← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

وأما حجتهم في وجوب الدية في سهم الغارمين أو في بيت المال في حق من لا عاقلة له من المعتقين هو أنه لا يجوز أن يغرم أحد غرامة لم يأت بإيجابها نص ولا إجماع، فلم يبق إلا قول من قال: إن الدية في سهم الغارمين من الصدقات، أو بيت مال المسلمين في كل مال موقوف لجميع مصالحهم - فوجب القول بهذا؛ لأن اللَّه تعالى أوجب الدية في كل مؤمن قتل خطأ (١). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢٣٥/ ٩] لا تحمل العاقلة اعترافا بالخطأ تنكره العاقلة • المراد من المسألة: لا تحمل العاقلة الاعتراف، وهو أن يقرّ الإنسان على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد فتجب الدية عليه. • من نقل الإجماع: قال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): ولا خلاف في أن الدية بالإقرار بالقتل الخطأ تجب في ماله في ثلاث سنين (٢). قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): المسألة الرابعة: أنها لا تحمل (العاقلة) الاعتراف وهو أن يقر الإنسان على نفسه بقتل خطأ أو شبه عمد فتجب الدية عليه، ولا تحمله العاقلة، ولا نعلم فيه خلافا (٣). وقد نقله الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية في المعتمد عندهم (٥)، والشافعية، واشترطوا أن يحلف العاقلة على نفي العلم، فإن حلفوا فلا شيء عليهم من الدية (٦). أما ابن حزم فعنده تفصيل في المسألة وهو كالتالي: أن المقرّ بقتل الخطأ

стр. 8087

ليس مقرّا على نفسه؛ لأن الدية فيما أقر به على العاقلة، لا عليه، فإذ ليس مقرا على نفسه فواجب أن لا يصدق عليهم، إلا إن كان عدلا، فإنه في هذه الحالة يحلف أولياء القتيل مع المقر بالقتل، فيستحق أولياء القتيل الدية على العاقلة، فإن نكلوا فلا شيء لهم، وإن أقرّ اثنان عدلان بقتل خطأ وجبت الدية على عواقلهما بلا يمين، لأنهما شاهدا عدل على العاقلة (١). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - ما روي ابن عباس ﵄ قال: "لا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا" (٢). ولا مخالف له من الصحابة (٣). ٢ - عن عمر ﵁ قال: "العمد والعبد، والصلح والاعتراف، لا تعقله العاقلة" (٤). ٣ - أنه لو وجب عليهم، لوجب بإقرار غيرهم، ولا يقبل إقرار شخص على غيره (٥). ٤ - أنه يتهم في أن يواطئ من يقر له بذلك ليأخذ الدية من عاقلته، فيقاسمه إياها (٦). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول المالكية في باقي الأقوال عندهم، وهي ثلاثة أقوال أخرى:

стр. 8088

الأول: أنه إن اتهم أن يكون أراد غنى ولد المقتول كالأخ والصديق لم يصدق، وإن كان من الأباعد صدق إن كان ثقة مأمونا، ولم يخف أن يرشى على ذلك، ثم تكون الدية على العاقلة بقسامة فإن لم يقسم أولياء المقتول فلا شيء لهم. الثاني: لا شيء عليه ولا على عاقلته. الثالث: تقضى عليه وعلى عاقلته فما أصابه غرمه وما أصاب العاقلة سقط عنه (١). كما خالفه أيضا الإمام أبو ثور، حيث قال: لا يلزمه ما أقر به، لأنه أقر على غيره، وذلك أن جناية الخطأ على الأنفس على العاقلة كذلك السنة فإذا أقر الجاني بشيء أوجبته السنة على غيره لم يلزمه في نفسه (٢). وقوّى قوله الإمام ابن المنذر، فقال: وقول أبي ثور يدل عليه النظر، واللَّه أعلم، وذلك أن المقر بقتل خطأ، إنما أقر بشيء على غيره وإن صدقه الأولياء، فهو أولى أن يكون كذلك، لأن الولي إذا قال: إنك قتلته خطأ فقد برأه من الدية وأقر بأن ذلك على العاقلة، لأن السنة قد حكمت بالدية على العاقلة، ولا يجوز تحويل ما جعلته السنة على العاقلة إلى أن يجعل ذلك على المقر بالجناية، وكما لا يلزم العاقلة دية العمد، كذلك لا يكون على الجاني دية الخطأ بحكم النبي ﷺ بذلك على العاقلة. واللَّه أعلم (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود الخلاف في المسألة.

стр. 8089

[٢٣٦/ ١٠] لا تحمل العاقلة ما دون النفس من العبيد • المراد من المسألة: أن الحر إذا قتل عبد خطأ فإن عاقلة الحر لا تحمل من قيمة العبد شيئا، وإنما هي في مال القاتل وحده. • من نقل الإجماع: قال الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ): وأما ما دون النفس من العبيد فلا تتحمله العاقلة بالإجماع (١). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع المنقول: المالكية (٢)، والشافعية في أحد القولين (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - ما روى ابن عباس ﵄ قال: "لا تحمل العاقلة عمدا، ولا عبدا، ولا صلحا، ولا اعترافا" (٥). ولا مخالف له من الصحابة (٦). ٢ - عن عمر ﵁ قال: "العمد والعبد، والصلح والاعتراف، لا تعقله العاقلة" (٧). ٣ - أن ما دون النفس من العبيد له حكم الأموال، ولهذا لا يجب فيه القصاص، وضمان المال لا تتحمله العاقلة (٨). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول: الشافعية في القول

