Полный текст (250 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
/متن المنظومة/
وهذهِ بعضُ الوجوهِ فيهِ ... نظامُ لفظٍ ومعانٍ فيهِ
ثُمَّ انطباقُهُ على العِلْمِ الصحيحْ ... وأثرُ اللَّفْظِ البليغِ والفصيحْ
كذلكَ الإِخبارُ بالمستقبلِ ... وكلُّ ذاكَ واضحٌ ومُنْجَلي
أحكامُه ثلاثَةٌ لِمَنْ أَرادْ ... عمليةٌ خلقيةٌ ثُمَّ اعتقادْ
فَمِنْهُ ما أبانَهُ مفصلاً ... ومنهُ ما أبانَ مِنْهُ مجملاً
-١٥٦-١٥٧-١٥٨- شرع يعدد بعض وجوه الإعجاز القرآني فذكر منها:
-١- اتساق ألفاظه وعباراته ومعانيه وأحكامه ونظرياته.
-٢- انطباق آيات القرآن الكريم على ما يكشفه العلم الصحيح.
-٣- فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره.
-٤- إخباره بوقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب.
وقد أفاض أستاذنا الزحيلي في إيراد الأمثلة على تحقق هذه الوجه، فلا داعي لتفصيل القول فيها.
-١٥٩- يمكن تصنيف الأحكام التي تضمنها القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام:
أحكام اعتقادية، وأحكام أخلاقية، وأحكام عملية شرعية، وهي تشتمل على العبادات والمعاملات والأنكحة والحدود والجهاد.
-١٦٠- وقد جاءت الأحكام في القرآن الكريم مفصلة في مواضع ومجملة في مواضع.
стр. 72
/متن المنظومة/
واستوعَبَتْ آياتُهُ العقائِدا ... والمجملاتِ وأَحالَتْ ماعدا
وبعضُهُ دلالَةٌ قَطْعِيَّةْ ... وبعضُهُ دلالةٌ ظَنِّيَة
واختلفَ الأسلوبُ في الإِلزامِ ... والندبِ والحلالِ والحرامِ
-١٦١- بين الناظم أن القرآن الكريم يشتمل على جميع العقائد، ويشتمل على جميع الأحكام على سبيل الإجمال فيما ترك تفصيل الأحكام المجملة لتقوم السنة المشرفة ببيانه.
-١٦٢ و ١٦٣- القرآن الكريم كله قطعيُّ الثبوت، أي لا شك في نسبته إلى الله ولكنه ليس قطعي الدلالة على سائر الأحكام، فمنه قطعي الدلالة ومنه ظني الدلالة، مثال ذلك قوله ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ النساء -٤٣-، فالآية تدل على أن ملامسة المرأة تنقض الوضوء، ولكن ما هي الملامسة المقصودة؟ هل هي محض اللمس؟، أم هي الجماع؟، أم هي الملامسة بشهوة؟ ثلاثة أقوال، لكل منها قرائن يستدل بها القائلون بذلك، والآية ظنية الدلالة على كل قول. وللقرآن الكريم: أساليب مختلفة في الأمر والنهي والندب والكراهة والإباحة نبينها فيما بعد إن شاء الله.
стр. 73
المبحث الثاني: السنة
стр. 74
/متن المنظومة/
والسُنَةُ الطريقَةُ المعتادَةْ ... قَدْ حدَّها قومٌ كرامٌ سادَة
وهِيَ اصطلاحاً ما أضيفَ للنَّبيْ ... قولاً وفعلاً.. ثم تقريرُ النَّبيْ
فالقولُ ما جاءَ مِنَ الكلامِ ... والفعلُ ما رأَوهُ كالسلامِ
وبعدَهُ التَّقريرُ وهو ما رَأَى ... مِنْ فعلِهم فما أَبَى ولا نَأى
واختلفَتْ في السنَّةِ الأقوالُ ... لِمَا مَضَى أهلُ الحديثِ مَالوا
وللأصوليينَ ما يثابُ ... بها.. وما لتاركٍ عِقَابُ
-١٦٤- السنة لغة: الطريقة والعادة، وهكذا عرفها النحاة.
-١٦٥- والسنة في اصطلاح المحدّثين: هي ما أضيف للنبي (من قول أو فعل أو وصف أو تقرير.
-١٦٦- ويراد بالقول: كلام النبي ﷺ المرفوع إليه بإسناد، ويراد بالفعل ما أخبر به الصحابة الكرام أو التابعون من أحوال النبي ﷺ ، ومثل الناظم بالسلام ليعبر عن السنة الفعلية.
-١٦٧- أما التقرير: فهو ما رآه ﷺ -من أحوال الصحابة فلم ينكره ولم يأمر به.
-١٦٨- وتعددت مناهج العلماء في تعريف السنّة، والتعريفُ السابق هو تعريف المحدثين.
-١٦٩- أما تعريف الأصوليين فهو: السُّنة: ما يثابُ فاعله ولا يعاقب تاركه.
стр. 75
/متن المنظومة/
وأربَعٌ لم تُعتَبرْ في السُّنَّةْ ... ما كانَ قبلَ بعثةٍ ومِنَّة
والثانِ ما أتى على الجِبِلَّة ... وما استَقى.. كطِبِّه في العِلَّة
رابعُها ما خصَّهُ بالذَّاتِ ... من حالِهِ كعدِدِ الزَّوْجاتِ
-١٧٠ و ١٧١ و ١٧٢- ذكر الناظم أربعةَ مسائل لا يعدُّها الأصوليون من السنة:
الأولى: ما كان قبل بعثة النبي ﷺ لأنه لا تشريع فيه.
