← Общие книги

Общие книги · id 32674

القضايا الكبرى

مالك بن نبي

Полный текст (213 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولقد تَمَّ بعثُ المجتمع الجزائري من جديد كمجتمع، بفضل الثورة التي أدَّتْ بالأفراد- وأعني أغلبيَّةَ الشعب- إلى إقامة صلاتهم الاجتماعية لخدمة القضيَّة الوطنية، إما في نطاق المقاومة المدنية التي بلغت حدَّ الرَّوْعَة، وإما ضمن النشاط المسلَّح الذي بلغ ذَرْوَةَ البطولة (١). ولكن ابتداءً من وقف إطلاق النار، اتَّضَحَ أن الفردية قد ولدت من جديد، ضمن تلك الحالات العديدة التي جدَّد فيها الفردُ شَجْبَ روابطه الاجتماعية لكي يَنْقَضَّ على إحدى الوظائف التي تُدِرُّ دَخْلاً دونما كبير عمل، أو لكي يَجْتازَ إحدى الملكيَّات الشاغرة؛ ولقد فَصَمَ التسابق على المغنم الشخصيِّ على نحو من الأنحاء عُرَى الروابط التي أنشأها (مَوْثِقُ) الثورة الوطنيَّة (٢). ومن أجل الحقيقة التاريخيَّة يجب أن نضيف إلى ذلك أن أعضاء (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) هم الذين أعطوا المثال بأن كانوا القدوة الْمُحْتَذاةَ لهذا السِّباق المُنْهِكِ المِتْلاف! ..

стр. 107

فقد تخلَّى البعضُ عن مشروع كامل في طرابلس، حيث لم يُستكملْ بعدُ حتَّى مجرد تحرير (البرنامج)، والتحقوا (بتونس) لترتيب (شؤونهم الشخصية)، والتفرُّغ لاسْتِتْمام (تشكيلاتهم) قبل أن يضعوا أقدامهم على أرض الوطن في لَبوس المحرِّرين وبادر البعضُ الآخر إلى السَّبْق باجتياز خَطِّ موريس ( Ligne Morice) فركضوا حثيثاً إلى قرية (بومرداس) (١) لمباغتة ما يقدرون عليه من سُلْطَةِ دَوْلَةٍ لم يكن مولدُها سوى مجرد احتمال، أو هي لَمَّا تخرجْ بعدُ من أقْماطِها في جميع الأحوال، دون أيّ اكتراتٍ بما إذا كان هذا السلوك الْمُسْتَغْرَبُ في بابه سوف يؤدِّي إلى قتل الوليد الغَضَّ في مهده! .. وعندما اشْتَمَّ بعضُ الذئاب أثناءَ مغادرتهم للمقاومة بالأدغال رائحة الوليمة (الزَّرْدَة) تحدَّروا من الجبل إلى المدن لاغتصاب كل ما يقدرون عليه: محطة إرسالط إذاعية هنا، ومَبْنًى إدارياً هناك! ... وعلى النقيض من ذلك اتَّجه بعضُ الضِّباع في بَزَّةِ (الْحَرْكِيِّين) أو زِيِّ المدنيِّين صوب شعاب الجبل لكي ينحدروا ثانية من هناك في صورة أبطال، بعد أن أَنْسَوْا غيرهم أنهم قد شبعوا حتَّى البِطْنَة طوال سبع سنوات ممَّا نهشوه من لحم الشعب وما امتصُّوه من دمائه! .. ونحن نعلم بقية القصة، وكيف ألقى الشعبُ بنفسه تحت تأثير قَرَفِه وتقزُّزه، دونما سلاح في قلب الاشتباك (أو الزَّحْمَة) لكي يسدَّ الطريق في وجه عصبَّة الولايات ( Le Wilayisme) . لقد قيل: إن الْحكم هو التَّبَصُّر. و (الحكومة المؤقَّتة للجمهورية

стр. 108

الجزائرية) لم تكتف بعدم التبصُّر بالوضعيَّة التي تَلَتْ وَقْفَ إطلاق النار فحسب، ولكنها استحثَّتْ قيام هذه الوضعيَّة بسلوك أعضائها. أجَل! إنها لم تتَبَصَّر عواقبَ هذه الوضعيَّة، وهو واقع لا نزاع فيه؛ ولكننا عندما نعيد مراجعة الاطراد المتساوق الذي اقْتادَنا إلى ذلك، نكون محولين على القول بأنها لم تكتف بالتعجيل من خَطْوِها فحسب، ولكن بلغ بها الأمرُ حَدَّ خلق هذه الوضعيَّة أثناءَ مرحلة سيادتها. فحتى اليوم الذي فَزِعَ فيه هؤلاء (المحرِّرون) إلى (بومرداس) للاستيلاء على النُّفوذ، لم تكن لِتَدورَ برؤوسهم سوى فكرة واحدة وهي: احتلال الجزائر من جديد بقدر إجلاء الاستعمار لقوَّاته الخاصة، وذلك حتى لا تتاح للشعب الجزائريّ أيَّةُ إمكانية لمحاسبتهم على تسييرهم للبلاد. ففي (القاهرة) وفي (تونس) لم تكن مشكلةُ الثورة لتُثار بالنسبة إليهم في حدود (التَّحرير) ولكن في حدود احتلال جديد. وكان الشعب هو الذي اضطلع بأعباء التحرير مع قوات (جيش التحرير الوطني) المنخرطة في النضال حَقّاً وواقِعاً. لأن جيش التحرير الوطني نفسَه، قد انْتابَهُ هذا العملُ المفَكَّكُ من طرف الحكومة المؤقَّتة للجمهورية الجزائريَّة، التي كان كلُّ عضو فيها يريد أن يضمن لنفسه ثُلَّةَ من هذا الجيش لاستخدامها في اجتياح إقطاعيَّة خاصة. فالتَّفَكُّك الذي برز لوضح النُّور منذ الوهلة الأولى التي تَلَتْ وَقْفَ إطلاق النار، قد وجد أصلَه البعيد في هذا العمل التَّقسيميِّ الذي قام به أعضاءُ الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية قبل إبرام (اتِّفاقيَّات إيفيان) بوقت طويل جدّاً. وهؤلاء هم المسؤولون في نهاية الحساب عن ذلك الانفجار الذي حاقَ بالوحدة المعنويَّة للبلاد في شهر جويلية (تموز) سنة ١٩٦٢، أو عن تخريب هذه الوحدة على

стр. 109

الأقلِّ. فالذي حصل هو أن الجماعة الوطنية التي انصهرتْ ولُحِمَتْ في نار الثورة، قد فُتِّتَتْ وذُرْذِرَت من جديد في مضمار السِّباق على المنفعة الشخصيَّة. لقد خلق الشعب بنفسه مفهوميَّتَه الخاصة طوال سنوات الثورة، باستثماره فيها لجيع قِيَمِه الأخلاقية، تلك القِيَم التي جعلت نضالَه مقدّساً في نظره الخاص ولكنَّ مفعول هذا التقديس أخذ يتدهور شيئاً فشيئاً تحت تأثير طوفان جَرَّافٍ من انتهاك الحرمات، وتدنيس المقدَّسات؛ فالأشخاص الذين استلموا سُكَّانَ القارب وَدَفَّتَهُ عقب حادثة السطو على الطائرة التي كانت تُقِلُّ (بن بلَّة) من (الرباط) إلى (تونس)، كانوا أبعد ما يكون عن تقدير الأهمية السياسية لهذا الانحطاط الذي ساد الجوّ الأخلاقي، وخاصة بالنسبة إلى حقبة ما بعد الثورة، أعني في الطور الجديد من المعركة الشعبية. وإن مسيِّرينا في تلك المرحلة الذين لم (يفكِّروا) - بالمعنى الدقيق للكلمة- في أي مشكلة من مشاكل الثورة، لا يمكنهم من باب أَوْلى أن (يفكِّروا) في المشاكل العامة التي كانت متوقَّعة في الجزائر عقب الثورة؛ وبالتالي فهم أبعد ما يكون عن الانشغال بوضع مشكلة (مفهوميَّة) ما بعد الثورة. تلك هي الوضعية الحالية للمسألة. فالمشكلة التي توضع اليوم أمام شعبنا، وأمام حكومتنا، إنما تتمثَّل في تجديد الموثق (أو الحلف) القابل للاضطلاع من جديد بإقامة الوحدة المعنوية للأُمَّة، والنهوض كَرَّةً أخرى بالطاقات التي انْتابَها التَّخاذُلُ والتَّقاعُسُ لفترة معينة من جرَّاء الاستقلال. إذ يتعين على الشعب الجزائري أن يستأنف سَيْرَهُ مجدَّداً نحو مَرامِيَ جديدة؛ كما يتعيَّن على هذه المقاصد أن تمدَّه بالبواعث المعلِّلَة الجديدة لنشاطه المشترك، و (بالقاسم المشترك) الذي سيعضد سائر النشاطات الفردية: سواء منها