стр. 8090

الآخر، وهو اختيار المزني حيث ذهب إلى وجوب دية ما دون النفس من العبيد على عاقلة الجاني (١). وحجتهم في ذلك أن القصاص والكفارة واجبان بقتله فحملت العاقلة بدله كالحر (٢). وهذا القول مروي عن عطاء، والزهري، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان (٣)، وبه قال الإمام ابن حزم الظاهري، وقال في ذلك بعد أن ساق الاختلاف: ثم نظرنا في العبد يقتل خطأ، هل تحمل قيمته العاقلة أم لا؟ فوجدنا من لم تحمله العاقلة لا حجة لهم إلا ما ذكرنا من أنه روي ذلك عن عمر، وعن ابن عباس - وهو قول لم يصح عن عمر كما ذكرنا، لأنه عن الشعبي عن عمر ولم يولد الشعبي إلا بعد موت عمر ﵁ بسنين ولا نعلمه أيضا يصح عن ابن عباس وقد ذكرنا قضايا عظيمة عن جماعة من الصحابة ﵃ خالفوها، قد ذكرناها في غير موضع، فالواجب الرجوع إلى ما أوجب اللَّه تعالى عند التنازع، إذ يقول تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] الآية، ففعلنا، فوجدنا. . . عن عكرمة عن ابن عباس: "أن مكاتبا قتل على عهد رسول اللَّه ﷺ فأمر ﵇ أن يودى ما أدى دية الحر، وما لا دية المملوك". وقد روي عن يحيى بن أبي كثير قال: إن علي بن أبي طالب، ومروان كانا يقولان في المكاتب أنه يودى منه دية الحر بقدر ما أدى، وما رق منه دية العبد. فوجدنا رسول اللَّه ﷺ وهو الحجة في الدين- سمى ما يودى في قتل

стр. 8091

العبد دية، وسماه أيضا علي بن أبي طالب -وهو حجة في اللغة- دية، وقد صح عن النبي ﵇ أن الدية في النفس في الخطأ على العاقلة، وصح الإجماع على أن في قتل العبد المؤمن خطأ: كفارة بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد رقبة فصح بالنص، والإجماع: أن ما يودى في العبد دية، والدية على العاقلة -وبهذا نقول، وأما الدية وسائر الأموال فلا؛ لأنه لا يسمى شيء من ذلك دية، والأموال محظورة إلا بنص، أو إجماع- وباللَّه تعالى التوفيق (١). ججج عدم صحة الإجماع لوجود الخلاف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٣٧/ ١١] لا عقل على الصبيان من العصبة • المراد من المسألة: أن من كان من العاقلة صبيا لم يبلغ بعد فإنه لا يحمل شيئا من العقل. • من نقل الإجماع: قال الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ): ولم أعلم مخالفا في أن المرأة والصبي إذا كانا موسرين لا يحملان من العقل شيئا، وكذلك المعتوه عندي (٢). وقال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة شيئا (٣). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): أجمع العلماء قديما وحديثا أن الدية على العاقلة لا تكون إلا في ثلاث سنين، ولا تكون في أقل منها، وأجمعوا أنها على البالغين من الرجال (٤). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): مسألة: قال: (وليس على فقير من

стр. 8092

العاقلة، ولا امرأة، ولا صبي، ولا زائل العقل، حمل شيء من الدية) أكثر أهل العلم، على أنه لا مدخل لأحد من هؤلاء في تحمل العقل. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المرأة، والصبي الذي لم يبلغ، لا يعقلان مع العاقلة (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٢). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - عن عمر ﵁ قال: لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة (٣). ٢ - أن العقل إنما يجب على أهل النصرة لتركهم مراقبته، والناس لا يتناصرون بالصبيان والنساء، ولهذا لا يوضع عليهم ما هو خلف عن النصرة وهو الجزية (٤). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول ابن حزم من الظاهرية حيث يرى أن الصبيان يحملون الدية. وحجته أن اسم العصبة يقع عليهم، والعاقلة هم العصبة، ثم لا يوجد نص ولا إجماع على إخراجهم عن هذه الكلفة، بل إن أحكام غرامات الأموال تلزمهم، كالزكاة التي قد صح النص بإيجابها عليهم، والنفقات على الأولياء والأمهات تجب عليهم، فما الفرق بين لزوم النفقات والزكوات عليهم، وبين لزوم الدية مع سائر العصبة عليهم (٥). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة.

стр. 8093

[٢٣٨/ ١٢] لا عقل على الفقير من العاقلة • المراد من المسألة: أن الفقير من أهل العاقلة لا يلزمه تحمل شيء من الدية. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه من ذلك شيء (١). ونقله الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٢). وقال الإمام العَيني (٨٥٥ هـ): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المرأة، والصبي لا يعقلان مع العاقلة، وكذا على الفقير، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الظواهر، وحكى بعض أصحابنا عن مالك وأبي حنيفة أن للفقير مدخلا في التحمل، وهو رواية عن أحمد (٣). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): مسألة: قال: (وليس على فقير من العاقلة، ولا امرأة، ولا صبي، ولا زائل العقل، حمل شيء من الدية) أكثر أهل العلم، على أنه لا مدخل لأحد من هؤلاء في تحمل العقل. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المرأة، والصبي الذي لم يبلغ، لا يعقلان مع العاقلة، وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه شيء، وهذا قول مالك والشافعي، وأصحاب الرأي وحكى بعض أصحابنا عن مالك وأبي حنيفة أن للفقير مدخلا في التحمل، وذكره أبو الخطاب رواية عن أحمد؛ لأنه من أهل النصرة فكان من العاقلة كالغني (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية في ظاهر المذهب

стр. 8094

عندهم (١)، والشافعية (٢)، وابن حزم من الظاهرية (٣)، والحنابلة على المذهب (٤). • مستند الإجماع: ١ - عموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. • وجه الدلالة: أن هذا عموم في كل نفقة في بر، يكلفها المرء، لا يجوز أن يخص بهذا الحكم نفقة -دون نفقة- لأنها قضية قائمة بنفسها، فلا يحل القطع لأحد: بأن اللَّه تعالى إنما أراد بذلك ما قبلها خاصة فصح يقينا أن الفقراء خارجون مما تكلفه العاقلة (٥). ٢ - أن العاقلة إنما تحمل الدية عن القاتل على طريق الرفق والمواساة، والفقير ليس من أهل المواساة (٦). ٣ - أن الدية إنما نُقلت إلى العاقلة تخفيفا عن القاتل؛ لئلا يجحف بماله، فلو أوجبنا ذلك على الفقير. . لدفعنا الضرر عن القاتل، وألحقناه بالفقير، والضرر لا يزال بالضرر (٧). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول المالكية في رواية حيث يرون أن الجناية إذا كانت من الفقير فإنه يعقِل عن نفسه، أما إذا كانت الجناية من غيره فإنه لا يعقل عن غيره.

