← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

أنه ليس فيما دون الموضحة أرش معلوم وأن في جميع ما دونها حكومة قال وبهذا نقول (١). • تنبيه: محل الاتفاق عند من رأى الحكومة فيما دون الموضّحة بعد الاندمال إذا برئت على شين، وأما إذا برئت على غير شين فقد اختلف فيها. قال ابن رشد: ومالك يعتبر في إلزام الحكومة فيما دون الموضحة أن تبرأ على شين، والغير من فقهاء الأمصار يلزم فيها الحكومة برئت على شين أو لم تبرأ، فهذه هي أحكام ما دون الموضحة (٢). [١٠٨/ ١٣] سِراية (٣) الجناية مضمونة: • المراد من المسألة: أن من جنى على شخص آخر بجراحة ولم يقتص المجني عليه قبل اندمال جرحه ولم يعف، فإن الجرح إذا سرى إلى ما دون موضع الجراحة فإن الجاني يلزمه ضمان ما سرت إليه جنايته. • من نقل الإجماع: قال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): بالسراية يتبين أنه لا موجب بهذه الجراحة؛ لأنه عند السراية يجب موجب القتل بالإجماع وهو القصاص إن كان عمدا والدية إن كان خطأ (٤). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وسراية الجناية مضمونة بلا خلاف (٥). وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٦). وقال البهاء المقدسي (٦٢٤ هـ): (وسراية الجناية مضمونة) بغير خلاف؛ لأنها أثر الجناية والجناية مضمونة فكذلك أثرها، ثم إن سرت إلى النفس وجب القصاص فيه ولا خلاف في ذلك (٧).

стр. 7842

وقال الإمام ابن القيم (٧٥١ هـ): وقاعدة الباب إجماعا ونزاعا: أن سراية الجناية مضمونة بالاتفاق (١). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): واتفقوا على أنه إذا جرح رجل عمدا فصار ذا فراش حتى مات أنه يُقتص منه (٢). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول اللَّه ﷺ في رجل طعن رجلا بقرن في رجله فقال يا رسول اللَّه أقدني فقال له رسول اللَّه ﷺ لا تعجل حتى يبرأ جرحك قال: فأبى الرجل إلا أن يستقيد، فأقاده رسول اللَّه ﷺ منه، قال: فعرج المستقيد وبرأ المستقاد منه، فأتى المستقيد إلى رسول اللَّه ﷺ فقال له: يا رسول اللَّه، عرجت وبرأ صاحبي، فقال له رسول اللَّه ﷺ : ألم آمرك ألا تستقيد حتى يبرأ جرحك فعصيتني فأبعدك اللَّه وبطل جرحك ثم أمر رسول اللَّه ﷺ بعد الرجل الذي عرج من كان به جرح أن لا يستقيد حتى تبرأ جراحته فإذا برئت جراحته استقاد (٦). • وجه الدلالة منه أن النبي ﷺ إنما أمره بالتأخير حتى يبرأ فيقاد له بما تبلغه تلك الحال التي يبرأ عليها، ولولا أن سراية الجرح مضمونة لما كان لتأخير

стр. 7843

القصاص إلى ما بعد البرء معنى (١). ٢ - أن السراية أثر الجناية، والجناية مضمونة فكذلك أثرها (٢) ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة.

стр. 7844

الباب الثاني مسائل الإجماع في أبواب الديات ويتضمن تمهيدا في أحكام الديات، وأحد عشر فصلا: تمهيد في أحكام الديات: تعريف الدية: أ - لغة: الدِيات: جمع دية، وهي مصدر وَدَى القاتلُ القتيلَ، يَدِيه، دِيَةً، بمعنى: أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، وأصلها وِدْيَةٌ، مثل عِدَةٌ من الوَعْد، وَزِنَة من الوَزْن، ثم سمي ذلك المال (دية) تسمية بالمصدر (١). ب - اصطلاحا: الدية: هي المال الذي يُؤدى إلى المجني عليه أو ورثته بسبب الجناية على النفس أو ما دونها (٢). مشروعية الدية: الدية مشروعة بالكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. وأما السنة: فقد روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدِّه أن رسول اللَّه ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقُرئت على أهل اليمن هذه نسختها: من محمد النبي ﷺ إلى شُرَحبيل بن عبد كُلال، ونُعيم بن عبد كُلال، والحارث بن عبد كُلال أما بعد، وكان في كتابه: "إن من اعتبط مؤمنا قتلًا عن بينة فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف إذا أُوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي

стр. 7845

الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقِّلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضِّحة خمس من الإبل، وأن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل المذهب ألف دينار، وفي اليد الواحدة نصف الدية" (١). وقوله ﷺ : "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما يودي، وإما يقاد"، وفي رواية: "إما أن يقاد وإما أن يُفدى" (٢). وأما الإجماع: فقد أجمع العلماء على أن الدية واجبة في الجملة (٣). حكمة الدية: إن اللَّه تعالى لَمْ يشرع شيئًا لعباده إلا وله في ذلك حكمة؛ لأنه منزه عن أن يشرع شيئًا عبثًا، ومن حِكَم مشروعية الدية أنها جزاء يجمع بين العقوبة والتعويض، فهي حفظ الأرواح الأبرياء، وحقن لدمائهم، وفيها الزجر، والردع عن الاستهانة بالأنفس، وفيها من جهة أخرى تعويض لما فات من الأنفس أو الأعضاء بالمال الذي يأخذه المجني عليه أو ورثته (٤). أقسام الدية: تنقسم الدية إلى قسمين (٥): ١ - دية النفس. ٢ - دية ما دون النفس. أَوّلًا: دية النفس: وهي قسمان (٦): الأوّل: الدية المغلظة: وتكون في قتل العمد، وشبه العمد.

