← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

[٩٧/ ٤] المسألة السابعة والتسعون: المرتد إذا أسلم فإنه يقبل إسلامه ويكون من الفائزين . • المراد بالمسألة: المسلم إذا ارتد فإنه يكون من الخاسرين الخالدين في جهنم، فإن عاد للإسلام صار مسلمًا من الفائزن الرابحين، بنجاته من الخلود في النار، وكونه من أهل الإيمان الموعودين بالجنة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من الأمة في أن المرتد إذا راجع الإسلام ليس من الخاسرين، بل من المربحين المفلحين الفائزين" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ (٢). • وجه الدلالة: دلت الآية على أن من أشرك فإنه يكون من الخاسرين، مما يدل على أن المؤمن ليس من الخاسرين، وأنه من الرابحين (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٩٨/ ٤] المسألة الثامنة والتسعون: تارك الصلاة كافر . • المراد بالمسألة: إذا ترك شخص الصلاة بالكلية، فلا يصلي الجمعة، ولا غيرها من الصلوات، مع اعتقاده بوجوبها (٤) فإنه يكون كافرًا. ويتبين مما سبق أن الشخص إن كان يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا فإنه لا يدخل في مسألة الباب.

стр. 7422

• من نقل الإجماع: قال عبد اللَّه بن شقيق (١٠٨ هـ) (١): "لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (٢)، ممن نقله ابن تيمية (٣). وقال أيوب السختياني (١٣١ هـ): "ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه" (٤). وقال إسحاق بن راهوية (٢٣٨ هـ): "كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر، وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس والمغرب إلى طلوع الفجر" (٥)، وممن نقله ابن عبد البر (٦). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "دل على كفر تارك الصلاة: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة" (٧). • مستند الإجماع: يدل على كفر تارك الصلاة ما يلي: على وجوب الصلاة فمن ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ

стр. 7423

فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ (٢). • وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه علق أُخوتهم للمؤمنين بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة المؤمنين. ٣ - قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أنه سبحانه علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور، فلو كان ترك الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار، لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة، والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها (٤). ٤ - قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٥). • وجه الدلالة: دلت الآية على كفر تارك الصلاة من وجهين: الأول: أن اللَّه تعالى وعد تارك الصلاة بالغي، والغي هو بئر في قعر جهنم، كما هو مروي عن جماعة من الصحابة كابن مسعود وعائشة وغيرهما (٦)، واختاره القرطبي (٧)، ولو كان هذا الوعيد لعصاة المسلمين لكانوا في الطبقة العليا من طبقات النار، لا في أسفلها. الثاني: قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فدل على أنهم حين إضاعتهم

стр. 7424

للصلاة لم يكونوا مؤمنين، فلو كان مضيع الصلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان، وإلا لكان تحصيل حاصل (١). ٥ - عن جابر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (٢). ٦ - عن بريده بن الحصيب ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (٣). • وجه الدلالة من الحديثين: الحديثان صريحان بأن ترك الصلاة كفر، وأن الصلاة هي الفارق بين الإسلام والكفر. ٧ - عن أم سلمة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن نكر سلم، ولكن من رضي وتابع) قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: (لا، ما صلوا) (٤). • وجه الدلالة من الحديث: الحديث في منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة، وقد ثبت أنه لا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفرًا صريحًا، عندنا فيه برهان من اللَّه تعالى فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال:

стр. 7425

"دعانا النبي ﷺ فبايعناه فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من اللَّه فيه برهان" (١). وعلى هذا فيكون تركهم للصلاة الذي علق عليه النبي ﷺ ، منابذتهم وقتالهم بالسيف كفرًا بواحًا عندنا فيه من اللَّه برهان. ٨ - ما جاء في قصة قسم النبي ﷺ للذهب الذي أتى به علي ﵁ من اليمن: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا محمد اتق اللَّه. قال ﷺ : (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي اللَّه)، ثم ولَّى الرجل، فقام خالد بن الوليد ﵁، -وفي بعض الروايات: عمر بن الخطاب ﵁ وقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه. فقال النبي ﵊: (لعله أن يكون يصلي) قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه، قال ﵊: (إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم. . . الحديث) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علل امتناع قتل ذي الخويصرة بكونه ممن يصلي، فدل على أن لفعل الصلاة أثر في إباحة الدم من عصمتها، وإلا لم يكن لتعليله ﷺ بالصلاة فائدة. ٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قالها

стр. 7426

فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه. . .) الحديث (١). • وجه الدلالة: أن الصديق احتج على قتال المرتدين بإباحة قتال تاركي الصلاة، وتقدير كلامه أنه قال: ألستم متفقين على قتال تارك الصلاة، فكذلك أقاتل تارك الزكاة، ولا فرق. ١٠ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على اللَّه) (٢). ١١ - عن ابن عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على اللَّه) (٣). • وجه الدلالة من الحديثين: أن النبي ﷺ جعل من أسباب عصمة الدم والمال إقامة الصلاة، فدل على أن تركها كفر يبيح ذلك. ١٢ - عن عبد اللَّه بن عمرو ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: (من حافظ عليها كانت له نورًا، وبرهانًا، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأبي بن خلف) (٤).

