← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

وقال البرهان ابن مفلح (٨٨٤ هـ): (فإن ضربه بمثقل فهشمه من غير أن يوضحه ففيه حكومة، وقيل: خمس من الإبل) قال بعد ذلك: وعلم مما سبق أنه لا يجب أرش الهاشمة بغير خلاف؛ لأن الأرش المقدر وجب في هاشمة معها موضّحة (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الشافعية (٢). أما بالنسبة للأحناف والمالكية فبعد البحث والاستقراء لكتبهم لم أجد من تطرق منهم لعين المسألة، ولكن من خلال النظر لمعناها الاصطلاحي عندهم تبين لي أنهم لا يذكرون الهاشمة مفردة بل يذكرون الشجاج مرتبة، مما يدل على أن كل شجة مرتبة على التي تسبقها، وهذا يدل على أن الهاشمة لا تكون إلا بعد موضحة وإلا لم تكن عندهم هاشمة يجب فيها عشر من الإبل، واللَّه أعلم (٣). وفي الهداية: قال: "ولا قصاص في بقية الشجاج" لأنه لا يمكن اعتبار المساواة فيها؛ لأنه لا حد ينتهي السكين إليه؛ ولأن فيما فوق الموضحة كسر العظم ولا قصاص فيه (٤). • مستند الإجماع: يمكن أن يستدل لهذا الإجماع المنقول بأن الفقهاء من أئمة

стр. 8052

المذاهب الأربعة وغيرهم لا يختلفون أن ترتيب الجراح والشجاج من حيث شدتها وخطرها تكون فيه الهاشمة بعد الموضِّحة (١)، وحينئذ فلا بد أن تكون الهاشمة فيها إيضاح وهشم (٢)، ولهذا كان التفاوت بينهما في الأرش المقدر، حيث إن الواجب في الموضحة خمس من الإبل، والواجب في الهاشمة عشر، وعليه فإن الهاشمة التي لا إيضاح فيها هي منزلة بين المنزلتين، وليس الواجب فيها ما يجب في الهاشمة التي معها موضحة. ججج لم يظهر لي حكم في هذه المسألة هل هي من مسائل الإجماع أم هي من مسائل الخلاف، حيث إني لم أقف على قول بخصوصها للحنفية، والمالكية، وما استنبطاه من كون الهاشمة فوق الموضحة لا يكفي؛ إذ الخلاف في هذه المسألة متصوّر، لدقتها؛ ولأن الواجب في الهاشمة ليس فيه نص معلوم، وإنما العمدة فيه ما ورد عن زيد بن ثابت (٣)، ولكن يبقى أن الأصل هو الإجماع، واللَّه أعلم. [٢١٨/ ١٠] ثبوت الأرش فيما دون الموضّحة • المراد من المسألة: أن الشجاج إذا كانت دون الموضّحة فإن الواجب فيها حكومة، وليس فيها عقل معلوم. • من نقل الإجماع: قال الإمام مالك (١٧٩ هـ): الأمر عندنا أنه ليس فيما دون الموضحة من الشجاج عقل حتى تبلغ الموضحة، وإنما العقل في الموضحة فما فوقها، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ انتهى إلى الموضحة، في كتابه لعمرو بن حزم

стр. 8053

فجعل فيها خمسا من الإبل، ولم تقض الأئمة في القديم ولا في الحديث، فيما دون الموضحة بعقل (١). وقال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وقد أجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرشا، واختلفوا في ذلك الأرش: فمنهم من جعل الأرش فيما دون الموضحة معلوما، وجعل ذلك مختلفا على قدر الجراح، ومنهم من قال: ليس في شيء مما دون الموضحة أرش معلوم، وإنما تجب في ذلك كله حكومة (٢). وقال الإمام ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): فاتفق العلماء على أن العقل واقع في عمد الموضحة وما دون الموضحة خطأ، واتفقوا على أنه ليس فيما دون الموضحة خطأ عقل وإنما فيها حكومة (٣). وقال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرشا، فيما ذكر ابن المنذر (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٥)، والشافعية في أحد الأوجه وهو الظاهر من مذهبهم (٦)، وهو ظاهر المذهب عن الحنابلة (٧). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - عن الحسن وعمر بن عبد العزيز: "أن النبي ﷺ لم يقض فيما دون الموضحة بشيء" (٨). • وجه الدلالة: أن النبي عندما لم يقض فيما دون الموضحة بشيء دل ذلك

стр. 8054

على أنه لا يوجد فيها تقدير في الشرع، فوجب علينا أن نعتبر الحكومة حتى لا يكون هدرا. ٢ - أنه لا تقدير فيها من جهة الشرع، وما لا مقدر فيه الواجب فيه حكومة (١). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الشافعية في الوجه الثاني عندهم والذي حكاه ابن سُرَيج، والحنابلة في الرواية الأخرى (٢)، فذهبوا إلى: أن فيما دون الموضحة من الشجاج مقدّر حيث إن في البازلة بعير، وفي الباضعة بعيرين، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة، وحجتهم أن زيد بن ثابت قضى بذلك (٣). كما خالفه أيضا الشافعية في الوجه الثالث والذي حكاه أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة (٤)، وهو قول القاضي من الحنابلة حيث ذهبوا إلى: أنه يعتبر فيما دون الموضحة قدر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضّحة حتى وصلت إلى العظم إذا أمكن، فإذا عرف مقداره من ربع أو ثلث أو نصف كان فيه بقدر ذلك من دية الموضحة، وإن لم يمكن معرفة ذلك وجب حكومة (٥). وروي عن علي ﵁ أنه قضى في السِمحاق بأربع من الإبل (٦).

стр. 8055

وروي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: "في الدامية الكبرى يرون أنها المتلاحمة ثلاثمائة درهم، وفي الموضحة مائتا درهم، وفي الدامية الصغرى مائة درهم" (١). كما روى سعيد بن المسيب عن عمر وعثمان أنهما قضيا في الملطاة بنصف دية الموضحة (٢). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢١٩/ ١١] من وطئ زوجته وليس مثلها يوطئ فأفضاها (٣) عليه الدية • المراد من المسألة: أن من وطئ زوجته وهي صغيرة أو نحيفة لا يوطأ مثلها لمثله فأفضاها بأن خرق ما بين مخرج بول ومني أو خرق ما بين القبل والدبر فلم تستمسك البول لزمته الدية. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أن من وطئ زوجته وليس مثلها يوطئ فأفضاها أن عليه الدية (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول أبو يوسف (٥)، والشافعية (٦)، والمالكية في رواية (٧).