стр. 8095

ومن حججهم أن الفقير الذي صدرت منه الجناية مباشر للإتلاف لذلك وجب عليه العقل، بخلاف ما لو كانت من غيره (١). كما خالفه أيضا الحنابلة في رواية عندهم حيث قالوا: أن الفقير يحمل من العقل حكاها أبو الخطاب وأطلقها، وقد قيّد المجد الفقير الذي يحمل العقل بالمعتمل -أي: المحترف-. قال الزركشي: وهو حسن، ولكن المذهب عند الحنابلة أن الفقير لا يحمل العقل، وهناك من أطلق الروايتين بدون تقييد بالمعتمل (٢). ومن حججهم: أنه من أهل النُصرة فكان من العاقلة كالغني (٣). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢٣٩/ ١٣] لا عقل على النساء من العصبة • المراد من المسألة: أن المرأة ليست من العاقلة، فلا تحمل من الدية شيئا. • من نقل الإجماع: قال الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ): ولم أعلم مخالفا في أن المرأة والصبى إذا كانا موسرين لا يحملان من العقل شيئا وكذلك المعتوه عندي (٤). ونقله الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ) (٥). وقال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة شيئا (٦). ونقله الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٧). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): أكثر أهل العلم على أنه لا مدخل لأحد

стр. 8096

من هؤلاء في تحمل العقل قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ من أهل العلم على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة (١). وقال الإمام العَيني (٨٥٥ هـ): قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المرأة، والصبي لا يعقلان مع العاقلة، وكذا على الفقير، وهو قول مالك، والشافعي، وأصحاب الظواهر (٢). وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): المرأة لا تحمل العقل بالإجماع (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - أن النبي ﷺ إنما قضى بالدية على العصبة، وليس النساء عصبة أصلا، ولا يقع عليهن هذا الاسم، والأموال محرمة إلا بنص، أو إجماع، ولا نص ولا إجماع في إيجاب الغرم على نساء القوم في الدية التي تغرمها العاقلة (٦). ٢ - عن عمر ﵁ قال: لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة (٧). ٣ - أن العقل إنما يجب على أهل النصرة لتركهم مراقبته، والناس لا يتناصرون بالنساء؛ ولهذا لا يوضع عليهم ما هو خلف عن النصرة وهو الجزية (٨). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة.

стр. 8097

[٢٤٠/ ١٤] ما بلغ ثلث الدية فصاعدا تحمله العاقلة • المراد من المسألة: أن الفقهاء وإن اختلفوا في القدر والحد الذي يجب على العاقلة تحمله (١) فإنهم اتفقوا على أنه إذا بلغ الثلث أو زاد على ذلك فإنه واجب على العاقلة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة (٢). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): وقد أجمع أن ما بلغ الثلث من الدية فما زاد منحته العاقلة (٣). وقال الإمام ابن رشد الجدّ (٥٢٠ هـ): أجمعوا أن العاقلة تحمل الثلث فصاعدا، لأن من قال إن العاقلة تحمل القليل والكثير، ومن قال إنها تحمل العشر أو نصف العشر، فقد قال إنها تحمل الثلث، فكان الثلث مخصوصا بالإجماع من الأصل المتفق عليه (٤). وقال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): وأجمعوا على أن ما زاد على ثلث الدية على العاقلة (٥). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية حيث يرون أن أرش الجناية فيما دون النفس إذا بلغ نصف عشر الدية فصاعدا فإنه تتحمله العاقلة وهذا يدل على أن ما زاد على ثلث الدية تتحمله العاقلة من باب أولى (٦). وكذلك الشافعية حيث ذهبوا في المشهور عندهم وهو القول الجديد إلى

стр. 8098

تحمل العاقلة كل ما قلّ أو كثر، من قتل أو جرح وهذا يعني قطعًا أن ما زاد على ثلث الدية تحمله العاقلة (١). كما وافقه أيضا الحنابلة (٢)، وابن حزم الظاهري (٣). • مستند الإجماع: ١ - ما روي عن عمر ﵁ أنه قضى في الدية أن لا يحمل منها شيء حتى تبلغ عقل المأمومة (٤). ولا يعرف له مخالف في الصحابة (٥). ٢ - أن مقتضى الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأنه موجب جنايته، وبدل متلفه، فكان عليه كسائر المتلفات والجنايات، وإنما خولف في الثلث فصاعدا، تخفيفا عن الجاني، لكونه كثيرا يجحف به (٦). • من خالف الإجماع: نقل الإمام ابن حزم عن الإمام الزهري أنه قال: لا تحمل العاقلة من جنايات الخطأ إلا ما كان أكثر من ثلث الدية فصاعدا، فإن كان أقل من الثلث أو كان الثلث، فهو في مال الجاني (٧). وحجته في ذلك قول النبي ﷺ "الثلث كثير" (٨) فصار مضافا إلى ما زاد عليه في تحمل العاقلة له (٩).

стр. 8099

ججج عدم صحة الإجماع فيما بلغ الثلث أو كان أقل من ذلك، وأما زاد على الثلث فإنه مجمع عليه، حيث لم يؤثر الخلاف فيه، وبالتأمل في عبارات الناقلين للإجماع نجد أن الإمام ابن المنذر، والقرطبي كانا أدقّ في النقل من ابن عبد البر، وابن رشد، ولهذا قيّدا الإجماع فيما زاد على الثلث، وهو محل الإجماع، واللَّه أعلم. [٢٤١/ ١٥] من مات من العاقلة أو افتقر أو جُنّ قبل الحول لم يلزمه شيء • المراد من المسألة: أن دية الخطأ تجب على العاقلة في ثلاث سنين، فمن كان من العاقلة ووجب عليه قسط من الدية، فإنه إذا طرء عليه مانع من موانع الوجوب كموت، أو افتقار، أو جنون قبل حلول الحول الذي يجب فيه عليه شيء من الدية فإنه لا يلزمه شيء. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ومن مات من العاقلة أو افتقر أو جُنّ قبل الحول لم يلزمه شيء، ولا نعلم في هذا خلافا (١). وقال البرهان ابن مفلح (٨٨٤ هـ): (ومن مات من العاقلة أو افتقر) قبل تمام الحول (سقط ما عليه) بغير خلاف نعلمه (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: المالكية في رواية (٣)، والشافعية (٤)، والحنفية (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بأن الدية مال يجب على سبيل المواساة، فأشبه الزكاة، ونفقات الأقارب (٦).

