← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

ونص كلامه ﵀ لا يتبين منه هل هو عام فيمن جنى في الحرم، ومن كان في غير الحرم ثم لجأ إليه، غير أنه محمول على الصورة الثانية فقط؛ لأنه ساق في مطلع المسألة (١) قول ابن عباس ﵄: من قتل أو سرق في الحل، ثم دخل الحرم، فإنه لا يُجالس، ولا يُكلّم، ولا يؤذى، ويناشد حتى يخرج، فيؤخذ فيقام عليه الحدّ، ومن قتل أو سرق فأخذ في الحل ثم أُدخل الحرم فأرادوا أن يقيموا عليه ما أصاب أخرجوه من الحرم إلى الحِلّ، فأقيم عليه، وإن قتل في الحرم أو سرق أقيم عليه في الحرم (٢)، وهو ظاهر في الاستثناء. • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. • وجه الدلالة كما يقول ابن حزم ﵀: هذا أمر من اللَّه تعالى مخرجه مخرج الخبر، ولا يخلو من أن يكون خبرا أو أمرا، فبطل أن يكون خبرا؛ لأننا قد وجدنا القرامطة الكفرة لعنهم اللَّه قد قتلوا فيه أهل الإسلام، . . فصحّ يقينا أنه أمر من اللَّه تعالى إذ لم يبق غيره (٣). ٢ - عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ يوم افْتَتَحَ مَكَّةَ: "إن اللَّه حرّم مكة فلم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرّف" (٤).

стр. 7737

يقول ابن حزم ﵀: فبيقين ندري أن رسول اللَّه ﷺ لم يحرّم مكة خصوصا القتال المحرم بالظلم؛ لأنه محرّم في كل مكان في الأرض، لكنه ﵊ نصّ على أنه إنما حرّم القتال المأمور به في غيرها؛ لأَنَّهُ ﵊ المقاتل في مكة، ولا قتل إلا بحق، ونهى عن ذلك القتال بعينه، وحرم أن يحتج به في مثله (١). • من خالف الإجماع: خالف في هذه المسألة المالكية (٢)، والشافعية (٣) فأجازوا قتل القاتل الذي يلجأ إلى الحرم، بل إن ابن رشد الجدّ (٤٥٠ هـ) ﵀ حكى إجماع الفقهاء عليه، فقال بعد أن ذكر جواب الإمام مالك في الرجل يقتل فيوجد بمكة فيقوم أولياؤه أترى أن يقتل في الحرم وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]؟ . قال: نعم يُقتل، ولا ينتظر به الفراغ من حجه والحرم أحق ما أقيم فيه حدود اللَّه. قال ابن رشد: ولا أحفظ فيه اختلافًا بين أحد من فقهاء الأمصار (٤). ججج عدم صحة الإجماع لوجود الخلاف في المسألة. [٤٣/ ٢] من قتل في الحرم جاز قتله فيه: • المراد من المسألة: أن الفقهاء مختلفون فيمن قتل في الحلّ ثم دخل الحرم، هل يقاد منه فيه أم لا؟ (٥)، ويتفقون على أن تنفيذ القصاص في الحرم لمن قتل في الحرم جائز.

стр. 7738

• من نقل الإجماع: قال الإمام أبو بكر الجصاص (٣٧١ هـ): الدلالة قد قامت من اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل (١)، وقال: الفقهاء متفقون على أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها (٢). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أن من قتل في الحرم جاز قتله في الحرم (٣). وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة (٦٢٠ هـ): من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدًا أو قصاصًا فإنه يقام عليه حدها لا نعلم فيه خلافًا (٤). وقال الإمام أبو عبد اللَّه القرطبي (٦٧١ هـ) يقول: وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه (٥). وقال الإمام شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): من انتهك حرمة الحرم بجناية فيه توجب حدًا أو قصاصًا فإنه يقام عليه حدها فيه لا نعلم خلافًا (٦). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): واتفقوا على أن من قتل في الحرم جاز قتله فيه (٧). وقال الإمام برهان الدين ابن مفلح (٨٨٤ هـ): وإن فعل ذلك في الحرم استوفي منه فيه بغير خلاف نعلمه (٨). وقال الإمام الحصكفي (١٠٨٨ هـ): (ولو أنشأ القتل في الحرم قتل فيه) إجماعا (٩).

стр. 7739

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]. • وجه الدلالة: أن اللَّه أباح قتلهم عند قتالهم في الحرم (١). ٢ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (. . . وإن قتل في الحرم أو سرق أقيم عليه في الحرم) (٢). ٣ - أن أهل الحرم يحتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظًا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع الحد أو القصاص في حق من ارتكب الحد في الحرم أو القتل فيه لتعطلت حدود اللَّه في حقهم وفاتت هذه المصالح التي لابد منها ولا يجوز الإخلال بها (٣). ٤ - أن الجاني في الحَرَم هاتك لحرمته، وحرمة الحرم لا تنتهض لتحريم دمه وصيانته، كالجاني في دار الملِك لا يُعصم لحرمة المُلك (٤). ججج صحة الإجماع؛ لعدم وجود المخالف. [٤٤/ ٣] وجوب تأخير استيفاء القصاص إلى البلوغ إذا كان الأولياء كلهم صغارًا وليس لهم أب: • المراد من المسألة: أن الفقهاء متفقون على أن أولياء القتيل إذا كانوا صغارا كلهم وليس لهم أب فإن القصاص يجب تأخيره إلى حين بلوغهم، ولا يجوز لأحد أن ينوب عنهم. • من نقل الإجماع: قال الإمام المرداوي (٨٨٥ هـ): (ويشترط له ثلاثه شروط أحدها: أن يكون مستحقه مكلفا فإن كان صبيا أو مجنونا لم يجز استيفاؤه

