Полный текст (839 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
واعلم أنَّ "حيثُ" لا تكون إلا ظرفاً. ومن الخطأ استعمالُهما للتعليلِ، بمعنى "لأن"، فلا يُقالُ "أكرمتُه حيث إنه مجتهدٌ"، بل يُقالُ "لأنه مجتهدٌ".
وما كان بمنزلةِ "إذْ" أَو إذا"، في كونه اسمَ زمانٍ مُبهماً لِمَا مضَى أَو لما يأتي، فإنهُ يُضافُ إلى الجمل، نحو "جئتك زمنَ عليٌّ والٍ"، أَو "زمنَ كان عليٌّ والياً"، ومنه قوله تعالى ﴿يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بَنونَ، إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم﴾ ، وقوله ﴿هذا يومُ ينفعُ الصادقينَ صِدقُهُم﴾ .
стр. 772
(التوابع وإعرابها)
(النعت)
النّعتُ (ويُسمّى الصَّفَةَ أَيضاً) هو ما يُذكرُ بعدَ اسمٍ ليُبيَّنَ بعض أَحوالهِ
стр. 773
أَو أَحوال ما يَتعلَّقُ به. فالأوَّلُ نحو "جاءَ التلميذُ المجتهدُ"، والثاني نحو "جاءَ الرجلُ المجتهدُ غلامُهُ".
(فالصفة في المثال الأول بينت حال الموصوف نفسه. وفي المثال الثاني لم تبين حال الموصوف، وهو الرجل، وإنما بينت ما يتعلق به، وهو الغلام) .
وفائدةُ النَّعتِ التَّفرقةُ بينَ المشتركينَ في الاسم.
ثمَّ إن كان الموصوفُ معرفةً ففائدةُ النّعتِ التَّوضيح. وإن كانَ نكرةً ففائدتهُ التّخصيصُ.
(فان قلت "جاء عليّ المجتهد" فقد أوضحت من هو الجائي من بين المشتركين في هذا الاسم. وإن قلت "صاحب رجلاً عاقلاً"، فقد خصصت هذا الرجل من بين المشاركين له في صفة الرجولية) .
وفي هذا المبحث خمسةُ مباحثَ
١- شَرْطُ النَّعْتِ
الأصلُ في النعتِ أن يكونَ اسماً مُشتقاً، كاسم الفاعل واسمِ المفعول والصفةِ المُشبّهة واسم التّفضيل. نحو "جاء التلميذُ المجتهدُ. أكرِمْ خالداً المحبوبَ. هذا رجلٌ حسنٌ خُلقُهُ. سعيدٌ تلميذٌ أعقلُ من غيره".
وقد يكونُ جملةً فعليّةً، أو جملةً اسميةً على ما سيأتي.
وقد يكون اسماً جامداً مُؤوَّلاً بمشتقٍّ. وذلك في تسعِ صُوَرٍ
١- المصدرُ، نحو "هو رجلٌ ثِقةٌ"، أي موثوقٌ بهِ، و"أنتَ رجلٌ عَدلٌ"، أي عادلٌ.
стр. 774
٢- اسمُ الاشارةِ، نحو "أكرِمْ عليّاً هذا"، أي المشارُ إليه.
٣- "ذُو"، التي بمعنى صاحب، و"ذات"، التي بمعنى صاحبة، نحو "جاءَ رجلٌ ذُو علمٍ، وامرأةٌ ذاتُ فَضلٍ، أي صاحبُ علمٍ، وصاحبة فضلٍ.
٤- الاسمُ الموصولُ المقترنُ بألْ، نحو "جاءَ الرجلُ الذي اجتهدَ"، أي المجتهدُ.
٥- ما دلَّ على عَدَد المنعوتِ، نحو "جاءَ رجالٌ أربعةُ"، أي مَعْدُودُونَ بهذا العَدَد.
٦- الاسمُ الذي لحقتهُ ياءُ النسبة، نحو "رأيتُ رجلاً دِمَشقيّاً، منسوباً إلى دِمَشق.
٧- ما دلَّ على تشبيهٍ، نحو "رأيتُ رجلاً أسداً، أي شجاعاً، و"فلانٌ رجلٌ ثَعلبٌ"، أي محتالٌ. والثعلبُ يُوصفُ بالاحتيالِ.
٨- "ما" النكرةُ التي يُرادُ بها الابهامُ، نحو "أُكرِمُ رجلاً ما" أي رجلاً مُطلقاً غيرَ مُقيّدٍ بصفةٍ ما. وقد يُرادُ بها معَ الابهامِ التهويلُ، ومنهُ المثلُ "لأمرٍ ماجَدَعَ قَصيرٌ أنفَهُ"، أي لأمرٍ عظيمٍ.
٩- كَلِمتا "كلٍّ وأيٍّ"، الدَّالتينِ على استكمال الموصوفِ للصفةِ، نحو "أنتَ رجلٌ كلُّ الرجلِ"، أي الكاملُ في الرُّجوليّةِ، و"جاءَني رجلٌ أيُّ رجلٍ"، أي كاملٌ في الرجوليّةِ. ويقال أيضاً "جاءَني رجلٌ أيُّما رجلٍ"، بزيادةِ "ما".
стр. 775
٢- النَّعْتُ الحَقيقِيُّ وَالنَّعْتُ السَّبَبِيُّ
ينقسمُ النعتُ إلى حقيقيٍّ وسببيٍّ.
فالحقيقيُّ ما يُبيِّنُ صفةً من صفاتِ مَتبوعهِ، نحو "جاءَ خالدٌ الأديبُ".
والسَّببيُّ ما يُبيِّنُ صفةً من صفاتِ ما لهُ تَعلقٌ بمتبوعهِ وارتباطٌ به نحو "جاءَ الرجلُ الحسنُ خطُّهُ".
(فالأديب بين صفة مبتوعه، وهو خالد. أما الحسن فلم يبين صفة الرجل، إذ ليس القصد وصفة بالحسن، وإنما بين صفة الخط الذي له ارتباط بالرجل، لأنه صاحبه المنسوب إليه) .
والنعتُ يجبُ أن يَتْبعَ منعوتَهُ في الاعراب والافرادِ والتَّثنية والجمعِ والتذكيرِ والتأنيث والتعريفِ والتنكير. إلا إذا كان النَّعتُ سببيّاً غيرَ مُتحمّلٍ لضميرٍ المنعوتِ، فيَتبعُهُ حينئذٍ وجوباً في الاعراب والتعريف والتنكير فقط. ويراعَى في تأنيثهِ وتذكيره ما بعدَهُ. ويكونُ مُفرَداً دائماً.
فتقولُ في النَّعت الحقيقي "جاءَ الرجلُ العاقلُ. رأيتُ الرجلَ العاقلَ. مررتُ بالرجلِ العاقلِ. جاءَت فاطمةُ العاقلةُ. رأيت فاطمةَ العاقلةَ. مررت بفاطمةَ العاقلةِ. جاءَ الرجلانِ العاقلانِ. رأَيتُ الرجلين العاقلين. جاءَ الرجالُ العُقلاءُ. رأيتُ الرجالَ العُقلاءَ. مررتُ بالرجالِ العقلاءِ. جاءَت الفاطماتُ العاقلاتُ. رأيت الفاطماتِ العاقلاتِ. مررتُ بالفاطماتِ العاقلاتِ".
وتقولُ في النعتِ السّببيِّ، الذي لم يَتحمّل ضميرَ المنعوت "جاءَ الرجلُ الكريمُ أَبوه، والرجلانِ الكريمُ أَبوهما، والرجالُ الكريمُ أَبوهم، والرجلُ الكريمة أُمُّهُ. والرجلانِ الكريمةُ أُمُّهما، والرجالُ الكريمةُ. أُمُّهم،
стр. 776
والمرأةُ الكريمُ أبوها، والمرأتانِ الكريمُ أَبوهما، والنساءُ الكريمُ أبوهنَّ، والمرأَة الكريمةُ أُمُّها، والمرأَتانِ الكريمةُ أُمُّهما، والنساءُ الكريمةُ أُمُّهنَّ".
أَمَّا النّعتُ السبَبيُّ، الذي يَتحمّلُ ضميرَ المنعوتِ، فيطابقُ منعوتَهُ إفراداً وتثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً، كما يُطابقهُ إعراباً وتعريفاً وتنكيراً، فتقولُ "جاءَ الرجلانِ الكريما الأبِ، والمرأتانِ الكريمتا الأبِ، والرجالُ الكرامُ الأبِ، والنساءُ الكريماتُ الأبِ".
واعلم أنهُ يُستثنى من ذلكَ أربعةُ أشياء
١- الصفاتُ التي على وزنِ "فَعُول" - بمعنى "فاعل" نحو "صَبُورٍ وغَيورٍ وفَخُورٍ وشكُورٍ"، أو على وزن "فَعِيل" - بمعنى "مفعول" - نحو "جريح وقَتيل وخَضيبٍ"، أو على وزن "مفعالٍ"، نحو "مِهذار ومِكسال ومِبسامٍ"، أو على وزن "مِفعيلٍ" نحو "مِعطيرٍ ومِسكينٍ"، أو على وزن "مِفعَلٍ"، نحو "مِغشَمٍ ومِدعسٍ ومِهذَرٍ". فهذه الأوزان الخمسةُ يَستوي في الوصفِ بها المذكرُ والمؤنثُ، فتقولُ "رجلٌ غيورٌ، وامرأةٌ غيورٌ، ورجلٌ جريحٌ، وارمأة جريح" الخ.
٢- المصدرُ الموصوفُ به، فغنه يبقى بصورةٍ واحدةٍ للمفردِ والمثنّى والجمع والمذكّرِ والمؤنث، فتقولُ "رجلٌ عدلٌ، وامرأة عدلٌ. ورجلانِ عَدلٌ. وامرأتانِ عدلٌ. ورجالٌ عَدلٌ. ونساءٌ عَدلٌ".
٣- ما كان نعتاً لجمعِ ما لا يَعقلُ، فإنهُ يجوز فيه وجهان أن يُعاملَ مُعاملةَ الجمعِ، وأن يُعامَلَ مُعاملةَ المفردِ المؤنث، فتقولُ "عندي خيولٌ
стр. 777
سابقاتٌ، وخيولٌ سابقة". وقد يوصفُ الجمعُ العاقلُ، إن لم يكن جمعٌ مُذكرٍ سالماً، بصفة المفردة المؤنثة كالأمم الغابرة.
٤- ما كان نعتاً لاسمِ الجمع، فيجوزُ فيه الإفرادُ، باعتبارِ لفظِ المنعوتِ والجمعُ، باعتبارِ معناهُ، فتقولُ "إنَّ بَني فلان قومٌ صالحٌ وقومٌ صالحون".
