Полный текст (250 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
/متن المنظومة/
وحدُّه أن يعدلَ المجتهدُ ... عن مقتضى قياسِ أمر يردُ
مِنْ واضحٍ إلى قياسٍ مختفي ... أو حكمِ كليٍ لمستثنى خفي
وذاكَ من أجل دليلٍ يقدحُ ... في عقلِه عدولَه يرجِّحُ
وظاهر بأنَّه نوعانِ ... ترجيحٌ استثناءُ للبيانِ
فالأوَّلُ الترجيحُ كالحَلْفانِ ... والثان الاستثناءُ كالضمانِ
-٢٤٢ و ٢٤٣ و ٢٤٤ الاستحسان مصدر من مصادر التشريع قالت به الحنفية وبعض الحنابلة، وتعريفه عندهم هو: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي، لدليل انقدح في عقله رجح هذا العدول.
-٢٤٥ وبه يظهر لك أن الاستحسان عندهم نوعان:
-١- ترجيح قياس خفي على قياس جلي.
-٢- الحكم باستثناء جزء من أفراد الحكم من الحكم العام وذلك لحكمة يراها المجتهد.
-٢٤٦ أورد لكل نوع مثالا فمثال الأول: التحالف، وذلك أن الحكم في الأصل أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، ولكن قد يطرأ في المسألة ما يجعل كلاً من الطرفين مدعياً ومدعى عليه، كما لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل القبض، فيتحالفان.
ومثال الثاني: ضمان الأجير المشترك، وهو الحرفي الذي يتولى إصلاح حوائج الناس، فالأصل أنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولكن لما تساهل الصناع في حوائج الناس، استحسن الفقهاء أن يضمنوهم، وهو كما ترى استثناء حكيم من القاعدة الكلية: أن الأمين لا يضمن إلا بالتفريط.
стр. 107
/متن المنظومة/
وذهبَ الأحنافُ والحنابلةْ ... إلى اعتباره دليلاً قابلَهْ
مِنَ الكتابِ: يتبعونَ الأَحْسَنا ... وما رآهُ المسلمونَ حَسَنا
وأكَّدوا تفضيلَ الاستحسانِ ... على القياسِ أي قياسِ الثاني
ومالكٌ والشافعيُّ قالا ... بنفيهِ وصَحَّحُا الإِبْطالا
-٢٤٧ و ٢٤٨ أخبر الناظم بأن الأحناف والحنابلة اعتبروا الاستحسان دليلاً شرعياً، وذلك بما قابله من دليل الكتاب العزيز في قوله : ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ سورة الزمر -١٨-
وكذلك قوله : ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ سورة الزمر ٥٥
ومن السنة ما روى موقوفاً على عبد الله بن مسعود: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) .
-٢٤٩ ويعتبر الحنفية الاستحسان مصدراً رئيساً من مصادر التشريع، ويقدمونه على القياس، لأنه عندهم قياس في الحقيقة، تقَّوى بمرجح، كان أولى من القياس الآخر الذي لم يتأيد بمرجح.
-٢٥٠ وأنكر الإمام مالك حجية الاستحسان، وكذلك فقد تشدد الشافعي في إنكار المسألة، وقال من استحسن فقد شرع، وصنف كتابا خاصا أسماه: إبطال الاستحسان. ...
стр. 108
المصالح المرسلة
стр. 109
/متن المنظومة/
وعرَّفوا المصالِحَ اصْطِلاحا ... ما لم يَرِدْ في حكمِها صُراحَاً
دليلُ شرعٍ في اعتبارِ حُكْمِها ... ولا على إلغائِها أَوْردِّها
كالجُندِ والديوانِ والسُّجُونِ ... والخُلْفُ في استقلالِها في الدَّينِ
فذهبَ الأحنافُ ثم الشافِعِيْ ... لنَبْذِها على مَقالٍ بارعِ
-٢٥١ و ٢٥٢- المصالح المرسلة: هي المصلحة التي لم ينص الشارع على حكم لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.
وهكذا فإن المصالح ثلاثة أنواع:
-١- مصالح معتبرة، نص عليها الشارع وأمر بها ودعا إليها: كالزواج والسفر والصيد..
-٢- مصالح ملغاة، حرمها الشارع ونهى عنها: كالربا والقمار وغيرها ...
-٣- مصالح مرسلة، سكت عنها الشارع، وهي المراد بالاستصلاح.
-٢٥٣- وأورد من الأمثلة على المصالح المرسلة أنظمة الجند، وتدوين الدواوين، وإحداث السجون لردع المجرمين، فكل هذه المصالح قررها الأصحاب مما سكت عنه الشارع العظيم.
ثم أخبر أن الأصوليين مختلفون في اعتبار المصلحة المرسلة دليلاً مستقلاً في الدين. فمنهم من يعدها دليلاً مستقلاً، ومنهم من يعتبرها دليل استئناس يعضد به الدليل الأصل.
-٢٥٤- أخبر أن الحنفية والشافعية لم يعتبروا المصالح دليلاً شرعياً، ولهم في ذلك كلام أوضحه البيت التالي:
стр. 110
/متن المنظومة/
فالشَّرْعُ كلَّ أمرِنا قد راعى ... كتاباً أو حديثاً أو إجماعاً
والآخرانِ جَعَلاهُ أصْلاً ... يُبْنى عليهِ الحكمُ مُستَقِلاً
واشتَرطوا ثلاثةً شروطاً ... بغالبِ الأَنام أَنْ تُحيطَا
كذاكَ أنْ تكونَ واقعَّيةْ ... ولم تعارَضْ حجةً شَرْعِيَّةْ
ثَمَّ لهَا أَربعةٌ دَواعِيْ ... درءُ الأَذَى والسدُّ للذَرائعِ
جلبُ مصالحٍ، تغُّيرُ الزَّمَنْ ... فافْهَمْ فأنْتَ في البلاغِ مُؤْتَمَنْ
-٢٥٥- احتج الأحناف والشافعية بأن الشرع جاء كاملا فيه تبيان كل شيء، عن طريق سبله الثلاثة الكتاب والحديث والإجماع، وقرروا أن سائر مصالح المسلمين موجودة في هذه المصادر الثلاثة.