الثانية: أفعال النبي ﷺ الجبلية التي لم يقم دليل على اعتبار مشروعيتها، لكن قالوا: نعم يثاب من قلده ﷺ -في ذلك لحبه وإخلاصه.
الثالثة: ما صدر عن رسول الله ﷺ -بمقتضى ما حصله من الخبرة البشرية في حياته الخاصة.
الرابعة: مسائل مخصوصة به ﷺ ، قام الدليل على أنه لا يجوز التأسِّي بها كالزواج بأكثر من أربع، والوصال في الصيام.
стр. 76
حجية السنة من القرآن
стр. 77
/متن المنظومة/
وثَبَتَتْ حجيةُ السنَّةِ في ... ألفِ دليلٍ ودليلٍ فاعرفِ
أَوَّلُها إشارةُ القرآنِ ... في النَّحْل للنَّبِيِّ بالبَيَانِ
وبعدَها الأمرُ بطاعةِ الرَّسُولْ ... وإن تحبَّ الله فاتبعِ الرَّسُولْ
-١٧٣- يراد بحجية السنة وجوبُ الرجوع إليها في تقرير الأحكام، وقد دأب بعض الناس على التشكيك بها، والتقليل من شأنها فراح الناظم يرد عليهم فأورد الأدلة أولاً من القرآن الكريم فقال:
-١٧٤- يريد قوله تعالى في سورة النحل آية -٦٤-:
﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾
-١٧٥- أراد بالشطر الأول قول الله في النساء -٥٩-
﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ .
وأراد بالشطر الثاني قوله في سورة آل عمران -٣١- ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾
стр. 78
/متن المنظومة/
وردُّهم إليهِ في التنازُعِ ... وحذِّر المِنكِرَ بالرَّوادِعِ
وأَنَّهُ أوتي حكمةَ الهُدى ... محلِّلٌ محرِّمٌ.. لا عَنْ هَوَى
-١٧٦- أشار في الشطر الأول إلى قوله في سورة النساء -٥٩- ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ .
وأشار في الشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة النور -٦٣-:
﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾
-١٧٧- إشارة إلى قوله في وصف النبي ﷺ في سورة الأعراف ١٥٦: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾
وأشار بالحكمة إلى قوله سبحانه في سورة الجمعة -٢-:
﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾
وأشار بقوله: لاعن هوى إلى قوله في سورة النجم -٤- ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى﴾
стр. 79
/متن المنظومة/
وقُرِنَتْ باللهِ فعلاً طاعَتُه ... وأَنَّه لذي اليقينِ أُسْوتُه
وليسَ مُؤْمِناً مِنْ لَمْ يحكِّمَهْ ... وما حباكَ خُذْ وما نهاكَ مَهْ
وَأُرْسِلُ الرَّسُولُ كَيْ يُطاعا ... لا خيرةً لمسلمٍ أطاعَا
-١٧٨- أشار بذلك إلى قوله تعالى في سورة النساء -٨٠-: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾
وأشار بالشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة الأحزاب ٢١:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾
-١٧٩- أشار إلى قوله في سورة النساء ٦٥-: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾
وأشار بالشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة الحشر ٧-: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾
و (مه) اسم فعل، معناه: اكفف، أي انته.
-١٨٠- أشار في الأول إلى قوله تعالى في سورة النساء -٦٤-: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾
وأشار في الثانية إلى أنه لا خيرة لمسلم أطاع الله ورسوله في الاتباع وعدمه، بل يلزمه اتباع الرسول (في كل شيء بمجرد دخوله في الإيمان وهو مقتضى الطاعة، وذلك هو مضمون قول الله في سورة الأحزاب-٣٦-: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾
стр. 80
/متن المنظومة/
وكلُّها في واضحِ القرآنِ ... مسطورةٌ تقصدُ للبيانِ
-١٨١- وعقب بأن هذه النصوص وغيرها مسطورة في صريح القرآن الكريم، وهي بمجملها قطعية الدلالة على وجوب اتباع سنة النبي ﷺ .
стр. 81
حجية السنة من غير القرآن
стр. 82
/متن المنظومة/
وهكذا قد أجمعَ الصحابةْ ... والتَزموا سؤالاً أو إِجابَةْ
ثُمَّ دليلهَا مِنَ المعقولِ ... ضرورةُ التبيينِ والتفصيلِ
وفعلُه كانَ البيانَ العَمَلِيْ ... لِكُلِّ ما في الذِّكْرِ مِنْ شَرعِ العلي
-١٨٢- راح الناظم يحتج لثبوت السنة من الأدلة الأخرى بعد القرآن الكريم، فأكد إجماع الصحابة الكرام على الأخذ بسنة النبي ﷺ والاحتكام إليها في مسائل الخلاف، ولا شك أن استقراء عمل الصحابة يدل على إجماعهم أن السنة حجة كاملة، ومصدر تشريعي واجب الاتباع، متى صحت سنداً إلى رسول الله ﷺ .