стр. 7740

ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون) بلا نزاع في الجملة (١). وقال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): وأما إذا كان ولي الدم صغيرًا، انتظر بلوغه إجماعًا (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول، الشافعية (٣). • مستند الإجماع: ١ - قوله ﷺ : "من قتل له قتيل فأهله بين خِيَرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية" (٤). • وجه الدلالة أنه أضاف القتل إلى اختيار جميع الأهل، والصغير من جملتهم، فإذا لم يوجد منه الاختيار لم يجز القتل (٥). ٢ - أن القصد من القصاص التشفي ودرك الغيظ ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي (٦). ٣ - أن الولي لا يملك إيقاع الطلاق بزوجة الصغير فلا يملك استيفاء القصاص له (٧). • من خالف الإجماع: ١ - ذهب بعض الحنفية إلى أن الأولياء إذا كانوا صغار فإن السلطان أو القاضي ينوب عنهم في استيفاء القصاص، وذهب آخرون إلى أنه ينتظر إلى

стр. 7741

بلوغهم أو بلوغ أحدهم (١). ١ - وذهب المالكية وابن حزم من الظاهرية إلى جواز استيفاء الولي القصاص عن الصغير سواء كان الولي أبًا أو غير ذلك. وحجة المالكية: أن انتظار بلوغ الصبي يطول وبذلك تضيع الدماء وتبطل. وحجة ابن حزم: أن القود حق قد وجب بلا شك ولا تجب الدية إلا برضا الوارث وهو هنا الصبي الذي لم يبلغ والصبي لا رضا له فأصبح أخذ القود هنا واجب بكل حال يأخذه له الولي (٢). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٤٥/ ٤] وجوب تأخير القصاص إلى حضور الغائب من الأولياء • المراد من المسألة: أن الفقهاء متفقون على أنه إذا قُتل شخص وله وليّان حاضر وغائب فأقام الحاضر البينة على القتل لا يقتل القاتل قصاصا حتى يعود الغائب. • من نقل الإجماع: قال الإمام الماوردي (٤٥٠ هـ): أما إذا كان ورثة القتيل أهل رشد لا ولاية على واحد منهم، فليس لبعضهم أن ينفرد بالقود دون شركائه، وعليه أن يستأذن من حضر وينتظر من غاب، وهذا متفق عليه (٣). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أنه إذا كان الأولياء صغارا أو غُيَّبا فإنه يؤخر القصاص، . . .، فإن كان فيهم صغار أو غُيّب أو مجنون فقالوا كلهم: إن الغائب يُؤخَّر القصاص لأجله حتى يقدم (٤). وقال الإمام العِمراني (٥٥٨ هـ): فإن كان القصاص لجماعة وبعضهم حاضر

стр. 7742

وبعضهم غائب لم يجز للحاضر أن يستوفي بغير إذن الغائب، بلا خلاف (١). وقال الإمام ابن نُجيم (٩٧٠ هـ): وأجمعوا على أنه لا يقضي بالقصاص ما لم يحضر الغائب (٢). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): اتفق الأئمة على أن القصاص يؤخر في مسألة الغائب (٣). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): أن ورثة القتيل إذا كانوا أكثر من واحد لم يجز لبعضهم استيفاء القود إلا بإذن الباقين فإن كان بعضهم غائبًا انتظر قدومه ولم يجز للحاضر الاستقلال بالاستيفاء بغير خلاف علمناه (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية (٥). • مستند الإجماع: ١ - أن في استيفاء الحاضر القصاص افتئات على ما ليس بحق له؛ لاحتمال العفو من الغائب (٦). ٢ - أن في اشتراط حضور الغائب رجاء العفو منه عند معاينة حلول العقوبة بالقاتل (٧). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع ابن حزم من الظاهرية حيث لا يرى وجوب انتظار قدوم الغائب. وحجته: أن القصاص حق قد وجب بيقين، فأخذه واجب على كل حال، يأخذه الولي الحاضر أو السلطان إن لم يكن هناك ولي (٨).

стр. 7743

وحكي في مذهب الحنابلة رواية، واختلف في ثبوتها، قال الزركشي (١) الحنبلي (٧٧٢ هـ): وحكى ابن حِمدان في رعايته الصغرى رواية بأن من حضر له الاستيفاء وعمّمها، وخصّها الشيخان (٢) ومن رأينا كلامه بالصبي والمجنون، وجعلوا الغائب أصلا قاسوا عليه المذهب (٣). وقال المرداوي: وحكى في الرعايتين ومن تابعه رواية: بأن للحاضر مع عدم العفو القصاص كالرواية التي في الصغير والمجنون الآتية، ولم نرها لغيره (٤). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٤٦/ ٥] حبس القاتل عند غياب أحد أولياء القتيل • المراد من المسألة: أن الفقهاء متفقون على أنه إذا قُتل شخص وله وليان حاضر وغائب فأقام الحاضر البينة على القتل لا يقتل القاتل قصاصا بطلب من له القصاص، وإنما يحبس حتى يحضر الغائب. • من نقل الإجماع: قال الإمام الزيلعي (٧٤٣ هـ): وأجمعوا على أن القاتل يحبس إذا أقام الحاضر البينة (٥). وكذلك نقله الإمام ابن نُجيم (٩٧٠ هـ) (٦). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية (٧)، والشافعية (٨)،

стр. 7744

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - أن في حبس القاتل حتى يحضر الغائب من الأولياء حظًا للقاتل بتأخير قتله، وحظًا للمستحق بإيصال حقه إليه (٢). ٢ - أن الأولياء يستحقون إتلاف نفسه ومنفعته، فإذا تعذر استيفاء النفس لعارض بقي إتلاف المنفعة سالما عن المعارض (٣). • من خالف الإجماع: قال النووي: وفي أمالي السَرَخْسي (٤) أن الشيخ أبا علي (٥) قال: لا يحبس القاتل، لأنه عقوبة زائدة، وحمَل الحبس في كلام الشافعي ﵀ على التوقف للانتظار، والصحيح الأول، وبه قطع الجماهير قال الأصحاب: وحبسه أهون عليه من تعجيل القتل، ولا طريق إلى حفظ الحق سواه (٦). وحيث إن هذه المسألة مرتبة على المسألة السابقة، فإن الإمام ابن حزم يكون مخالفا فيها؛ لأنه لا يرى وجوب الانتظار أساسا، فضلا عن الحبس. ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة.

