← Общие книги

Общие книги · id 32674

القضايا الكبرى

مالك بن نبي

Полный текст (213 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن بين هذه المقدمات التي يمكن ذكرها، قوله : ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ... ﴾ [البلد: ٩٠/ ١٠ - ١٣]. فهذا التقريع للإنسان الحرّ كأنما يهدف إلى وضع قضية الرقيق في ضميره، كي تأخذ هكذا طريقها إلى الحلّ، أي طريق التحرير التدريجي. وهذا التوجيه العام يظهر في آيات أخرى، كالآية التي تحدد موضوع الصدقات حيث يقول : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ٩/ ٦٠]. كما يظهر أيضاً في الأحاديث مثل قوله ﷺ : «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النّار». وفي قوله ﵊: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه». وفي حديث آخر حيث يوصي ﷺ بشأن الرقيق: «إنهم إخوانم وضعهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون». وفي حديث يقول فيه رسول الله ﷺ : «أوصاني حبيبي جبريل بالرفق بالرقيق، حتى ظننت أن الناس لا تستعبد ولا تستخدم». فهذه النصوص كلها تكمل، من نواح مختلفة، التقويم الأساسي للإنسان، التقويم الذي يقوم عليه- كما قدمنا- المشروع الديمقراطي، تكميلاً يجعل هذا المشروع يضم في خطوطه العامة مصير الرقيق إلى مصير الإنسان الحر، وبحيث يضيف الرقيق إلى عالم الآخرين، أي عالم الأشخاص بعد أن كان من عالم الأشياء، وذلك لأول مرة في التاريخ.

стр. 142

ثم يذكر النبي ﵊، هذه التوجيهات كلها في حجة الوداع، في خطبته بهذه المناسبة، وهي الخطبة التي وضعت فيها ظروف هذه الحجة وملابسات التاريخ معنى الوصية الروحية التي خلفها الرسول لمن يأتي بعده من أجيال المسلمين. ومعنى التصريح بحقوق الإنسان حيث يقول ﵊: «يا أيّها الناس إن ربّكم واحد. وإن أباكم واحد. كلكم لآدم وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميّ على عربيّ، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر، فضلٌ إلا بالتقوى ... ». فهذا الحديث يكمل في مناسبة يملؤها الجلال والتأثير، فلسفة ومنهج الإنسان في المشروع الديمقراطي الإسلامي. ولكن إذا كانت لهذا المشروع هذه الأسس النظرية، فلا بد أن يكون له من ناحية أخرى، آثاره الملموسة في صيم الواقع: في الأعمال الفردية والحقوق والضمانات التي يتمتع بها الفرد، وفي الأعمال الصادرة من الحكم وفي امتيازاته، وحدود سلطته، وفي كيفية تكوينه أو صورة شرعيته، أي في جميع الصفات الظاهرة للديمقراطية. ولا شك أن لهذه الآثار وضوحاً أكثر، في فترة التخلق الدستوري، التي تصب خلالها النصوص النظرية في الحقائق الاجتماعية، في أعمال وسلوك الجيل الذي وضع المشروع الديمقراطي الإسلامي في طريق التحقيق، من اليوم الذي أشرقت فيه الهداية المحمدية إلى يوم صفين. وتأثير المبادئ في هذا المجتمع الناشئ يظهر أكثر ما يظهر في الجانب المحسوس، كما تظهر حدودها المتصلة بهذا الجانب في واقع الحياة الاجتماعية.

стр. 143

فمدى تأثير المبادئ يظهر فعلاً مع حدودها في واقع الحياة، في الفترة المطابقة لطور التخلق والتكو ين الديمقراطي. وإذا راجعنا هذا الطور، سنجد عدة مبادئ نظرية مع حدودها في التطبيق، كالمبدأ الذي يؤسس الحكم الإسلامي على طاعة المحكومين لأولي الأمر، كما ورد في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. ﴾ [النساء: ٤/ ٥٩]. فهذا المبدأ يقرر، طبقاً للنص، امتيازات الحكم. ولكن في اليوم ذاته، الذي يستم فيه عمر رضي الله تعالى عنه مقاليد هذا الحكم نراه يبيّن هو نفسه الحدود، الواقعية للمبدأ النظري، إذ يبيّن للمؤمنين الذين بايعوه، أي عاهدوه على الطاعة، حدود هذه الطاعة في خطبته المشهورة: (( .. من رأى منكم فيَّ اعوجاجاً فليقومني .. )). فنرى هكذا، كيف تتصور فكرة الحكم، في ضمير حاكم في اللحظة البارزة من التاريخ الإسلامي، التي يستلم فيها مقاليد الديمقراطية الإسلامية. ولكن هذه اللحظة تعطينا أيضاً صورة لفكرة الطاعة في ضمير محكوم، إذ نرى أعرابياً يرد على الخليفة فيقول: ((والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناك بسيوفنا)). إننا نرى الطاعة والحكم محدودين بالاعتبارات نفسها في ضمير المواطن البسيط وضمير رجل الدولة. وهكذا تبرز في صميم الواقع الذي سجّله التاريخ، فكرة الحاجزين اللذين وضعهما الإسلام على يمين وشمال المسلم، في طريقه نحو تحقيق الديمقراطية

стр. 144

الإسلامية، كما بيَّنا، حتى أنه في مقابل الشعار الذي رفعته الثورة الفرنسية (لا نريد ربّاً ولا سيّداً)، يمكنه أن يعلن شعار الثورة الإسلامية (لا نريد عبودية ولا استعباداً). وكذلك تبرز في هذه الفترة الخلاقة المبادئ لتي تحمي الحريات المعنوية، فحرية الضير تبرز في هذه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٦]. أما حرية العمل والتنقل، فإنها مقررة في قوله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ .. ﴾ [الملك: ٦٧/ ١٥]. أما حرية التعبير، فإنها دخلت في العرف منذ الأيام الأولى من العهد الإسلامي، فالنَّبي ﵊ كان يعود أصحابه على مناقشة آرائه وتقاريره، ففي يوم بدر، نراه ﷺ يحدد ميدان المعركة في المكان الذي ظهر له الأنسب لذلك، ولكن أحد أصحابه من الأنصار اقترح مكاناً غيره، قد ظهر له أصلح بالنسبة إلى الحاجة الحربية، وتقول السُّنة التي تروي لنا هذا الخبر، أن النَّبي ﵊ قد عدل رأيه طبقاً لوجهة نظر صاحبه، وقد شرع هكذا سنة نجد أثرها البليغ في توجيه الرأي الإسلامي فيها بعد، كما نرى ذلك في قضية تحديد الصداق مثلاً، عندما أراد عمر في أيامه أن يضع حدّاً أعلى لتقدير المهور، حتى يتيسر الزواج لكل مسلم، فأبدى رأيه في الموضوع على المنبر، ولكن امرأة عجوز خالفته في الرأي مستشهدة بآية تترك تحديد الصداق إلى تقدير الزوجين أنفسهم، وما كان موقف الخليفة إلا أن قال: ((أصابت امرأة وأخطأ عمر)). وكذلك يقرر القرآن مبدأ حصانة المنزل، في الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 145

الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٤/ ٢٧]. ولكن هذا التوجيه العام، الذي يقرر ويحمي الحريات الفردية في كل اتجاه، يضع في الوقت نفسه الحدود اللازمة لهذه الحريات في حديث مشهور، إذ يقول ﵊ كما رواه البخاري: «مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً. وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً». فهذا الحدّ الموضوع لكل حريةٍ فرديةٍ في ظروفٍ معينة، يكون أساساً مهمّاً في التشريع الإسلامي، حيث تقدم فيها مصلحة المجتمع على مصلحة الأفراد. ولكن العمل يجري على أساس التخفيف الأدبي والمادي من حدة الاستثناء المسلط على حريات الفرد في مثل هذه الظروف. ومما يحكي بهذا الصدد: ((أن امرأةً يهوديةً أرادت أن تحتفظ بملك لها يقع داخل الحدود التي عيّنها التخطيط لبناء مسجد عمر في بيت المقدس، فأراد القائم بالمشروع تنفيذ المخطط دون التفات إلى وجهة نظر المدعية، على اعتبار أسبقية المصلحة العامة، ولكن المدعية رفعت قضيتها إلى الخليفة الذي أوفاها رغبتها)) .. وربما كانت وجهة نظره مقررة على أساس أن بناء مسجد لا يكون مصلحة عامة بالنسبة إلى يهودية. وهذه المعاملة في القضاء الإسلامي، تدخل أولاً في نطاق التقويم العام للإنسان، بصفته إنساناً وضع في طينته التكريم، بقطع النظر عن كونه رجلاً أو امرأةً، مسلماً أو يهودياً، ثم يحددها ما ورد في نطاق القضاء، في قوله : ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٤/ ٥٨].

