← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 3284

جامع الدروس العربية

مصطفى الغلاييني

Полный текст (839 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

صاحِ شَمِّرْ، ولا تَزَلْ ذاكِرَ الْمَوْ ... تِ فَيِسْيانُهُ ضَلالٌ مُبِينُ أو دُعاءٌ، نحو "لا زِلتَ بخيرٍ". وقد جاء حذفُ النهي منها بعد القسم، والفعلُ مضارعٌ منفيٌّ بلاَ وذلك جائزٌ مُستملَحٌ، ومنه قولهُ تعالى ﴿تاللهِ تَفتأُ تذكُرُ يوسفَ﴾ ، والتقديرُ "لا تفتأُ" وقولُ امرئ القيس [من الطويل] فقُلْتُ يَمينُ اللهِ أَبرحُ قاعداً ... ولَوْ قَطَعُوا رأْسي لَدَيْكِ وأَوصالي والتقديرُ "لا أبرح قاعداً". ولا يُشترطُ في النفي أن يكون بالحرف، فهو يكونُ به، كما مرَّ، ويكونُ بالفعل، نحو "لستَ تبرحُ مجتهداً"، وبالاسم، نحو "زُهيرٌ غيرُ مُنفكٍّ قائماً بالواجب". وقد تأتي "وَنَى يني، ورامَ يَريمُ" بمعنى "زالَ" الناقصة، فيَعملانِ عمَلها. ويُشترطُ فيهما ما يُشترطُ فيها، ومنه قولُ الشاعر [من الطويل] فأَرحامُ شِعْرٍ يَتَّصِلْنَ ببابهِ ... وأرحامُ مالٍ لا تَني تَتَقَطَّعُ أي لا تزالُ تتقطّعُ، وقول الآخر [من الطويل] إذا رُمتَ، مِمَّنْ لا يَريمُ مُتَيَّماً، ... سُلُوّاً فَقَدْ أَبعَدْتَ في رَوْمِكَ المَرْمَى،

стр. 492

أي "لا يزالُ، أو لا يبرحُ مُتَيَّماً". ويشترطُ في "دامَ" أن تتقدَّمها "ما" المصدريَّةُ الظرفيّةُ، كقوله تعالى ﴿وأوصاني بالصلاة والزَّكاةِ وما دُمتُ حَيًّا﴾ . (ومعنى كونها مصدرية انها تجعل ما بعدها في تأويل مصدر. ومعنى كونها ظرفية انها نائبة عن الظرف وهو المدة، لأن التقدير "مدة دوامي حياً") . "تلبية" - زال الناقصة مضارعها "يزال". وأما "زال الشيء يزول" بمعنى "ذهب" و"زال فلان هذا عن هذا"، بمعنى "مازه عنه يميزه، فهما فعلان تامان. ومن الاول قوله تعالى ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ . وقد يُضَمرُ اسمُ "كانَ" وأخواتها، ويُحذفُ خبرُها، عند وجودِ قرينةٍ دالةٍ على ذلك، يُقالُ "هل أصبح الرَّكبُ مسافراً؟ " فتقولُ "أصبح"، والتقديرُ "أصبحَ هو مسافراً". (٣) أَقسامُ كان وأَخَواتها تنقسمُ "كان وأخواتُها" إلى ثلاثة أقسام الاولُ ما لا يتصرفُ بحالٍ؛ وهو "ليسَ ودام" فلا يأتي منهما المضارعُ ولا الأمرُ. الثاني ما يتصرَّفُ تَصرُّفاً تاماً، بمعنى أنه تأتي منه الأفعال الثلاثةُ، وهو "كان وأصبَحَ وأمسى وأضحى وظَلَّ وباتَ وصارَ". الثالث ما يتصرَّفُ تصرُّفاً ناقصاً، بمعنى أنهُ يأتي منه الماضي

стр. 493

والمضارع لا غيرُ، وهو "ما زالَ وما انفكَّ وما فتيءَ وما بَرِحَ". واعلم أن ما تصرَّفَ من هذه الافعال يعملُ عملَها، فيرفع الاسم وينصبُ الخبرَ، فعلاً كان أو صفةً، أو مصدراً، نحو يمسي المجتهدُ مسروراً، وأمسِ أديباً، وكونُكَ مجتهداً خيرٌ لك" قال تعالى ﴿قُلْ كونوا حجارةً أو حديداً﴾ ، وقال الشاعر [من الطويل] وما كُلُّ مَنْ يُبْدِي البَشاشةَ كائناً ... أَخاكَ، إذا لم تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدا غيرَ أنَّ المصدرَ كثيراً ما يُضافُ الى السم، نحو "كونُ الرجلِ تقيّاً خيرٌ لهُ". (فالرجل مجرور لفظاً، لأنه مضاف غليه، مرفوع محلاً، لأنه اسم المصدر الناقص) . وإن أُضيفَ المصدرُ الناقصُ الى الضمير أو الى غيرهِ من المبنيّات، كان له محلاّنِ من الاعراب محلٌّ قريبٌ وهو الجرُّ بالإضافة، ومحلٌّ بعيدٌ، وهو الرفع، لأنه اسمٌ للمصدر الناقص، قال الشاعر [من الطويل] بِبَذْلٍ وحِلْمٍ سادَ في قَوْمِهِ الْفَتَى ... وكونُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسيرُ (٤) تَمامُ "كانَ" وأَخواتِها قد تكونُ هذه الافعال تامَّةً، فتكتفي برفع المُسنَدِ إليه على أنهُ فاعلٌ لها، ولا تحتاجُ الى الخبر، إلاّ ثلاثةَ أفعالٍ منها قد لَزِمَتْ النّقصَ، فلم تَرِد تامَّةً، كوهي "ما فتيءَ وما زال وليس". (فاذا كانت (كان) بمعنى حصل، و (أمسى) بمعنى دخل في

стр. 494

المساء، و (أصبح) بمعنى دخل في الصباح، و (أضحى) بمعنى دخل في الضحى، و (ظل) بمعنى دام واستمر، و (بات) بمعنى نزل ليلاً، أو أدركه الليل، أو دخل مبيته، و (صار) بمعنى انتقل، أو ضم وأمال أو صوت، أو قطع وفصل، و"دام" بمعنى بقي واستمر، "وانفك" بمعنى انفصل أو انحل، و"برح" بمعنى ذهب، أو فارق، كانت تامة تكتفي بمرفوع هو فاعلها) . ومن تمام هذه الأفعال قولهُ تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ، وقوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] ، وقولهُ: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ، وقولهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] وقوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٢٦٠] ، قُريءَ بضم الصاد، من صارَهُ يَصورُهُ، وبكسرها، من صارهُ يَصرُهُ، وقول الشاعر: [من المتقارب] تَطاوَلَ لَيْلُكَ بالإثْمِدِ ... وباتَ الخَليُّ، ولم تَرْقُدِ (٥) أَحكامُ اسم "كانَ" وخَبَرُها كل ما تَقدَّمَ من أحكامِ الفاعلِ وأقسامه، يَعطى لاسم "كانَ" وأخواتها لأن لهُ حُكمَهُ. وكلُّ ما سبقَ لخبر المبتدا من الأحكامِ والأقسامِ، يُعطى لخبر "كان" وأخواتها، لأنَّ لهُ حُكمَهُ، غيرَ أنه يجبُ نصبُهُ، لأنهُ شبيهٌ بالمفعول به.

стр. 495

وإذا وقع خبرُ "كانَ" وأخواتها جملةً فعليةً، فالأكثرُ أن يكونَ فعلُها مضارعاً، وقد يجيءُ ماضياً، بعد "كانَ وأمسى وأضحى وظلَّ وبات وصارَ". والأكثرُ فيه، إن كانَ ماضياً، أن يقترن بِقدْ، كقول الشاعر فأَصبَحُوا قَدْ أَعادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ ... إذْهُمْ قُرَيْشٌ، وإِذْ ما مِثْلُهُمْ أَحدُ وقد وقعَ مجرَّداً منها، وكثر ذلكَ في الواقعِ خبراً عن فعلِ شرطٍ، ومنه قولهُ تعالى ﴿وإن كانَ كبُرَ عليكم مَقامي﴾ ، وقوله "إن كانَ كبُرَ عليكَ إِعراضُهم" وقولهُ ﴿إن كنتُ قُلْتَهُ فَقدْ علِمتَهُ﴾ وقلَّ في غيره، كقول الشاعر [من البسيط] أَضْحَتْ خَلاءَ، وأَضْحَى أَهلُها احتَمَلوا ... أَخنى عَلَيها الذي أَخنى على لُبَدِ وقولِ الآخر [من الطويل] وكانَ طَوَى كَشْحاً على مُسْتَكِنَّةٍ ... فَلا هُوَ أَبداها، ولم يَتَقَدَّمِ (٦) أَحكامُ اسمِها وخَبَرِها في التَّقديم والتأخير الأصلُ في الاسمِ أن يَليَ الفعلَ الناقصَ، ثمَّ يجيء بعدَه الخبرُ. وقد يُعكَسُ الأمرُ، فيُقدَّمُ الخبرُ على الاسمِ، كقوله تعالى ﴿وكانَ حقاً علينا نَصرُ المؤْمنين﴾ ، وقولِ الشاعر [من البسيط]