стр. 7745

• تنبيه: محل الانتظار عند بعض فقهاء المالكية إذا لم تبعد الغيبة، جاء في الشرح الكبير للدردير ما نصه: (وانتُظر غائب) من العصبة (لم تبعد غيبته) جدا، بل كانت قريبة بحيث تصل إليه الأخبار إن أراد الحاضر القصاص، فإن أراد العفو فله ذلك، ولا ينتظر الغائب، بل له إذا حضر نصيبه من دية عمد كما سيأتي، فإن بعدت غيبته جدا -بحيث يتعذر وصول الخبر إليه- لم ينتظر كأسير ومفقود (١). وفي حاشية الصاوي (٢) على الشرح الصغير: هذا قول ابن القاسم (٣) في المجموعة، وظاهر المدونة عند ابن رشد وأبي عمران (٤): أن الغائب ينتظر وإن بعدت غيبته (٥). [٤٧/ ٦] لا ولاية للأب على ولده الكبير في استيفاء القصاص • المراد من المسألة: أن الفقهاء متفقون على أنه إذا كان للقتيل أولياء كبارا، وكان لهؤلاء الأولياء أو أحدهم أبا ليس والدا للقتيل -كما لو تزوج رجل امرأة له منها ولد، ثم طلقها وتزوجت آخر أتت منه بولد هو القتيل- فإنه لا ولاية لوالد الكبير عليه في استيفاء القصاص.

стр. 7746

• من نقل الإجماع: قال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أن الأب ليس له أن يستوفي القصاص لولده الكبير (١). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): وليس للأب أن يستوفي القصاص لولده الكبير بالاتفاق (٢). وقال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): واتفقوا على أنه ليس للأب أن يستوفي القصاص لولده الكبير (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٤)، والمالكية (٥). • مستند الإجماع: يمكن أن يستدل لهذا الإجماع بأن ولاية الأب لا تكون إلا لقِصَر في المولّى عليه كالصِغر في الولاية على الصغير، والكبير فاقد لهذا الوصف فلا معنى لأن يولّى عليه. ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة. [٤٨/ ٧] تأخير القصاص عن الحامل حتى تضع . • المراد من المسألة: أن العلماء متفقون على أن الحامل إذا قتلت قتل عمد فإنه لا يقتص منها حتى تضع حملها. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): قال مالك وإذا قتلت المرأة رجلًا أو امرأة عمدًا والتي قتلت حامل لم يُقد منها حتى تضع حملها قال

стр. 7747

أبو عمر هذا إجماع من العلماء وسنة مسنونة (١). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أنه إذا كان الأولياء حضورا بالغين وطالبوا لم يؤخر القصاص إلا أن يكون القاتل امرأة وتكون حاملا يؤخر القصاص حتى تضع (٢). وقال الإمام ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): وأجمعوا على أن الحامل إذا قتلت عمدا أنه لا يقاد منها حتى تضع حملها (٣). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا يجوز أن يقتص من حامل قبل وضعها سواء كانت حاملا وقت الجناية أو حملت بعدها قبل الاستيفاء وسواء كان القصاص في النفس أو في الطرف: أما في النفس، . . .، ولأن هذا إجماع من أهل العلم لا نعلم بينهم فيه اختلافا (٤). وقد نقله عنه ابن قاسم (٥). وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): أما تأخيرها إلى الوضع في قصاص النفس فبالإجماع (٦). وقال الإمام ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): وذكر غير واحد إجماع العلماء: أنها لا تقتل حتى تضع وتسقيه اللبأ (٧)، وترضعه مع عدم وجود من يرضعه، لعموم الآية وغيرها (٨). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٩). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ

стр. 7748

فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. • وجه الدلالة: أن قتل الحمل قتل لغير القاتل فيكون إسرافًا (١). ٢ - عن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قَتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا وحتى تكفل ولدها، وإن زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها وحتى تكفل ولدها" (٢). ٣ - ما جاء في حديث الغامدية عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنها قالت: يا رسول اللَّه، طهّرني، فقال: "ويحك ارجعي فاستغفري اللَّه وتوبي إليه" فقالت: أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، قال: "وما ذاك؟ " قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: "آنت؟ " قالت: نعم، فقال لها: "حتى تضعي ما في بطنك"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي ﷺ ، فقال: "قد وضعت الغامدية"، فقال: "إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه"، فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه يا نبي اللَّه، قال: فرجمها (٣). • وجه الدلالة أن الحديثين دلّا على تأخير الحدّ على الحامل، ويقاس عليه القصاص لكونه في معناه. ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة.

стр. 7749

الفصل الخامس العفو عن القصاص [٤٩/ ١] العفو مجانا عن القصاص أفضل من أخذ الدية: • المراد من المسألة: أن الجناية التي توجب القصاص العفو فيها أفضل من استيفاء القصاص، والعفو فيها إلى غير المال أفضل من أخذ الدية. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): أجمع أهل العلم على إجازة العفو عن القصاص، وأنه أفضل (١). وقال الإمام المرداوي (٨٨٥ هـ): والعفو أفضل. بلا نزاع في الجملة (٢). وقال الإمام ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): وعفوه مجانا أفضل بلا نزاع (٣). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع المنقول الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. • وجه الدلالة أن اللَّه جعل في التصدق بالقصاص كفارة للمتصدِّق به على أظهر القولين في تفسيرها، واسم الصدقة يقتضي أن يكون التصدق بغير المال (٧).