стр. 8100

• من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول: المالكية في المشهور عندهم حيث يرون أن المعتبر في حال من تضرب عليه الدية من العاقلة هو وقت الضرب أي - وقت تفريق الدية على العاقلة لا حاله وقت الجناية ولا وقت الأداء، فلا تسقط الدية عمن ضربت عليه بحدوث عسره بعد ضربها عليه مليئا، أو موته بعد ضربها عليه حيا، أو جنونه بعد ضربها عليه عاقلا، وذلك كما قلت على المشهور عندهم (١). ججج عدم صحة الإجماع لوجود المخالف في المسألة. [٢٤٢/ ١٦] دية المرأة تحملها العاقلة • المراد من المسألة: أن العاقلة كما تحمل دية الرجال تحمل دية النساء أيضا. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وتحمل العاقلة دية المرأة بغير خلاف بينهم فيها (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما رواه أبو هريرة ﵁ أنه قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، "فقضى أن دية جنينها غرة، عبد أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها" (٦).

стр. 8101

• وجه الدلالة ظاهر حيث إن النبي ﷺ جعل دية المرأة المقتولة على عاقلة المرأة القاتلة (١). ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف.

стр. 8102

الفصل العاشر القسامة [٢٤٣/ ١] مشروعية القَسامة • المراد من المسألة: أن القَسامة مشروعة، وهي الأيمان تُقسم على أولياء القتيل إذا ادّعوا الدم، فإذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل فادّعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليل دون البينة، فحلفوا خمسين يمينا أن المدّعى عليه قتل صاحبهم فهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يسمون قسامة أيضا (١). • من نقل الإجماع: قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): حديث القسامة أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم رحمهم اللَّه تعالى وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به (٢). ونقله الإمام النووي (٦٧٦ هـ) (٣). وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): اتفقوا على أن القسامة مشروعة في القتيل إذا وجد، ولم يعلم قاتله (٤). ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٥). وقال الإمام القرافي (٦٨٤ هـ): وأصلها (القسامة) الكتاب والسنة وإجماع الأئمة لا إجماع الأمة (٦). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): اتفق الأئمة على أن القسامة مشروعة في القتل إذا وجد ولم يعلم قائله (٧).

стр. 8103

وقال الإمام ابن نُجيم (٩٧٠ هـ): وأما دليلها (القسامة) فالأحاديث المشهورة وإجماع الأمة (١). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: أن عبد اللَّه بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى مُحَيِّصة فأخبر أن عبد اللَّه بن سهل قد قتل وطرح في عين، فأتى يهود فقال: أنتم واللَّه قتلتموه، قالوا: واللَّه ما قتلناه، ثم أقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل، فذهب مُحَيِّصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول اللَّه ﷺ لمُحَيِّصة: كبِّر كبِّر -يريد السن- فتكلّم حُوَيِّصة ثم تكلم مُحَيِّصة فقال رسول اللَّه ﷺ : إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب، فكتب رسول اللَّه ﷺ إليهم في ذلك، فكتبوا إنا واللَّه ما قتلناه، فقال رسول اللَّه ﷺ لحُوَيِّصة ومُحَيِّصة وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا: لا، قال: فتحلف لكم يهود؟ قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول اللَّه ﷺ من عنده، فبعث إليهم رسول اللَّه ﷺ مائة ناقة حتى أدخلت عليهم الدار، فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء (٢). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول، بعض السلف، حيث روي عنهم التوقف عن الحكم بالقسامة. روي هذا عن سالم بن عبد اللَّه (٣)،

стр. 8104

وأبي قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرمي (١)، وعمر بن عبد العزيز، والحكم بن عتيبة، وهو رواية عن قتادة، وهو قول مسلم بن خالد الزنجي (٢) وفقهاء أهل مكة، وإليه ذهب ابن علية (٣). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لوجود المخالف، ولعل من نقل الإجماع من الأئمة إنما مراده الأئمة الأربعة، وهذا ظاهر في قول القرافي: (وإجماع الأئمة لا إجماع الأمة)، واللَّه أعلم. [٢٤٤/ ٢] إذا لم يرض الورثة بيمين المدعى عليه، فدى الإمام القتيل من بيت المال • المراد من المسألة: إذا لم يرض أولياء القتيل بأيمان المدّعى عليهم بالقتل في القسامة، فإن ولي أمر المسلمين يدفع ديته من بيت المال. • من نقل الإجماع: قال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): وإن لم يرض الورثة بيمين المدعى عليه، فدى الإمام القتيل من بيت المال بلا نزاع، وخلّي عن المدعى عليه (٤). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما روي عن سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبد اللَّه بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد، إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد اللَّه بن سهل وهو يتشمط في دمه قتيلا، فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومحيصة، وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: "كبِّر كبِّر" وهو أحدث القوم،

стр. 8105

فسكت فتكلما، فقال: "تحلفون وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم"، قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين"، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده (١). فهذا دليل على أن المدّعين إذا امتنعوا عن اليمين، ولم يقبلوا يمين المدعى عليهم، فإن الإمام يفديه من بيت مال المسلمين كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في هذا الحديث. • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول المالكية، والشافعية، فذهبوا إلى أنه لا يلزمهم شيء، حيث إن المدعين لم يرضوا بأيمانهم، ولم يحلفوا هم، وأن ما فدى به النبي ﷺ الأنصاري إنما وداه رسول اللَّه ﷺ قطعا للنزاع وإصلاحا لذات البين؛ فإن أهل القتيل لا يستحقون إلا أن يحلفوا أو يستحلفوا المدعى عليهم، وقد امتنعوا من الأمرين وهم مكسورون بقتل صاحبهم، فأراد ﷺ جبرهم وقطع المنازعة وإصلاح ذات البين بدفع ديته من عنده (٢). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لوجود المخالف، والذي يظهر -والعلم عند اللَّه- أن مراد الشيخ ابن قاسم أنه لا نزاع في المذهب، فهو اتفاق مذهبي، ومما يؤيد ذلك ما نقله الإمام المرداوي في الإنصاف -وابن قاسم في حاشيته كثير الاستفادة منه- حيث قال: (قوله فإن لم يحلف المدعون، ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فداه الإمام من بيت المال) بلا نزاع (٣)، ومراده: بلا نزاع بين الأصحاب؛ إذ هو المراد بكتابه أصالة، واللَّه أعلم.