стр. 7846

وهي عند الحنفية والحنابلة تجب أرباعًا، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة. وعند المالكية والشافعية تجب أثلاثًا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها (١). الثاني: الدية المخففة: وتكون في قتل الخطأ. وهي تجب مخمسة، أي: أخماسًا، باتفاق المذاهب: (وهي عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة)؛ لما روى ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض" (٢). مقادير ديات النفوس: دية الرجل المسلم الحر: مائة من الإبل. ودية المرأة المسلمة الحرة: نصف دية الرجل خمسون من الإبل. ودية الكافر سواء كان كتابيًا كاليهود والنصاري، أو غير كتابي كالمجوس وعباد الأصنام، وسواء كان ذميًا مستأمنًا أو معاهدًا نصف دية المسلم: خمسون من الإبل. وقيل: ثلث دية المسلم. وقيل: مثل دية المسلم. ودية نساء الكفار نصف دية رجالهم: خمس وعشرون من الإبل. ودية العبد الرقيق قيمته، سواء كان ذكرًا أو أنثي، وسواء كان كبيرًا أو صغيرًا. ودية الجنين عشر دية أمه: خمس من الإبل، سواء كان ذكرًا أم أنثي، فإن

стр. 7847

سقط الجنين حيًا ثم مات ففيه الدية كاملة (١). ثانيًا: الدية فيما دون النفس: تنقسم الدية فيما دون النفس إلى ثلاثة أقسام: الأول: ديات الأعضاء ومنافعها: ما كان في الإنسان منه شيء واحد ففيه دية النفس كاملة، كالأنف، واللسان. وما كان في الإنسان منه شيئان، ففي كل واحد منهما نصف الدية، وفيهما معًا الدية كاملة. وما كان في الإنسان منه أربعة أشياء كأجفان المعينين، ففي كل واحد إذا قطع ربع الدية، وفي جميعها الدية كاملة. وما كان في الإنسان منه عشرة كأصابع اليدين، وأصابع الرجلين، ففي كل أصبع عُشر الدية: عَشر من الإبل. وفي إتلاف كل سن خمس من الإبل (٢). الثاني: ديات المعاني والمنافع: إذا جنى عليه ففوّت جنس منفعة على الكمال، أو أزال جمالًا مقصودا على الكمال يجب كل الدية؛ لأن فيه إتلاف النفس من وجه؛ إذ النفس لا تبقى منتفعا بها من هذا الوجه، وإتلاف النفس من وجه ملحق بالإتلاف من كل وجه في الآدمي تعظيما له، كإذهاب العقل، والنطق، وقوة الجماع، والإمناء في الذكر، والحَبَل في المرأة، والبصر والشم والذوق واللمس (٣). الثالث: ديات الشِجاج والجراح: الشِجاج: ما يكون في الرأس أو الوجه، والجراح ما يكون في سائر البدن (٤). وقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجب أرش مقدّر في سائر جراح البدن، باستثناء الجائفة، وإنما تجب فيها الحكومة؛ لأنه لم يرد فيها نص من الشرع

стр. 7848

ويصعب ضبطها وتقديرها (١). والجائفة: ما وصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو صدر أو ثغرة نحر أو ورك أو جنب أو خاصرة أو مثانة أو غيرها، ففيها ثلث الدية (٢)، سواء أكانت عمدا أم خطأ، لحديث عمرو بن حزم: "وفي الجائفة ثلث الدية" (٣). جزاء هذه الشجاج: ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وجوب أرش مقدر فيما يكون أقلّ من الموضحة، وهي الحارصة، والدامعة والدامية، والباضعة، والمتلاحمة، والسمحاق، وإنما يجب في كل واحد منها حكومةٌ عدل؛ لأنه ليس فيها أرش مقدّر، ولا يمكن إهدارها، فتجب الحكومة. وقيل: إذا أمكن معرفة قدرها من الموضحة، وجب قسطه من أرش الموضّحة (٤). أما الموضّحة، والهاشمة، والمنقّلة، والآمة أو المأمومة، ففي كل واحد منها أرش مقدر، وبيانه فيما يلي: الموضحة هي أقلّ شجة فيها أرش مقدر من الشارع، واتفق الفقهاء على أنه نصف عشر الدية، وهو خمس من الإبل في الحر الذكر المسلم؛ لما ورد في حديث عمرو بن حزم "وفي الموضحة خمس من الإبل" (٥). والهاشمة، وهي التي تتجاوز الموضحة وتهشم العظم، فيها عشر الدية، وهو عشرة أبعرة. وقيل: فيها عشر الدية ونصفها. وقيل: فيها حكومةٌ. والمنقّلة: وهي التي تنقل العظام بعد كسرها وتزيلها عن مواضعها، وفيها عشر الدية ونصفه، لحديث عمرو بن حزم: "وفي المنقِّلة

стр. 7849

خمس عشرة من الإبل" (١). والمأمومة: وهي الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ وتستره، وفيها ثلث الدية، لما ورد في حديث عمرو بن حزم: "في المأمومة ثلث الدية" (٢). والدامغة: هي الشجة التي تتجاوز الآمة فتخرق الجلدة وتصل إلى الدماغ وتخسفه، وفيها ثلث الدية. وقيل: يجب مع الثلث حكومةٌ. وقيل: فيها حكومةٌ (٣). مقدار دية أطراف وجراحات المرأة: ودية أطراف المرأة وجراحاتها على النصف من دية الرجل فيها. وقيل: إنها مثل دية الرجل فيها فيما دون الثلث من ديته، فإذا زادت على الثلث رجعت إلى نصف ديته (٤). ما تجب منه الدية: الأصل في الدية هو الإبل. وقيل: الإبل، والذهب، والفضة. وقيل: الإبل، والذهب، والورق، والبقر، والغنم. وقيل: يزاد على هذه الخمسة الحُلَل، فتكون أصول الدية ستة أجناس (٥)، فيكون مقدار الدية منها ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، أن عمر قام خطيبا فقال: ألا إن الإبل قد غلت. . ففرضها على أهل المذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر الفا وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (٦).

стр. 7850

من تجب عليه الدية: الأصل أن الدية تتحملها العاقلة، إذا كان موجبها الفعل الخطأ أو شبه العمد، ولم تكن أقلّ من الثلث، إلا دية العبد أو ما وجب بإقرار المجني عليه أو الصلح؛ ويشترك معهم الجاني في ذلك. وقيل: لا يجب عليه شيء، بل كلها على العاقلة، وتجب الدية في مال الجاني إذا كانت الجناية عمدا وسقط القصاص بشبهة أو نحوها، أو ثبتت باعترافه، أو الصلح؛ لأنها دية مغلظة (١).

