يطول استقصاؤها (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7398

[٨٨/ ٤] المسألة الثامنة والثمانون: استحلال الحرام وتحريم الحلال كفر . • المراد بالمسألة: من استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، مما ثبت تحريمه في نصوص الشرع مما هو قطعي الدلالة، وأجمع عليه أهل العلم، كاستحلال الربا، أو الزنا، فإنه يكفر بذلك إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. وكذا في تحريم الحلال، كأن يحرم النكاح، أو البيع، فإنه يكفر بذلك إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. • من نقل الإجماع: قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه" (١). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة: هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، والجاحد لها كافر بالاتفاق" (٢). وقال القاري (١٠١٤ هـ): "إنكار وجوب المجمع عليه إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة كفر اتفاقًا" (٣). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "من جحد الزنا، أو جحد شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع عليها -أي على تحريمها-، أو جحد حل خبز، ونحوه مما لا خلاف فبه، أو جحد وجوب عبادة من الخمس، أو حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا بجهل، عرِّف ذلك، وإن أصر أو كان مثله لا يجهل كفر، ولا نزاع في كفره" (٤).

стр. 7399

• مستند الإجماع: يدل علي مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ (٤). ٥ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾ (٥). ٦ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ (٦). ٧ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (٧). ٨ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٨). ٩ - قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٩).

стр. 7400

• وجه الدلالة من هذه الآيات: في هذه الآيات أوجب اللَّه تعالى على عباده اتباع أمر اللَّه تعالى وأمر رسوله، وطاعة اللَّه ورسوله، وحقيقة استحلال ما حرمه اللَّه أو تحريم ما أحله اللَّه ينافي هذا الاتباع. ١٠ - من النظر: أن المستحل لما حرمه الشرع، أو المحرم لما أباحه الشرع هو في حقيقة فعله مكذب للقرآن أو السنة، ومكذب بشرع محمد ﷺ ، بل هو يزعم بهذا الفعل جواز التشريع بعد النبي ﷺ ، وتبديل شرع محمد ﷺ ، وهذا كفر مخرج من الملة؛ لأن اللَّه تعالى قد أخبر بأنه أكمل لنا الدين فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، ونهى ﵊ إحداث شيء في الشرع بلا دليل، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢). وفي رواية لمسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٨٩/ ٤] المسألة: التاسعة والثمانون: السجود للعلماء ولو كانوا محدثين حرام . • المراد بالمسألة: إذا سجد الإنسان لشخص من باب تعظيمه سجود تعظيم، فإن ذلك حرام، كما لو سجد لعالم من العلماء، أو سجد لوالده، أو سجدت المرأة لزوجها، أو العبد لسيده، أو غير ذلك، فكله حرام منهي عنه في الشرع. ويتبين مما سبق أنه لو سجد سجود عبادة، أي: بنية العبادة، فمسألة أخرى ليست مرادة في الباب.

стр. 7401

• من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "أما ما يفعله عوام الفقراء وشبههم من سجودهم بين يدي المشايخ، وربما كانوا محدثين، فهو حرام بإجماع المسلمين" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن السجود لغير اللَّه محرم" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن النبي ﷺ نهى عن السجود لغير اللَّه تعالى في أحاديث منها: ١ - عن معاذ ﵁ أنه قدم اليمن -أو قال الشام- فرأى النصارى تسجد لبطارقتها (٣) وأساقفتها (٤)، فرأى في نفسه أن رسول اللَّه ﷺ أحق أن يعظم، فلما قدم قال: يا رسول اللَّه رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فرأيت في نفسي أنك أحق أن تعظم، فقال ﷺ : (لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولا تؤدي المرأة حق اللَّه عليها كله حتى تؤدي حق زوجها عليها كله) (٥).

стр. 7402

٢ - عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان (١) لهم، فقلت: رسول اللَّه أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول اللَّه أحق أن نسجد لك؛ قال: (أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له)، قال: قلت: لا، قال: (فلا تفعلوا؛ لوكنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن؛ لما جعل اللَّه لهم عليهن من الحق) (٢). ٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل: يا رسول اللَّه الرجل منَّا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: (لا)، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: (لا)، قال أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: (نعم) (٣). ٤ - من النظر: لأن اللَّه تعالى جعل السجود أحد أنواع العبادة التي يتقرب بها إليه تعالى، ولا ويجوز صرف شيء من العبادات لغيره سبحانه.