-٢٥٦- أخبر أن مالكاً وأحمد جعلا المصلحة المرسلة أصلاً تبنى عليه الأحكام الشرعية باستقلال، إذ الزمان يتغير وتبدو في كل عصر مصالح جديدة، لم يكن يراها الأولون، فلو لم يشرع الاستصلاح لتعطلت مصالح كثيرة للعباد، وإن القول بتحريم المصلحة ليس أهون من القول بإباحتها، فكلاهما نوع من الرأي فيما لا نص فيه.
-٢٥٧ و ٢٥٨- واشترط القائلون بحجية المصالح المرسلة ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون مصلحة عامة لا خاصة.
الثاني: أن تكون مصلحة حقيقية لا وهمية.
الثالث: أن لا تعارض أصلاً شرعياً معتبراً.
-٢٥٩ و ٢٦٠- ولهذه المصالح عند القائلين بها أربعة دواعٍ تلجئ إليها وهي: درء الأذى عن الناس، وسد الذرائع التي توصل إلى الأذى والإثم، وجلب المصالح للأمة، وتغير الزمن الذي يستلزم طروء مصالح جديدة للناس.
وقوله: (فافهم فأنت في البلاغ مؤتمن) توجيه لطالب العلم ليفهم ضوابط المصلحة في الشرع، فلا يقفز فوق النصوص بحجة المصلحة، ولا يتساهل في تحقيق شروطها السالفة.
стр. 111
الاستصحاب
стр. 112
/متن المنظومة/
هو اصطحابُ حكمِ أَمرٍ ماضِي ... لحاضِرٍ لم يقضِ فيهِ قاضِ
فيستمرُّ الحكم فيه قائماً ... إلى ثبوتِ غيرِه ملائماً
واعتَبَروه حُجَّةً إذا انفَرَدْ ... نَفْياً وإِثْباتاً بِلا أَخْذٍ وَرَدْ
مثالُهُ الحياةُ للمَفْقودِ ... وردَّه الأحنافُ بالقيودِ
-٢٦١ و ٢٦٢- الاستصحاب في تعريف الشوكاني: ما ثبت في الزمن الماضي، فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل. ومثاله: الحكم بصحة الوضوء عند الشك استصحابا للأصل حتى يثبت ما يبطله. وكذلك الحكم بالحياة للمفقود ولو انقطعت أخباره، فتثبت له حقوقه من المواريث والوصايا، ويحرم توزيع ماله، وتبقى زوجته على عصمته..
-٢٦٣ و ٢٦٤- أورد الناظم المثال الذي قررناه، ثم بين أن الحنفية لا يرون الاستصحاب حجة شرعية، ولكن المحققين من الحنفية يعتبرونه حجة في الدفع دون الإثبات، أي في إبقاء ما كان على ما كان، فالمفقود مثلا يحرم توزيع ميراثه استصحابا على الأصل، ولكن لا يثبت له ميراث جديد من قريب له يتوفى. وأخبر في البيت الذي قبله أن الباقين من الفقهاء اعتبروا الاستصحاب حجة شرعية في النفي والإثبات جميعاً.
стр. 113
/متن المنظومة/
أنواعه ثلاثةٌ في الأصلِ ... أولها اصطحابُ حكمِ الأصلِ
وبعدَه ما أصلُه البراءَةْ ... كالحكمِ للحقوقِ بالبراءَةْ
ثالثُها اصطحابُ حكمِ حالِهِ ... على ثبوتِهِ إلى زوالِهِ
واعتَبروا دَليلَه ظَنِّيَّا ... وآخِرَ الأَدِلَّةِ المحكيَّة
-٢٦٥ و ٢٦٦ و ٢٦٧- بين الناظم أن الاستصحاب على ثلاثة أنواع:
الأول: استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة، إذ الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالبيان.
وهكذا فإن الله قال: وقد فصل لكم ما حرم عليكم، فكل ما يفصله الله في الحرام فهو على الإباحة الأصلية.
الثاني: استصحاب العدم الأصلي أو البراءة الأصلية، كالحكم ببراءة الذمة للناس حتى يقوم دليل النفي.
الثالث: استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، حتى يقوم الدليل على زواله، فهي مسألة حكم الشارع فيها بحكمه في ظرف ما، ثم طرأت أوضاع تغيرت فيها الظروف، ولكن الحكم في المسألة على حاله الأول حتى يقوم دليل واضح على تغير الحكم.
وهذا النوع هو الذي اختلف فيه الفقهاء، أما النوعان الأولان فهما محل اتفاق، وإن كان الفقهاء لا يسمونهما استصحاباً.
ومن الاستصحاب استنبط الفقهاء عدة قواعد كلية، منها: اليقين لا يزول بالشك، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.
-٢٦٨- ويعتبر الاستصحاب دليلاً ظنياً في إثبات الأحكام، وذلك عند فقد الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهو آخر مدار الفتوى.
стр. 114
العرف
стр. 115
/متن المنظومة/
والعرفُ ما استقرَّ في النُّفُوسِ ... من جهةِ العقولِ لا الطُروسِ
ثُمَّ ارْتضَاه النَّاسُ بالقَبُولِ.. ... أنواعُه أربعةٌ..فالقولي
تعارفَ الناسُ على إطلاقِهِ ... كاللحمِ والشرابِ في إطلاقِهِ
والعَمَلي تَعارَفوا إِتْيَانَهْ ... كالأَكلِ أو كالمَهْرِ في أَوانِهْ
-٢٦٩ و ٢٧٠- العرف عند الحنفية: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
وقول الناظم (كالطروس) أفاد بأن المقصود بالعرف ما تعارفه الناس بغير قانون مكتوب في الطروس أي الصفحات، إذ كل قانون وضعي يحكم به زمنا يصبح عرفاً، فمراد الناظم نفي ذلك وتحديد العرف بأنه ما دفعت إليه الطباع السليمة بغير مؤثر خارجي.
-٢٧٠ و ٢٧١- أخبر بأن العرف أربعة أنواع:
أولاً: عرف قولي: إذا تعارف الناس على إطلاق لفظ ما للدلالة على معنى معين كما لو تعارفوا على إطلاق اللحم على الحيوان وعدم إطلاقه على السمك والطير.