стр. 110

نشاطات المهتمِّ بالشؤون الفكرية، أو نشاطات التاجر، أو العامل، أو الفلاح. فقد تَقَشَّعَت اليوم الهالةُ التي كانت تحجب بِطُفاوَتِها المشاكل الملموسة عن عيون الشعب الجزائري أثناءَ الثورة، كما جُرِّدَت المشاكل من ظُلامَتها المضَلِّلَة. ومن هنا فصاعداً يجب أن يُسَمَّى القِطُّ قِطّاً، بحيث لا يجب أن يوجد ألبَتَّة أمام أنظار الشعب الجزائري مُثَقَّفون زائفون، وأبطال مصطنعون، ومشاكل مفتعلة؛ إذ يجب البدءُ أولاً بتصفية مشاكل الاستقلال الطُّوباويّ (أو الخياليّ) الذي تركت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سَطْوَتَه تَنْمُو وتتفوَّق على بعض الأذهان في بلادنا؛ حتى لقد أصبحنا نلاحظ في أيامنا هذه وجود علائم قائمة قَلْباً وقالباً للتَّخاذل والتراخي في بلادنا كما لو كان يتعيَّن على (الاستقلال) أن يحلَّ جميع مشاكلنا العموميَّة والخصوصيَّة بطريقة آليَّة؛ بينما يجب علينا أن نفهم أن قطاعنا العمومي بالخصوص لا يزال يَحْيا على ما تركه لنا المستعمر بعد رحيله؛ وعندما يُسْتَنْفَذُ هذا الرَّأسمال، فما عسانا نصنع إذا كانت الضرائب لا تدخل الخزينة، وإذا أهمل الموظَّف أو المستخدم واجبه؟ ... فالمعدَّات المتنقلة من شبكة السكك الحديدية على سبيل المثال ماضية إلى النَّفاد على مَرْأى من أبصارنا، لأنه قد تمَّ إهمال صيانتها كما هو المشاهد؛ وذلك مع إغفالنا للحديث عن تكرار عدم مراعاة جدول المواقيت على خَطٍّ حديديٍّ هام مثل خط قسنطينة- الجزائر العاصمة ... وإذن فإنه من المقتضيات الملحَّة أن نعيد التفكير في مشاكل البلاد، على ضوء إدراكنا لكون المشاكل القائمة في مرحلة ما بعد الثورة إنما هي مشاكل (البنْيَة القاعِدِيَّهَ)، أعني مشاكل: الإنسان، والتراب، والزمن، وأنها هي التي يجب أن تُثار قبل غيرها؛ كما يجب أن نُوجِدَ (القاسم المشترك) لحلولها؛ وهذا القاسم المشترك إنما يتمثَّل في المفهومية التي يجب أن تكوّن (حِلفاً) بين الأشخاص، و (فَنّاً) صِياغِيّاً تجاه الأشياء، و (مَنْهَجاً) على صعيد (الأفكار).

стр. 111

فمن الناحية التاريخيَّة تَمَّ خَتْمُ (موثق) الجماعة في دم المليون ونصف المليون من الشهداء. ومن الجانب الرمزيِّ تُرْجِمَ هذا الموثقُ في البادرة الجميلة التي قامت بها النِّساءُ الجزائريَّات عند تطوّعهنَّ بِمَنحِ حُليّهنّ من أجل إعادة تشييد البلاد. ومن الزاوية السياسيَّة كان الرئيس بن بلة هو الذي أطلق صيغته المتمثلة في: الاشتراكية، والعروبة، والإسلام؛ وهي الصيغة التي ستوحّد الشعب الجزائري ضمن نشاطه المشترك الجديد، حيث أنها مسجلة في ميثاق الأمَّة. وهذه الكلمات الثلاثة تعرّف في دفعة واحدة المحتوى المفاهيمي لعمل الشعب الجزائري المشترك، كما تحدِّد بالتالي الطرائق التي تشرط سير هذا النشاط وبواعثه المعلِّلَة كذلك؛ وبعبارة أحرى فإن جميع المسائل المتعلقة بخط سيرنا السياسي في شكل السؤالين: (كيف يكون؟) و (لماذا يكون؟)، يتعين أن تجد أجوبتَها ضمن هذا المحتوى المفاهيميِّ. وعلى وجه التخصيص فإن (برنامج) طرابلس إذا كان قد تولَّى تَعْدادَ المهامِّ المطلوب إنجازها، وكان علينا أن نتساءَل: (كيف؟) لنا أن ننجزها، تكون الاشتراكية هي الجواب الصحيح عن سؤالنا. فالواقع أن الاشتراكيَّة تقع في مستوى العمل المشترك، كما تمثِّل أكثر الطرق فعَّالية لإنجاز العمل. وتتأتَّى فعَّاليتُها في نفس الوقت من (كَيْفِيَّتِها) باعتبارها (فَنّاً صياغِيّاً) اجتماعيّاً مُطَبَّقاً على الجماعة الوطنية ككُلٍّ؛ ومن وجهة النظر النفسانيَّة باعتبارها عاملاً لإدماج النشاط الفرديِّ ضمن النشاط المشترك بصورة متكاملة. فهي من ناحية تجنِّد إلى الحدِّ الأقصى أشخاصَ المجتمع، وأشياءَه، وأفكارَه؛ ومن ناحية أخرى تمنح جميع هذه المعطيات (مُعامِلاً) مضاعِفاً للفعَّالية، من حيث إنها تعطي للشخص البواعثَ المعلِّلَة القوية، وللشيء أفضل

стр. 112

شروط استخدامه، وللفكرة دَوْرَها وأفضل طرق استعمالها. فالاشتراكية قد نَمَتْ كطريقة للإنتاج والتوزيع مع التقدم الفنيِّ والمعنوي لمجتمع القرن العشرين؛ فهي النتيجة العاديَّة التي أفضى إليها التطور الاجتماعي الذي بدأ في القرن الأخير مع وسائل الإنتاج الضخم والمواصلات السريعة. وفي ميدان النظام السياسي يمثِّل حدثُها تكريساً بسيطاً لنَسَقٍ من الأشياء تكوِّن وجوده في نطاق الوقائع منذ الآلة البخارية. وعندما تختار بلاد كالجزائر الطريق الاشتراكية من أجل تنميتها لنفسها، فهي تسجل ببساطة نتيجة ذلك التطور ضمن مفكّرة أعمالها اليومية السياسيَّة. وعندما تأمر هذه البلاد بإلغاء الامتيازات، فهي تصدِّق رسميّاً وفي بساطة على واقع يجعل هذه الامتيازات غير قابلة للاحتمال، ويتمثل هذا الواقع في أن المسافات الثقافية بين الأفراد قد تضاءَلت بالقدر الذي بلغت فيه (الرسالةُ الإنسانية) بطريقة أسرع، وإلى مدىً أبعد. واليوم، فإن الطبيب، والصانع اليدويّ، يعكفان خارج نطاق مهنتهما، على المشاكل نفسها في المدينة، أو البلاد باأكملها، أو العالَم. لقد كان الشهيد (يوسف زيروت) حدّاداً؛ فمن هم الذين قاموا بالثورة، هل هم أمثالُه، أم هم بعضُ المصابين بالْهَوَسِ الفكريِّ ( Intellectomanes) من أعضاء الحكومة المؤَقَّتة للجمهورية الجزائرية؟! ... أجل! لقد تلاشت المسافات الثقافية بين الأفراد، تاركة كلمة (الطَّبَقَة) توشك أن تكون خالية من المعنى، إلا في جانب واحد هو جانب الامتيازات؛ ومن جراء هذا الواقع أصبحت المسافات الاقتصادية غير قابلة للاحتمال قَلْباً وقالباً بين الآدميِّين.

стр. 113

ولهذه الأسباب مجتمعة، بالإضافة إلى أسباب أخرى كثيرة، وجب علينا أن نختار الطريق الاشتراكيَّة لتنمية أنفسنا. ولكن: في أي اشتراكية تتمثَّل القضيَّة؟ .. لقد تكرَّر ورود هذا السؤال كترديدة مرجَّعة للحياة السياسيَّة الجزائريَّة منذ الاستقلال؛ ونحن نشعر أنه يحمل نقطة استفهام خطيرة داخل ضمير الشعب؛ ولذا يجب علينا أن نقدِّم بعض التوضيحات: فقد ولدت الحركة الاشتراكية في الغرب مُتَّسِمَة بطابع تقاليد عقلية تبلغ من العمر ألفين من السنوات؛ ومنذ عهد لوكريس ( Lucrèce) لم يكُفَّ التيار العقليُّ هناك عن نَقْلِ فكرة (مادِّية النزعة) التي يبدو أنها لا تقبل الانفصال عن العبقريَّة الغربيَّة. وعندما التقت هذه الفكرة بالظاهرة الاجتماعية في القرن العشرين، فإنها لم تَتَوانَ في طبعها بخاصيتها المميَّزة؛ بحيث آلت الاشتراكية والمادِّية إلى الالتحام داخل نفس القالب من التصور. ومنذ ذلك الحين كان كل تصور شائع للاشتراكية في أوروبا يمثِّل حَتْمِيّاً تصوُّراً ماديَّ النزعة. فالمعارك التي كانت تتَّخذ شكلاً (مناهضاً للنزعة الكاثوليكية) في عصر الإصلاح مثلاً، اتَّخذت في القرن التاسع عشر شكلاً مناهضاً للدِّين بصورة عامة في العالم الاجتماعي. ولكن العوامل التاريخيَّة التي لعبت دوراً حاسماً هنا وهناك كانت هي ذاتها؛ فكارل ماركس كان سيتكلم لغة مارتن لوثر ( Martin Luther) لو أنه عاش في عصره؛ وخلال بعض انتقاداته الموجَّهة للكنيسة تهبُّ نَفْحَةٌ نشعر أنها تكاد تكون (لَوْثَرِيَّة) ... ولكن في الجزائر، حيث لا تتدخَّل نفس العوامل النفسيَّة- التاريخيَّة، لا يوجد أيُّ سبب أو حجَّة للْخَلطِ بين الاشتراكية والماديَّة.