стр. 8106

[٢٤٥/ ٣] البداءة باليمين في القسامة لمدّعي الدم • المراد من المسألة: أن أيمان القسامة إذا وجبت فإنه يُبدأ فيها بالمدّعي، ولا يبدأ فيها بالمدّعى عليه كما هو الحال في باقي الأيمان. • من نقل الإجماع: قال الإمام مالك (١٧٩ هـ): الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعت ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث، أن يبدأ بالأيمان المدّعون في القسامة فيحلفون (١). وقد نقله عنه الإمام النووي (٦٧٦ هـ) (٢) الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ) (٣). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع المنقول: الحنابلة (٤)، وابن حزم الظاهري (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - عن سهل بن أبي حثمة، ورافع بن خديج، أن محيصة بن مسعود، وعبد اللَّه بن سهل، انطلقا قبل خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد اللَّه بن سهل، فاتهموا اليهود، فجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة، ومحيصة إلى النبي ﷺ ، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه، وهو أصغر منهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كبِّر كبِّر"، أو قال: "ليبدأ الأكبر"، فتكلما في أمر صاحبهما، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته"، قالوا: أمر لم نشهده، كيف نحلف؟ قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم"، قالوا: يا رسول اللَّه، قوم كفار؟ قال: فوداه رسول اللَّه ﷺ من قبله (٦).

стр. 8107

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ طالب المدعينِ باليمين أولا، فدلّ ذلك على أن البدائة باليمين في القسامة للمدعين. ٢ - ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، إلا في القسامة" (١). ٣ - أن القسامة أيمان مكررة، فيبدأ فيها بأيمان المدعين، قياسا على اللِعان (٢). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الحنفية، فقالوا: يبدأ باليمين المدّعى عليهم (٣). وحجتهم في ذلك ما يلي: ١ - ما روي عن سعيد بن عبيد الطائي عن بشير بن يسار أن رجلا من الأنصار يقال له: سهل بن حثمة. وفيه: فقال رسول اللَّه ﷺ : "تأتون بالبينة على من قتله؟ " قالوا: ما لنا بينة! قال: فيحلفون لكم؟ قالوا: ما نرضى بأيمان يهود! وكره رسول اللَّه ﷺ أن يُطَلّ دمه، فوداه بمائة بعير من إبل الصدقة" (٤). ٢ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٥). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لوجود المخالف.

стр. 8108

[٢٤٦/ ٤] الصبيان لا يحلفون في القسامة، سواء كانوا مدّعين أو مدعى عليهم • المراد من المسألة: أن غير البالغين من الصبية لا مدخل لهم في أيمان القسامة، سواء في أيمان المدّعين، أو أيمان المدّعى عليهم. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): إذا كان المستحق نساء وصبيانا لم يقسموا: أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون، سواء كانوا من الأولياء أو مدّعى عليهم (١). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم الظاهري (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - ما روي أن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاث. فذكر: الصبي" (٦). ٢ - أن الأيمان حجة للحالف، والصبي لا يثبت بقوله حجة، ولو أقر على نفسه، لم يقبل، فلأن لا يقبل قوله في حق غيره أولى (٧). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٤٧/ ٥] القسامة تختص بدماء الآدميين • المراد من المسألة: أن القسامة المشروعة عند من قال بها من الفقهاء تختص في دعوى الدم، فلا تدخل في دعاوى الأموال، والجناية فيما دون النفس.

стр. 8109

• من نقل الإجماع: قال الإمام الماوردي (٤٥٠ هـ): أما الجواب عن قياسهم على سائر الدعاوى: فهو إجماعنا على اختصاص القسامة بالدماء دون سائر الدعاوى (١). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): ولا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح، ولا أعلم بين أهل العلم في هذا خلافا (٢). وقد نقله الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وابن حزم الظاهري (٦). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - أن النبي ﷺ إنما حكم بها في النفس، دون غيرها، ولم يأت نص كالذي جاء في النفس يقضي بثبوته في غيرها، فدل على أنها مختصة بالدماء فقط (٧). ٢ - أن القسامة ثبتت على خلاف الأصل في النفس لحرمتها فاختصت بها، وبقي ما سوها على الأصل (٨). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول الشافعية في وجه لهم، حيث قالوا بثبوت القسامة في الأطراف والجراح، حكاه الإمام الروياني وغلّط قائله (٩). ججج عدم صحة الإجماع المنقول في المسألة في الأطراف والجراح،

стр. 8110

وذلك لوجود المخالف، وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): (و) حينئذ (لا يقسم في) ما دون النفس من قطع (طرف) على الصحيح، ولو بلغ دية نفس وجرح (وإتلاف مال) بل القول في ذلك قول المدعى عليه بيمينه، ولو قال هناك لوث لأن النص ورد في النفس لحرمتها، فلا يتعدى إلى ما دونها كما اختصت بالكفارة. وأما الأموال فلا قسامة فيها بالإجماع. • تنبيه: كلام المصنف ناقص عن عبارة المحرر، فإنه قال: ولا قسامة في الجراحات وقطع الأطراف والأموال، فأسقط المصنف الجراحات، ولو قال: (ولا يقسم فيما دون النفس) كما قدّرته في كلامه لشملها وكان أخصر، وعدم القسامة في المال مجزوم به، وفي الأطراف على الصحيح كما قدّرته في كلامه أيضا، وإن أشعر كلامه بالتسوية بينهما (١). [٢٤٨/ ٦] النساء إذا انفردن في القسامة في الخطأ يحلفن . • المراد من المسألة: أن ورثة الققيل إذا كانوا نساء فقط ولا رجل معهن، فإنهن يحلفن أيمان القسامة ويأخذن الدية. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): واتفقوا أن الدية تُقسم بينهم على مواريثهم نساءً كانوا أو رجالًا، وأن النساء يحلفن إن انفردن، ويأخذن الدية على مواريثهن (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٣)، والشافعية (٤)،