стр. 7403

النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٠/ ٤] المسألة التسعون: السجود لغير اللَّه بنية العبادة كفر . • المراد بالمسألة: إذا سجد الإنسان المسلم البالغ المكلف المختار لأي شيء غير اللَّه تعالى، ناويًا أن ذلك السجود عبادة، فإن ذلك الفعل كفر مخرج من الملة، سواء سجد لصنم، أو لشمس، أو ولي، أو رسول، أو ملَك، أو نحو ذلك، ويحكم على فاعله بالردة، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع. ويتبين مما سبق أن السجود لو لم يكن بنيَّة العبادة، بل كان من باب التعظيم، أو التحية، أو نحو ذلك فمسألة أخرى غير مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال القرافي (٦٨٤ هـ): "اتفق الناس على أن السجود للصنم على وجه التذلل والتعظيم له كفر" (١). وقال السبكي (٧٧١ هـ): "يحكم على من سجد للصنم أو ألقى المصحف في القاذورات بالكفر، وإن لم يجحد بقلبه لقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك" (٢)، ونقله عنه الشوكاني (٣). وقال الرحيباني (١٢٤٣ هـ): "السجود للحكام والموتى بقصد العبادة كفر، قولًا واحدًا، باتفاق المسلمين" (٤). قال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ): "الركوع والسجود لغير اللَّه تعالى بنية العبادة كفر إجماعًا" (٥). وقال اين قاسم (١٣٩٢ هـ): "لو سجد لكوكب شمس أو قمر، أو نجم، ونحو ذلك، كصنم، كفر إجماعًا" (٦). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن السجود لغير اللَّه تعالى فيه

стр. 7404

صرف نوع من العبادات لغيره ، وهذا كفر مخرج من الملة، وقد أمر تعالى بصرف الدعاء له وحده في آيات من كتابه منها: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (٤)، والمساجد في الآية قيل: هي أعضاء السجود، كما قاله سعيد بن جبير وغيره (٥). ٥ - قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ (٦)، فقدم ما حقه التأخير لإفادة حصر العبادة له وحده. • وجه الدلالة من الآيات السابقة: أن اللَّه تعالى أمر بصرف العبادة له تعالى وحده، ومن صرف العبادة لغيره فهو مشرك، والسجود عبادة، فصرفها لغير اللَّه شرك. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل السنة والجماعة.

стр. 7405

[٩١/ ٤] المسألة الحادية والتسعون: القائل بالحلول كافر . • المراد بالمسألة: الحلولية طائفة تزعم أن اللَّه تعالى حال بذاته في كل مكان، وفي كل شيء، ولا ينزه عنه مكان، وهم أقسام، بينهم شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "الحلولية والاتحادية، وهم صنفان: قوم يخصونه بالحلول أو الاتحاد في بعض الأشياء، كما يقوله النصارى في المسيح ﵇، والغالية في علي ﵁ ونحوه. وقوم في أنواع من المشايخ، وقوم في بعض الملوك، وقوم في بعض الصور الجميلة، إلى غير ذلك من الأقوال التي هي شر من مقالة النصارى. وصنف يعممون فيقولون بحلوله أو اتحاده في جميع الموجودات حتى الكلاب والخنازير والنجاسات وغيرها" (١). وقال ابن القيم: "وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما تزعم أنه سبحانه يحل في الصورة الجميلة المستحسنة، والثانية تزعم أنه سبحانه يحل في الكمل من الناس وهم الذين تجردت نفوسهم عن الشهوات واتصفوا بالفضائل وتنزهوا عن الرذائل" (٢). • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "لا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول اللَّه في البشر، واتحاده به، وأن البشر يكون إلهًا وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم، وعلى هذا قُتل الحلاج، ومن قال: إن اللَّه نطق على لسان الحلاج وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام اللَّه، وكان اللَّه هو القائل على لسانه: أنا اللَّه، فهو كافر باتفاق المسلمين" (٣). وقال أيضًا في القائلين بوحدة الوجود: "قد علم المسلمون، واليهود،