стр. 146

ولا ريب أن آثار المبادئ الظاهرة بكل وضوح في الأعمال والمواقف، تظهر خلال الفترة التي يدخل فيها المشروع الديمقراطي الإسلامي في قيد التحقيق. فإذا وجدنا في الآية السابقة النص النظري الذي تقوم عليه عدالة القضاء الإسلامي، فإننا نجد في وثيقة أخرى الصورة الواقعية لهذه العدالة، فهذه الوثيقة التاريخية التي من شأن القضاء الإسلامي أن يعتزّ بها، هي وصية عمر ﵁ للقاضي أبي موسى الأشعري، الذي كان بمثابة النائب العام للجمهورية في أيامنا، إذ يقول له: ((آسِ- أو ساو- بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييأس ضعيفٌ من عدلك)). إن هذه الوصية لم تبق رسالة مهملة، بل كان أثرها بليغاً في الواقع. كما تدلُّ على ذلك الأمثال الكثيرة في عهد التخلق الديمقراطي الإسلامي. وهذه التفاصيل كلها، تكون في الحقيقة السمات العامة لا يسمى ديمقراطية سياسية، أي سمات النظام الذي يمنح الفرد الضمانات اللازمة ضدّ كل تعدّ من جانب الحكم. والإسلام نظام من هذا النوع حتى في الصورة الشكلية، التي يتكون عليها الحكم الإسلامي، حيث إن رئيس الدولة يستلم سلطاته بمقتضى مبايعة الأمة- أو الشعب كما نقول اليوم- ممثلةً في بعض الرجال البارزين خلقاً وعقلاً، يمثلون هيئة على نمط مجلس شيوخ، يعينون الخليفة بالمبايعة طبقاً لمبدأ الشورى الذي يقرره القرآن بصورة خاصة، عندما يوصي النّبي ﷺ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٥٩]. أو بصورة عامة ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٢/ ٣٨]. فعلى هذه الاعتبارات، يصح القول بأن الحكم الإسلامي ديمقراطي في مصدره وفي عمله، كما قدمنا. والإسلام يتضن كل السمات التي تطبع الديمقراطية

стр. 147

السياسية، التي تمنح الفرد مسؤولية في تأسيس الحكم والضمانات اللازمة التي تحميه من جور هذا الحكم. ولكن التجربة التي تجري للديمقراطية السياسية في العالم منذ عهد الثورة الفرنسية، تدلُّ على ضعف حريات الفرد، في الواقع، عندما لا تحميه في الوقت نفسه الضمانات الاجتماعية التي تكفل حريته المادية. ولقد رأينا في البلاد المتطورة، كيف يصبح (المواطن الحر) عبداً مجهولاً لمصالح كبيرة تتحد ضده، وكم تضيع عليه بهذا السبب المنافع المنتظرة التي يمنحها إياه، بصورة نظرية، تصريح بحقوق الإنسان ودستور لا يكون لهما أثر ظاهر في حياته. كما رأينا، كيف أن البلاد التي يحدث فيها هذا الاختلاف بين القيم السياسية والقيم الاجتماعية، تعاني صراع الطبقات الذي ربما ينتهي إلى تأسيس نوع من الديمقراطية، يعطي (المواطن) الضمانات الاجتماعية اللازمة. ولكن على حساب حرياته السياسية. ولكن الإسلام تلافى هذا المعوق، لأنه أتى لمشكلات الحياة المادية المتصلة بالنظام الاقتصادي، بالحلول المناسبة، دون أن يمسّ الفرد في حرياته الذاتية. وعليه، فالإسلام يبدو وكأنه جمع موفق بين مزايا الدطقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية. فالتشريع الإسلامي يتمم فعلاً السمات السياسية التي قدمناها، بسمات ديمقراطية أخرى، متصلة بالجانب الاقتصادي. فالمشروع الديمقراطي، في المجال الاقتصادي، يقوم على مبادئ عامة، تهدف إلى توزيع الثروة حتى لا تصبح دُولة بين أيدي بعض المترفين.

стр. 148

فعندما يقرر القرآن الزكاة، فإنه يضع أساس تشريع اجتماعي عام، قبل أن تدرج في العالم الأفكار الاجتماعية التي ألفناها فيه اليوم. فعندما يصف الرسول ضرورة هذا المبدأ، فإنه يصفه بمبررات تزعم الاشتراكية أنها تنفرد بها اليوم، حيث يقول ﵊: «إن الله اقتطع من أموال المسلمين الأغنياء نصيباً هو نصيب الفقراء، لأن الفقراء، لا يجوعون ولا يعرون إلا بسبب الأغنياء)). وهذا المبدأ، كالمبادئ التي يقررها القرآن والسُّنة، لا تحققه أعمال الأفراد فحسب- حيث أن كل مسلم يحاول القيام بهذا الواجب حتى في أيامنا- بل أعمال الحكم أيضاً، وآثاره المرئية تظهر في التوجيهات الحكومية في عهد التخلق الديمقراطي وفي السيرة، حيث نجد هذه الآثار واضحة؛ فعمر رضي الله تعالى عنه سمع مولوداً يبكي، وقد علم أنه يبكي لأن أمه قد فطمته، لتحصل على منحة يدفعها بيت المال للأمهات اللواتي فطمن أولادهن، فأذاع الخليفة في المدينة لائحةً خاصةً بالأمهات المرضعات، يقول لهن: ((ألا لا تعجلوا صبيانكم على الفطام فإنا نفرض لكل مولودٍ في الإسلام)). فهذه اللائحة تعطينا فكرة عن تنظيم الحضانة الرسمية للأطفال، هذه الحضانة التي لم تتحقق بهذه الصورة حتى اليوم في أوروبا، إذ أن مثل هذه المنح عندما تدفعها حكومة أوروبية، فإنها لا تكون باسم الطفل مباشرة، كالمنحة التي يقدمها بيت المال في زمان عمر، وإنما تقدمها باسم (منحة الأمومة)، فالنتيجة واحدة لا شك، ولكن بين الطريقتين شيء من الاختلاف يميز الطريقة الإسلامية في العهد الديمقراطي. ولا شك أننا نعجب بهذا المثل، لا يبدو فيه لرجل الدولة مثل عمر من سمو الضمير، ومن اهتمام بواجباته نحو الجمهور، ولكن في مناسبة أخرى نرى أن الجمهور

стр. 149

نفسه يشعر بحقوقه، كما يتبين من خلال قصة المرأة المسكينة التي أبدت استياءها من الفقر، راميةً عمر بأسبابه، حتى تتهمه دون أن تدري أنها تتحدث معه، بالإهمال في شؤون الأمة. إننا في الواقع لسنا أمام ضمير خليفة في حالة، وضمير امرأة مسكينة في حالة أخرى، بل نشعر بأننا أمام الضمير الديمقراطي الذي صاغه الإسلام. وأن ما يتحرك في هذا الضمير أو ذاك، إنما هو الشعور بالقيمة الأساسية التي قدر بها الإنسان، ووضعت في ضمير المسلم كأساس لكل البناء الإسلامي، في الجانب الأخلاقي والسياسي والاجتماعي. ثم يقرر الإسلام مبدأ آخر يضعه كأساس لبناء الاقتصاد؛ وهو مبدأ تحريم الرِّبا. فكان لهذا التحريم الأثر الكبير في تحديد صورة الاقتصاد الإسلامي، بحيث أضفى عليه من اللحظة الأولى الطابع الديمقراطي، لأنه لم يسمح بالتجارة في المال والنقود التي تقوم على مبدأ الرِّبا، وتحتكرها بعض البنوك. وبذلك لم يتح للمال أن يحقق لطبقة معينة أو لبعض الأفراد، السلطة المطلقة على الحياة الاقتصادية، كما يحدث في النظام الرأسمالي. إذ يتيح الرِّبا السلطة التامة للاحتكار على التجارة، وللتكتل المالي على الصناعة بواسطة البنك الذي يحقق تركيز رأس المال، أي سلطة المال إلى أكبر درجة ممكنة، بالنسبة إلى إمكانيات عصر معين. فالتشريع الإسلامي، أعفى الاقتصاد من سلطة الدرهم المطلقة، تلك السلطة التي أحدثت في البلاد المتطورة أزمات اجتماعية تواجهها أحياناً بالثورات العنيفة. وربما يجب القول، بأن هذا التشريع لم يخفف من حدّة الدرهم في مجال الاقتصاد فحسب، بل خفف من حدته في المجال الروحي إذا صحَّ التعبير، حتى

стр. 150

إنه يعفي المجتمع من الأزمة الأخلاقية .. المتفشية اليوم في الحياة التي تستضيء بأضواء الحضارة الغربية .. فالإسلام لم يقاوم فقط الاحتكار الكبير الذي يقلل كمية المنتجات حتى ترتفع أسعارها في السوق، بل يقاوم كل احتكار يؤدي على أي طريقة إلى ارتفاع الأسعار. إن كل وسيط بين المنتج والمستهلك يخفي صورة الاحتكار الذي يكون المستهلك ضحيته، فالوسيط ضرب من الطفيلية في مجال الاقتصاد. ولكن التشريع الإسلامي يدين كل ضرب من الطفيلية، يدل على ذلك الحديث المروي عن أبى هريرة رضي الله تعالى عنه، حيث يقول: ((نهى النبي ﷺ عن التلقي، وأن يبيع حاضرٌ لبادٍ)). فهذا الحديث يفيد، بروحه إن لم يكن بحرفه، استنكار الاحتكار حتى في صورته المصغرة، حيث أن البادي لو باع بضاعته بنفسه، لباعها بسعر اليوم، أما الحاضر فإنه يمكنه إرجاء البيع إلى ما بعد، لأنه من سكان المدينة، وفي إمكانه عرض البضاعة في السوق في الوقت المناسب، أي في الوقت المناسب له على حساب المستهلك. فالإسلام يدين هذه الطفيلية؛ ولا يسمح كذلك ببيع المأكولات التي ليست بعد في حوزة البائع، كما يدلُّ على ذلك الحديث المروي عن أنس بن مالك، إذ يقول: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهر أي تحمر، فقال: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟)). فهذه العناصر التشريعية التي تكون الجانب الاجتماعي في الديمقراطية الإسلامية، قد كان لها أثرها الظاهر في الواقع المحسوس الخاص بالمجتمع الإسلامي، وقد أثرت على نموه المادي، طبقاً للهدف المزدوج الذي استهدفه الشرع، حتى