-٢٧٢ - ثانياً: عرفٌ عملي: كما لو تعارف الناس على تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.
стр. 116
/متن المنظومة/
والعامُ ما يَعمُّ في البلادِ ... والخاص عرفُ ثلةٍ أفرادِ
واتَّفَقُوا في كونِه دليلاً ... واختلفوا هَلْ يَسْتَقِلُّ؟ ... قيلا
للمَالكِي والحَنَفِي والحَنبَلي ... خذهُ دليلاً كامِلاً.. وَدَلِّلِ
مِنَ الكتابِ أَمْرُهُ بالعُرْفِ ... وما رأَوْهُ حَسَناً فلتَعرِفِ
كذاكَ مالهُ مِنَ السُّلْطانِ ... في العقلِ عندَ معشَر الإِنْسَانِ
والشافعيْ مالَ إلى إنكارِهِ ... إلا إذا أرشدَ لاعتبارِهِ
-٢٧٣ - ثالثاً: عرف عام: هو ما كان متفقاً على التعامل فيه في سائر البلاد.
رابعاً: عرف خاص: هو عرف جماعة بعينهم، كعرف التجار، وعرف الحاكَةِ، وعرف الحرفيين.
-٢٧٤-٢٧٥- واتفق الفقهاءُ على أن العرفَ حجةٌ شرعية إذا احتفَّ بغيره من الأدلة، ولكن اختلفوا هل يكون وحده دليلا شرعياً إذا لم يوجد سواه، فقال المالكية والحنفية والحنابلة: يحتج بالعرف وحده في الأحكام، واستدلوا لذلك بما يلي:
-٢٧٦- أي استدلوا من القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ سورة الأعراف آية -٢٠٠-
ومن السنة ما رواه ابن مسعود موقوفاً: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) .
-٢٧٧- واستدلُّوا بالمعقول، وهو ما تلاحظه من سلطان العرف في نفوس الناس، واحتكامهم إليه بالفطرة والبداهة.
-٢٧٨- وعبارة الشافعية: إن العرف ليس حجة ولا دليلاً شرعياً إلا إذا أرشد الشارع إلى اعتباره.
стр. 117
/متن المنظومة/
واشترطوا عمومَهُ في الناسِ ... ولم يخالفُ ثابتاً للناسِ
-٢٧٩- واشترط الجمهور لدى احتجاجهم بالعرف شرطين اثنين: أن يكون عاماً في الناس، أو عاماً في مناطه كما قدمنا، فعرف التجار حجة على التجار دون الصناع، وعرف الحاكة حجة على الحاكة دون البنائين، والثاني أن لا يخالف دليلاً شرعياً ثابتاً.
стр. 118
قول الصحابي
стр. 119
/متن المنظومة/
واتَفَقوا في أنَّهُ دليلُ ... في كل ما ليسَ لَهُ سَبيْلُ
كذاك إن أقَّرهُ الباقونا ... يكون حجةً كما روينا
واختلَفُوا لدى اختلافِ رأيهِمْ ... فقيلَ يَنبغي التزامُنا بِهِمْ
بواحدٍ لمالكٍ والحَنَفِي ... لخبرِ النُّجومِ فِيهِمْ فاقتفي
وأحمدٌ والشَّافِعِيُّ خالَفَهْ ... عَنْ تابعينَ نَقَلُوا المُخالَفَة
-٢٨٠- اتفق الفقهاء على أن قولَ الصحابي حجةٌ إذا تكلم في أمورٍ لا سبيل إلى معرفتها في الاجتهاد، كأمور القيامة والعقائد والعبادات، وإن كلامهم في هذه المسائل ينزل منزلة الحديث المرفوع.
-٢٨١- واتفقوا كذلك أن قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة، يكون بمنزلة الإجماع السكوتي، حجة لازمة على المسلمين.
-٢٨٢ و ٢٨٣- واختلف الأصوليون لدى اختلاف أقوال الصحابة، على قولين:
الأول: وهو قول أبي حنيفة يجب التزام قول واحد منهم بلا تعيين، لأن اختلافهم على قولين إجماع بأنه لا ثالث في المسألة وهذا ملزم باجتناب ما أجمعوا على نفيه.
-٢٨٤- الثاني: قول أحمد والشافعي، وهو أن قول الصحابي ليس حجة في شيء، وقد اختلف الأصحاب فيما بينهم، وترك التابعون أقوال الصحابة، إذ العبرة بالأدلة التي نقلها الصحابة لا بالآراء التي رآها الصحابة.
стр. 120
شرع من قبلنا
стр. 121
/متن المنظومة/
واختلَفُوا في شرعةِ الذينا ... مِنْ قبلِنا ملغيةٌ أَمْ دينَا
فاتفقوا في الأخذِ بالأحكامِ ... مما أقرَّ الدينُ كالصِّيامِ
واتفقوا في نسخِ ما قد نُسِخا ... في شَرْعِنا. كالقطعِ مما اتَّسَخا
واختلَفُوا في حكمِ ما قَدْ وَردا ... ولم يُنْسَخْ ثُمَّ لَمْ يُؤيَّدا
كالنفس بالنفسِ وشُرْبِ محتضَرْ ... ...
-٢٨٥- يراد من شرع من قبلنا مجموعة الأحكام والأوامر الإلهية التي أنزلها الله على الأنبياء الكرام قبل بعثة النبي ﷺ . وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
-١ - ما أقره شرعنا وأمر به ٢ - ما نهى عنه ٣ - ما سكت عنه.
-٢٨٦- فاتفقوا أن الأحكام التي أقرها شرعنا وأمر بها أحكام معتبرة، كما في الصيام، حيث قال الله ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ سورة البقرة، آية -١٨٦-
-٢٨٧- واتفقوا كذلك أن الأحكام التي نسخها شرعنا وألغاها، أحكام ملغية لا يصح الاحتجاج بها، ولا القياس عليها، وذلك كقتل النفس لدى التوبة، وقطع الثوب لدى طروء نجس عليه، وكلاهما أحكام مقررة عند بني إسرائيل.