стр. 496

لا طِيبَ لِلعَيشِ ما دامتْ مُنَغَّصَةً ... لذَّاتُهُ بادِّكارِ الشَّيْبِ والهَرَمِ وقول الآخر [من الطويل] سَلي، إن جَهِلْتِ الناسَ عَنَّا وعنهُمُ ... فَلَيْسَ سَواءَ عالمٌ وجَهولٌ. ويجوزُ أن يتقدَّمَ الخبرُ عليها وعلى اسمها معاً، إلا "ليسَ" وما كان في أوَّلهِ "ما" النافيةُ أو "ما" المصدريَّةُ، فيجوزُ أن يُقالَ "مُصحِية، كانتِ السماءُ" "وغزيراً أمسى المطرُ"، ويَمتنعُ أن يُقالَ "جاهلاً ليس سعيدٌ"، و"كسولاً ما زال سليمٌ" و"أقفُ، واقفاً ما دام خالدٌ". وأجازه بعضُ العلماءِ في غير "ما دام". أمّا تقدُّمُ معمولِ خبرِها عليها فجائزٌ أيضاً، كما يجوزُ تقدُّمُ الخبر، قال تعالى ﴿وأنفسَهم كانوا يَظلمون"، وقال "أهؤلاءِ إياكم كانوا يعبُدون﴾ . واعلَمْ أن أحكامَ اسمِ هذه الافعالِ، وخبرها في التقديم والتأخير، كحكم المبتدأ وخبره، لأنهما في الاصل مبتدأٌ وخبرٌ. (٧) خَصائِصُ "كانَ" تختصُّ "كان" من بينِ سائرِ أخواتها بستَّةِ أشياءَ (١) أنها قد تُزادُ بشرطينِ أحدهما أن تكونَ بلفظ الماضي، نحو "ما (كان) أصحَّ عِلمَ من تقدَّمَ؟ ". وشذت زيادتها بلفظ المضارع في قول أُم عَقيل ابن أبي طالب [من الرجز]

стр. 497

أَنتَ "تَكُونُ" ماجِدٌ نَبِيلٌ ... إذا تَهبُّ شَمْأَلٌ بَليلُ والآخر أن تكون بينَ شيئينِ مَتلازمينِ، ليسا جاراً ومجروراً. وشذَّت زيادتُها بينهما في قول الشاعر [من الوافر] جِيادُ بَني أَبي بَكْرٍ تَسَامَى ... على "كانَ" المُسَوَّمَةِ العِرابِ وأكثرُ ما تزادُ بينَ "ما" وفعلِ التَّعجُّبِ، نحو "ما (كان) أعدلَ عُمرَ! ". وقد تُزادُ بينَ غيرهما ومنه قولُ الشاعر (وقد زادّها بينَ "نِعْمَ" وفاعلها) . [من الكامل] ولَبِسْتُ سِرْبالَ الشبابِ أَزورُها ... وَلَنِعْمَ "كانَ" شَبيبَةُ المُحتالِ وقولُ بعضِ العرَبِ (وقد زادّها بين الفعل ونائب الفاعل) وَلَدتْ فاطمةُ - بنتُ الخُرْشُبِ الكَمَلةَ من بني عَبْس، لم يُوجَدْ (كانَ) مِثلُهُم، وقول الشاعر (وقد زادَها بينَ المعطوف عليه والمعطوف) [من الكامل] في لُجَّةٍ غَمَرَتْ أَباكَ بُحُورُها ... في الجاهِلِيَّة "كانَ" والإِسلامِ وقول الآخر (وقد زادَها بينَ الصفة والموصوف) [من البسيط]

стр. 498

في غُرَفِ الجَنَّةِ العُلْيا التي وَجَبَتْ ... لَهم هُناكَ بِسَعْيٍ "كان" مَشكورِ (واعلم أن "كان" الزائدة معناها التأكيد، وهي تدل على الزمان الماضي. وليس المراد من تسميتها بالزائدة انها لا تدل على معنى ولا زمان، بل المراد انها لا تعمل شيئاً، ولا تكون حاملة للضمير، بل تكون بلفظ المفرد المذكر في جميع أَحوالها. ويرى سيبويه أنها قد يلحقها الضمير، مستدلاً بقول الفرزدق) [من الوافر] فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا (كانوا) كرام (٢) أنها تُحذَفُ هي واسمها ويبقى خبرُها، وكثرَ ذلك بعدَ "أنْ ولو" الشرطيَّتينِ. فمثالُ "إنْ" "سِرْ مُسرعاً، إن راكباً، وإن ماشياً"، وقولهم "الناسُ مَجزِيُّونَ بأعمالهم، إنْ خيراً فخيرٌ، وإن شرّاً فَشرٌّ"، وقولُ الشاعر [من الكامل] لا تَقْرَبَنَّ الدَّهرَ آلَ مُطَرِّفٍ ... إنْ ظالماً أَبداً، وإِنْ مَظْلوما وقولُ الآخر [من الكامل] حَدَبَتْ عَلَيَّ بُطونُ ضَبَّةَ كُلُّها ... إنْ ظالماً فيهم، وإنْ مَظلوماً

стр. 499

وقول غيرهِ [من البسيط] قَدْ قيلَ ما قِيلَ، إِنْ صِدْقاً، وإِنْ كَذِباً ... فَما اعتِذارُكَ من قَولٍ إذا قيلا؟! ومثالُ "لوْ" حديثُ "التَمِسْ ولو خاتماً من حديد". وقولهم "الإطعامَ ولو تمراً"، وقول الشاعر [من البسيط] لا يأْمَنِ الدَّهرَ ذو بغْيٍ، وَلَوْ مَلِكاً ... جُنُودُهُ ضاقَ عنها السَّهْلُ والجَبَلُ (٣) أنها قد تُحذفُ وحدَها، ويبقى اسمُها، وخبرُها، ويعوَّضُ منها "ما" الزائدةُ، وذلك بعدَ "أن" المصدريَّةِ، نحو "أمّا أنتَ ذا مال تَفتخرُ! "، والأصلُ "لأنْ كنتَ ذا مالٍ تَفتخرُ! ". (فحذفت لام التعليل، ثم حذفت "كان" وعوض منها "ما" الزائدة وبعد حذفها انفصل الضمير بعد اتصاله، فصارت "أن ما أنت"، فقلبت النون ميماً للادغام، وأدغمت في ميم "ما" فصارت "أما") . ومن ذلك قول الشاعر [من البسيط] أَبا خُراشةَ، أَمَّا أَنتَ ذا نَفَر! ... فإنَّ قَوْمِيَ لَمْ تأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ

стр. 500

(٤) أنها قد تُحذَف هي واسمها وخبرُها معاً، ويَعوَّضُ من الجميع "ما" الزائدةُ، وذلك بعد "إن" الشرطيةِ، في مثل قولهم "إفعلْ هذا إِما لا". (والاصل "إِفعل هذا إن كنت لا تفعل غيره". فحذفت "كان" مع اسمها وخبرها وبقيت "لا" النافية الداخلة على الخبر، ثم زيدت "ما" بعد "أن" لتكون عوضاً، فصارت "إن ما"، فأدغمت النون في الميم، بعد قلبها ميماً، فصارت "إما") . (٥) أنها قد تُحذَفُ هي واسمها وخبرُها بلا عِوَضٍ، تقولُ "لا تعاشر فلاناً، فانه فاسدُ الاخلاقِ"، فيقولُ الجاهلُ "أني أُعاشرُهُ وإن"، أي وإن كان فاسدَها، ومنه [من الرجز] قالَتْ بَناتُ الْعَمِّ يا سَلْمَى، وإنْ ... كان فَقيراً مُعْدِماً؟! قالَتْ وإنْ تُريدُ إني أَتزَوَّجهُ وإن كان فقيراً مُعدِماً. (٦) إنها يجوزُ حذفُ نونِ المضارع منها بشرط أن يكون مجزوماً بالسكون، وأن لا يكونَ بعده ساكنٌ، ولا ضميرٌ متصلٌ. ومثال ما اجتمعت فيه الشروطُ قولهُ تعالى ﴿لم أكُ بَغِيّاً﴾ ، وقول الشاعر [الحطيئة - من الوافر] ألَمْ أَكُ جارَكُمْ ويَكونَ بَيْني ... وبَيْنَكُمُ الْمَودَّةُ والإِخاءُ والأصلُ "ألمْ أكنْ". وأما قولُ الشاعر [من الطويل]

стр. 501

فإن لم تَكُ المِرآةُ أبدَت وسَامَةً ... فَقَدْ أَبدَت المِرآة جَبْهَةَ ضَيغَم وقول الآخر [من الطويل] إذا لَمْ تَكُ الحاجاتُ مِنْ هِمَّة الْفَتَى ... فَلَيْسَ بِمُغْنٍ عَنْكَ عقْدُ الرَّتائِم فقالوا انه ضرورة. وقال بعضُ العلماءِ لا بأسَ بحذفها إن التقت بساكن بعدَها. وما قوله ببعيدٍ من الصواب. وقد قُريءَ شُذوذاً ﴿لم يَكُ الذينَ كفروا﴾ . (٨) خوصيَّةُ "كانَ ولَيْسَ". تختصُّ (ليسَ وكانَ) بجوازِ زيادةِ الباء في خبريهما، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿أليسَ اللهُ بأحكمِ الحاكمين﴾ . أما (كان) فلا تزادُ الباءُ في خبرها إلاّ إذا سبقها نفيٌ أو نهيٌ نحو (ما كنتُ بحاضرٍ) و (لا تكنْ بغائب) ، وكقول الشاعر [من الطويل] وإن مُدَّتِ الأَيدي إلى الزَّادة، لَمَّ أَكُنُ ... بأَعْجَلهمْ، إِذْ أَجْشَعُ الْقَوْمِ أَعجَلُ