стр. 151

لا يقع المسلم في وضع العبد الذي تستعبده الأوضاع الاقتصادية، أو أن يصبح الرجل المستبد وبيده صولجان الذهب. وهكذا يتبيَّن، أن المبادئ التي قررها الإسلام في المجال السياسي والمجال الاجتماعي، ووضعها في أساس ما يمكن أن نطلق عليه (الديمقراطية الإسلامية)، قد تحققت فعلاً في واقع المسلمين. وقد كان أثرها حقيقياً في سلوك الأفراد وفي أعمال الحكم، على الأقل في فترة التخلق الديمقراطي التي عرفنا فيما سبق حدودها الزمنية في التاريخ الإسلامي. ولا شك أن التقويم الأساسي للإنسان الذي قام عليه المشروع الديمقراطي في الإسلام، هو السبب الجوهري في هذا التحويل الذي حول المبادئ النظرية إلى حقائق اجتماعية ملموسة. فقبل أن يذيع عمر اللائحة الخاصة بالأمهات المرضعات التي أشرنا إليها، أي قبل أن يصدر الحاكم أمره فقد كان الإنسان الذي يعود إلى نفسه في لحظة يراجع فيها ضميره فترتفع منه تلك الصرخة المثيرة التي سجلها التاريخ في آثار ابن الخطاب إذ صرخ ((يا بؤساً لعمر كم قتل من أولاد المسلمين)) (١). فلكي نعطي هذا الفصل قيمته، يجب ألا نتصور اطراده في الزمان، حيث يبدو أن العامل الحكومي قد سبق، بإصدار اللائحة التي أشرنا إليها، العامل الأخلاقي بل أن نتصوره أولاً في الضمير الذي كان يحتوي صرخة عمر قبل أن يصدر أمره الحكومي، الذي يسجل في النظام الإداري في صورة لائحة، الأثر الظاهر لنظام خلقي تحويه نفسه.

стр. 152

فهذا الاطراد هو في الواقع اطراد للشعور الأساسي نحو الـ (أنا) ونحو الآخرين، الشعور الذي وضعت بذوره في الضمير الإسلامي في صورة تقويم جديد للإنسان كما بيَّنا. فالطفل الذي لا زال في ثدي أمه، ليس في نظر عمر، سوى الرجل المحرد أو (المواطن) المتوقع، فالخليفة لا يرى فيه مجرد إنسانيته أو مجرد حضور المجتمع في شخصه، بل يرى فيه أكثر من ذلك، يرى فيه حضور القيمة التي لا تقدر، والتي وضعها الله في جوهره قبل أن يولد في هذا العالم، وقدرها يوم كرم آدم. يجب أن نعترف، بأن الشيء الذي يمكن التعبير عنه، بمصطلح اليوم بالروح الديمقراطي الإسلامي، إنما يحمل في جوهره سمة القداسة، والتاريخ قد يبين تأثير المبادئ عندما يضفى عليها شيء من القداسة. ولقد لاحظ القارئ لا شك، أن الأمثال التي أوردناها هنا قد انتقيناها من الفترة التاريخية التي بيَّنا حدودها الزمنية بين الهجرة وصفين. وربما تساءلنا عما حدث بعد صفين؟ وهل التفاصيل التي قدمناها ترتبط بصورة ما بواقع المسلمين اليوم؟ فهذان السؤالان ليسا في نطاق هذا الحديث، الذي يقتصر فقط على وصف الطابع الخاص بالعهد الديمقراطي الإسلامي، أي بالفترة التي تنتهي مع الخلفاء الراشدين، مع واقعة صفين، التي تمثل نقطة التحول في تاريخ العالم الإسلامي، والفاصل الذي منع المشروع الديمقراطي الإسلامي من أن يواصل سيره في التاريخ. ولكن هذا التحول لم يمح آثار هذا المشروع في النظام الإسلامي، لقد دامت

стр. 153

ظاهرة فيه فترة طويلة، حيث نجدها حتى بعد صفين في سلوك الأفراد وفي أعمال الحكم أحياناً. لا شك أن عهد معاوية مثلاً كان، من الوجهة التي تهمنا هنا، عهد تقهقر الروح الديمقراطي الإسلامي. ولكن إذا لاحظنا أن الطاغية المستبد قد ظهر من جديد في شخص الحاكم، يجب أن نلاحظ أن العبد لم يظهر بعد في شخص المحكوم ما دام متمسكاً بالروح الإسلامي، كما يدل على ذلك تفاصيل كثيرة خاصة بتلك الفترة، كالحوار الغريب الذي نشأ بين أبي ذرٍّ الغفاري ومعاوية، عندما كان هذا الأخير قائماً ببناء قصر الخضراء بدمشق، فكان الصحابي المشهور يؤنب الخليفة تأنيباً شديداً، فيقول له بهذه المناسبة: ((فإما أنك تبني هذا القصر بأموال المسلمين من دون حق لك فيها، وإما أن تبنيه من مالك وهو تبذير)) (١) فهذه الرقابة التي يفرضها الضمير الإسلامي على أعمال الحكم قد استمر أثرها في التاريخ الإسلامي، حتى بعد التقهقر الذي أشرنا إليه، ويمكن تفسير أحداث كبرى في التاريخ الإسلامي كظهور المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي، على أنها الصدى لاحتجاج الضمير الإسلامي ضد الاستبداد. ويمكن القول أن هذا الصدى لم ينقطع من الأحداث التي عبرت بصورة أم بأخرى عن استمرار الروح الديمقراطي الإسلامي عبر التاريخ قروناً طويلةً، حتى حدث فاصل آخر لا يمكن تحديد تاريخه بالضبط، ولكنه بلا ريب يتفق مع نهاية الحضارة الإسلامية. أي عندما ينتهي الإشعاع، الذي كونه التقويم الأساسي للإنسان، إذ بعدما انتهى أثره في أعمال الحكومة أي في السياسة، قد انتهى أيضاً في سلوك الأفراد أي في الأخلاق.

стр. 154

فإشعاع الروح الديمقراطية الذي بثه الإسلام، ينتهي أيضاً في العالم الإسلامي عندما يفقد أساسه في نفسية الفرد، أي عندما يفقد الفرد شعوره بقيمته وبقيمة الآخرين. ويجب أن نلاحظ أن الحضارة الإسلامية انتهت منذ الحين الذي فقدت في أساسها قيمة الإنسان. وليس من التطرف في شيء القول بصفة عامة أن الحضارة تنتهي عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان. لعله يمكن أن نستخلص من هذه الاعتبارات رأياً، فيما يخص مستقبل الديمقراطية في البلاد الإسلامية، فهذه البلاد تمر قطعاً بحالة إرهاصٍ تبشر بنهضة الروح الديمقراطية في هذه البلاد، حيث تجري تجارب ديمقراطية ملحوظة. ولكن هذه المحاولات لا تنجح إلا بقدر ما تضع في ضمير المسلم تقويماً جديداً للإنسان، أي بقدر ما تضع في ضميره قيمته وقيمة الآخرين حتى لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد.

стр. 155

٥ - إِنْتَاجُ الْمُسْتَشْرِقِينَ وَأَثَرُهُ فِي الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ الْحَدِيثِ ــ

стр. 156

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يجب أولاً أن نحدِّد المصطلح: إننا نعني بالمستشرقين الكتاب الغربيين الذين يكتبون عن الفكر الإسلامي وعن الحضارة الاسلامية. ثم علينا أن نصنف أسماءهم في شبه ما يسمى ((طبقات)) على صنفين: أ - من حيث الزمن: طبقة القدماء مثل جربر دوريياك والقديس توماس الأكويني، وطبقة المحدثين، مثل كاره دوفو وجولدتسهير. ب - من حيث الاتجاه العام نحو الإسلام والمسلمين لكتابتهم: فهناك طبقة المادحين للحضارة الإسلامية وطبقة المنتقدين لها المشوهين لسمعتها. هكذا، وعلى الترتيب يجب أن تقوم كل دراسة شاملة لموضوع الاستشراق، إلا أننا، من الوجهة الاجتماعية الخاصة التي تهمنا في هذا البحث وفي النطاق الضيق المحدد لهذه السطور، نختار عن قصد فصلاً خاصاً، اختياراً تبرره مبررات إلغائنا للفصول الأخرى. إنه لمن الواضح أن المستشرقين القدماء أثروا وربما لا يزالون يؤثرون على مجرى الأفكار في العالم الغربي دون أيما تأثير على أفكارنا، نحن معشر المسلمين، إن ما كتبوا كان قطعاً المحور الذي تحركت حوله الأفكار التي نشأت عنها حركة النهضة في أوروبا، بينما لا نرى لهم أي تأثير فيما نسميه النهضة الإسلامية اليوم. فلنترك إذن قضيتهم جانباً لمن تهمه دراسة التاريخ العام، كما نترك أيضاً قضية المنتقدين للحضارة الإسلامية المحدثين، حتى ولو كان لهم بعض الأثر في تحريك

стр. 157

أقلامنا، أو كان لهم بعض الصيت في زمنهم وبلادهم مثل (الأب لامانس)، إنهم لا يدخلون في موضوع بحثنا لأن إنتاجهم، على فرض أنه مسّ ثقافتنا إلى حد ما، إلا أنه لم يحرك ولم يوجّه بصورة شاملة مجموعة أفكارنا، لما كان في نفوسنا من استعداد لمواجهة أثره تلقائياً، مواجهة تدخلت فيها عوامل الدفاع الفطرية عن الكيان الثقافي، كما وقع ذلك في العهد الذي نشر فيه طه حسين كتابه (في الشعر الجاهلي)، على غرار ما تقتضيه مسلمة قدمها المستشرق مرجليوث قبل سنة من صدور كتاب طه حسين، الذي أثار تلك الزوبعة من السخط، التي تخللتها الصواعق المنطلقة من قلم مصطفى صادق الرافعي رحمه ّالله وأكرم مثواه. ولكننا على عكس ذلك، نجد للمستشرقين المادحين الأثر الملموس، الذي يمكننا تصوّره بقدر ما ندرك أنه لم يجد في نفوسنا أي استعداد لردّ الفعل، حيث لم يكن هناك، في بادئ الأمر، مبرر للدفاع الذي فقد جدواه وكأنما أصبح جهازه معطلاً لهذا السبب في نفوسنا. وموضوعنا هنا، هو أن نبيّن ما كان لهذه الثغرة في جهازنا للدفاع عن الكيان الثقافي، من أثر في تطور أفكار المجتمع الإسلامي منذ قرن، وأثناء هذا القرن العشرين على وجه الخصوص. ولا شك أن المستشرقين المادحين، مثل رينو الذي ترجم جغرافية أبي الفداء، في أواسط القرن الماضي، ومثل دوزي الذي بعث قلمه قرون الأنوار العربية في إسبانيا، ومثل سيدييو الذي جاهد جهاد الأبطال طول حياته، من أجل أن يحقق للفلكي والمهندس العربي أبي الوفاء لقب المكتشف لما يسمى في علم الهيأة (القاعدة الثانية لحركة القمر)، ومثل آسين بلاثيوس، الذي كشف عن المصادر العربية للكوميدية الإلهية، لا شك، أن هؤلاء العلماء كتبوا لنصرة الحقيقة العلمية، وللتاريخ، وكل ذلك من أجل مجتعهم الغربي.