стр. 7427

• وجه الدلالة: الحديث صريح بكفر تارك الصلاة، بكونه مع قارون وفرعون أمي بن خلف، وقد تحقق أن هؤلاء من أهل النار. ١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء قال الرب : انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) (١) • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ علَّق الفلاح والخسران يوم القيامة بالصلاة، وجعلها سببًا في الحكم بمصير العبد يوم القيامة، وعلَّق الخسران بتركها. • المخالفون للإجماع: ذهب جماعة من أهل العلم عدم كفر تارك الصلاة، وبه قال محمد بن شهاب الزهري، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). ونسب العراقي هذا القول للجمهور حيث قال: "ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا يكفر بترك الصلاة إذا كان غير جاحد لوجوبها" (٣).

стр. 7428

بل حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على عدم كفر تاركها ومن ذلك: قال ابن عبد البر في صلاة الجمعة: "أجمعوا أنه من تركها وهو قادر على إتيانها ممن تجب عليه أنه غير كافر بفعله ذلك، إلا أن يكون جاحدًا لها مستكبرًا عنها" (١). وقال النووي: "ولم يزل المسلمون يورثون تارك الصلاة، ويورثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له، ولم يرث، ولم يورث" (٢). وقال ابن قدامة في ترجيح القول بعدم كفر تارك الصلاة: "ذلك إجماع المسلمين؛ فإنَّا لا نعلم في عصر من الأعصار عن أحد من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه" (٣). • دليل المخالف: استدل القائلون بعدم كفر تارك الصلاة بما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على اللَّه. . .) الحديث (٤). • وجه الدلالة: النبي ﷺ علق عصمة الدم والمال على قول "لا إله إلا اللَّه"، فمن قالها تحققت في حقه العصمة، ولم يشترط النبي ﷺ الصلاة في ذلك. ٢ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة) (٥).

стр. 7429

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أباح دم المسلم بثلاث خصال، وترك الصلاة ليس واحدًا من هذه الخصال، مما يدل على عصمة دم من ترك الصلاة، وأنه مسلم. ٣ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : (كيف أنت إذا كنت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها) قلت: فما تأمرني؟ قال: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ، فإنها لك نافلة) (١). • وجه الدلالة: أخبر النبي ﷺ أن هؤلاء الأمراء يفوتون الصلاة عن وقتها، ومع ذلك لم يكفروا بتركها حتى يخرج الوقت، ولو كان ترك الصلاة إلى خروج وقتها كفرًا لَما أمر النبي ﷺ بالصلاة خلف هؤلاء الأئمة؛ لأن الكافر لا تصح الصلاة خلفه لا فرضًا ولا نفلًا (٢). ٤ - من النظر: أ - أن من ثبت إسلامه بيقين، فلا يزول عنه الإسلام إلا بيقين، وليس ثمة دليل صريح صحيح على كفر من ترك الصلاة. ب- أن الصلاة من الشرائع العملية، فلا يقتل بتركها، كالصيام، والزكاة، والحج (٣). ٥ - عمل المسلمين على ذلك بغير نكير، كما نقله النووي وابن قدامة (٤). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم؛ لثبوت الخلاف فيه عن الزهري، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وهو رواية عن الإمام أحمد، بل نُسب للجمهور، وحُكي الإجماع على ذلك.

стр. 7430

وما حكي من الإجماع في كفر تارك الصلاة فهو من قبيل الإجماع السكوتي الظني، واللَّه أعلم (١). [٩٩/ ٤] المسألة التاسعة والتسعون: تحسين دين المشركين كفر . • المراد بالمسألة: الشرك في اللغة: هو المقارنة، وخلاف الانفراد، ويطلق على المخالطة، والمصاحبة، والمشاركة (٢). وفي الاصطلاح: أن يجعل العبد للَّه تعالى شريكًا، في ربوبيته تعالى، أو في ألوهيته، أو في أسمائه وصفاته (٣). سبق فيما مضى أن اللَّه تعالى بعث الرسل لتقرير الإسلام الذي محصله توحيده تعالى، فمن اعتقد أن غير دين الإسلام يحسن اتباعه، وأن له منافع ليست في دين الإسلام، فذلك كفر مخرج من الملة. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب، والأصنام، وأقام الأدلة على حسن ذلك، ومنفعته، ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين" (٤).