-٢٨٨ و ٢٨٩- واختلفوا في الأحكام التي وردت في الكتاب والسنة إخباراً عن الأمم الأولى، ثم لم يأت في شرعنا ما يؤيدها ولا ما يبطلها، مثل قوله تعالى: ﴿وكتبنا. عليهم أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والجروح قصاص﴾ سورة المائدة -٤٥-، ومثله قوله تعالى ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ سورة القمر -٢٨- فاختلفوا في مثل هذه الحالة على قولين:
стр. 122
/متن المنظومة/
........ ... فالحنفيْ والحنبليْ والبعضُ قَرّ
ودلَّلوا بوحدةِ الشرائعِ ... والرجمِ واقتدهْ لكلِّ سامعِ
والشافعيُّ أنكرَ استِدلالَهُمْ ... بأَن لِكُلِّ أمةٍ مِنْهاجُهُمْ
-٢٨٩٢٩٠ فذهبَ الحنفيةُ والحنابلة وبعض الشافعية والمالكية إلى إقرار الاحتجاج بشرع من قبلنا، واستدلوا لذلك بأن الشرائع في الأصل واحدة، وأن عقيدتنا تأمرنا باتباع الرسل السابقين والاهتداء بهم، وقد قال الله : ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ سورة الأنعام -٩٠-
-٢٩١- والقول الثاني هو قول الإمام الشافعي، إذ لم يعتبر شرع من قبلنا حجة في شرعنا، واستدل لذلك بقول الله : ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ سورة المائدة، آية - ٤٨ -.
стр. 123
سد الذرائع
стр. 124
/متن المنظومة/
وكلَّ ما ظاهِرُه مُباحُ ... وموصِلٌ لما بهِ جُنَاحُ
أباه سداً منْهُ لِلذَّرائِعِ ... مالكُ وابنُ حنبلٍ لا الشَّافِعِيْ
وأكَّدَا ذاكَ بمنعِ الشتمِ ... لِكُلِّ مَنْ يَعْدُو بغيرِ عِلمِ
-٢٩٢- الذريعة لغة: الوسيلة، وهي في تعريف الأصوليين: ما ظاهره مباح، ويتوصل به إلى محرم. فالنهي عن هذا المباح خوفاً من أثره، وهو ما يسمى: (سد الذرائع) مثاله: النهي عن سب المشركين في قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ ، فسبُّ المشركين وأوثانهم مباح في الأصل، ولكن نهى الله عنه لئلا يكون ذريعة لسب الله.
-٢٩٣- أخبر بأن المالكية والحنابلة قالوا بأن سدَّ الذرائعِ حجةٌ تتقرر لأجلها الأحكام، وعبر الناظم بقوله (أباه) عن منعهم للذريعة وإبائهم لها لما فيها من مدخل للمفاسد، أما الشافعي ﵁ فقد اتفق مع الجمهور في المآل، ولكنه لا يرى ذات السبيل، بل يقول: إنما تحرم الذريعة ذاتها بالأدلة المعتبرة، ولا داعي لتحريمها بالتبع.
-٢٩٤ وأكدا أي أحمد ومالك، أكدا هذه القاعدة بالمثال السابق الذي أشرنا إليه، حول منع شتم المشركين.
стр. 125
/متن المنظومة/
والشافعيُّ حرمَ الذريعة ... لذاتها أي حرَّمَ الوقيعة
-٢٩٥ ورأى الشافعي أن منع شتم المشركين تقرر بالآية وليس بالاجتهاد، فلو لم تنص عليه الآية لم يكن لأحد أن يقوم بتحريمه بحجة سد الذرائع. وهو ما أراده الناظم بقوله: أي حرم الوقيعة.
стр. 126
الباب الثاني: مباحث الحكم
стр. 127
الفصل الأول: الحكم
стр. 128
/متن المنظومة/
وحدُّهُ في اللغة القضاءُ ... وأطلقوه فاروِ ما تشاءُ
إثباتُ أمرٍ ما لأمرٍ واحدُ ... ثم الذي عند القضاة واردُ
تعريفُهُ عنَد الأصوليينَا ... خطابُ رَبنا لنا مُبيْنَا
والفقهاءُ اعتبرُوه الأَثَرا ... عَنِ الخطابِ قَدْ جَلا وانْتَشَرَا
وقسَّمُوهُ مَصْدراً قسْمَينِ ... فالأوَّلُ الشَّرعِيُّ.. دونَ مَيْنِ
وذاكَ ما مِنَ الإلهِ أُخِذَاْ ... وعملاً أَو اِعتقاداً فهو ذا
-٢٩٦- الحكم لغة: القضاء، ثم له عند إطلاقه أربعة معان وهي:
-٢٩٧- المعنى الأول: إثباتُ شيء لشيء، وهو تعريف المناطقة، كما لو قلت: زيدٌ عالم، فأنت تريد أن تثبت العلم لزيد.
المعنى الثاني: ما صدر عن القضاة من الأحكام، وهو تعريف الحقوقيين.
-٢٩٨- المعنى الثالث: الحكم هو خطاب الله تعالى وهو النص الصادر عن الشارع، وهو تعريف الأصوليين.
-٢٩٩- المعنى الرابع: الحكم هو أثر خطاب الله تعالى، وهو تعريف الفقهاء، فبينما يرى الأصوليون أن الآية هي الحكم الشرعي، يرى الفقهاء أن أثرها أي الوجوب أو الحرمة أو غيرها حيث دلت عليه هو الحكم الشرعي.
-٣٠٠ و ٣٠١- يقسم الحكم عند الأصوليين إلى قسمين اثنين:
الأول: الحكم الشرعي الذي دل الدليل الشرعي عليه، فهو إذن لا يتوقف على حجج عقلية، بل يجب التزامه حال ثبوته، وهو يشمل أحكاماً عملية وأحكاماً اعتقادية. وقول الناظم (دون مين) أراد به دون شك.
стр. 129
/متن المنظومة/
وبعدَهُ كُلُّ الَّذي لَمْ يُؤْخَذِ ... من شارعِ الأَحكامِ كالحكم الذي
أُخذَ من عقلِ ومن حسّنٍ ومِنْ ... عرفٍ فذاك دون شرع قد زُكِنْ
والحكم حدُّهُ لدى الجمهورِ ... هو خطابُ ربنا الغفورِ
ومتعلقٌ بفعلنا اقتضَا ... تخييراً أو وَضْعاً وهَذا المُرْتَضَى
-٣٠٢ و ٣٠٣- الثاني: الحكم الذي لم يدلَّ له دليلٌ شرعي، بل عرف بمحض العقل أو الحسِّ أو العرف، كما لو قلت: الكل أكبر من الجزء، أو التواتر يفيد اليقين، أو البحر هائج. فهذه كلها أحكام يلزم المصير إليها، ولو لم ينص عليها الشارع، لأن الشارع توجه إلى العقلاء، وهذه بديهيات يقررها العقل. وقول الناظم (فذاك دون شرع قد زكن) أي قد علم.