стр. 158

ولكننا نجد، أن أفكارهم كان لها وقع أكبر في المجتمع الإسلامي، في طبقاته المثقفة. إن الجيل المسلم الذي أنتسب إليه، يدين إلى هؤلاء المستشرقين الغربيين بالوسيلة، التي كانت بين يديه لمواجهة مركب النقص، الذي اعترى الضمير الإسلامي أمام ظاهرة الحضارة الغربية. ولكننا إذا تصفحنا هذه القضية في ضوء خبرتنا الحديثة، وفي ضوء تجاربنا القريبة، نجد أن هذه الوسيلة، لم تقتصر نتائجها على الأثر المحمود في تطور أفكارنا وثقافتنا، بل كان لها أثر مرضي، هو الذي نريد طرحه كموضوع البحث في هذه السطور. فلكي نتصور هذا الأثر على صورته الحقيقية في مجتمعنا الإسلامي، يجب أن نعيد هذا النوع من الاستشراق إلى مصادره التاريخية. إن أوروبا اكتشفت الفكر الإسلامي في مرحلتين من تاريخها، فكانت في مرحلة القرون الوسطى، قبل وبعد توماس الأكويني، تريد اكتشاف هذا الفكر وترجمته من أجل إثراء ثقافتها، بالطريقة التي أتاحت لها فعلاً تلك الخطوات الموفقة، التي هدتها إلى حركة النهضة منذ أواخر القرن الخامس عشر. وفي المرحلة العصرية والاستعمارية، فإنها تكتشف الفكر الإسلامي مرة أخرى، لا من أجل تعديل ثقافي بل من أجل تعديل سياسي، لوضع خططها السياسية مطابقة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية، من ناحية، ولتسيير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه هذه السياسات في البلاد الإسلامية، لتسيطر على الشعوب الخاضعة فيها لسلطانها وربما انطبقت هذه المجهودات العلمية، في نفس أصحابها، على مجرد الاعتراف بفضل تلك الشعوب وبمساهمتها في تكوين الرصيد الحضاري الإنساني، ولا شك أن المستشرق سيدييو والعلامة غوستاف لوبون،

стр. 159

يتسمان في إنتاجهما بميزة العلم الخالص والاجتهاد المخلص للحقيقة العلمية. ولكن تجب هنا الملاحظة، بأن هذا اللقاء الجديد وقع في ملابسات تاريخية، لم يكن فيها العلم الإسلامي علماً حياً ينقل من أفواه الأساتذة مباشرة ومن كتبهم المعاصرة، بل أصبح أشبه شيء بعلم الآثار، يكتشفه الباحثون الأوروبيون بحكم الصدفة، ويصدقون، أولاً يصدقون في نقله، ثم ينسبونه لأصحابه من العلماء المسلمين، أو ينسبونه لأنفسهم أو لأحد الأوروبيين، فهكذا كانت اكتشافات كبرى تنسب لغير أصحابها، مثل دورة الدم الصغرى للإنجليزي وليام هارفي بينما كان صاحبها، الطبيب المسلم ابن النفيس يعيش قبله بأربعة قرون. كما تجب الملاحظة أيضاً، أن العالم الإسلامي أصبح في هذه الملابسات يعاني الصدمة التي أصابته بها الثقافة الغربية، ويعاني بسببها على وجه الخصوص أثرين: مواجهة مركب نقص محسوس من ناحية، ومحاولة التغلب عليه من ناحية أخرى، حتى بالوسائل التافهة. لقد أحدثت هذه الصدمة، عند قبيل من المثقفين المسلمين، شبه شلل في جهاز حصانتهم الثقافية، حتى أدى بهم مركب النقص إلى أن ولوا مدبرين أمام الزحف الثقافي الغربي، وألقوا أسلحتهم في الميدان، كأنهم فلول جيش منهزم، في اللحظة التي بدأ فيها الصراع الفكري يحتدم بين المجتمع الإسلامي والغرب، فأصبح هذا القبيل من المثقفين يبحث عن نجاته في التّزَيّي بالزّي الغربي، وينتحل في أذواقه وسلوكه كل ما يتسم بالطابع الغربي، حتى ولو كان هذا الطابع ليس إلاّ مظهراً لا شيء وراءه من القيم الحضارية الغربية الحقيقية. وبدأت تظهر في الأفق الثقافي الإسلامي الفكرة الجديدة التي حركت، بعد حرب السباي (١٨٥٨م) بالهند، تأسيس جامعة عليكرة، وحركت، من

стр. 160

جانب آخر وضدّ هذا المشروع، باعث النهضة الإسلامية السيد جمال الدين الأفغاني. وهكذا أصبح الفكر الإسلامي على أثر الصدمة الثقافية التي اجتاحته، وما تسبب عنها من مركب نقص، ينحاز إلى معسكرين: أحدهما يدعو لتمثل الفنون والعلوم والأشياء الغربية- حتى اللباس- والآخر يحاول التغلب على مركب النقص بتناول حقنة اعتزاز يعلل بها النفس. فالتيار الأول، كان من الناحية العقلية، والسياسية والاجتماعية له أثره في لونين، اللون الذي يتمثل في تأسيس جامعة عليكرة، واللون الذي يتمثل في دعوة جمال الدين الأفغاني، مع تباين الأهداف وتشابه الوسائل التي كانت تفرض على العالم الإسلامي في كلتا الحالتين، تطوراً يؤدي به إلى (الشيئية) و (التكديس). وأما التيار الثاني- وهو موضوع حديثنا لاتصاله بإنتاج المستشرقين- فإنه وجد منحدره الطبيعي في أدب الفخر والتمجيد، الذي نشأ منذ القرن التاسع عشر، على أثر ما نشر علماء مستشرقون، أمثال دوزي، عن الحضارة الإسلامية. ولا يمكننا، على أية حال، أن نجعل بين التيارين فاصلاً قاطعاً، لأن الثاني منهما لا يكون مدرسة مستقلة عن الأول، بل نجده يخامر الفكر الإسلامي على العموم ويتخلل اتجاهه العام كفكر يبحث عن حقنة اعتزاز للتغلب على المهانة التي أصابته من الثقافة الغربية المنتصرة، كما يبحث المدمن عن حقنة المخدر التي يستطيع بها مؤقتاً إشباع حاجته المرضية. وهذا لا يجعلنا ننفي لهذا التيار، ولنوع الأدب الذي نتج عنه كل أثر حسن في مصير المجتمع الإسلامي، لأنه كان له نصيب لا يزهد فيه في الحفاظ على

стр. 161

شخصيته، والجيل الذي أنا منه يدين له بذلك النصيب، على الأقل في المحافظة على شخصيته الإسلامية. إنني على سبيل المثالى، قد اكتشفت وأنا بين الخامسة عشر والعشرين من العمر، أمجاد الحضارة الإسلامية في ترجمة دوسلان لمقدمة ابن خلدون، وفيما كتب دوزي عنها وأحمد رضا بعد الحرب العالمية الأولى. وإنني على إدراك تام لما أدين به لهذه المطالعات، وقد ذكرت ذلك في الجزء الأول من (مذكرات شاهد القرن)، والآن، وأنا قد تجاوزت الستين من العمر، أستطيع أكثر من ذي قبل، تقدير هذا العلاج للفكر وللضمير لا في النطاق الشخصي فحسب، بل في النطاق الشامل للمجتمع الإسلامي طيلة أربعين سنة بعد تجربتي، فأرى أن أقرر هنا، مع الاختصار اللازم لهذا الغرض أن مساوئ طريقة هذا العلاج تظهر لي بالتالي أكثر من حسناتها وذلك لأسباب متعددة. فالسبب الأول: لأنه بديهي نلاحظه في الآثار النفسية لأسلوب التكوين، أي البيداغوجية، بالنحو الذي نشير إليه بمثل بسيط: إننا عندما نتحدث إلى فقير، لا يجد ما يسد به الرمق في يومه، عن الثروة الطائلة التي كانت لآبائه وأجداده، إنما نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه، بوسيلة مخدر يعزل فكره مؤقتاً وضميره عن الشعور بها، إننا قطعاً لا نشفيها. فكذلك لا نشفي أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه، ولا شك أن أولئك الماهرين في فن القصص قد قصوا للأجيال المسلمة في عهد ما بعد الموحدين قصة ألف ليلة وليلة، وتركوا بذلك أثر كل سمر، نشوة تخامر مستمعيهم حتى يناموا فتنغلق أجفانهم على صورة ساحرة لماضٍ مترف.