стр. 7750

٢ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من جرح في جسده جراحة فتصدق بها كفر عنه ذنوبه بمثل ما تصدق به" (١). • وجه الدلالة منه أنه جعل تصدق المجني على الجاني كفارة للمجروح (٢). ٣ - عن أنس ﵁: "ما أتي النبي ﷺ في شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو" (٣). • وجه الدلالة في حرص النبي ﷺ على العفو فيما يعرض له ممن يطلب القصاص، والعفو عند الإطلاق يراد به العفو على غير مال (٤). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة. [٥٠/ ٢] لا يجبر أحد من الأولياء على العفو • المراد من المسألة: أن من قتل عمدا فإن ولي دمه مخيّر بين المطالبة بالقصاص أو العفو إلى الدية، ولا يحق لأحد إجباره على هذا العفو وإن كان أفضل. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فأعلى ما يريده أهل هذا القول أن يكون العفو أعظم أجرا، والقصاص بلا شكّ مباح، وإذا كان كلاهما مباحا فلا يجوز بلا خلاف أن يجبر على الأفضل من لا يريده غير راغب (٥).

стр. 7751

• من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. • وجه الدلالة: أن اسم السلطان الذي جعله اللَّه لولي القتيل يقع على المال كما يقع على القود، وحينئذ يكون تقدير الآية ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا في القود والدية (٥). ٢ - عن أبي شريح الكعبي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثم أنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا واللَّه عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية" (٦). ٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول اللَّه ﷺ فقال: "من قتل له قتيل، فهو بخير النّظرين، إمّا أن يودى، وإمّا يقاد" (٧). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة. [٥١/ ٣] عفو الولي يكون بعد موت المجني عليه: • المراد من المسألة: أن عفو ولي الدم عن القصاص إلى الدية لا يثبت قبل موت المجني عليه، وإنما يثبت حقا له بعد موته.

стр. 7752

• من نقل الإجماع: قال الإمام ابن بطال (١) (٤٤٩ هـ): هذا أصل مجمع عليه أن عفو الولي لا يكون إلا بعد الموت (٢). وقد نقله عنه الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ) (٣). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، وابن حزم من الظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. • وجه الدلالة أن السلطان الذي جعله اللَّه للولي مرتب على قوله (ومن قتل مظلوما)، والقتل لا يكون إلا بالموت. ٢ - عن أبي شريح الكعبي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ثم أنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا واللَّه عاقله، فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية" (٩). • وجه الدلالة أن تخيير الولي بين القصاص والعفو في قوله (فأهله بين خيرتين) مرتب على قوله (فمن قتل بعده قتيلا)، والقتيل لا يسمى قتيلا إلا بعد موته.

стр. 7753

٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول اللَّه ﷺ فقال: "من قتل له قتيل، فهو بخير النّظرين، إمّا أن يودى، وإمّا يقاد" (١). • وجه الدلالة أن تخيير الولي بين القصاص والعفو في قوله (فهو بخير النّظرين) مرتب على قوله (من قتل له قتيل)، والقتيل لا يسمى قتيلا إلا بعد موته. ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة. [٥٢/ ٤] سقوط القصاص بعفو أحد أولياء الدم الرجال • المراد من المسألة: أن أولياء القتيل إذا كانوا رجالا، أو رجالا ونساءً (٢)، فعفى أحد الرجال عن القصاص فإن حق البقية في القصاص يسقط، ويلزم العفو جميع الأولياء. • من نقل الإجماع: قال الإمام السَرَخْسي (٤٩٠ هـ): لا خلاف أن أحد الشريكين في الدم إذا عفا أن للآخر أن يستوفي المال (٣). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أنه إذا عفى أحد الأولياء من الرجال سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية (٤). وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٥). وقال الإمام ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): أجمعوا على أن المقتول عمدا إذا كان له بنون بالغون فعفا أحدهم أن القصاص قد بطل ووجبت الدية (٦).

стр. 7754

وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): واتفقوا على أنه إذا عفا رجل من أولياء الدم سقط القصاص، وانتقل الأمر إلى الدية (١). وقال الإمام شمس الدين المنهاجي الشافعي (٢) (٨٨٠ هـ): واتفقوا على أنه إذا عفا رجل من أولياء الدم سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية (٣). • مستند الإجماع: ١ - عن زيد بن وهب، أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجل قتل رجلا، فأراد أولياء المقتول قتله، فقالت أخت المقتول: وهي امرأة القاتل: قد عفوت عن حصتي من زوجي، فقال عمر: "عتق الرجل من القتل" (٤). ٢ - عن قتادة، أن عمر بن الخطاب رفع إليه رجل قتل رجلا، فجاء أولياء المقتول، وقد عفا أحدهم، فقال عمر لابن مسعود وهو إلى جنبه: ما تقول؟ فقال ابن مسعود: أقول: "إنه قد أحرز من القتل" قال: فضرب على كتفه ثم قال: كنيف ملئ علما (٥).