стр. 8056

• مستند الإجماع: يستدل لهذا الإجماع المنقول بما يلي: ١ - أن للبول مكانا في البدن يجتمع فيه للخروج فعدم إمساك البول إبطال لنفع ذلك المحل فتجب فيه الدية كما لو لم يستمسك الغائط (١). ٢ - أن مصيبتها أعظم من قطع الشُفْرين (٢)، وقد جاء النص على وجوب الدية في الشُفْرين ففي الإفضاء أولى، حيث أن إفضائها يمنعها من اللذة ومن استمساك الودي والبول فوجوب الدية فيه أولى من وجوبها في الشفرين (٣). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الحنفية، حيث لم يروا وجوب الضمان على إفضاء الزوج لزوجته. وحجتهم في ذلك أن الوطء مأذون فيه شرعا فالمتولد منه لا يكون مضمونا كالبكارة (٤). كما خالفهم أيضا المالكية في الرواية المشهورة عندهم كما جاء في التوضيح أنه يجب في الإفضاء ما شانها بالاجتهاد -أي يجب في ذلك الحكومة- وهو ما نقل عن مالك في المدونة، وقال الباجي: إن فعله بزوجته فروي عن ابن القاسم أنه يجب عليه حكومة في ماله ما لم تبلغ الثلث فإن بلغت الثلث فعلى العاقلة (٥). كما خالفه أيضا الإمام ابن حزم، حيث فصّل في المسألة فقال: إن كان ذلك وقع منه في زوجته من غير قصد فعاشت وبرئت فلا شيء في ذلك، لأنه مخطئ، وقد أباح اللَّه تعالى له وطء زوجته، فلم يتعد حدود اللَّه تعالى في ذلك،

стр. 8057

وإن كان فعل ذلك عامدا -وهو يدري أنها لا تتحمل- فعليه القصاص، ويفتق منه بحديدة مقدار ما فتق منها متعديا، ولا غرامة في شيء من ذلك أصلا (١). وروي عن أبان بن عثمان (٢) أنه رُفع إليه رجل تزوج جارية فأفضاها فقال فيها هو، وعمر بن عبد العزيز: إن كانت ممن يجامع مثلها فلا شيء عليه، وإن كانت ممن لا يجامع مثلها فعليه ثلث الدية (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢٢٠/ ١٢] وجوب الحكومة فيما عدا المقدّر من الجراح • المراد من المسألة: أن الواجب في الجراح التي لم يثبت فيها توقيف في قدر ديتها الحكومة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): والصحيح إن شاء اللَّه أنه لا تقدير في غير الخمسة الضلع والتُرقوتين والزَندين؛ لأن التقدير إنما يثبت بالتوقيف. ومقتضى الدليل وجوب الحكومة في هذه العظام الباطنة كلها، وإنما خالفناه في هذه العظام لقضاء عمر ﵁، ففيما عداها يبقى على مقتضى الدليل، وما عدا هذه العظام كعظم الظهر وغيره ففيه الحكومة، ولا نعلم فيه مخالفا، وإن خالف فيها مخالف فهو قول شاذ لا يستند إلى دليل يعتمد عليه ولا يصار إليه (٤). وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٥).

стр. 8058

• من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وأما المالكية فعندهم تفصيل في ذلك حيث قالوا: إن برئ العظم المكسور على غير عثم (٣) فلا شيء فيه، وإن برئ على عثم ففيه الاجتهاد -أي فيه الحكومة- (٤). • مستند الإجماع: أن استيفاء القصاص بصفة المماثلة متعذر، ولم يرد الشرع بأرش مقدّر فتجب الحكومة، حذارا من أن تخلو الجراحة من أرش (٥). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول المالكية كما ذكرت في التفصيل السابق، وابن حزم من الظاهرية حيث يرى أنه لا يجب في كسر الترقوة والضلع شيء في الخطأ، وأما في العمد - فالواجب في ذلك القصاص فقط، إلا إن كان جرحا فالقود، أو المفاداة هذا في العظام التي فيها مقدر شرعي عند الجمهور فمن باب أولى كسر العظام التي لا مقدر شرعي فيها، وهي عين مسألتنا واللَّه أعلم (٦). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة.

стр. 8059

الفصل الثامن ديات المنافع [٢٢١/ ١] ثبوت الدية في شلل اليد بضربها • المراد من المسألة: أن اليد إذا ضُربت فشلّت فإن الواجب فيها دية كاملة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا أن اليد الصحيحة إذا ضربت وشُلّت ففيها ديتها كاملة (١). وقال أيضا: وإن ضربت اليد الصحيحة فشُلّت ففيها ديتها تامة في قول مالك، والشافعي. قال أبو بكر: وبه نقول، ولا أحفظ عن أحد خلاف ما قالا (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن عمرو بن شعيب قال: كان في كتاب أبي بكر، وعمر: أن في الرِجل إذا يبست فلم يستطع أن يبسطها، أو يبسطها فلم يستطع أن يقبضها، أو لم تنل الأرض فبقدر ما نقص منها (٨). ٢ - أن اليد المشلولة لا نفع فيها، وإذا عدمت المنفعة فقد عدمت معنى،

стр. 8060

فتجب الدية فيها الدية كما تجب في ذهابها حسّا (١). ٣ - أن وجوب الدية يتعلق بتفويت جنس المنفعة، فإذا زالت منفعته كلها وجب عليه موجبه كلّه، ولا عبرة للصورة بدون المنفعة لكونها تابعة؛ فلا يكون لها حصة من الأرش إلا إذا تجردت عند الإتلاف، بأن أتلف عضوا ذهبت منفعته فحينئذ تجب فيه حكومة عدل إن لم يكن فيه جمال كاليد الشلاء، أو أرشه كاملا إن كان فيه جمال كالأذن الشاخصة (٢). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف. [٢٢٢/ ٢] في ذهاب استمساك الغائط الدية • المراد من المسألة: أن البطن إذا ضرب فذهب به استمساك الغائط فإن الواجب فيه دية كاملة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): مسألة: قال: (وفي البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط الدية، وفي المثانة إذا لم يستمسك البول الدية) وبهذا قال ابن جريج، وأبو ثور، وأبو حنيفة، ولم أعلم فيه مخالفا إلا أن ابن أبي موسى ذكر في المثانة رواية أخرى: فيها ثلث الدية (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٤)، وأما المالكية، والشافعية فلم أقف على قول لهم في خصوص هذه المسألة، وقال الإمام ابن حزم في فصل في إفضاء الرجل المرأة: عن أبان بن عثمان أنه رفع إليه رجل تزوج جارية فأفضاها فقال فيها هو، وعمر بن عبد العزيز: إن كانت ممن يجامع مثلها فلا شيء عليه وإن كانت ممن لا يجامع مثلها فعلية ثلث الدية (٥).