стр. 162

ولكن سوف تستيقظ هذه الجماهير في الغد، فتنفتح أبصارهم من جديد، على مشهد الواقع القاسي الذي يحيط بها في وضعها الذي لا تغبط عليه اليوم. فالأدب، الذي ينشد (عصور الأنوار) للحضارة الإسلامية يؤدي أولاً هذين الدورين، أنه أتاح في مرحلة معينة الجواب اللائق للتحدي الثقافي الغربي وحافظ هكذا مع عوامل أخرى على الشخصية الإسلامية، ولكنه من ناحية أخرى، صبّ في هذه الشخصية الإعجاب بالشيء الغريب، ولم يطبعها بما يطابق عصر الفعالية والميكانيك. وليست هذه الملاحظة مجرد شيء عابر نمرّ عليه في هذا العرض مرّ الكرام، بل يجب أن نقف عندها بكل اهتمام وتأمل، ولذا كانت أهميتها تلوح لنا من الجانب الاجتماعي من دون أي تردد، فإنها تتخذ صورة أوضح إذا ما طرحناها على صعيد معركة الأفكار، التي تجتاح العالم اليوم بصورة عامة والمجتمع الإسلامي بصورة خاصة. وهنا تجب كلمة عن هذا المفهوم الذي نعنيه بـ (الصراع الفكري) في العالم الإسلامي، يجب أن نقرر مبدئياً هذه القاعدة العامة، ألا وهي أنه عندما يطرح مسلم أو بعض المسلمين مشكلةً ما تهمّ مجتمعهم، فإن هذه المشكلة تكون قد طرحت أو ستطرح عاجلاً في أوساط المتخصصين في هذه الدراسات لحساب وتحت إشراف الاستعمار (١).

стр. 163

وكلما يتقدم هذا المفكر المسلم أو هؤلاء المسلمون بحلّ لهذه المشكلة، يسرع من طرفهم أولئك الأخصائيون لدراسة هذا الحل، فإن كان خاطئاً، زادوا في شحنة خطئه بطريقة أو أخرى، وإن كان فيه بعض ما يفيد حاولوا كل جهدهم للتقليل من شأنه، وتخفيض قيمته حتى لا يفيد. هذه هي القاعدة العامة في الصراع الفكري الذي نشير إليه. ويترتب على هذا، أنه كلما لاحت في العالم الإسلامي أي بادرة ذات مغزى، ولو كانت لا تبصرها أعيننا، فإن مجهر أولئك الأخصائيين يلتقطها على الفور، ليجري عليها كل طرق التحليل (١)، وإذا وجدوا فيها أي اتصال بحركة الأفكار في العالم الإسلامي، تجري عليها كل عمليات التشريح، وتمرّ بكل أصناف التقطير، حتى

стр. 164

يبقى في محتواها الاجتاعي أقل ما يمكن من عوامل التيسير لصلاحيتها، وأكثر ما يمكن من عوامل التعسير، وانتفاء الصلاحية. ومن الواضح، أن من أكثر البوادر دلالة على اتجاه مجتمع ما، هو اتجاه أفكاره، فإما أن تكون متجهة إلى الأمام، إلى المستقبل، أو إلى الخلف، اتجاهاً متقهقراً، اتجاهاً ملتفتاً إلى الماضي بصورة مرضية. ومن دون أن نستمر إلى أبعد من هذا، في تحليل هذه الإحكامات الدقيقة للصراع الفكري فلنلقِ هذه الاعتبارات على موضوعنا بالذات، نعني أثر هذا النوع من أدب المدح والتمجيد والإطراء على سير الأفكار، واتجاهها في المجتمع الإسلامي المعاصر، فنرى على الفور الجانب الآخر لهذا الأدب، عندما يصير بين يدي أولئك الأخصائيين وسيلة عمل جهنمي في تحريك رحا الصراع الفكري المحتدم في بلادنا. إننا نرى اليوم مرأى العين هذا العمل الفتاك، ونرى أثره في كل تفاصيل حياتنا الفكرية، والسياسية والاجتماعية، وفي البلاد العربية حيث تكونت تجربتي وخبرتي كمواطن وككاتب وكصحافي. وليس كتاب كامل بكافٍ لسرد هذه التجربة. ولنذكر منها فقط، على سبيل المثال آخر تفصيل من تفاصيلها: ((انعقد أخيراً بباريس مؤتمر العمال الجزائريين بأوروبا وبهذه المناسبة تقرر من لدن المشرفين على المؤتمر توزيع كتيب لصاحب هذا العرض، تناول فيه مشكلةً من مشاكلنا اليوم، بالخصوص في الجزائر، البلد الذي اتخذ من كلمة (الديمقراطية) شعاره الدستوري. ولكن أصحاب الاختصاص في الصراع الفكري لم يهملوا هذه المناسبة من اهتمامهم، ولم يفتهم ما تقرر توزيعه بهذه المناسبة، ولكن كيف يسدون الذريعة، أعني كيف يسدون الطريق على الأفكار المعروضة في الكتيب الذي

стр. 165

سيوزع أثناء المؤتمر، حتى لا يصل مدها إلما رؤوس المؤتمرين، أو على الأقل حتى يكون لها أقل مدّ ممكن؟ وإذا بنا نرى الدعوة توجه إلى تلك السيدة الألمانية المقربة التي وضعت أو وضع اسمها (١) على ذلك الكتاب ذي العنوان الجذاب (شمس الله تشرق على الغرب)، وفيه ما فيه من مدح وتمجيد الحضارة الإسلامية. وتقدمت السيدة، وقدمت كتابها إلى المؤتمر، فانتقل على الفور بروحه من مجال المشكلات الحادة القائمة اليوم، إلى أبهة وأمجاد الماضي الخلاب!)). ولم يكن الصديق الذي كان يذكر لي هذه القصة يخطر على باله أي شيء من صلتها (بالصراع الفكري)، وهو يقول: ((وفي الأخير قامت القاعة كلها لتحيي السيدة!)). ولا شك، أن القصة تكشف عن جانبين: الجانب الذي يبرز حساسية الجماهير المسلمة لأمجاد ماضيها، والجانب الذي يكشف عن إمكان استغلال هذه الحساسية لإلفات تلك الجماهير عن حاضرها. وهذا الجانب هو الذي يهمنا لأنه يلتقي في الزمن مع أوج الموجة العارمة التي تكتسح اليوم العالم، من أمواج الصراع الفكري، ولأنها فعلاً موجهة في أوجها بالخصوص في البلاد الإسلامية، حتى وإن كانت لا تشعر بها أحياناً. إنما نرى كيف يتصرف أولي الاختصاص في الصراع الفكري، في ظرف خاص من ظروفه، عندما تعرض فكرة عمل وتأمل على الجماهير الإسلامية، كيف يستطيعون لفت الأبصار عنها بعرض أفكار أخرى في المناسبة ذاتها، أفكار جذابة، تدعو للأحلام السعيدة، أفكار مقتبسة من قصص ألف ليلة وليلة.

стр. 166

هذه هي القاعدة العامة التي يجب علينا أن نجعلها دوماً نصب أعيننا، إننا كلما طرحنا مشكلة وعرضنا لها حلاً من الحلول فإن قادة الصراع الفكري يأتون على الفور بما يلفت عنه الأبصار أو ما يزيفه تزييفاً. وما الحلول التي تعرض علينا في المجال السياسي، مثل البعثية، والبربرية، والإفريقية والشيوعية- تلك الشيوعية التي يرعاها الاستعمار ويسهر على نباتها في مدفآته، وما ذلك الأدب المطنب في المدح والتمجيد لماضينا إلا وسائل إلفات في المجال السياسي أو في المجال الفكري، حتى يلتفت العالم الإسلامي عن أم مشكلاته، ألا وهي مشكلة حضارته، حتى يلفتوه عنها، ويربطوا اهتمامه بمشكلات وهمية، ويلهوه بحلول وهمية، يتجلى عبثها بصورة مفجعة في ظرف من الظروف الخطيرة غداة إفلاس مصقع، وهزيمة شنيعة، وفضيحة مخجلة، مثل غداة ٥ يونيو ١٩٦٧م. والواقع، أن قضية عمليات الإلفات والتسلية كانت قائمة منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى، غير أنها تطرح اليوم والعالم الإسلامي يمر، في هذه الآونة بالذات، بأخطر أزمةٍ في تاريخه، حتى أننا نستطيع القول- إذا ما طرحنا جانباً بعض المظاهر من تطوره- أنه كان قبل أربعين سنة أقرب إلى الحل الرشيد لمشكلته وهو مستعمَر، لأنَّ وحدته الروحية أو الأيديولوجية كانت أمتن منها اليوم فهو الآن، وهو مستقل، كأنما يبتعد عن هدفه لأن وحدته هذه قد تصدعت من عملية التقسيم التي أجريت عليه منذ أربعين سنة. هذا هو الوضع الحقيقي، إذا ما طرحنا جانباً بعض المظاهر الخادعة- بحيث أننا إذا حكمنا بأن المجتمع الإسلامي ككل يواجه المشكلة نفسها- قد تخلف منذ ربع قرنٍ وتقهقر، فليس في حكمنا أي إجحافٍ بالحقيقة، وإنما الخطأ في هذه النقطة بالذات يعود إلى أننا تعودنا تقدير الأشياء بالمقياس السياسي، ذلك المقياس الذي