стр. 114

علاوة على أن معنى اشتراكيتنا قد حُدِّد بما فيه الكفاية عن طريق حَدَّيْ مذهبنا المفاهيمي المتمثِّليْن في: الإسلام، والعروبة. فكل سياسة لكي تُعْرِّفَ نفسَها كسياسة جزائرية، يجب أن تظلَّ وَفِيَّةً لينابيعها الروحيَّة، ولرسالة الشهداء، وموثق الأحياء. ذلك أن السياسة التي لا تمتلك جذورها داخل روح الشعب، لا يمكنها أن توجِدَ نشاطاً جماعيّاً لأنها تكون عاجزة عن مَدِّ النَّشاط الفرديِّ بأسمى بواعثه المعلِّلَة. ولا ريب في أن بول فاليري (١) ( P. Valéry) قد أراد الإشارة إلى هذا المظهر من الأشياء عندما قال: ((كلُّ سياسة تنطوي- وإن كانت تجهل بصورة عامة أنها تنطوي- على نزعة غَيْبِيَّة كاملة، تبدأُ من الحسيَّة الأشدَّ غلظة، إلى النزعة الروحانيَّة الأكثر إقداماً)) ... ومهما يكن من أمر، فإن الشعب الجزائريَّ هو الذي صنع الثورة؛ وكان الفلاَّح هو الذي حمل عِبْئَها قبل العامل، والمهتمُّ بالشؤون العقلية؛ فقد كانت الثورة في الواقع ثورة فلاَّحين لا بمجرد عدد شهدائها فحسب، ولكن بروحها كذلك. وقد بدأت الثورة بمفهومية جدَّ بسيطة تتلخَّص في كلمة واحدة هي: (الاستقلاأل). وكان الفلاَّح الجزائري هو الذي أعطاها محتوى مفاهيمياً، في عبارات جدَّ بسيطة. وقد وضع فيها شعوره بالتضحية، وبالقِرى (أو كرم الضيافة)، وشعوره بالمقدَّسات؛ وهو الذي جعل منها معركة (مقدَّسة)؛ حيث لم يقم بذلك لا المهتمُّ بالشؤون العقلية، ولا حتى العامل الذي كان مُنْبَتَّ الجذور في قليل أو كثير عن أصوله الروحية والاجتماعية.

стр. 115

وقد كان الفلاح يناضل من أجل استقلال الجزائر، وهو على وعي بأنه شخص عربي وإنسان مسلم. وإذن فههنا تتمثَّل (رسالة) المليون ونصف المليون من شهدائنا الذين بذلوا حياتهم من أجل الوطن؛ وههنا يقوم معنى (الموثق الوطني) الذي كتبوه بدمائهم. إلا أنه يتعين علينا هنا أن نطرح سؤالاً آخر: ما هي النزعة الإسلامية التي يجب علينا أن نُدْرِجَها في منهاجنا المفاهيمي؟ فعلى الصعيد الاجتماعي، لا يَنْصَبُّ الحكم على قيمة غَيْبِيَّة، وإنما ينصبُّ على نشاط إنسانيٍّ؛ ونحن نلمس هنا كرَّةً أخرى عن طريق المراجعات، وجود ثغرة تُعْزَى للنهضة الإسلامية التي وضَعتْ بطريقة ضمنيَّة مشكلة متعلِّقة بالإيمان في مكان هي غير مثارة فيه؛ فالمسألة لا تتمثَّل في تلقين أو في إعادة تلقين المسلم عقيدتَه؛ ولكنها تتمثَّل في إعادة تلقينه استخدامها وفعَّاليتَها في الحياة. إلا أن المصلحين قد أغفلوا وضع هذه المشكلة. ومن وجهة النظر الاجتماعية تجابهنا الظروف التاريخية بمأزق أحياناً، بحيث يتعين علينا أن نختار بين التمسك بحرفية الدين، أو بروحه، ما دام التمسك بروح الدين لا يضيع جانباً جوهريّاً منه؟ ... ولقد جابه (عمر بن الخطاب) ذات مرة مثل هذه الحالة التي وضعته إزاءَ هذا المأْزق بالذات. فقد أدَّى القحط الذي تفشَّى في بداية عهد حكمه، والذي يسمِّيه المؤرِّخون (بعام الرَّمادة)، بأحد مواطني (المدينة) إلى سرقة الخبز لكي يقتات. وكانت هذه الحالة واضحة في نظر الفِقْه؛ حيث يجب قطع يد السارق. ولكن الخليفة العظيم في تعلقه بروح الدين بدلاً من حرفيَّته، أطلق السارق، وقدَّم له مع ذلك نصائحه حتى لا يقع ثانية تحت طائلة العقاب، مع تمويله بالزاد الضروري لحياته في انتظار ظروف أفضل.

стр. 116

وكان (عمر) بعمله هذا قد فتح للفقه الإسلاميِّ طريقاً يحسن بنا أن لا ننساه. واليوم يمرُّ العالم الإسلاميُّ بأزمة من تاريخه تجعله يواجه مثل هذا المأزق في كل خطوة من خطاه؛ والغالب على الموقف المتزمِّت أنه لا يقتصر على الإخلال بالاقتصاد أو بحفظ الصحة فحسب، فالتزمُّت يخلق في حدِّ ذاته موقفاً معادياً للإسلام بصورة عامة. وفي هذه الأيام يقوم بالجزائر عراك ناشب بين الإسراف في التزمُّت الذي يدَّعي أنه يمثِّل الإسلام، وبين الإلحاد الذي يعتقد أنه يمثِّل التقدُّم. وعلى أية حال، فإن رسالة شهدائنا وموثقهم يمثِّلان الينبوعَ الذي يتعين على سياستنا أن تستقيَ منه روحانيَّتَها. وإذن فإن الرئيس بن بلة عندما صاغ سياسته في ثلاث كلمات هي: الاشتراكية، والعروبة، والإسلام، كان قد التزم بالوفاء لأرواح شهدائنا، وبالإنصاف والعدالة تجاه ورثتهم. وقد عمل على هذا النحو بالسياسة الحقيقية، في استخدامه لبرنامج معين، واستقائه من الينابيع الروحانية لمفهومية معينة. وهكذا نحقِّق الشرط الأول السياسي والنفساني لتناول مشاكل (البنْيَة القاعديَّة). ويمثل الإصلاح الزراعي الذي سبق له أن تقدَّم أشواطاً في طريقه، خطوة جدِّيَّة نحو حلِّ هذه المشاكل، من شأنها أن تفتح الطريق للمرحلة الثانية من مراحل نموِّنا الاجتماعي، وهي مرحلة التصنيع التي نحن بصدد الشروع فيها هي الأخرى، وخاصة في ميدان النَّفط ... ولكن إذا كنا نحتاج في جميع هذه الأطوار إلى سياسة واضحة لاحِبَة، وإلى مفهوميَّة ركينة وطيدة، فإنه يتعين علينا كذلك أن نمتلك أفكاراً فعَّالة باعثة. ومشكلة الأفكار توضع ضمن نفس الحدود تقريباً، في سائر البلدان الإسلامية.

стр. 117

فالمستشرق الإنكليزي، الأُستاذ جيب ( Gibb) ، يتَّهم الفكر الإسلاميَّ (بالذَّرِّيَّة)؛ ولهذه التهمة أساس من الصحة، ولكن مع احتراز معين: إذ يجب أن تُوَجَّه هذه التهمة ليس ضدَّ الفكر الإسلامي ذاته، ولكن ضدَّ تفكير مسلم القرن العشرين. فقد عانى المسلم على العموم مؤثرات تقهقر المجتمع الإسلامي منذ بضعة قرون؛ فهو الإنسان الذي خرج من حضارة، وكابَدَ مؤثِّرات هذا التَّقَهْقُر حتى من وجهة النظر الذِّهنيَّة. وهذا الإنسان لا يزال في السنِّ النَّفسانيَّة المتطابقة مع (الأشياء)؛ وفي هذه السِّن يكون المجتمع مجرَّداً من ثقته في (الأفكار) (١)؛ فالفكرة لا يتمُّ تَقْييمُها لديه كوسيلة للنشاط الاجتماعي، أو السياسي، أو الاقتصادي، باعتبارها الشبكة العقلية التي يُنْسَجُ عليها هذا النشاط، وإنما هي مجرد حِلْيَة للفكر الْمُتَمَيَّز، وترف زائد ... وعالم ما بعد العهد الْمُوَحِّدِيّ يمثل عالَماً ذا بُعدَيْن هما: الشَّيْءُ، والشخص؛ فهو عالم فاقد لبُعْدِ الفكرة ... والاتِّصال بيننا لا يتمُّ عن طريق الأفكار؛ وحتَّى الرسائل التي نتخاطب بها إنما نكتبها بلغة (الأشياء)، أي بكلمات جاهزة للاستعمال تَماماً، حسب الآوِنَةِ والظَّرْفِ ونحن نعرف ما يجب أن نقوله في الزواج وفي الدَّفْن، أو في الانتخاب، ما دام (الانتخاب) مرادفاً (للتّويزة) (ب)، أي ما بقي يمثّل شيئاً تقليديّاً.

стр. 118

ولكننا لا نعرف ما الذي يجب أن نقوله أمام مشكلة جديدة تستدعي توفُّر الأفكار. وحتى فيما بين (العقول المتميّزة) فإن التجربة تظل عَصيَّة التَّبليغ في صورة رموز فكريَّة، وفي لغة مكتوبة. فنحن لكي نقتنع لا بدَّ وأن تُقَدَّم لنا التجربة برمَّتِها على نحو من الأنحاء، كأن تكون فوق طَبَقٍ من الأطباق؛ أما ترجمة هذه التجربة ضمن رموز فكريَّة فتجعلها بعيدة عن مداركنا، قاصرة عن إقناعنا. وكما هي الحال بالنسبة إلى (القِدِّيس توماس) (١) الذي كان يريد- لكي يؤمن بمعجزة القيامة- أن يَلْمَسَها بيديه، فإن طريقتنا في الفهم، تعدُّ أحياناً طريقة لَمْسِيَّة، بدل أن تكون عقليَّة. ولهذا فإن الاستعمار يمتلك على الصعيد السياسيِّ أهْوَنَ لُعْبَة وأيْسَرَها لبلوغ أغراضه؛ إذ ليس له إلا أن يجعل لعبته غير قابلة لِلَّمْسِ، حتى نكون منذئذ عاجزين عن فهم أيّ شيءٍ منها. وإن الاستعمار ليدرك ذلك جيداً.