стр. 502

على أنَّ زيادةَ الباء في خبرها قليلةٌ، بخلافِ (ليس) ، فهي كثيرة شائعة. كاد وأخواتها أو أفعالُ المقارَبةِ "كادَ وأخواتُها" تعملُ عملَ "كان"، فترفعُ المبتدأ، ويُسمّى اسمها، وتنصبُ الخبرَ، ويُسمّى خبرها. وتُسمّى أفعالُ المقاربة. (وليست كلها تفيد المقاربة، وقد سمي مجموعها بذلك تغليباً لنوع من انواع هذا الباب على غيره. لشهرته وكثرة استعماله) . وفي هذا المبحث ستةُ مباحثَ (١) أقسامُ "كادَ" وأَخواتِها "كادَ وأخواتها" على ثلاثة أقسام (١) افعال المقارَبة، وهيَ ما تَدُل على قُرب وقوع الخبر. وهي ثلاثةٌ "كادَ وأوشكَ وكرَبَ"، تقولُ "كادَ المطرُ يَهطِلُ" و"أوشكَ الوقتُ ان ينتهي" و"كرَبَ الصبحُ أن يَنبلج". (٢) افعالُ الرَّجاءِ، وهي ما تَدُل على رجاءِ وقُوع الخبر. وهي ثلاثةٌ ايضاً "عَسى وحرَى واخلولقَ"، نحو "عسى الله أن يأتيَ بالفتح"، وقول الشاعر [من الوافر] عَسَى الْكرْبُ الْذي أمسَيْتُ فيه ... يَكونُ وَراءَهُ فَرَجٌ قريبُ ونحو "حَرَى المريضُ ان يشفى" و"اخلولقَ الكسلانُ أن يجتهدَ". (٣) افعالُ الشروع، وهي ما تدل على الشروعُ في العمل، وهي كثيرةٌ، منها "أنشأ وعَلِقَ وطَفِقَ وأخذَ وهَبَّ وبَدأَ وابتدأ وجعلَ وقامَ وانبرى". ومثلُها كلُّ فعلٍ يَدُلُّ على الابتداء بالعمل ولا يكتفي بمرفوعه، تقولُ "أنشأ خليلٌ يكتُبُ، عَلِقوا ينصرفون، وأخذُوا يَقرءُونَ، وهَبَّ القومُ يتسابقونَ، وبَدَءُوا يَتبارَونَ، وابتدءُوا يتقدَّمونَ، وجعلوا يَستيقظونَ، وقاموا يتنبَّهونَ، وانبَروْا يسترشدونَ". وكلُّ ما تقدَّمَ للفاعل ونائبهِ واسم "كانَ"، من الأحكام والأقسام، يُعطَى لاسمِ "كادَ" وأخواتها. (٢) شُروطُ خَبَرِها يُشترَطُ في خبر "كاد واخواتها" ثلاثةُ شروطٍ (١) ان يكون فعلاً مضارعاً مُسنَداً الى ضميرٍ يعودُ الى اسمها، سواءٌ اكان مُقترناً بِـ "أنْ"، نحو "اوشكَ النهارُ أن ينقضيَ"، ام مُجرَّداً منها، نحو "كادَ الليلُ ينقضي"، ومن ذلك قولُه تعالى "لا يكادونَ يفقونَ حديثاً"، وقولهُ "وطفِقا يخصِفانِ عليهما من وَرَقِ الجنَّةِ". ويجوزُ بعدَ "عسى" خاصَّة أن يُسنَدَ الى اسمٍ ظاهرٍ، مُشتملٍ على

стр. 503

ضميرٍ يعودُ الى اسمها، نحو "عسى العاملُ أن ينجحَ عملُه" ومنه قولُ الشاعر [الفرزدق - من الطويل] ومَاذا عَسى الحَجَّاجُ يَبْلُغُ جُهْدُهُ ... إِذا نحنُ جاوَزْنا حَفِيرَ زِيادِ ولا يجوزُ أن يقَعَ خبرُها جملةً ماضيةً، ولا اسميةً، كما لا يجوزُ أن يكون اسماً. وما وَرَدَ من ذلكَ، فشاذٌّ لا يُلتفتُ اليه. واما قولهُ تعالى ﴿فطَفِقَ مَسحاً بالسوق والأعناقِ﴾ ، فمسحاً ليس هو الخبرَ، وإنما هو مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ هو الخبرُ، والتقديرُ "يمسح مسحاً". (٢) ان يكون متأخراً عنها. ويجوزُ ان يتوسَّطَ بينها وبينَ اسمها، نحو "يكادُ ينقضي الوقتُ". ونحو "طَفِقَ ينصرفون الناسُ". ويجوزُ حذفُ الخبرِ إذا عُلِمَ، ومنهُ قولهُ تعالى، الذي سبق ذكرهُ "فطفقَ مسحاً بالسُّوقِ والأعناقِ"، ومنه الحديثُ "من تأنّى اصابَ او كادَ، ومن عَجلَ اخطأ او كادَ"، اي كادَ يُصيبُ، وكادَ يُخطيءُ، ومنه قولُ الشاعر [من البسيط] ما كانَ ذَنْبيَ في جارٍ جَعَلْتُ لهُ ... عَيْشاً، وقدْ ذاقَ طَعْمَ المَوْتِ أو كَرَبا اي كربَ يَذوقُهُ، وتقولُ "ما فعلَ، ولكنهُ كادَ"، أي كادَ يفعلُ.

стр. 504

(٣) يُشترطُ في خبر "حَرَى واخلولقَ" ان يقترنَ بِـ "انْ". (٣) الخَبرُ المُقْترنُ بأن "كادَ واخواتُها" من حيثُ اقترانُ خبرِها بأنْ وعدَمُه على ثلاثة اقسام (١) ما يجب أن يقترنَ خبرُه بها، وهما "حرَى واخلولقَ"، من افعالِ الرّجاءِ. (٢) ما يجبُ ان يتجرَّدَ منها، وهي افعالُ الشروع. (وإنما لم يجز اقترانها بأن، لان المقصود من هذه الأفعال وقوع الخبر في الحال، و"أن" للاستقبال، فيحصل التناقض باقتران خبرها بها) . (٣) ما يجوزُ فيه الوجهانِ اقترانُ خبرهِ بأنْ، وتَجردُه منها، وهي افعالُ المقارَبة، و"عسى" من افعال الرَّجاءِ، غير أنَّ الاكثرَ في "عسى وأوشكَ" ان يقترنَ خبرُهما بها، قال تعالى ﴿عسى رَبُّكم ان يرحمَكم﴾ ، وقال الشاعر [من الطويل] ولَوْ سُئِلَ النّاسُ التُّرابَ لأَوشَكوا ... إِذا قِيلَ هاتوا، أنْ يَمَلّوا ويمنعُوا وتجريدُه منها قليلٌ، ومنه قول الشاعر [من الوافر] عَسى الْكَرْبُ، الْذي أَمسَيْتُ فيهِ، ... يَكُونُ وَراءَهُ فرجٌ قَريبُ

стр. 505

وقول الآخر [من المنسرح] يُوشكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنيَّتِهِ ... في بَعْضِ غِرَّاتهِ يُوافقُها

стр. 506

والأكثرُ في "كادَ وكَرَبَ" أن يتجردَ خبرُهما منها، قال تعالى ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ ، وقال الشاعر [من الخفيف] كَرَبَ الْقَلْبُ مِنْ جَواهُ يَذوبُ ... حينَ قالَ الْوُشاةُ هِنْدٌ غَضُوبُ واقترانُهُ بها قليلٌ، ومنه الحديثُ "كادَ الفقرُ أن يكون كفراً" وقولُ الشاعر سَقاها ذَوُو الأَحلامِ سَجْلاً على الظَّما ... وقَدْ كَرَبت أعناقُها أَنْ تَقَطَّعا (٤) حكمُ الخَبَرِ المُقْتَرِن بأَنْ والمُجَرَّدِ منْها إن كان الخبرُ مُقترِناً بأن، مثلُ "أوشكتِ السماءُ أن تُمطِرَ. وعسى الصديقُ أن يحضُرَ"، فليس المضارعُ نفسهُ هو الخبرَ، وإنما الخبرُ مصدرُهُ المؤَوْلُ بأن، ويكونُ التقديرُ "أوشكت السماءُ ذا مطرٍ. وعسى الصديقُ ذا حضور" غير انه لا يجوزُ التصريح بهذا الخبر المؤَوَّل، لأنَّ خبرَها لا يكونُ في اللفظ اسماً. وإن كان غيرَ مُقترنٍ بها، نحو "أوشكتِ السماءُ تمطِر"، فيكونُ الخبرُ نفسَ الجملة، وتكونُ منصوبةً محلاً على انها خبرٌ. (٥) المُتَصَرِّفُ من هذهِ الأَفعالِ وغيرُ المُتَصَرِّف منها هذه الأفعالُ كلُّها مُلازمة صيغة الماضي، إلا "أَوشكَ وكادَ"، من افعال المقاربة، فقد وردَ منهما المضارع.