стр. 7431

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (٣). • وجه الدلالة من الآيات السابقة: أن القرآن نص على أن دين الإسلام هو أحسن الأديان قاطبة، وأنه ليس ثمة دين أحسن منه على الإطلاق. ٤ - قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٤). • وجه الدلالة: أخبر تعالى أنه ارتضى دين الإسلام لعباده، لا غيره من الأديان، وهو سبحانه لا يرتضى لعباده إلا الأحسن. ٥ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ (٥). • وجه الدلالة: في الآية دليل على أن اتخاذ غير دين الإسلام من السفه، مما يدل على أن فاعل لك قد ترك الأفضل واختار المفضول. ٦ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦). • وجه الدلالة: في الآية أن من أخذ غير دين الإسلام فإن ذلك يكون خسارة عليه، ولن يقبله تعالى.

стр. 7432

٥ - أن النصوص الشرعية مستفيضة بوجوب اتباع دين الإسلام، واتباع شريعة محمد ﷺ ، وترك ما سوى ذلك. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٠٠/ ٤] المسألة المائة: من استحل الخمر قُتل . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف الخمر لغةً واصطلاحًا: الخمر لغة: والخمر لفظ يُذكر ويؤنث، فيقال: هو الخمر، وهي الخمر، والتأنيث أشهر (١)، أصل هذه المادة بمعنى التغطية والمخالطة، قال ابن فارس: "الخاء والميم والراء أصلٌ واحد يدلُّ على التغطية، والمخالطةِ في سَتْر" (٢). ومنه الخمار: وهو ما يُغطي وجه المرأة، والمخامرة، ومنه أيضًا: يُقال: رجل خَمر: أي خالطه داء. والخمر: كل ما أسكر العقل، وقيل: هو ما أسكر من عصير العنب خاصة، قال الفيروزآبادي: "الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو عام، والعموم أصح" (٣). سميت الخمر خمرًا؛ لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، وتُخمِّره: أي تغطيه وتستره (٤). الخمر اصطلاحًا: اختلف الفقهاء في حقيقة الخمر الشرعية، بناء على اختلافهم في حقيقتها اللغوية، على قولين: القول الأول: أن الخمر هو اسم للنيء من ماء العنب إذا صار مسكرًا، وذلك

стр. 7433

إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، وهو مذهب الحنفية (١)، وبه قال بعض الشافعية (٢). القول الثاني: أن الخمر هو كل ما أسكر من كل شراب، سواء أكان من عصير العنب، أو البلح، أو الزبيب، أو القمح، أو الشعير، أو الأرز، وغيره، سواء أسكر قليله أو كثيره، وهو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم (٣). • ثمرة الخلاف بين القولين: هذا الخلاف له أثر كبير، فالحنفية فرقوا بين الخمر والمسكر، فالخمر يُحد بشرب القدر المسكر منها وغير المسكر، وهو خاص بعصير العنب، وأما ما عداها من الأشربة فلا يُحد إلا بشرب القدر المسكر منها. أما الجمهور فلم يذهبوا إلى هذه التفرقة، فما أسكر كثيره، فالقليل منه حرام، ويجب به الحد. • الترجيح: يظهر -واللَّه أعلم- أن قول الجمهور هو الصواب، لعموم حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) (٤). وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة، من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" (٥).

стр. 7434

وعن ابن عمر ﵁ قال: "نزل تحريم الخمر، وإن في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" (١). • ثانيًا: صورة المسألة: مما هو مستقر في نصوص الشرع تحريم الخمر، فمن استحله فقد استحل ما حرمه اللَّه تعالى ورسوله وأجمعت عليه الأمة، فيحكم بقتله ردة إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، إلا إن تاب من ذلك وأقر بتحريمه. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن مستحل خمر العنب المسكر كافر، راد على اللَّه خبره في كتابه، مرتد، يستتاب، فإن تاب ورجع عن قوله، وإلا استبيح دمه" (٢). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "لمَّا شرب الخمر بعض الصحابة مجموع واعتقدوا أنها تحل للخاصة تأول قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ (٣)، اتفق الصحابة مثل عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وغيرهما، على أنهم إن أقروا بالتحريم جُلدوا، وإن أصروا على استحلال قتلوا" (٤). ويمكن أن يضاف إلى هذا نقل الإجماع على كفر مستحل الخمر: قال عبد القاهر البغدادي (٤٢٩ هـ): "وقد أجمع فقهاء الأمة على تكفير من أنكر حد الخمر" (٥). ونقل ابن حزم (٤٥٦ هـ) الاتفاق على كفر مستحل الخمر (٦). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه" (٧).