стр. 8061

وعن ابن جريج: إذا كان لا يستمسك الغائط فعليه الدية كاملة. وبه يقول سفيان الثوري، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: مثل ذلك، وزاد: فإذا كان الغائط يستمسك فثلث الدية. ولا يعرف لمالك، ولا للشافعي فيها قول. قال أبو محمد: أما المأثور في ذلك عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت ﵄ فإنه توقيف، والتوقيف لا يؤخذ إلا عن اللَّه تعالى على لسان نبيه ﷺ (١). • مستند الإجماع: أن البطن عضو فيه منفعة ليس في البدن مثلها، فوجب في تفويت منفعته دية كاملة، كسائر الأعضاء (٢). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الحنابلة في رواية، حيث جعلوا فيه ثلث الدية (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف [٢٢٣/ ٣] في ذهاب السمع الدية • المراد من المسألة: أن الجناية على حاسة السمع بإذهابه توجب دية كاملة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمع عوام أهل العلم على أن في السمع الدية (٤). وقال أيضا: في السمع الدية، إذ لا اختلاف فيه أعلمه أن في السمع الدية (٥). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): وأجمعوا على أن في ذهاب السمع الدية (٦).

стр. 8062

وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (١). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): مسألة: قال: (وفي السمع إذا ذهب من الأذنين الدية) لا خلاف في هذا، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم أن في السمع الدية، روي ذلك عن عمر وبه قال مجاهد وقتادة والثوري والأوزاعي وأهل الشام وأهل العراق ومالك والشافعي وابن المنذر، ولا أعلم عن غيرهم خلافا لهم (٢). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): وأجمعوا على أن في اللسان الدية، وأن في الذكر الدية، وأن في ذهاب العقل الدية، وأن في ذهاب السمع الدية (٣). وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): (وفي السمع) أي إزالته (دية) لخبر البيهقي: (وفي السمع الدية)، ونقل ابن المنذر فيه الإجماع (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٥)، والمالكية (٦). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: "وفي السمع مائة من الإبل" (٧). ٢ - ما روي أنه رمى رجل رجلا بحجر، في رأسه في زمان عمر بن الخطاب فذهب سمعه، وعقله، ولسانه، وذكره "فقضى فيها عمر بأربع ديات وهو حي" (٨).

стр. 8063

وعن زيد بن ثابت ﵁، قال: "إذا ضرب الرجل حتى يذهب سمعه ففيه الدية" (١). ولا مخالف لهما من الصحابة (٢). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الإمام ابن حزم من الظاهرية حيث يرى إنه لا شيء في ذهاب السمع بالخطأ، لأن الأموال محرمة، إلا بنص أو إجماع، وأما في العمد، فإن أمكن القصاص منه بمثل ما ضرب فواجب، ويصب في أذنه ما يبطل سمعه، مما يؤمن معه موته، فيرى أن هذا هو القصاص. وأما دعوى الإجماع فقد أبطلها، حيث ذكر أنه لم يثبت عن الصحابة شيء في السمع غير رواية أبي قلابة عن عمر، وقد ضعفها فقال: أبو قلابة لم يدرك عمر، وقد روى عن بعض التابعين غير وجوب الدية في ذهاب السمع فقال عن مجاهد: في ذهاب السمع خمسون، وروى عن عطاء: لم يبلغني في السمع شيء (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة، ويمكن توجيه النصوص التي نقلت الإجماع بأن بعضها وجد قبل وجود ابن حزم كابن المنذر، وبعضها يقتصر في نقله على المذاهب الأربعة كابن هُبيرة، وبعضها -من خلال استقراء الكتاب- لا ينقل لابن حزم رأيا أصلا، لا في حالة الاتفاق ولا في حالة الاختلاف كابن قدامة. [٢٢٤/ ٤] في ذهاب الشمّ الدية . • المراد من المسألة: أن الجناية على حاسّة الشمّ بإذهابه توجب دية كاملة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): مسألة: (قال: وفي المشام الدية) يعني الشم في إتلافه الدية؛ لأنه حاسة تختص بمنفعة فكان فيها

стр. 8064

الدية كسائر الحواسّ، ولا نعلم في هذا خلافا (١). وقد نقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٣)، والمالكية في الرواية المشهورة عندهم (٤)، والشافعية على الصحيح المشهور (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - عن عمرو بن حزم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "في الشم الدية" (٦). ٢ - أنه حاسة تختص بمنفعة وهي إدراك الروائح الطيبة والتفرقة بين الرائحة الطيبة والخبيثة، وبفوات هذه الحاسة تفوت تلك المنفعة فكان فيها الدية كسائر الحواس (٧). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول المالكية في رواية، والشافعية في وجه غريب ضعفه النووي حيث ذهبوا إلى أن: فيه حكومة (٨). ومن حججهم: أن الانتفاع بالشم من استنشاق الدماغ للطيب، والتأذي

стр. 8065

بالإنتان أكثر من التلذذ بالروائح الطيبة (١). وقد ضعف هذه الحجة الإمام أبو المعالي الجويني بقوله: وهذا خيال لا أصل له، وهو أحد الحواسّ فلا وجه إلا القطع بمقابلته بالدية الكاملة (٢). أما ابن حزم من الظاهرية فقوله مضطرد كالذي سبقه من مسائل في عدم وجوب شيء إذا كانت الجناية خطأ لحرمة المال، وإن كانت الجناية عمدا وجب القصاص ما أمكن إلى ذلك سبيلا (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢٢٥/ ٥] في ذهاب العقل الدية • المراد من المسألة: أن الجناية على العقل بإذهابه توجب دية كاملة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا أن في العقل دية (٤). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): وأجمعوا على أن في ذهاب العقل الدية (٥). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): مسألة: (قال: وفي ذهاب العقل الدية) لا نعلم في هذا خلافا (٦). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): وأجمعوا على أن في اللسان الدية، وأن في الذكر الدية، وأن في ذهاب العقل دية (٧). وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): (في العقل دية). . . وقال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه العلم على ذلك (٨).