стр. 119

وباختصار، فإن هذا هو الذي يجعل المستشرق (جيب) يقول: إن (الذَّريَّة) هي خاصية الفكر الإسلاميّ، دون أن يقوم بالاحتراز الذي أوردناه. ومع هذا الاحتراز، تمثِّل (الذَّرِّيَّة) معياراً ذا قيمة من حيث الدراسة المتعلقة بعلم الاجتماع للبلدان الإسلامية الراهنة؛ فهي تفسر لنا عدداً من مشاكلها، وخاصة منها نزعة (التكديس) التي أوردناها في المحاضرة الأولى؛ فنحن نعتقد أننا نبني إذ نقوم بالتكديس، كما لو كان (البناء) يمثل مرادفاً (لتكديس) المعدَّات والأشياء؟ ... وحتى عالَم أفكارنا لا يمثل (بِناية) ولكن مجرد (كدس) من الأفكار. (فالذَّريَّة) أعني صعوبة أو استحالةَ إقامة بنْيَة عقلية، إنما تمثِّل الانعكاس البسيط لافتقار عالَمِنا النفسيِّ لِبُعْدٍ معيَّن هو: بُعدُ الفكرة. وهذا هو الذي يفسِّر لنا كذلك: لماذا لم يَقُمْ (المصابون بالهوس الفكريِّ) من أعضاء الحكومة المؤقَّتة للجمهورية الجزائرية بالتفكير في مشكلة المفهوميَّة، التي يجب أن توضع على وجه الدِّقَّة ضمن الحدود التي كُنَّا بصدد الإشارة إليها. فالمفهومية ليست مجموع أفكارٍ شَتيتَة؛ وإنما هي المسَيِّرَةُ للطَّاقات، والسَّهْمُ الذي يُعَيَّنُ للجماعة طريقها في التاريخ. إنَّها الاقْتِضاءُ الآمِرُ الذي يطبع الحركةَ على اليد وعلى الفكرة في اتِّجاه محدَّدٍ. ويتعيَّن على مفهوميتنا أن تُحَقِّقَ هذه التركيبة المتآلفة للنشاط الفرديِّ والجماعيِّ، على صعيد أرفع مُقايَسَة نظريَّة، وفي نطاق المِراسِ العمليِّ الأكثر شيوعاً سواء بسواء. كما يتعين عليها علاوة على ذلك أن تصوغَ بَواعِثَنا المعَلِّلَة في أخْذِها بعين الاعتبار للشُّروط الدَّاخلية والخارجيَّة معاً. ولقد سبق (لرسالة) شهدائنا أن وَجَدَتْ معناها في جميع النشاطات

стр. 120

التَّحريرِيَّة الْمُتَساوِقَة بالقارَّة الإفريقية، حيث أصبحت فيها شارةُ (جبهة التَّحرير الوطني) تمثِّل مُرادِفاً (للتَّحرير) ذاته، وخاصةً في (أنغولا) وفي (إفريقيا الجنوبيَّة). وبالأمس قاد (خَيالُ) الثورة الفرنسيَّة المتمثِّلُ في: الحرية، والمساواة، والإخاء، جيش (نابليون) إلى قلب (موسكو) على حِداء نشيد (المارسيليَّة) (١) واليوم تَقومُ (أخْيِلَةٌ) يوتوبيا ( utopies) (٢) أخرى، بصنع التاريخ في أصقاع أخرى من العالَم، بقدر ما تَقْتادُ الجماهير المتحمِّسة إلى العمل.

стр. 121

ورسالةُ شهدائنا يجب أن يكون لها معناها في الجزائر وفي العالَم؛ حيث يجب أن تَعنيَ (البِناءَ) هُنا، و (الْحُضورَ) و (المساهمةَ) هناك. ففي الداخل يُطْلَبُ إلينا أن نَبْنِيَ، أو أن نعيد بناءَ حضارتنا؛ وفي الخارج، يجب علينا أن نساهم في النشاط المشترك للإنسانيَّة، في عالم صار قابلاً لإيصال التاريخ، حيث أصبح الفكر يتَّجه إلى الوحدة، وحيث يرى مالْرُو ( Malraux) مَوْلِدَ فَنٍّ عالَمِيٍّ. وبقدر ما يزداد ارتفاعُ الغاية، وبُعدُ مسافتها، بقدر ما يتعيَّن على الإنسان السائر صَوْبَ هذه الغاية: أن يمتدَّ طبقاً لمقياس مُهِمَّاتِه. فعندما كان القرآنُ يوجِّه هذا الأمْرَ إلى الجماعة المسلمة لكي يدفعها إلى السَّيْر، كان يَلْذَعُ بسياط آستهزائه كذلك أولئك المتخلِّفين عن التَّوقيت، حيث قال للرَّسول في شأنهم: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ (١). ولقد بدأ سيرنا في الجزائر على نداء شهدائنا وحتَّى إذا تعيَّن أن تطول علينا الشُّقَّةُ، فإنَّنا سنواصل السَّيْر لا محالة. فهناك نشيدٌ عظيم يرتفع في أعماق روح الشَّعب الجزائري، وهو الذي سَيَزِنُ وَقْعَ خَطْوِنا على دروب التَّاريخ. أجل! ها قد بلغ هبوبُه المحرِّر- الحاملُ لرسالة شهدائنا- أقصى الآفاق النَّائية من إفريقيا وآسيا. ولسوف تسمع الأجيالُ الجزائرية المقبلة أصداءَه دون ريب؟ ...

стр. 122

٤ - الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ محاضرة ألقيت بنادي الطلبة المغاربة سنة ١٩٦٠م وقد نشرت مع مجموعة مقالات كتاب تأملات ــ

стр. 123

سادتي: ورثنا نحن معشر الشعوب الإسلامية، كما ورثت معنا وفي الظروف نفسها الشعوب الأفريقية الآسيوية التي خضعت مثلنا للدول الاستعمارية واحتكت بثقافتها وحضارتها في إطار الاستعمار، ورثنا من هذا الاتصال وبحكم القانون الذي يفرض على المغلوب عادات وتقاليد الغالب، ورثنا المقاييس المرتبطة بحياة العالم الغربي وبتجربته التاريخية، وتقبلنا بعضها لنقيس بها الواقع الاجتماعي لدينا، ونقارن على ضوئها ماضينا بما يسحر أبصارنا في حاضر هذه الأمم الغربية. هذه الأمم التي فرضت علينا عاداتها ومفاهيمها ومصطلحاتها وأسلوب حياتها، وهكذا رأينا هذه الأشياء كمسلمات يقتدي بها فكرنا ويهتدي بها اجتهادنا، ويستدل بها منطقنا، دون أن نحقق في درجتها من الصحة واتفاقها مع جوهر شخصيتنا، وفلسفة حياتنا. وكان أثرها في تفكيرنا أن أصبحنا نتناول في كتابتنا وفي حديثنا موضوعات جديدة مثل موضوع هذا الحديث أي الديمقراطية في الإسلام. إننا حينما نقدم عنواناً كهذا لا نشعر عادة بأنه يتضن مسلمة لم يسلم بها تسليم المقتنع، وإنما نسلم بها خضوعاً لمسايرة العرف الذي فرضته علينا الحضارة الغربية، حتى أصبحنا نضم إلى الإسلام كل ما نعتقد أنه ذو قيمة حضارية دون أي تمحيص فيما يربطه أو يحدد درجة ارتباطه بالإسلام أو ينزِّه عنه الإسلام. فالديمقراطية من تلك العناصر التي نتقبلها لنضيفها إلى التراث الإسلامي، مقتنعين بما يبرر هذه الإضافة ولو بصورة شكلية حتى يصبح الموضوع لا يفتح

стр. 124

بابه على نقطة استفهام: ((هل توجد ديمقراطية في الإسلام؟))، بل ندخل فيه مباشرة من باب المسلمات، فنقول: ((صفوا لنا الديمقراطية الموجودة في الإسلام)). إن مشكلة الربط بين هذين المصطلحَيْن هي في نظري المشكلة الأساسية في الموضوع، يجب أولاً أن نميز بينهما وأن نعطي لكليهما ما تستحق شخصيته من التعريف، حتى يتبين في ضوء هذا التعريف أي قرابة توجد بين المصطلحَيْن. وعليه يجب في خطوتنا الأولى أن نوضح وأن نعرف مصطلحاتنا: ما هو الإسلام؟ ما هي الديمقراطية؟ ولا بد هنا من ملاحظة: أن كل مصطلح كان في زمن ما كلمة محدثة، وإننا نعرف بالضبط متى حدثت كلمة (إسلام) في اللغة العربية وبمعناها الدارج، إنها لا شك من ابتكار القرآن. ولكننا على جانب أقل من المعرفة فيما يخص مصطلح (ديمقراطية)، فنحن لا نعرف متى درجت في اللغة العربية كمفردة مستوردة، ولا نعرف حتى تاريخ حدوثه في لغته الأصلية، إنما نعرف أنه صيغ في اللغة اليونانية قبل عصر بركليس (١)، إذ أن المؤرّخ توسديد يذكره على لسان هذا القيصر في إحدى خطبه الموجهة إلى شعب أثينة. أي منذ خمسة قرون قبل الميلاد.