стр. 7435

وقال العيني (٨٥٥ هـ): "لو اعتقد حل بعض المحرمات المعلومة من الدين ضرورة كالخمر كفر بلا خلاف" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن الشريعة قد بيَّنت تحريم الخمر حتى صار تحريمه مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فمن الأدلة على ذلك: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين أن الخمر رجس وأنه من عمل الشيطان، وأمر باجتنابه (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بيَّن أن في الخمر إثم، والإثم محرم كما صرح اللَّه به فى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٥). ٣ - عن أنس ﵁ قال: كنت ساقي القوم فى منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ (٦)، فأمر رسول اللَّه ﷺ مناديًا ينادي: "ألا أن الخمر قد حُرمت"، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل اللَّه:

стр. 7436

﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ (١) " (٢). ٤ - عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت عمر ﵁ على منبر النبي ﷺ يقول: "أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل" (٣). ٥ - عن ابن عمر ﵁ قال: "نزل تحريم الخمر، وإن في المدينة يومئذٍ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب" (٤). ٦ - عن ابن عباس ﵄ أن رجلًا أهدى لرسول اللَّه ﷺ راوية (٥) خمر، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (هل علمت أن اللَّه قد حرمها)، قال: لا، فسار إنسانًا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (بم ساررته)؟ فقال. أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها)، قال: فَفَتح المزادة حتى ذهب ما فيها (٦). ٧ - عن جابر ﵁: أن رجلا قدم من جيشان -وجيشان من اليمن- فسأل النبي ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة، يقال له المِزْر، فقال النبي ﷺ : (أوَمسكر هو)؟ قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : (كل مسكر حرام، إن على اللَّه عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)، قالوا: يا رسول اللَّه وما طينة الخبال؟ قال: (عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار) (٧).

стр. 7437

٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "لعن رسول اللَّه ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشتراة له" (١). إلى غير ذلك من الأحاديث التي يطول المقام بحصرها. ٩ - انعقاد الإجماع على تحريمه، حيث نقله جمع من أهل العلم منهم ابن المنذر (٢)، وابن حزم (٣)، وابن عبد البر (٤)، وابن قدامة (٥)، والقرطبي (٦)، والنووي (٧)، وابن حجر (٨). فمن خالف هذه النصوص الصريحة واستباح الخمر فقد كذب كلام اللَّه تعالى ورسوله، وأتى بشرع غير شرع محمد ﷺ ، وهذا كفر مخرج من الملة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٠١/ ٤] المسألة الأولى بعد المائة: ظن السوء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كُفر . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف ظن السوء: الظن: قال ابن فارس: "الظاء والنون أُصَيْل صحيحٌ يدلُّ على معنيينِ مختلفين: يقين، وشكّ" (٩).

стр. 7438

قال الزبيدي: "الظَّن: التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم" (١). والحاصل أن الظن هو التردد بين أمرين، الراجح منهما يسمى ظنًا. وقد يطلق الظن على اليقين (٢)، ومنه قول اللَّه تعالى في صفة المؤمنين الخاشعين: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾ (٤) أي أيقن الفراق (٥). السوء: قال الفيروزآبادي: "ساءه سوءًا وسواءً وسواءةً وسوايةً وسوائيةً ومساءةً ومسائيةً ومساية ومساء ومسائية: فعل به ما يكره فاستاء هو، والسُّوء -بالضم-: الاسم منه" (٦).

стр. 7439

ويطلق السوء على آفة ومرض، والمراد به هنا هو كل ما يغُم الإنسان، ويقبح (١). • ثانيًا: صورة المسألة: من ظن بنبي من أنبياء اللَّه تعالى المجمع على نبوتهم سوءًا، كأن يظن فيه الكذب، أو خيانة الرسالة، أو أنه صاحب فواحش، أو غير ذلك، فإن ذلك كفر مخرج من الملة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من آمن باللَّه تعالى وبرسوله ﷺ ، وبكل ما أتى به ﵇ مما نقل عنه نقل الكافة، أو شك في التوحيد أو في النبوة أو في محمد ﷺ . . . . فإنه من جحد شيئًا مما ذكرنا، أو شك في شيء منه، ومات على ذلك، فإنه كافر مشرك، مخلد في النار أبدًا" (٢) وقال النووي (٦٧٦ هـ): "ظن السوء بالأنبياء كفر بالإجماع" (٣) وقال العيني (٨٥٥ هـ): "ظن السوء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كفر بالإجماع" (٤) • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن اللَّه تعالى أثنى على أنبياءه في كتابه فتارة يجمل وتارة يفصل، ومن ذلك: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ (٥). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ (٦). ٣ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا

стр. 7440

وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ (١). ٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (٢). ٥ - قال تعالى في يوسف ﵊: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣). ٦ - قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾ (٤). ٧ - قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ (٥). ٨ - قال تعالى في أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ (٦). ٩ - قال تعالى في زكريا ويحيى ﵉: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ (٧). ١٠ - قال تعالى في يونس ﵇: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ (٨). ١١ - قال تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا

стр. 7441

الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ (١). إلى غير ذلك من الآيات الدالة على فضلهم، وصلاحهم، وأنهم من خيرة الخلق، فمن ظن بهم سوء فقد كذَّب بمثل هذه النصوص، وتكذيب شيء من القرآن كفر مخرج من الملة. ١٢ - من النظر: أن في ظن السوء بهم قدح في رسالتهم، وما بلغوه لأمتهم عن ربهم، وقدح في اللَّه تعالى إذ كيف يصطفي لرسالته من ليس بكفء لها. • المخالفون للإجماع: ذكر ابن حزم خلافًا في مسألة من سب النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء فقالت طائفة أنه لا يكفر، وتوقف آخرون (٢). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل أجماع محقق بين أهل العلم؛ للخلاف الذي نقله ابن حزم في المسألة. [١٠٢/ ٤] المسألة الثانية بعد المائة: للَّه أنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كُثر منهم من سماه اللَّه تعالى في القرآن، ومنهم من لم يسم لنا، ومن خالف ذلك كفر . • المراد بالمسألة: مما أخبر اللَّه تعالى في كتابه أن له أنبياء منهم من قص علينا خبرهم، ومنهم من لم يَقُص علينا خبرهم، فمن أنكر ذلك، وزعم أن الأنبياء إنما هم من سماهم اللَّه في كتابه، وليس ثمة أنبياءآخرين فقد كفر. وبهذا يتبين أن ذِكْر اللَّه تعالى لأنبياءه في القرآن على ثلاث حالات: الأولى: منهم من ذكرهم اللَّه تعالى بقصتهم مع أقوامهم، كنوح، وصالح، وهود. الثانية: منهم من ذكر اللَّه تعالى أسماءهم، دون ذكر قصصهم مع قومهم، لحكمة أرادها، كاليسع، وذا الكفل. الثالثة: منهم من لم يذكر اللَّه تعالوا أسماءهم، وهؤلاء قد لا يذكر اللَّه تعالى شيء من قصصهم، وقد يذكر تعالى قصصهم مع قومهم دون ذكر

стр. 7442

أسمائهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾ (١). فمن كذب بذلك وأنكر أن للَّه رسلًا لم يسمهم فقد كفر، إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) في فصل عقده لبيان المعتقدات التي يكفر من خالفها: "اتفقوا أن النبوة حق، وأنه كان أنبياء كثير، منهم من سمى اللَّه تعالى في القرآن، ومنهم من لم يسم لنا" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن نصوص الشرع صرحت أن ثمة رسلًا لم يقص اللَّه تعالى خبرهم، فمن ذلك: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ (٤).

стр. 7443

• وجه الدلالة من الآيتين: في الآيتين تصريح بأن من الأنبياء من سماه اللَّه تعالى، ومنهم من لم يسمه تعالى، وإنكار ذلك تكذيب لصريح القرآن. ٣ - عن أبي ذر ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول اللَّه أي الأنبياء كان أول؟ قال: (آدم) قلت: يا رسول اللَّه ونبي كان؟ قال: (نعم، نبي مكلم) قال: قلت: يا رسول اللَّه كم المرسلون؟ قال: (ثلاث مائة وبضعة عشر جما غفيرًا)، -وقال مرة: خمسة عشر- (١). ٤ - عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إني خاتم ألف نبي وكثر، ما بعث نبي يتبع إلا قد حذر أمته الدجال، وأني قد بُين لي من أمره ما لم يبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور) (٢). فمن أنكر أن للَّه أنبياء لم يسمهم اللَّه تعالى فقد كذب نصوص الشريعة

стр. 7444

الصحيحة، وذلك كفر مخرج من الملة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٠٣/ ٤] المسألة الثالثة بعد المائة: النار حق وهي مخلوقة، ومن خالف ذلك كفر . • المراد بالمسألة: مما قُرر في نصوص القرآن وكلام صاحب الرسالة ﷺ أن من جملة الإيمان بالغيب الإيمان بأن ثمة نارًا خلقها اللَّه تعالى، يجب الإيمان بها، وأنها الآن مخلوقة موجودة، فمن أنكر ذلك فقد كفر. • من نقل الإجماع: قال الطحاوي (٣٢١ هـ): "اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن" (١). وقال الآجري (٣٦٠ هـ): "اعلموا رحمنا اللَّه وإياكم أن القرآن شاهد أن اللَّه خلق الجنة والنار قبل أن يخلق آدم ﵊، وخلق للجنة أهلًا، وللنار أهلًا، قبل أن يخرجهم إلى الدنيا، لا يختلف في هذا من شمله الإسلام" (٢). قال ابن حزم (٤٥٦ هـ) في معرض كلامه على بعض الاعتقادات المجمع عليها والتي كفر بها المخالف بإجماع فقال: "اتفقوا أن النار حق" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "الذي عليه جماعة أهل السنة والأثر أن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان" (٤). وقال أيضًا: "الجنة والنار مخلوقتان، وهو قول جماعة أهل السنة أهل الفقه والحديث" (٥). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "الجنة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم. . . وهذا كله مذهب أصحابنا، وسائر أهل السنة" (٦). وقال العراقي (٨٠٦ هـ): "النار