стр. 8066

• من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (١)، والمالكية (٢). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - ما روي أنه رمى رجل رجلا بحجر، في رأسه في زمان عمر بن الخطاب فذهب سمعه، وعقله، ولسانه، وذكره "فقضى فيها عمر بأربع ديات وهو حي" (٣). ٢ - أن العقل من أعظم ما يختص به الآدمي، وبه ينتفع بنفسه في الدنيا، والآخرة، وبه يمتاز عن البهائم، فالمفوّت له كالمبدل لنفسه الملحق له بالبهائم (٤). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول ابن حزم من الظاهرية حيث ذكر ألا نص في العقل ولا إجماع يثبت فيه، فلا شيء في ذهابه بالخطأ، وذلك لحرمة المال -كما بينت في المسائل قبل هذه المسألة- وأما في ذهاب العقل بالعمد فإنما هي ضربة كضربة، ولا مزيد - فإن لم يذهب عقل المقتص منه فلا شيء عليه، فقد اعتدى بمثل ما اعتدي به عليه، وأما خبر عمر ﵁ فقد ضعفه كما ذكرت ذلك في مسألة (في ذهاب السمع الدية) (٥). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة، ويمكن توجيه نصوص الإجماع كما ذكرنا بأن ابن المنذر كان سابقا لابن حزم في سنة الوفاة فمخالفة ابن حزم وجدت بعد وفاة ابن المنذر، أما ابن هُبيرة فإنه اقتصر على اتفاق أصحاب المذاهب الأربعة، وابن قدامة لا يذكر رأي ابن حزم في كتابه أبدا، سواء حصل اختلاف أو اتفاق فكان هذا من منهجه في كتابه.

стр. 8067

[٢٢٦/ ٦] ما فوّت جنس المنفعة ففيه الدية • المراد من المسألة: أن الجناية التي تفوّت جنس المنفعة كالسمع والبصر والعقل والجماع ونحوها الواجب فيها دية بتمامها. • من نقل الإجماع: قال الإمام العَيني (٨٥٥ هـ): والأصل أن ما في الإنسان من الأعضاء إن كان واحدًا ففيه الدية كاملة، وإن كان اثنين ففيهما الدية وفي إحداهما نصف الدية، وإن كان أربعة ففيها الدية وفي أحدها ربع الدية، وإن كان عشرة ففيها الدية وفي أحد الدية، وما فوّت جنس المنفعة ففيه الدية؛ لأن بفواته يفوت الآدمي من وجه ذكره في المبسوط"، ولا نعلم فيه خلافا (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول في الجملة المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهذا من حيث العموم، وأما من حيث تفصيل كل منفعة هناك بعض المذاهب التي تخالف، كما بينا ذلك في المسائل قبلها. • مستند الإجماع: ما روي أنه رمى رجل رجلا بحجر، في رأسه في زمان عمر بن الخطاب فذهب سمعه، وعقله، ولسانه، وذكره "فقضى فيها عمر بأربع ديات وهو حي" (٥). • وجه الدلالة من هذا الأثر أن عمر قضى في ذهاب السمع بدية، وفي ذهاب العقل بدية، وهما منفعتان من منافع الآدمي. • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول ابن حزم من الظاهرية

стр. 8068

حيث أوجب القصاص في العمد ما أمكن ولا شيء عنده في الخطأ، وهذا الكلام مطّرد عنده في جميع المنافع التي كانت في المسائل السابقة (١). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة.

стр. 8069

الفصل التاسع العاقلة [٢٢٧/ ١] الدية في قتل الخطأ على عاقلة القاتل • المراد من المسألة: أن الدية الواجبة في قتل الخطأ المحض إنما تجب على عاقلة القاتل. • من نقل الإجماع: قال الإمام الطبري (٣١٠ هـ): أما في قتل المؤمن فمائة من الإبل إن كان من أهل الإبل على عاقلة قاتله، لا خلاف بين الجميع في ذلك (١). وقال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): أجمع أهل العلم على أن دية الخطأ تحمله العاقلة (٢). وقال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): وقد صح النص وإجماع أهل الحق على أن العاقلة تغرم الدية (٣). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): سَنّ رسول اللَّه ﷺ لأمته وشرع لها من دينه أن دية المؤمن المقتول خطأ تحملها عاقلة القاتل، وهم رهطه وعشيرته وقبيلته؛ لئلا يكون دمه مطلولا، فعلت ذلك الكافة التي لا يجوز عليها السهو ولا الغلط، وأجمع العلماء على ذلك في الدية الكاملة فارتفع التنازع ووجب التسليم (٤). وقال الإمام السَرَخْسي (٤٩٠ هـ): وهذه الدية على عاقلة القاتل بمنزلة الدية في الخطأ وهو قول عامة العلماء، وكان أبو بكر الأصم يقول لا تجب الدية على العاقلة بحال (٥).

стр. 8070

وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أن الدية في قتل الخطأ على عاقلة القاتل المخطئ (١). وقال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): لا خلاف في أن دية الخطأ تجب مؤجلة على العاقلة في ثلاث سنين لإجماع الصحابة ﵃ على ذلك (٢). وقال الإمام ابن رشد (٥٩٥ هـ): وأما على من تجب فلا خلاف بينهم أن دية الخطأ تجب على العاقلة (٣). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن دية الخطأ على العاقلة (٤). وقال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين ولا تكون في أقل منها. وأجمعوا على أنها على البالغين من الرجال. وأجمع أهل السير والعلم أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرّها رسول اللَّه ﷺ في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة؛ ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل الديوان. واتفق الفقهاء عل رواية ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول اللَّه ﷺ ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو (٥). وقال الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ): وعاقلة الرجل: قراباته من قِبل الأب، وهم عصبته، وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول، وتحمّل العاقلة الدية ثابت بالسنة وأجمع أهل العلم على ذلك (٦).