стр. 507

والمضارع من "كادَ" كثيرٌ شائعٌ، ومن "أوشكَ" أكثرُ من الماضي، ومن ذلك قولهُ تعالى ﴿يكادُ زَيتُها يُضيءُ ولو لم تمسَسْه نارٌ"، والحديثُ "يُوشِكُ أن يَنزِلَ فيكم عيسى بنُ مريمَ حَكَماً عدلاً﴾ . (٦) خَصائِصُ عَسَى واخلَوْلَقَ وأَوْشَكَ تختصُّ "عسى واخلولقَ وأوشك"، من بين أفعال هذا الباب، بأنهن قد يَكُنَّ تاماتٍ، فلا يَحتجنَ الى الخبر، وذلك إذا وَلِيَهنَّ "أنْ والفعلُ، فيُسنَدْنَ الى مصدره المؤَوْل بأنْ، على أنه فاعلٌ لهنَّ، نحو: "عسى أن تقومَ. واخلولقَ أن تُسافروا. وأوشكَ أن نَرحلَ"، ومنه قوله تعالى: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقولهُ: ﴿عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ [الكهف: ٢٤] ، وقولهُ: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ [الإسراء: ٧٩] . هذا إذا لم يتقدّم عليهنَّ اسمٌ هو المُسنَدُ إِليه في المعنى (كما رأيت) ، فان تقدّم عليهنَّ اسمٌ يَصحُّ إسنادُهنَّ الى ضميرهِ، فأنت بالخيار، إن شئتَ جعلتهنَّ تامّاتٍ (وهو الأفصح) ، فيكونُ المصدرُ المؤوَّلُ فاعلاً لهنَّ، نحو "علي عسى أن يذهب، وهندٌ عسى أن تذهب. والرجلانِ عسى أن يذهبا. والمرأتان عسى أن تذهبا. والمسافرون عسى أن يحضُروا. والمسافرات عسى أن يحضُرْن" بتجريد (عسى) من الضمير. وإن شئت جعلتهنَّ ناقصاتٍ، فيكونُ اسمُهنَّ ضميراً. وحينئذ يَتحملنَ ضميراً مستتراً، أو ضميراً بارزاً مطابقاً لِما قبلَهنَّ، إفراداً أو تثنية أو جمعاً، وتذكيراً أو تأنيثاً، فتقول فيما تقدَّمَ من الأمثلة "عليٌّ عسى أن يذهبَ. وهندٌ عسَتْ أن تذهبَ. والرجلان عَسَيا أن يذهبا، والمرأتانِ عَسَتا أن تذهبا. والمسافرونَ

стр. 508

عَسَوْا أن يحضُروا. والمسافراتُ عسَيْنَ أن يَحضُرونَ". والأولى أن يُجعلنَ في مثل ذلك تامّاتٍ، وأن يُجرَّدْنَ من الضمير، فيَبقَيْنَ بصيغة المفرد المذكر، وأن يُسنَدْنَ الى المصدر المؤوَّل من الفعل بأن على أنهُ فاعلٌ لهنَّ، وهذه لغة الحجاز، التي نزل بها القرآنُ الكريمُ، وهي الأفصحُ والاشهرُ، وقال تعالى ﴿لا يَسْخَرْ قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساءٌ من نساءٍ، عسى ان يَكُنّ خيراً منهنَّ﴾ ولو كانت ناقصةً لقال (عَسَوْا وعَسَيْن) ، بضمير جماعة الذكور العائد الى (قوم) وضميرِ جَماعةِ الإناث العائد الى (نساء) . واللغةُ الاخرى لغةُ تميم. وتختصُّ (عسى) وحدَها بأمرين (١) جوازُ كسر سينها وفتحها، إذا أُسندت الى تاءِ الضميرِ، او نون النسوةِ، أو (نا) ، والفتحُ أولى لانه الاصل. وقد قرأ عاصمٌ ﴿فهلْ عَسيتُمْ إن تَولَّيتم﴾ ، بكسر السين، وقرأ الباقونَ (عَسَيتم) ، بفتحها. (٢) أنها قد تكونُ حرفاً، بمعنى (لعلَّ) ، فتَعملُ عملها، فتنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبرَ، وذلك إذا اتصلت بضمير النصب (وهو قليل) ، كقول الشاعر فَقُلْتُ عساها نارُ كأْسٍ، وعَلَّها ... تَشَكَّى، فآتي نَحْوَها فَأَعُودُها فَتَسْمَعُ قَوْلي قَبْلَ حَتفٍ يُصِيبُني ... تُسَرُّ بهِ، أو قَبْلَ حَتْفٍ يَصيدُها

стр. 509

(أحرف ليس) أَو الأَحرُفُ المُشَبْهَة بِلَيْسَ في العَمَل أحرفُ (ليسَ) هي أحرُفُ نفيٍ عملَها، وتُؤَدّي معناها وهي أربعةٌ (ما ولا ولاتَ وإنْ) . (ما) المشبهة بليس تعملُ (ما) عملَ (ليسَ) بأربقعة شروطٍ (١) أن لا يَتقدَّمَ خبرُها على اسمها، فان تقدَّمَ بَطل عملُها، كقولهم (ما مسيءٌ من أعتَب) . (٢) أن لا يتقدَّمَ معمولُ خبرِها على اسمها، فان تقدَّمَ بطلَ علمُها، نحو (ما أمرَ اللهِ انا عاصٍ) ، إلا أن يكون معمولُ الخبر ظرفاً أو مجروراً بحرف جرّ، فيجوز، نحو (ما عندي أنت مُقيما) و (ما بكَ أنا مُنتصراً) . اما تقديمُ معمولِ الخبر على الخبر نفسهِ، دُونَ الاسمِ بحيث يتوَسَّطُ بينهما، فلا يُبطلَ عملها، وإن كان غيرَ ظرفٍ او جار ومجرورٍ، نحو (ما أنا أمرَكَ عاصياً) . (٣) ان لا تُزادَ بعدها (إِنْ) . فان زيدَت بعدَها بطلَ علمُها، كقول الشاعر [من البسيط] بَني غُدانَةَ، ما إنْ أَنتُم ذَهَبٌ ... ولا صَريفٌ، ولكنْ أَنتمُ الخَزَفُ (٤) أن لا ينتقضَ نفيُها بـ (إلاّ) . فان انتقض بها بطلَ عملُها، كقوله

стр. 510

تعالى ﴿وما أمرُنا إلاّ واحدةٌ﴾ ، وقوله ﴿وما محمدٌ إلاّ رسولٌ﴾ ، وذلك لأنها لا تعملُ في مُثبتٍ. فان فُقدَ شرطٌ من الشروط بطلَ عملُها، وكان ما بعدَها مبتدأً وخبراً، كما رأيت. ويجوز أن يكون اسمُها معرفةً كما تقدّمَ، وأن يكون نكرةً، نحو (ما أحدٌ أفضلَ من المُخلصِ في عمله) . وإذْ كانت (ما) لا تعملُ في مُوجَبٍ، ولا تعملُ إلا في منفي، وجبَ رفعُ ما بعدَ (بلْ ولكنْ) ، في نحو قولك (ما سعيد كسولاً، بل مجتهدٌ وما خليلٌ مسافراً، ولكن مقيمٌ) ، على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديرهُ (هو) ، اي بل هو مجتهدٌ، ولكن هو مقيمٌ. وتكونُ (بلْ ولكنْ) حرفي ابتداء لا عاطفتينِ، إذْ لو عَطفَتا لاقتضى ان تعمل (ما) فيما بعدَ (بل ولكنْ) ، وهو غيرُ منفيٍّ، بل هو مُثبتٌ، لأنهما تقتضيانِ الايجابَ بعد النفي. فاذا كان العاطفُ غيرَ مُقتضٍ، للايجاب كالواو ونحوها، جاز نصبُ ما بعدَهُ بالعطف على الخبر (وهو الاجودُ) نحو (ما سعيدٌ كسولاً ولا مُهملاً) وجازَ رفعُهُ على انهُ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، نحو (ما سعيدٌ كسولاً ولا مُهملٌ) ، اي ولا هوَ مُهمل. وهكذا الشأن في (ليسَ) ، فيجبُ رفعُ ما بعدَ (بلْ ولكنْ) في نحو (ليس خالدٌ شاعراً، بل كاتبٌ) . ويجوز النصبُ والرفعُ بعدَ الواوِ ونحوها مثلُ (ليسَ خالدٌ شاعراً ولا كاتباً) او (ولا كاتبٌ) . والنصبُ أولى. واعلم أنَّ (ما) هذه لا تعملُ عملَ (ليس) إلا في لغة أهل الحجاز (الذين جاء القرآنُ الكريمُ بلغتهم) ، وبلغةِ أهلِ تِهامةَ ونجدٍ. ولذلك تُسمى (ما النافية الحجازية) .