стр. 7851

الفصل الأول أحكام الديات [١٠٩/ ١] ثبوت الضمان على صاحب الحائط المائل إلى ما ليس في ملكه . • المراد من المسألة: أن من بنى فيما يملك جدارا مائلا إلى ما خرج عن ملكه فتلف بسبب ذلك ما كان لغيره فإنه ضامن لذلك المُتلف. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وإذا بنى في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق أو إلى ملك غيره، فتلف به شيء أو سقط على شيء فأتلفه ضمنه؛ لأنه متعد بذلك؛ فإنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء ملك غيره أو هواء مشترك؛ ولأنه يعرضه للوقوع على غيره في غير ملكه، فأشبه ما لو نصب فيه منجلا يصيد به، وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى بين في هذه الآية، أن الجناح إنما يكون فيما تعمده الشخص، وهذا قد تعمد التعدي فيما ليس ملكا له. ٢ - أنه متعد بذلك، فإنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء ملك غيره، أو

стр. 7852

هواء مشترك (١). ججج صحة الإجماع في المسألة، لعدم وجود المخالف. [١١٠/ ٢] وجوب الضمان على الخاتن ونحوه إذا فرّط أو تعدّى • المراد من المسألة: أن الخاتن ونحوه من المتطبّبين إذا فرّط كأن يقطع في وقت لا يصلح فيه القطع ونحوه، أو تعدّى كأن يتجاوز موضع القطع، فإنه ضامن لجنايته وسرايتها. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا على أن قطع الخاتن إذا أخطأ فقطع الذكر والحشفة أو بعضها فعليه ما أخطأ به يعقله عنه العاقلة (٢). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): (ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا متطبّب، إذا عرف منهم حِذق الصنعة، ولم تجن أيديهم) وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به، لم يضمنوا بشرطين: أحدهما أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة، الثاني: ألا تجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا؛ لأنهم قطعوا قطعا مأذونا فيه، فلم يضمنوا سرايته، كقطع الإمام يد السارق، فأما إن كان حاذقا وجنت يده، مثل أن يجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع الطبيب سِلعة من إنسان فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالّة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله. . وكذلك الحكم في البزّاغ، والقاطع في القصاص، وقاطع يد السارق، وهذا مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا (٣).

стр. 7853

وقد نقل النص نفسه شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (١). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع المنقول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: ١ - أنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال (٥). ٢ - أن هذا فعل محرم، فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء (٦). ججج صحة الإجماع المنقول لعدم وجود المخالف. [١١١/ ٣] لا ضمان على الحَجّام والخاتن الحاذقين ونحوهما إذا سرت جراحاتهما من غير تعد: • المراد من المسألة: أن الخاتن أو الحجّام ممن عرف بالحذق ونحوهما من المتطبّبين إذا لم يتعدّ أو يفرّط فإنه لا يضمن سراية ما فعل. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): أجمع عوام أهل العلم على أن الطبيب إذا لم يتعد لم يضمن (٧). وقال الإمام السمرقندي (نحو ٥٤٠ هـ): وأجمعوا أن الإمام إذا قطع يد السارق أو البزّاغ، أو الختّان، والفصّاد، والمأمور بقطع اليد، إذا سرى فعلهم لا يجب عليهم شيء (٨). وقال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): وكذلك الفصّاد، والبزّاغ، والحجّام، إذا

стр. 7854

سرت جراحاتهم لا ضمان عليهم بالإجماع (١). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): (ولا ضمان على حجام، ولا ختان، ولا متطبب، إذا عرف منهم حذق الصنعة، ولم تجن أيديهم) وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به، لم يضمنوا بشرطين: أحدهما أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة ومعرفة، الثاني: ألا تجني أيديهم، فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع، فإذا وجد هذان الشرطان لم يضمنوا؛ لأنهم قطعوا قطعا مأذونا فيه، فلم يضمنوا؛ سرايته، كقطع الإمام يد السارق، فإما إن كان حاذقًا وجنت يده، مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع الطبيب سلعة من إنسان، فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه هذا، ضمن فيه كله؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف المال، ولأن هذا فعل محرم، فيضمن سرايته، كالقطع ابتداء، وكذلك الحكم في النزاع، والقاطع في القصاص، وقاطع يد السارق، وهذا مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافا (٢). وقد نقل النص نفسه شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (٣). وقال الإمام الهيتمي (٩٧٤ هـ): وذكر ابن سريج أنه لو سرى من فعل الطبيب هلاك وهو من أهل الحذق في صنعته لم يضمن إجماعا (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية (٥).

стр. 7855

• مستند الإجماع: ١ - أنه مأذون لهم فيما فعلوا لأن لهم الأهلية (١). ٢ - أنهم لو ضمنوا، لم يرغب أحد في ممارسة هذه الأعمال، الأمر الذي يتسبب في وقوع الناس في الضيق والحرج (٢). ججج صحة الإجماع المنقول في المسألة، لعدم وجود المخالف. [١١٢/ ٤] ثبوت بدل المتلف من الأموال في جناية الغلام والنائم: • المراد من المسألة: أن الصبي والنائم إذا أتلفا مال أحد فإن الضمان واجب عليهما ويلزمهما وإن سقط عنهما المأثم. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): أجمع العلماء أن الغلام والنائم لا يسقط عنهما ما أتلفا من الأموال، وإنما يسقط عنهم الإثم، وأما الأموال فتضمن بالخطأ كما تضمن بالعمد (٣). وقال الإمام القرافي (٦٨٤ هـ): العمد والخطأ في أموال الناس سواء إجماعا ممن هو مكلف، أو فيه أهلية التكليف كالتمييز (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - أن الإتلاف موجب الضمان وسببه، ولا يتوقف على قصد المُتلِف (٨).