стр. 8111

والحنابلة في احتمال، ذكره ابن عَقيل (١)، وابن حزم الظاهري (٢). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بأن القسامة يمين في دعوى، فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان (٣). • من خالف الإجماع: خالف هذا الإجماع المنقول أبو يوسف في رواية، فقال: يضمّ إليها أقرب القبائل منها فيَقسمون ويعقلون. وحجته أن المرأة في حكم القسامة كالصبي، بدليل أن في القتيل الموجود في المحلّة لا يدخل النساء والصبيان، ثم إذا وجد القتيل في دار الصبي فالقسامة والدية على عاقلته، فكذلك في دار المرأة، وعاقلتها هم أقرب القبائل إليها؛ لأنها ليست من أهل النصرة والديوان (٤). كما خالف هذا الإجماع المنقول أيضا المالكية إذا كان الدعوى في قتل العمد؛ لعدم شهادتهن فيه، فإن انفردن صار المقتول كمن لا وارث له فترد الأيمان على المدّعى عليه، وأما في قتل الخطأ فيرون أن للنساء مدخلا في أيمان القسامة (٥). وخالف أيضا الحنابلة، حيث قالوا بأن القسامة لا مدخل للنساء فيها مطلقا (٦). وحجتهم ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، عن رجال من الأنصار أن النبي ﷺ ، قال لليهود وبدأ بهم: "يحلف منكم خمسون رجلا" (٧). ججج عدم صحة الإجماع في المسألة، وذلك لوجود المخالف.

стр. 8112

[٢٤٩/ ٧] ثبوت القسامة في حق المقتول المسلم، سواء كان المدّعى عليه مسلما أو كافرا • المراد من المسألة: أن القسامة عند القائلين بها تشرع إذا كان المقتول مسلما، سواء كان المدّعى عليه بالقتل مسلما أو كافرا، ولا فرق. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): مسألة: (قال: وسواء كان المقتول مسلما أو كافرا حرا أو عبدا إذا كان المقتول يقتل به المدّعى عليه إذا ثبت عليه القتل) لأن القسامة توجب القود إلا أن يحب الأولياء أخذ الدية، أما إذا كان المقتول مسلما حرا فليس فيه اختلاف سواء كان المدعى عليه مسلما أو كافرا (١). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم الظاهري (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول (٦) بأن الأصل في القسامة قصة عبد اللَّه بن سهل حين قتل بخيبر، فاتهم اليهود بقتله، فأمر النبي ﷺ بالقسامة (٧). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٥٠/ ٨] ثبوت دعوى القتل العمد بالقسامة • المراد من المسألة: أن الفقهاء وإن اختلفوا ما الذي يثبت بالقسامة في دعوى القتل العمد، هل هو القصاص أم الدية (٨)؟ فإنهم اتفقوا على أن القسامة

стр. 8113

المعتبرة يصح بها إثبات دعوى أن القتل حصل عمدا. • من نقل الإجماع: قال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): (وفي) قتل (العمد) دية حالّة (على المقسم عليه)، ولا قصاص في الجديد؛ لخبر البخاري: "إما أن تدوا صاحبكم أو تأذنوا بحرب"، وأطلق إيجاب الدية ولم يفصل، ولو صلحت الأيمان للقصاص لذكره؛ ولأن القسامة حجة ضعيفة فلا توجب القصاص؛ احتياطا لأمر الدماء، كالشاهد واليمين، (وفي القديم) عليه (قصاص) حيث يجب لو قامت بينة به؛ لخبر الصحيحين: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" أي: دم قاتل صاحبكم؛ ولأنها حجة يثبت بها العمد بالاتفاق، فيثبت بها القصاص كشهادة الرجلين (١). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع المنقول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم الظاهري (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما روي من حديث ابن أبي ليلى عن سهل بن أبي حثمة، وفيه: "فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " (٦). • وجه الدلالة: أنه ﷺ أشار في هذا إلى القصاص وثبوته بالقسامة، والقصاص إنما يكون في العمد (٧). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف.

стр. 8114

[٢٥١/ ٩] عدد أيمان القسامة خمسون • المراد من المسألة: أن عدد الأيمان الواجبة في القسامة هي خمسون يمينا. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): أيمان القسامة خمسون مرددة على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وأجمع عليه أهل العلم لا نعلم أحدا خالف فيه (١). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم الظاهري (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - ما روي أنه خرج عبد اللَّه بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد اللَّه بن سهل قتيلا فدفنه، ثم أقبل إلى رسول اللَّه ﷺ هو وحويصة بن مسعود، وعبد الرحمن بن سهل، وكان أصغر القوم، فذهب عبد الرحمن ليتكلم قبل صاحبيه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "كبّر الكبر في السن"، فصمت، فتكلم صاحباه، وتكلم معهما، فذكروا لرسول اللَّه ﷺ مقتل عبد اللَّه بن سهل، فقال لهم: "أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم"، قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا"، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول اللَّه ﷺ أعطى عقله (٦).

стр. 8115

٢ - أن رجلا من بني سعد بن ليث أجرى فرسا فوطئ على إصبع رجل من جهينة، فنزى منها فمات، فقال عمر بن الخطاب ﵁ للذين ادعى عليهم: أتحلفون باللَّه خمسين يمينا ما مات منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم، فأبوا، فقضى عمر بن الخطاب ﵁ بشطر الدية على السعديين (١). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٥٢/ ١٠] قول المقتول دمى عند فلان بمفرده لا يوجب القسامة • المراد من المسألة: أن قول المقتول: دمي عند فلان وإن اختلف فيه الفقهاء هل يعدّ من اللَّوث (٢) الذي تجب به القَسامة (٣) إلا أنهم متفقون على أن مجرد هذا القول بمفرده لا يوجب شيئا. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): وقد أجمع المسلمون أنه لا يعطى مدعي الدم شيئا دون قسامة، وأجمعوا أن شريعة المسلمين وسنتهم في الدماء والأموال لا يقضى فيها بالدعاوى المجردة، وأجمع العلماء أن قول المقتول عند موته دمي عند فلان لو قال حينئذ: وَلِي عليه مع هذا أو على غيره درهم فما فوقه لم يقبل قوله في الدرهم، ولم يَحلف على قوله أحد من ورثته فيستحقه! فأيّ سنة في قول المقتول دمي عند فلان؟ بل السنة المجتمع عليها بخلاف ذلك (٤).

