← Акыда

Акыда · id 328

تحقيق الكلام في المسائل الثلاث - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (503 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والتابعين، وإنّما حَدَث بعد ذلك، وإجماعُ الصحابة والتابعين هو الإجماع الصحيح. ولعلكم تذكرون ما نقلناه عن الفقهاء في البحث الأول من هذه المسألة (١). فبالله عليكم تعالوا بنا نصطلح، ودَعُوا هواكم ومحبّتكم لاستعباد الناس ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. واذكروا الحديث الصحيح، قوله ﵌: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (٢)، وثِقوا بالله تعالى، فوالله ليعوضنَّكم خيرًا مما سيفوتكم من التقبيل وغيره (٣). [ص ١٥] يقول عُبيد الله المفتقر إليه: نعم الاحتياط في هذا أن تُتبّع سيرة السلف، فيُنظر ما كان يعمله خيار الصحابة ﵃ والتابعون في حق أقارب النبي ﵌ الذين لم يُبشّروا بالجنة، فيُعْمَل مع مَن وُجد الآن من الأشراف المُسْتَيقَنين (٤). ويُنظر ما كان يعمله التابعون في حق غير المبشرين من الصحابة ﵃، فيعمله العامةُ الآن مع العلماء والصلحاء. وإنما قيّدنا بعدم التبشير لما تقدم من بطلان قياس الظني على القطعي، والله أعلم.

стр. 282

على أننا نعلم أن العلماء وأهل الفضل والصلاح الصادقين لا يحبون تعظيم الناس لهم، بل تقشعرّ منه جلودهم، وتشمئزّ منه نفوسهم، ويكرهونه أشدّ الكراهة. وكذلك يكرهون تبرّك الناس بهم؛ لأنهم دائمًا يرون نفوسهم من أهل النقص والخطأ، ويكرهون كل ما قد يكون سببًا للعُجْب وذريعةً إليه، حتى إن بعضهم يتلبّس بما ظاهره المعصية هربًا من ذلك. وأما مَن كان دون هذه المنزلة، فإنه وإن أحبَّ تعظيم الناس له وتبرّكهم به فإنما يدعوه إلى ذلك حبُّ الدنيا، فيرى أن تعظيم الناس له وتبرّكهم به يستدعي تقرّبهم إليه بالأموال، فالمقصود حينئذٍ (١) هو المنفعة المادية فقط. وهذا مع كونه مقصدًا سيّئًا في نفسه بالاتفاق، فالمانعون لا يمنعون الناسَ من مواساة أهل العلم والفضل والصلاح والقرابة الشريفة بالأموال، بل يرون ذلك من أفضل القُرُبات، ويحضّون الناسَ على الاستكثار منه. نعم، قد يكون بعض الأشراف والعلماء يحبُّ تعظيم الناس له وتبرّكهم به مع عدم احتياجه إلى المنفعة المادية، وإنما يحبّ ذلك لمجرّد الفخر والعُجْب والمباهاة والتعاظم، ولا شكّ أن ذلك مذموم شرعًا. وأشدّ الناس محاربةً لهذا الداء ونحوه من أدواء القلوب: مشايخ الصوفية، حتى إن بعضهم يقول: من رأى نفسه خيرًا من بعرة كانت البعرةُ خيرًا منه! والذي ينبغي في مثل هذا: أن يُعامل صاحبه بنقيض قصده كما ورد:

стр. 283

الكبر على المتكبِّر تواضع (١). [ص ١٦] على أن التعظيم إنما هو وسيلة لإظهار المحبَّة التي هي المقصود بالذات وحينئذٍ فيمكن إظهار المحبة بغيره كقوله: «إني أحبك في الله» كما ورد الأمر بذلك في الحديث (٢)، وكإهداء الهدايا، وغير ذلك. وكذلك التبرّك إنما هو وسيلة لحصول البركة التي هي المقصود بالذات، وحيئنذٍ (٣) فيمكن استحصال البركة بطلب الدعاء، كما ثبت الأمر به، وحينئذٍ فلا يخفى أن الاحتياط يقضي بالتوقّف عن التعظيم والتبرّك المختلَف فيهما، وأن يُقتصَر في تحصيل المقصود بكلّ منهما على الوسيلة الثابت الإذن بها شرعًا بالاتفاق، عملًا بقوله ﵌: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤)، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس» الحديث (٥).