стр. 8071

وقال الإمام الشوكاني (١٢٥٥ هـ): تحميل العاقلة الدية ثابت بالسنة وهو إجماع أهل العلم كما حكاه في الفتح (١). وقال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) بعد ذكره لحديث: "قضى رسول اللَّه ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان، سقط ميتا، بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة، توفيت فقضى رسول اللَّه ﷺ أن ميراثها لزوجها وبنتيها، وأن العقل على عصبتها"، قال: فدل الحديث على أن دية الخطأ على العاقلة، وأجمع العلماء على ذلك (٢). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): اتفق الأئمة على أن الدية في القتل الخطأ على عاقلة الجاني (٣). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. • وجه الدلالة من الآية أن تحمّل العاقلة من جملة البر والتقوى فدخل في عموم الآية (٤). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرّة، عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها (٥). • وجه الدلالة من قوله: (على عاقلتها)، أي: عاقلة القاتلة (٦). ٣ - عن الحسن البصري قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى امرأة مغيبة كان يدخل عليها، فأنكر ذلك، فأرسل إليها، فقيل لها: أجيبي عمر، فقالت:

стр. 8072

يا ويلها ما لها، ولعمر قال: فبينا هي في الطريق فزعت فضربها الطلق فدخلت دارا، فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحتين، ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي ﷺ فأشار عليه بعضهم، أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدّب قال: وصَمَت علي ﵁ فأقبل عليه، فقال: ما تقول؟ قال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديتها عليك، فإنك أنت أفزعتها، وألقت ولدها في سببك، قال: فأمر عليا ﵁ أن يقسم عقله على قريش، يعني يأخذ عقله من قريش لأنه خطأ (١). ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ﵁، فدلّ على أنه إجماع (٢). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول أبو بكر الأصمّ، وابن عُلَيّة، وجمهور الخوارج، فذهبوا إلى أن دية الخطأ يتحمّلها القاتل وحده، وهي في ماله (٣). واختلف عن عثمان البَتّي في ذلك، فروي عنه أنه قال: لا أدري ما العاقلة؟ وروي عنه أنه قال كقول الجمهور (٤). وحجتهم: ما روي عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ، ثم إن رسول اللَّه ﷺ ، قال لأبي: "ابنك هذا؟ " قال: إي ورب الكعبة، قال: "حقا؟ " قال: أشهد به، قال: فتبسم رسول اللَّه ﷺ ضاحكا من ثبت شبهي في أبي، ومن حلف أبي علي، ثم قال: "أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه"،

стр. 8073

وقرأ رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (١). قال الماوردي: ولم يرد بذلك فعل الجناية، لأنه قد يجني كل واحد منهما على صاحبه، وإنما أراد به أن لا يؤاخذ بجنايتك ولا تؤاخذ بجنايته (٢)، ولأنّ ضمان الإتلاف يجب على المتلِف دون غيره، بمنزلة غرامات الأموال (٣). ججج صحة الإجماع، أما من خالف الإجماع فقد حكم على قولهم العلماء بالشذوذ كالماوردي، وأما عثمان البتي فقد تضاربت عنه الرواية، فلذلك يسقط قوله لتضارب الرواية عنه فبقي الإجماع صحيح بدون مخالفة معتبرة واللَّه أعلم. [٢٢٨/ ٢] لا يحمل أحد من الدية إلا قليلا • المراد من المسألة: أن من كان من العاقلة لا يكلّف من تحمل الدية ما يشق عليه ويجحف به. • من نقل الإجماع: قال الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ): ولم أعلم مخالفا في ألا يحمل أحد من الدية إلا قليلا (٤). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة لا تكلف من المال ما يجحف بها ويشق عليها (٥). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٦)، المالكية (٧)،

стр. 8074

وابن حزم من الظاهرية (١). • مستند الإجماع: ١ - عموم الآيات التي تنفي الكُلفة والحرج والعسر عن الأمة ومنها: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٢ - أنه لازم لها من غير جنايتها على سبيل المواساة للقاتل، والتخفيف عنه، فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره، ويجحف به، كالزكاة (٢). ٣ - أنه لو كان الإجحاف مشروعا كان الجاني أحق به؛ لأنه موجب جنايته، وجزاء فعله، فإذا لم يشرع في حقه، ففي حق غيره أولى (٣). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة. تنبيه: الإجماع وقع على عدم تكليف العاقلة ما يشق عليها ويجحف بها، أما المقدار الواجب على كل واحد من العاقلة، فهذا قد وقع فيه الخلاف بين الفقهاء ليس هذا مجال سرده (٤). [٢٢٩/ ٣] الإخوة لأم لا يعقلون لأخيهم من أمهم • المراد من المسألة: أن الإخوة لأم ليسوا ممن يجب عليه تحمل الدية؛ إذ ليسوا من العاقلة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا أن ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها لا يعقلون عنها، وكذلك الإخوة من الأم لا يعقلون عن أخيهم لأمهم شيئا (٥).

стр. 8075

وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): قال مالك في المرأة يكون لها زوج وولد من غير عصبتها ولا قومها فليس على زوجها إذا كان من قبيلة أخرى من عقل جنايتها شيء. . .، ولا على إخوتها من أمها إذا كانوا من غير عصبتها ولا قومها فهؤلاء أحق بميراثها والعصبة عليهم العقل منذ زمان رسول اللَّه ﷺ إلى اليوم، . . .، قال أبو عمر: ما ذكره مالك في هذا الفصل لا خلاف بين العلماء فيه الدية عندهم على العاقلة (١). وقال الإمام القرافي (٦٨٤ هـ): واتفق العلماء أن إخوة الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج وكل من عدا العصبة ليسوا من العاقلة (٢). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا خلاف بين أهل العلم في أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم، وسائر ذوي الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات، ليس هم من العاقلة (٣). وقد نقل النص نفسه الإمام شمس الدين ابن قدامة (٤). وقال البرهان ابن مفلح (٨٨٤ هـ): أن العصبات من الإخوة من الأم وذوي الأرحام والنساء، ليسوا من العاقلة بغير خلاف (٥). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية حيث يرون أن عاقلة الرجل هم أهل ديوانه (٦) فلا يجعلونه على العصبة إلا إذا لم يكن داخلا في

стр. 8076

الديوان، فتكون الدية حينئذ على العصبة من النسب، والأخوة لأم ليسوا من العصبة (١). والشافعية حيث يرون العاقلة هم الذكور البالغون العقلاء من عصبات القاتل ما عدا عمودي النسب يقدم الأقرب فالأقرب، وأقرب العصبات بعد العمودين الأخوة أولاد الأب سواء كانوا أشقاء أو أخوة لأب، أما الأخوة لأم فليسوا داخلين في العقل إذ إنهم ليسوا من العصبات (٢). وابن حزم من الظاهرية حيث يرى أن العاقلة هم الأولياء، وهم العصبات، وأولاد الأم ليسوا من العصبات، بل هم من أصحاب الفروض (٣). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - عن المغيرة بن شعبة ﵁، قال: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى، فقتلتها، قال: وإحداهما لحيانية، قال: فجعل رسول اللَّه ﷺ دية المقتولة على عصبة القاتلة، وغرة لما في بطنها، فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل، ولا شرب، ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أسجعٌ كسجع الأعراب؟ " قال: وجعل عليهم الدية (٤). فالنبي ﷺ هنا أوجب الدية على العصبة ومعلوم أن الأخوة لأم ليسوا من العصبة. ٢ - أنهم ليسوا من أهل النصرة، وعمدة العقل النصرة، وليسوا منها (٥). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف.