стр. 511

وهي نافيةٌ مُهملةٌ في لغة تميمٍ على كل حال، فما بعدَها مبتدأ وخبر. (لا) المشبهة بليس (لا) ، المشبهةُ بليس، مُهملة عندَ جميع العرب وقد يُعمِلُها الحجازيُّون إعمالَ (ليسَ) ، بالشروط التي تقدّمت لِما، ويُزاد على ذلك أن يكونَ اسمُها وخبرُها نكرتينِ. وندَرَ أن يكون اسمُها معرفةً، كقول الشاعر [من الطويل] وَحَلَّتْ سَوادَ الْقَلْبِ، لا أَنا باغياً ... سِواها، ولا في حُبِّها مُتراخِيا وقد جاء مثل ذلك للمتنبي في قوله [من الطويل] إذا الجُودْ لم يُرْزَقْ خَلاصاً منَ الاذى ... فلا الحَمْدُ مَكسُوباً، ولا المالُ باقِيا وقد أجازَ ذلك بعضُ علماء العربية الفُضلاءُ. والغالبُ على خبرِ (لا) هذه أن يكون محذوفاً كقوله [من مجزوء الكامل] مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها ... فأنا ابنُ قَيْسٍ، لا بَراحُ أي لا بَراحٌ لي. ويجوزُ ذكرهُ، كقول الآخر [من الطويل] تَعَزَّ، فلا شَيءٌ على الأرْضِ باقيا ... ولا وَزَرٌ مِمَّا قَضى اللهُ واقِيا واعلم أنَّ (لا) المذكورةَ، يجوزُ أن يُرادَ بها نفيُ الواحدِ، وأن يرادَ بها نفيُ الجميع. فهي محتملةٌ لنفي الوَحدة ولنفي الجنس، والقرينةُ تُعَيّنُ أحدَهما

стр. 512

(فان قلت "لا رجل حاضر". صح أن يكون المراد ليس احد من جنس الرجال حاضراً، وأن يكون المراد "ليس رجل واحد حاضراً". فيحتمل أن يكون هناك رجلان أو أكثر. ولذلك صح أن تقول "لا رجل حاضراً، بل رجلان"، أو رجال. أما "لا" العاملة عمل "أنَّ"، فلا معنى لها إلا نفي الجنس نفياً عاماً، فان قلت "لا رجل حاضر" كان المعنى "ليس أحد من جنس الرجال حاضراً"، لذا لا يجوز أن تقول بعد ذلك "بل رجلان، أو رجال"، لأنها لنفي الجميع) . واعلم أن الأولى في (لا) هذه أن تُهمَلَ ويُجعلَ ما بعدَها مبتدأً وخبراً. واذا أُهملت، فالأحسنُ حينئذٍ أن تُكرَّرَ، كقوله تعالى "لا خوفٌ عليه، ولا هُم يَحزنونَ". (لات) المشبهة بليس تَعملُ (لاتَ) عَملَ (ليسَ) بشرطين (١) أن يكون اسمُها وخبرها من أسماءِ الزمانِ، كالحينِ والساعةِ والأوانِ ونحوها. (٢) أن يكون أحدُهما محذوفاً. والغالبُ أن يكونَ المحذوفُ هو اسمَها، كقوله تعالى ﴿ولاتَ حينَ مَناصٍ﴾ ، ومنه قول الشاعر [من الكامل] ندِمَ الْبُغاةُ، ولاتَ ساعةَ مَنْدَم ... والْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وخِيمُ ويجوزُ أن ترفع المذكورَ على أنه اسمُها، فيكون المحذوفُ منصوباً على أنهُ خبرُها، غيرَ أنَّ هذا الوجهَ قليلٌ جداً في كلامهم.

стр. 513

واعلم أن (لات) إن دخلت على غير اسم زمانٍ كانت مهملةً، لا عملَ لها، كقوله [من الكامل] لَهْفي عَلَيْكَ لِلَهْفَةٍ من خائفٍ ... يَبغِي جِواركَ حينَ لاتَ مُجيرُ واعلم أن من العرب من يجرُّ بلاتَ، والجرُّ بها شاذ، قال الشاعر [من الخفيف] طَلبوا صُلْحنا ولاتَ أَوانٍ ... فأجبْنا أَنْ ليْسَ حين بقاء وعليه قولُ المتنبي [من البسيط] لَقَدْ تَصبَّرْتُ، حَتَّى لاتَ مُصْطَبَرٍ ... والآنَ أَقْحَمُ، حتَّى لاتَ مُقْتَحَمِ (إِنْ) المشبهة بليس قد تكونُ (إنْ) نافيةً بمعنى (ما) النافية، وهي مُهمَلةٌ غير عاملةٍ. موقد تعملُ عملَ "ليس" قليلاً، وذلك في لغة أهل العالية من العرَبِ، ومنه قولهم "إنْ أحد خيراً من أحدٍ إلاّ بالعافية" وقولُ الشاعر [من المنسرح] إنْ هوَ مُسْتَوْلياً على أَحَدٍ ... إلاّ على أَضعَفِ الْمجانِين وقولُ الآخر [من الطويل] إنِ الْمَرْءُ مَيْتاً بانْقِضاءِ حياتهِ ... ولكنْ بأَنْ يُبْغَى عَلَيْهِ فَيُخذَلا

стр. 514

وانما تعملُ عملَ (ليس) بشرطين (١) أن لا يَتقدَّمَ خبرُها على اسمها. فان تقدَّمَ بَطلَ عملُها. (٢) أن لا ينتقضَ نفيها بِـ (إِلا) . فان انتقضَ بطلَ عملُها، نحو (إنْ أنت إلاّ رجلٌ كريمٌ) ، وانتقاضُ النفيِ المُوجبُ إبطالَ العملِ، إنما هو بالنسبة الى الخبر، كما رأيتَ، ولا يَضُرُّ انتقاضُهُ بالنسبة الى معمول الخبر، نحو (إن أنت آخذاً إلاّ بيد البائسينَ) ، ونحو البيت (إنْ هو مستولياً على أحدٍ الخ) . واعلم أن الغالبَ في (إنْ) النافيةِ أن يقترنَ الخبرُ بعدها بِـ (إلاّ) كقوله تعالى "إنْ هذا إلاّ مَلَكٌ كريمٌ". وقد يستعملُ الكلامُ معها بدون (إلاّ) ، كالبيت (إنِ المرءُ ميتاً بانقضاءِ حياته الخ) . ومنهُ قولهم (إن هذا نافعَكَ ولا ضارّكَ) . فائدة سمعَ الكسائي أعرابيّاً يقولُ (إنّا قائماً) ، فأنكرها عليه، وظنَّ أنها (إنَّ) المشدَّدةُ الناصبةُ للاسم الرافعةُ للخبر. فحقُّها أن ترفعَ (قائماً) ، فاستثبته فاذا هو يُريدُ "إنْ أنا قائماً" أي ما أنا قائماً، فتركَ الهمزةَ - همزة أنا - تخفيفاً وأدغم، على حد قوله تعالى ﴿لكنّا هو اللهُ ربي﴾ ، أي "لكن أنا".

стр. 515

(الأحرف المشبهة بالفعل) الأحرفُ المشبَّهةُ بالفعل ستَّة، هي "إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ وليتَ ولعلَّ". وحكمُها أنها تدخلُ على المبتدأ والخبرِ فتنصبُ الأولَ، ويُسمّى اسمَها، وترفعُ الآخرَ، ويُسمّى خبرَها، نحو "إن اللهَ رحيمٌ. وكأنّ العلمَ نورٌ". (وسميت مشبهة بالفعل لفتح أواخرها، كالماضي، ووجود معنى الفعل في كل واحدة منها. فان التأكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي، هي من معاني الافعال) . ويجوزُ في (لعلَّ) أن يقالَ فيها (علَّ) كقوله [من الطويل] فَقُلْتُ عساها نارُ كأْسٍ وعَلّها ... تَشَكّى، فآتي نَحْوَها فأعُودُها وفيها لُغاتٌ أُخَرُ قليلةُ الاستعمال. وفي هذا الفصل ثمانيةَ عشرَ مبحثاً. (١) مَعاني الأَحرُفِ المُشَبَّهَةِ بالفعْلِ معنى "إنَّ وأنَّ" التوكيدُ، فهما لتوكيدِ اتصافِ المُسنَدِ إليه بالمُسند. ومعنى "كأنَّ" التشبيهُ المؤكدُ. لأنها في الاصل مُركبةٌ من "أنَّ" التوكيدية وكافِ التشبيه، فاذا قلتَ "كأنّ العلمَ نورٌ" فالاصلُ "إنَّ العلمَ كالنور" ثم إنهم لما أرادوا الاهتمامَ بالتشبيه، الذي عَقَدوا عليه الجملة،

стр. 516

قدّموا الكافَ، وفتحوا همزةَ "إنّ"، مكان الكاف، التي هي حرفُ جرّ، وقد صارت وإيّاها حرفاً واحداً يُرادُ به التشبيهُ المؤكد. ومعنى "لكنَّ" الاستدراكُ، والتوكيد، فالاستدراكُ نحو "زيدٌ شجاعٌ، ولكنه بخيل"، وذلك لانَّ من لوازم الشجاعةِ الجودَ، فاذا وصفنا زيداً بالشجاعة، فرُبما يُفهمُ أنهُ جوادٌ أيضاً، لذلك استدركنا بقولنا "لكنه بخيل". والتوكيدُ نحو "لو جاءني خليلٌ لأكرمتُهُ، لكنه لم يجيء"، فقولك لو جاءني خليلٌ لأكرمتُه" يفهم منه أنه لم يجيء، وقولك "لكنه لم يجيء" تأكيدٌ لنفي مجيئه ومعنى "ليتَ" التمني، وهو طلبُ مالا مطمع فيه، أو ما فيه عُسرٌ، فالأول كقول الشاعر [من الوافر] أَلا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَوماً ... فأُخبرَهُ بما فَعَل المَشِيبُ والثاني كقول المعسر "ليتَ لي ألفَ دينارٍ". وقد تُستعمل في الامر الممكن، وذلك قليلٌ، نحو "ليتك تذهب". ومعنى (لعلَّ) الترجّي والاشفاقُ. فالترجي طلبُ الامرِ المحبوب، نحو "لعلَّ الصديقَ قادمٌ". والاشفاقُ هو الحذَرُ من وقوع المكروه، نحو "لعلّ المريضَ هالكٌ". وهي لا تُستعملُ إلاّ في الممكن. وقد تأتي بمعنى (كي) ، التي للتعليل، كقولك "إبعثْ إليّ بدابتك، لعلي أركبها"، أي كي أركبها. وجعلوا منه قوله تعالى ﴿لعلكم تتَّقون. لعلّكم تعقلون. لعلّكم تَذكّرون﴾ ، اي "كي تَتقوا، وكي تَعقلوا، وكي تَتذكّروا".