стр. 7445

مخلوقة الآن موجودة، وهذا إجماع ممن يعتد به" (١). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "لم يزل أصحاب رسول اللَّه والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك -وجود الجنة الآن- وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم إليها وأخبروا بها" (٢). • مستند الإجماع: مسألة الباب على شقين: الأول: أن النار حق. الثاني: أنها الآن مخلوقة موجودة. أما الأدلة على أن النار حق فنصوص الشريعة متواترة في إثبات ذلك، منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ (٤). ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ (٥). ٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ (٦). والآيات في هذا الباب كثيرة. ٥ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: (اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد

стр. 7446

أنت قيام السماوات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وأخرت، وأسررت وأعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت) (١). ٦ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل) (٢). والأحاديث في إثبات النار، وصفتها، والشفاعة في الخروج منها، كثيرة متواترة يطول ذكرها. أما كون النار مخلوقة وهي الآن موجودة فدليله ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ (٤). ٣ - قال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (٥).

стр. 7447

٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبربن، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم، قال اللَّه ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: انما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم اللَّه من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن اللَّه ينشئ لها خلقًا) (١). ٥ - عن ابن عباس ﵄ حين كسفت الشمس على عهد النبي ﷺ فصلى بهم صلاة الكسوف ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللَّه) قالوا: يا رسول اللَّه، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك كففت، فقال: (إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء)، قالوا: بم يا رسول اللَّه؟ قال: (بكفرهن)، قيل: أيكفرن باللَّه؟ قال: (بكفر العشير، وبكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط) (٢). ٦ - عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) (٣). ٧ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان

стр. 7448

من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك اللَّه يوم القيامة) (١). ٨ - عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم) (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم من السنة والجماعة (٣). [١٠٤/ ٤] المسألة الرابعة بعد المائة: النار أعدت لكل كافر مخالف لدين الإسلام، ولمن خالف الأنبياء السالفين قبل مبعث النبي ﷺ ، وبلغ خبره إليه، ومن خالف ذلك كفر . • المراد بالمسألة: تقرر في المسألة السابقة أن اللَّه تعالى خلق نارًا، وأوجب الإيمان بها، وهنا نقرر تواتر على أن هذه النار أعدها اللَّه تعالى للكافرين، الذين كفروا باللَّه تعالى أو برسله، فمن أنكر ذلك فهو كافر كفر يخرج من الملة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٦٥ هـ) في معرض كلامه على بعض الاعتقادات المجمع عليها والتي كفر بها المخالف بإجماع: "اتفقوا أنها -أي النار- أعدت لكل كافر مخالف لدين الإسلام، ولمن خالف الأنبياء السالفين قيل مبعث النبي ﷺ ، وبلوغ خبره إليه" (٤). • مستند الإجماع: أدلة الباب كثيرة، لكن سقتُ طرفًا منها في المسألة السابقة، بما يغني عن إعادته هنا. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7449

[١٠٥/ ٤] المسألة الخامسة بعد المائة: النار دار عذاب أبدًا لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدًا، ومن خالف في ذلك كفر . • المراد بالمسألة: يراد بمسألة الباب أن النار دار أعدها اللَّه تعالى للكافرين، وليس لهذه النار فناء، فمن حكم عليه بالخلود في النار فإنه معذب فيها أبد الآبدين، فلا تفنى النار، فيتخلص من العذاب، ولا هو يفنى أو يموت فينجو من النار. ويتبين مما سبق أن أصحاب الكبائر الذين جاءت النصوص بأنهم يدخلون النار ثم يخرجون إلى الجنة لا يرادون بمسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال أبو زرعة (٢٦٤) (١) وأبو حاتم (٢٧٧ هـ) (٢): "أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم. . . الجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان، لا يفنيان أبدًا" (٣). وقال ابن حزم (٤٦٥ هـ) في معرض كلامه على بعض الاعتقادات المجمع عليها والتي كفر بها المخالف بإجماع فقال: "اتفقوا أن النار حق، وأنها دار

стр. 7450

عذاب أبدًا، لا تفنى، ولا يفنى أهلها أبدًا" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "الذي عليه جماعة أهل السنة والأثر أن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان" (٢). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية، كالجنة، والنار، والعرش، وغير ذلك" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب، الكتاب، والسنة، والإجماع: • أولًا: من الكتاب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ (٥). ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ (٦). ٤ - قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ (٧). ٥ - قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا

стр. 7451

هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ (١). ٦ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ (٢). ٧ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ (٣). ٨ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ (٤). قال ابن كثير: " ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي: ساعة واحدة، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير" (٥). ٩ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ (٦)، قال ابن كثير: "غرامًا: أي: ملازمًا دائمًا" (٧). ١٠ - قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ (٨). • وجه الدلالة من الآيات السابقة: هذه الآيات دالة على استمرارية عذاب الكافرين. • ثانيًا: من السنة: ١ - عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون) (٩).