стр. 8077

[٢٣٠/ ٤] أولاد المرأة من غير عصبتها لا يعقلون عنها • المراد من المسألة: أن المرأة في جناية الخطأ إذا كان لها ولد، وليس ذلك الولد من عصبتها فإنه ليس من عاقلتها، فلا يحمل عنها شيئا، فأما إذا كان من عصبتها، كما لو كان زوجها ابن عمّها، فولدها ابن ابن عمّها وولد لها فيعقل عنها. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا أن ولد المرأة إذا كان من غير عصبتها لا يعقلون عنها، وكذلك الإخوة من الأم لا يعقلون عن أخيهم لأمّهم شيئا (١). ونقله عنه الإمام ابن بطال (٤٤٩ هـ) (٢)، والإمام العيني (٨٥٥ هـ) (٣). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): قال مالك في المرأة يكون لها زوج وولد من غير عصبتها ولا قومها: ليس على زوجها إذا كان من قبيلة أخرى من عقل جنايتها شيء، ولا على ولدها إذا كانوا من غير قومها، . . .، فهؤلاء أحق بميراثها والعصبة عليهم العقل منذ زمان رسول اللَّه ﷺ إلى اليوم، قال أبو عمر ما ذكره مالك في هذا الفصل، لا خلاف بين العلماء فيه الدية عندهم على العاقلة (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية في أحد القولين عندهم (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة في إحدى الروايتين (٧).

стр. 8078

• مستند الإجماع: ١ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ "قضى في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بغرة توفيت، فقضى رسول اللَّه ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها" (١). • وجه الدلالة كما يقول الإمام ابن المنذر: في الحديث دليل على أن ولد المرأة لا يحملون عنها من الجناية شيئا، وإن كانوا ذكورا، لأن في هذا الحديث فقضى أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها، فقد قضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم (٢). ٢ - أن مال ولد المرأة كمالها؛ ولهذا لم تقبل شهادته لها، ولا شهادتها له، ووجب على كل واحد منهما الإنفاق على الآخر إذا كان محتاجا، والآخر موسرا، وعتق عليه إذا ملكه، فلا تجب في ماله دية، كما لم يجب في مال القاتل (٣). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول: الحنفية في القول الآخر (٤)، والحنابلة في الرواية المشهورة عندهم (٥)، حيث ذهبوا إلى أن الأبناء يعقلون مع العاقلة. ومن حججهم: ١ - ما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: "قضى رسول اللَّه

стр. 8079

- ﷺ أن عقل المرأة بين عصبتها، من كانوا، لا يرثون منها شيئا إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها" (١). ٢ - ما رواه أبو رِمثة ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل معه ابنه: "لا يجني عليك ولا تجني عليه" (٢). أي: لا يلزمك موجب جنايته، ولا يلزمه موجب جنايتك. ٣ - أن العقل مبناه على التناصر، والابن من أهله، ولأن العصبة في تحمل العقل كالابن في الميراث في تقديم الأقرب فالأقرب، والابن أحق العصبات بميراثه، فكان أولى بتحمل عقله (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢٣١/ ٥] دية العمد لا تحملها العاقلة: • المراد من المسألة: أن الدية الثابتة بجناية العمد، لا تحملها العاقلة، وإنما تجب في مال العامد وحده. • من نقل الإجماع: قال الإمام مالك (١٧٩ هـ): ولا تعقل العاقلة أحدا أصاب نفسه عمدا أو خطأ بشيء، وعلى ذلك رأي أهل الفقه عندنا، ولم أسمع أن أحدا ضمن العاقلة من دية العمد شيئا (٤). وقال ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا على أن العاقلة لا تحمل دية العمد، وأنها تحمل دية الخطأ (٥).

стр. 8080

وقال الإمام الماوردي (٤٥٠ هـ): لا خلاف أن دية العمد لا تحملها العاقلة، سواء وجب فيها القود أو لم يجب، كجناية الوالد على الولد، وما لا قصاص فيه من الجائفة وسائر الجراح (١). وقال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): ولا خلاف بين الحاضرين من خصومنا في أن العاقلة لا تؤدى عن قاتل عمد (٢). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على أن دية الحر المسلم مائه من الإبل في مال القاتل العامد إذا آل إلى الدية (٣). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل (٤). وقال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد وأنها في مال الجاني؛ وقد تقدم ذكرها في البقرة، وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة (٥). وقال الإمام ابن القيم (٧٥١ هـ): والعاقلة إنما تحمل الخطأ ولا تحمل العمد بالاتفاق (٦). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي رِمثة ﵁ قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وعنده ناس من ربيعة يختصمون في دم العمد، فسمعته يقول: "أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك"، ثم قال: فنظر، ثم قال: "من هذا معك يا أبا رمثة؟ " فقلت:

стр. 8081

ابني، قال: "أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه" (١). • وجه الدلالة من قوله: (أما إنه لا يجني عليك، ولا تجني عليه)، أي: لا يجني جناية يكون القصاص أو الضمان فيها عليك (٢). ٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: "لا تحمل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا" (٣). ٣ - أن موجب الجناية أثر فعل الجاني، فيجب أن يختص بضررها، كما يختص بنفعها، وإنما خولف هذا الأصل في قتل المعذور فيه، لكثرة الواجب، وعجز الجاني في الغالب عن تحمله، مع وجوب الكفارة عليه، وقيام عذره، تخفيفا عنه، ورفقا به، والعامد لا عذر له، فلا يستحق التخفيف، ولا يوجد فيه المعنى المقتضي للمواساة في الخطأ (٤). ججج صحة الإجماع؛ لعدم وجود المخالف في المسألة. [٢٣٢/ ٦] العاقلة قريبهم وبعيدهم سواء، ولا يقدّم الأقرب فالأقرب . • المراد من المسألة: أن أفراد العاقلة سواء في تحملهم الدية، القريب منهم والبعيد، فلا يقدم منهم الأقرب إلى الجاني على غيره. • من نقل الإجماع: يقول الإمام القرافي (٦٨٤ هـ): ولاية النكاح أعظم رتبة لدرء العار عن المولية؛ ولذلك قدّم الأقرب فالأقرب، ولا يلزم ذلك في العاقلة اتفاقا (٥).