стр. 167

يجعلنا نقارن الوضع في حالتين مرت بها الدول الإسلامية على ضفتين قريبتين من التاريخ، قبيل الحرب العالمية الثانية، وهي في نير الاستعمار، وبعد تلك الحرب، وهي متحررة سياسياً في أغلبها، دون أن نقف بالتأمل عند حقيقة هذا التحرر، الذي لم يحكم تلك الدول حتى من غيلة دويلة إسرائيل، بينما يكشف لنا هذا السير أو التطور، منذ ربع قرن على أن المجتمع الإسلامي ضيع فيه، بين ضفتي التاريخ المشار إليها، أثمن ما عنده كزاد طريق، نعني الشعور بوحدة المصير، وضرورة الحل الواحد الذي لا تجزئ عنه بعثية، ولا بربرية، ولا نزعة إفريقية، ولا شيوعية مصطنعة، ولا خرافات ألف ليلة وليلة. واليوم، تعترض العالم الإسلامي هذه المشكلة في صورة متحارجة، شكسبيرية: هل نكون أو لا نكون (١)؟ بينما تميل عقارب الساعة إلى الاحتمال الثاني، منذ أتت أحداث يونيو ١٩٦٧م معبرةً بلغتها القاسية على عبث تلك التشييدات السياسية والعسكرية التي تستند على ظاهرة الشيئية، نعني تكديس تلك الأشياء التي جمعت في عشرين سنة من أجل الدفاع عن النفس، والتي ذابت في أول ساعة عند هجوم إسرائيل، وليس بمجدٍ، لمواجهة الدويلة الصهيونية، أن نكدس من جديد، ذخيرةً وزاداً وعتاداً، ليس بمجدٍ تجديد الأشياء، بل تجديد الأفكار، ولكن تجديدها بصورة جذرية، بحيث تعوض تلك التي تؤدي إلى الهزيمة الهائلة وإلى الفضيحة الشنعاء، لأنها تفقد الروح التي ترفع الإنسان إلى مستوى مهماته، بالأفكار الحية، المحيية التي تعطي الإنسان تلك الدفعة الجبارة التي ترفعه إلى قمة واجباته أمام الأحداث الكبرى (٢).

стр. 168

يجب أن نقف عند هذه الحقيقة، إن ما ينوب مجتمعاً ما في منعطفات التاريخ الخطير، ليس من قلة أشيائه ولكن من فقر أفكاره (١). وما فاجعة سيناء، في غرة يونيو ١٩٦٧م، إلا المحك العملي الذي يبرز هذه الحقيقة العامة، في ظرف خاص للأمة العربية، ولعلنا يجدر بنا أن نقف عند هذا الظرف لنستخلص منه عبرة أخرى، ألا وهي أن النصر الخاطف الذي أحرزته إسرائيل في هذا الظرف، على كوم جامد من الأشياء التي كانت بيد العرب، أصبح يواجه على نفس الأرض صعوباتٍ لم يتوقعها، لأنه يواجه اليوم رجالاً تحركهم أفكار جديدة، بل رجالاً تجددوا هم بهذه الأفكار، إن قصف باخرة (إيلات) والموقف البطولي للفدائيين الفلسطينيين على حدود الأردن، وداخل الأراضي المحتلة، ليسا إلا تعبيراً واحداً على التحول الذي حدث، إثر النكبة، لا في عالم الأشياء بالنسبة للعرب، بل في عالم أفكارهم. ولست أتعرض هنا لقضية الأفكار بالنسبة لمجتمعنا إلا بصورةٍ عابرةٍ، تاركاً هذا الموضوع المهم إلى فرصة أخرى. وحاصل الأمر، أن الصدمة التي حصلت للضمير الإسلامي في القرن التاسع عشر وفي هذا القرن، تجاه الحضارة الغربية، كانت محسوسة في عالم أفكارنا على وجه الخصوص، وفي مجال الأفكار العلمية بالذات، بحيث كان لهذه الصدمة أثرها حتى في ميدان تفسير القرآن الكريم، ولا شك أن عملاً جباراً مثل تفسير طنطاوي جوهري، ذلك التفسير الذي لا نجد فيه كثيراً من الجدوى، يعزى قطعاً إلى هذا التأثير العلماني على أفكارنا، مع الملاحظة أنه يعبر في نفس الوقت على ظاهرة التكديس، تكديس المعلومات طبعاً، بحيث يصبح هذا

стр. 169

العمل الشاق كله أقرب إلى دائرة معارف منه إلى تفسير القرآن، كما أنه يعبر عن ظاهرة جديدة، هي تلك العلمانية العقيمة التي ليست بالنسبة للفكر الإسلامي إلا عملية تعويضٍ في الميدان الذي شعر فيه أكثر بتحدي الحضارة الغربية. والآن نستطيع القول، أن هذا الميدان بالذات كان التربة الخصبة التي وجدها الأدب الاستشراقي، من النوع الذي يتصف بالمدح والتمجيد، ليزرع فيها كل تلك المخدرات التي يتقبلها بكل شغفٍ مجتمعنا لأنها تخدر ضميره وتسليه، ولكن هذا الضمير لا زال في صراع داخلي تسكنه أحياناً مؤلفات مشارقة مثل طنطاوي جوهري، وأحمد رضا وفريد وجدي، أو مستشرقين مثل دوزي وغوستاف لوبون، أو تثير مؤلفات أخرى لمشارقة ومستشرقين آخرين في صورة استثاراتٍ وتحدياتٍ جديدة لما تستصغر هذه الطائفة أو تلك ما ساهم به العرب في تنمية العلوم، إبان حضارتهم، قاصرين دور هذه الحضارة على مجرد تبليغ ما أنتجه اليونان والرومان. وإذا أردنا أن نخص إحدى هاتين الطائفتين بالذكر، نقول، أن بعض هؤلاء المشارقة المتتلمذين للمستشرقين يخفون عملهم التخريبي ضدّ الإسلام، بإيعازٍ واضحٍ من أوساطٍ استعماريةٍ، تحت رداء تقدمية جوفاء تحاول سلب الإسلام من كل قيمة حضاريةٍ، بل تنسب له حالة التخلف الراهنة في العالم الإسلامي. ولا شك أن كتاب (الأيديولوجيات العربية في محضر الغرب)، الذي ظهر منه بضعة أشهر بتقديم من مكسيم رودنسون، لا شك أن هذا الكتاب المبني على منطق سفسطائي، ذو صلة متينة بهذا التيار، وأن صاحبه، التلميذ المراكشي لصاحب المقدمة، من هذه الشجرة التي يجوز لنا أن ننسب لها أيضاً من تلامذة المستشرقين، حتى أولئك الأبرياء الذين يضعون أقدامهم عن غير شعور في ثقافة الغرب بل في سياسته أيضاً، ويتقدمون هكذا بأنصاف الحلول لأنصاف

стр. 170

المشكلات، التي يعتقدونها المشكلات الرئيسية للعالم الإسلامي، غير أنهم يختلفون بحسن نواياهم عن الآخرين، أولئك الآلات المسخرة بين أيدي اختصاصيي الصراع الفكري، السائرين على أثر أساتذتهم الغربيين، لا يختلفون معهم إلا في مهارة الأسلوب والترويق في الصيغة، ويلتقون مع أساتذتهم في الانتقاص من سوابق الفكر الإسلامي، ولكن يمتازون في إحاطة مستقبله بالريبة والإبهام بتلك الثرثرة التقدمية مثل صاحب كتاب (الأيديولوجيات العربية في محضر الغرب) الذي أشرنا إليه. وهكذا يبقى الضمير الإسلامي في دوامة صراعه الباطن، يسكنه أحياناً ما يكتب المادحون، ويثيره أحياناً أخرى ما ينتجه المفندون، وقد استمر هذا الصراع منذ قرن في حلقة مغلقة، مستهلكاً أجدى الطاقات الفكرية في العالم الإسلامي من دون جدوى، من دون أي تأثير حقيقي على تطور العقلية الإسلامية، لم ينتج إلا بعض الصواريخ الأدبية الخلابة في تلك المؤلفات الجميلة التي لم يبق لها أي أثر مثل كتاب (روح الإسلام) للسيد أمير علي. بحيث لو أننا حاولنا اليوم أن نجعل تقويماً لهذا الإنتاج نراه يعبر أحسن تعبير على تبذير طاقاتٍ فكريةٍ ثمينةٍ لم يحسن استخدامها، وإذا أردنا أن نعطي هذا التقويم كل معناه، يجب أن نقارن هذا الإنتاج بما أنتجه لوثر وكلفان إبان حركة الإصلاح في أوروبا، وإنتاج ديكارت الذي وضع أقدام أوروبا على طريق التطور التكنولوجي أو إنتاج ماركس وأنجلس ولينين الذين وضعوا على أقدامه مجتمعاً جديداً يغزو اليوم الفضاء. وبالتالي، يتبين لنا أن الإنتاج الاستشراقي، بكلا نوعيه، كان شراً على المجتمع الإسلامي، لأنه ركب في تطوره العقلي عقدة حرمان سواء في صورة المديح والإطراء التي حولت تأملاتنا عن واقعنا في الحاضر وأغمستنا في النعيم الوهمي الذي نجده في ماضينا، أو في صورة التفنيد والإقلال من شأننا بحيث صيرتنا حماة