стр. 7856

٢ - أن الإتلاف فيه تفويت للمال على صاحبه، فوجب على متلفه ضمانه كما لو غصبه فتلف عنده (١). ٣ - أن هذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها، فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم لأتلف بعضهم أموال بعض وادّعى الخطأ وعدم القصد (٢). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول ابن حزم الظاهري، حيث لا يرى وجوب الضمان على الصبي، ولا على المجنون، وفي ذلك يقول: ولا قود على مجنون فيما أصاب في جنونه، ولا على سكران فيما أصاب في سكره -المخرجِ له من عقله- ولا على من لم يبلغ، ولا على أحد من هؤلاء: دية، ولا ضمان، وهؤلاء والبهائم سواء؛ لما ذكرنا في الطلاق وغيره من الخبر الثابت في رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق والسكران لا يعقل. . . فإن قالوا: فهلا جعلتم في ذلك دية؟ قلنا: لقول رسول اللَّه ﵌: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام" فأموال الصبي والمجنون والسكران حرام بغير نص، كتحريم دمائهم ولا فرق ولا نص في وجوب غرامة عليهم أصلا (٣). وأما النائم فيرى وجوب الضمان عليه، وفي ذلك يقول: وأما النائم فبخلاف المغمى عليه، والمجنون؛ لأنه مخاطب، وهما غير مخاطبين، إلا أنه لا عمد له، فلو أن نائما انقلب في نومه على إنسان فقتله فالدية على عاقلته، والكفارة عليه في ماله؛ لأنه مخاطب (٤). ججج صحة الإجماع في الضمان على النائم فيما أتلفه؛ لعدم وجود المخالف فيه، دون الغلام، فإنه لا يصح الإجماع فيه، لوجود المخالف.

стр. 7857

[١١٣/ ٥] لا ضمان على غاصب الصبي الحر إذا مات حتف أنفه أو بمرض: • المراد من المسألة: أن من غصب صبيا حرّا فمات الصبي بمرض أو حتف أنفه فإن الغاصب لا يضمنه مطلقًا. • من نقل الإجماع: قال الإمام السَرَخْسي (٤٩٠ هـ): الصبي الحر ليس بمال متقوم فلا يضمن بالغصب كالميتة والدم، والدليل عليه أنه لو مات حتف أنفه أو أصابته حمى فمات أو مرض فمات أو خرجت به قرحة فمات لم يضمن الغاصب شيئًا بالاتفاق (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة في أصح الوجهين (٤). • مستند الإجماع: ١ - أن الحرّ لا يضمن باليد كالكبير (٥). ٢ - أنّ من لم يُضمن بالموت كبيرا، لم يضمن به صغيرا، كالميت (٦). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الحنابلة في أحد الوجهين، فيرون أن عليه الدية؛ لأنه مات في حال تعدّيه عليه (٧). ججج عدم صحة الإجماع، وذلك لوجود المخالف.

стр. 7858

[١١٤/ ٦] من حمل صبيا أو مملوكا بغير إذن مواليه فتلف ضمنه . • المراد من المسألة: أن من حمل على دابّة صبيا بغير إذن وليه، أو عبدا مملوكا بغير إذن سيده فتلف الصبي والعبد فإنه ضامن له مطلقًا وإن لم يتعدّ أو يفرطّ. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمع كل من نحفظ عنه على أن من حمل صبيا أو مملوكا بغير إذن وليه على دابة فتلف أنه ضامن (١). ونقله عنه الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ) (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم الظاهري (٦). • مستند الإجماع: أن تلفهما بسبب جنايته؛ لأنه متعدّ بإركابهما بغير إذن وليهما (٧). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول ابن حزم الظاهري في إطلاق المملوك، فهو يشترط أن يكون صغيرا، لأن الكبير يستطيع أن يدافع عن نفسه بخلاف الصغير (٨). ججج صحة الإجماع في المسألة، إلا أن ابن حزم يشترط في المملوك أن يكون صغيرا.

стр. 7859

[١١٥/ ٧] وجوب الضمان على المتسبّب المتعدّي في الجناية . • المراد من المسألة: أنّ من تعدّى بفعل شيء وتسبّب في حصول الجناية فالضمان في حقّه واجب. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): فأما إن أخرج إلى ملك أَدمي معيّن شيئًا من جناح أو ساباط (١) أو ميزاب أو غيره فهو متعدّ، ويضمن ما تلف به، لا أعلم فيه خلافا (٢). وقال الإمام العَيني (٨٥٥ هـ): التسبّب بطريق التعدّي (من أسباب الضمان) ولا خلاف لأحد فيه (وهو الأصل) أي: التعدّي أصل في باب الضمان (٣). قال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): وهل تجب الكفارة على القاتل بسبب تعدّيه كحفر البئر ونصب السكين ووضع الحجر في الطريق، قال مالك. . . وإن كانوا قد أجمعوا على وجوب الدية في ذلك (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نهى عن جميع أنواع الاعتداء وذمّ المعتدين، وعليه فمن اعتدى في شيء فتلف بسببه أو مال أحد فإنه يضمنه.

стр. 7860

٢ - عن الحسن البصري عن النبي ﷺ أنه قال: "من أخرج من حدِّه شيئًا فأصاب به إنسانا فهو ضامن" (١). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول ابن حزم الظاهري، فذهب إلى أنه لا ضمان في ذلك، مستدلا بأن الأموال محرمة، فلا يحل إلزام أحد غرامة لم يوجبها نص، أو إجماع، فوجب أن لا ضمان في شيء من ذلك (٢). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لوجود المخالف، ولعل من أطلق الإجماع من الأئمة المذكورين لا يرون الاعتداد بخلاف الظاهرية، واللَّه أعلم. [١١٦/ ٨] جواز دفع الصائل ولو أتى على نفس المدفوع • المراد من المسألة: أنّ من صال على أحد يريد قتله فإن المصول عليه له أن يدفع عن نفسه ولو تسبب ذلك في قتل الصائل. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ): وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل ولو أتى على نفس المدفوع (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم الظاهري (٧).