٣- النَّعْتُ المُفْرَدُ والجُمْلَةُ وشِبْهُ الجُمْلَة
ينقسم النّعتُ أيضاً إلى ثلاثةِ أقسامٍ مُفرَدٍ وجملةٍ وشِبهِ جُملة.
فالمفردُ ما كانَ غيرَ جملةٍ ولا شِبهَها، وإن كان مُثنًى أو جمعاً، نحو "جاءَ الرجلُ العاقلُ، والرجلان العاقلانِ، والرجالُ العُقلاءُ".
والنّعتُ الجملةُ أن تقعَ الجملةُ الفعليّةُ أو الاسميّة منعوتاً بها، نحو "جاءَ رجلٌ يَحملُ كتاباً" و"جاءَ رجلٌ أبوهُ كريمٌ".
ولا تقعُ الجملةُ نعتاً للمعرفة، وإنما تقعُ نعتاً للنكرةِ كما رأيتَ. فإن وقعت بعد المعرفة كانت في موضع الحال منها، نحو "جاءَ عليٌّ يحملُ كتاباً". إلاّ إذا وقعت بعد المعرَّفِ بأل الجنسيّةِ، فيصح أن تُجعَلَ نعتاً له، باعتبار المعنى، لأنهُ في المعنى نكرةٌ، وأن تُجعل حالاً منهُ، باعتبار اللفظ، لأنهُ مُعرَّفٌ لفظاً بألْ، نحو "لا تُخالطِ الرجلَ يَعملُ عملَ السُّفهاءِ"، ومنه قولُ الشاعر [من الكامل]
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئيمِ يَسُبُّني ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعنيني
وقولِ الآخر [من الطويل]
وَإني لَتَعروني لِذِكْراكِ هَزَّةٌ ... كمَا انْتَفَضَ العُصفورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
стр. 778
(فليس القصد رجلاً مخصوصاً، ولا لئيماً مخصوصاً، ولا عصفوراً، مخصوصاً، لأنك ان قلت "لا تخالط رجلاً يعمل عمل السفهاء. لقد أمرّ على لئيم يسبني. كما انتفض عصفورٌ بلله القطر" صح) .
ومثلُ المعرَّفِ بألِ الجنسيّةِ ما أُضيفَ إلى المُعرَّف بِها، كقولِ الشاعر [من الكامل]
وَتُضِيءُ في وَجْهِ الظَّلاَمِ مُنيرَةً ... كَجُمانَةِ الْبَحْرِيِّ سُلَّ نِظامُها
أي كجُمانة بحرِيٍّ سُل نظامها.
وشرطُ الجملةِ النعتيّة (كالجملة الحاليّة والجملة الواقعةِ خبراً) أن تكونَ جملةً خبريَّةً (أي غيرَ طلبيّة) ، وان تشتملَ على ضمير يَربِطُها بالمنعوت، سواءُ أكان الضميرُ مذكوراً نحو "جاءَني رجلٌ يَحملُهُ غلامُهُ"، أم مستتراً، نحو "جاءَ رجلٌ يحملُ عَصاً، أو مُقدَّراً، كقولهِ تعالى ﴿واتَّقوا يوماً لا تُجزَى نفسٌ عن نفسٍ شيئاً﴾ ، والتقديرُ "لا تُجزَى فيه".
(ولا يقال "جاءَ رجل أكرمهُ" على أن جملة "أكرمْه" نعت لرجل. ولا يقال "جاء رجلٌ هل رأيت مثله، أو ليته كريم" لأن الجملة هنا طلبية. وما ورد من ذلك فهو على حذف النعت؛ كقوله "جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط". والتقدير "جاءوا بمذقٍ مقولٍ فيه هل رأيت الذئب". والمذق بفتح الميم وسكون الذال اللبن المخلوط بالماء فيشابه لونُه لونَ الذئب) .
والنعتُ الشبيهُ بالجملة أن يقعَ الظرفُ أو الجارُّ والمجرورُ في موضع النعت، كما يَقَعانِ في موضع الخبر والحال، على ما تَقدَّمَ، نحو "في الدار رجلٌ أمامَ الكُرسيّ"، "ورأيتُ رجلاً على حصانهِ". والنعتُ في الحقيقة
стр. 779
إنما هو مُتعلِّقُ الظرفِ أو حرفِ الجرّ المحذوفُ.
(والأصل في الدار رجل كائن، أو موجود، أمام الكرسي. رأيت رجلاً كائناً، أو موجوداً، على حصانه) .
واعلم أنه إذا نُعتَ بمفردٍ وظرفٍ ومجرور وجملةٍ، فالغالب تَأخيرُ الجملة، كقولهِ تعالى "وقالَ رجلٌ من آلِ فرعون يَكتُمُ إيمانَهُ" وقد تُقدَّمُ الجملة، كقولهِ سبحانهُ "فسوفَ يأتي اللهُ بقومٍ يُحبّهم ويُحبُّونهُ، أذلَّةٍ على المؤمنينَ، أعزَّةٍ على الكافرين".
٤- النَّعْتُ الْمَقْطوع
قد يُقطعُ النعت، عن كونهِ تابعاً لِما قبلهُ في الإعراب، إلى كونه خبراً لمبتدأ محذوف، أو مفعولاً به لفعل محذوف. والغالبُ أن يُفعلَ ذلك بالنعت الذي يُؤتى به لمجرَّدِ المدح، أو الذَّمِّ، أو التَّرحُّمِ، نحو "الحمدُ للهِ العظيمُ، أو العظيمَ". ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وامرَأتُهُ حَمّالةَ الحطب﴾ . وتقولُ "أحسنتُ إلى فلانٍ المِسكينُ، أو المسكينَ".
وقد يُقطَعُ غيرُهُ مما لم يُؤتَ بهِ لذلك، نحو "مررتُ بخالد النجارُ أو النجارَ".
وتقديرُ الفعل، إن نصبتَ، وأَمدَحُ، فيما أريدَ به المدحُ، "وأَذمُّ"، فيما
стр. 780
أُريدَ به الذمُّ، و"أَرحَمُ"، فيما أُريدَ به التُّرحُّمُ، و"أَعني" فيما لم يُرَد به مدحٌ ولا ذمٌّ ولا ترحُّمٌ.
وحذفُ المبتدأ والفعل، في المقطوع المراد به المدحُ أو الذمُّ أو الترحم، واجبٌ، فلا يجوزُ إظهارُهما.
ولا يُقطَعُ النعتُ عن المنعوت إلا بشرط أن لا يكونَ مُتمّماً لمعناهُ، بحيثُ يستقلُّ الموصوف عن الصفة. فإن كانت الصفة مُتمّمةً معنى الموصوف، بحيثُ لا يَتَّضِحُ إلاّ بها، لم يَجُز قطعُهُ عنها، نحو "مررتُ بسليمٍ التاجرِ"، إذا كان سليم لا يُعرَفُ إلا بذكر صفته.
وإذا تكرّرتِ الصفاتُ، فإن كان الموصوفُ لا يتعيَّنُ إلاّ بها كلّها، وجبَ إتباعها كلّها له، نحو "مررتُ بخالدٍ الكاتبش الشاعرِ الخطيبِ"، إذا كان هذا الموصوف (وهو خالدٌ) يُشاركهُ في اسمه ثلاثةٌ أحدهم كاتبٌ شاعر، وثانيهم كاتبٌ خطيب. وثالثهم شاعر خطيب. وإن تعيّنَ ببعضها دونَ بعضٍ وجبَ إتباعُ ما يَتعَيَّن بهِ، وجاز فيما عداهُ الإتباعُ والقطعُ.
وإن تكرَّرَ النّعتُ، الذي لمجرَّد المدح أو الذمِّ أو الترحُّم، فالأوْلى إما قطعُ الصفاِ كلّها، وإما إتباعها كلّها. وكذا إن تكرَّرَ ولم يكن للمدح أو الَّم. غيرَ أن الاتباع في هذا أولى على كل حال، سواءٌ أتكرَّرت الصفةُ أم لم تكرَّر.
٥- تَتمَّةٌ
١- الاسمُ العلمُ لا يكونُ صفةً، وإنما يكونُ موصوفاً. ويُوصفُ بأربعةِ أَشياءَ بالمعرَفِ بألْ، نحو "جاءَ خليلٌ المجتهدُ" وبالمضاف إلى معرفةٍ،
стр. 781
نحو "جاءَ علي صديقُ خالدٍ"، وباسمِ الاشارةِ، نحو "أُكرِمُ علياً هذا"، وبالاسم الموصولِ المُصدَّرِ بأل، نحو "جاءَ عليٌّ الذي اجتهد".
٢- المعرَّف بألْ يُوصفُ بما فيه "أَلْ"، وبالمضاف إلى ما فيه "أَلْ"، نحو "جاءَ الغلامُ المجتهدُ" و"جاءَ الرجلُ صديقُ القومِ".
٣- المضافُ إلى العَلمِ يُوصفُ بما يُوصفُ به العلَمُ، نحو "جاءَ تِلميذُ عليٍّ المجتهدُ. جاءَ تِلميذُ عليٍّ صديقُ خالدٍ. جاءَ تلميذ عليٍّ هذا. جاء تلميذُ عليٍّ الذي اجتهدَ".
٤- اسمُ الاشارة و"أيُّ" يُوصفانِ بما فيه "ألْ" مثلُ "جاءَ هذا الرجل"، ونحو "يا أيُّها الانسانُ". وتوصفُ "أَيُّ" أَيضاً باسم الاشارةِ، نحو "يا أَيُّها الرَّجلُ".
٥- قال الجمهورُ من حقِّ الموصوفِ أن يكون أخصَّ من الصفة وأعرفَ منها أو مساوياً لها. لذلك امتنعَ وصفُ المعرَّف بألْ باسم الاشارة وبالمضاف إلى ما كان مُعرَّفاً بغيرِ "أَلْ". فإن جاءَ بعده معرفةٌ غيرُ هذين فليست نعتاً له، بل هي بدل منه أو عطفُ بيانٍ، نحو "جاءَ الرجلُ هذا، أو الذين كان عندنا، أو صديق علي، أَو صديقُنا".
والصحيحُ أَنه يجوزُ أَن يُنعَتَ الأعمُّ بالأخصّ، كما يجوزُ العكسُ، فتوصفُ كلُّ معرفةٍ بكلّ معرفة، كما تُوصفُ كلُّ نكرةٍ بكل نكرة.