стр. 7755

٣ - أن القصاص مشترك بينهم وهو مما لا يتبعض ومبناه على الإسقاط فإذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتق في نصيب أحد الشريكين (١). • من خالف الإجماع: خالف في هذه المسألة ابن حزم من الظاهرية حيث يرى عدم سقوط القصاص بعفو بعض الأولياء بل لابد من عفوهم جميعا. وحجته: أن القود والدية قد ورد التخيير فيهما ورودا واحدا ليس أحدهما مقدما على الآخر، فلم يجز أن يغلب عفو العافي على إرادة من أراد القصاص إلا بنص أو إجماع، ولا نص، ولا إجماع في تغليب العافي، فنظرنا في ذلك فوجدنا اللَّه تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فوجب بهذه الآية أن لا يجوز عفو العافي عمن لم يعف (٢). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٥٣/ ٥] جواز العفو عن القصاص إلى أقل من الدية: • المراد من المسألة: أن جناية العمد التي توجب قصاصا (٣)، يجوز الصلح فيها مع المجني عليه على أقل من الدية. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): من له القصاص، له أن يصالح عنه بأكثر من الدية، وبقدرها وأقل منها، لا أعلم فيه خلافا (٤).

стр. 7756

وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): (ولو تصالحا) أي الولي والجاني (عن القود على) أكثر من الدية كالصلح على (مائتي بعير لغا) هذا الصلح (إن أوجبنا أحدهما) لا بعينه؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من مائة على مائتين (وإلا) بأن أوجبنا القود عينا والدية بدل عنه (فالأصح الصحة). . . ولو تصالحا -أي الولي والجاني- على أقل من الدية صح بلا خلاف كما قاله القاضي (١) (٢). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤). • مستند الإجماع: أن القصاص جائز إسقاطه مجانا، فالصلح فيه على ما هو فوقه أولى (٥). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة. [٥٤/ ٦] جواز العفو عن القصاص إلى أكثر من الدية: • المراد من المسألة: أن جناية العمد التي توجب قصاصا، يجوز الصلح فيها مع المجني عليه على أكثر من الدية. • من نقل الإجماع: يقول الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية، وبقدرها وأقل منها، لا أعلم فيه خلافا (٦).

стр. 7757

• من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية في قول (٣)، والحنابلة في الأصح المشهور (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد القتل" (٥). ٢ - أن هُدبة بن خَشرم قتل قتيلا، فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبى ذلك وقتله (٦). ٣ - أنه صلح عن ما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح عن العروض (٧). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الشافعية في قول، والحنابلة في قول، اختاره ابن عَقيل (٨)، وبعض المتأخرين كابن القيم (٩).

стр. 7758

وخلافهم هذا مبني على الخلاف في موجب العمد (١)، هل هو القود عينا، أو أحد شيئين لا بعينه: القود أو الدية، أو القود عينا مع التخيير بينه وبين الدية وإن لم يرض الجاني؟ وهذا القول مفرعّ على القول الثاني، وهو أن موجب العمد أحد شيئين: القود أو الدية (٢). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٥٥/ ٧] إذا قال المجني عليه: عفوت عن الجناية وما يحدث منها كان عفوا عن دية النفس: • المراد من المسألة: إذا قال المجني عليه بجراحة: عفوت عنها وعما يحدث منها، صح هذا العفو منه، فيسقط القود والدية إن مات بعدها. • من نقل الإجماع: قال الإمام السَرَخْسي (٤٩٠ هـ): من قطع يد إنسان، أو شجه موضحة فقال المجني عليه عفوت عن القطع، أو عن الشجة، فإن اقتصر جاز العفو بالاتفاق، وإن سرى إلى النفمس، فالعفو باطل في قول أبي حنيفة وفي القياس يلزمه النقصان وفي الاستحسان تلزمه الدية في ماله وقال أبو يوسف ومحمد العفو صحيح ولا شيء عليه، وأما إذا قال: عفوتك عن الجناية أو الشجة وما يحدث منها أو عن القطع وما يحدث منه، صح العفو بالاتفاق (٣). وقال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): وإن سرى إلى النفس ومات فإن كان العفو بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها صح بالإجماع ولا شيء على القاتل (٤). وله لفظ آخر قريب من هذا (٥).

стр. 7759

وقال الإمام العَيني (٨٥٥ هـ): (ولأن اسم القطع يتناول). . . (الساري والمقتصر فيكون العفو عن قطع عفوا عن نوعيه وصار كما إذا عفا عن الجناية فإنه يتناول الجناية السارية والمقتصرة) بلا خلاف (١). وقال الإمام ابن نُجيم (٩٧٠ هـ): ولو قال: عفوت عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه كان عفوا عن دية النفس بالإجماع (٢). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية في المشهور (٣)، والشافعية في قول (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - أنّ سبب ثبوت الحقّ الشّجّة ولولاه لما صحّ العفو عن الجناية، أو عن الجراحة وما يحدث منها، فإذا عفي عن الشّجّة صار أصل السّبب هدرا، فالسّراية الّتي تنبني عليه تكون هدرا أيضا (٦). ٢ - أنّه إسقاط للحقّ بعد انعقاد سببه، فسقط، كما لو أسقط الشّفعة بعد البيع (٧). • من خالف الإجماع: خالف في هذه المسألة المالكية في القول الآخر (٨)، والشافعية في القول الظاهر عندهم (٩)، والحنابلة في رواية (١٠)، وابن حزم من