-١٨٣- واستدل لها من المعقول بأن كثيراً من أحكام القرآن الكريم نزلت مجملة غير مفصلة، والأمر بالمجمل من غير تفصيل أمر بما لا يفهم، والأمر بما لا يفهم عبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومثال ذلك أوامره أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وكتب عليهم الصيام. فلولا السنة لبقيت هذه المجملات بغير تفصيل وهو عبث لا يليق بكمال المولى سبحانه. فكانت هذه النصوص وغيرها مجملة فصلتها سنة النبي ﷺ وفق ما أمر به الله بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم من ربهم﴾
-١٨٤- واستدل الناظم أيضا بفعل النبي ﷺ إذ كان يفسر ويبين ما ورد في القرآن مجملا، وهذا أمر تظاهرت على إثباته روايات متواترة متضافرة لا يسع عاقلاً إنكارها.
стр. 83
/متن المنظومة/
وعُصِمَتْ كعصمةِ القُرآنِ ... فعصمةُ المبينِ كالمُبَانِ
ودَلَّتِ الآثارُ بالوُجُوبِ ... وحَذَّرِ المُنْكِرَ باللَّهيبِ
-١٨٥- ولا خلافَ أن السنَّة إذا صحَّت نسبتها إلى النبي ﷺ فهي معصومة، لا يتطرق إليها الزلل، وذلك لأن القرآن معصوم، وقد سميت السنة بياناً للقرآن، والحكيم لا يَكِلُ بيان المعصوم إلى غير المعصوم.
-١٨٦- وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ تأمر باتباع السنة وتحذر من مخالفتها، وتعد المنكرين بلهيب النار، وإنما أعرض الناظم عن إيرادها لأن الشيء لا يكون حجة لنفسه، فالخصوم يجادلون في حجية السنة والاحتجاج بها هنا مصادرة على المطلوب.
ونورد هنا استئناساً حديث المقداد بن معد يكرب فيما يرويه عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يقعد الرجل متكئاً يحدَّثُ بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرم الله» أخرجه أبو داوود والترمذي وأحمد.
стр. 84
تقسيم السنة من حيث السند
стр. 85
/متن المنظومة/
وما أتى تواتراً في الواقعِ ... يفيدُ في العلمِ اليقيني القاطعِ
وأنَّهُ كالذِّكرِ في ثبوتهِ ... وكفَّروا الجاحدَ في ثُبُوتِهِ
والخبرَ المشهورَ زادَ الحنفي ... وفَسَّقوا جاحدَهُ إنْ لَمْ يَفِيْ
-١٨٧ و ١٨٨- أخبر أن السنة تقسم من حيث عدد الرواة إلى أنواع فذكر منها: المتواتر، وهو ما رواه جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب وحيث تحققت شروط التواتر فإن ذلك يلزم العلم اليقيني القاطع، ويجب العلم به وتحرم مخالفته، وثبوته كثبوت القرآن، لأن القرآن إنما نقل أيضا بطريق التواتر، ومنكر المتواتر بلا بينةٍ كافر.
-١٨٩- الجمهور يقسمون الحديث إلى آحاد ومتواتر، فالمتواتر ما بيناه، والآحادي ما في إحدى حلقات إسناده راوٍ واحد، ولكن الحنفية أضافوا صنفاً ثالثاً وهو المشهور، وهو ما كان متواترا إلى الصحابي ثم لم يروه عن رسول الله إلا صحابي واحد، بجامع أن الصحابة كلهم عدول. ومنكر الخبر المشهور فاسق عند الحنفية إن لم يقم بينة على إنكاره، وهو ما عبر عنه بقوله: إن لم يفي، أي لم يوافِ بالبينة.
لكن المتأخرين من علماءِ الاصطلاح يصنفون السنة على الاعتبار الآتي:
المتواتر: ما رواه عشرة فما فوق.
المشهور: ما رواه أربعة إلى تسعة من الرواة.
العزيز: ما رواه اثنان أو ثلاثة.
الآحاد: ما رواه واحد.
ولا يخفى أن المراد بالأعداد المذكورة هو أضعف حلقة في سلسلة الإسناد.
стр. 86
/متن المنظومة/
واتَّفَقوا بأنَّها تستلزِمُ ... عَمَلنا والاحتجاجُ ملزِم
وخبر الآحادِ خُذْ دليلا ... أَنْ تنذِرَ الطائفةُ القَبيلا
وربَّ حاملٍ إلى فقيهِ ... وبلِّغوا عنِّي كما نَرْويهِ
-١٩٠- ولا خلاف بأن العمل بالمتواتر من الحديث لازم، والحجة به قائمة ملزمة، مع الإشارة إلى ما سبق من رأي الحنفية.
-١٩١- ذكر الناظم نوعاً ثالثاً هو حديث الآحاد، وقد سبق تعريفه، وأورد على وجوب الاحتجاج به من الأدلة: قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ التوبة -١٢٢-
فالفرقة ثلاثة، والطائفة واحد أو اثنان، وقد أخبر سبحانه بأن الطائفة مأمورة بإنذار الفرقة.
-١٩٢- واستدلَّ كذلك بالحديث الذي يبلغ رتبة التواتر المعنوي، وهو ما أخرجه الأئمة عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود قال رسول الله ص: «نَضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حاملِ فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»
وقوله: (بلغوا عني) إشارة إلى ما نرويه من حديث الإمام البخاري عن ابن عمر في قوله ص: «بلغوا عني ولو آية» . ...