٦- حقُّ الصفةِ أَن تَصحَبَ الموصوفَ. وقد يُحذَفُ الموصوف إذا ظهرَ أَمرُهُ ظُهوراً يُستغنى معه عن ذكره. فحينئذٍ تقومُ الصفةُ مَقامَهُ كقوله تعالى
стр. 782
﴿أَنِ اعمَلْ سابغاتٍ﴾ ، أَي "دُروعاً سابغاتٍ"، ونحو "نحنُ فريقانِ منّا ظَعَنَ ومنا أَقامَ"، والتقدير "منا فريقٌ ظعنَ، ومنّا فريقٌ أَقامَ". ومنه قولهُ تعالى أَيضاً ﴿وعندهم قاصراتُ الطرفِ عينٌ﴾ ، والتقديرُ "نساءٌ قاصراتُ الطّرفِ"، وقولُ الشاعر [من الوافر]
أَنا ابْنُ جَلاَ وَطَلاَّعُ الثَّنَايا ... مَتى أَضَعِ الْعِمامَةَ تَعرِفوني
والتقدير "أَنا ابنُ رجلٍ جلاَ"، أَي جلا الأمور بأعماله وكشفها.
وقد تُحذَفُ الصفةُ، إن كانت معلومةً، كقوله تعالى ﴿يأخذُ كلَّ سفينة غَصباً﴾ ، والتقدير ﴿يأخذُ كلَّ سفينةٍ صالحةٍ﴾ .
٧- إذا تكرَّرت الصفاتُ، وكانت واحدةً، يُستغنى بالتثنية أو الجمع عن التفريق، نحو "جاءَ عليٌّ وخالدٌ الشاعرانِ، أو عليٌّ وخالدٌ وسعيدٌ الشعراءُ، أو الرجلان الفاضلان. أَو الرجالُ الفضَلاءُ". وان اختلفت وجبَ التفريقُ فيها بالعطفِ بالواو، نحو "جاءَني رجلانِ كاتبٌ وشاعرٌ، أَو رجالٌ كاتب وشاعرٌ وفقيهٌ".
٨- الأصلُ في الصفة أَن تكونَ لبيانِ الموصوفِ. وقد تكونُ لمجرَّدِ الثناءِ والتعظيمِ، كالصفاتِ الجاريةِ على اللهِ سبحانهُ، أو لمجرَّد الذّم والتّحقيرِ نحو "أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ" أو للتأكيدِ نحو "أمسِ الدابرُ لا يعودُ"، ومنه قولهُ تعالى ﴿فإذا نُفِخَ في الصور نَفخةٌ واحدةٌ﴾ .
(التَّوكيد)
التَّوكيدُ (أو التأكيدُ) تكريرٌ يُرادُ به تثبيتُ أمرِ المُكرَّر في نفس السامعِ، نحو "جاءَ عليٌّ نفسُهُ"، ونحو "جاءَ عليٌّ عليٌّ".
стр. 783
وفي التّوكيدِ ثلاثةُ مباحث
١- التَّوْكيدُ اللَّفْظيُّ
التّوكيدُ قسمانِ لفظيٌّ ومعنويٌّ.
فاللفظي يكونُ بإعادةِ المُؤكّدِ بلفظهِ أو بمرادفه، سواءٌ أكان اسماً ظاهراً، أم ضميراً، أم فعلاً، أم حرفاً، أم جملةً. فالظاهرُ نحو "جاءَ عليٌّ عليٌّ". والضمير نحو "جئتَ أنتَ. وقُمنا نحنُ". ومنه قوله تعالى ﴿يا آدمُ اسكُنْ أنتَ وزَوجُكَ الجنّةَ﴾ والفعلُ نحو "جاءَ جاءَ عليٌّ". والحرفُ نحو "لا، لا أبوحُ بالسرّ. والجملةُ نحو "جاءَ عليٌّ، جاءَ عليٌّ، وعليٌّ مجتهدٌ، عليّلإ مجتهدٌ". والمرادفُ نحو "أتى جاءَ عليٌّ".
وفائدةُ التوكيدِ اللفظيِّ تقريرُ المؤكدِ في نفسِ السامعِ وتمكينُهُ في قلبِهِ، وإزالةُ ما في نفسهِ من الشُّبهة فيه.
(فانك ان قلت "جاءَ علي"، فان اعتقدَ المخاطب أن الجائي هو لا غيره ادميت بذلك وأن أنكرَ، أو ظهرت عليه دلائل الانكار، كرّرت لفظ "علي" دفعاً لإنكاره، أو ازالة للشبهة التي عرضت له. وان قلت "جاءَ علي، جاء علي"، فانما تقول ذلك اذا أنكر السامع مجيئه، أو لاحت عليه شبهةٌ فيه، فتثبت ذلك في قلبه وتُميط عنه الشبهة) .
٢- التَّوْكيدُ الْمَعنَوِيُّ
التّوكيدُ المعنوي يكونُ بذكرِ "النّفسِ أو العينِ أو جميع أو عامّةٍ أو كلاَ أو كلتا، على شرطِ أن تُضاف هذه المؤكّداتُ إلى ضميرٍ يُناسِبُ المؤكّدَ،
стр. 784
نحو "جاءَ الرجلُ عينُه، والرجلانِ أنفُسهُما. رأيتُ القومَ كلّهم. أحسنتُ إلى فُقراءِ القريةِ عامَّتِهم. جاءَ الرجلانِ كلاهما، والمرأتانِ كلتاهما".
وفائدةُ التوكيدِ بالنفس والعينِ رفعُ احتمالِ أن يكون في الكلام مجازٌ أو سهوٌ أو نسيانٌ.
(فان قلت "جاء الأميرُ" فربما يتوهم السامع أن اسناد المجيء إليه، هو على سبيل التجوّز أو النسيان أو السهو، فتؤكده بذكر النفس أو العين، رفعاً لهذا الاحتمال، فيعتقد السامع حينئذ أن الجائي هو لا جيشه ولا خدمه ولا حاشيته ولا شيء من الأشياء المتعلقة به) .
وفائدةُ التوكيد بكلٍّ وجميعٍ وعامَّةٍ الدلالةُ على الاحاطة والشُّمول.
(فاذا قلت "جاء القوم"، فربما يتوهم السامع أن بعضهم قد جاء، والبعض الآخر قد تخلّف عن المجيء. فتقول "جاء القوم كلهم"، دفعاً لهذا التوهم. لذلك لا يقال "جاء علي كله"، لأنه لا يتجزأ. فاذا قلت "اشتريت الفر كله" صح، لأنه يتجزأ من حيث المبيع) .
وفائدةُ التوكيد بكِلا وكِلتا اثباتُ الحُكم للاثنين المُؤكّدينِ معاً.
(فاذا قلت "جاء الرجلان"، وأنكر السامع أن الحكم ثابت للاثنين معاً، أو توهم ذلك، فتقول "جاء الرجلان كلاهما"، دفعاً لإنكاره، أو دفعاً لتوهمه أن الجائي أحدهما لا كلاهما. لذلك يمتنع أن يقال "اختصم الرجلان كلاهما، وتعاهد سليم وخالد كلاهما"، بل يجب أن تحذف كلمة "كلاهما"، لأن فعل المخاصمة والمعاهدة لا يقع إلا من اثنين فأكثر، فلا حاجة الى توكيد ذلك، لأنّ السامع لا يعتقد ولا يتوهم أنه حاصل من أحدهما دون الآخر) .
стр. 785
٣- تتِمَّةٌ
١- إذا أُريدَ تقوية التوكيدِ يُؤتى بعدَ كلمة "كله" بكلمة "أجمع"، وبعدَ كلمةِ "كلها" بكلمة "جمعاء"، وبعدَ كلمة "كلهم" بكلمة "أجمعينَ"، وبعدَ كلمة "كلهنَّ" بكلمة "جُمَع"، تقولُ "جاءَ الصفُّ كلُّهُ أجمعُ" و"جاءَت القبيلةُ كلُّها جمعاءُ"، قال تعالى ﴿فسجدَ الملائكةُ كلُّهُم أجمعونَ﴾ وتقولُ "جاءَ النساءُ كلُّهنَّ جُمَعُ".
وقد يُؤكدُ بأجمعَ وجمعاءَ وأجمعينَ وجُمَعَ، وإن لم يَتقدَّمهنَّ لفظ "كلّ" ومنه قوله تعالى ﴿لأغوينَّهُم أجمعينَ﴾ .
٢- لا يجوزُ تثنيةُ "أجمع وجمعاءَ"، استغناءً عن ذلك بِلَفظيْ "كِلا وكلتا" فيقالُ "جاءا جمعانِ" ولا "جاءَتا جمعاوانِ" كما استَغنوا بتثنيةِ "سِيٍّ" عن تثنية "سواءٍ"، فقالوا "زيدٌ وعمرٌو سِيّانِ في الفضيلة"، ولم يقولوا "سواءَانِ".
٣- لا يجوزُ توكيدُ النكرة، إلا إذا كان توكيدُها مفيداً، بحيثُ تكونَ النكرةُ المؤكَّدةَ محدودةً، والتوكيدُ من ألفاظ الإحاطة والشُّمول نحو "اعتكفتُ أُسبوعاً كلَّهُ". ولا يقالُ "صُمتُ دهراًَ كلَّهُ"، ولا "سِرتُ شهراً نفسَهُ"، لأنّ الأول مُبهَمٌ، والثاني مؤكدٌ بما لا يفيدُ الشُّمولَ.
٤- إذا أُريدَ توكيدُ الضميرِ المرفوعِ، المُتَّصلِ أو المستتر، بالنفس أو العين؛ وجبَ توكيدُهُ أوَّلاً بالضميرِ المنفصلِ، نحو "جئتُ أنا نفسي. ذهبوا هم أنفسُهم. عليٌّ سافرَ نفسُهُ". أما إن كان الضميرُ منصوباً أو مجروراً، فلا يجبُ فيه ذلكَ، نحو "أكرمتُهم أنفسَهم، ومررتُ بهم أَنفسِهم". "وكذا إن كان التوكيدُ غيرَ النّفس والعين"، نحو "قاموا كلُّهم. وسافرنا كلُّنا".
стр. 786
٥- الضميرُ المرفوعُ المنفصلُ يُؤكد به كل ضميرٍ مُتّصل، مرفوعاً كان، نحو "قمتَ أنت"، أَو منصوباً، نحو "أَكرمتكَ أَنتَ"، أَو مجروراً، نحو "مررتُ بكَ أنتَ". ويكون في محلِّ رفع، إن أُكِّدَ به الضميرُ المرفوعُ، وفي محلِّ نصبٍ، إن أُكِّدَ به الضميرُ المنصوب، وفي محلِّ جرٍّ، إن أُكِّدَ به الضميرُ المجرورُ.
٦- يُؤكدُ المُظهَرُ بمثلهِ، لا بالضمير، فيقال "جاءَ عليٌّ نفسُهُ". ولا يُقالُ "جاءَ عليُّ هوُ". والمُضمَرُ يُؤكدُ بمثله وبالمُظهَر أيضاً. فالأوَّلُ نحو "جئتَ أنتَ نَفسُكَ"، والثاني نحو "أحسنتُ إليهم أنفسِهم".