стр. 284

خاتمة: رأيت في بعض الكتب (١) بحثًا في فضل العلم والشرف أيهما أعظم، فذكر المؤلف اختلافًا في ذلك، ثم قال ما معناه: إن القائل بأفضلية الشرف قال: لو جُنّ الشريف لم يزل عنه الشرف، ولو جُنّ العالم زال عنه العلم، وفضل الشرف ذاتي، وفضل العلم عَرَضي. وبناءً على ذلك جزم بأفضلية الشرف. فعجبت من هذا مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وما يبينها من الأحاديث الكثيرة! ثم ظهر لي أن المبحوث عنه هو فضل الشرف وفضل العلم مع قطع النظر عن التقوى، فأقول: إن كلًّا من العلم والشرف لا يكون فضلًا إلا مع التقوى، فإذا فُقِدت التقوى عاد وبالًا على صاحبه، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ... ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥]. وحينئذٍ فالخلاف مفروض بين عالم وشريف مستويي الرتبة في التقوى. إذا تقرّر ذلك فالأفضل منهما هو العلم؛ لأن طلبه نوع من أنواع التقوى، بخلاف النسب، ولأنَّ العلم شرط للتقوى بخلاف النسب، ولأن العلم من الفواضل التي ينفع بها صاحبُها دينَه وإخوانه المسلمين، ولا كذلك النسب، ولأن طلب العلم من عمل الإنسان الذي يستحقّ عليه الثواب بخلاف النسب.

стр. 285

وعلى كل حال فالفضل إنما يتحقّق بالتقوى والاتباع، وإلّا عاد العلمُ وبالًا على صاحبه. وفقنا الله تعالى لما يحبّه ويرضاه آمين. على أن الوجهين اللذين ادعى أنهما يقتضيان أفضلية النسب يقتضيان أفضلية العلم، وذلك أنه تبين منهما أن النسب ليس من الأفعال الاختيارية التي يُحْمَد صاحبها عليها، بل هو كالطول والقصر وبياض اللون وسواده مما لا يتعلّق به الحمد ولا الجزاء. ولو تمّ استدلاله لزم منه أن حُسْن الوجه أفضل من العلم؛ لأنه ذاتي لا يزول بالجنون. وهذا القول هو الجنون! على أن فضل النسب هو أمر اعتباري [ص ١٧] بين الناس، وأما عند الله تعالى فليس الكرم إلا التقوى. وأما ما ورد من الأدلة الشرعية مما يقتضي فضيلةً للنسب فإنما هو باعتبار كونه منشئًا للتقوى أو ناشئًا عنها، والأول ــ أعني كونه منشئًا للتقوى ــ إنما يكون بالنظر إلى المجموع لا الجميع، وحيث كان كذلك فلا يحصل للفرد إلّا إذا كان من أهل التقوى، وذلك لوجود المقتضي الذي لأجله أُطلق الفضل على النسب فيه، وإلّا كان كالحشَفَة من التمر، بل إذا اتصف بما يضاد التقوى كان بمنزلة حشفةٍ نُقِعَت في نجاسة. والثاني ــ أعني كونه ناشئًا عن التقوى ــ شرط حصوله للفرد أن لا يوجد فيه ما يُناقض التقوى ويعارضها. ومع ذلك فمعلوم أن النسب ليس من الأمور القطعية. وقد سمعت شيخي محمد بن علي الإدريسي يحكي عن جده أحمد بن إدريس أنه كان يقول: (الزمانُ قد طال وليس على فروج النساء أقفال). وهذا البحث يحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه.

стр. 286

[ص ١٨] وقد بقي من أقسام التبرك: التبرّك بالقبور والمشاهد وما بني عليها من المساجد. أقول (١): قد عَلَمتَ الأدلة الصحيحة الصريحة على حُرمة البناء على القبر وحرمة بناء المسجد عليه أو بقربه بحيث يكون منسوبًا إليه، وأن ذلك من الكبائر الملعون صاحبها، والمشتدّ غضب الله على من فعلها، وأنّ العلة في ذلك هي كراهية التشبّه بالمشركين من الأمم السالفة، وخشية أن يجر ذلك إلى الشرك كما مرّ تقريرُه بأدلته (٢). فإذا كانت المشاهد والمساجد المتخذة على القبور بهذه المثابة، فالواجب على كل مسلم المبادرة إلى هدمها كما صحّ به الأمر من رسول الله ﵌، ورواه الإمام الشافعي ﵀ عن الأئمة بمكة (٣)، ونقله عنه النووي في «شرح مسلم» (٤). ومضى في بحث البناء على القبور أن ذلك هو مذهبه ومذهب جميع أئمة الإسلام، بل هو الدين الذي تعبَّدنا الله به. فارجعْ إلى ذلك (٥). فمن لم يقدر على هدمه بيده فالواجب عليه تشديد الإنكار بلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، وليس بعد ذلك من الإيمان مثقال