стр. 7406

والنصارى، بالإضطرار من دين المرسلين، أن من قال عن أحد من البشر: أنه جزء من اللَّه، فإنه كافر في جميع الملل" (١). وقال ابن جزي (٧٤١): "لا خلاف في تكفير من نفى الربوبية أو الوحدانية. . . أو قال بالحلول" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - الأدلة المتواتر التي تثبت علو اللَّه تعالى، وهي متوافرة من الكتاب والسنة، ومنها: أ- قول اللَّه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (٣). ب- قول اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (٤). ج- قول اللَّه تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (٥). د- قول اللَّه تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ (٦). هـ- في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ (٧) أنه كانت له جارية وأنه لطمها وأراد أن يُعتقها كفارة لذلك فقال ﷺ : (ائتني بها) فأتاه بها، فقال لها ﷺ : (أين اللَّه؟ ) قالت: في السماء، قال: (من أنا؟ ) قالت: أنت رسول اللَّه، قال: (أعتقها فإنها مؤمنة) (٨). والأدلة في هذا كثيرة جدًا من الكتاب، والسنة، والعقل، الفطرة، وقد

стр. 7407

أجمع السلف رضي اللَّه تعالى عنهم على إثبات هذه الصفة، بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "درء التعارض" هذا الإجماع عن بضعة عشر إمامًا من كبار أئمة السنة والجماعة (١). فهذه الصفة متواترة في القرآن والسنة، بل إن بعض أصحاب الإمام الشافعي ذكر أن الدلائل القرآنية والسنة النبوية على علو الرب تبلغ ألف دليل، وقال بعض أصحاب الشافعي أيضًا بأنها تبلغ ثلاثمائة دليل" (٢)، وعن بعض السلف: "أن في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا" (٣)، وقال ابن القيم: "ولو شئنا لأتينا على هذه المسألة بألف دليل" (٤). • وجه الدلالة من الآيات السابقة: أن القول بالحلول وأن اللَّه تعالى حال في كل مكان تكذيب لما تواتر من النصوص في إثبات العلو. ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٥). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حكى كفر النصارى القائلين بأن المسيح هو اللَّه تعالى، فالقائلين بأنه تعالى حل في جميع الأشخاص أعظم كفرًا من مقالة النصارى. ٣ - إجماع أهل العلم على أن اللَّه تعالى بائن من مخلوقاته، قال ابن بطة: "أجمع المسلمون من الصحابة، والتابعين، وجميع أهل العلم من المؤمنين، أن اللَّه ﵎ على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع

стр. 7408

خلقه، لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكل من قال: إن اللَّه بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب، والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر اللَّه عليه عباده؛ ولصريح المعقول" (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٢/ ٤] المسألة الثانية والتسعون: من لم يعتقد وجوب الصلاة كفر . • المراد بالمسألة: المسلم إذا أنكر وجوب الصلوات الخمس المفروضة، وأنها مما فرضه اللَّه تعالى، ولم يكن لذلك الإنكار عذر مسوغ فإنه يكون كافرًا، وحكمه حكم المرتد. ويتحصل مما سبق أن من جحد وجوب الصلوات الخمس المفروضة بعذر مسوِّغ ككونه حديث عهد بإسلام مثلًا، فإن ذلك غير داخل في مسألة الباب، وكذا من حجد وجوب غير الصلوات الخمس، كصلاة العيدين، أو الكسوف، أو الوتر، أو غيرها من الصلوات، فكل ذلك غير مراد في المسألة. • من نقل الإجماع: قال الخطابي (٣٨٨ هـ): "التروك على ضروب: منها ترك جحد للصلاة، وهو كفر بإجماع الأمة" (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف من أحد من الأمة في أن الصلوات الخمس فرض، ومن خالف ذلك فكافر" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع المسلمون على أن جاحد فرض الصلاة كافر، يقتل إن لم يتب من كفره ذلك" (٥).