стр. 125

هكذا نرى الصلة مفقودة بين المصطلحَيْن بالنسبة إلى الزمان وإلى المكان، وربما أمكن القول مجازفة، نظراً لهذا التباعد من حيث التاريخ ومن حيث الجغرافية، بأن ليس هناك (ديمقراطية في الإسلام). ومن جهة أخرى فبقدر ما يكون اللفظ مشحوناً بالتاريخ، أي بقدر ما تكون له جذور في واقع وتاريخ البشر كما هو شأن الكلمتَيْن اللتَيْن نحلِّلهما، يكون شيء من التباس في هذا اللفظ التباساً يلبسه أحياناً معاني متعددة. يجب إذن أن نرفع هذا الالتباس باختيار أي هذه المعاني نقصد بالضبط. إن كلمة إسلام وكلمة ديمقراطية تحتوي كلاهما على مضمون ثري يجب من الناحية العملية تبسيطه إلى أقصى ما يمكن حتى تتيسر المقارنة بينهما. ما هي الديمقراطية في أبسط معانيها؟ إن أي قاموس اشتقاق في اللغة الفرنسية يدلنا على أن الكلمة، مركبة من مفردتين يونانيتين، وتعني (سلطة الشعب) أو سلطة الجماهير، كما تعودنا أن نقول اليوم، أي بتعبير تحليلي موجز (سلطة الإنسان). ومن جهة أخرى ما هو (الإسلام)؟ في أبسط معاني الكلمة لعلنا لا نجد جواباً أفضل على هذا السؤال، من أن نستعيره من جواب النّبي ﷺ ذاته على سؤال ورد في حديث مشهور، رواه مسلم والترمذي والإمام أحمد والبخاري عن

стр. 126

أبي هريرة، في روايات متقاربة قال أبو هريرة: كان النبي ﷺ بارزاً يوماً للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ ... إلخ ... إلى أن قال ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان». فإذا قصرنا الأمر على ما يتصل بموضوعنا، ووضعنا أعيننا في هذا النص الجواب، الذي يستحق ثقة أكثر كجواب للسؤال المطروح، نرى أن الإسلام هو الإيمان بالله وحده، والقيام بالصلاة وأداء الزكاة والصيام. وقد يقول من يشرح هذا الحديث أنه لم يذكر الحج لأنه ورد قبل أن يحدد فرض الحج. ومهما يكن الأمر، فها نحن وضعنا للكلمتين التحديد المتفق مع أبسط معانيهما. فهل يوجد وجه مقارنة بينهما بعد هذا التبسيط؟ أي وجه مقارنة بين مفهوم سياسي يفيد جمله تقرير (سلطة الإنسان) في نظام اجتماعي معين وبين مفهوم ميتافيزيقي يفيد مجمله تقرير (خضوع الإنسان) إلى سلطة الله في هذا النظام أو في غيره. هكذا ينتهي الأمر فيما يبدو إلى مناقضة أو ما يشبه مناقضة كالتي ظهرت بكل وضوح في الشعارات التي نادت بها الثورة الفرنسية في نضالها ضدّ الكنيسة (لا نريد ربّاً ولا سيِّداً)، فهذه المناقضة الصورية تزيد طبعاً في تباعد المصطلحَيْن، وفي صعوبة المقارنة التي نريد عقدها بينهما. ولكن الصعوبة هذه ليست نتيجة الواقع الذي يدل عليه كلا المصطلحَيْن، بل إنها تنتج من كيفية تعبيرنا عن هذا الواقع.

стр. 127

إننا قد اخترنا مثلاً للتعبير عن الديمقراطية المعنى اللغوي كما يعرفه لنا أي قاموس اشتقاق، وهو مرتبط بتقاليد الثورة الفرنسية حيث يعتبر هذا المصطلح من إنتاجها اللغوي في هذا العصر. ولكن ينبغي علينا في الواقع أن نعيد الكرة في تحديد الديمقراطية، ونحددها دون ربطها مسبقاً بأي مفهوم آخر كالإسلام، فننظر إليها على أعم وجوهها، أي في إطار عمومياتها قبل أن نربط الموضوع بأي مقياس مسبق. ففي مثل هذا الإطار، الذي ستتضح مبرراته فيما بعد، يجب أن نعتبر الديمقراطية من ثلاث وجوه: ١ - الديمقراطية كشعور نحو الـ (أنا). ٢ - الديمقراطية كشعور نحو الآخرين. ٣ - الديمقراطية كمجموعة الشروط الاجتماعية السياسية اللازمة لتكوين وتنمية هذا الشعور في الفرد. فهذه الوجوه الثلاثة تتضمن بالفعل مقتضيات الديمقراطية الذاتية والموضوعية، أي كل الاستعدادات النفسية التي يقوم عليها الشعور الديمقراطي، والعدة التي يستند عليها النظام الديمقراطي في المجتمع، فلا يمكن أن تتحقق الديمقراطية كواقع سياسي إن لم تكن شروطها متوفرة في بناء الشخصية وفي العادات والتقاليد القائمة في البلد. فهذه الاعتبارات تكوِّن العموعيات التي تتحدد في نطاقها المشكلة بما تقتضيه من الوضوح، فهي تدلُّ بالخصوص على أن الشعور بالديمقراطية مقيد بشروط معينة لا يتحقق بدونها، وهذه الشروط ليست من وضع الطبيعة ولا من مقتضيات النظام الطبيعي، على خلاف ما كانت تتصوره الفلسفة الرومانتيكية في عهد جان جاك روسو، بل هي خلاصة ثقافة معينة وتتويج لحركة

стр. 128

الإنسانيات وتقدير جديد لقيمة الإنسان، تقديره لنفسه وتقديره للآخرين. فالشعور الديمقراطي هو نتيجة لهذه الحركة عبر القرون، ولهذا التقدير المزدوج لقيمة الإنسان (١). إن المؤرخ الفرنسي جيزو يتيح لنا في كتابه أوروبا من نهاية الإمبراطورية الرومانية إلى الثورة الفرنسية تتبع هذه الحركة أي التطور الذي أدى إلى ظهور الديمقراطية في أوروبا. ونمو الشعور الديمقراطي في البلاد الأوروبية. فالمؤرخ الكبير يبين كم كانت أصول الديمقراطية الغربية بعيدة وبسيطة، وكيف تكون الشعور الديمقراطي ببطء، قبل أن يتفجر بالتالي في التصريح بحقوق الإنسان والمواطن؛ ذلك التصريح الذي يعبر عن التقويم الجديد للإنسان وعن التتويج الأسطوري والسياسي للثورة الفرنسية. فالشعور الديمقراطي الغربي، قد بدأ يعبر عن نفسه، وهو لم يتخلص بعد من الغموض الملازم لكل ما هو في حالة تخلق ونشوء، خلال الحركتين التاريخيتين الكبيرتين، حركة الإصلاح وحركة النهضة. بل إن هاتين الحركتين هما أول تصريح بقيمة الإنسان الأوروبي في مجال الروح وفي مجال العقل. فمن الواضح، أن هذا الدرس عن تاريخ أوروبا، الذي نقرؤه في كتاب جيزو، نجد الواقع الاجتماعي مطبوعاً ومغلفاً بخصائص المجتمع الغربي، مثل حركة الإصلاح والنهضة. ولكن الحقيقة العامة بالنسبة إلى الشعور الديمقراطي، مهما يغشاها من قلة

стр. 129

وضوح، حيث تلبس هنا ظواهر التاريخ الغربي وخصائصه التي لا يمكن أن تتكرر في تاريخ الأجناس والشعوب الأخرى، فإنها تبرز رغم ذلك تحت هذا الغلاف الخاص، أي عندما نخلص الموضوع من قيود التاريخ والسياسة ونعبر عن الأشياء بمصطلح علم النفس وعلم الاجتماع. إن الشعور الديمقراطي في أوروبا كان النتيجة والمآل الطبيعي لحركة الإصلاح والنهضة. فهذا هو معناه التاريخي الصحيح، ولكن هذا المعنى لا يفصل عن تاريخ أوروبا ليطبق على أمم أخرى. ولكن القانون العام بالنسبة إلى طبيعة الشعور الديمقراطي، سواء في أوروبا أو في بلد آخر. هو أن هذا الشعور نتيجة لاطِّراد اجتماعي معين، فهو بالمصطلح النفسي، الحدّ الوسط بين طرفين كل واحد منهما يمثل نقيضاً بالنسبة للآخر، النقيض المعبر عن نفسية وشعور العبد المسكين من ناحية، والنقيض الذي يعبر عن نفسية وشعور المستعبد المستبد، من ناحية أخرى. فالإنسان (الحر) أي الإنسان الجديد الذي تتمثل فيه قيم الديمقراطية والتزاماتها، هو الحدّ الإيجابي بين نافيتين تنفي كل واحدة منهما هذه القيم وتلك الالتزامات: نافية العبودية، ونافية الاستعباد. ولهذا التطور ناحية شكلية لها دلالتها عندما يضفى على هذا الإنسان (الحر) لقب يعبر عن قيمته الجديدة؛ فبعد أن كان يعتبر ( Sujet) أي التابع إلى الملك أو مولاه، تسميه الثورة الفرنسية ( Citoyen) المواطن، وتحاكم الملك لويس السادس عشر فتسميه (المواطن كأبيه) أثناء المحاكمة، وبعد أن كان الفلاح الروسي يسمى (موجيك) في العهد القيصري، أصبح (الرفيق) بعد ثورة أكتوبر ١٩١٧، التي علقت على باب العهد الجديد صورة (الرفيق) ستالين. ومن أثر هذه الشكليات أن يكون من بين أكبر الأسماء التي حلقت في سماء

стр. 130

الثورة الفرنسية اسم روبسبيير ( Robespierre)، حفيد أولئك الذين كانوا من قطيع ( SerFs) أي الخدم، و ( Mirabeau) حفيد أولئك الإقطاعيين ( Seigneurs) الذين مثلوا العهد البائد في فرنسا قبل الثورة. فهذه هي الحقيقة العامة، الخالصة من ظروف البيئة والمطابقة لكل وسط إنساني مهما كانت ظروفه التاريخية الخاصة. وهذا هو المقياس العام الذي تقاس به الأشياء بالنسبة إلى أي تطور ديمقراطي، سواء كواقع اندثر في طيات التاريخ، أو كمشروع نريد تحقيقه في واقع مجتمع. فكل تطور من هذا النوع هو في جوهره عملية تصفية، تصفي الإنسان حتى يصبح الإنسان الجديد في صورة (المواطن) أو صورة (الرفيق) أي الإنسان الذي تخلص من رواسب العبودية ومن نزعات الاستعباد، التي تكون الصورة السلبية للشعور الديمقراطي. والتاريخ يعطينا نماذج كثيرة من هذه الصور السلبية أي الصور المعبرة عن نفسية العبد ونفسية المستعبد. إنه لا يخلو من الفائدة أن نذكر بعض هذه النماذج توضيحاً للموضوع وربما وجدنا بعضها حتى في الأدب. فالإراشادات التي يعطيها شخص أورسوس إلى شخص جوينبلين في قصة فيكتور هوجو (الرجل الذي يضحك)، هي في الواقع إرشادات تنطق فيها روح العبد. حيث يقول أورسوس لزميله: ((هناك سنة يتمسك بها الكبار، فإنهم لا يعملون شيئاً، وسنة يتمسك بها الصغار، فإنهم لا يقولون شيئاً، إن الفقير ليس له صديق إلا صديق واحد: الصمت، إنه لا يجوز له أن يتفوه إلا بكلمة واحدة: نعم، فالاعتراف والرضا هو كل حقه، نعم إلى القاضي، نعم إلى الملك.