стр. 517

وقد تأتي ايضاً بمعنى الظنَّ، كقولك "لعلي أزورُك اليوم". والمعنى أظنَّني أزورك. وجعلوا منه قولَ امريء القيس [من الطويل] وبُدِّلْتُ قَرْحاً دامِياً بَعْدَ صِحَّةٍ ... لَعَلَّ مَنايانا تَحُولَنَّ أَبْؤُسا وبمعنى (عسى) ، كقولك (لعلَّكَ أن تجتهدَ) . وجعلوا منه قولَ مُتَمّمٍ [من الطويل] لَعَلَّكَ يَوْماً أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ... عَلَيْكَ، منَ اللاَّتي يَدَعْنَكَ أَجدَعا بدليل دخول (أنْ) في خبرها، كما تدخل في خبر (عسى) . (٢) الْخَبرُ المُفْرَدُ، والْجُمْلَةُ، والشبيهُ بالجملة يقع خبر الاحرفِ المشبّهة بالفعل مفرداً (أي غيرَ جملةٍ ولا شبْهَها) نحو "كأنَّ النّجمَ دينارٌ"، وجملةً فعليّةً، نحو "لعلك اجتهدتَ. وإنَّ العلمَ يُعَزَّزُ صاحبهُ"، وجملة اسمية، نحو "إنَّ العالمَ قدرُهُ مرتفعٌ" وشِبْهَ جُملةٍ (وهو أن يكون الخبر مُقدَّراً مدلولاً عليه بظرفٍ أو جارّ ومجرورٍ يتعلقانِ بهِ) ، نحو "إنّ العادلَ تحتَ لِواءِ الرَّحمن، وإن الظالمَ في زُمرة الشيطان". (والخبر هنا يصح أن تقدره مفرداً ككائن وموجود، وأن تقدره جملة ككان ووجد، أو يكون ويوجد. فهو مفرد. باعتبار تقديره مفرداً، وجملة، باعتبار تقديره جملة، فالحقيقة فيه أنه شبيه بالمفرد وبالجملة، وتسميته بشبه الجملة فيها اكتفاء واقتصار) .

стр. 518

(٣) حَذْفُ خَبَرِ هذهِ الأَحرُف يجوز حذف خبرِ هذه الاحرفِ. وذلك على ضربينِ جائز وواجب فيُحذَفُ جوازاً، اذا كان كوناً خاصاً (أي من الكلماتِ التي يُرادُ بها معنًى خاصّ) ، بشرطِ أن يدُلَّ عليه دليلٌ، كقوله تعالى ﴿إنَّ الذينَ كفروا بالذّكر لمّا جاءهم. وانهُ لكتابٌ عزيزٌ﴾ . (أي إن الذين كذبوا بالذكر معاندون، أو هالكون، أو معذبون) . وقال الشاعر [من الطويل] أَتَوْنِي، فَقالوا يا جَميلُ، تَبَدَّلتْ ... بُثَيْنَةُ أَبْدالاً، فَقُلْتُ لَعَلَّها (أي لعلها تبدَّلت، أو لعلها فعلت ذلك) . ويحذفُ وجوباً، اذا كان كوناً عاماً (أي من الكلمات التي تدُلُّ على وجودٍ أو كونٍ مُطلقَينِ، فلا يُفهَمُ منها حَدَثٌ خاصٌّ أو فعلٌ معيَّنٌ، ككائنٍ، أو موجود، أو حاصلٍ) وذلك في موضعينِ (١) الاولُ بعدَ "ليتَ شِعري"، اذا وَلِيَها استفهامٌ، نحو "ليتَ شِعري هل تنهضُ الأمةُ؟ وليتَ شِعري متى تنهضُ؟ "، قال الشاعر [من الطويل] ألاَ لَيْتَ شِعْري كَيْفَ جادَتْ بِوَصْلِها؟ ... وكيفَ تُراعي وُصْلةَ المُتَغَيِّبِ (أي ليت شعري (أي علمي) حاصل. والمعنى ليتني أشعر بذلك، أي أعلمه وأدريه. وجملة الاستفهام في موضع نصب على أنها مفعول به لشعري، لأنه مصدر شعر) .

стр. 519

(٢) أن يكونَ في الكلام ظرفٌ أو جار ومجرورٌ يتعلقانِ به، فيُستغنى بهما عنهُ، نحو "إنَّ العلمَ في الصدور. وانَّ الخيرَ أمامك". (فالظرف والجار متعلقان بالخبر المحذوف المقدر بكائن أو موجود أو حاصل) . (٤) تَقَدُّمُ خبَرِ هذِه الأَحرُف لا يجوزُ تقدُّمُ خبرِ هذه الاحرف عليها، ولا على اسمها. اما معمولُ الخبرِ، فيجوزُ أن يتقدَّم على الاسم، ان كان ظرفاً أو مجروراً بحرف جرٍّ، نحو "إنَّ عندَك زيداً مُقيمٌ"، قال الشاعر [من الطويل] فَلا تَلْحَني فيها، فإنَّ بِحُبِّها ... أَخاكَ مُصابُ الْقَلْبِ جُمٌّ بَلابِلُهْ ومن ذلك أن يكون الخبرُ محذوفاً مدلولاً عليه بما يتعلقُ به من ظرفٍ مأو جارٍّ ومجرورٍ مُتقدمين على الاسم، نحو "إنَّ في الدَّار زيداً"، ومنهُ قولهُ تعالى "إنَّ فيها قوماً جبّارينَ، وقولهُ "إنَّ مع العُسرِ يُسراً". (فالظرف والجار متعلقان بالخبر المحذوف غير أنه يجب أن يقدر متأخراً عن الاسم، إذ لا يجوز تقديمه عليه. كما علمت. وليس الظرف أو الجار والمجرور هو الخبر، كما يتساهل بذلك كثير من النحاة، وإنما هما معمولان للخبر المحذوف، لأنهما متعلقان به) . ويجبُ تقديمُ معمولِ الخبر، إن كان ظرفاً أو مجروراً، في موضعين

стр. 520

(١) أن يَلزمَ من تأخيره عودُ الضمير على متأخرٍ لفظاً ورتبةً وذلك ممنوعٌ نحو "إنَّ في الدَّار صاحبَها". (فلا يجوز أن يقال "ان صاحبها في الدار) "، لأن "ها" عائدة على الدار. وهي متأخرة لفظاً، وكذلك هي متأخرة رتبة، لأن معمول الخبر رتبته التأخير كالخبرِ". (٢ (أن يكون الاسمُ مُقترِناً بلامِ التأكيد، كقوله تعالى ﴿وإنَّ لنا للآخرة والأولى﴾ ، وقولهِ ﴿إنَّ في ذلك لَعِبْرةً لأولي الأبصارِ﴾ . أما تقديمُ معمولِ الخبرِ على الخبر نفسهِ، بحيثُ يَتوَّسطُ بينَ الاسمِ والخبر، فجائزٌ، سواءٌ أكانَ معمولهُ ظرفاً أو مجروراً أم غيرَهما، فالاولُ نحو "إنكَ عندَنا مقيمٌ"، والثاني نحو "إنكَ في المدرسة تتعلّمُ"، والثالث نحو "إنَّ سعيداً دَرْسَهُ يكتبُ". فائدة متى جاء بعد "إن" أو إحدى أخواتها ظرف أو جار ومجرور، كان اسمها مؤخراً. فليتنبه الطالب الى نصبه، فان كثيراً من الكتاب والمتكلمين يخطئون فيرفعونه، لتوهمهم أنه خبرها نحو "إن عندك لخبراً"، ونحو "لعل في سفرك خيراً". (٥) لامُ التأْكيدِ بعدَ "إنَّ" المَكسورةِ الهمزة تختصُّ "إنَّ"، المكسورةُ الهمزةِ، دونَ سائرِ أخواتها، بجوازِ دخولِ لامِ التأكيد، ِ، وهي التي يُسمونها (لامَ الابتداءِ) على اسمها، نحو "إنَّ في السماءِ لخَبَراً، وإنَّ في الارض لَعِبَراً"، وعلى خبرها نحو "إنَّ الحقَّ

стр. 521

َلمنصورٌ، وعلى معمول خبرها، نحو "إنه للخيرَ يفعلُ"، وعلى ضمير الفصلِ نحو "إنَّ المجتهدَ لَهُوَ الفائزُ". (٦) شَروطُ ما تَصحَبُهُ لامُ التأكيد (١) يُشترطُ في دخول لام التأكيد على اسم "إنَّ" أن تقع بعدَ ظرفٍ أو جارٍّ ومجرورٍ يتعلقان بخبرها المحذوف، نحو "إن عندَك لخَيراً عظيماً، وإنَّ لك لخُلُقاً كريماً". (فان وقع قبلهما لم يجز اقترانه باللام فلا يقال "إن لخيراً عندك، وإن لخلقاً كريماً لك") . (٢) يُشترط في دخولها على الخبر أن لا يقترنَ بأداةِ شرطٍ أو نفي، وأن لا يكون ماضياً مًتصرفاً مُجرَّداً من "قد". فان كان الخبرُ واحداً منها لم يَجُز دخولُ هذه اللام عليه. فمثالُ المستكملِ للشرط " ﴿إن ربي لسميع الدُّعاء﴾ . ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيعلمُ﴾ . ﴿وإنَّا نحنُ نُحيي الموتى﴾ ". ومتى استَوفى خبرُ "إنَّ" شروط اقترانه بِلام التأكيد، جاز دخولها عليه، لا فرقَ أن يكون مفرداً، نحو "إنَّ الحق لمنصورٌ"، أو جملةً اسميَّةتً، نحو "إنَّ الحقَّ لصَوتُهُ مرتفعٌ، أو جملةً مضارعيّةً، نحو "إنَّ ربّكَ ليَحكُمُ بينهم"، أو جملةً ماضيَةً فعلها جامدٌ، نحو "إنك لَنِعْمَ الرجل"، أو متصرفٌ مقترنٌ بقد، نحو "إنَّ الفرَجَ لقدْ دَنا". واذا حُذفَ الخبرُ، جازَ دخولُ هذهِ اللامِ على الظرف أو الجار المتعلّقينِ به، نحو "إن أخاكَ لعندي، وإنَّ أباكَ لَفي الدّار"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وانك لَعَلى خُلُقٍ عظيم﴾ .