стр. 7409

وقال ابن رشد الجد (٥٢٠) (١): "فمن جحد الصلاة فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل. . . بإجماع أهل العلم، لا اختلاف بينهم فيه" (٢). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على قتل الممتنع عن أداء الصلاة والزكاة، مكذبًا بهما" (٣). وقال ابن الأثير (٦٠٦ هـ): "من أنكر فرضية أحد أركان الإسلام كان كافرًا بالإجماع" (٤)، ونقله عنه ابن منظور (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحدًا لوجوبها، إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك" (٦). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ): "فمن جحد وجوبها لجهله عُرِّف ذلك، وإن جحدها عنادًا كفر بالإجماع" (٧). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلًا كفر" (٨). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أما تارك الصلاة فإن كان منكرًا لوجوبها فهو كافر لإجماع المسلمين خارج من ملة الإسلام" (٩). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا خلاف بين أهل العلم في كفر من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها، إذا كان ممن لا يجهل مثله" (١٠).

стр. 7410

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "من لم يعتقد وجوبها على كل عاقل، بالغ، إلا الحائض والنفساء، فهو كافر، مرتد، باتفاق أئمة المسلمين" (١). وقال أيضًا: "أما إذا جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين" (٢). وقال ابن مفلح (٧٦٣ هـ): "من جحد وجوبها كفر إجماعًا" (٣). وقال البابرتي (٧٨٦ هـ): "أجمعت الأمة من لدن رسول اللَّه ﷺ إلى يومنا هذا على فرضيتها -أي الصلوات الخمس- من غير نكير منكر، ولا رد راد، فمن أنكر شرعيتها كفر بلا خلاف" (٤)، وبنفس هذا الحرف ذكره دامان الحنفي (٥). وقال ابن فرحون (٧٩٩ هـ): "جاحد الصلاة كافر باتفاق" (٦). وقال ابن مفلح المقدسي (٨٤٤ هـ): "من جحد وجوبها كفر إذا كان ممن لا يجهله كالناشئ بين المسلمين في الأمصار. . . ويصير مرتدًا بغير خلاف نعلمه" (٧)، نقله عنه البهوتي (٨)، وشمس الدين ابن قدامة (٩). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "أما الصلاة فمذهب الجماعة أن من تركها جاحدًا فهو مرتدد" (١٠). وقال ابن حجر الهيتمي (٩٧٣ هـ): "إن ترك مكلف الصلاة المكتوبة التي هي إحدى الخمس، جاحدًا وجوبها، كفر إجماعًا" (١١). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "لا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكرًا لوجوبها" (١٢).

стр. 7411

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن نصوص الشارع متوافرة على وجوب الصلاة فمن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ (٤). والآيات في هذا الباب كثيرة. ٥ - عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (٥). ٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ بارزًا يوما للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: (أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث)، قال: ما الإسلام؟ قال: (الإسلام أن تعبد اللَّه ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. . . الحديث) (٦). ٧ - عن ابن عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى

стр. 7412

يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه) (١). ٨ - عن جندب بن جنادة أن النبي ﷺ لما رأى في منامه أنه يأتي على رجل يُثلغ (٢) رأسه بالحجارة، فأخبره جبريل عن ذلك بأنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة (٣). ٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين اللَّه حجاب) (٤). ١٠ - عن طلحة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دوي صوته، ولا يُفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول اللَّه ﷺ : (خمس صلوات في اليوم والليلة)، فقال: هل على غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع)، قال رسول اللَّه ﷺ : (وصيام رمضان)، قال: هل على غيره؟ قال: (لا، إلا أن تطوع)، قال: وذكر له رسول اللَّه ﷺ الزكاة، قال: هل على غيرها؟ قال: (لا، إلا أن تطوع)، قال:

стр. 7413

فأدبر الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول اللَّه ﷺ : (أفلح إن صدق) (١). ١١ - أن هذا القول هو المأثور عن جمع من الصحابة فعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة"، وعن علي ﵁ قال: "من لم يصل فهو كافر"، وعن عبد اللَّه بن مسعود قال: "من لم يصل فلا دين له" (٢). ١٢ - أجماع أهل العلم على وجوب الصلاة، كما سبق ببيانه في نقل الإجماع على المسألة. إذا تقرر هذا فمن أنكر وجوب الصلاة فقد رد صريح الكتاب والسنة، وإجماع أهل العلم، وذلك كفر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٣/ ٤] المسألة الثالثة والتسعون: من استخف بالمصحف، أو بشيء منه، أو ألقاه في القاذورات وهو عالم بذلك، كفر . • المراد بالمسألة: المصحف -بضم الميم وكسرها- يطلق في لغة العرب على كل ما كان أوراقًا مجموعة بين دفتين، وغالب إطلاق المصحف هو على القرآن الكريم (٣)، وهذا الإطلاق هو المراد به هنا، فمن استخف بالقرآن الكريم، أو بشيء منه ولو آية، إما بالقول، أو بالفعل، أو فعل ما يدل على

стр. 7414

الاستخفاف بالقرآن كإلقائه في القاذورات، أو ضعه تحت قدمه، أو جعله مكانا يجلس عليه، أو نحو ذلك من الأفعال، فهو كافر. • من نقل الإجماع: قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده، أو حرفًا منه، أو آية، أو كذَّب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع" (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على أن من استخف بالقرآن، أو بشيء منه، أو بالمصحف، أو ألقاه في قاذورة: كفر" (٢). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق المسلمون على أن من استخف بالمصحف؛ مثل أن يلقيه فى الحش، أو يركضه برجله إهانة له، أنه كافر مباح الدم" (٣). وقال السبكي (٧٧١ هـ): "يحكم على من سجد للصنم، أو ألقى المصحف في القاذورات بالكفر، وإن لم يجحد بقلبه؛ لقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك" (٤) ونقله عنه الشوكاني (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل الاستهزاء به أو بآياته أو برسوله ﷺ يكفر،

стр. 7415

والاستخفاف بالقرآن هو استخفاف بآياته صريحا، استهزاء باللَّه ورسوله ضمنًا. ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد من اتخذ آياته هزوًا بالعذاب المهين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم يجئ إعداد العذاب المهين في القرآن إلا في حق الكفار" (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد المستهزئين بآياته بالنار، وأنهم خالدين فيهم لا يخرجون منها، وهذا لا يكون إلا في حق الكفار. ٥ - من النظر: أن الاستخفاف بالقرآن استخفاف باللَّه تعالى؛ لأنه المتكلم به. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٤/ ٤] المسألة الرابعة والتسعون: من كذب بشيء مما جاء به القرآن من حكم، أو خبر، أو نفى ما أثبته، أو أثبت ما نفاه، أو شك في ذلك كفر . • المراد بالمسألة: من كذب بشيء من القرآن كان أنكر حكمًا من أحكامه فأباح محرمًا أو حرم مباحًا، أو كذب بشيء من أخباره، كأن أنكر قصة أحد الأنبياء الذين قصهم اللَّه في كتابه، أو نفى شيئًا أثبته اللَّه تعالى، كأن نفى قدرة اللَّه تعالى، أو أثبت ما نفاه تعالى، كأن أثبت أن للَّه تعالى ولدًا، أو شك في شيء من القرآن، فكل ذلك كفر مخرج من الملة، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع.

стр. 7416

• من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) في معرض ذِكره لجملة من الاعتقادات التي أجمع أهل العلم على كفر من خالفها: "اتفقوا أن كل ما ورد في القرآن من خبر ما مضى، أو ما يأتي، حق صحيح، وصدق لا شك فيه" (١). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "من استخف بالقرآن أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبَّهما، أو جحده، أو حرفًا منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا أن من كذب بشيء مما جاء به من حكم أو خبر، أونفى ما أثبته أو أثبت ما نفاه أو شك في شيء من ذلك، وهو عالم به كفر" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ (٥). • وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه تعالى أكد على أن كلامه هو الحق القاطع، وقد توعد من كذب بالقرآن بالنار والعذاب الأليم. ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٦).