٧- إن كان المؤكَّدُ بالنَّفسِ أو العين مجموعاً جمعتَهما، فتقولُ "جاءَ التلاميذُ أَنفسُهم، أَو أَعينُهم". وإن كان مثنًّى فالأحسنُ أن تجمعهما، نحو "جاءَ الرجلانِ أَنفسُهما، أَو أَعينهما". وقد يجوزُ أَن يُثنيَّا تَبعاً لِلَفظِ المؤكدِ، فتقولُ "جاءَ الرَّجلانِ نَفساهما أو عيناهما" وهذا أُسلوبٌ ضعيفٌ في العربيّة.
٨- يجوزُ أَن تُجرَّ "النفسُ" أَو "العينُ" بالباءِ الزائدةِ، نحو "جاءَ عليٌّ بنفسهِ". والأصلُ "جاءَ عليٌّ نفسُهُ"، فتكونُ "النفس" مجرورة لفظاً بالباءِ الزائدة، مرفوعةً محلاً، لأنها توكيد للمرفوع، وهو "عليٌّ".
(البدل)
البَدَلُ هو التّابعُ المقصودُ بالحُكمِ بلا واسطةٍ بينهُ وبينَ متبوعهِ نحو "واضعُ النحوِ الإمامُ عليٌّ".
(فعليٌّ تابع للامام في إعرابه. وهو المقصود بحكم نسبة وضع النحو اليه. والإمام انما ذكر توطئة وتمهيداً له، ليستفاد بمجموعهما فضلُ توكيد وبيان، لا يكون في ذرك أحدهما دون الآخر. فالإمام غير مقصود بالذات،
стр. 787
لأنك لو حذفته لاستقلّ "عليٌّ" بالذكر منفرداً، فلو قلت "واضع النحو عليٌّ"، كان كلاماً مستقلاً. ولا واسطة بين التابع والمتبوع.
أما ان كان التابع مقصوداً بالحكم، بواسطة حرف من أحرف العطف، فلا يكون بدلاً بل هو معطوف، نحو "جاء علي وخالد" وقد خرج عن هذا التعريف النعت والتوكيد أيضاً، لأنهما غير مقصودين بالذات وانما المقصود هو المنعوت والمؤكد) .
وفي البدل مبحثهان
١- أَقْسامُ الْبَدَل
البَدلُ أربعةُ أقسامٍ البدلُ المطابِقُ (ويُسمّى أيضاً بَدَلَ الكُل من الكل) ، وبَدلُ البعضِ من الكلِّ، وبدلُ الاشتمالِ، والبدلُ المُبايِنُ.
فالبدلُ المُطابقُ (أو بَدَلُ الكل من الكُلِّ) هو بَدَلُ الشيءِ مِمّا كان طَبقَ معناهُ، كقولهِ تعالى ﴿إهدنِا الصراطَ المستقيمَ، صِراطَ الذينَ أنعمت عليهم﴾ . فالصراطُ المُستقيم وصِراطُ المُنعَمِ عليهم مُتطابقانِ معنًى، لأنهما، كلَيهما، بدلانِ على معنًى واحدٍ.
وبدلُ البعضِ من الكُل هو بدل الجزء من كُلِّهِ، قليلاً كان ذلكَ الزءُ، أو مُساوياً للنّصفِ، أو أكثرَ منهُ، نحو " جاءتِ القبيلةُ رُبعُها. أو نصفُها، أو ثُلُثاها"، ونحو "الكلمةُ ثلاثة أقسامٍ اسمٌ وفعلٌ وحرف"، ونحو "جاءَ التلاميذُ عشرونَ منهم".
وبدلُ الاشتمالِ هو بدلُ الشيءِ مِمّا يشتملُ عليه، على شرط أن لا يكونَ جزءاً منه، نحو "نفعني المُعلِّمُ عِلمُهُ. أحببتُ خالداً شجاعتَهُ. أُعجِبتُ بعليٍّ خُلقهِ الكريمِ". فالمعلِّمُ يشتملُ على العلم، وخالدٌ يشتملُ على
стр. 788
الشجاعة، وعليٌّ يشتملُ على الخُلُق. وكلٌّ من العلم والشجاعة والخُلق، ليس جزءاً مِمّن يشتملُ عليه.
ولا بُدَّ لبدلِ البعضِ وبدلِ الاشتمالِ من ضميرٍ يربطُهما بالبدل، مذكوراً، كان، كقوله تعالى ﴿ثمَّ عَمُوا وصَمُّوا، كثيرٌ منهم﴾ ، وقولهِ ﴿يَسألونكَ عن الشّهرِ الحرامِ. قِتالٍ فيه﴾ ، أو مُقدَّراً، كقوله سبحانهُ ﴿وللهِ على النّاس حِجُّ البيت من استطاعَ إليه سبيلاً﴾ ، وقولهِ ﴿قُتِلَ أصحابُ الأخدودِ، النّارِ ذاتِ الوَقود﴾ .
والبَدَلُ المباينُ هو بدلُ الشيءِ مِمّا يُباينُهُ، بحيثُ لا يكون مطابقاً لهُ، ولا بعضاً منه، ولا يكونُ المُبدَلُ منه مُشتملاً عليه. وهو ثلاثةُ أنواعٍ بدَلُ الغَلَطِ، وبَدلُ النسيان، وبدلُ الاضراب.
فبَدَلُ الغلطِ ما ذكرَ ليكونَ بدلاً من اللفظ الذي سبقَ إليه اللسانُ، فذكرَ غلطاً، نحو "جاءَ المعلِّمُ، التلميذُ"، أردتَ أن تذكرَ التلميذ، فسبقَ لسانُكَ، فذكرتَ المعلمَ غلطاً، فتَذكَّرتَ غَلَطَكَ، فأبدلتَ منه التلميذَ.
стр. 789
وبدلُ النسيان ما ذُكرَ ليكونَ بدلاً من لفظٍ تَبيَّنَ لكَ بعدَ ذكرهِ فسادُ قصدهِ، نحو "سافرَ عليٌّ إلى دِمَشقَ، بَعلبكَّ"، توهمتَ أنه سافرَ إلى دمشقَ، فأدرككَ فسادُ رأيك، فأبدلتَ بعلبكَّ من دمشقَ.
فبدلُ الغلطِ يتعلَّقُ باللسانِ، وبدلُ النسيانِ يَتعلَّق بالجَنان.
وبَدلُ الاضراب ما كان في جملةٍ، قصدُ كلٍّ من البلد والمُبدَل منه فيها صحيحٌ، غيرَ أنَّ المتكلم عدلَ عن قصد المُبدَلِ منه إلى قصدِ البدل، نحو "خُذِ القلمَ، الوَرَقةَ"، أمرتَهُ بأخذ القلم، ثم أضربتَ عن الأمر بأخذهِ إلى أمرهِ بأخذ الورقة، وجعلتَ الأوَّل في حكم المترُوك.
والبَدَلُ المُباينُ بأقسامهِ لا يقعُ في كلامِ البُلغَاءِ. والبليغُ إن وقع في شيءٍ منها، أتى بين البدل والمبدَل منه بكلمةِ "بَلْ"، دلالةً على غلطهِ أو نسيانهِ أو إِضرابه.
٢- أَحكامٌ تَتَعَلَّقُ بالْبَدَل
١- ليسَ بمشروطٍ أن يتطابَقَ البدلُ والمُبدَل منه تعريفاً وتنكيراً. بل لكَ أن تُبدِلَ أيَّ النوعينِ شئتَ من الآخر، قال تعالى ﴿إلى صراط مُستقيم، صراطِ الله﴾ ، فأبدلَ "صراط الله"، وهو معرفةٌ، من "صراطٍ مُستقيم"، وهو نكرة، وقالَ "لنفسعاً بالناصيةِ، ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئةٍ"، فأبدلَ "ناصية"، وهي نكرةٌ، منَ "الناصية"، وهي معرفةٌ. غيرَ أنه لا يَحسُنُ إِبدالُ النكرة من المعرفة إلا إذا كانت موصوفةً كما رأيتَ في الآية الثانية.
٢- يُبدَلُ الظاهرُ من الظاهرِ، كما تقدَّمَ. ولا يُبدَلُ المُضمَر من المُضمَر. وأما مثلُ "قُمتَ أنتَ. ومررتُ بكَ أنت"، فهو توكيد كما تقدَّم.
стр. 790
ولا يُبدلُ المضمرُ من الظاهر على الصحيح. قال ابنُ هشام وأمّا قولهم "رأيتُ زيداً أياهُ"، فمِنْ وضعِ النحويينَ، وليس بمسموع.
ويجوز إبدالُ الظاهر من ضميرِ الغائبِ كقولهِ تعالى ﴿وأسَرُّوا النّجوى، الذينَ ظلموا﴾ فأبدلَ "الذينَ" من "الواو"، التي هي ضميرُ الفاعلِ. ومن ضمير المخاطبِ والمتكّلم، على شرط أن يكونَ بدلَ بعضٍ من كلٍّ، أو بدلَ اشتمالٍ، فالأول كقوله تعالى ﴿لَقد كانَ لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ، لِمَنْ كان يَرجو اللهَ واليومَ الآخرَ﴾ فأبدلَ الجارَّ والمجرورَ، وهما "لِمن" من الجارّ والمجرورِ المُضمر وهما "لكم" وهو بدلُ بعضٍ من كلٍّ، لأنَّ الأسوةَ الحسنةَ في رسولِ اللهِ ليست لكلِّ المخاطبين، بل هيَ لمن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخرَ منهم. والثاني كقولك "أعجبتني، علمُكَ"، فعلمُك بدلٌ من "التاءِ"، التي هي ضميرُ الفاعل، وهو بدلُ اشتمال، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
بَلَغْنا السَّماءَ مَجْدُنا وسَناوُّنا ... وإِنَّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذلِكَ مَظْهرا
فأبدلَ "مجدنا" من "نا"، التي هي ضمير الفاعلِ، وهو بدلُ اشتمال أيضاً.
٣- يُبدَلُ كلٌّ من الاسمِ والفعلِ والجملة من مثله.
فإبدالُ الاسمِ من الاسمِ قد تقدَّم.
وإبدالُ الفعل من الفعل كقوله تعالى ﴿ومَنْ يفعلْ ذلكَ يَلق أثاماً، يُضاعفْ له العذابُ﴾ ، أبدل "يُضاعف" من "يلقَ".
وإبدالُ الجملة من الجملة كقوله تعالى ﴿أمَدَّكم بما تَعلمونَ، أمدَّكم
стр. 791
بأنعامٍ وبنينَ﴾ ، فأبدل جملة "أمدَّكم بأنعامٍ وبَنينَ" من جملة "أمدَّكم بما تَعلمون".