стр. 522

(٣) يُشترطُ في دخولها على مفعول الخبر شرطان، الاول أن يتوسَّطَ بين اسمها وخبرها. والثاني ان يكونَ الخبرُ ممّا يَصلُحُ لدخول هذه اللامِ عليه، نحو "إنَّ سليماً لفي حاجتك ساعٍ، وإنه لَيومَ الجمعةِ آتٍ، وإنهُ لأمرَكَ يُطيعُ". (٤) أما ضميرُ الفصلِ، فلا يُشترطُ في دخولها عليه شيءٌ، كقوله تعالى ﴿إنَّ هذا لَهُوَ القَصَصُ الحقُّ﴾ . (وضمير الفصل هو ما يؤتى به بين المبتدأ والخبر، أو بين ما أصله مبتدأ وخبر للدلالة على أنه خبر لا صفة. وهو يفيد تأكيد اتصاف المسند إليه بالمسند. وهو حرف لا محل له من الاعراب، على الأصح من أقوال النحاة، وصورته كصورة الضمائر المنفصلة وهو يتصرف تصرفها بحسب المسند اليه، إلا أنه ليس إياها. ثم إن دخوله بين المبتدأ والخبر المنسوخين بكان وظن وأن واخواتهن تابع لدخوله بينهما قبل النسخ، نحو "إن زهيراً هو الشاعر". وكان علي هو الخطيب وظننت عبد الله هو الكاتب) . (وضمير الفصل حرف كما قدمنا وإنما سمي ضميراً لمشابهته الضمير في صورته. وسمي ضمير فصل لأنه يؤتى به الفصل بين ما هو خبر أو صفة، لأنك إن قلت "زهير المجتهد"، جاز أنك تريد الإخبار وأنك تريد النعت. فان أردت أن تفصل بين الأمرين. وتبين أن مرادك الإخبار لا الصفة. أتيت بهذا الضمير للاعلان من أول الأمر بأن ما بعده خبر عما قبله لا نعت له، ثم انه يفيد تأكيد الحكم، لما فيه من زيادة الربط. ومن العلماء من يسمي ضمير الفصل "عماداً" لاعتماد المتكلم أو السامع عليه في التفريق بين الخبر والصفة) .

стр. 523

وقد شرحنا ضمير الفصل في الجزء الاول من هذا الكتاب، في الكلام على الضمائر، فراجعه. شرحُ لامِ الابتداء تدخلُ لامُ الابتداء في ثلاثة مواضع. الاولُ في باب المبتدأ. وذلك في صورتين (١) ان تدخلَ على المبتدأ، والمبتدأ مُتقدّمٌ على الخبر، ودخولها عليه هو الاصل فيها نحو ﴿لأنتم أشد رَهبةً في صُدورهم﴾ . فان تأخرَ عن الخبر امتنعَ دخولها عليه، فلا يُقال "قائمٌ لَزيدٌ". وما سُمعَ من ذلك فلضَرورةِ الشعر، وهو شاذٌّ لا يُقاس عليه. (٢) ان تدخل على الخبر بشرط ان يتقدم على المبتدأ، نحو "لمُجتهدٌ انتَ" فان تأخرَ عنهُ امتنع دخولها عليه، فلا يقال "انت لمجتهدٌ". وما سُمعَ من ذلك فشادٌّ لا يُلتفتُ اليه. ومن العلماءِ من لا يُجيزُ دُخولها على خبر المبتدأ، سواءٌ أتقدَّمَ أم تأخر. الموضع الثاني في باب "إن" المكسورةِ الهمزة. وقد سبقَ انها تدخل على اسمها المتأخر، وعلى خبرها، اسماً كان، او فعلاً مضارعاً، او ماضياً جامداً أو ماضياً متصرفاً مقروناً بِقَدْ، أو جملة اسميَّة. وعلى الظرف والجارّ المُتعلقينِ بخبرها المحذوف دالين عليه، وعلى معمول خبرها. الموضعُ الثالثُ في غير بابيِ المبتدأ وإنّ. وذلك في ثلاث مسائل (١) الفعلُ المضارع، نحو "لَتَنهض الأمة مُقتفيةً آثارَ جدودها". (٢) الماضي الجامد، نحو ﴿لَبئسَ ما كانوا يعملون﴾ .

стр. 524

(٣) الماضي المتصرف المقرون بِقَدْ، نحو "لَقد كان لكمخ في يوسفَ وإخوتِهِ آياتٌ". ومن العلماء من يجعلُ اللامَ الداخلةَ على الماضي، في هذا الباب، لامَ القسم فالقسم عنده محذوف، ومصحوب اللام جوابُه. واعلم أنَّ للام الابتداء فائدتين. الفائدة الأولى توكيدُ مضمونِ الجملة المُثبتة. ولذا تُسمّى "لام التوكيد" وإنما يُسمونها لامَ الابتداء لأنها في الاصل، تدخل على المبتدأ، أو لأنها تقع في ابتداء الكلام. وإذْ كانت للتوكيد فانها متى دخلت عليها "إنَّ" زحلقوها الى الخبر، نحو ﴿إنَّ ربي لَسميع الدعاء"، وذلك كراهية اجتماع مُؤكدينِ في صدر الجملة، وهما "إنَّ واللام". ولذلك تُسمّى "اللامَ المزخلَقَةً أيضاً". وإِذْ كانت هذه اللام للتوكيد في الإثبات، امتنعت من الدخول على المنفيِّ لفظاً أو معنى، فالاول نحو "انكَ لا تكذبُ"، والثاني نحو "إنك لو اجتهدتَ لأكرمتُكَ. وإنك لولا اهمالُكَ لَفُزتَ". فالاجتهادُ والإكرامُ مُنتفيانِ بعدَ "لو"، والفوزُ وحدَهُ مُنتفٍ بعدَ "لولا". الفائدةُ الثانيةُ تَخليصها الخبرَ للحال، لذلك كان المضارع بعدها خالصاً للزمان الحاضر، بعد أن كان مُحتملاً للحال والاستقبال. واذْ كانت لتوكيد الخبرِ في الحال امتنعت من الماضي والمضارع المُستقبل، الا ان يكون الماضي جامداً او مُتصرِّفاً مقترناً بِقدْ. اما الجامدُ فلأنه لا يَدلُّ على حدثٍ ولا زمان. وأما المقترنُ بِقدْ فلأنّ (قد) تُقرِّبُ الماضيَ من الحال.

стр. 525

ولا فرقَ بينَ ان يكون المضارعُ المستقبلُ مسبوقاً بأداةٍ تَمحَضُه الاستقبالِ كالسين وسوفَ وأدواتِ الشرطِ الجازمة وغيرها، او غيرَ مسبوقٍ بها، وانما القرينةُ تدلُّ على استقباله، نحو "إنه يجيءُ غداً". وأما قوله تعالى ﴿إنَّ ربكَ لَيحكُمُ بينَهم يوم القيامة﴾ ، فانما جازَ دخولُ اللام لأنَّ المستقبل هنا مُنزَّلٌ مَنزلةَ الحاضرِ لتحقُّق وقوعهِ، لأنَّ الحكمَ بينهم واقعٌ لا محالةَ. فكأنهُ حاضر، وكذا قولهُ تعالى ﴿ولَسوفَ يُعطيكَ ربُّكَ فترضى﴾ ، فانَّ الإعطاءَ مُحقَّقٌ، فكأنه واقعٌ حالاً. وأما قوله على لسان يعقوبَ ﴿انهُ ليحزُنُني ان تذهبوا به﴾ ، فانّ الذهابَ، وان كان مُستقبلاً فان أثرَهُ، وهو الحزنُ، حاضرٌ، فانهُ حَزِنَ لمُجرَّدِ علمهِ انهم ذاهبُون به، فلم يخرُج المضارعُ هنا، وهو (يُحزُنني) ، عن كونهِ للحال. ويرى بعض العلماء (وهمُ الكوفيُّون) انها لا تمحَضُ المضارع الحالَ، بل يجوز ان تدخل عَليه مُستقبل، بالأداة او بِدونها، وجعلوا الاستقبالَ في الآياتِ على حقيقته. (٨) "ما" الكافَّةُ بعدَ هذهِ الأحرُف اذا لحقت (ما) الزائدةُ الاحرفَ المُشبّهةَ بالفعل، كفتّها عن العمل، فيرجعُ ما بعدها مبتدأً وخبراً. وتُسمّى (ما) هذه (ما الكافةَ) لأنها تَكُفُّ ما تلحقُهُ عن العمل، كقوله تعالى ﴿إنما إِلهكُم إِلهٌ واحدٌ"﴾ ، ونحو ﴿كأنما العلمُ نورٌ﴾ و (لَعلَّما اللهُ يرحمُنا) . غير أنَّ (ليتَ) يجوزُ فيها الإِعمالُ والإِهمالُ، بعدَ أن تَلحقَها (ما) هذه، تقولُ (ليتما الشبابَ يعودُ) و (ليتما الشبابُ يعودُ) . واعمالُها حينئذ أحسنُ من اهمالها. وقد رُوِيَ بالوجهينِ، نصبِ ما بعدَ (ليتما) ورفعه، قولُ الشاعرِ [النابغة - من البسيط]