стр. 7861

• مستند الإجماع: ١ - عن ابن الزبير ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من شهر سيفه ثم وضعه (١) فدمه هدر" (٢). فدل الحديث على أن للرجل دفع الصائل، ولا شيء عليه ولو أبى ذلك إلى قتله (٣). ٢ - أن الصائل باغ بصِياله فتسقط عصمته ببغيه (٤). ٣ - أن قتل المصول عليه لا يندفع في الحال التي يباح فيها قتل الصائل إلا بقتله، فتعين القتل طريقا لدفع القتل عن نفسه (٥). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف. [١١٧/ ٩] وجوب الضمان على الزوج في الإتلاف الناشيء عن ضرب التأديب • المراد من المسألة: أن من أدّب زوجته بضرب وترتب على تأديبه جناية فإنه ضامن لها وإن لم يتعد الضرب المباح والمأذون فيه. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): وأما الرجل يَضرب امرأته بالحبل أو بالسوط فيصيبها من ضَربِه ما لم يُرِد ولم يتعمد، فإنه يَعقل ما أصاب منها على هذا الوجه، ولا يُقاد منه، قال أبو عمر: هذا قول جماعة العلماء ولم يختلف فيه أئمة الفتيا (٦).

стр. 7862

وقال الإمام ابن نُجيم (٩٧٠ هـ): والزوج إذا ضرب زوجته حيث تضرب للتأديب مثل ما تضرب حال نشوزها يضمن بالإجماع (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الشافعية (٢). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. • وجه الدلالة: أنه تعدى فيما أبيح له من الضرب، لأن الضرب الذي أبيح له، هو الضرب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظما، ولا يشين جارحة (٣). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الحنابلة، وابن حزم الظاهري (٤)، فذهبوا إلى أنه لا ضمان عليه إذا لم يتعد ولم يسرف، أو يزيد فيما يحصل به المقصود؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]. • وجه الدلالة: أنه إنما فعل ما أبيح له فعله، ومثل ذلك لا يؤدي إلى تلف في العادة، وما ترتب على المأذون غير مضمون كسقوط ضمان السراية من إقامة الحدود (٥). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، لوجود المخالف. [١١٨/ ١٠] جناية الجاني على طرفِه خطأ أو عمدا هدر • المراد من المسألة: أن من تعمّد الجناية على طرفه عمدا أو خطأ فقطعه فإن جنايته هدر، ولا دية فيها، ولا تحمل العاقلة منها شيئًا.

стр. 7863

• من نقل الإجماع: قال الإمام العِمراني (٥٥٨ هـ): وإن قتل الرجل نفسه أو جنى على طرفه عمدا كان ذلك هدرا وهو إجماع (١). وقال الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ): قال ابن بطال: قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: تجب ديته على عاقلته، فإن عاش فهي له عليهم، وإن مات فهي لورثته، وقال الجمهور: لا يجب في ذلك شيء، وقصة عامر هذه حجة لهم؛ إذ لم ينقل أن النبي ﷺ أوجب في هذه القصة له شيئًا، ولو وجب لبيّنها؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقد أجمعوا على أنه لو قطع طرفا من أطرافه عمدا أو خطأ لا يجب فيه شيء (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة في أصح الروايتين (٥). • مستند الإجماع: ١ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. • وجه الدلالة: أن اللَّه ﵎ لم يقل (من قتل نفسه خطأ)، وإنما جعل العقل فيما أصاب به إنسان إنسانًا، ولم يذكر ما أصاب به نفسه (٦). وإذا كان هذا في النفس، ففي الطرف من باب أولى. ٢ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر يا عامر إلا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلا

стр. 7864

شاعرا حُداء فنزل يحدو بالقوم. . . فقال رسول اللَّه ﷺ : من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع، قال: يرحمه اللَّه! قال رجل من القوم: وجبت يا نبي اللَّه، لولا أمتعتنا به؟ فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إنّ اللَّه تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال النبي ﷺ : ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم قال: على أي لحم؟ قالوا: لحم حمر الإنسية، قال النبي ﷺ : أهريقوها واكسروها، قال رجل: يا رسول اللَّه أو نهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك، فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذُباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه (١). • وجه الدلالة: أنه لم يَرِد أن النبي ﷺ قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي ﷺ (٢). وإذا كان هذا في النفس، ففي الطرف من باب أولى. ٣ - أن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني، وتخفيفا عنه، وليس على الجاني في الجناية على طرف نفسه شيء يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابه (٣). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، والحنابلة في رواية، فذهبوا إلى أن ديته في الخطأ على عاقلته لورثته إن قتل نفسه، أو أرش جرحه لنفسه، إن كان أكثر من الثلث (٤).

стр. 7865

واستدلوا بما روى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رجلا كان يسوف حمارا وكان راكبا عليه، فضربه بعصا معه فطارت منها شظية، فأصابت عينه، ففقأها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: "هي يد من أيدي المسلمين، لم يصبها اعتداء على أحد، فجعل دية عينه على عاقلته" (١). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لوجود المخالف. [١١٩/ ١١] جناية الجاني على نفسه عمدا هدر • المراد من المسألة: أن من تعمّد الجناية على نفسه بالقتل فدمه هدر، ولا تتحمل العاقلة من ديته شيئًا. • من نقل الإجماع: قال الإمام الجوهري (حوالي ٣٥٠ هـ): وأجمعوا أنه من قتل نفسه فلا دية له إلا الأوزاعي فإنه قال: ديته على عاقلته لورثته (٢). وقال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): ولا شيء لوارث الواقع إن مات في جميع هذه الوجوه، لا دية ولا غيرها؛ لأنه لم يجن أحد عليه شيئًا، وسواء وقع على سكين بيد المدفوع عليه، أو على رمح، أو غير ذلك، لا شيء في ذلك أصلا، لأنه إن عمد فهو قاتل نفسه عمدا، ولا شيء في ذلك بلا خلاف (٣). وقال الإمام العِمراني (٥٥٨ هـ): وإن قتل الرجل نفسه أو جنى على طرفه عمدا كان ذلك هدرا، وهو إجماع (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)،

стр. 7866

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. • وجه الدلالة: أن اللَّه ﵎ لم يقل (من قتل نفسه خطأ)، وإنما جعل العقل فيما أصاب به إنسان إنسانًا، ولم يذكر ما أصاب به نفسه (٢). ٢ - عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك؟ وكان عامر رجلا شاعرا حداء فنزل يحدو بالقوم. . . فقال رسول اللَّه ﷺ : من هذا السائق؟ قالوا: عامر بن الأكوع، قال: يرحمه اللَّه! قال رجل من القوم: وجبت يا نبي اللَّه، لولا أمتعتنا به؟ فأتينا خيبر فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة، ثم إنّ اللَّه تعالى فتحها عليهم، فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال النبي ﷺ : ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم قال: على أي لحم؟ قالوا: لحم حمر الإنسية، قال النبي ﷺ : أهريقوها واكسروها، قال رجل: يا رسول اللَّه أو نهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك، فلما تصاف القوم كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه، ويرجع ذُباب سيفه، فأصاب عين ركبة عامر، فمات منه (٣). • وجه الدلالة: أنه لَمْ يرد أن النبي ﷺ قضى فيه بدية ولا غيرها، ولو وجبت لبينه النبي ﷺ (٤).