стр. 7417

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر بأن القرآن حق، وليس فيه شيء باطل، ومن كذَّب بشيء من القرآن فقد خالف صريح الآية (١). ٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر بان القرآن منزل من عنده وأنه محفوظ من التبديل أو التغيير، وتكذيب القرآن إن كان بحجة أنه محرف أو أنه زيد فيه وأنقص تكذيب لهذه الآية (٣). ٥ - تكذيب شيء من القرآن الكريم، تكذيب للَّه تعالى، ونوع من السب له ، وتكذيب للنبي ﷺ في التمسك بكتاب اللَّه تعالى. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٥/ ٤] المسألة الخامسة والتسعون: من زاد حرفًا غير القراءات المروية المنقولة نقل الكافة، أو نقص منه حرفًا، أو بدل منه حرفًا مكان حرف، وقد قامت عليه الحجة كفر . • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من زاد فيه حرفًا من غير القراءات المروية المحفوظة المنقولة نقل الكافة، أو نقص منه حرفًا، أو بدل منه حرفًا مكان حرف، وقد قامت عليه الحجة، أنه من القرآن، فتمادى متعمدًا لكل ذلك، عالمًا بأنه بخلاف ما فعل، فإنه كافر" (٤). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون أن جميع ما فيه حق، وأن من نقص منه حرفًا قاصدًا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفًا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه، وأجمع على أنه ليس من القرآن،

стр. 7418

عامدًا لكل هذا، أنه كافر" (١). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعوا على أن من جحد منه حرفًا مجمعًا عليه، أو زاد حرفًا لم يقرأ به أحد، وهو عالم بذلك، فهو كافر" (٢). وقال ابن جزي (٧٤١): "لا خلاف في تكفير من نفى الربوبية أو الوحدانية. . . أو جحد حرفًا فأكثر من القرآن، أو زاده، أو غيَّره" (٣). وقال العراقي (٨٠٦ هـ): "قد أجمعوا على أن من جحد حرفًا مجمعًا عليه من القرآن فهو كافر تجري عليه أحكام المرتدين" (٤). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "لو نفى حرفًا مجمعًا عليه، أو أثبت ما لم يقل به أحد فإنه كفر بالإجماع" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أنه تولى حفظ كتابه من الزيادة أو النقص أو التبديل، فلم يزل كذلك محفوظا، بخلاف كتب أهل الكتاب فإن اللَّه تعالى قال فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ (٧)، فوكَّل حفظه إليهم، فغيروه وبدلوه. ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (٨). • وجه الدلالة: أخبر تعالى أن كتابه لا يدخل فيه الباطل، ومعلوم أن الزيادة

стр. 7419

في القرآن أو النقص أو التبديل كله من الباطل الذي أخبر تعالى أن ذلك لا يدخل على كتابه العزيز. ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ (١). ٤ - قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ (٢). ٥ - قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ (٣). ٦ - قال تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أخبر اللَّه أن آياته محكمة، قال القرطبي: "والسورة المحكمة: الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزاد عليها ما ليس منها" (٥). والمقصود أن القرآن الموجود الآن هو الذي أنزله على نبيه ﷺ ، لم يدخله تغيير ولا وتبديل من لدن محمد ﷺ إلى يومنا هذا، وسيبقى كذلك إلى يوم القيامة كما أخبر اللَّه بذلك بكونه حافظًا له، فمن ادعى نقصه، أو الزيادة فيه، وأراد تبديله أو تبديل بعضه فقد كذب بهذه الآيات القرآنية. وهو طويق إلى تبديل الشرع، وهذا كفر مخرج من الملة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٦/ ٤] المسألة السادسة والتسعون: من استحل القتل كفر . • المراد بالمسألة: مما قررته الشريعة الإسلامية عصمة دم المسلم، فمن قتل مسلمًا معصومًا، متعمدًا، مستحلًا لذلك، بغير تأويل، فإنه يحكم بكفره ردة. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "فإن قتل عمدًا، مستحلًا له،

стр. 7420

بغير حق، ولا تأويل، فهو كافر مرتد، يخلد به في جهنم بالإجماع" (١)، ونقله عنه الشوكاني (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن نصوص الشارع متوافرة على تحريم الدماء، فمنها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ (٣). ٢ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، المارق من الدين التارك للجماعة) (٤). ٣ - عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، بينكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) (٥). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه) (٦). وغيرها من النصوص الكثيرة في تحريم دم المسلم، والحكم بعصمته دمه بالإسلام. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7421