وقد تُبدَلُ الجملةُ من المُفرَدِ، كقول الشاعر [من الطويل]
إِلى اللهِ أَشْكُو بِالْمَدينَةِ حاجةً ... وبالشَّامِ أُخْرى، كَيْفَ يَلْتَقِيانِ؟!
أبدلَ "كيفَ يَلتقيانِ" من حاجةٍ وأخرى، والتقديرُ الإعرابيُّ "أشكون هاتينِ الحاجتينِ، تَعذُّرَ التقائهما". والتقديرُ المعنويُّ "أشكو إلى الله تَعَذُّرَ التقاءِ هاتينِ الحاجتينِ".
٤- إذا أُبدِلَ اسمٌ من اسم استفهام، أو اسم شرط، وجب ذكرُ همزةِ الاستفهام، أو "إن" الشرطيّةِ معَ البدلِ، فالأولُ نحو "كم مالُكَ؟ أعشرونَ أم ثلاثون؟. من جاءَك؟ أعليٌّ أم خالد؟. ما صنعتَ؟ أخيراً أم شرًّا؟ ". والثاني نحو "مَنْ يَجتهدْ، إنْ عليٌّ، وإن خالدٌ، فأكرمهُ. ما تَصنعْ، إنْ خيراً، وإنْ شرًّا، تُجزَ بهِ. حيثما تنتظرني، إنْ في المدرسة، وإن في الدَّار أُوافِك".
стр. 792
(عَطفُ البيانِ)
عطفُ البيانِ هو تابعٌ جامدٌ، يُشبهُ النّعتَ في كونه يكشفُ عن المراد كما يكشفُ النّعتُ. ويُنزّلُ من المتبوع مَنزلةَ الكلمةِ الموضّحة لكلمةٍ غريبةٍ قبلها، كقول الراجز "أقسمَ باللهِ أبو حَفصٍ عُمَر".
(فعمر عطف بيان على "أبو حفص"، ذُكر لتوضيحه والكشف عن المراد به، وهو تفسير له وبيان، وأراد به سيدنا عمر بن الخطاب، ﵁ .
وفائدته إيضاحُ متبوعهِ، إن كان المتبوعُ معرفةً، كالمثال السابق، وتخصيصه إن كان نكرةً، نحو "اشتريتُ حُلِيّاً سِواراً". ومنه قولهُ تعالى "أو كفّارةٌ طَعامُ مَساكينَ".
ويجبُ أن يُطابقَ متبوعَهُ في الإعرابِ والإفرادِ والتّثنيةِ والجمع والتّذكير والتأنيث والتعريفِ والتنكير.
ومن عطفِ البيان ما يقعُ بعد "أَيْ وأنْ" التّفسيريتينِ. غيرَ أنَّ "أَيْ" تُفسّرُ بها المُفرداتُ والجُمَلُ، و"أَنْ" لا يفسَّر بها إلا الجُمل المشتملةُ على معنى القول دونَ أحرفهِ. تقول "رأيتُ ليثاً، أي أَسداً" و"أشرتُ إليهِ، أي اذهبْ". وتقولُ "كتبتُ إليهِ، أنْ عَجَّلْ بالحضور.
وإذا تضمّنتْ "إذا" معنى "أي" التفسيريَّةِ، كانت حرفَ تفسيرٍ مثلها،
стр. 793
نحو "تقولُ امتطيتُ الفرسَ إذا ركبتَه". وسيأتي لهذا البحث فضلُ بيانٍ في باب الحروف.
أَحكامٌ تَتَعَلَّقُ بِعَطْفِ البَيَان
١- يجبُ أن يكون عطفُ البيان أوضح من متبوعهِ وأشهر، وإلا فهو بدلٌ نحو "جاءَ هذا الرجل"، فالرجلُ. بدلٌ من اسم الإشارة، وليس عطفَ بيان، لأنَّ اسمَ الإشارةِ أوضح من المعرَّف بأل. وأجازَ بعضُ النّحويين أن يكونَ عطفَ بيان، لأنهم لا يشترطون فيه أن يكون أوضعَ من المتبوع. وما هو بالرأي السديد، لأنه إنما يُؤتى به للبيان والمبيِّنُ يجبُ أن يكونَ أوضحَ من المُبيَّن.
٢- الفرقُ بين البدلِ وعطف البيان أنَّ البدلَ يكونُ هو المقصودَ بالحكم دُون المُبدلِ منه. وأمّا عطفُ البيان فليس هو المقصودَ، بل إنَّ المقصود بالحُكم هو المتبوعُ، وإنما جيءَ بالتابع (أي عطف البيان) تَوضيحاً له وكشفاً عن المراد منه.
٣- كلُّ ما جازَ أن يكونَ عَطفَ بيانٍ جازَ أن يكونَ بدلَ الكلِّ من الكلِّ، إذا لم يُمكن الاستغناءُ عنه أو عن متبوعهِ، فيجبُ حينئذٍ أن يكون عطفَ بيان. فمثالُ عدمِ جواز الاستغناء عن التابع قولكَ "فاطمةُ جاء حسينٌ أخوها"، لأنكَ لو حذفتَ "أخوها" من الكلام لفسد التركيبُ. ومثالُ عدَم جواز الاستغناءِ عن المتبوعِ قولُ الشاعر [من الوافر]
أَنا بانُ التَّارِكِ الْبَكْرِيِّ بِشْرٍ ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ وقُوعا
فبشر عطفُ بيانٍ على "البكري"، لا بدلٌ منه، لأنكَ لو حذفت
стр. 794
المتبوعَ، وهو "البكري" لوجب أن تضيفَ "التّارك" إلى "بشر"، وهو ممتنعٌ، لأنّ إضافةَ ما فيه "ألْ" إذا كان ليس مُثنى أو مجموعاً جمعَ مذكرٍ سالماً، إلى ما كان مُجرَّداً عنها غيرُ جائزة، كما علمتَ في مبحث الإضافة.
ومن ذلك قول الآخر [من الطويل]
أَيا أَخَوَيْنا، عَبْدَ شَمْسٍ ونَوْفَلاً ... أُعِيذُ كُما بِاللهِ أَنْ تُحْدِثا حَربا
فعبدَ شمس معطوفٌ على "أخوينا" عطفَ بيان، و"نوفلاً" معطوف بالواو على "عبد شمس"، فهو مثله عطف بيان. ولا تجوزُ البدليَّةُ هنا، لأنه لا يُستغنى عن المتبوع، إذ لا يصحُّ أن يقال "أيا عبدَ شمسٍ ونوفلاً"، بل يجبُ أن يقال "ونوفلُ" بالنباءِ على الضم، لأن المنادى إذا عُطف عليه اسمٌ مُجرَّد من "ألْ" والإضافة، وجبَ بناؤه، لأنك إن ناديتَهُ كان كذلك، نحو "يا نوفلُ". كما عرفتَ ذلك في مبحث "أحكام توابع المنادى".
ومن ذلكَ أن تقول "يا زيدُ الحارث". فالحارث عطفُ بيان على "زيد". ولا يجوز أن يكون بدلاً منه، لأنك لو حذفتَ المتبوع، وأحللتَ التابعَ محلَّهُ، لقلتَ "يا الحارثُ". وذلك لا يجوز، لأنَّ "يا" و"أل" لا يجتمعان إلا في لفظ الجلالة.
٤- يكونُ عطفُ البيان جملةً، كقوله تعالى ﴿فَوَسوسَ إليه الشيطانُ
стр. 795
قال يا آدمُ هل أدُلُّك على شجرةِ الخُلدِ ومُلكٍ لا يَبلَى﴾ ، فجملةُ "قال يا آدمُ هل أدُلُّك" عطفُ بيان على جملة "فوسوَس إليه الشيطان". وقد منعَ النُّحاة عطفَ البيانِ في الجُمل، وجعلوه من باب البدل. وأثبتهُ علماء المعاني، وهو الحقُّ. ومنه قولهُ تعالى أيضاً ﴿ونُودُوا أن تِلكُمُ الجنةُ﴾ ، فجملة "أن تلكُمُ الجنةُ" عطف بيانٍ على جملة "نُودوا".
(المعطوفُ بالحرف)
المعطوفُ بالحرف هو تابعٌ يتوسّط بينه وبينَ متبوعه حرفٌ من أحرف العطفِ، نحو "جاءَ عليٌّ وخالدٌ. أكرمتُ سعيداً ثم سليماً". ويُسمّى العطفُ بالحرف "عَطفَ النَّسَقِ" أيضاً.
وفيه ثلاثةُ مباحث
١- أَحْرُفُ العَطْفِ
احرفُ العَطفِ تسعةٌ. وهي "الواو والفاءُ وثُمَّ وحتى وأَو وأَم وبَلْ ولا ولكنْ".
فالواوُ والفاءُ وثمَّ وحتَّى تُفيدُ مشاركةَ المعطوفِ للمعطوف عليه في الحُكم والإعرابِ دائماً.
وأَو، وأَمْ، إن كانتا لغير الإضراب على المعطوفِ عليه إلى المعطوف، فكذلك، نحو "خُذ القلمَ أو الورقةَ"، ونحو "أخالدٌ جاءَ أم سعيدٌ؟ ". وإن كانتا للاضرابِ فلا تفيدانِ المشاركةَ بينهما في المعنى، وإنما هما التَّشريك في الإعراب فقطْ، نحو "لا يَذهبْ سعيدٌ أو لا يَذهبْ
стр. 796
خالدٌ"، ونحو "أذهبَ سعيدٌ؟! أم أذهبَ خالدٌ؟ ".
وبَل تُفيدُ الاضرابَ والعدولَ عن المعطوف عليه إلى المعطوف، نحو "جاءَ خالدٌ، بَل عليٌّ".
ولكنْ تُفيدُ الاستدراكَ، نحو "ما جاءَ القومُ، لكنْ سعيدٌ".
ولا تفيدُ معَ العطفِ نفيَ الحكم عمّا قبلها وإثباتَهُ لِمَا بعدَها نحو "جاءَ عليٌّ لا خالدٌ".
٢- مَعاني أَحرُفِ الْعَطْفِ
١- الواو تكونُ للجمع بين المعطوفِ والمعطوف عليه في الحُكم والاعرابِ جمعاً مطلقاً، فلا تُفيدُ ترتيباً ولا تعقيباً. فإذا قلتَ "جاءَ عليٌّ وخالدٌ"، فالمعنى أنهما اشتركا في حكم المجيء، سواءٌ أكان عليٌّ قد جاءَ قبل خالد، أم بالعكس، أم جاءَا معاً، وسواءٌ أكان هناك مُهلةٌ بين مجيئهما أم لم يكن.