стр. 7867

٣ - أن وجوب الدية على العاقلة إنما كان مواساة للجاني، وتخفيفا عنه، وليس على الجاني في الجناية على نفسه ما يحتاج إلى الإعانة والمواساة فيه، فلا وجه لإيجابه (١). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف. [١٢٠/ ١٢] وجوب الدية في جناية العمد من الصبي والمجنون • المراد من المسألة: أن جناية الصبي أو المجنون في حال العمد لا يجب القصاص فيها، وإنما تجب الديّة على اختلافهم في كونها مغلّظة أو مخففة، وهل تجب في ماله أو على العاقلة (٢). • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): أجمع العلماء أن ما جناه المجنون في حال جنونه هدر، وأنه لا قود عليه في ما يجني، فإن كان يفيق أحيانا ويغيب أحيانا، فما جناه في حال إفاقته فعليه فيه ما على غيره من البالغين غير المجانين، وأجمع العلماء أن الغلام والنائم لا يسقط عنهما ما أتلفا من الأموال، وإنما يسقط عنهم الإثم، وأما الأموال فتضمن بالخطأ كما تضمن بالعمد (٣). وقال الإمام ابن رشد (٥٩٥ هـ): فأما في أيّ قتل تجب (أي: الدية)؟ فإنهم اتفقوا على أنها تجب في قتل الخطأ، وفي العمد الذي يكون من غير مكلّف مثل المجنون والصبي (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٥)، والحنابلة (٦)،

стр. 7868

والشافعية (١). • مستند الإجماع: ١ - ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" (٢). ٢ - أنه لا يتحقق منهما كمال القصد، فتحمله العاقلة، كشبه العمد (٣). ٣ - أنه قتل لا يوجب القصاص، لأجل العذر، فأشبه الخطأ وشبه العمد (٤). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الإمام ابن حزم حيث إنه لا يرى الإلزام بالدية في جناية المجنون والصبي، لا في مالهما، ولا فى مال عاقلتهما (٥). واحتج لذلك بقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق" (٦)، وبقوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام" (٧)، فأموال الصبي والمجنون والسكران حرام بغير نص، كتحريم دمائهم ولا فرق، ولا نص في وجوب غرامة عليهم أصلا (٨). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لوجود المخالف، ولعل من حكى الإجماع لا يرى الاعتداد بخلاف الظاهرية، واللَّه أعلم.

стр. 7869

[١٢١/ ١٣] وجوب الدية في قتل الخطأ • المراد من المسألة: أن قتل الخطأ لا يجب القصاص فيه، وإنما تجب فيه الدية. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): حكم اللَّه في المؤمن يقتل خطأ بالدية، ودلّت السنن الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ على ذلك، وأجمع أهل العلم على القول به (١). وقد نقله عنه الإمام القرطبي (٦٧١ هـ) (٢). وقال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): لا خلاف بين أحد في أن قوما كفارا حربيين أسلم منهم إنسان وخرج إلى دار الإسلام فقتله مسلم خطأ فإن فيه الدية لولده والكفارة (٣). وقال الإمام العِمراني (٥٥٨ هـ): باب من تجب الدية بقتله، وما تجب به الدية من الجنايات تجب الدية بقتل المسلم والذمي. . . وهو إجماع، لا خلاف في وجوب الدية (٤). وقال الإمام ابن رشد (٥٩٥ هـ): فأما في أي قتل -أي: الدية- تجب فإنهم اتفقوا على أنها تجب في قتل الخطأ (٥). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): الأصل في وجوب الدية الكتاب والسنة والإجماع. . . وأجمع أهل العلم على وجوب الدية في الجملة (٦). وقال الإمام الرافعي (٦٢٣ هـ): والإجماع منعقد على تعلق الدية بالقتل (٧). وقال الإمام القرافي (٦٨٤ هـ): وأجمع العلماء على وجوبها (الدية)

стр. 7870

في الجملة (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): وقاتل الخطأ تجب عليه الدية بنص القرآن واتفاق الأمة (٢). وقال الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ): قال ابن المنذر حكم اللَّه في المؤمن يقتل المؤمن خطأ بالدية وأجمع أهل العلم على ذلك (٣). وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): والإجماع منعقد على وجوبها (الدية) في الجملة (٤). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع المنقول الحنفية (٥). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. فحكم اللَّه جل ثناؤه في المؤمن يقتل خطأ بالدية. ٢ - ما روي أن النبي ﷺ كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه: "وإن في النفس مائة من الإبل" (٦). ججج صحة الإجماع في المسألة، لعدم وجود المخالف. [١٢٢/ ١٤] وجوب الدية في قتل الذمي أو العربي المستأمن • المراد من المسألة: أن المسلم إذا قتل كافرا ذميا أو مستأمنا فإن الدية واجبة في هذا القتل على اختلافهم في قدر هذه الدية (٧).