стр. 87
/متن المنظومة/
وانعقدَ الإجماعُ.. أَيْ لم ينكرِ ... فجزيةُ المجوسِ فعلُ عمرِ
كذلِكَ استدلَّ بالقياسِ ... في الحكمِ يكفي واحدٌ في النَّاسِ
والجرحُ والتعديلُ في التصويبِ ... رجِّحْ بِهَا الصِّدقَ على التكذيب
ونقلوا عن الخليفتينِ ... مع خبرِ الواحد شاهدينِ
وربما حلَّفَهُ لم تَطَّرِدْ ... عنهم طريقة لأخذٍ أو لِرَدّْ
-١٩٣- واستدلَّ أيضاً بانعقاد الإجماع على وجوبِ الأخذ بخبر الآحاد، والإجماع المقصود هنا هو الإجماع السكوتي، ومعناه أن الصحابة أخذوا بحديث الآحاد ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعاً.
فقد عمل عمر بن الخطاب ﵁ بحديث عبد الرحمن بن عوف، وهو قول النبي ﷺ في المجوس: (سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب) فأخذ منهم الجزية وهو حديث آحاد، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
-١٩٤- ويستدلُّ أيضاً بالقياس على وجوب الأخذ بخبر الواحد، وذلك أن القاضي يقضي بشهادةِ الرجلين كما في نص القرآن الكريم.
-١٩٥- واستدلَّ عقلا بأن علم الجرح والتعديل تكفل ببيان أحوال الرجال، فصار الصدق أدنى من الكذب، وصارت الرواية تفيد الظن القوي.
-١٩٦- شرع في بيان شروط الأخذ بخبر الواحد، فنقل أولاً شروط الصحابة الكرام، فقد كان الخليفتان الراشديان أبو بكر وعمر ﵄ يشترطان شاهدين مع الحديث حتى يحكما به.
-١٩٧- وأحيانا كان عمر ﵁ يستحلف الراوي فيما يروي، ثم أشار الناظم إلى أن ذلك لم يكن منهجاً مطرداً، بل كان ذلك عائداً لمدى قناعة الخليفة ﵁ بموثوقية المحدث.
стр. 88
/متن المنظومة/
وهذِهِ شَرَّطَها الأَحنَافُ ... أَنْ لا يُرى في فعلِهِ خلافُ
أو ليسَ مما حثتِ الدَّواعي ... أولم يُوافِقْ عملَ الأَتْبَاع
في الفقه والراوي بلا فقهٍ كما ... في خَبَرِ المصراةِ قد تَذمَّما
واشتَرطوا لمالكٍ بأَنَّ مَا ... خالفَ فعلَ يثربٍ لم يَسْلَما
-١٩٨ و ١٩٩ و ٢٠٠- واشترط الأحناف شروطاً ثلاثة:
- أن لا يعمل الراوي بخلاف ما يرويه
- أن لا يكون مما توافرت الدواعي على نقله، فالحديث الذي تتوافر الدواعي على نقله يجب أن يكون من رواية أكثر من واحد، وإن عدم وجود أحد يرويه مظنة ريبة.
- أن لا يكون مخالفاً للقياس والأصول الشرعية وعمل الأمة إن كان الراوي غير فقيه.
-٢٠٠- تقدير الكلام أن الراوي بلا فقه مذموم، وأورد الناظم مثالاً عليه في حديث الشاة المصراة، وهو ما أخرجه الإمام البخاري في كتاب البيوع باب ٦٤، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ص: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر»
-٢٠١ واشترط الإمام مالك شرطاً آخر، وهو وجوب موافقة الحديث لعمل أهل المدينة، لأنه يرى أن عمل أهل المدينة وهم أبناء الصحابة الخلص، إنما هو نوع من التواتر المعنوي فلا يدفع بحديث الآحاد.
стр. 89
/متن المنظومة/
والشافعيُّ أربعٌ شُروطُهُ ... في كلِّ راوٍ عقلهُ وضَبْطُهُ
وأَنْ يكونَ ثقة في دينهِ ... ولم يخالِفْ متنُهم لِمَتْنِهِ
وأحمدٌ شروطُه كالشَّافِعِيْ ... فصَّلْتُها على المقالِ الرائِعِ
-٢٠٢ و ٢٠٣- واشترط الشافعي أربعة شروط وهي العقل، والضبط، والاستقامة في الدين في كل راو من الرواة، وأن لا يكون متن رواية مخالفاً لما هو رواية الجماعة.
-٢٠٤- ومذهب الإمام أحمد في الرواية كمذهب الشافعي، غير أنه يرى أن الحديث الضعيف خير من قول الرجال، وكذلك يحتج بالحديث المرسل.
стр. 90
مكانة السنة
стр. 91
/متن المنظومة/
وعملُ السُّنَّةِ في الكِتَابِ ... ثلاثَةٌ في الحقِّ والصَّوابِ
أَولُها التأكيدُ للقُرآنِ ... كالبرِّ والجهادِ والإِحسَانِ
والثانِ تبيينُ الذي قَدْ نُصَّا ... قيدَه فَسَّرهُ أَوْ خَصَّا
ثالثُها زيادَةٌ علَيْهِ ... كرجمِ محصنٍ وما إِليهِ
واختلفوا في نَسْخِها القُرآنا ... فالشَّافِعيُّ قالَ لا وبَانا
-٢٠٥- أشار الناظم إلى أن موقع السنة من القرآن واحد من ثلاثة: التوكيد والبيان والزيادة.
-٢٠٦- فتكون أولاً مؤكدة لما أمر به القرآن الكريم من الفضائل والأحكام وما نهى عنه من الرذائل والأفعال.
-٢٠٧- وتكون ثانياً مبينة للقرآن الكريم، فتقيد المطلقَ، وتخصص العام، وتفسر المبهم وتفصل المجمل.