٢- الفاءُ تكونُ للترتيب والتعقيب. فإذا قلتَ "جاء عليّ فسعيدٌ". فالمعنى أنَّ عليّاً جاءَ أوَّلُ، وسعيداً جاءَ بعدَهُ بلا مُهلةٍ بينَ مجيئهما.
٣- ثمَّ تكون للتَّرتيبِ والتَّراخي. فإذا قلتَ "جاءَ عليٌّ ثمَّ سعيدٌ"، فالمعنى أن "عليّاً" جاءَ أولُ، وسعيداً جاءَ بعدهُ، وكان بينَ مجيئهما مُهلة.
٤- حتى العطفُ بها قليلٌ. وشرطُ العطفِ بها أن يكونَ المعطوفُ اسماً ظاهراً، وأن يكون جزءاً من المعطوف عليهِ أو كالجزء منه، وأن يكون أشرفَ من المعطوف عليه أو أخسَّ منه، وأن يكونَ مفرداً لا جملةً، نحو
стр. 797
"يموتُ الناسُ حتى الأنبياءُ. غلبكَ الناسُ حتى الصبيانُ. أعجبني عليٌّ حتى ثوبُهُ".
واعلم أنَّ "حتى" تكونُ أيضاً حرف جرّ، كما تقدم. وتكون حرف ابتداء، فما بعدها جملةٌ مُستأنفة، كقول الشاعر [من الطويل]
فَما زالَت الْقَتْلى تَمُجُّ دِماءَها ... بِدِجْلَةَ، حَتَّى ماءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
٥- أو إن وقعت بعدَ الطَّلب، فهي إمّا للتَّخيير، نحو "تَزوَّجْ هنداً أو أختها"، وإما للاباحة، نحو "جالس العلماءَ أو الزُهّادَ". وإما للاضراب، نحو "إذهبْ إلى دِمَشقَ، أو دَع ذلكَ، فلا تَذهب اليومَ"، أي بَلْ دَعْ ذلك، أُمرتَهُ بالذهاب، ثمَّ عدلتَ عن ذلك.
والفرق بينَ الإباحة والتَّخيير، أن الاباحةَ يجوز فيها الجمعُ بين الشيئين، فإذا قلتَ "جالس العلماءَ أو الزُّهّادَ"، جاز لك الجمعُ بين مجالسةِ الفريقينِ، وجاز أن تُجالسَ فريقاً دُون فريق. وأما التّخييرُ فلا يجوزُ فيه الجمعُ بينهما، لأن الجمعَ بينَ الأختين في عقد النكاح غير جائز.
وإن وقعت "أو" بعد كلامٍ خبريٍّ، فهي إمّا للشّك، كقوله تعالى ﴿قالوا لبِثنا يوماً أو بعَض يومٍ﴾ ، وإمّا للابهام، كقوله ﴿وإنا وإياكم لَعلَى هُدًى أو في ضلالٍ مُبين﴾ . ومنه قولُ الشاعر [من الخفيف]
نَحْنُ أَوْ أَنْتُمُ الأُلى أَلِفُوا الحَقَّ ... فُبُعْداً لِلمُبْطِلينَ وَسُحْقا
وإما للتقسيم، نحو "الكلمةُ أسمٌ أَو فعلٌ أو حرفٌ"، وإِمّا للتّفصيل
стр. 798
بعدَ الإجمال، نحو "اختلفَ القومُ فيمن ذهب، فقالوا ذهب سعيدٌ أَو خالدٌ أو عليٌّ". ومنه قولهُ تعالى ﴿قالوا ساحرٌ أو مجنونٌ﴾ أي بعضُهم قال كذا، وبعضهم قال كذا. وإمّا للاضراب بمعنى "بل"، كقوله تعالى ﴿وأرسلناهُ إلى مِئَة ألفٍ، أو يزيدونَ﴾ . أي بل يزيدون، ونحو "ما جاءَ سعيد، أو ما جاء خالدٌ".
٦- أم على نوعين مُتّصلةٍ ومنقطعة.
فالمتصلةُ هي التي يكونُ ما بعدَها متّصلاً بما قبلَها، ومشاركاً له في الحكم وهي التي تقعُ بعدَ همزةِ الاستفهام أو همزةِ التسويةِ، فالأولُ كقولك "أَعليٌّ في الدار أم خالدٌ؟ "، والثاني كقوله تعالى ﴿سواءٌ عليهم أَأَنذَرتَهُم أَم لم تُنذِرهم﴾ . وإنما سُميت متصلةً لأنَّ ما قبلَها وما بعدَها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
و"أم" المنقطعةُ هي التي تكونُ لقطعِ الكلام الأول واستئناف ما بعدَه. ومعناها الإضرابُ، كقوله تعالى ﴿هل يستوي الأعمى والبصيرُ؟ أم هل تستوي الظُّلماتُ والنُّورُ؟ أم جعلوا للهِ شُرَكاء﴾ . والمعنى "بل جعلوا لله شركاء"، قال الفرَّاءُ "يقولون هل لكَ قِبَلنا حقٌّ؟ أم أنتَ رجلٌ ظالمٌ" يريدون "بل أنت رجلٌ ظالمٌ" وتارة تَتضمَّنُ معَ الإضراب استفهاماً إنكاريّاً، كقوله تعالى ﴿أَم لهُ البناتُ ولكمُ البَنون؟﴾ . ولو قَدَّرت "أم" في هذه الآية للاضراب المحضِ، من غير تَضَمُّنِ معنى الانكار، لزمَ المُحال.
٧- بَل تكونُ للاضراب والعُدول عن شيءٍ إلى آخرَ، إن وقعت بعدَ كلام مُثبَتٍ، خبراً أَو أَمراً، وللاستدراك بمنزلة "لكنْ"، إن وقعت بعدَ نفيٍ أو نهي.
ولا يُعطَفُ بها إلا بشرط أَن يكونَ معطوفُها مفرداً غيرَ جملةٍ.
стр. 799
وهي، إن وقعت بعدَ الإيجاب أو الأمرِ، كان معناها سَلبَ الحكم عما قبلَها، حتى كأنهُ مسكوتٌ عنه، وجعلَهُ لِمَا بعدَها، نحو "قام سليمٌ، بل خالدٌ" ونحو "لِيَقُمْ عليٌّ. بل سعيدٌ".
وإن وقعت بعد النفي أو النهي، كان معناها إثباتَ النفي أو النّهي لِمَا قبلها وجعلَ هذه لِمَا بعدَها، نحو "ما قام سعيدٌ بل خليلٌ"، ونحو "لا يَذهبْ سعيدٌ بل خليلٌ".
فإن تلاها جملةٌ لم تكن للعطفِ، بل تكونُ حرفَ ابتداءٍ مُفيداً للاضراب الإبطالي أو الإضراب الانتقالي. فالأولُ كقولهِ تعالى ﴿وقالوا اتَّخذَ الرحمنُ ولداً، سبحانَهُ، بَل عِبادٌ مُكرَمُون﴾ ، أي بل هُم عبادٌ، وقولهِ ﴿أو يقولونَ بهِ جِنَّةٌ، بل جاءهم بالحق﴾ . والثاني كقولهِ تعالى ﴿قد أَفلحَ من تَزكّى، وذكرَ اسمَ رَبهِ فَصَلَّى، بل تُؤثرونَ الحياةَ الدُّنيا﴾ ، وقولهِ ﴿وَلدَينا كتابٌ يَنطِقُ بالحق وهُم لا يُظلمونَ، بل قُلُوبهم في غَمرة﴾ .
وقد تُزادُ قبلها "لا"، بعد إثباتٍ أَو نفيٍ، فالأولُ كقول الشاعر [من الخفيف]
وَجْهُكِ الْبَدْرُ، لا، بل الشَّمْسُ، لوْ لَمْ ... يُقْضَ لِلشَّمْسِ كَسْفَةٌ أو أُفولُ
والثاني كقول الآخر [من البسيط]
وَما هَجَرْتُكِ، لا، بَلْ زادَني شَغَفاً ... هَجَرٌ وبُعْدُ تُراخٍ لا إِلى أجلِ
٨- لكن تكونُ للاستدراكِ، بشرطِ أَن يكون معطوفُها مُفرداً، أي
стр. 800
غيرَ جُملة، وأن تكونَ مسبوقةً بنفي أو نهي، وأن لا تقترنَ بالواو، نحو "ما مررتُ برجلٍ طالحٍ، لكنْ صالحٍ"، ونحو لا يَقُمْ خليلُ، لكنْ سعيدٌ". فإن وقعت بعدَها جملةٌ، أو وقعت هي بعدَ الواو، فهي حرفُ ابتداءٍ، فالأول كقول الشاعر [زهير بن أبي سلمى - من البسيط]
إنَّ ابنَ وَرْقاءَ لا تُخْشى بَوادِرُهُ ... لكِنْ وَقائِعُهُ في الحَرْبِ تُنتَظَرُ
والثاني كقولهِ تعالى ﴿ما كانَ محمد أبا أحدٍ من رجالكم، ولكن رسولَ اللهِ وخاتمَ النّبيينَ﴾ ، أي لكنْ كان رسولَ الله. فرسول منصوبٌ لأنه خبر "كان" المحذوفة، وليس معطوفاً على "أبا". وكذلك إن وقعت بعد الإيجاب، فهيَ حرفُ ابتداءٍ أيضاً، مثلُ "قامَ خليلٌ، لكنْ عليٌّ"، فعليٌّ مبتدأ محذوفُ الخبر، والتقديرُ "لكنْ عليٌّ لم يَقُم".
وهيَ بعدَ النفي والنهي مثلُ "بَلْ" معناها إثباتُ النفي أَو النهي لِمَا قبلَها وجَعلُ ضِدّهِ لِما بعدَها.
٩- لا تُفيدُ معَ النفي العطفَ. وهيَ تُفيدُ إثباتَ الحُكمِ لِما قبلَها ونَفيَهُ عمّا بعدَها. وشرطُ معطوفها أن يكون مفرداً، أي غيرَ جملة، وأَن يكون بعدَ الإِيجابِ أو الأمرِ، نحو "جاءَ سعيدٌ لا خالدٌ"، ونحو خذِ الكتاب لا القلمَ".
وأثبتَ الكوفيُونَ العطفَ بليس، إن وقعت موقعَ "لا"، نحو "حُذ الكتابَ ليس القلمَ". وعليه قولُ الشاعر [من الرجز]
أينَ المَفرُّ؟ وَالإِلهُ الطَّالِبُ ... وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغالِبُ
стр. 801
(فليس هنا حرف عطف. والغالب معطوف على المغلوب. ولو كانت هنا فعلاً ناقصاً لنصب الغالب على أنه خبرٌ لها) .