-٣٠٤ و ٣٠٥- ذكر الناظم تعريف الحكم عند الجمهور كما أورده الآمديُّ في الأحكام: الحكم هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً.
والمراد بالاقتضاء: الخطاب الذي يتضمن الطلب، وهو يشتمل على ما ثمرته الإيجاب أو التحريم أو الندب أو الكراهة.
والمراد بالتخيير: الخطاب الذي يتضمن تخيير المكلف بين الفعل والترك، أي الإباحة. والمراد بالوضع: الخطاب الذي يتضمن (وضعَ شيء) أي جعل شيء ما سبباً أو مانعاً أو شرطاً أو صحيحاً أو فاسداً أو رخصةً أو عزيمة.
وظهر أن الأحكام الشرعية نوعان: أحكام تكليفية وأحكام وضعية. فثمرة الأحكام التكليفية: معرفة الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح.
وثمرة الأحكام الوضعية: معرفة السبب والشرط والمانع والصحة والفساد الرخصة والعزيمة.
стр. 130
/متن المنظومة/
وقسَّموا الشرعيَّ من حكمٍ إلى ... قسمين فالتكليفي ما أدَّى إلى
حكمٍ من الخمسةِ في اقتضاءِ ... كذاك في التخييرِ كالنداءِ
وبعدَه الوضعيُّ وهو ما اقتضى ... أن يجعلَ الأمرَ لحكمٍ قد مضى
علامةً تجعلُه له سببْ ... أو مانعاً أو رخصةً أو يُجتنَبْ
لكونِهِ فاسداً او عزيمَةْ ... أو رخصةً أحكامها سليَمةْ
وزاد فيها الآمديُّ واحداً ... حكم المباح قال تخييراً بدا
من ٣٠٦ إلى ٣١٠- سبق بيان ذلك كله، وهو أن الأحكام الشرعية تنقسم قسمين:
تكليفي ووضعي وقول الناظم (رخصة أحكامها سليمة) قيدٌ أرادَ به الاحتراز من اختراع الرخص التي لم يأذن بها الله.
-٣١١- أخبر الناظم أن الآمدي وهو من الأئمة الأصوليين المحققين، قسم الحكم الشرعي إلىثلاثة أقسام: الأول: الحكم الاقتضائي: وهو يشمل الواجب والحرام والمندوب والمكروه، والثاني: الحكم التخييري: وهو يشمل المباح، والثالث: الحكم الوضعي وتعريفه عنده مطابق لما قرره الجمهور.
стр. 131
الحكم التكليفي
стр. 132
/متن المنظومة/
وقد مضى تعريفُه وأنَّهُ ... أدَّى إلى التحريمِ أو ما يكرَهُ
والندبِ والإيجابِ والإباحَهْ ... والحنفيُّ قَسَّمَ الكراهَهْ
قسمين تنزيهاً وتحريماً رضي ... وزادَ حكماً سابعاً بالفرضِ
-٣١٢ و ٣١٣- أخبر الناظم أن تعريف الحكم التكليفي مرَّ آنفا وخلاصته: أن الحكم التكليفي هو الذي يترتب عليه التحريم أو الكراهة أو الندب أو الإيجاب أو الإباحة.
-٣١٤- أخبر الناظم أن الحنفية جعلوا أقسام الحكم التكليفي سبعة: فزادوا فيها سادساً حين جعلوا الكراهة قسمين: تنزيهية وتحريمية، وزادوا فيها سابعاً حين أضافوا الفرض، وميزوا بينه وبين الواجب.
وسيأتي تفصيل قولهم في الكراهة في باب المكروه.
أما قولهم في تسمية (الفرض) فوق الواجب فقد ميزوا بينه وبين الواجب من وجوه:
-١- الفرض: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً بدليل قطعي الثبوت والدلالة، كالصلاة والزكاة، وفعله واجب، ومنكره كافر، وتاركه بدون عذر فاسق.
-٢- الواجب: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة كصلاة الوتر وصدقة الفطر، وفعله واجب، لكن منكره لا يكفر، وتاركه لا يسمى فاسقاً إلا إن تركه استخفافاً. ...
стр. 133
الواجب
стр. 134
/متن المنظومة/
ما طلبَ الشارِعُ فيهِ الفِعلَ مِن ... مُكلَّفٍ حتماً كصومٍ في زَمَنْ
أمَّا مِنَ الثَّوابِ والعقابِ ... فاعِلُهُ استَحَقَّ للثَّوابِ
ويَسْتَحِقُّ التَّاركُ العِقابا ... فافهَمْهُ كَيْ تُنَافِسَ الطُلاَّبَا
ويثبتُ الواجبُ بالخِطابِ ... ثمانِ أوْجُهٍ على أبْوَابِ
الأَمْرُ نحوَ الأَمْرِ بالصَّلاةِ ... إِقامَةً والأمْرُ بالزَّكاةِ
والمصدَّرُ النائِبُ عَنْ فعلٍ كما ... ضربَ الرِّقابِ إِنْ لقيتُمْ ظالِم
-٣١٥ و ٣١٦ و ٣١٧- الواجب هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلباً حتما، ويثاب فاعله ويعاقب تاركه.
فالتعريف كما ترى اشتمل على عنصرين: الأول: من حيث صيغة الطلب، والثاني: من جهة الثواب والعقاب.
-٣١٨ أشار إلى أن الأساليب التي يتقرر بها الوجوب ثمانية:
-٣١٩- الإسلوب الأول: الأمر بفعلِ الأمر كقوله سبحانه: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾
-٣٢٠- الأسلوب الثاني: صيغة المصدر النائب عن الفعل كقوله سبحانه ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ محمد-٤- أي فيجب عليكم ضرب الرقاب.