стр. 171

الضيم عن مجتمع منهار، مجتمع ما بعد الموحدين، بينما كان من واجبنا أن نقف منه عن بصيرة طبعاً ولكن دون هوادة، لا نراعي في كل ذلك سوى مراعاة الحقيقة الإسلامية غير المستسلمة لأي ظرف في التاريخ، دون أن نسلم لغيرنا حق الإصداع بها والدفاع عنها لحاجةٍ في نفس يعقوب. وعلى كلّ، فإن أمكننا أن نصرح بأننا نجد على كل وجه جانباً إيجابياً في هذا الاستشراق، فإننا لا نجده في صورة المديح، بل في صورة التفنيد. فعندما يعلن الاستشراق أنه لا نصيب للعرب في تشييد صرح العلوم، وربما يؤدي بنا هذا الموقف المتطرف إلى تلافيه بعلمانية سطحية نشاهد أثرها حتى في إنتاج بعض المفسرين مثل طنطاوي جوهري، ولكن هذا الموقف يضطرنا، بما فيه من إفراط في الجحود، إلى طرح مشكلة الإسلام والعلم في صورة جديدة تتماشى أكثر مع سمو الدين ومنطق العلم، بحيث لا نصبح نبحث في الآيات الكريمة هل ذكر فيها شيء عن غزو الفضاء أو تحليل الذرة، وإنما نتساءل: هل في روحها ما يعطل حركة العلم، أو على العكس ما يشجعها وينميها؟ يجب على وجه الخصوص أن نتساءل، إذا ما كان يستطيع القرآن أن يخلق في مجتمع ما المناخ المناسب للروح العلمي، وأن يطلق فيه الأجهزة النفسية الضرورية لتقبل العلم من ناحية، ولتبليغه من أخرى. هذه صورة المشكلة إذا ما طرحناها كما يجب طرحها، نعني من الجانب النفسي الاجتماعي، لا من جانب تاريخ تطور العلم، ولو كان علينا أن نبرر الفكر الإسلامي من هذه الناحية بالذات، لكفانا أن نضع في حسابه ابتكارين لولاهما لم يكن التقدم التكنولوجي في القرن العشرين شيئاً يتصوره العقل، أجل إن التقدم التكنولوجي يشمخ اليوم في فصل العلم النووي الذي لا يمكن للباحثين في هذا الفصل من علوم الطبيعة أن يحصلوا فيه على طائلٍ لولا

стр. 172

ما يجدونه مهيئاً تحت أيديهم من طرق حساب سرعتها فوق كل سرعة، يمكن تصورها في عمليات الآلات الحاسبة الإلكترونية. فهل يمكن لهذه الآلات أن تقوم بعملياتها، لو لم يهيأ من قبل ذلك النظام العشري الذي نستطيع به كتابة رقم أفوجدرو، على سبيل المثال، بخمسة رموز فقط، أوسبعة إذا تحرينا دقة أكثر؟ والآن نتساءل: ألسنا ندين بوضع هذا النظام العبقري لذلك المناخ العقلي الذي كونته القيمة القرآنية في المجتمع الإسلامي؟ كما أننا لو تساءلنا عن دور الجبر، في تطوير علم الحساب، بحيث يتحول من علم الأرقام المحسوسة إلى علم الرموز المجردة، لأدركنا بعد الأخذ في حسابنا أن اسم الجبر نفسه عربي من ناحية الصيغة والاشتقاق، لأدركنا ما يدين به العقل الإنساني إلى العقل الإسلامي من وسيلة لا يستطيع بدونها السير والتقدم في ميدان علوم التقدير والضبط. ولا يضيرنا أن يعزى الجبر، من طرف متطفلين من تلامذة المستشرقين مثل فريد وجدي الذي عزاه إلى اليوناني ديوفانت بلا دليل ولا أي حجة، ذلك أن الجبر أتى إلى الوجود في المناخ الذي خلقه القرآن. ولقد يكون من العبث الصبياني أن نربط الصلة هنا، بين الآيات المنزلة وبين النظام العشري أو الجبر، عن طريقة ما يسمى تاريخ تطور العلوم. إن القرآن الكريم لم يأت قطعاً، وبصورة مباشرة، لا بالحساب العشري ولا بالجبر، ولكنه أتى بالمناخ العقلي الجديد الذي يتيح للعلم أن يتطور، كما تطور بالنسبة إلى مرحلته السابقة في العهد الإغريقي والروماني، والأمر الجدير بالملاحظة هو أن تطور العلم لا يناط بالمعطيات العلمية فحسب، بل بكل

стр. 173

الظروف النفسية الاجتماعية التي تتكون في مناخ معين، والأمر الجدير بالملاحظة أيضاً، هو أن مراكز الاهتمام للعقل تتغير من عصر إلى آخر، من حضارة إلى غيرها، حسب التغيرات التي تحدث في المناخ العقلي بالذات. إننا نستطيع قطعاً ربط العلاقة، من الناحية التاريخية، بين عهد الصناعة والتصنيع واكتشاف دونيس بيبان الذي كان ينظر إلى غلاية ماء فوق النار، فلاحظ أن مغلقها يرتفع وينزل بالتوالي، فاكتشف هذا طاقة البخار بالصدفة. ولكننا نلاحظ أن هذه الصدفة كانت تتكرر عبر الأجيال منذ اكتشاف النار، فلم تؤد إلى اكتشاف الطاقة البخارية إلى عهد بيبان. لماذا؟ السبب في ذلك هو أن دونيس بيبان أو نظيره الإنجليزي وات كان يمارس ملاحظاته ويتفهمها ويفسرها في مناخ عقلي جديد، تكون في أوربا منذ قرنين من قبل، حين كتب ديكارت (خطابه) المشهور في المنهج وقال فيه هذه العبارات المتنبئة الموجهة: ((إنه لمن الممكن الوصول إلى معرفة تطبق تطبيقاً نافعاً في الحياة، بحيث تترك مدارس التعليم تلك الفلسفة السكولاستية، وتعلم فلسفة تقبل التطبيق، وتتيح لنا، بعد معرفة تأثير النار والهواء والأجرام الفلكية، والسماوات وكل الأجرام التي تحيطنا، أن نستخدمها تحت قانونها بالذات لمصلحتنا الخاصة بحيث نتمكن من امتلاك الطبيعة والهيمنة عليها)). إن هذه العبارات ناصعة فعلاً، متنبئةً بما سيحدث بعد ديكارت من انقلابات علمية وتكنولوجية، فهي تدل بكل وضوح على المنحدر الذي سيتبعه الفكر الأوروبي في بحثه عن الحقيقة العلمية ذات النفع المباشر، وكان لزاماً أن يلتقي الفكر الأوروبي على هذا المنحدر مع الطاقة البخارية سواءً كان دونيس بيبان هو المكتشف أو غيره

стр. 174

وبالتالي، فإن منهج ديكارت هو الذي كون، بصورة أعم، المناخ العقلي الجديد الذي ستترعرع فيه العبقرية المصلحية التي تتميز بها الحضارة الجديدة. وهذه هي الزاوية بالذات التي نقدر منها العلاقات العامة بين الإسلام والعلم، فموقف الإنسان المسلم أمام عالم الظاهرات، والمنحدر الذي تتبعه العقلية الإسلامية تحت دفعة النص القرآني، والمناخ العقلي الجديد الذي ستتطور فيه هذه العقلية، هذه الأشياء هي في التالي العناصر الأساسية للقضية، فحسب. فالعلم، من حيث أنه علم، هو مجموعة المعلومات ومجموعة الطرق المؤدية لاكتسابها. ولكن يجب علينا إضافة شيء إلى هذا التعريف الذي تصورناه من زاوية علم تاريخ التطور العلمي، لأن التطور العلمي لا ينحصر في هذه الزاوية، بل هو منوط أيضاً بمجموعة شروطٍ نفسيةٍ اجتماعيةٍ، تؤثر سلبياً أو إيجابياً، بحيث تعطل هذا التطور أو تتيحه أكثر فأكثر. وعلى سبيل الإيضاح، فإن غاليله، حين أعلن نظرية دوران الأرض، لم تواجهه معارضة علمية، بل معارضة كلامية، نعني معارضة عقائدية، ولم تدن غاليله أكاديمية علوم، بل أدانته محكمة دينية تحكمت في أمره باسم العقيدة، إن ما أدانه هو بالتالي مجموعة عوامل القمع والحرمان الموجودة في نفسية المجتمع الذي حكم عليه بالإعدام. ولي نعطي لهذه الملاحظة كل معناها ومغزاها، تجب ملاحظة أخرى أن في هذا المجتمع الأوروبي، مجتمع ما قبل ديكارت، الذي أعدم أحد كبار علماء الفلك، كان المنجم يقوم بدور كبير المستشارين، ويكرم ويقرب في بلاط الملوك، مثل ثوستراد موسى الذي كان مستشار الملكة كاترين دي مديتشي في البلاط الملكي الفرنسي. ولزيد من التوضيح يجب أن نقول أن غاليله هذا لو كان يعيش في المجتمع

стр. 175

الإسلامي، حتى حين بدأ ذلك العصر في حركة الجزر الحضري، ما كان ليتعرض للعوامل نفسها التي حدَّت من عمله العلمي، وبالتالي حطمت حياته، وإننا لنرى في أوائل القرن الرابع الهجري، أحد كبار الملحدين في ذلك العصر (ابن الراوندي) المذكور في كتاب الزركلي (١)، نراه ينتقص من شخص النبي الأمي ﵊ فيقول في شأنه: ((لقد تحجر عريضاً ابن أبي كبشة حين ادعى أنه خاتم الأنبياء)) والمشار إليه بابن أبي كبشة معروف لدى الجميع، ومع هذا لم نرَ محكمة تفتيش تنعقد من أجل محاكة وإدانة هذا التعدي البليغ على أكبر شخصية في الإسلام، بحيث نرى صاحبه يلجأ بالتالي إلى انتحارٍ أثناء حجه إلى مكة. وأكثر من هذا، كان اليهودي يستطيع التعدي على عزة القرآن ذاته، دون أن تنزل به أي كارثة، ما عدا الردود المنتظرة مثل الرد المفحم الذي ورد من ابن حزم حين انتقد يهودي من يهود الأندلس، القرآن الكريم نقداً غير نزيهٍ، فأفحمه ابن حزم في (رسالة ابن النجريلة) المشهورة. وهذه الحالات المتطرفة قطعاً، إن دلت على شيء إنما تدل على أن المناخ العقلي الجديد، الذي تمتع به المجتمع الإسلامي عندما كان القدوة والنموذج في العالم، ما كان يعرف الإكراه كوسيلة قمعٍ للفكر ولحرية الرأي. وما كان دور عوامل الحرمان إلا في بعض الحالات الشاذة، مثل القضية التي طرحها عصر المأمون بشأن القرآن، هل هو مخلوقٌ أم سرمديٌّ؟، وحتى في هذه