стр. 7760

الظاهرية (١) حيث يرى أصحاب هذا القول أن دية النفس لازمة إذا سرت الجناية أو الجراحة إليها ولا تسقط بعفو المجني عليه عن الجراحة أو الجناية وما يحدث منها. وجحتهم: أنّ إسقاط الشّيء قبل ثبوته غير منتظم وهنا عفا المجني عليه عن دية. النفس قبل ثبوتها حيث سرت الجناية أو الجراحة إلى النفس والعفو كان قبل السراية فيكون ذلك إسقاط للشيء قبل ثبوته وذلك لا ينتظم (٢). ججج عدم صحة الإجماع لوجود الخلاف في المسألة، ولعل ما نقله أئمة الحنفية يعنون به الاتفاق المذهبي، وهو اتفاق أبي حنيفة وصاحبيه في هذه المسألة، وربما أيّد ذلك السياق الذي حكي فيه، فإنه ذكر بعد حكاية خلاف الصاحبين للإمام كما تراه في نص الإمام السَرَخْسي، وقد ذكر الإمام العَيني الحنفي خلاف الشافعي في هذه المسألة فقال: (ومن قطع يد رجل فعفا المقطوعة يده عن القطع ثم مات من ذلك، فعلى القاطع الدية في ماله، وإن عفا عن القطع وما يحدث منه ثم مات من ذلك، فهو عفو) ش: أي عفو م: (عن النفس) ش: سواء عفا بلفظ العفو أو الوصية، وبه قال مالك، وأحمد، و. .، وقال أصحاب الشافعي: إذا قال عفوت عن الجناية وما يحدث منها، ففيها قولان. . (٣). [٥٦/ ٨] وجوب القصاص على الجاني من الأولياء مع علمه بعفو أحد الأولياء: • المراد من المسألة: أن أولياء الدم إذا عفا أحدهم عن القصاص، سقط القصاص جملة، فلو قتل الجاني أحد الباقين عالما بالعفو فعليه القود، فإن لم يكن عالما لزمته الدية.

стр. 7761

• من نقل الإجماع: قال الإمام المرداوي (٨٨٥ هـ): قوله: (وإن قتله الباقون عالمين بالعفو وسقوط القصاص فعليهم القود، وإلا فلا قود عليهم، وعليهم ديته) بلا نزاع (١). وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٢). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: ١ - أنه قتل معصومًا مكافئًا له لا حق له فيه، فوجب عليه القصاص، كما لو حكم بالعفو حاكم (٦). ٢ - أنه قتل عمد عدوانا، أشبه القتل ابتداء (٧). • من خالف الإجماع: خالف في هذا المسألة طائفة من أهل العلم منهم الحسن البصري (٨)، حيث قال إن ولي الدم إذا قتل القاتل بعد العفو تؤخذ منه الدية ولا يقتل، واحتجوا بقوله ﵎ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨] جعل جزاء المعتدي، وهو القاتل بعد العفو العذاب الأليم، وهو عذاب الآخرة -نستجير باللَّه من هو له- فلو وجب القصاص في الدنيا لصار المذكور بعض الجزاء (٩). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة.

стр. 7762

[٥٧/ ٩] لا يجبر القاتل على افتداء نفسه من القصاص بعين ما يملكه من عبد أو دار أو نحو ذلك: • المراد من المسألة: أن الفقهاء اختلفوا في وجوب قبول القاتل دفع الدية لافتداء نفسه إذا طلبها وليّ المقتول (١)، بينما هم يتفقون في أن القاتل لا يلزم بافتداء نفسه بعين ما يملكه من دار أو عبد أو نحو ذلك. • من نقل الإجماع: قال الإمام الطحاوي (٣٢١ هـ): أجمعوا أن الولي لو قال للقاتل: قد رضيت أن آخذ دارك هذه على أن لا أقتلك أن الواجب على القاتل فيما بينه وبين اللَّه تسليم ذلك له وحقن دم نفسه فإن أبى لم يُجبر عليه باتفاقهم على ذلك ولم يؤخذ منه ذلك كرها فيدفع إلى الولي. . . وأجمعوا جميعا: أن ولي المقتول لو طلب من القاتل داره أو عبده على أن يأخذ ذلك منه، ويرفع القود عنه أن على القاتل فيما بينه وبين ربه أن يفعل ذلك، وأنه غير مجبر عليه إن أباه (٢). وقد نقله عنه الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ) (٣)، ولم يتعقبه بشيء. • من وافق الإجماع: هذا الاتفاق الذي حكاه الطحاوي مفرّع على الاختلاف في مسألة إجبار القاتل على قبول دفع الدية إذا عفا ولي الدم، وقد ذكره إلزاما لمن يقول بإجباره، استدلالا منه بموطن الاتفاق على موضع النزاع، وعليه فالفقهاء الذين لا يرون إجباره كالحنفية (٤)، والمالكية في المشهور (٥)، والشافعي في القديم (٦)، والحنابلة في رواية (٧)، يلزم على مقتضى مذهبهم أن

стр. 7763

لا يجبرونه على افتداء نفسه بعين ما يملكه من دار أو عبد، وأما من قال بأن الجاني يجبر على قبول الدية، كسعيد بن المسيّب (١)، وابن سيرين (٢)، وعطاء، ومجاهد (٣)، وإسحاق (٤)، وأبي ثور، وابن المنذر (٥)، وأشهب (٦) من أصحاب مالك (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة في المشهور (٩)، فلم نقف لهم على نص في خصوص هذه المسألة بعينها. ججج تقدم أنه بعد البحث لم نقف على نص للقائلين بإجبار الجاني على قبول دفع الدية في خصوص هذه المسألة، وعليه فالذي يظهر -والعلم عند اللَّه- أن إثبات الإجماع في هذه المسألة عَسِر، ذلك أنه لا يبعد أن يلتزم أحد هؤلاء إجباره على دفع داره أو عبده لافتداء نفسه إذا لم يكن له مال، ويعامل معاملة

стр. 7764

المفلس في بيع ماله، ولكن باستصحاب الأصل في عدم وجود مخالف لنصوص الإجماع فإنا نقول بتحقق الإجماع فيها، واللَّه أعلم. [٥٨/ ١٠] ليس للسلطان العفو عن القاتل غيلة أو حرابة إذا طالب أولياء الدم بالقصاص: • المراد من المسألة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن دم القاتل غِيلة (١) أو حِرابة (٢) لأولياء القتيل، فلهم العفو عنه كما لهم المطالبة بالقصاص، بينما ذهب المالكية إلى أن دمه لولي الأمر حيث يقتله حتما ووجوبا من غير عفو (٣). ويتفق الجميع على أن أولياء الدم إذا طالبوا بالقصاص فليس للسلطان أن يعدل عنه إلى العفو، هذا هو محل الإجماع. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ): واتفقوا أنه إن قتله كما ذكرنا (٤) غِيلة أو حِرابة فرضي الولي بقتله أن دمه حلال (٥). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 7765