стр. 135
/متن المنظومة/
مضارع بلامِ أمرٍ يَقْتَرنْ ... مثالُه إنفاقُ ذي الوسعة مِنْ
سَعَتِهِ. كذاك باسم الفعل مَهْ ... كذا عليكُمْ وذا في الأمر لَهْ
خامِسُها التَّصريحُ بالأَمْرِ كما ... يأمركُمْ بأنْ تؤدُّوا الذِّممَاَ
وغيرُ ذاكَ مِنْ أساليبِ اللُّغَة ... كَ (كُتِب الصيامُ) ثُمَّ (الحَجُّ لَهْ)
-٣٢١ و ٣٢٢- الأسلوب الثالث: الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، مثاله قوله عزوجل ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ الطلاق -٧- فالمعنى: يجب على كل ذي سعة أن ينفق من سعته.
الأسلوب الرابع: اسم الفعل، مثل: مه، وعليكم، مثاله قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ . المائدة -١٠٥-
وقول الناظم (وذا في الأمر له) قيد احترازي، إذ قد تأتي (عليكم) لمحض الجر، فأراد الناظم بيان أن (عليكم) أسلوب من أساليب الأمر بشرط أن تأتي في معرض الأمر.
-٣٢٣- الأسلوب الخامس: التصريح بلفظ الأمر. مثاله قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ . النساء -٥٨-
-٣٢٤- الأسلوب السادس: أساليب اللغة العربية الأخرى التي تستخدم للأمر الجازم مجازاً، كقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ البقرة -١٨٣- وقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ آل عمران -٩٧- وغير ذلك.
стр. 136
/متن المنظومة/
وبعدَهُ التَّرتيبُ للعُقوبَةِ ... لتارِكِ الفعلِ كما الأُضْحيةِ
والثامِنُ التَّصرِيحُ بالإِيجابِ ... والفرضِ كالصِّيامِ في الصَّوابِ
وقسِّمَ الواجِبُ قسمينِ هُمَا ... مُؤَقَّتٌ ومُطْلَقٌ.. فَكُلُّ مَا
طلَبهُ محتماً معيناً ... لوقتِهِ مُؤَقَتٌ.. مثلُ مِنَى
-٣٢٥- الأسلوب السابع: ترتيب العقوبة من الشارع على تارك الفعل، سواء كانت عقوبة دنيوية أو أخروية. مثاله قول النبي ﷺ -في الأضحية: «من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح، فلا يحضر مصلانا» . رواه أحمد بن حنبل عن أبي هريرة.
-٣٢٦- الأسلوب الثامن: التصريح بلفظ وجب ويجب وفرض، كقوله ص: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه»
-٣٢٧ و ٣٢٨- ينقسم الواحب باعتبارات كثيرة أورد منها الناظم أربعة تقسيمات:
التقسيم الأول: بحسب وقت أدائه فهو: مؤقت ومطلق
التقسيم الثاني: بحسب التقدير وعدمه فهو: محدد وغير محدد
التقسيم الثالث: بحسب المكلف به وهو: عيني وكفائي
التقسيم الرابع: بحسب الفعل المأمور به وهو: معيَّن ومخيَّر.
وشرع يتكلم عن الواجب بحسب وقت أدائه فأشار إلى أنه مؤقت ومطلق، فالمؤقت ما طلبه الشارع طلباً حتماً في وقت معين، وأورد الناظم مثالاً على ذلك (مِنَى) إذ أمر الشارع برمي جمرة منى في وقت معين فلا تصح في غيره. ومثل ذلك الصلاة في مواقيتها، والصيام في رمضان، والحج في ميقاته.
стр. 137
/متن المنظومة/
وكلُّ ما طلَبَهُ وأَطْلَقَهْ ... فمطلَقٌ مثلُ النُّذُورِ المُطْلَقَةْ
فَحيثُما أدَّاهُ مطْلَقاً ولَوْ ... في غيرِ وقتِهِ قبولَهُ رَأَوْا
وجَعَلُوا المُؤَقَّتُ الذّي مَضَى ... ستَّةَ أنواعٍ لمن قد ارتضى
فأولٌ مؤقتٌ مضيَّقُ ... كَرَمَضَانَ كله مستغرَقُ
وبعدَهُ مُؤَقَّتٌ مُوَسَّعُ ... كالصلواتِ الخَمْسِ فهي تَسَعُ
والثالثُ المُؤَقَّتُ المشتبهُ ... لم يَتَّسِعْ فرضاً سِواهُ معهُ
والوقتُ ما استغرقَهُ جميعَهُ ... كالحجِ.. فانظُرْ ضيقَه ووسعَهُ
-٣٢٩ و ٣٣٠- والواجب المطلق هو ما أمر به الشارع ولم يؤقت له وقتاً معيناً، ومثاله: النذر، فالوفاء بالنذر واجب، ولكن الله لم يكلفنا وقتاً بعينه للوفاء بالنذر، فلو أداه في أي وقت صح منه، وقول الناظم (قبوله رأوا) أي رأى العلماء قبوله.
-٣٣١- عاد يفصل القول في الواجب المؤقت فأخبر أنه يكون على ستة أحوال:
-٣٣٢- الواجب المؤقت على ستة أحوال:
فمن حيث التوقيت: مضيق وموسع وذو شبهين، ومن حيث التنفيذ: أداء وإعادة وقضاء. فالمؤقت المضيق: هو الواجب المؤقت الذي يستغرق جميع الوقت المحدد، ولا يسع غيره معه، كالصيام في شهر رمضان، إذ لا يمكن خلال شهر رمضان صوم شيء غير الفريضة.
-٣٣٣- والمؤقت الموسع: هو الواجب المؤقت الذي لا يستغرق جميع الوقت المحدد له، ويسع معه غيره، كالصلوات الخمس، إذ يمكن صلاة نوافل كثيرة، وقضاء واجبات فائتة في ذات الوقت.
-٣٣٤ و ٣٣٥- والثالث هو المؤقت ذو الشبهين، وهو يتسع فرضا آخر معه ولكنه لا يصح إلا واجبٌ واحد فيه، كالحج، فأعمال الحج لا تستغرق كل الوقت، ويمكن عقلا أن يأتي المرء بعدة حجج في موسم واحد، ولكن لا يصح منه إلا حج واحد. و (ما) في قول الناظم (ما استغرقه) نافية، لا موصولة فتأمل.