стр. 526

قالتْ أَلاَ لَيتَما هذا الحمامَ لنا ... إلى حَمامَتِنا، أو نِصْفَهُ فَقَدِ (فالنصب على أن (ليتما) عاملة، و (ذا) اسمها، و"الحمام" بدل منه. والرفع على أنها مهملة مكفوفة بما، و (ذا) مبتدأ، و"الحمام" بدل منه. وكذا "نصفه" إن نصبت الحمام نصبته، وإن رفعته رفعته، لأنه معطوف عليه) . ومتى لحقت (ما الكافَّة) هذهِ الاحرفَ زالَ اختصاصُها بالأسماء. فَلِذا أُهملت، وجازَ دخولُها على الجملة الفعليّة، كما تدخلُ على الجملة الاسميَّة، إلاَّ (ليتَ) . فمن دخولها على الجملةِ الفعلية قولهُ تعالى ﴿كأنما يُساقونَ الى الموت﴾ وقول الشاعر [من الطويل] أَعِدْ نَظَراً يا عَبْدَ قَيْسٍ، لَعَلَّما ... أَضاءَتْ لكَ النَّارُ الحِمارَ المُقَيَّدا ومن دخولها على الجملة الاسميَّة قوله تعالى ﴿قل انما انا بشرٌ مثلُكُم يُوحى إليَّ أنما إلهكم إلهُ واحدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ،، وقولهُ ﴿إنما اللهُ إِلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧١] . وأما (ليتَ) فانها باقيةٌ على اختصاصها بالأسماءِ، بعدَ أن تلحقها (ما الكافةُ) فلا تدخلُ على الجُمل الفعليَّة، لذلك يُرَجَّحُ ان تبقى على عملها من نصب الاسمِ ورفعِ الخبر، كما تقدَّم. فائدة وتنبيه (إن كانت (ما) اللاحقة لهذه الأحرف اسماً موصولاً، او حرفاً مصدرياً، فلا تكفها عن العمل، بل تبقى ناصبة للاسم رافعة للخبر. فان لحقتها (ما الموصولة) كانت (ما) اسمها منصوبة محلاً، كقوله تعالى ﴿إن ما عندكم ينفد﴾ ، أي إن الذي عندكم ينفد. وإن لحقتها (ما المصدرية) كان

стр. 527

ما بعدها في تأويل مصدر منصوب، على انه اسم "ان" نحو "إن ما تستقيم حسن"، أي ان استقامتك حسنة. وحينئذ تكتب (ما) منفصلة. كما رأيت. بخلاف (ما الكافة) ، فانها تكتب متصلة كما عرفت فيما سلف. وقد اجتمعت "ما" المصدرية و"ما" الكافة في قول امرئ القيس [من الطويل] فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب، قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثلٌ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي فما في البيت الاول مصدرية. والتقدير لو ان سعيي. وفي البيت الآخر زائدة كافة، أي ولكني أسعى لمجد مؤثل) . (٩) العَطْفُ على أسماء هذهِ الأَحرُف اذا عطفتَ على اسماءِ الاحرف المشبَّهة بالفعل، عطفت بالنصب، سواءٌ أوقعَ المعطوفُ قبلَ الخبر ام بعدَهُ، فالاولُ نحو (إنَّ سعيداً وخالداً مسافرانِ) ، والثاني نحو (إنَّ سعيداً مُسافرٌ وخالداً) . وقد يُرفعُ ما بعدَ حرف العطف، بعدَ استكمالِ الخبر، على انهُ مبتدأٌ محذوفُ الخبر، وذلك بعد (إنَّ وأنَّ ولكنَّ) فقطْ، فمثالُ (إنَّ) " (إنَّ سعيداً مسافرٌ وخالدٌ) ، ومنهُ قولُ الشاعر [من الطويل]

стр. 528

فَمَنْ يَكُ لم يُنْجِبْ أَبُوهُ وأُمُّهُ ... فَإنَّ لَنا الأُمَّ النَّجيةَ، والأَبُ وقول الآخر [من الكامل] إنَّ الخِلافَة والمُروءَةَ فيهمُ ... والمَكْرُماتُ وسادةٌ أطهارُ ومثالُ (أنَّ) قوله تعالى (واذانٌ من الله ورسولهِ الى الناس يومَ الحجِّ الاكبرِ أنَّ اللهَ بريءٌ من المشركينَ، ورسولهُ) . ومثالُ "لكنَّ) قولُ الشاعر [من الطويل] وما زِلتُ سَبَّاقاً إلى كُلِّ غايةٍ ... بها يُبْتَغَى في النَّاس مَجدٌ وإِجلالُ وما قَصَّرَتْ بِي في التَّسامي خُؤُولةٌ ... ولكنَّ عمِّي الطَّيِّبُ الأَصلِ والخالُ

стр. 529

وقد يُرفعُما بعدَ العاطف قبل استكمالِ الخبر، لغرضٍ معنوي، على أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبر "فتكونُ جُملتُهُ مُعترِضةً بينَ اسمِ (إنّ) وخبرِها، كقول الشاعر [من الطويل] فَمَنْ يَكُ أَمسَى بالمدينَةِ رَحْلُهُ ... فإنِّي، وقَيَّارٌ، بِها لَغَريبُ (غريب خبر عن اسم، "إن"، وقيار مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير وقيار غريب بها ايضاً. وقيار اسم فرسه او جمله. وانما قدمه واعترض بجملته بين اسم إن وخبرها لغرض ان هذا الفرس او الجمل استوحش في هذا البلد، وهو حيوان، فما بالك بي، فلو نصب بالعطف على اسم "ان" فقال "فاني وقياراً بها لغريبان"، لم يكن من ورائه شدة تصوير الاستيحاش الذي يعطيه الرفع في هذا المقام) . ومنهُ قولهُ تعالى ﴿ (إنَّ) الذينَ آمنوا والذينَ هادُوا، والصابئون، والنصارى، مَن آمنَ منهم باللهِ واليومِ الآخرِ وعملَ صالحاً، فلا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحزنون﴾ [المائدة: ٦٩] . فالصابئون مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير والصابئون كذلك، اي لهم حكم الذين آمنوا والنصارى واليهود. والجملة معترضة بين اسم "ان" وخبرها، وخبر الخبر هو جملة الجواب والشرط، والغرض من رفع "الصابئون" وجعله مبتدأ محذوف الخبر أنه لما كان الصابئون، مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها، يتاب عليهم إن صح منهم الايمان، واعتصموا بالعمل الصالح، فغيرهم ممن هو على دين سماوي وكتاب منزل، أولى بذلك) .

стр. 530

(١٠) إنَّ المكسورةُ، وأَنَّ المفتوحة يجبُ ان تُكسرَ همزةُ (إنَّ) حيث لا يصحُّ ان يقومَ مقامَها ومقام معمولَيها مصدرٌ. ويجبُ فتحُها حيثُ يجبُ ان يقوم مصدرٌ مقامَها ومقامَ معموليها. ويجوزُ الامرانِ الفتحُ والكسرُ، حيثُ يَصحُّ الاعتبارانِ. (فان وجب أن يؤول ما بعدها بمصدر مرفوع أو منصوب أو مجرور (بحيث تضطر الى تغيير تركيب الجملة) ، فهمزتها مفتوحة وجوباً، نحو "يعجبني أنك مجتهد"، والتأويل "يعجبني اجتهادك" ونحو "علمت ان الله رحيم"، والتأويل "علمت رحمة الله"، ونحو "شعرت بأنك قادم"، والتأويل "شعرت بقدومك". وانما وجب تأويل ما بعد "أن" هنا بمصدر لأننا لو لم نؤوله، لكانت "يعجبني" بلا فاعل، "وعلمت" بلا مفعول، و"الباء" بلا مجرور فالمصدر المؤول فاعل في المثال الاول، ومفعول في المثال الثاني، ومجرور بالباء في المثال الثالث. وان كان لا يصح أن يؤول ما بعدها بمصدر (بمعنى أنه لا يصح تغيير التركيب الذي هي فيه) وجب كسر همزتها على أنها هي وما بعدها جملة، نحو "ان الله رحيم". وإنما لم يصح التأويل بالمصدر هنا لأنك لو قلت "رحمة الله" لكان المعنى ناقصاً. وان جاز تأويل ما بعدها بمصدر، وجاز ترك تأويله به، جاز الامران، فتحها وكسرها نحو "أحسن إليّ علي، انه كريم"، فالكسر هنا على أنها مع ما بعدها جملة تعليلية، والفتح على تقدير لام الجر، فما بعدها مؤول بمصدر. والتأويل "أحسن اليه لكرمه".
следующие страницы →