-٢٠٨- وقد تأتي السنة بحكم جديد لم ينص عليه القرآن أصلاً، وأورد من الأمثلة عليه: رجم المحصن
-٢٠٩- أخبرَ بأن الإمامَ الشافعيَّ قال بعدمِ جوازِ نسخ القرآن بالسنة، لأن الله قال: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ولا شك أن السنة ليست مثل القرآن ولا خيراً منه.
وقوله (بانا) إشارة إلى أن الشافعي باينَ برأيه هذا مذهب الجمهور.
стр. 92
/متن المنظومة/
ونَسْخُها على مقالِ الجُلِّ ... دليلُهم وقوعُهُ بالفِعْلِ
-٢١٠ اختار الجمهور بأن السنة تنسخ القرآن الكريم، ودليلهم على ذلك الوقوع الفعلي، فقد نسخت آية الوصية في البقرة -١٨٠-:
﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين﴾
فقد قالوا إنها نسخت بقوله لا وصية لوارث.
ودفع الشافعي ذلك بقوله بل نسخت بآية المواريث في سورة النساء ١١:
﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ... ﴾ الآية
стр. 93
المبحث الثالث: الإجماع
стр. 94
/متن المنظومة/
هو اتفاقُ أهلِ الاجتهادِ ... من أمةِ النَّبي الإمامِ الهادي
في أَحدِ العصورِ والأزمانِ ... في حكمِ أمرٍ مّا.. بلا تَوانِيْ
دليلُهُ مِنَ الكتابِ نَهْيُهُ ... عنِ الشِّقاقِ، ثُمَّ فيهِ وَعْدُهُ
كذاكَ وصفُها بأنَّها الوَسَطْ ... وخيرُ أمةٍ فإنَّها فَقَطْ
-٢١١ و ٢١٢- الإجماع مصدر من المصادر المتفق عليها للتشريع الإسلامي، وأورد الناظم تعريف الكمال بن الهمام الحنفي، ونصه: الإجماع: اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمد (على أمر شرعي، والأمر الشرعي هو الأمر الذي لا يدرك لولا خطاب الشارع.
وقول الناظم: بلا تواني، أي بلا إبطاء، فلو اتفق بعض الفقهاء وأبطأ آخرون فليس إجماعاً معتبراً.
-٢١٣ و ٢١٤- شرع الناظم يورد الأدلة على ثبوت حجية الإجماع فبدأ أولاً بالأدلة من القرآن الكريم، فذكر أولاً آية سورة النساء رقم-١١٥-: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبعْ غير سبيل المؤمنين نولِّهِ ما تولَّى ونصلهِ جهنم وساءت مصيراً﴾
وقد تضمنت الآية النهي عن مشاققة المؤمنين، وتضمنت الوعيد على من يسلك سبيل شقاق المؤمنين ثم استدل بقول الله في سورة البقرة ١٤٣: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾
وكذلك قوله في سورة آل عمران -١١٠-: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾
стр. 95
/متن المنظومة/
وصَحَّ في الحديثِ حيثُ قالا ... ليسَ اجتماعُ أُمَّتي ضَلالاً
والزَمْ سوادَ المسلمينَ الأَعظما ... وحَسنٌ عندَ الإلهِ كُلُّ مَا
رآهُ جمعُ المسلمينَ حسَنَا ... نقلَها أصحابُ علمِ أُمَنَا
واحكُمْ بهِ عقلاً فجَمْعُهم إذا ... توافَقَتْ آراؤُهم فالحقُّ ذا
-٢١٥ و ٢١٦ و ٢١٧- شرع الناظم يورد الأدلة على حجية الإجماع من السنة المشرفة: فأشار إلى الحديث المشهور: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وهو حديث صحيح أخرجه أحمد وغيره وقد روي من طرق كثيرة تبلغ بمجموعها رتبة التواتر المعنوي.
- وأشار كذلك إلى حديث: «عليكم بالسواد الأعظم» (٢٤) .
وحديث: «ألا من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد»
ثم أشار إلى حديث: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» وهو حديث موقوف على ابن مسعود، أخرجه أحمد في كتاب السنة
-٢١٨- واستدل كذلك بالمعقول وهو أن فقهاء الأمة إذا اتفقوا على الحكم في قضية ما، وجزموا بها، فالعادة تحيل أن يكون هذا الاتفاق غير مستند إلى أصل شرعي، وإلا فإنه لا بد أن يعارض أحدهم
стр. 96
/متن المنظومة/
وركنُهُ اتفاقُهم جميعُهم ... بقولهِمْ وفاقاً أَوْ سُكوتِهم
ورَدَّ هذا الشَّافِعِيْ والظَّاهِرِيْ ... وكَمْ حكاهُ مِنْ إمامٍ ماهرِ
-٢١٩- بَيَّن أنَّ ركن الإجماع هو اتفاق سائر المجتهدين، ولا عبرة بخلاف أهل الأهواء، وعامة القراء الذين لا يعتبرون من المجتهدين.
ثم بين أن الإجماع نوعان: إجماع صريح وإجماع سكوتي، فالإجماع الصريح هو ما قررناه، وأما الإجماع السكوتي فهو أن يتكلم مجتهد في مسألة، فتشيع بين الناس ولا ينكرها من معاصريه أحد.
-٢٢٠- لم يقبل الشافعية والظاهرية الاحتجاج بالإجماع السكوتي، لكن الحنفية وأحمد يرونه مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع.