стр. 138
/متن المنظومة/
فهذه الثَّلاثُ في توقيتِهِ ... وخذ ثلاثاً من لدن تنفيذِهِ
فَفِعلُهُ في وقتِهِ المُقَدَّرِ ... شَرعاً له فهو الأداءُ..فاحْذَرِ
وشرطُه بأَنْ يكونَ أوَّلا ... والثان أن يعيدَه مستكملا
لنَقصِهِ في وقته، واسمُهُ ... إعادَةٌ.. فاذكرُهْ يَسْهُلْ فهمُهْ
والثالثُ القضاءُ وهو فعلُهُ ... مستدرَكاً وقد تمضَّى ظلُّهُ
-٣٣٦- أخبر بأن أنواع الواجب المؤقت من حيث التوقيت ثلاثة وقد مرت، ومن حيث تنفيذ الواجب فهو أيضاً أنواع ثلاثة الأداء والإعادة والقضاء، وشرع يعدها فقال:
-٣٣٧ و ٣٣٨- الأداء هو فعل الواجب في وقته المقدرله شرعاً أولا، والقيد بكلمة: (أولا) يراد به التفريق بين الأداء والإعادة.
-٣٣٩- الإعادة: هي فعل الواجب في وقته المقدر له شرعاً ثانياً بعد سبق الأداء، وقد تكون الإعادة لنقص أو خلل أو لاحتياط محض.
-٣٤٠- القضاء: هو فعلُ الواجب المؤقت بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق له وجوب مطلقاً. وعبر الناظم بقوله (وقد تمضَّى ظلُّه) إلى انقضاء وقته المقرر شرعاً.
стр. 139
/متن المنظومة/
وقُسِّمَ الواجِبُ في المِقْدارِ ... قسمانِ: محدودٌ كما الظِّهارُ
والثانِ لم يحدَّدِ البَشيرُ ... حداً لَهُ مثالُه التَّعْزيرُ
وقسَّمُوهُ باعتبارِ الفاعِلِ ... فالأَوَّلُ: العَيْنِيُّ.. لم يُساهِلِ
في فعلِهِ مِنْ خلقِهِ مُكلَّفَاً ... مثلُ الصِّيامِ والزَّكاةِ والوفَا
وواجِبُ الكفايَةِ الذِّي إذَا ... أتاهُ بعضُهم كفاهُمْ مِنْهُ ذَا
مثالُهُ رَدُّ السَّلامِ والجهادْ ... ........
-٣٤١ و ٣٤٢- التقسيم الثاني للواجب بحسب تحديده وعدمه فهو قسمان:
الأول: الواجب الذي حدد له الشارع مقداراً معيناً، ومثاله: كفارة الظهار، فهي محددة لا يصح تغييرها. ومثل ركعات الصلاة وأنصبة الزكاة.
الثاني: الواجب غير المحدد، فالأمر فيه متروك لمن توجه الأمر إليه، ومثاله: التعزيز فهو عقوبة غير محددة، ترك الشارع أمر تقديره لولي الأمر.
-٣٤٣ و ٣٤٤- والتقسيم الثالث للواجب بحسب المكلف بفعل المأمور، وهو قسمان: واجب عيني، وواجب كفائي.
فالواجب العيني ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين، وهو ما عبر عنه الناظم بقوله (لم يساهل) ، أي لم يتساهل في عقوبة من تركه من المكلفين، ومثال ذلك فرض الصيام والزكاة والوفاء بالوعود، فكلها فرائض عينية.
-٣٤٥ و ٣٤٦- والواجب الكفائي هو الذي طلبه الشارع من مجموع المكلفين، فإن قام به البعض سقط عن الباقين، وأورد من الأمثلة على ذلك رد السلام والجهاد
стр. 140
/متن المنظومة/
....... ... لكنَّه عينٌ إذا تُغَزَّى البلاَدُ
كَذَا إِذَا لم يُستَنَبْ سِوَاهُ ... عينٌ عليهِ ثابِتٌ أدَاهُ
وقسَّموهُ باعتبارِ ذَاتِهِ ... معيناً مخيراً في ذاتِهِ
فكلُّ ما طلبُهُ وعينَهْ ... معينٌ كردِّ غصبٍ كان لَهْ
ومنْهُ ما طلَبهُ وخَيرَّا ... فلَمْ يُعَيِّن عَينَهُ ويَسَّرا
كالحكمِ في كفارَةِ اليَمينِ ... كذاكَ في إطلاقِ أَسْرى الدينِ
-٣٤٦ و ٣٤٧- يبن الناظم أن فرض الكفاية يصبح فرض عين على كل قادر إن لم يوجد من يقوم به، فالجهاد يصبح فرض عين إذا تعرضت البلاد لغزو، وكذلك إذا أسند الإمام إلى مكلف ما فرض كفاية صار متعيناً عليه، وتحول إلى فرض عين ثابت عليه. وقوله أداه، أي أداءه وهو مقصور.
-٣٤٨- والتقسيم الرابع للواجب بحسب نوع الفعل المطلوب، وهو نوعان: واجب معين وواجب مخير.
-٣٤٩- فالواجب المعين: حدده الشارع بذاته ولم يأذن باستبداله بشيء آخر، كالصلاة والصيام فلا يجوز استبدال ذلك بقربة أخرى، ومثال ذلك أيضاً رد المغصوب، فالمطلوب رده بعينه دون قيمته.
-٣٥٠ و ٣٥١- والواجبُ المخيَّرُ: ما طلب الشارع فعله من أمورٍ متعددة، وترك للمكلف الاختيار، فحيث أدى منها واحداً كفاه وأجزأه.