стр. 176

الحالات نجد عناصر أخرى تحدّ من عواملها وتخفف من شدتها، وهي العناصر التي نمت في الضمير الإسلامي مع البذور التي بذرها فيه القرآن، إننا نرى فعلاً كيف بدأ المناخ العقلي الجديد يتكون منذ بداية الوحي. بينما ينفتح كتاب العهد القديم، منذ السطر الأول في سفر التكوين، على عالم الظاهرات المادية، وينفتح كتاب العهد الجديد في إنجيل يوحنه، على عملية التجسيد، ينفتح القرآن على الجانب العقلي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ... ﴾ [العلق ٩٦/ ١]. اقرأ ... هذه هي الكلمة الأولى التي تفتح إليها أول ضمير إسلامي، ضمير محمد، ويتفتح لها بعده كل ضمير مسلم. إن الحروف هي حقاً أداة لنقل الروح، لكل رسالةٍ، ولكل بلاغ، فهي الحامل والرمز لكل معلومةٍ من المعلومات، فأول ما نزل به القرآن يشير إلى أهميتها، ويخصص موضوعها بالذكر، ويرسم في الضمير الإسلامي قيمتها منذ اللحظة الأولى في كلمة اقرأ. إن الحرف ينقل ويبلغ الروح، وفي نفس الوقت يحفظه من الضياع، وسيحفظ أولاً وقبل كل شيء القرآن نفسه، ذلك الكتاب الذي لم يتغير فيه حرفٌ واحدٌ منذ أربعة عشر قرناً، على خلاف كل الكتب الأخرى، من العهد القديم إلى العهد الجديد، حيث لم يبق فيها، من ناحية صحتها التاريخية، إلا القيمة الرمزية، التي يحترمها النقد الحديث، دون أن يعتمدها من الناحية العلمية. وليست هذه الميزة إلا النتيجة العلمية الأولى، لهذا الفكر الجديد الذي ظهر في المناخ القرآني، ذلك المناخ الذي تدشن بالضبط يوم قام المجتمع الإسلامى الناشئ، أيام سيدنا عثمان، بجمع الآي الكريمة لحفظها من التلف، ولحصرها

стр. 177

نهائياً في صورة لا تقبل أي تغييرٍ، واللجنة التي قامت بهذا العمل تحت رئاسة سيدنا زيدٍ بن ثابت، قامت في الحقيقة بأول عمل علمي طبقاً لمنهج، ليس من موضوعنا هنا ذكر تفاصيله، ولكنه يوجب إعجاب النقد الحديث إزاء ما تحراه من دقة. إنه كان حقاً أول عمل علمي للفكر الإسلامي، بل أول عمل علمي للفكر البشري من نوعه الذي طالما تعثر في تاريخه، حين تبع مبدأ التسليم للسلطة الرئيسة المتمثلة بالقدوة، بل لا زال يتعثر فيه حتى الآن أحياناً، مثلما حدث في الاتحاد السوفييتي حيث تأخر علم الحياة ثلاثين سنة عن الركب، أيام القدوة التي افترضها لنفسه ليسنكو في هذا الميدان. ولهذا المعوق تاريخه في جميع المجتمعات الإنسانية، فهو ملازم لتطورها حسب عمرها النفساني. فالإنسانية، على العموم، تمر بثلاثة أعمار من حيث تطورها النفسي، فهي في عمرها الأول، في طفولتها، تصوغ كل أحكامها طبقاً لمقاييس تتعلق بعالم الأشياء، بحيث تكون أحكامها في أبسط صورها، معتمدة على الحاسة أو ناتجةً عن الحاجة البدائية. ثم في عمرها الثاني تصوغ أحكامها طبقاً لمقاييس خاضعة لمبدأ القدوة، أي صادرةً من عالم الأشخاص، ففي هذا الطور، لا تكون الفكرة حرة من تجسيد، بحيث تكون قيمتها مرتبطة بالشخص الذي يجسدها في نظرنا. ثم تبلغ الإنسانية رشدها، أي عمرها الثالث، فتصبح الفكرة ذات قيمة في حدّ ذاتها، دون أيما تأييد من طرف عالم الأشياء أو عالم الأشخاص. وإن مما تجب ملاحظته هنا، أن الإنسانية تبلغ هذا العمر، عمر النضج،

стр. 178

بحيث تصبح الفكرة لا تحتاج إلى ضمان قيمتها من طرف الأشخاص علاوة على الأشياء، والآية التي تنص على هذا الحدث في منتهى الوضوح، إذا ما لاحظنا أن الفكرة الإسلامية مرتبطة بذات النبي ﷺ الارتباط المعروف، كأنها المجسدة في شخصه في نظر ذلك المجتمع البسيط الذي وجهت إليه الدعوة. ولكن أراد القرآن الكريم أن تتحرر الآية من هذا القيد، وبالتالي أن يتحرر المجتمع الجديد من هذا النوع من القيود المعطلة لتقدم الفكر والعلم. ونزلت فعلاً الآية المحرِّرَة: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... ؟﴾ [آل عمران ٣/ ١٤٤]. إن هذه الآية نزلت بمثابة الدفعة التي دفعت المجتمع البدائي الذي نزلت فيه، من عصر (الشيء) والشيئية، إلى عصر الفكر. وهكذا نرى كل ملامح هذا المجتمع النفسية تتغير منذ نزول (اقرأ) تغيراً يتولد عنه المناخ العقلي الجديد، وبالإضافة إلى ذلك نرى نوعاً من الاختبارات تجري على هذا المناخ لتوضح أكثر ملامحه في الضمير الإسلامي الناشئ عندما يلقي عليه القرآن مثل هذا السؤال: ﴿قُلْ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؟﴾ [الزمر ٣٩/ ٩]. إن هذه الآية الواردة في صورة سؤال على لسان النبي ﷺ ، اختبار، وتركيز في الضمير الإسلامي لقيمة العلم، ولفضل رجل العلم على الجاهل في المجتمع الجديد. والعلم ما هو، في أبسط معانيه، إلا البحث عن الحقيقة في كل ميدانٍ، في الأخلاق، في التشريع، في الاجتماع، في الطب، في الطبيعة إلخ ...

стр. 179

ولكن هذا البحث معرضٌ لمعوقاتٍ وإلى متاهاتٍ، قد تتخذ وهماً بمثابة حقيقة، قد نتيه في الآراء، وربَّ رأيٍ خطأ، فعلى العلم أن يواجه هذه الحالات التي يتردد فيها العقل بين الشك والاقتناع، بتمرينه على هذه المواجهة. فالقرآن لا يهمل هذا الجانب بل يلفت النظر إليه أحياناً بالإشارة والتلميح، فيكشف الفرق بين الحقيقة وما سواها مثلاً في قصة يصف فيها انحراف اليهود من هذه الناحية: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة ٢/ ٧٨]. فهنا نرى الميل، والشك، ومجرد الاحتمال، هذه الأمور المعبرة عن صور مختلفة للتردد توضع في مكانها من (الحقيقة) الساطعة التي تعبر عن الاقتناع العقلي في أصفى صوره. وهذه آية أخرى توجه النقد الصارم للفكر الذي يسوغ لنفسه المناقشة فيما لا علم له به، دون أن يتحرى أولاً، جمع معطيات موضوع المناقشة. ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران ٣/ ٦٦]. فهذه الآيات، تضع الفكر الإسلامي في طريق العلم وتزوده لاكتسابه بأحسن التوجيهات المنهجية، وغيرها كثير، بحيث يكون القرآن الكريم، من هذه الناحية، منهجاً تربوياً جديراً بالدراسة في غير هذا المكان، إلا أننا نضيف أن المفهوم القرآني العام ينصب في الحديث النبوي الذي يصيغه في القالب التطبيقي، في صورة أحكام تدخل مباشرةً في حياة المسلم اليومية، وفي توجيه وجوه نشاطه. ((العلم فريضة على كل مسلم ومسلمةٍ)).

стр. 180

((أطلبوا العلمَ ولو بالصينِ)). ((حبر العلماء أفضل من دم الشهداء)). فهذه الأحاديث وغيرها تدعم عملياً، كما نرى، البناءات العقلية التي أنشأها القرآن في الفكر الإسلامي الذي ينطلق محصناً، مزوداً، موجهاً هكذا للقيام بمهمته العلمية والسياسية والاجتماعية. وإننا لنرى أثر هذا المنهج التربوي الذي هيأ المجتمع الجديد لمهماته العقلية، حتى في سلوك الفرد أمام اختباراتٍ بسيطةٍ في ظروف ذات مغزى، نرى مثلاً، عمر بن الخطاب يمر يوماً بدرب من دروب المدينة، وهو يتلو، على طريقته في الجلوس أو في المشي، يتلو الآية: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٨٠/ ٢٥ - ٣١]. وها عمر، يقف عند كلمة (أبّا) ويشعر أنه لا يعرف معناها، ترى كيف سيحل هذه المشكلة؟ إن عمر ليس من علماء اللغة، وهذا العلم نفسه ليس موجوداً بعد، إلى عصر صاحب كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهدي الذي يجب أن نعتبره اليوم المؤسس لعلم اللغات، وليس عمر بالمفسر أيضاً، إنه رجل فقط، رجل عمل لا يحق له أن يتورط في الشؤون التي ليست من اختصاصه، وإلا وقع فيما حذر منه القرآن الكريم في قوله لليهود: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ؟﴾ [آل عمران ٣/ ٦٦]. وإننا لنرى عمر لا يقف إلا هنيهة عند الكلمة التي أوقفته، والتي لا تنقص شيئاً، إن جهلناها، من وضوح الآية لأي ضميرٍ مؤمنٍ، فالمشكلة بالنسبة له، في هذه اللحظة، ليست في نطاق العلم، ولكن في نطاق السلوك، ونراه فعلاً يحلها
следующие страницы →