стр. 97
شروط الإجماع
стр. 98
/متن المنظومة/
وعَدَّدوا شروطَهُ وبَعْضُها ... مُختَلَفُ فيهِ وهاكَ عَدُّها
أَوَّلُّها أَنْ ينتفي التَعارُضُ ... مع الكتابِ أو حديثٍ قد رَضُوا
والثانِ أَنْ يستندَ الإِجْماعُ ... إلى دليلِ واضحٍ أذَاعوا
وأَنْ ترى المجتهدينَ عَددا ... واتَّفَقوا جميعهُم لا ماعَدا
وأَنْ يكونَ مِنْ أمورِ الشَّارِعِ ... وقيلَ لا بَلْ كُلُّ أمرٍ نافعِ
وأَنْ يَمُرَّ عصرهُمْ جَميعاً ... فلا يعودَ واحدٌ رُجُوعاً
وبعضهُم نَفَوا.. وزادَ الحَنَفِيْ ... أَنَّ الخلافَ قبله قَدْ انتُفي
-٢٢١ و ٢٢٢- أول شروط الإجماع أن لا يعارضه نص من القرآن أو السنة أو إجماع سابق، وعبر الناظم عن الحديث الصحيح بقوله: (حديث قد رضوا) أي رضيه علماء السنن.
-٢٢٣- ومن شروط الإجماع أن يستند إلى دليل شرعي، وإن لم يصلنا الدليل وقوله: (أذاعوا) أي شاع هذا الشرط بين الأصوليين.
-٢٢٤- يريد أنه لا بد من وجود عدد من المجتهدين، ولا بد من اتفاقهم في المسألة، فإذا خالف البعض لم يكن إجماعا، إذا كان هذا المخالف ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد.
-٢٢٥- ولا يكونُ الإجماعُ في رأي الأكثرين إلا في المسائل الشرعية، لكن خالف بعض الفقهاء فقالوا: إن الإجماع حجة شرعية في أي أمر.
-٢٢٦٢٢٧ واشترطوا أن ينقرض العصر، ويموت المجتهدون الذين نقل إجماعهم، من غير أن يرجع منهم أحد. وكذلك اشترط أبو حنيفة أن لا يكون في المسألة خلاف سابق
стр. 99
/متن المنظومة/
وحُكْمُهُ في الشَّرعِ حكمٌ قاطِعُ ... وحكمُهُ في الأَمرِ لا يُنَازَعُ
واختلَفُوا في حُجَّةِ السكوتيِ ... فالكَرْخِي والآمدِي لم يُثْبِتِ
ومالكٌ يحتج بالإجماعِ ... من أهلِ يثربٍ بلا نزاعِ
وقصرَ الإجماعَ أهلُ الظاهرِ ... على الصحابِ في مقالٍ جائرِ
واعتَبروا للعترة الإِجماعا ... والراشدينُ بَلْ لشيخينِ مَعَا
-٢٢٨- واتفق أهل السنة والجماعة أن الإجماع حجة قطعية لدى توافر شروطه، ولم ينازع في ذلك أحد يعتد برأيه.
-٢٢٩- عاد الناظم يشير إلى ما سبق من بيان اختلافهم في قبول الإجماع السكوتي، فأشار إلى أن الكرخي من الحنفية، والآمدي من الشافعية يعتبرانه حجة ظنية، فيما يراه أكثر الحنفية والحنابلة حجة قطعية.
-٢٣٠- ويحتج الإمام مالك بإجماع أهل المدينة، ويعده حجة قطعية في الأحكام، وليس هذا الإجماع حجة مستقلة إلا عند مالك.
-٢٣١- أما الظاهرية فإنهم يرون أن الإجماع مقتصر على الصحابة، ولا إجماع بعدهم، وهذا قول لم يذهب إليه غيرهم من الفقهاء.
-٢٣٢- ويعتبر الشيعة أن الإجماع هو إجماع أهل البيت وحدهم. كذلك فإن بعض العلماء يحتجون بإجماع الخلفاء الراشدين، بل يحتج البعض بإجماع الشيخين أبي بكر وعمر فيجعلون ذلك حجة قطعية.
стр. 100
المبحث الرابع: القياس
стр. 101
/متن المنظومة/
وعرَّفوا القياسَ اصْطلاحاً ... فاحفظْهُ عني تبلغِ النَّجَاحَاْ
فرعٌ يساوِي أصلَهُ في العِلَّة ... أي حكمهِ، فالحكمُ فيهِ مِثْلَهْ
أركانُهُ أربعَةُ في العَقْلِ ... أصلٌ وفرعٌ ثم حكمُ الأصلِ
رابعُها العِلَّةُ في الإطارِ ... مثالُهُ النَبيذُ في الإسكارِ
-٢٣٣ و ٢٣٤- أشار الناظم إلى تعريف القياس لدى ابن الحاجب في مختصره ونصه: (مساواة فرع لأصل في علة حكمه) . وهو في تعريف آخر (إلحاق فرع بأصله في الحكم لجامع العلة بينهما)
فالشارع الكريم بين عدداً من الأحكام بالنص صراحة، ولكن النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية، وما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى، فلا بد من الاجتهاد، والقياس أظهر أبواب الاجتهاد، فيبحث الفقيه عن العلة التي حرم من أجلها الشارع الحرام، ويقيس الأمور عليها.
مثال ذلك: نص الشارع صراحة على تحريم الخمر، وعلة التحريم بلا ريب الإسكار، فكل ما تحقق فيه الإسكار كان حراماً.