стр. 7871

• من نقل الإجماع: قال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): ولا خلاف في أنه إذا قتل ذميا أو حربيا مستأمنا تجب الدية (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): والدية تجب للمسلم والمعاهد كما قد دلّ عليه القرآن وهو قول السلف والأئمة، ولا يعرف فيه خلاف متقدّم، لكن بعض متأخري الظاهرية زعم أنه الذي لا دية له (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية (٣)، والشافعية (٤). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. • وجه الدلالة كما يقول ابن عباس ﵄: إذا كان كافرًا في ذمتكم فقتل، فعلى قاتله الدِية مسلّمةً إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين (٥). ٢ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عقل أهل الذِّمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى" (٦). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول ابن حزم الظاهري، فذهب إلى أنه لا دية في قتل الذمي ولا المستأمن، ولا قصاص، سواء كان

стр. 7872

القتل عمدا أو خطأ، مستدلا بأن الضمير الذي في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] راجع ضرورة إلى المؤمن المذكور أوّلا، ولا ذكر في هذه الآية لذمي أصلا، ولا لمستأمن فصَحّ يقينا أن إيجاب الدية على المسلم في ذلك لا يجوز البتة وكذلك إيجاب القود عليه ولا فرق (١). ججج عدم صحة الإجماع في هذه المسألة، وذلك لوجود المخالف، ولعل من نقل الإجماع لا يرى الاعتداد بخلاف الظاهرية، واللَّه أعلم. [١٢٣/ ١٥] الواجب في جناية الجماعة في القتل الخطأ دية واحدة • المراد من المسألة: إذا جنى الجماعة على الواحد بقتل خطأ فإن الواجب عليهم دية واحدة، في مقابل القتيل الواحد، ولا تجب ديات متعددة بعدد الجناة. • من نقل الإجماع: قال الإمام الجصاص (٣٧٠ هـ): وقوله : ومن يقتل مؤمنا متعمدا وعيد لكل واحد من القاتلين وهذا معلوم عند أهل اللغة لا يتدافعونه، وإنما يجهله من لا حظّ له فيها، فإن قال قائل: فلو قتل جماعة رجلًا كانت على جميعهم دية واحدة، والدية إنما دخلت في اللفظ حسب دخول الرقبة؟ قيل له: الذي يقتضيه حقيقة اللفظ وعمومه إيجاب ديات بعدد القاتلين، وإنما اقتصر فيه على دية واحدة بالإجماع، وإلا فالظاهر يقتضيه (٢). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): ولا يختلفون أن من قتل نفسا خطأ وإن كانوا جماعة إنما عليهم دية واحدة يشتركون فيها (٣).

стр. 7873

وقال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) بعد أن ذكر كلام صاحب العروض [(وإن سقط القود) بالعفو عن القاتلين (أدّوا دية واحدة)؛ لأن القتل واحد فلا يلزم به أكثر من دية، كما لو قتلوه خطأ]: فإنه لا يجب إلا دية واحدة، بلا نزاع (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الشافعية (٢). • مستند الإجماع: ١ - أن الدية بدل المحل وهو واحد فتكون ديته واحدة سواء أتلفه واحد أو جماعة (٣). ٢ - أنه بدل مُتلَف يتجزّأ، فيُقسم بين الجماعة على عددهم، كغرامة المال (٤). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الإمام أحمد في رواية، واختارها بعض أصحابه (٥). وحجتهم: أن أولياء القتيل لهم قتل كل واحد منهم، فكان على كل واحد منهم دية نفس كاملة، كما لو قلع الأعور عين صحيح، فإنه تجب عليه دية عينه، وهو دية كاملة (٦). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، لوجود المخالف، ولعل الشيخ ابن قاسم ﵀ فاتته هذه الرواية، واللَّه أعلم.

стр. 7874

[١٢٤/ ١٦] الدية لا تختلف باختلاف المجني عليه من حيث السن والشرف والقوة • المراد من المسألة: أن الدية الواجبة في الجناية لا يختلف قدرها باختلاف أعمار المجني عليهم، ولا باختلاف شرفهم، ولا باختلاف قوتهم، فالصغير والكبير، والشريف والوضيع، والقوي والضعيف، كلهم سواء. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): أجمع العلماء على أن ديات الرجال شريفهم ووضيعهم سواء، إذا كانوا أحرارا مسلمين، وكذلك ذكور الصبيان في دياتهم كآبائهم، الطفل والشيخ في ذلك سواء، وكذلك الطفلة كأمّها في ديّتها (١). قال الإمام الحسين بن مسعود البغوي (٥١٦ هـ): واتفق أهل العلم على التسوية في الأصابع، والأسنان، وأن في كل أصبع عشرا من الإبل، وفي كل سن خمس من الإبل، كما جعلوا دية الصغير والكبير، والضعيف والقوي سواء (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: ١ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. • وجه الدلالة من عموم قوله (ومن قتل مؤمنا)، يقول الإمام القرطبي: فالآية دلت على وجوب الدية في هذه الحالة، دون أن تفرق بين كون المقتول شريفا أو وضيعا، أو صغيرا في السن أو كبيرا (٥).

стр. 7875

٢ - قوله ﷺ في كتاب عمرو بن حزم ﵁: "وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل" (١). • وجه الدلالة من قوله (في النفس المؤمنة)، حيث جاء محلّى بالالم واللام التي تدلّ على الاستغراق فهو نص عام، لم يفرَّق فيه بين شريف أو وضيع، ولا بين كبير وصغير. ججج صحة الإجماع في هذه المسألة، لعدم وجود المخالف. [١٢٥/ ١٧] بدل الصلح عن دم العمد يجب في مال الجاني حالّا • المراد من المسألة: بدل الصلح عن دم العمد هو ما يصطلح عليه أولياء القتيل في قتل العمد مع قاتله في مقابل العفو عن القصاص، وهو عند الحنفية يختص بما سوى دية العمد الذي يسقط لشبهة كقتل الأب لولده عمدا، فهنا تجب دية العمد، وأما ما يُصطلح عليه في مقابل العفو عن القصاص فيسمى بدل الصلح عن دم العمد، والجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة لا يفرقون بين دية العمد وبدل الصلح عن دم العمد (٢). والخلاف وإن حصل في دية العمد الذي يسقط لشبهة هل يكون حالّا أو مؤجّلا بين الحنفية والجمهور (٣)، إلا أنهم اتفقوا على أن الصلح المصطلح عليه بدل للقصاص في دم العمد يكون حالّا. • من نقل الإجماع: قال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): ولا خلاف في أن بدل الصلح عن دم العمد يجب في ماله حالّا (٤).