стр. 131

فالكبار ينهالون علينا ضرباً بالعصا، إذا ما حدثتهم نفوسهم .. إن هذا من حقهم، وإنهم لا يخسررون شيئاً من عزتهم إذا ما دكّوا عظامنا ضرباً .. )). فمن البيّن أن فيكتور هوجو وصف فى هذا الحوار وبكل دقة نفسية العبد الذي يقول (نعم) في كل الظروف، ونشعر كم في هذه الكلمة الإيجابية في لفظها من سلبية في معناها، إذ إن (نعم) هنا تساوي نافية، تلغي قيمة الـ (أنا)؛ أي أنها تنفي القاعدة الأساسية التي تبنى عليها الديمقراطية في نفس الفرد. ولا يخلو الأدب العربي من هذه النماذج المعبرة عن نفسية العبد، إننا نجدها بالخصوص في كتاب ألف ليلة وليلة، حيث نرى في كل صفحة الأمير يأمر أو يهدد بضرب عنق، والجلاد يقول (نعم) السمع والطاعة يا مولانا. وإننا لنجد صورة أخرى للنافية التي تنفي الشعور الديمقراطي نجدها في صورة المستعبد المستبد، كما يصفه القرآن الكريم لنا في الحوار المشهور الذي دار بين فرعون وموسى حيث يسأل الأول: - ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى؟﴾ [طه: ٢٠/ ٤٩]. فيرد الثاني: - ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٢٠/ ٥٠]. إننا نرى كم يعبِّر هذا السؤال عن نفسيّة الجبار المستبد الذي يريد استعباد الخلق، وكان ينتظر من موسى الاعتراف بمزاعمه في الربوبية، حتى أتى جواب الرسول فأثار غضبه لأنه كان رفضاً لمزاعمه. ولكن المشهد يستمر فيزيد وضوحاً في تصوير المستبد، فنراه يندفع في كبريائه، ويرجئ الرسول إلى يوم الزينة ليكون موعداً له وللسحرة، فيتزايد غضب الطاغية المستبد عندما رأى كيد الشيطان مهزوماً والسحرة سُجَّداً:

стр. 132

﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾. فغضب الطاغية: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٢٠/ ٧٠ - ٧١]. ليس من الضروري أن نتابع المشهد إلى آخره، فقد أعطانا صورة كافية للاستبداد في شخص فرعون بقدر ما يزداد غضبه على الرسول وعلى السحرة، فالموقف لا يعبر هنا عن (نافية) إزاء الـ (أنا)، بل عن نافية إزاء الآخرين أي أنه ينفي جانباً من الشعور الديمقراطي. ولكن قد نجد أحياناً موقفاً يعبر عن النافيتين معاً. إن تاريخ روسيا القيصرية ترك لنا قصة ذات دلالة في الموضوع إذ نرى أحد القياصرة، وهو فيما أعتقد القيصر إسكندر الأكبر، وقد كان في ضيافته أمير من الغرب، فأراد القيصر أن يبرهن لضيفه عن مقدار سلطانه على رعيته، فأشار بأصبعه إلى جندي كان يقوم بدور حراسة بأحد ممرات الدوريات المشرفة على هاوية سحقية، فبمجرد الإشارة ألقى الجندي بنفسه من ذلك العلو، كأنه آلة تحركت بالضغط على زر ... فهذا المشهد يتضن بكل وضوح موقف العبد وموقف الرجل المستبد، أي نافيتي الشعور الديمقراطي. ويمكن جمع الكثير من هذه النماذج، مثل رئيس الحشاشين؛ حسن السفاح، أو شيخ الجبل كما كان يلقب، فإنه كان أيضاً يتصرف في حياة أتباعه فيقوم أحدهم لمجرد الإشارة ليلقي بنفسه في هاوية معنوية، يلقي فيها ضميره. وعلى كل فإن ما ذكرنا يكفي لتكوين إطار العموميات التي تحيط بالموضوع، وتكون مرجعاً يرجع إليه في هذا السياق.

стр. 133

فالقضية إذن عندما نتحدث عن الديمقراطية في الإسلام منوطة بهذه العموميات وهذا المرجع، أي بالعناصر الثلاثة التي قدمناها على أنها الشروط العامة لوجود الشعور الديمقراطي في أي بيئة. وبالتالي فالسؤال هو: هل الإسلام يتضمن ويتكفل هذه الشروط الذاتية والموضوعية، أي هل يكون نحو (الأنا) ونحو (الآخرين) الشعور الذي يطابق الروح الديمقراطي كما بيَّنا، وهل يخلق الظروف الاجتماعية المناسبة لتنمية هذا الشعور؟ وعلينا من وجهة عملية، وقبل الجواب على السؤال؛ هل يخلق الإسلام الشعور الديمقراطي؟ أن نتساءل: هل يخفف الإسلام حقيقة من كمية ومن حدة الدوافع السلبية، والنزعات النافية للشعور الديمقراطي، التي تطبع سلوك العبد وسلوك المستعبد؟ لا بدّ إذن وفي البداية على الخصوص أن نقدر كل مشروع يهدف إلى تأسيس ديمقراطية، على أنه مشروع تثقيف في نطاق أمة بكاملها، وعلى منهج شامل، يشمل الجانب النفسي، والأخلاقي، والاجتماعي، والسياسي. فالديمقراطية ليست إذن، كما نفهمها فهماً سطحياً عندما نتناول معناها الدارج، أي في حدود اشتقاق المفردة، ليست مجرد عملية سياسية، عملية تسليم سلطات إلى الجماهير، إلى شعب يصرح بسيادته نص خاص في الدستور. وقد يكون هذا النص نفسه غير موجود في بلد معين إما لأن هذا البلد، لم يوضع في دستوره نظام دستوري، وإما لأن جباراً مستبداً جاء يلغيه، مثل نابليون في فرنسا، ومع ذلك لا تفقد الديمقراطية معناها في هاتين الحالتين، لأن معناها مرتبط بشعور، وبعادات، وتقاليد لا يكونها نص ولا يلغيها جبار. فإنجلترا تتمتع بحياة ديمقراطية ممتازة، دون أن يكون في أساسها نص

стр. 134

دستوري خاص، يحمي الحقوق والحريات التي يتمتع بها فعلاً الشعب الإنجلنري، وإنما تحميها تقاليد الشعب ذاته وعاداته وأوضاعه النفسية، وعرفه الاجتماعي، أي في نهاية التحليل يحميها ما يمكن ان نسميه الروح الإنجليزي بالذات. فليست الديمقراطية إذن في أساسها عملية تسليم سلطات تقع بين طرفين معينين، بين ملك وشعب مثلاً، بل هي تكوين شعور وانْفعالات ومقاييس ذاتية واجتماعية، تشكل مجموعها الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية في ضمير شعب، قبل أن ينص عليها أي دستور، والدستور ما هو غالبا إلا النتيجة الشكلية للمشروع الديمقراطي عندما يصبح واقعاً سياسياً يدلُّ عليه نص توحي به عادات وتقاليد، ويمليه شعور في ظروف معينة، ولا يكون أي معنى لهذا النص إن لم تسبقه التقاليد والعادات التي أوحت به، أو بعبارة أخرى المبررات التاريخية التي دلَّت على ضرورته. ومن هنا تبدو بكل وضوح تفاهة تلك الاستعارات الدستورية التي تستعيرها اليوم بعض الدول الإفريقية الآسيوية الناشئة، التي تريد إنشاء الوضع الجديد في بلادها، بالقياس على المنوال الذي تستعيره من بعض البلاد ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، إن هذه الاستعارة تكون تارة لازمة ولكنها لن تكون بكل تأكيد وحدها كافية، إن لم تصحبها الإجراءات المناسبة لبثّ ما يستعار في نفسية الشعب الذي يستعيره. ومهما يكن في الأمر، فقد تبيَّن من الآن، أن الجواب على السؤال المعروض في هذا البحث؛ هل توجد ديمقراطية في الإسلام؟ لا يتعلق ضرورة بنص فقهي مستنبط من السُّنة والقرآن، بل يتعلق بجوهر الإسلام بصفة عامة وعلى وجه الخصوص، ومن الوجهة التي تهمنا هنا، فإنه لا يسوغ لنا أن نعتبر الإسلام كدستور يعلن سيادة شعب معين، ويصرح بحقوق وحريات هذا الشعب، بل ينبغي أن نعتبره، في سياق حديثنا، كمشروع ديمقراطي تفرزه الممارسة، وترى