٣- أحكامٌ تَتَعَلَّقُ بِعَطْفِ النَّسَق
١- يُعطَفُ الظاهرُ على الظاهر، نحو "جاءَ زُهيرٌ وأُسامةُ" والمُضمَرُ على المُضمَر؛ نحو "أنا وأنتَ صديقان"، ونحو "أَكرمتُهم وإيّاكم"، والمَضمَرُ على الظاهر، نحو "جاءَني علىٌّ وأَنتَ"، ونحو "أكرمتُ سليماً وإيّاك"، والظاهرُ على المُضمر، نحو "ما جاءَني إلا أنتَ وعلي" ونحو "ما رأيتُ إلا إياك وعليّاً". غيرَ أنَّ الضميرَ المتّصِل المرفوعَ، والضميرَ المستترَ، لا يَحسُنُ أن يُعطَف عليهما إلا بعد توكيدهما بالمضير المنفصل، نحو "جئتُ أنا وعليٌّ"، ومنه قوله تعالى ﴿إذهب أنتَ ورَبُّكَ﴾ . ويجوزُ العطفُ عليهما أيضاً إذا كان بينَهما فاصلٌ أيُّ فاصلٍ، كقوله تعالى ﴿يَدخلونها ومَنْ صَلَحَ﴾ ، وقولهِ ﴿ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ ، فقد عطفَ "مَنْ"، في الآية الأولى، على الواو في "يدخلونها"، لوجود الفاصل، وهو "ها"، التي هيَ ضميرُ المفعول به، وعطفَ "آباء"، في الآية الثانية، على "نا" في "أشركنا"، لوجود الفاصل، وهو "لا"، وذلك جائز.
أمّا العطفُ على الضميرِ المجرور، فالحقُّ أنه جائزٌ، ومنه قوله تعالى ﴿وكفرٌ بهِ والمسجدِ الحرام﴾ . وقُريءَ في بعض القراءَات السّبعِ ﴿واتَّقُوا الله لاذي تساءَلونَ به والأرحامِ﴾ ، بالجرِّ عطفاً على الهاء. والكثيرُ إعادةُ الجارِّ كقوله تعالى ﴿فقال لها وللأرض ائتِيا طَوْعاً وكَرْهاً﴾ ، ونحو "أحسنت إليكَ وإلى عليٍّ"، ونحو "أكرمتُ غلامَكَ وغلامَ سعيدٍ".
стр. 802
٢- يُعطَفُ الفعلُ على الفعل، بشرطِ أن يَتّحدا زماناً، سواءٌ اتحدا نوعاً، كقوله تعالى ﴿وإن تُؤْمنوا وتتّقوا يُؤتِكُمُ أُجُورَكم﴾ ، أم اختلفا، نحو "إن تَجيء أكرمتُك وأُعطِك ما تريد".
٣- يجوزُ حذفُ الواو والفاء مع معطوفهما إذا كان هناك دليلٌ، كقوله تعالى ﴿أن اضرِبْ بعصاكَ الحجَر، فانبجستْ﴾ ، أي فضرَبَ فانبجست، وقولِ الشاعر [من الطويل]
فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ، لَوْ جاءَ سالِماً ... أبو حَجَرٍ، إِلاَّ لَيالٍ قَلائِلُ
أي "بين الخير وبيني".
٤- تختصُّ "الواوُ" من بينِ سائر أخواتها بأنها تَعطفُ اسماً على اسم لا يكتفي به الكلامُ، نحو "اختصمَ زيدٌ وعمرٌو. اشتركَ خالدٌ وبكرٌ. جلست بينَ سعيدٍ وسليمٍ"، فإنَّ الاختصامَ والاشتراكَ والبَينيّة من المعاني التي لا تقومُ إلا باثنينِ فصاعداً. ولا يجوزُ أن تقعَ الفاء ولا غيرُها من أحرف العطف في مثل هذا المَوقع، فلا يقالث "اختصمَ زيدٌ فعمرٌو. اشتركَ خالدٌ ثمَّ بكرٌ. جلستُ بينَ سعيدٍ أو سليمٍ".
٥- كثيراً ما تقتضي الفاءُ معَ العطف معنى السّببيّة، إن كان المعطوف بها جملةً، كقوله تعالى ﴿فوَكزَهُ موسى، فقضَى عليهِ﴾ [القصص: ١٥] .
стр. 803
(حروف المعاني)
الحرف على ضربين: حرف مبنى، وحرف معنى.
فحرف المبنى: ما كان من بنية الكلمة. ولا شأن لنا فيه.
وحرف المعنى: ما كان له معنى لا يظهر إلا إذا انتظم في الجملة: كحروف الجر والاستفهام والعطف، وغيرها.
وهو قسمان: عامل وعاطل.
فالحرف العامل: ما يحدث إعراباً (أي تغيراً) في آخر غيره من الكلمات.
والحروف العاملة هي: حروف الجر، ونواصب المضارع، والأحرف التي تجزم فعلاً واحداً، وإن وإذ ما (اللتان تجزمان فعلين) ، والأحرف المشبهة بالفعل (التي تنصب الاسم وترفع الخبر) ولا النافية للجنس (التي تعمل عمل "إن"، فتنصب الاسم وترفع الخبر) وما ولا ولات وإن (المشبهات بليس في العمل، فترفع الاسم وتنصب الخبر) . وقد سبق الكلام عليها.
стр. 804
والحرف العاطل (ويسمى غير العامل أيضاً) : ما لا يحدث إعراباً في آخر غيره من الكلمات، كهل وهلا ونعم ولولا، وغيرها.
(أنواع الحروف)
الحروفُ بحسب معناها، سواءٌ أكانت عاملةً أم عاطلةً، واحد وثلاثون نوعاً. وهي
١- أحرُفُ النَّفْي
وهي "لم ولمَّا"، اللَّتانِ تجزمانِ فعلاً مضارعاً واحداً، و"لن"، التي تنصب الفعل المضارع، و"ما وإنْ ولا ولاتَ".
فما وإنْ تنفيانِ الماضي، نحو "ما جئتُ. إن جاءَ إلا أنا" والحالِ نحو "ما أجلسُ. إن يجلس إلا أنا".
وتدخلانِ على الفعل، كما رأيتَ، وعلى الاسمِ، نحو "ما هذا بشراً. إن أحدٌ خيراً من أحدٍ إلا بالعافية".
و"لا" تنفي الماضي، كقوله تعالى ﴿فلا صدَّقَ ولا صَلّى﴾ ، والمُستقبلَ كقوله ﴿قُلْ لا أسألُكم عليهِ أجراً﴾ .
و"لاتَ". خاصّةٌ بالدُّخولِ على "حين" وما أشبهَهُ من ظُروف الزمانِ، نحو ﴿ولاتَ حينَ مناصٍ﴾ ، وكقول الشاعر "نَدِمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَندَمٍ" وهي بمعنى "ليسَ".
стр. 805
٢- أحرُفُ الجَواب
وهيَ "نَعَمْ وبَلى وإي وأَجلْ وجَيرِ وإنَّ ولا وكلاَّ".
ويُؤتى بها للدلالةِ على جملة الجواب المحذوفة، قائمةً مَقامها. فإن قيلَ لكَ "أَتذهبُ؟ "، فقلتَ "نَعَمْ"، فالمعنى نَعَمْ أذهبُ. فنَعَمْ سادَّةٌ مَسَدَّ الجواب، وهو "أَذهبُ".
و"أَجلْ" بمعنى "نعَمْ" وهي مثلُها تكونُ تصديقاً للمُخبر في أخبارهِ كأن يقولَ قائلٌ حضرَ الاستاذُ، فتقولُ نعَمْ، تُصدِّقُ كلامهُ. وتكونُ لإعلامِ المُستخبر، كأن يُقالَ هلْ حضرَ الأستاذُ؟ فتقولُ نَعَم. وتكونُ لِوَعدِ الطالبِ بما يَطلُبُ، كأن يقولَ لكَ الأستاذُ "اجتهِدْ في دروسكَ" فتقول "نَعَم"، تَعِدُهُ بما طلبَ منك.
و"أي" لا تُستعمَلُ إلا قبل القسمِ، كقوله تعالى ﴿قُلْ إي ورَبي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ . "أي" توكيد للقسم، والمعنى نعم وربي.
وبينَ "بَلى ونَعمْ وأَجل" فرقٌ. فَبلى. تختصُّ بوقوعها بعدَ النّفي فتجعلُهُ إثباتاً، كقوله تعالى ﴿زَعَمَ الذينَ كفروا أَنْ لن يُبعَثوا، قُل بَلى ورَبي لَتُبعَثُنَّ﴾ ، وقولهِ ﴿أَلستُ بِرَبّكُم، قالوا "بَلى"﴾ ، أي بَلى أنتَ ربُّنا. بخلاف "نَعَمْ وأجلْ" فإنَّ الجوابَ بهما يَتبعُ ما قبلَهما في إثباتهِ ونفيهِ، فإن قلتَ لرجلٍ "أَليسَ لي عليكَ الفُ دِرهَمٍ؟ " فإن قالَ "بَلَى" لزِمَهُ ذلكَ، لأنَّ المعنى "بَلى لَكَ عليَّ ذلكَ" وإن قال "نَعَمْ" أَو "أَجلْ" لم يَلزمهُ، لأنَّ المعنى "نَعَم ليس لكَ عليَّ ذلك".
و"جَيْرِ" حرفُ جوابٍ، بمعنى "نَعَمْ". وهو مبنيٌّ على الكسر. وقد يُبنى على الفتح. والأكثرُ أن يقعَ قبلَ القَسم، نحو "جيرِ لأفعلنَّ"، أي
стр. 806
"نَعَم واللهِ لأفعلنَّ". ومنهم من يجعله اسماً، بمعنى "حقاً" قال الجوهريُّ في صَحاحه "قولهم جيرِ لآتينَّك، بكسر الراءِ يمينٌ للعرب" بمعنى "حقاً".
و"إنَّ" حرفُ جوابٍ، بمعنى "نَعَمْ"، يقال لك "هل جاءَ زُهَيرٌ؟ " فتقولُ "إنَّهُ"، قال الشاعر [من مجزوء الكامل]
بَكَرَ العَواذلُ، في الصَّبُو ... حِ، يَلُمْنَني وَأَلومُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ ... كَ، وَقَدْ كَبِرْتَ، فَقُلْتُ إِنَّهُ
والهاءُ، التي تلحقه، هي هاءُ السَّكت، التي تُزادُ في الوقف، لا هاءُ الضمير ولو كانت هاءَ الضمير لثبتت في الوصل، كما تثبتُ في الوقف. وليس الأمرُ كذلك، لأنك تحذفها إن وصلتَ، يقال لك "هل رجعَ أُسامةُ؟ " فتقولُ "إنّ" يا هذا، أي نعم، يا هذا قد رجع. وأيضاً قد يكون الكلام على الخطاب أو التكلم، والهاءُ هذه على حالها، نحو "هل رجعتم؟ "، فتقولُ "إنَّهُ"، وتقولُ "هل نمشي؟ " فتقول "إنَّهْ". ولو كانت هذه الهاءُ هاءَ الضمير، وهي للغيبة، لكان الكلامُ فاسداً.