стр. 287

ذرة كما ورد في «صحيح مسلم» (١) [ص ١٩] عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «ما من نبي بعثه الله في أُمّة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلُف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﵌ قال: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فإذا كان الاقتصار على الإنكار بالقلب أضعف الإيمان الذي ليس بعده من الإيمان حبة خردل، فما بالك بالرّضا بذلك؟ فما بالك بالمساعدة عليه؟ فما بالك بفعل ما حَرُم [من] البناء واتخاذ المساجد لأجله، وتواتر لعن فاعله، واشتداد غضب الله عليه؟ وعلماء الأمة سَلَفًا وخَلَفًا مجمعون على أنّ التبرك بالقبور بالاستلام والتمسح والتقبيل ووضع العينين ونحوه= كلّه محادّة لله ورسوله، وخروج عن سواء سبيله، فالعلماء بين مكفِّر ومفسِّق. ولا يصح قياس قبر النبيّ ﵌ على آثاره، لأن القبور ولاسيَّما قبور الأنبياء والصالحين مظنة افتتان الناس وضلالهم. وقد تقدّم (٣) في حديث أبي داود عن قيس بن

стр. 288

سعد وأحمد عن معاذ قوله ﵌: «أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ » قال: فقلت: لا. وهذا يدل على أنهم كانوا يعلمون وضوح الفرق بينه ﵌ حاضرًا وبين قبره، ويعلمون الخَطَر في تعظيم القبور. وقد جعل النبي ﵌ اتخاذ المساجد على القبور من عبادة الأوثان فيما روي عنه من قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعْبَد. اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). وقد تقدم بيان عِلّته زيادةً على علة النهي عن مطلق البناء، وذلك خشية الصلاة إلى القبر، فكيف بمن صلى إلى القبر؟ فكيف بمن أقبل على القبر يشمّه ويضمّه ويستلمه ويلثمه ويضع عينيه عليه حال العاشق الوامق، إنّا لله وإنّا إليه راجعون! ولو نظرتَ حالَ الناس مع كلام الله تعالى الموجود عند كلّ أحدٍ منهم لرأيتهم عنه معرضين، وعلى عبادة القبور مُقبلين! بل كثيرًا ما ترى الإنسان تاركًا للصلاة والصيام، مرتكبًا للفواحش، جاهلًا بربّه ودينه، وهو مع ذلك مشغوف بهذه القبور [ص ٢٠] يحنّ إليها، ويحنو عليها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

стр. 289

هذه حال أهل الجاهلية، وقد كانوا مع ذلك إذا وقع أحدهم في شدة أعلن التوحيد كما قصّه الله في مواضع من كتابه، منها قوله : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وأخرج الترمذي (١) عن عمران بن حُصين قال: قال النبي ﵌ لأبي: «يا حُصين كم تعبد اليومَ إلهًا؟ » قال أبي: سبعة، ستًّا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: «فأيهم تعدّ لرغبتك ورهبتك؟ » قال: الذي في السماء ... الحديث. فهذا حال أهل الجاهلية الذين سمعتَ قوارع الآيات في شأنهم، وعلمتَ بعثة محمدٍ ﵌ لدعوتهم، وقيامه هو ومَن آمن معه بجهادهم. فأما عامة المسلمين اليوم فإن قبور صالحيهم أحبّ إليهم من مساجدهم، وبذل الأموال الطائلة في عمارتها وفرشها وإيقاد السُّرُج عليها والذبح عندها [تابع ص ٢٠] أيسر عليهم من إخراج الزكاة الواجبة، والمشيُ إلى بعض تلك القبور للتمسّح بها أشرف لديهم من المشي إلى علماء الدين، ودعاؤها والاستغاثة بها أرجى عندهم من إخلاص الدعاء لله وحده لا شريك له. وكلما اشتدّ على أحدهم البلاءُ ازداد ابتهالًا إليها على العكس من حال أهل الجاهلية، فإنّا لله وإنا إليه راجعون. وقد مرّ بيان الزيارة المشروعة التي قام الدليل على استحبابها ومنع ما