стр. 8116

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): وسئل ﵀، عما إذا قال المضروب: ما قاتلي إلا فلان فهل يقبل قوله أم لا؟ فأجاب: الحمد للَّه رب العالمين لا يؤخذ بمجرد قوله بلا نزاع، ولكن هل يكون قوله لوثا يحلف معه أولياء المقتول خمسين يمينا ويستحقون دم المحلوف عليه؟ على قولين مذكورين للعلماء: أحدهما: أنه ليس بلوث وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، والثاني: أنه لوث وهو قول مالك (١). وسئل ﵀ عن رجل تخاصم مع شخص، فراح إلى بيته فحصل له ضعف، فلما قارب الوفاة أشهد على نفسه أن قاتله فلان، فقيل له: كيف قتلك؟ فلم يذكر شيئا، فهل يلزمه شيء أم لا؟ وليس بهذا المريض أثر قتل ولا ضرب أصلا، وقد شهد خلق من العدول أنه لم يضربه، ولا فعل به شيئا، فاجاب: أما بمجرد هذا القول فلا يلزمه شيء بإجماع المسلمين (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، حيث إن الفقهاء الأربعة عدا مالكا لا يرون قول المقتول: دمي عندي فلان ونحوه لوثا تجب معه القسامة، فمن باب أولى ألا يجب شيء بمجرد ذلك القول. • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٥). ٢ - أنه يدّعي حقا لنفسه، فلم يقبل قوله، كما لو لم يمت؛ ولأنه خصم، فلم تكن دعواه لوثا، كالولي (٦).

стр. 8117

ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٥٣/ ١١] لا تُشرع القسامة إذا عُلم القاتل . • المراد من المسألة: أن القاتل إذا عُلم فإنه لا يشرع الحكم بالقسامة، وإنما يشرع الحكم بالقسامة عند الجهل بالقاتل. • من نقل الإجماع: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): إذا عرف القاتل فلا توضع الدية على أهل مكان المقتول باتفاق الأئمة، وأما إذا لم يُعرف قاتله لا ببينة ولا إقرار ففي مثل هذا تُشرع القسامة (١). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم الظاهري (٥). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بعموم الأحاديث التي وردت في القسامة، فإن الخمسين يمينا إنما وجبت لعدم معرفة القاتل بذاته، فلو عُرف لتعلق الحكم به مباشرة، ولَمَا احتيج إلى القسامة. ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف. [٢٥٤/ ١٢] عند ادّعاء القتل من غير وجود قتيل أو عداوة فإن هذه الدعوى حكمها كحكم سائر الدعاوى في اشتراط تعيين المدّعى عليه وأن القول قوله في الحكم . • المراد من المسألة: أن الفقهاء وإن اختلفوا في مشروعية القسامة إذا لم تكن دعوى القتل فيها على غير معين، كما لو كانت أهل قرية، أو جماعة منهم، أو واحد غير معين، وهل تُسمع هذه الدعوى مع عدم تعيين المدّعى عليه (٦)، فإنهم

стр. 8118

متفقون على أن دعوى القتل مع عدم وجود القتيل والعداوة فإن الدعوى هذه كسائر الدعاوى في الحكم يشترط فيها تعيين المدّعى، والقول فيها قول المدّعى عليه. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): فأما إن ادّعى القتل من غير وجود ققيل ولا عداوة، فحكمها حكم سائر الدعاوى، في اشتراط تعيين المدّعى عليه، وأنّ القول قوله، لا نعلم فيه خلافا (١). ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية (٣)، الشافعية (٤)، ولم أقف على نص للحنفية في هذه المسألة. • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٥). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف.

стр. 8119

[٢٥٥/ ١٣] لا توضع الدية بدون قسامة • المراد من المسألة: أن الفقهاء وإن اختلفوا في الواجب في القسامة في القتل العمد هل هو القود أم الدية (١)، فإنهم متفقون على أن الدية لا تجب إلا إذا وُجدت القسامة. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): وقد أجمع المسلمون أنه لا يُعطى مدّعي الدم شيئا دون قسامة، وأجمعوا أن شريعة المسلمين وسنتهم في الدماء والأموال لا يقضى فيها بالدعاوى المجردة، وأجمع العلماء أن قول المقتول عند موته: (دمي عند فلان) لو قال حينئذ: وَلِي عليه مع هذا أو على غيره درهم فما فوقه لم يقبل قوله في الدرهم، ولم يُحلّف على قوله أحد من ورثته فيستحقه، فأيّ سنة في قول المقتول دمي عند فلان؟ بل السنة المجتمع عليها بخلاف ذلك (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): وإذا قيل توضع الدية في بعض الصور على أهل المكان مع القسامة فالدية لورثة المقتول لا لبيت المال، ولم يقل أحد من الأئمة أن دية المقتول لبيت المال، وكذلك لا توضع الدية بدون قسامة باتفاق الأئمة (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وابن حزم الظاهري (٧).

стр. 8120

• مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما روي أنه خرج عبد اللَّه بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد اللَّه بن سهل ققيلا فدفنه، ثم أقبل إلى رسول اللَّه ﷺ هو وحويصة بن مسعود، وعبد الرحمن بن سهل، وكان أصغر القوم، فذهب عبد الرحمن ليتكلم قبل صاحبيه، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "كبِّر كبِّر"، فصمت، فتكلم صاحباه، وتكلم معهما، فذكروا لرسول اللَّه ﷺ مقتل عبد اللَّه بن سهل، فقال لهم: "أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم"، قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد؟ قال: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا"، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول اللَّه ﷺ أعطى عقله (١). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ اشترط عليهم أن يحلفوا خمسين يمينا حتى يستحقوا دم صاحبهم، فدل على أن مدعي الدم لا يستحق شيئا إلا بعد القسامة. ججج صحة الإجماع المنقول؛ لعدم وجود مخالف في المسألة، واللَّه أعلم. [٢٥٦/ ١٤] لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى حتى تقترن بها شبهة يغلب الظن بها • المراد من المسألة: أن الفقهاء متفقون على أن القسامة لا يؤخذ بها بمجرد دعوى أولياء القتيل، وإنما حتى تقترن معها شبهة وقرينة تغلّب الحكم بها، واختلاف الفقهاء في تفسير هذه الشبهة وما يعتبر منها وما لا يعتبر لا يؤثر على ثبوت هذا القدر من الاتفاق. • من نقل الإجماع: قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): واتفقوا كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها (٢).