[٩٧/ ٤] المسألة السابعة والتسعون: المرتد إذا أسلم فإنه يقبل إسلامه ويكون من الفائزين . • المراد بالمسألة: المسلم إذا ارتد فإنه يكون من الخاسرين الخالدين في جهنم، فإن عاد للإسلام صار مسلمًا من الفائزن الرابحين، بنجاته من الخلود في النار، وكونه من أهل الإيمان الموعودين بالجنة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا راجع الإسلام ليس من الخاسرين، بل من المربحين المفلحين الفائزين" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ (٢). • وجه الدلالة: دلت الآية على أن من أشرك فإنه يكون من الخاسرين، مما يدل على أن المؤمن ليس من الخاسرين، وأنه من الرابحين (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٨/ ٤] المسألة الثامنة والتسعون: تارك الصلاة كافر . • المراد بالمسألة: إذا ترك شخص الصلاة بالكلية، فلا يصلي الجمعة، ولا غيرها من الصلوات، مع اعتقاده بوجوبها (٤) فإنه يكون كافرًا. ويتبين مما سبق أن الشخص إن كان يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا فإنه لا يدخل في مسألة الباب.

стр. 7422

• من نقل الإجماع: قال عبد اللَّه بن شقيق (١٠٨ هـ) (١): "لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (٢)، ممن نقله ابن تيمية (٣). وقال أيوب السختياني (١٣١ هـ): "ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه" (٤). وقال إسحاق بن راهوية (٢٣٨ هـ): "كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر، وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر" (٥)، وممن نقله ابن عبد البر (٦). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "دل على كفر تارك الصلاة: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة" (٧). • مستند الإجماع: يدل على كفر تارك الصلاة ما يلي: على وجوب الصلاة فمن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

стр. 7423

فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ (٢). • وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه علق أُخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة المؤمنين. ٣ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور، فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار، لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة، والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها (٤). ٤ - قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٥). • وجه الدلالة: دلت الآية على كفر تارك الصلاة من وجهين: الأول: أن اللَّه تعالى وعد تارك الصلاة بالغي، والغي هو بئر في قعر جهنم، كما هو مروي عن جماعة من الصحابة كابن مسعود وعائشة وغيرهما (٦)، واختاره القرطبي (٧)، ولو كان هذا الوعيد لعصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار، لا في أسفلها. الثاني: قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فدل على أنهم حين إضاعتهم

стр. 7424

للصلاة لم يكونوا مؤمنين، فلو كان مضيع الصلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان، وإلا لكان تحصيل حاصل (١). ٥ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (٢). ٦ - عن بريده بن الحصيب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (٣). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديثان صريحان بأن ترك الصلاة كفر، وأن الصلاة هي الفارق بين الإسلام والكفر. ٧ - عن أم سلمة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن نكر سلم، ولكن من رضي وتابع) قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: (لا، ما صلوا) (٤). • وجه الدلالة من الحديث: الحديث في منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة، وقد ثبت أنه لا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفرًا صريحًا، عندنا فيه برهان من اللَّه تعالى فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال:

стр. 7425

"دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من اللَّه فيه برهان" (١). وعلى هذا فيكون تركهم للصلاة الذي علق عليه النبي ﷺ ، منابذتهم وقتالهم بالسيف كفرًا بواحًا عندنا فيه من اللَّه برهان. ٨ - ما جاء في قصة قسم النبي ﷺ للذهب الذي أتى به علي ﵁ من اليمن: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا محمد اتق اللَّه. قال ﷺ : (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي اللَّه)، ثم ولَّى الرجل، فقام خالد بن الوليد ﵁، -وفي بعض الروايات: عمر بن الخطاب ﵁ وقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه. فقال النبي ﵊: (لعله أن يكون يصلي) قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه، قال ﵊: (إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. . . الحديث) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علل امتناع قتل ذي الخويصرة بكونه ممن يصلي، فدل على أن لفعل الصلاة أثر في إباحة الدم من عصمتها، وإلا لم يكن لتعليله ﷺ بالصلاة فائدة. ٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قالها
следующие страницы →