و"إنَّ"، الجوابيّةُ هذه، منقولةٌ عن "إنَّ" المؤكدة، التي تنصبُ الاسمَ وترفع الخبر، لأن الجوابَ تصديقٌ وتحقيق، وهما والتأكيد من باب واحد.
و"لا وكَلاَّ" تكونانِ لنفي الجواب. وتُفيدُ "كَلاَّ"، مع النفي، رَدعَ المُخاطبِ وزجرَهُ. تقولُ لِمنْ يُزَيَّنُ لك السوء ويُغريكَ بإتيانهِ "كَلاَّ"، أي لا أُجيبُكَ إلى ذلك، فارتدعْ عن طلبك.
стр. 807
وقد تكونُ "كَلاَّ" بمعنى "حَقاً"، كقولهِ تعالى "كلاَّ، إنَّ الإنسانَ لَيَطغى أنْ رآه استغنى".
٣- حرفا التفسير
وهُما "أيْ وأن". وهُما موضوعانِ لتفسيرِ ما قبلهما، غيرَ أنَّ "أيْ" تُفسَّرُ بها المُفرداتُ، نحو "رأيتُ ليثاً، أي أسداً"، والجُمَلُ، كقول الشاعر [من الطويل]
وَتَرْمينَني بالطَّرْفِ، أَيْ، أَنتَ مُذْنِبٌ ... وَتَقْلينني، لكِنَّ إِيَّاكِ لا أَقلي
وأمّا "أنْ" فتختصُّ بتفسير الجُمَلِ. وهي تقعُ بينَ جملتينِ، تتضمَّنُ الأولى منهما معنى القولِ دونَ أحرفهِ، كقوله تعالى ﴿فأوحينا إليه، ان اصنَعِ الفُلكَ﴾ ، ونحو "كتبتُ إليه، أنِ تحضرْ".
٤- أحرُفُ الشَّرْطِ
وهي "إنْ وإذْ ما" الجازمتانِ، و"لَوْ ولولا ولوما وأمّا ولمَّا". و"لَوْ" على نوعين
١- أن تكونَ حرفَ شرطٍ لِمَا مضى، فتُفيدُ امتناعَ شيءٍ لامتناعِ غيرهِ وتُسمّى حرفَ امتناع لامتناع، أو حرفاً لِما كانَ سيقعُ لوقوعِ غيره. فإن قلتَ "لو جئتَ لأكرمتُكَ"، فالمعنى قد امتنعَ إكرامي إياكَ لامتناع مجيئك، لأنَّ الإكرامَ مشروطٌ بالمجيءِ ومُعلَّقٌ عليه. ولا يَليها إلا الفعلُ الماضي صيغةً وزماناً، كقوله تعالى ﴿ولو شاءَ رَبُّكَ لجعلَ الناس أُمةً واحدةً﴾ .
стр. 808
٢- أن تكونَ حرفَ شرطٍ للمستقبل، بمعنى "إنْ". وهي حينئذٍ لا تُفيدُ الامتناع، وإنما تكون لمجرَّد ربطِ الجوابِ بالشرط، كإنْ، إلاّ أنها غيرُ جازمةٍ مثلَها، فلا عملَ لها، والأكثرُ أن يَليها فعلٌ مُستقبلٌ معنًى لا صيغةً، كقوله تعالى ﴿وليَخشَ الذينَ لو تركوا من خلفهم ذُرِّيَّةً ضعافاً خافوا عليهم﴾ ، أي "إنْ يَتركوا" وقد يَليها فعلٌ مستقبلٌ معنًى وصيغةً "لو تزورُنا لسُرِرنا بِلقائكَ"، أي "إن تَزُرْنا".
وتحتاجُ "لو" بنوعيها إلى جواب، كجميع أجواتِ الشرطِ. ويجوزُ في جوابها أن يقترنَ باللام، كقوله تعالى ﴿لو كانَ فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفَسدَتا﴾ ، وأن يتجرَّدَ منها، كقوله تعالى ﴿ولو نشاءُ جعلناهُ أُجاجاً﴾ ، وقولهِ "ولو شاءَ رَبُّكَ ما فعَلوهُ". إلا أن يكون مضارعاً منفيّاً، فلا يجوزَ اقترانهُ بها، نحو "لو اجتهدتَ لم تَندَم".
و"لولا ولوما"، حرفا شرطٍ بَدلانِ على امتناعِ شيءٍ لوُجودِ غيرهِ. فإن قلتَ "لولا رحمةُ اللهِ لَهلَكَ الناسُ" و"لَوما الكتابةُ لَضاعَ أكثرُ العلمِ"، فالمعنى أنهُ امتنعَ هَلاكُ الناسِ لوجودِ رحمةِ اللهِ تعالى، وامتنعَ ضياعُ أكثرِ العلم لوجود الكتابةِ.
وهما تَلزَمانِ الدخولَ على المبتدأ والخبر، كما رأيتَ. غيرَ أَنَّ الخبرَ بعدهما يُحذَفُ وجوباً في أكثرِ التراكيبِ. والتقديرُ "لولا رحمةُ اللهِ حاصلةٌ أو موجودةٌ" و"لولا الكتابة حاصلة أو موجودة".
وتحتاجانِ إلى جوابٍ، كما تحتاجُ إليه "لو". وحكمُ جوابهما كحكم جوابها، فيقترنُ باللام، كما رأيتَ، أو يُجرَّدُ منها، نحو "لولا كرمُ أخلاقِكَ ما عَلَوَتَ"، ويمتنعُ من اللام في نحو
стр. 809
"لولا حُبُّ العلمِ لم أغتربْ" لأنهُ مضارع منفيٌّ.
و"أمّا" بالفتح والتشديدَ، حرفُ شرطٍ يكونُ للتّفصيل أو التوكيد. وهي قائمةٌ مَقامَ أَداةِ الشرط وفعلِ الشرط. والمذكورُ بعدَها جوابُ الشرط، فلذلك تَلزَمُه فاءُ الجواب للرَّبط. فإن قلتَ "أمّا أنا فلا أقولُ غيرَ الحقِّ" فالمعنى "مهما يكنْ من شيءٍ فلا أقولُ غيرَ الحقِّ".
أمّا كونُها للتفصيلِ فهو الأصلُ فيها، كقوله تعالى ﴿فأمّا اليتيم فلا تقهَرْ، وأمّا السائل فَلا تَنهَرْ، وأمّا بنعمةِ رَبِّكَ فحدِّثْ﴾ .
وأمّا كونُها للتأكيد، فنحوُ أن تقولَ "خالدٌ شجاعٌ"، فإن أردتَ توكيدّ ذلكَ، وأنهُ لا محالةَ واقعٌ، قلتَ "أمّا خالدٌ فشجاعٌ". والأصلُ "مهما يكن من شيءٍ فخالدٌ شجاع".
و"لمّا" حرفُ شرطٍ، موضوعٌ للدلالةِ على وجودِ شيءٍ لوجودِ غيرهِ. ولذلك تُسمّى حرفَ وُجودٍ لوجودٍ. وهي تختصُّ بالدخول على الفعل الماضي. وتقتضي جُملتينِ، وُجِدَتْ أُخراهما عند وجود أولاهما. والأولى هي الشرطُ، والأخرى هي الجوابُ، نحو "لمَّا جاءَ أكرمتُهُ".
وتحتاج إلى جوابٍ، لأنها في معنى أدواتِ الشرط. ويكونُ جوابها فعلاً ماضياً، كما رأيتَ، أو جملةً اسميّةً مقرونةً بإذ الفجائيّة، كقوله تعالى ﴿فلمّا نجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يشركونَ﴾ ، أو بالفاءِ، كقوله تعالى ﴿فلمّا نجاهم إلى البرِّ فمنهم مُقتصدٌ﴾ .
ومن العلماءِ من يجعلها ظرفاً للزمان بمعنى "حين"، ويضيفها إلى جُملةِ الشرطِ وهو المشهورُ بينَ المُغرِبينَ، والمحقِّقُونَ على أنها حرفٌ للرَّبط.
стр. 810
٥- أَحرُفُ التَّخْضيضِ وَالتَّنْديمِ
وهي "هَلاّ وأَلاّ ولوما ولولا وألا".
والفرقُ بينَ التحضيضِ والتّنديمِ، أنَّ هذه الأحرفَ، إن دخلت على المضارع فهيَ للحضِّ على العملِ وتركِ التهاوُنِ به، نحو "هَلاّ يرتدعُ فلانٌ عن غيِّه. أَلاَّ تَتُوبُ من ذنبِك. لولا تستغفرونَ اللهَ. لوما تأتينا بالملائكة. ﴿ألا تُحبُّون أن يغفرَ اللهُ لكم﴾ ". وإن دخلت على الماضي كانت لجعلِ الفاعلِ يندَمُ على فواتِ الأمر وعلى التّهاون به، نحو "هلاّ اجتهدتَ"، تُقرِّعهُ على إهمالهِ، وتُوبِّخهُ على عدَم الاجتهاد، فتجعلُهُ يندَمُ على ما فَرَّطَ وضيَّع. ومنهُ قوله تعالى ﴿فلولا نَصَرَهمُ الذينَ اتخذوا من دُونِ اللهِ قُرَناءَ آلهةً﴾ .
٦- أحرُفُ العَرْضِ
العَرضُ الطَّلبُ بلينٍ ورفقٍ، فهو عكسُ التّحضيض، لأنَّ هذا هو الطلبُ بشدَّةٍ وَحثٍّ وإزعاجٍ.
وأحرفهُ هيَ "ألا وأمَا ولوْ"، نحو "ألا تَزُورُنا فنَأنس بكَ. أما تَضِيفُنا فتلقى فينا أهلاً. لو تُقيم بيننا فتُصيبَ خيراً".
وقد تكونُ "أمَا" تحقيقاً للكلام الذي يَتلوها، فتكونُ بمعنى "حَقاً"، "أمَا إنَّهُ رجلٌ عاقلٌ" تعني أنهُ عاقلٌ حقاً.
٧- أحرُفُ التَّنبيهِ
وهيَ "أَلا وأمَا وها ويا".
فـ "ألا وأمَا" يُستفتَحُ بهما الكلامُ، وتُفيدانِ تنبيهَ السامع إلى ما
следующие страницы →