-٢٣٥ و ٢٣٦- شرع الناظم يعدد أركان القياس فقال: هي أربعة: الأصلُ الذي نقيس عليه، والفرعُ الذي نقيسُ لأجله، وحكم الأصل: إذ لا بد أن يكون الأصل الذي نقيس عليه قد بين الشارع حكمه صراحة، والرابع هو وجود علة مشتركة بين الأصل والفرع ليكون حكم المسألتين واحداً في الإطار ذاته. ثم أورد الناظم مثالا لذلك: النبيذ، فرع عن الخمر بعلة الإسكار فيهما، فحكمهما واحد، وقد سبق بيانه.
стр. 102
/متن المنظومة/
دليلُه من الكتاب قولُهُ ... فاعتبروا.. عن شافعيٍ نقلُهُ
وخُذْ مِنَ السُّنَّةِ قولَ ابنِ جَبَلْ ... كذا النبيُّ حيَن قاسَ في القُبَلْ
-٢٣٧- أخبر بأن الإمام الشافعي استدل على القياس بقول الله : فاعتبروا يا أولي الأبصار. فقال: الاعتبار قياس الشيء بالشيء لجامع العلة بينهما.
-٢٣٨- واستدل من السنة بحديث معاذ بن جبل ﵁، لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، (فقال له: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو) . وفي رواية قال: (أقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملت به، فقال النبي ﷺ : أصبت) - أخرجه أحمد وأبو داوود والترمذي.
وكذلك استدل الناظم بخبر عمر ﵁ كما رواه أبو داوود، وهو أن عمر سأل النبي ﷺ عن القبلة هل تفطر الصائم؟ قال أرأيت إن تمضمضت، أكنت تفطر؟ قال: لا. فقال النبي ﷺ : فمه؟) يريد ما الفارق؟..
واستدل كذلك بتداول الصحابة الكرام في مسألة عقوبة الشارب، فقد قضى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بثمانين جلده على شارب الخمر، قياساً على عقوبة القذف، وقال: إن شارب الخمر إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعقوبة المفتري ثمانون جلدة
стр. 103
/متن المنظومة/
وغيرها عَنْ مائَةٍ تَزيدُ ... مثالُ ذاكَ الأسودُ الوَليدُ
وثبتَ القِياسُ بالإجماعِ ... فعَلَهُ الصِّديقُ للأتباعِ
وحكمه يفيد ظنَّ الحكْمِ ... فاحكُمْ بِهِ ولا تَخُضْ بالوهمِ
-٢٣٩- وهناك أخبار كثيرة تزيد عن مائة يمكن أن تجد فيها تعامل النبي ﷺ والصحابة من بعده، على أساس القياس.
وأورد من الأمثلة على ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، ونصه: أن رجلا من فزارة أتى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال له النبي ﷺ : هل لك من إبل؟ قال نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً، قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق.
-٢٤٠- ولا خلاف أن الصحب الكرام أخذوا بالقياس في المسائل ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك، حتى قال ابن عقيل الحنبلي: (وقد نقل التواتر المعنوي عن الصحابة في استعمال القياس)
وأورد حديث الصديق ﵁ حين أفتى في الكلالة وقال: أقول فيه برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.
-٢٤١ أشار إلى أن القياس دليل ظني، وقال: إن الظن حجة يعمل بها طالما لم يتوفر اليقين
стр. 104
الفصل الثاني: المصادر المختلف فيها
стр. 105
الاستحسان
стр. 106
/متن المنظومة/
وحدُّه أن يعدلَ المجتهدُ ... عن مقتضى قياسِ أمر يردُ
مِنْ واضحٍ إلى قياسٍ مختفي ... أو حكمِ كليٍ لمستثنى خفي
وذاكَ من أجل دليلٍ يقدحُ ... في عقلِه عدولَه يرجِّحُ
وظاهر بأنَّه نوعانِ ... ترجيحٌ استثناءُ للبيانِ
فالأوَّلُ الترجيحُ كالحَلْفانِ ... والثان الاستثناءُ كالضمانِ
-٢٤٢ و ٢٤٣ و ٢٤٤ الاستحسان مصدر من مصادر التشريع قالت به الحنفية وبعض الحنابلة، وتعريفه عندهم هو: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي، لدليل انقدح في عقله رجح هذا العدول.
-٢٤٥ وبه يظهر لك أن الاستحسان عندهم نوعان:
-١- ترجيح قياس خفي على قياس جلي.
-٢- الحكم باستثناء جزء من أفراد الحكم من الحكم العام وذلك لحكمة يراها المجتهد.
-٢٤٦ أورد لكل نوع مثالا فمثال الأول: التحالف، وذلك أن الحكم في الأصل أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، ولكن قد يطرأ في المسألة ما يجعل كلاً من الطرفين مدعياً ومدعى عليه، كما لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل القبض، فيتحالفان.
ومثال الثاني: ضمان الأجير المشترك، وهو الحرفي الذي يتولى إصلاح حوائج الناس، فالأصل أنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولكن لما تساهل الصناع في حوائج الناس، استحسن الفقهاء أن يضمنوهم، وهو كما ترى استثناء حكيم من القاعدة الكلية: أن الأمين لا يضمن إلا بالتفريط.