стр. 8082

• من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية حيث يرون التسوية بين البعيد والقريب من الجاني في العقل (١). • مستند الإجماع: ١ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله (٢). قال الطحاوي: فظاهره يقتضي التسوية بين القريب والبعيد من الجاني لأنهم من البطن (٣). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (كداود وابن حزم) (٦): حيث يرون أن الدية، يراعى في تحملها الأقرب فالأقرب من العاقلة، لأن تفرد الأقارب بها دون الأباعد إجحاف فخرج عن المواساة، وأخذها من كل قريب وبعيد يفضي إلى دخول جميع بني آدم فيها، فوجب أن يراعى في تحملها الأقرب فالأقرب كالميراث وولاية النكاح (٧). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة.

стр. 8083

[٢٣٣/ ٧] العاقلة لا تحمل جنايات الأموال • المراد من المسألة: أن جناية الخطأ على الأموال لا تتحملها العاقلة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا على أن العاقلة لا تعقل مهر المثل، ولا الجنايات على الأموال إلا العبيد (١). وقال الإمام الطحاوي (٣٢١ هـ): قد اتفقوا على أن العاقلة لا تحمل ضمان الأموال (٢). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): وأجمعوا أنها لا تحمل (العاقلة) جنايات الأموال (٣). وقال أيضا: لا خلاف علمته أن ما جنت يد الإنسان خطأ أنه يضمنه في ماله فإن كان دما فعلى عاقلته تسليما للسنة المجتمع عليها (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - أن الأصل وجوب ضمان الأموال على متلفها كقيمة العبد والدابة (٧). ٢ - أن الأموال لا تحملها العاقلة؛ لأنه ليس فيها أرش مؤقت لا يتعدى (٨). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول عطاء بن أبي رباح، حيث سئل عن رجل قتل عبدا خطأ قال: هو على عاقلته، وإن قتل دابة خطأ فهو على العاقلة (٩).

стр. 8084

قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا وافق عطاء على مقالته. ججج عدم صحة الإجماع؛ لوجود المخالف، وقد اختلفت عبارة الإمام ابن المنذر في غير كتاب الإجماع، حيث قال في الأوسط: وأجمع أكثر من أحفظ عنه من أهل العلم: أن العاقلة لا تعقل مهر المثل، ولا الجنايات على الأموال (١)، وهذا يشير إلى أنه لا يرى الإجماع في هذه المسألة، واللَّه أعلم. [٢٣٤/ ٨] عاقلة المعتق قبيلة مولاه • المراد من المسألة: أن عاقلة العبد المعتَق الذين يحملون عنه ديته هم قبيلة مولاه الذي أعتقه. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): وكذلك موالي المرأة ميراثهم لولد المرأة وإن كانوا من غير قبيلتها وعقل جناية الموالي على قبيلتها قال أبو عمر ما ذكره مالك في هذا الفصل لا خلاف بين العلماء فيه الدية عندهم على العاقلة (٢). وقال الإمام العَيني (٨٥٥ هـ): (قال) أي: القُدُوري (وعاقلة المعتَق) بفتح التاء (قبيلة مولاه؛ لأن النصرة بهم) وهذا لا اختلاف فيه (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، إلا أن الشافعية والحنابلة يجعلون ذلك محمولا على أن المعتَق لم يخلف عصبة من نسبه ولا وارثا منهم إذ لو خلف وارثا من نسبه أو عصبته كانوا أحق بميراثه وعقله من عصبات مولاه فيكون عقله إن جنى المعتَق جناية على عصبة مولاه إن كان المعتِق امرأة، لأن المرأة لا تعقل،

стр. 8085

وابنها ليس من عشيرتها، فلا تعقل عن معتقها، وعقل عنها عصباتها من عشيرتها، أما الرجل المعتِق، فإنه يعقل عن معتقه؛ لأنه عصبة من أهل العقل ويعقل ابنه وأبوه؛ لأنهما من عصباته وعشيرته. • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - قول النبي ﷺ : "مولى القوم من أنفسهم" (١). ٢ - عن زياد بن أبي مريم: أن امرأة أعتقت عبدا لها، ثم توفيت وتركت ابنا لها وأخاها، ثم توفي مولاها من بعدها، فأتى أخو المرأة وابنها رسول اللَّه ﷺ في ميراثه، فقال ﵇: "ميراثه لابن المرأة" فقال أخوها: لو جرّ جريرة كانت عليّ، ويكون ميراثه لهذا، قال: "نعم" (٢). ٣ - ما روى إبراهيم النخعي قال: اختصم علي والزبير في مولى صفية فقال علي: مولى عمتي وأنا أعقل عنه! وقال الزبير: مولى أمي وأنا أرثه! فقضى عمر للزبير بالميراث، وقضى على عليّ بالعقل (٣). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول داود الظاهري وأصحابه ومنهم ابن حزم حيث ذهبوا إلى عدم وجوب الدية على عاقلة المعتِق، بل تجب الدية على عصبة المعتَق، وهم قرابته، فإن لم يعرف له عاقلة فالدية تجب في سهم الغارمين من الصدقات أو من بيت المال (٤). وأما حجتهم عموم قضاء النبي ﷺ بالدية على العاقلة (٥).