стр. 135

من خلاله موقع الإنسان المسلم من المجتمع الذي يكون محيطه، وهو في الطريق نحو تحقيق القيم والمثل الديمقراطية، بحيث ترتبط حركته التاريخية بالمبادئ العامة، التي أقرها الإسلام في صورة بذور غرست في الوعي الإسلامي، وفي صورة شعور عام ودوافع تكون المعادلة الإسلامية في كل فرد من المجتمع. ويجب أن نعتبر هذه الحركة الناشئة والمنشئة في لحظة بدايتها، أي في اللحظة التي تبتدئ تحقق شروط المشروع الديمقراطي الأولية، لأنها الشروط التي تتحقق بمقتضاها كل النتائج الاجتماعية المقبلة لهذا المشروع. غير أننا أوضحنا فيما سبق، أن مرحلة التخلق والنشوء ترتبط بصورة شكلية، بتعبير جديد نطلقه على الإنسان، أي بتقويمه تقويماً جديداً ليصبح (المواطن) في الثورة الفرنسية، أو (الرفيق) في الثورة الروسية وتظهر، طبقاً لهذا التقويم، الاختلافات الأولى بين النماذج الديمقراطية المعروفة في التاريخ، حتى في المصطلح السياسي حيث نصبح نتكلم اليوم على (الديمقراطية الغربية) بأوروبا، و (الديمقراطية الشعبية) في الشرق، و (الديمقراطية الجديدة) في الصين (١). فبصورة تزيد أو تنقص وضوحاً، نجد أنفسنا أمام نماذج ديمقراطية يختلف بعضها عن بعض، بمقدار تقويمها الجديد للإنسان بالقيمة التي تعطى له في صورة شكلية، تعبر بصورة رمزية عن بداية أو تدشين المشروع الديمقراطي في البلد، ووضعه في الطريق نحو القيم والمثل الديمقراطية. وهذا التقويم الجديد للإنسان، يطبع من البداية فعالية المشروع وأثره في

стр. 136

المجال النفسي، بالنسبة إلى الدوافع السلبية التي تقاوم المقومات الديمقراطية في نفس العبد ونفس المستعبد، فهو يكون إذن مقياساً تقاس به الأشياء في هذا السياق، وتميز به النماذج المعروفة في التاريخ، من النموذج الذي حققته أثينة منذ ثلاثة آلاف سنة، إلى النموذج الذي تحققه الصين اليوم. ولكننا عندما نعتبر هذه النماذج، عدا النموذج الإسلامي وبالنسبة إليه، نجد أنها تستهدف في أساسها، إما منح الإنسان بعض الحقوق السياسية التي يتمتع بها (المواطن) في البلاد الغربية، وإما الضمانات الاجتماعية التي يتمتع بها (الرفيق) في البلاد الشرقية. أما الإسلام، فإنه يمنح قيمة تفوق كل قيمة سياسية أو اجتماعية. لأنها القيمة التي يمنحها له الله في القرآن في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٧٠]. فهذا التكريم يكون- أكثر من الحقوق أو الضمانات- الشرط الأساسي للتعبير اللازم في نفس الفرد، طبقاً للشعور الديمقراطي سواء بالنسبة للأنا أم بالنسبة للآخرين، والآية التي تنص على هذا التكريم تبدو وكأنها نزلت لتصدير دستور ديمقراطي يمتاز عن كل النماذج الديمقراطية الأخرى، دون أن تعبر عنه نصوص قانونية محددة، فنظرة النموذج الإسلامي إلى الإنسان، هي نظرة إلى التكريم الذي وضعه الله فيه، أي نظرة إلى الجانب اللاهوتي فيه، بينما النماذج الأخرى تمنحه النظرة إلى الجانب الناسوتي والجانب الاجتماعي، فالتقويم الإسلامي يضفي على الإنسان شيئاً من القداسة، ترفع قيمته فوق كل قيمة تعطيها له النماذج المدنية. والفرق ليس في المفردات ولكن في معناها، في واقع الأشياء بالنسبة إلى شعور الإنسان نحو نفسه ونحو الآخرين. فالإنسان الذي يحمل بين جانبيه الشعور بتكريم الله له، يشعر بوزن هذا

стр. 137

التكريم في تقديره لنفسه وفي تقديره للآخرين، لأن الدوافع والنزعات السلبية المنافية للشعور الديمقراطي تبددت في نفسه. ثم إن الإسلام الذي وضع في نفسية المسلم هذا التوجيه العام، قد وضع عن طريقه- يميناً وشمالاً- حاجزين، كي لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد. وهذان الحاجزان مذكوران بالإشارة في آيتين، تذكر الواحدة الهاوية ذات اليمين والأخرى تذكر الهاوية ذات الشمال، فيقول : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٢٨/ ٨٣]. فهذا الحاجز وضع بكل وضوح على حافة الاستعباد، حتى لا يقع فيه المسلم، أما الحاجز الآخر الذي يحفظه من هاوية العبودية، فهو مذكور في قوله عز وحلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤/ ٩٦ - ٩٨]. ومجمل القول، إن المسلم محفوظ من النزعات المنافية للشعور الديمقراطي، الموجودة أو المدسوسة في طينة البشر، بما وضع الله في نفسه من تكريم مقدس، وما جعل عن يمينه وشماله من معالم، ترشد طريقه حتى لا يقع في وحل العبودية أو وحل الاستعباد. ومما يدعم شعوره بهذا التكريم العام الذي منحه كإنسان، فإنه يشعر بتكريم خاص قد منحه كمؤمن في قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٦٣/ ٨].

стр. 138

وهذه العزهّ الموهوبة للمؤمن لا تعرضه للكبرياء، لأنها لا تعني المجد التالف المتصل بالأشياء المادية، بل هي العزة في سموّ الأخلاق، وعلوّ الهمة. وهكذا نرى أن الدوافع السلبية التي من شأنها أن تدفع المسلم إلى الهاوية، من ناحية أم من أخرى، يسيطر عليها الشعور الإيجابي الذي وضعت في نفسه بذوره بصفته مسلم. وعليه فإن (الديمقراطية) مغروسة أولاً في ضمير المسلم، مع التقويم الجديد الذي حدّد في نظره قيمته وقيمة الآخرين. ولا شك أن عبارة (الديمقراطية الجديدة) في الصين الشعبية، تعني أولاً هذا التقويم الجديد للإنسان، قبل أن تعني قوانين جديدة ومصانع جديدة وطرقاً جديدة .. فهي تهم (أولاً عالم الأشخاص قبل أن تهمّ عالم الأشياء). وإذا أردنا أن نعرف شيئاً هو الديمقراطية الإسلامية، فإن هذا الشيء يعني أولاً (تطعيم) الإنسان، وتحصينه ضدّ النزعات المنافية للشعور الديمقراطي، وتصفية هذه النزعات في نفسه. أما الديمقراطية العلمانية أو اللائكية، فإنها تمنح الإنسان أولاً الحقوق والضمانات الاجتماعية، ولكنها تتركه عرضة لأمرين فهو إما أن يكون ضحية مؤامراتٍ لمنافع معينة، ولتكتلات مصالح خاصة ضخمة؛ وإما لأن يجعل الآخرين تحت ثقل دكتاتورية طبقية، لأنها لم تصف في نفسه دوافع العبودية والاستعباد، لأن كل تغيير حقيقي في المجتمع لا يتصور دون تغيير ملائم في النفوس. طبقاً للقانون الأعلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١٣/ ١١]. وهكذا تظهر بوضوح أكثر، العلاقة العضوية بين الإسلام والديمقراطية؛

стр. 139

العلاقة التي لم يكن من السهل توضيحها في صدر هذا الحديث، عندما كنا نحاول تحديد وجه التشبيه والمقارنة بكلمة ديمقراطية مأخوذة في معناها الاشتقاقي، أي باعتبار المشروع الديمقراطي على أنه مجرد مشروع تسليم سلطات إلى الشعب بمقتضى نصوص دستورية معينة. وهكذا يظهر أيضاً بوضوح أكثر، الخطأ الذي نقع فيه عندما نستعير من بلاد معينة دستوراً ديمقراطياً جاهزاً، لأننا في مثل هذه الحالة لا ننقل مع النصوص الدستورية المستعارة كل الأُسس النفسية، والتجربة التاريخية التي أملت هذه النصوص في بلاد مولدها، كأنما نقوم بمشروع ديمقراطي على غير أساس في صميم الواقع. إن هذه الملاحظات تتيح لنا، منذ الآن، التقرير بشرعية الحديث عن (الديمقراطية في الإسلام) كما وردت عبارتها في عنوان هذا الحديث. ولكن يجب أن نتساءل، كيف تتحقق هذه الديمقراطية المؤسسة بالصورة التي بيَّناها في عالم النفس المتصل بالضمير والشعور، كيف تتحقق في عالم الواقع المحسوس، في الأعمال الخاصة والعامة، في نطاق الأفراد والحكومات، وفي حياة النظم والمنظمات؟ وبالخصوص يجب أن نتساءل، هل تكفل هذه الديمقراطية ما تكفله الديمقراطية اللائكية للفرد من حقوق وحريات سياسية، ومن ضمانات اجتماعية؟ هذا هو الجانب الآخر، الجانب الموضوعي، وقد يلاحظ أن مبررات هذا الفصل، يجب أن تكون مستقاةً من واقع المسلمين اليوم، لا من نصوص دينهم. ولكن ليس لهذه الملاحظة إلا قيمةً شكليةً، لأننا عندما ندرس ديمقراطية أثينا، على وجه المثال، فإننا لا نبحث عن مبرراتها في واقع الشعب اليوناني

стр. 140

اليوم، دون أن يعني هذا، أن الجيل اليوناني المعاصر قد فقد القيم التي تميزت بها الديمقراطية في عصر أفلاطون. فلا حرج إذن في اعتبار الديمقراطية في الإسلام، لا في الزمن الذي تحجرت فيه التقاليد الإسلامية وفقدت فيه إشعاعها، كما هو شأنها اليوم بصورة عامة. ولكن في زمن تخلقها ونموها في المجتمع. فمما يتعارف عليه الناس ويؤكده التاريخ، فإن التقاليد الإسلامية نشأت في زمن الرسول ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين. فإذا اتفقنا على وجهة النظر هذه؛ وهي وجهة نظر فقهاء الإسلام، فالمشروع الديمقراطي الذي وضعه الإسلام، قد أخذ طريقه للتحقيق نحو الأربعين سنة تقريباً. ففي هذه المدة، وضعت كل الأصول النفسية التي تقدم ذكرها تكملها وتدعمها مقدمات جديدة، لتكون الأساس المعنوي للديمقراطية الإسلامية. فإحدى هذه المقدِّمات يجب ذكرها بالخصوص، لأنها تكمل تقويم الإنسان في نقطة رئيسية تتصل بالعبد في المجتمع الإسلامي. إننا نعلم، أن ديمقراطية أثينا لم تعطِ أي أهمية لهذه القضية؛ قضية الرقيق، إلا من الوجهة الانتفاعية حيث كان الرقيق من مقومات النظام الاقتصادي، حتى إن أحداً لم يفكر في إطار هذا النظام في وضع مبدأ لتحرير الرقيق فيكتمل بذلك تقويم الإنسان فيه. بينما يأتي الإسلام فيقرر هذا المبدأ بكل وضوح: فيشمل بذلك تقويمه الإنسان الذي وقع في قيد الرق، بمقدمات أو أصول فقهية نجدها في القرآن وفي السُّنة، وتكون في الواقع تشريعاً لعتق الرقيق بصورة تدريجية.