стр. 7452

٢ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ يا: أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، وبزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم) (١). وأحاديث الشفاعة متواترة في خروج الموحدين من أهل الكبائر، دون الكافرين مما يدل على بقائهم في النار، وليس في النصوص ما يشير إلى خروجهم منها، أو فنائهم. • ثالثًا: من الإجماع: نقل غير واحد من أهل العلم إجماع أهل السنة على ابقاء النار وأنها لا تفنى، فقال ابن حزم: "اتفقت فرق الأمة كلها على أنه لا فناء للجنة، ولا لنعيمها، ولا للنار، ولا لعذابها" (٢). وقال القرطبي بعد ذكره لبعض الأحاديث الدالة على دوام النار: "هذه الأحاديث مع صحتها نص في خلود أهل النار فيها لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد، من غير موت ولا حياة، ولا راحة، ولا نجاة. . . فمن قال: إنهم يخرجون منها، وأن النار تبقى خالية، وبجملتها خاوية على عروشها، وأنها تفنى وتزول، فهو خارج عن مقتضى المعقول، ومخالف لما جاء به الرسول، وما أجمع عليه أهل السنة والأئمة العدول" (٣). • المخالفون للإجماع: ذكر ابن القيم مسألة فناء النار في كتابه "حادي الأرواح" وذكر القول بفناء النار عن جملة من الصحابة والتابعين كعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وحماد بن سلمة وجماعة (٤).

стр. 7453

وقد انتصر ابن القيم في "حادي الأرواح" للقول بفناء النار، من جهة أنه ذكر أدلة القائلين بعدم فناء النار، وأجاب عن تلك الأدلة، وقوى أدلة القائلين بالفناء، حتى أن القارئ قد يلمح منه ترجيح القول به، وإن لم يكن مصرحًا بذلك. لكن له كلام آخر في "الوابل الصيب" يتبيَّن منه أن مراده بفناء النار فناء طبقة الموحدين بعد خروجهم منها، لا فناء النار مطلقًا، حيث قال: "الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشينه خبث، وخبيث لا طيب فيه، وآخرون فيهم خبث وطيب، دورهم ثلاثة: دار الطيب المحض، ودار الخبيث المحض وهاتان الداران لا تفنيان، ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة؛ فإنه لا يبقى في جهنم من عصاة الموحدين أحد؛ فإنهم إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار فأدخلوا الجنة، ولا يبقى إلا دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض" (١). وذكر نحو هذا القول في "زاد المعاد" (٢). بل إنه نسب القول بفناء النار مطلقًا للجهمية كما في "النونية" (٣). فيتحصل من هذا أن ابن القيم مع جمهور أهل السنة والجماعة في الجملة بالقول بأن النار لا تفنى. كما أن القول بفناء النار منسوب أيضًا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وموجب هذه النسبة أن ثمة رسالة منسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية ملخصها أن شيخ الإسلام ابن تيمية سُئل عن مسألة فناء الجنة والنار، فأجاب ابن تيمية عن ذلك بذكر آراء أهل العلم في المسألة، فقال: "وقد تنازع الناس في ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل: ببقائهما، وقيل: بفنائهما، وقيل: ببقاء الجنة دون النار.

стр. 7454

أما القول بفنائهما: فما رأينا أحدًا حكاه عن أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وإنما حكوه عن الجهم بن صفوان (١) وأتباعه الجهمية" (٢)، ثم بسط أدلة بقائهما، ثم قال: "وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف، والنزاع في ذلك معروف عن التابعين، ومن بعدهم" (٣). ثم ذكر أدلة القائلين بفناء النار، وتعقَّب أدلة القائلين بأنها تبقى، ومن جملة ما تعقبه أن من الناس من ظن القول ببقاء النار محل إجماع بين أهل العلم، فتعقبه بقوله: "أما الإجماع فهو أولًا: غير معلوم، فإن هذه المسائل لا يقطع فيها بالإجماع، نعم: قد يُظن فيها الإجماع، وذلك قبل أن يعرف النزاع، وقد عرف النزاع قديمًا وحديثًا، بل إلى الساعة لم أعلم أحدًا من الصحابة قال: إنها تفنى،