стр. 107
/متن المنظومة/
وذهبَ الأحنافُ والحنابلةْ ... إلى اعتباره دليلاً قابلَهْ
مِنَ الكتابِ: يتبعونَ الأَحْسَنا ... وما رآهُ المسلمونَ حَسَنا
وأكَّدوا تفضيلَ الاستحسانِ ... على القياسِ أي قياسِ الثاني
ومالكٌ والشافعيُّ قالا ... بنفيهِ وصَحَّحُا الإِبْطالا
-٢٤٧ و ٢٤٨ أخبر الناظم بأن الأحناف والحنابلة اعتبروا الاستحسان دليلاً شرعياً، وذلك بما قابله من دليل الكتاب العزيز في قوله : ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ سورة الزمر -١٨-
وكذلك قوله : ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ سورة الزمر ٥٥
ومن السنة ما روى موقوفاً على عبد الله بن مسعود: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) .
-٢٤٩ ويعتبر الحنفية الاستحسان مصدراً رئيساً من مصادر التشريع، ويقدمونه على القياس، لأنه عندهم قياس في الحقيقة، تقَّوى بمرجح، كان أولى من القياس الآخر الذي لم يتأيد بمرجح.
-٢٥٠ وأنكر الإمام مالك حجية الاستحسان، وكذلك فقد تشدد الشافعي في إنكار المسألة، وقال من استحسن فقد شرع، وصنف كتابا خاصا أسماه: إبطال الاستحسان. ...
стр. 108
المصالح المرسلة
стр. 109
/متن المنظومة/
وعرَّفوا المصالِحَ اصْطِلاحا ... ما لم يَرِدْ في حكمِها صُراحَاً
دليلُ شرعٍ في اعتبارِ حُكْمِها ... ولا على إلغائِها أَوْردِّها
كالجُندِ والديوانِ والسُّجُونِ ... والخُلْفُ في استقلالِها في الدَّينِ
فذهبَ الأحنافُ ثم الشافِعِيْ ... لنَبْذِها على مَقالٍ بارعِ
-٢٥١ و ٢٥٢- المصالح المرسلة: هي المصلحة التي لم ينص الشارع على حكم لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.
وهكذا فإن المصالح ثلاثة أنواع:
-١- مصالح معتبرة، نص عليها الشارع وأمر بها ودعا إليها: كالزواج والسفر والصيد..
-٢- مصالح ملغاة، حرمها الشارع ونهى عنها: كالربا والقمار وغيرها ...
-٣- مصالح مرسلة، سكت عنها الشارع، وهي المراد بالاستصلاح.
-٢٥٣- وأورد من الأمثلة على المصالح المرسلة أنظمة الجند، وتدوين الدواوين، وإحداث السجون لردع المجرمين، فكل هذه المصالح قررها الأصحاب مما سكت عنه الشارع العظيم.
ثم أخبر أن الأصوليين مختلفون في اعتبار المصلحة المرسلة دليلاً مستقلاً في الدين. فمنهم من يعدها دليلاً مستقلاً، ومنهم من يعتبرها دليل استئناس يعضد به الدليل الأصل.
-٢٥٤- أخبر أن الحنفية والشافعية لم يعتبروا المصالح دليلاً شرعياً، ولهم في ذلك كلام أوضحه البيت التالي:
стр. 110
/متن المنظومة/
فالشَّرْعُ كلَّ أمرِنا قد راعى ... كتاباً أو حديثاً أو إجماعاً
والآخرانِ جَعَلاهُ أصْلاً ... يُبْنى عليهِ الحكمُ مُستَقِلاً
واشتَرطوا ثلاثةً شروطاً ... بغالبِ الأَنام أَنْ تُحيطَا
كذاكَ أنْ تكونَ واقعَّيةْ ... ولم تعارَضْ حجةً شَرْعِيَّةْ
ثَمَّ لهَا أَربعةٌ دَواعِيْ ... درءُ الأَذَى والسدُّ للذَرائعِ
جلبُ مصالحٍ، تغُّيرُ الزَّمَنْ ... فافْهَمْ فأنْتَ في البلاغِ مُؤْتَمَنْ
-٢٥٥- احتج الأحناف والشافعية بأن الشرع جاء كاملا فيه تبيان كل شيء، عن طريق سبله الثلاثة الكتاب والحديث والإجماع، وقرروا أن سائر مصالح المسلمين موجودة في هذه المصادر الثلاثة.
-٢٥٦- أخبر أن مالكاً وأحمد جعلا المصلحة المرسلة أصلاً تبنى عليه الأحكام الشرعية باستقلال، إذ الزمان يتغير وتبدو في كل عصر مصالح جديدة، لم يكن يراها الأولون، فلو لم يشرع الاستصلاح لتعطلت مصالح كثيرة للعباد، وإن القول بتحريم المصلحة ليس أهون من القول بإباحتها، فكلاهما نوع من الرأي فيما لا نص فيه.
-٢٥٧ و ٢٥٨- واشترط القائلون بحجية المصالح المرسلة ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون مصلحة عامة لا خاصة.
الثاني: أن تكون مصلحة حقيقية لا وهمية.
الثالث: أن لا تعارض أصلاً شرعياً معتبراً.
-٢٥٩ و ٢٦٠- ولهذه المصالح عند القائلين بها أربعة دواعٍ تلجئ إليها وهي: درء الأذى عن الناس، وسد الذرائع التي توصل إلى الأذى والإثم، وجلب المصالح للأمة، وتغير الزمن الذي يستلزم طروء مصالح جديدة للناس.
وقوله: (فافهم فأنت في البلاغ مؤتمن) توجيه لطالب العلم ليفهم ضوابط المصلحة في الشرع، فلا يقفز فوق النصوص بحجة المصلحة، ولا يتساهل في تحقيق شروطها السالفة.
следующие страницы →