стр. 8121

وقد نقله الإمام النووي (٦٧٦ هـ) (١) والإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ) (٢). وقد نقله عن الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ) الإمام الشوكاني (١٢٥٥ هـ) (٣). وقال الإمام ابن رشد الحفيد (٥٩٥٩ هـ): أجمع جمهور العلماء القائلون بها أنها لا تجب إلا بشبهة (٤). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: يستدل للإجماع المنقول بما يلي: ١ - أن مقتضى الدليل أن لا تُشرع القسامة، وإنما تُرك العمل به في العداوة الظاهرة، فيبقى ما عدى ذلك على مقتضى الدليل (٧). ٢ - أن الحديث ورد على مثل ذلك، وهو المثبت للقسامة، فلا يتعداه (٨). ٣ - أنه مع العداوة ونحوها يغلب على الظن صدق المدعين، فتكون اليمين في جهتهم؛ إذ اليمين في جنبة أقوى المتداعيين (٩). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف.

стр. 8122

الفصل الحادي عشر كفارة القتل [٢٥٧/ ١] وجوب الكفارة في القتل الخطأ • المراد من المسألة: أن الواجب في قتل الخطأ كفارة على القاتل، والكفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن المنذر (٣١٧ هـ): وأجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة (١). وقال الإمام الماوردي (٤٥٠ هـ): والخطأ متفق على وجوب الكفارة فيه بنص الكتاب وإجماع الأمة، وسواء كان قتل الخطأ بمباشرة أو بسبب (٢). وقال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): ووجدنا الناس قد اختلفوا هل دية الخطأ على القاتل المخطئ أم لا، فوجب بقول اللَّه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، أنه لا يلزمه الدية؛ وأيضا فإن اللَّه تعالى إذ أوجب الدية في ذلك لم يلزمها القاتل، فلا سبيل إلى إلزامه دية لم يلزمه اللَّه تعالى إياها ولا رسوله ولا إجماع الأمة، وقد صح النص والإجماع على إلزامه الكفارة بالعتق أو الصيام (٣). وقال أيضا: لا خلاف بين أحد في أن قوما كفارا حربيين أسلم منهم إنسان وخرج إلى دار الإسلام فقتله مسلم خطأ فإن فيه الدية لولده والكفارة (٤). وقال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): قد اتفقوا على وجوب الكفارة على قاتل العبد المؤمن خطأ، وأجمعوا على ألَّا كفارة على من قتل شيئا من البهائم أو أتلف شيئا من الأموال، فكان العبد كالحر في ذلك أشبه منه بالسلعة (٥).

стр. 8123

وقال الإمام ابن هُبيرة (٥٦٠ هـ): واتفقوا على وجوب الكفارة في قتل الخطأ، إذا كان المقتول حرا مسلما (١). ونقله عنه الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) (٢). وقال الإمام ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): ولا خلاف بينهم أن الكفارة التي نص اللَّه عليها في قتل الحر خطأ واجبة (٣). وقال الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وأجمع أهل العلم على أن على القاتل خطأ كفارة سواء كان المقتول ذكرا أو أنثى (٤). وقال الإمام القرطبي (٦٧١ هـ): وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة (٥). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): اتفق الأئمة على وجوب الكفارة في القتل الخطأ، إذا لم يكن المقتول ذميا ولا عبدا (٦). وقال الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ): يجب بالقتل كفارة (وإن كان القاتل صبيا أو مجنونا) (وعبدا) (و) إن كان القاتل (عامدا) (و) أما إذا كان (مخطئا) فبالإجماع (٧). وقال الإمام الشوكاني (١٢٥٠ هـ): أما الكفارة في قتل الخطأ فهي واجبة بالإجماع (٨). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٩). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ

стр. 8124

وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة. [٢٥٨/ ٢] وجوب الكفارة في القتل الخطأ الكفارة تختص بقتل الآدميين . • المراد من المسألة: أن الكفارة الواجبة في قتل الخطأ تجب في قتل الآدمي، فلا كفارة في قتل البهائم. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): قد اتفقوا على وجوب الكفارة على قاتل العبد المؤمن خطأ، وأجمعوا على أن لا كفارة على من قتل شيئا من البهائم أو أتلف شيئا من الأموال، فكان العبد كالحر في ذلك أشبه منه بالسلعة (١). • من وافق الإجماع: وافق الإجماع المنقول الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 8125

ججج صحة الإجماع المنقول؛ لعدم وجود الخلاف، واللَّه أعلم. [٢٥٩/ ٣] كفارة القتل عتق رقبة مؤمنة • المراد من المسألة: أن الكفارة في قتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة. • من نقل الإجماع: قال الإمام الجصاص (٣٧٠ هـ): قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، جعل اللَّه من صفة رقبة القتل الإيمان، ولا خلاف أنها لا تجزي إلا بهذه الصفة (١). وقال الإمام العِمراني (٥٥٨ هـ): وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة لمن وجدها؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، ولا خلاف في ذلك (٢). وقال الإمام قاضي صَفَد (بعد ٧٨٠ هـ): واتفقوا على أن كفارة الخطأ عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين (٣). وقال الإمام المرداوي (٨٨٥ هـ): قوله (ولا يجزئه في كفارة القتل إلا رقبة مؤمنة)، بلا نزاع للآية (٤). • من وافق الإجماع: وافق على هذا الإجماع المنقول المالكية (٥)، وابن حزم الظاهري (٦). • مستند الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]. ججج صحة الإجماع لعدم وجود المخالف في المسألة.
следующие страницы →