• مستند الإجماع: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]. ٢ - يمكن أن يستدل بعموم قوله ﷺ : "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما يودى، وإما يقاد" (١). • وجه الدلالة منه: أن حق القتل جُعل لولي الدم ولم يُجعل إلى السلطان ولم تفرق الآية بين قتل الغيلة وغيره. ٣ - قياس قتيل الحِرابة والغِيلة على القتيل في غيرها، بجامع وصف القتل (٢). ججج صحة الإجماع في المسألة؛ لعدم وجود المخالف.

стр. 7766

الفصل السادس إثبات القصاص [٥٩/ ١] ثبوت القصاص بشهادة الشهود • المراد من المسألة: أن الفقهاء متفقون على أن القصاص يجب بشهادة الشهود على إثباته، على اختلافهم في عدد الشهود؛ فإن منهم من اشترط أن يكون العدد أربعا كالحسن البصري، ورواية عن أحمد، وروي عن عطاء وحماد أنهما قالا: يقبل في إثبات القصاص رجل وامرأتان قياسًا على الأموال (١). • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): واتفقوا أن أربعة عدول يقبلون في القتل واختلفوا في أقل (٢). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أنه إذا شهد بالقتل شهود ولم يرجع الشهود عن شهادتهم إن ذلك نافذ يعمل به (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦). • مستند الإجماع: عن رافع بن خديج ﵁ قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "لكم

стр. 7767

شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، لم يكن ثَمّ أحد من المسلمين، وإنما هم يهود وقد يجترئون على أعظم من هذا، قال: "فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم فأبوا، فوداه النبي ﷺ من عنده" (١). • وجه الدلالة: من قوله (لكم شاهدان. .)، فلو لم يكن للشهادة أثر في إثبات القتل لم يكن لهذا السؤال معنى (٢). ججج صحة الإجماع على أصل إثبات القصاص بالشهادة مع اختلافهم في عدد الشهود. [٦٠/ ٢] لا تقبل شهادة النساء في القصاص • المراد من المسألة: أن العلماء متفقون على أن شهادة النساء لا مدخل لها في إثبات القتل، إفرادا واجتماعا. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أن النساء لا تقبل شهادتهن في الحدود والقصاص (٣). وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٤). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا يقبل فيه (القصاص) شهادة رجل وامرأتين ولا شاهد ويمين الطالب لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا (٥). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨).

стр. 7768

• مستند الإجماع: ١ - عن الزهري، قال: "مضت السنة من رسول اللَّه ﷺ والخليفتين من بعده: ألا تجوز شهادة النساء في الحدود، والقصاص" (١). ٢ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "لا تجوز شهادة النساء في الطلاق، والنكاح، والحدود، والدماء" (٢). ٣ - أن الحدود والقصاص مبناهما على الدرء والإسقاط بالشبهات، وشهادة النساء لا تخلو عن شبهة؛ لأنهن جبلن على السهو والغفلة ونقصان العقل والدين، فيورث ذلك شبهة بخلاف سائر الأحكام؛ لأنها تجب مع الشبهة (٣). • من خالف الإجماع: الخلاف في هذه المسألة هو كما يلي: ١ - ما روي عن عطاء وحماد بن أبي سليمان أنهما قالا: يقبل فيه رجل وامرأتان (٤). وحجتهم أنهم قاسوا ذلك على الشهادة في الأموال (٥). ٢ - وذهب ابن حزم الظاهري ﵀ إلى القول: بقبول شهادة الرجل الواحد والمرأتين في ثبوت القتل، بل وبالأربع من النساء. واحتج لذلك بأن قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، يقتضي أن شهادة الرجل الواحد يقابله شهادة امرأتين من النساء مطلقا في كل حكم

стр. 7769

لعموم الآية (١). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٦١/ ٣] لا يثبت القصاص في القتل العمد بشاهد ويمين الطالب له . • المراد من المسألة: أن العلماء متفقون على أن القتل العمد الموجب للقَوَد لا يثبت بشاهد ويمين الطالب للقصاص. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا يقبل فيه -القصاص- شهادة رجل وامرأتين، ولا شاهد ويمين الطالب لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: أن القصاص إراقة دم، عقوبة على جناية، فيحتاط له باشتراط الشاهدين العدلين، كالحدود (٦). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف. [٦٢/ ٤] سقوط القصاص عن الشهود بخطئهم في الشهادة، ولزوم الدية: • المراد من المسألة: اتفق الفقهاء أن الشهود إذا شهدوا على جناية القتل العمد، وقُتل الجاني بمقتضى شهادتهم، ثم رجعوا عن شهادتهم وادعوا الخطأ

стр. 7770

فإن القصاص لا يجب عليهم بالقتل الذي كان بمقتضى شهادتهم المرجوع عنها، وإنما تجب عليهم الدية، فالإجماع المحكي هنا في موضعين في سقوط القصاص، وفي لزوم الدية. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أنهم إذا رجعوا بعد استيفاء القصاص وقالوا: أخطأنا، أنه لا يجب عليهم القصاص، وإنما يجب الدية (١). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): واتفقوا على أنهم لو رجعوا وقالوا: أخطأنا، لم يجب عليهم القصاص، وإنما تجب الدية (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٣)، والمالكية في المشهور (٤). • مستند الإجماع: ١ - عن الشعبي: في رجلين شهدا على رجل أنه سرق، فقطعه علي، ثم جاءا بآخر وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذا بدية الأول، وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما" (٥). ٢ - أنه بسبب شهادتهم حصل التلف والقتل لكن عن طريق الخطأ فلزمتهم الدية (٦).