стр. 7876

• من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم الظاهري (٤). • مستند الإجماع: ١ - أن بدل الصلح عن دم العمد لم يجب بالقتل، وإنما وجب بالعقد فلا يتأجل إلا بالشرط كثمن المبيع ونحو ذلك (٥). ٢ - أنه بدل متلف لا تحمله العاقلة، فوجب حالًّا كغرامة المُتلفات (٦). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول المالكية في رواية فيما إذا كانت الدية في غير الإبل (٧). قال ابن رشد الجدّ: وأما دية العمد فليست بموقتة ولا بمعلومة بدليل قول اللَّه : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] و (شيء) نكرة تقع على القليل والكثير، فإن اصطلحوا على الدية مبهمة فإنها تكون حالّة في مال القاتل مائة من الإبل على أهل الإبل مربّعة: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حِقّة، وخمس عشرون جذعة، وفي كتاب ابن المواز: أنهم إن اصطلحوا على دية مبهمة أو عفا بعض الأولياء فرجع الأمر إلى الدية فالدية في ذلك مثل دية الخطأ إلا أن العاقلة لا تحمل منها شيئًا، وهي في مال الجاني منجّمة في ثلاث سنين، قال: وإنما

стр. 7877

تفترق دية الخطأ من دية العمد في أن العاقلة لا تحملها، وأما في الأسنان فلا، والأول هو المشهور في المذهب المعلوم من قول مالك وأصحابه (١). ججج صحة الإجماع في المسألة إذا كانت الدية في الإبل، لعدم وجود المخالف، وعدم صحتها في غير ذلك لوجود المخالف، واللَّه أعلم. [١٢٦/ ١٧] جواز الصلح على أقلّ من الدية: • المراد من المسألة: إذا تصالح أولياء القتيل على أقلّ من الدية فإن هذا الصلح جائز لا محذور فيه. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وجملته أن من له القصاص له أن يصالح عنه بأكثر من الدية وبقدرها وأقلّ منها، لا أعلم فيه خلافا (٢). وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): ولو تصالحا على أقل من الدية صح بلا خلاف كما قاله القاضي (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وابن حزم الظاهري (٦). • مستند الإجماع: ١ - ما روي عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "من قَتل عمدا دُفع إلى أولياء المقتول؛ فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، ثلاثين حقة، وثلاثين

стр. 7878

جذعة، وأربعين خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل" (١). ٢ - أنه عوض عن غير مال، فجاز الصلح عنه بما اتفقوا عليه، كالصداق، وعوض الخلع (٢). ٣ - أنه صلح عما لا يجري فيه الربا، فأشبه الصلح عن العُروض (٣). ججج صحة الإجماع في المسألة، لعدم وجود المخالف. [١٢٧/ ١٨] لا تؤخذ من السيد قيمة عبده لبيت المال بقتله إياه خطأ • المراد من المسألة: أن السيد إذا قتل عبده خطأ فإن السيد لا يؤخذ منه قيمة العبد الذي جنى عليه حتى تسلّم إلى بيت المال. • من نقل الإجماع: قال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): قد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: أنه لو وجب عليه شيء لوجب لنفسه، لأن العبد ملك لسيده، فلو أن أجنبيا قتله لكانت الدية للسيد دون بيت المال (٨). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف. [١٢٨/ ١٩] وجوب تأجيل دية الخطأ ثلاث سنين . • المراد من المسألة: أن الدية الواجبة في قتل الخطأ يجب تأجيلها على العاقلة، ولا تكون حالّة.

стр. 7879

• من نقل الإجماع: قال الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ): فأما الخطأ فلا اختلاف بين أحد علمته في أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيه بالدية في ثلاث سنين (١). وقال الإمام الترمذي (٢٧٩ هـ): أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين، في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطإ على العاقلة (٢). وقال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): لم نجد لتنجيم دية الخطأ في كتاب اللَّه ذكرا، ولا في شيء من أخبار رسول اللَّه ﷺ له وقت تَحِلّ فيه، غير أني سمعت كل من لقيت من أهل العلم، وعوام من بلغنا عنهم ممن مضى يقولون: يقضى بها في ثلاث سنين (٣). وقال الإمام الجصّاص (٣٧٠ هـ): لا خلاف بين الفقهاء في وجوب دية الخطإ في ثلاث سنين. . . استفاض ذلك عن عمر ولم يخالفه أحد من السلف واتفق فقهاء الأمصار عليه فصار إجماعا لا يسع خلافه (٤). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): هذا ما لا خلاف فيه بين العلماء أن الدية في الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين على ما ورد عن عمر ﵁، والذي سمع مالك في أربع سنين شذوذ، والجمهور على ثلاث سنين (٥). قال الإمام السَرَخْسي (٤٩٠ هـ): وقد ثبت باتفاق العلماء التأجيل في جميع الدية إلى ثلاث سنين وأنه يستوفي كل ثلث في سنة (٦). قال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أن الدية في قتل الخطأ على عاقلة القاتل المخطئ، وأنها تجب عليهم مؤجلة في ثلاث سنين (٧).

стр. 7880

ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (١). وقال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): لا خلاف في أن دية الخطأ تجب مؤجلة على العاقلة في ثلاث سنين لإجماع الصحابة ﵃ على ذلك (٢). وقال الإمام ابن رشد (٥٩٥ هـ): وأما متى تجب فإنهم اتفقوا على أن دية الخطأ مؤجلة في ثلاث سنين (٣). ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٤). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين (٥). وقال الإمام الرافعي (٦٢٣ هـ): لا خلاف عن عامّة العلماء أن ما يضرب على العاقلة يضرب مؤجلا، وأن الأجل لا ينقص عن سنة، وأن دية النفس الكاملة تؤجل إلى ثلاث سنين، يؤخذ في كل سنة ثلثها (٦). وقال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين، ولا تكون في أقلّ منها (٧). وقال الإمام ابن نُجيم (٩٧٠ هـ): وإنما كان حكم المخطئ ما ذكره لقوله تعالى فيه ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، وقد قضى به عمر رضي اللَّه تعالى عنه في ثلاث سنين بمحضر في الصحابة من غير نكير فصار إجماعا (٨). وقال الإمام الشوكاني (١٢٥٥ هـ): واعلم أنه قد وقع الإجماع على أن دية
следующие страницы →