стр. 8086

وأما حجتهم في وجوب الدية في سهم الغارمين أو في بيت المال في حق من لا عاقلة له من المعتقين هو أنه لا يجوز أن يغرم أحد غرامة لم يأت بإيجابها نص ولا إجماع، فلم يبق إلا قول من قال: إن الدية في سهم الغارمين من الصدقات، أو بيت مال المسلمين في كل مال موقوف لجميع مصالحهم - فوجب القول بهذا؛ لأن اللَّه تعالى أوجب الدية في كل مؤمن قتل خطأ (١). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢٣٥/ ٩] لا تحمل العاقلة اعترافا بالخطأ تنكره العاقلة • المراد من المسألة: لا تحمل العاقلة الاعتراف، وهو أن يقرّ الإنسان على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد فتجب الدية عليه. • من نقل الإجماع: قال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): ولا خلاف في أن الدية بالإقرار بالقتل الخطأ تجب في ماله في ثلاث سنين (٢). قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): المسألة الرابعة: أنها لا تحمل (العاقلة) الاعتراف وهو أن يقر الإنسان على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد فتجب الدية عليه، ولا تحمله العاقلة، ولا نعلم فيه خلافا (٣). وقد نقله الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية في المعتمد عندهم (٥)، والشافعية، واشترطوا أن يحلف العاقلة على نفي العلم، فإن حلفوا فلا شيء عليهم من الدية (٦). أما ابن حزم فعنده تفصيل في المسألة وهو كالتالي: أن المقرّ بقتل الخطأ

стр. 8087

ليس مقرّا على نفسه؛ لأن الدية فيما أقر به على العاقلة، لا عليه، فإذ ليس مقرا على نفسه فواجب أن لا يصدق عليهم، إلا إن كان عدلا، فإنه في هذه الحالة يحلف أولياء القتيل مع المقر بالقتل، فيستحق أولياء القتيل الدية على العاقلة، فإن نكلوا فلا شيء لهم، وإن أقرّ اثنان عدلان بقتل خطأ وجبت الدية على عواقلهما بلا يمين، لأنهما شاهدا عدل على العاقلة (١). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - ما روي ابن عباس ﵄ قال: "لا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا" (٢). ولا مخالف له من الصحابة (٣). ٢ - عن عمر ﵁ قال: "العمد والعبد، والصلح والاعتراف، لا تعقله العاقلة" (٤). ٣ - أنه لو وجب عليهم، لوجب بإقرار غيرهم، ولا يقبل إقرار شخص على غيره (٥). ٤ - أنه يتهم في أن يواطئ من يقر له بذلك ليأخذ الدية من عاقلته، فيقاسمه إياها (٦). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول المالكية في باقي الأقوال عندهم، وهي ثلاثة أقوال أخرى:

стр. 8088

الأول: أنه إن اتهم أن يكون أراد غنى ولد المقتول كالأخ والصديق لم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان ثقة مأمونا، ولم يخف أن يرشى على ذلك، ثم تكون الدية على العاقلة بقسامة فإن لم يقسم أولياء المقتول فلا شيء لهم. الثاني: لا شيء عليه ولا على عاقلته. الثالث: تقضى عليه وعلى عاقلته فما أصابه غرمه وما أصاب العاقلة سقط عنه (١). كما خالفه أيضا الإمام أبو ثور، حيث قال: لا يلزمه ما أقر به، لأنه أقر على غيره، وذلك أن جناية الخطأ على الأنفس على العاقلة كذلك السنة فإذا أقر الجاني بشيء أوجبته السنة على غيره لم يلزمه في نفسه (٢). وقوّى قوله الإمام ابن المنذر، فقال: وقول أبي ثور يدل عليه النظر، واللَّه أعلم، وذلك أن المقر بقتل خطأ، إنما أقر بشيء على غيره وإن صدقه الأولياء، فهو أولى أن يكون كذلك، لأن الولي إذا قال: إنك قتلته خطأ فقد برأه من الدية وأقر بأن ذلك على العاقلة، لأن السنة قد حكمت بالدية على العاقلة، ولا يجوز تحويل ما جعلته السنة على العاقلة إلى أن يجعل ذلك على المقر بالجناية، وكما لا يلزم العاقلة دية العمد، كذلك لا يكون على الجاني دية الخطأ بحكم النبي ﷺ بذلك على العاقلة. واللَّه أعلم (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود الخلاف في المسألة.

стр. 8089

[٢٣٦/ ١٠] لا تحمل العاقلة ما دون النفس من العبيد • المراد من المسألة: أن الحر إذا قتل عبد خطأ فإن عاقلة الحر لا تحمل من قيمة العبد شيئا، وإنما هي في مال القاتل وحده. • من نقل الإجماع: قال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): وأما ما دون النفس من العبيد فلا تتحمله العاقلة بالإجماع (١). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع المنقول: المالكية (٢)، والشافعية في أحد القولين (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - ما روى ابن عباس ﵄ قال: "لا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا" (٥). ولا مخالف له من الصحابة (٦). ٢ - عن عمر ﵁ قال: "العمد والعبد، والصلح والاعتراف، لا تعقله العاقلة" (٧). ٣ - أن ما دون النفس من العبيد له حكم الأموال، ولهذا لا يجب فيه القصاص، وضمان المال لا تتحمله العاقلة (٨). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول: الشافعية في القول

стр. 8090

الآخر، وهو اختيار المزني حيث ذهب إلى وجوب دية ما دون النفس من العبيد على عاقلة الجاني (١). وحجتهم في ذلك أن القصاص والكفارة واجبان بقتله فحملت العاقلة بدله كالحر (٢). وهذا القول مروي عن عطاء، والزهري، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان (٣)، وبه قال الإمام ابن حزم الظاهري، وقال في ذلك بعد أن ساق الاختلاف: ثم نظرنا في العبد يقتل خطأ، هل تحمل قيمته العاقلة أم لا؟ فوجدنا من لم تحمله العاقلة لا حجة لهم إلا ما ذكرنا من أنه روي ذلك عن عمر، وعن ابن عباس - وهو قول لم يصح عن عمر كما ذكرنا، لأنه عن الشعبي عن عمر ولم يولد الشعبي إلا بعد موت عمر ﵁ بسنين ولا نعلمه أيضا يصح عن ابن عباس وقد ذكرنا قضايا عظيمة عن جماعة من الصحابة ﵃ خالفوها، قد ذكرناها في غير موضع، فالواجب الرجوع إلى ما أوجب اللَّه تعالى عند التنازع، إذ يقول تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] الآية، ففعلنا، فوجدنا. . . عن عكرمة عن ابن عباس: "أن مكاتبا قتل على عهد رسول اللَّه ﷺ فأمر ﵇ أن يودى ما أدى دية الحر، وما لا دية المملوك". وقد روي عن يحيى بن أبي كثير قال: إن علي بن أبي طالب، ومروان كانا يقولان في المكاتب أنه يودى منه دية الحر بقدر ما أدى، وما رق منه دية العبد. فوجدنا رسول اللَّه ﷺ وهو الحجة في الدين- سمى ما يودى في قتل
следующие страницы →