стр. 141

ومن بين هذه المقدمات التي يمكن ذكرها، قوله : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ... ﴾ [البلد: ٩٠/ ١٠ - ١٣]. فهذا التقريع للإنسان الحرّ كأنما يهدف إلى وضع قضية الرقيق في ضميره، كي تأخذ هكذا طريقها إلى الحلّ، أي طريق التحرير التدريجي. وهذا التوجيه العام يظهر في آيات أخرى، كالآية التي تحدد موضوع الصدقات حيث يقول : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ٩/ ٦٠]. كما يظهر أيضاً في الأحاديث مثل قوله ﷺ : «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النّار». وفي قوله ﵊: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه». وفي حديث آخر حيث يوصي ﷺ بشأن الرقيق: «إنهم إخوانم وضعهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون». وفي حديث يقول فيه رسول الله ﷺ : «أوصاني حبيبي جبريل بالرفق بالرقيق، حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم». فهذه النصوص كلها تكمل، من نواح مختلفة، التقويم الأساسي للإنسان، التقويم الذي يقوم عليه- كما قدمنا- المشروع الديمقراطي، تكميلاً يجعل هذا المشروع يضم في خطوطه العامة مصير الرقيق إلى مصير الإنسان الحر، وبحيث يضيف الرقيق إلى عالم الآخرين، أي عالم الأشخاص بعد أن كان من عالم الأشياء، وذلك لأول مرة في التاريخ.

стр. 142

ثم يذكر النبي ﵊، هذه التوجيهات كلها في حجة الوداع، في خطبته بهذه المناسبة، وهي الخطبة التي وضعت فيها ظروف هذه الحجة وملابسات التاريخ معنى الوصية الروحية التي خلفها الرسول لمن يأتي بعده من أجيال المسلمين. ومعنى التصريح بحقوق الإنسان حيث يقول ﵊: «يا أيّها الناس إن ربّكم واحد. وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر، فضلٌ إلا بالتقوى ... ». فهذا الحديث يكمل في مناسبة يملؤها الجلال والتأثير، فلسفة ومنهج الإنسان في المشروع الديمقراطي الإسلامي. ولكن إذا كانت لهذا المشروع هذه الأسس النظرية، فلا بد أن يكون له من ناحية أخرى، آثاره الملموسة في صيم الواقع: في الأعمال الفردية والحقوق والضمانات التي يتمتع بها الفرد، وفي الأعمال الصادرة من الحكم وفي امتيازاته، وحدود سلطته، وفي كيفية تكوينه أو صورة شرعيته، أي في جميع الصفات الظاهرة للديمقراطية. ولا شك أن لهذه الآثار وضوحاً أكثر، في فترة التخلق الدستوري، التي تصب خلالها النصوص النظرية في الحقائق الاجتماعية، في أعمال وسلوك الجيل الذي وضع المشروع الديمقراطي الإسلامي في طريق التحقيق، من اليوم الذي أشرقت فيه الهداية المحمدية إلى يوم صفين. وتأثير المبادئ في هذا المجتمع الناشئ يظهر أكثر ما يظهر في الجانب المحسوس، كما تظهر حدودها المتصلة بهذا الجانب في واقع الحياة الاجتماعية.

стр. 143

فمدى تأثير المبادئ يظهر فعلاً مع حدودها في واقع الحياة، في الفترة المطابقة لطور التخلق والتكو ين الديمقراطي. وإذا راجعنا هذا الطور، سنجد عدة مبادئ نظرية مع حدودها في التطبيق، كالمبدأ الذي يؤسس الحكم الإسلامي على طاعة المحكومين لأولي الأمر، كما ورد في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. ﴾ [النساء: ٤/ ٥٩]. فهذا المبدأ يقرر، طبقاً للنص، امتيازات الحكم. ولكن في اليوم ذاته، الذي يستم فيه عمر رضي الله تعالى عنه مقاليد هذا الحكم نراه يبيّن هو نفسه الحدود، الواقعية للمبدأ النظري، إذ يبيّن للمؤمنين الذين بايعوه، أي عاهدوه على الطاعة، حدود هذه الطاعة في خطبته المشهورة: (( .. من رأى منكم فيَّ اعوجاجاً فليقومني .. )). فنرى هكذا، كيف تتصور فكرة الحكم، في ضمير حاكم في اللحظة البارزة من التاريخ الإسلامي، التي يستلم فيها مقاليد الديمقراطية الإسلامية. ولكن هذه اللحظة تعطينا أيضاً صورة لفكرة الطاعة في ضمير محكوم، إذ نرى أعرابياً يرد على الخليفة فيقول: ((والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناك بسيوفنا)). إننا نرى الطاعة والحكم محدودين بالاعتبارات نفسها في ضمير المواطن البسيط وضمير رجل الدولة. وهكذا تبرز في صميم الواقع الذي سجّله التاريخ، فكرة الحاجزين اللذين وضعهما الإسلام على يمين وشمال المسلم، في طريقه نحو تحقيق الديمقراطية

стр. 144

الإسلامية، كما بيَّنا، حتى أنه في مقابل الشعار الذي رفعته الثورة الفرنسية (لا نريد ربّاً ولا سيّداً)، يمكنه أن يعلن شعار الثورة الإسلامية (لا نريد عبودية ولا استعباداً). وكذلك تبرز في هذه الفترة الخلاقة المبادئ لتي تحمي الحريات المعنوية، فحرية الضير تبرز في هذه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٦]. أما حرية العمل والتنقل، فإنها مقررة في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .. ﴾ [الملك: ٦٧/ ١٥]. أما حرية التعبير، فإنها دخلت في العرف منذ الأيام الأولى من العهد الإسلامي، فالنَّبي ﵊ كان يعود أصحابه على مناقشة آرائه وتقاريره، ففي يوم بدر، نراه ﷺ يحدد ميدان المعركة في المكان الذي ظهر له الأنسب لذلك، ولكن أحد أصحابه من الأنصار اقترح مكاناً غيره، قد ظهر له أصلح بالنسبة إلى الحاجة الحربية، وتقول السُّنة التي تروي لنا هذا الخبر، أن النَّبي ﵊ قد عدل رأيه طبقاً لوجهة نظر صاحبه، وقد شرع هكذا سنة نجد أثرها البليغ في توجيه الرأي الإسلامي فيها بعد، كما نرى ذلك في قضية تحديد الصداق مثلاً، عندما أراد عمر في أيامه أن يضع حدّاً أعلى لتقدير المهور، حتى يتيسر الزواج لكل مسلم، فأبدى رأيه في الموضوع على المنبر، ولكن امرأة عجوز خالفته في الرأي مستشهدة بآية تترك تحديد الصداق إلى تقدير الزوجين أنفسهم، وما كان موقف الخليفة إلا أن قال: ((أصابت امرأة وأخطأ عمر)). وكذلك يقرر القرآن مبدأ حصانة المنزل، في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 145

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٤/ ٢٧]. ولكن هذا التوجيه العام، الذي يقرر ويحمي الحريات الفردية في كل اتجاه، يضع في الوقت نفسه الحدود اللازمة لهذه الحريات في حديث مشهور، إذ يقول ﵊ كما رواه البخاري: «مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً. وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً». فهذا الحدّ الموضوع لكل حريةٍ فرديةٍ في ظروفٍ معينة، يكون أساساً مهمّاً في التشريع الإسلامي، حيث تقدم فيها مصلحة المجتمع على مصلحة الأفراد. ولكن العمل يجري على أساس التخفيف الأدبي والمادي من حدة الاستثناء المسلط على حريات الفرد في مثل هذه الظروف. ومما يحكي بهذا الصدد: ((أن امرأةً يهوديةً أرادت أن تحتفظ بملك لها يقع داخل الحدود التي عيّنها التخطيط لبناء مسجد عمر في بيت المقدس، فأراد القائم بالمشروع تنفيذ المخطط دون التفات إلى وجهة نظر المدعية، على اعتبار أسبقية المصلحة العامة، ولكن المدعية رفعت قضيتها إلى الخليفة الذي أوفاها رغبتها)) .. وربما كانت وجهة نظره مقررة على أساس أن بناء مسجد لا يكون مصلحة عامة بالنسبة إلى يهودية. وهذه المعاملة في القضاء الإسلامي، تدخل أولاً في نطاق التقويم العام للإنسان، بصفته إنساناً وضع في طينته التكريم، بقطع النظر عن كونه رجلاً أو امرأةً، مسلماً أو يهودياً، ثم يحددها ما ورد في نطاق القضاء، في قوله : ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٤/ ٥٨].
следующие страницы →