стр. 7455

وإنما المنقول عنهم ضد ذلك، ولكن التابعون نقل عنهم هذا وهذا" (١). ثم ذكر مسألة الفرق بين بقاء الجنة والنار، وختم بها الكتاب، دون التصريح باختيار أحد القولين. وبسبب هذه الرسالة، اختلف أهل العلم في نسبة القول بفناء النار لابن تيمية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن شيخ الإسلام يقول بفناء النار. وبهذا قال السبكي وألَّف فيه رسالة بعنوان: "الاعتبار ببقاء الجنة والنار"؛ واحتج بالرسالة السابقة المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية. القول الثاني: أن شيخ الإسلام لا يرى القول بفناء النار مطلقًا. والحجة في ذلك عدم الجزم بصحة نسبة الرسالة إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ولأنه ليس في الرسالة ترجيح للقول بفناء النار، ولأنه ليس في شيء من كتبه -غير هذه الرسالة- التصريح بهذا القول، بل المنقول في كتبه القول بأنها لا تفنى، ومن ذلك قوله: "اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار والعرش وغير ذلك، لم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب اللَّه وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة وأئمتها" (٢). وصرح بنسبة القول بفناء النار للجمهية حيث قال: "هذا الذي يذكره كثير من أهل الكلام الجهمة ونحوهم في الابتداء (٣) نظير ما يذكرونه في الانتهاء من

стр. 7456

أنه تفنى أجسام العالم حتى الجنة والنار" (١). القول الثالث: أن شيخ الإسلام يميل إلى القول بفناء النار. وبهذا قال ابن حجر (٢)، والسفاريني (٣)، وصديق حسن خان (٤) (٥)، والألوسي (٦) (٧). وذلك لما في الرسالة من تقوية القول بفناء النار، وتعقب أدلة القائلين بأنها لا تفنى. والذي يظهر -واللَّه أعلم- أنه لا يصح الجزم بنسبة القول بفناء النار إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، لتصريحه بفناءها -كما سبق نقله-، ولأنه ليس في الرسالة المنسوبة إليه التصريح باختيار القول بفناء النار.

стр. 7457

والذي يظهر واللَّه أعلم أحد أمرين: الأول: إما أن شيخ الإسلام يميل إلى القول بفناء النار دون الجزم به. الثاني: أن شيخ الإسلام لا يرى القول بفناء النار ولا يميل له أيضًا، وإنما أراد بذكر الخلاف في المسألة وتقوية أدلة القائلين بفناء النار أن يُبيِّن أن المسألة محل خلاف معتبر، وأن المخالف فيها لا يُضلل، ولا يُبدع؛ إذ الخلاف فيها مأثور عن السلف، لا سيما وأن سبب الرسالة أن تلميذه ابن القيم سأل شيخه ابن تيمية عن مسألة فناء النار، وأنها من المسائل المشكلة (١)، فبَين له شيخ الإسلام الجواب باستقصاء أدلة الفريقين، مع الموازنة في الأدلة، حتى ظن من ظن بأنه يقول بفناء النار أو يميل إليه. وهذا الثاني هو الأظهر في نظر الباحث، واللَّه أعلم (٢).

стр. 7458

• دليل المخالف: من أدلة القول بفناء النار ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة من الآيتين: أن الثه تعالى ذكر استثناء في خلود أهل النار فيها بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، بخلاف أهل الجنة حيث صرَّح سبحانه بدوامها فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٣). • وجه الدلالة: أخبر تعالى بأن أهل النار يلبثون فيها أحقابًا، والحقب يطلق على مدة من الزمان ثم تنقضي، قال ابن كثير: " ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جمع "حقُب"، وهو: المدة من الزمان" (٤).

стр. 7459

٤ - أنه مروي عن جماعة من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، ومن ذلك: عن الحسن بن البصري قال: قال عمر ﵁: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (١)، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه" (٢). كما أنه مروي عن ابن مسعود (٣)، وأبي هريرة (٤)، وأبي سعيد (٥)،

стр. 7460

وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص (١) رضي اللَّه عن الجميع. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم. لكن ينبه إلى أن هذه المسألة لا ينبغي أن تكون من المشكلات على طالب العلم؛ من جهة أن المخالف فيها لا يُعد خارجًا عن جملة أهل السنة والجماعة فضلًا عن خروجه عن الدين بالكلية؛ لِما ذكره ابن القيم من الآثار في ذلك عن بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وإن كانت هذه الآثار غير مسلَّمة من جهة السند، لكن فيها إشارة إلى أن المسألة ليست من الأصول التي يضلل فيها المخالف، ولذا لما ذكر السبكي المسألة وجعل القول بفناء النار من أقوال أهل البدع والضلال تعقبه ابن القيم حيث قال: "فقولكم إنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم، وآرائهم، واختلافهم" (٢). وفي ذلك يقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه اللَّه-: "وغاية ما يقال إنه قول خطأ، أو رأي غير صواب، ولا يقال: بدعة، وليس قصدي الدفاع عن هذا القول ولكن قصدي بيان أنه ليس بدعة ولا ينطبق عليه ضابط البدعة" (٣). وحاصل الكلام أن من قدح في شيخ الإسلام أو ابن القيم بسبب هذه المسألة فجوابه من وجهين:
следующие страницы →