ومثال ذلك حكم كفارة اليمين، فالحانث مخير بين ثلاثة أشياء، قال تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾ سورة البقرة- ٢٢٥ - ومثال آخر في تخيير الإمام لاتخاذ ما يراه بصدد أسرى المعركة بين المن وبين الفداء، قال تعالى: ﴿فشدوا الوثاق فإمَّا منَّاً بعدُ وإما فداءً﴾ سورة محمد، الآية ٤
стр. 141
/متن المنظومة/
وكُلُّ ما لَيْسَ يَتِمُّ الواجِبُ ... إِلاَّ بهِ فإنُّهُ لواجِبُ
-٣٥٢- وختم فصل الواجب بتقرير قاعدة أصولية هامة، تسمى قاعدة مقدمة الواجب، وهي: (كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)
стр. 142
المندوب
стр. 143
/متن المنظومة/
ما طلبَ الشارعُ فعلَه بلا ... جزمِ فمندوباً تراه جُعلا
وقيلُ ما يحمَدُ فاعلٌ لَهُ ... ولا يُذَمُّ تارِكٌ أهمَلَهُ
ويستحقُّ الفاعِلُ الثَّوابَا ... وليسَ يلقَى التَّارِكُ العِقَابَا
ويَظْهَرْ المَنْدوبُ بالصَّريحِ ... كقولِهِ سَنَنْتُ في التَّرويحِ
كذاكَ في الطَّلَبِ غَيْر الجازم ... كآية الديون للتراحم
-٣٥٣- تعريف المندوب: ما طلبَ الشارعُ فعله طلباً غيَر جازم، وهذا هو تعريف المصباح المنير، وعرَّفه البيضاوي بقوله:
-٣٥٤ و ٣٥٥- ونص تعريف البيضاوي: (هوما يحمد فاعله ولايذم تاركه)
-٣٥٦- بدأ الناظم يعدد الأساليب التي تفيد الحكم بالندب، فذكر منها أربعة أساليب: الأسلوب الأول: التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، كقوله ﷺ -في صوم رمضان (وسننت لكم قيامه)
-٣٥٧- الأسلوب الثاني: الطلب غير الجازم، وذلك حين تقترن بأحد أساليب الأمر السابقة قرينة لفظية تصرفه عن الوجوب، كقوله تعالى بعد الأمر بكتابة الدين ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أوتمن أمانته﴾ البقرة-٢٨٣- وقوله بعد الأمر ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ النور -٣٣-
وأراد الناظم بقوله (للتراحم) التنبيه على رحمة الله إذ لم يجعل الأمر بالكتابة أمراً لازماً.
стр. 144
/متن المنظومة/
وحيثُ لا ترتيبَ للعِقَابِ ... في الحكمِ كالرُّخْصَةِ في الصَّوابِ
وكل ما طلبَهُ تحبيباً ... مبيِّنا لفَضْلِهِ تَرغيباً
واعتبِرَ المنْدوبُ مأموراً بِهِ ... لِلشَّافِعي وأحمدٍ وصَحْبِهِ
وذاكَ حيثُ طاعةً يَدعُونَهْ ... وأَنَّهُ في الدِّين يِطْلُبونَهْ
ودلَّلُوا بقسمةِ الأمرِ إلى ... نَدْبٍ وإيجابٍ بذا الأَمْرُ جَلا
-٣٥٨ الأسلوب الثالث: عدم ترتيب العقوبة على الفعل مع طلبه من الشارع.
ويظهر ذلك بالاستقراء. وقول الناظم: (كالرخصة) ، إشارة إلى قول النبي ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» رواه أحمد بن حنبل عن ابن عمر.
-٣٥٩- الأسلوب الرابع: الأساليب العربية الأخرى التي تدل على التحبيب والترغيب بدون إلزام، كقوله ﷺ (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) رواه الترمذي عن ابن عمرو.
-٣٦٠- أشار الناظم إلى مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية، وهي: هل المندوب مأمور به أم لا؟ ومع أن المسألة ليس إلا خلافاً لفظياً ولكن نورد هنا الحجج لكل من الطرفين. فقال الشافعي وأحمد إنه مأمور به واستدلوا لذلك بما يلي:
-٣٦١-٣٦٢ استدل الشافعي وأحمد بما يلي:
-١- إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة لا تكون إلا بامتثال أمر.
-٢- إن المندوب مطلوب ولكن لا يذم تاركه، أما الأمر فمطلوب أيضا ولكن لا يذم تاركه.
-٣- إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب.
وقوله (بذا الأمر جلا) إشارة إلى وضوح حجة الجمهور.
стр. 145
/متن المنظومة/
واختلف الأحناف في ذي المسئلة ... وجعلوا الأمر مجازاً فادعُ له
لوكان مأمورا به لكانا ... تاركه معاقباً مهاناً
وعللوا بسنة السواك ... وكونه في (افعل) حقيق زاكي
والندب أنواع ثلاث توجدُ ... مؤكد.. وغيره.. وزائدُ
أولها فاعله يثابُ ... ولا ينال التاركَ العقابُ
لكنه معاتبٌ ملومُ ... كسنة الفجر.. وذا مفهومُ
-٣٦٣ و ٣٦٤ و ٣٦٥- أما الحنفية فقد اختاروا أن المندوب مأمور به على سبيل المجاز دون الحقيقة وقول الناظم (فادع له) إشارة إلى ما اختاروه من الأدلة ودعوا إليه وهي:
-١- إن تارك الأمر عاص باتفاق، وتارك المندوب لا يقال له عاصياً.
-٢- استدلوا بأن النبي ﷺ -قال «لولا أن أشفق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» فلو أمرهم لكان واجباً، وإنما تحفظ من الأمر خشية الوجوب. (رواه أحمد بن حنبل عن أبي هريرة) .
-٣- الأمر حقيقة في لفظ (افعل) ويراد به الإيجاب، وما سوى ذلك تأويل، والتأويل بلا سبب لامسوغ له.
وعبر بقوله (حقيق زاكي) أن الوجوب في قولك افعل متحقق وزيادة.
ولاشك أن هذه المسألة لا تعدو كونها خلافاً لفظياً لا طائل تحته.
-٣٦٦- بين أن المندوب على ثلاثة أصناف: مؤكد وغير مؤكد وزائد.
-٣٦٧-٣٦٨- فالمندوب المؤكد، أو السنة المؤكدة كما يشتهر لدى الأصوليين هي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ولكنه يعاتب ويلام، وهي السنن التي واظب النبي ﷺ -على فعلها ولم يتركها إلا نادراً، ومثال ذلك ركعتي الفجر قبل الفريضة.
следующие страницы →