стр. 7771

• من خالف الإجماع: خالف في هذه المسألة بعض فقهاء المالكية كابن الماجشون (١)، والمغيرة (٢)، وابن دينار (٣)، وابن أبي حازم (٤) وغيرهم، حيث قالوا بأن القصاص وإن كان ساقطا إلا أن الدية لا تجب، ويكون دم المقتول بمقتضى تلك الشهادة هدر (٥). ججج أن الإجماع صحّ في سقوط القصاص، دون لزوم الدية، لثبوت الخلاف فيه دون الأول.

стр. 7772

الفصل السابع الجناية فيما دون النفس [٦٣/ ١] وجوب القصاص فيما دون النفس: • المراد من المسألة: أنه إذا جنى شخص على آخر جناية فيما دون النفس من جروح وشِجاج، فإن القصاص إذا أمكن واجب. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وجملة ذلك أن القصاص يجري فيما دون النفس من الجروح إذا أمكن للنص والإجماع. . . وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن (١). وقد حكاه عنه ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٢). وقال الإمام العَيني (٨٥٥ هـ): وفي الإيضاح وغيره: القصاص فيما دون النفس مشروع بهذه الآية. . وبإجماع الأئمة (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وابن حزم من الظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. ٢ - عن أنس ﵁ أنّ الرُبَيّع -وهي ابنة النضر- كَسرت ثَنِية جارية، فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي ﷺ ، فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع يا رسول اللَّه، لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر

стр. 7773

ثنيتها، فقال: "يا أنس كتاب اللَّه القصاص"، فرضي القوم وعفوا، فقال النبي ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبرّه" (١). ٣ - أن ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه بالقصاص، فكان كالنفس في وجوب القصاص (٢). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك، لعدم وجود المخالف. [٦٤/ ٢] من جرى بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس: • المراد من المسألة: أن وجوب القصاص في الجناية فيما دون النفس تبع لثبوت وجوبها في النفس، فمن وجب القصاص له في النفس وجب له فيما دونها، ومن سقط عنه القصاص في النفس سقط عنه فيما دونها. • من نقل الإجماع: قال الإمام العِمراني (٥٥٨ هـ): كل شخصين جرى بينهما القصاص في النفس جرى القصاص بينهما فيما دون النفس، فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم، ويد المرأة بيد المرأة، وهذا إجماع (٣). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع المنقول المالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. ٢ - أنهم لما أجمعوا على أن نفسه بنفسها -وهي أكبر الأشياء- واختلفوا

стр. 7774

فيما دون ذلك، كان فيما اختلفوا فيه مردود على ما أجمعوا عليه؛ لأن الشيء إذا أبيح منه الكثير كان القليل أولى (١). ٣ - أن من أُقيد به في النفس إنما أقيد به لحصول المساواة المعتبرة للقود، فوجب أن يقاد به فيما دونها (٢). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الحنفية، حيث يرون عدم القصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، وكذلك بين العبدين (٣)، وذهب الثوري إلى عدم القصاص بين العبيد فيما دون النفس، وروي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (٤). ومن حججهم أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال؛ لأنها وقاية للأنفس كالأموال، ولا مماثلة بين طرف الذكر والأنثى؛ للتفاوت بينهما في القيمة بتقويم الشارع، ولا بين الحرّ والعبد، ولا بين العبدين للتفاوت في القيمة، وإن تساويا فيهما فذلك بالحَزْر والظن، وليس بيقين، فصار شبهة فامتنع القصاص (٥). ججج عدم صحة الإجماع، لوجود المخالف في المسألة، ويحتمل أن يكون مراد الإمام العِمراني في قوله (وهذا إجماع) الإشارة إلى ما تقدم ذكره قبله، دون أصل المسألة، وهو قوله (فتقطع يد الحر المسلم بيد الحر المسلم، ويد المرأة بيد المرأة)، والسبب في ذلك أن هذا المسألة من أشهر مسائل الخلاف بين الحنفية والجمهور، وقد ذكر الإمام الشافعي خلاف الإمام أبي حنيفة في هذا المسألة في كتابه الأم (٦)، ويبعد أن يكون الإمام العِمراني على غير علم بها، واللَّه أعلم.

стр. 7775

[٦٥/ ٣] لا يقتص للعبد من الحر فيما دون النفس • المراد من المسألة: أن الحر إذا جنى على عبد فيما دون النفس فإنه يجب القصاص. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وكل من نحفظ عنه من أهل العلم يمنع أن يقتص للعبيد من الأحرار فيما دون النفس (١). وقال الإمام الماوردي (٤٥٠ هـ): مسألة: قال المزني (٢٦٤ هـ) رحمه اللَّه تعالى: وفي إجماعهم أن يده (الحر) لا تقطع بيد العبد قضاء على أن الحر لا يقتل بالعبد (٢). وقال الإمام الحسين بن مسعود البغوي (٥١٦ هـ): وذهب عامة أهل العلم إلى أن طرف الحر لا يقطع بطرف العبد، فثبت بهذا الاتفاق أن الحديث عن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه، ومن جَدَع عبده جَدَعْناه، ومن أخصى عبده أخصيناه" (٣) محمول على الزجر والردع، أو هو منسوخ (٤). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا يقطع طرف الحر بطرف العبد بغير خلاف علمناه بينهم (٥). وقال الإمام الرافعي (٦٢٣ هـ): وبالاتفاق لا يقطع طرف الحر بطرف العبد (٦). وقال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): وقال أبو ثور (٢٤٠ هـ): لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض (٧).
следующие страницы →