стр. 290

عداها، فارجع إليه (١). فإن كنتَ ممن يحبّ الله ورسوله، فالسبيل واضح، وميزان المحبةِ الاتباعُ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]. وإن كنت ممن وجد حلاوة الإيمان فالطريق بيِّن. وإن كنت ممن كان هواه تَبَعًا لما جاء به الرسول ﵌ فقد تبيّن لك ما جاء به، ففي «الصحيحين» (٢) عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». وفيهما (٣) عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﵌: «ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان: مَنْ كان الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، ومن أحبّ عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يكون في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار». وفي «صحيح مسلم» (٤) عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ذاقَ طعمَ الإيمان مَن رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا». وقد صحَّح النووي ــ كما مرَّ (٥) ــ الحديثَ المرويّ عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون

стр. 291

هواه تبعًا لما جِئت به». وحسبك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وإن كانت نفسك تحدّثك أنها تحبُّ اللهَ ورسولَه فامتحنها بالرضا والتسليم لكلّ ما جاء عن الله وعن رسوله، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]. فإن كنت زاهدًا في محبة الله تعالى وزعمتَ أنك تحبّ رسول الله ﵌ فاعلم أن محبته على قسمين: الأولى: محبة لا تنافي محبة الله تعالى [ص ٢١] فهذه هي شرط الإيمان، وميزانها الاتِّباع. ومحبة تنافي محبَّة الله تعالى، وهي كمحبة النصارى لعيسى، فهذه هي مناقضة للإيمان. والنبي ﵌ إنما يحبّ مَن أحبّ اللهَ. ويقال لصاحب هذه المحبّة: إن كنت تحب النبي ﵌ فإنه لا يحبّك، وكيف يحبّ مَن لا يحب الله؟ وكيف يحبّ مَن غضب عليه الله؟ فاتق الله في نفسك، وانظر إلى أين أنت سائقها، على أن المحبّة لا تتحقق إلا بالاتباع على كل حال. والله أعلم.

стр. 292

البحث الخامس التوسُّل قال في «المختار» (١): «الوسيلة: ما يُتقرّب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسّل والتوسيل واحد، يقال: وسَّل فلان إلى ربه وسيلةً بالتشديد، وتوسّل إليه الوسيلة إذا تقرّب إليه بعمل». ومِن هنا نعلم أنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] إلا على الأمر بابتغاء ما يتقرّب به إلى الله، وهو أمر مجمل لا يؤخذ بيانه إلا من الشرع، فمن ادّعى في شيءٍ من الأشياء أنه يتقرّب به إلى الله تعالى كُلِّف بإبراز حجّةٍ من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله. وعليه فأقول: التقرّب إلى الله تعالى بأداء الفرائض والنوافل، واجتناب الحرام والمكروه مما لا يحتاج إلى بيان. وأما التقرُّب إليه بسؤاله والإقسام عليه بحق شيءٍ من الأشياء ــ وهو الذي تفهمه العامة من التوسّل ــ فهو على أقسام: أولها: سؤال الله تعالى بوجهه الكريم وأسمائه الحسنى. وهذا مستحبٌّ اتفاقًا. وثانيها: سؤاله بذات من ذوات خلقه، كالكعبة والعرش والكرسي، ولم أر التصريح بجوازه عن أحد (٢).

стр. 293

وثالثها: سؤاله بجاه بعض خلقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «وأما القسم الثالث وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عندك أو ببركة فلان أو بحرمة فلان عندك= افعل بي كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم يُنقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه؛ إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام (٢). فإنه أفتى أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك إلا للنبي ﵌ إن صحّ الحديث في النبي ﵌. ومعنى الاستفتاء: قد روى النسائي والترمذي (٣) وغيرهما أن النبي ﵌ عَلَّم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة. يا محمد، يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي. اللهم: فشفِّعْه فيَّ».

стр. 294

[١١٧] فإن هذا الحديث قد استدلّ به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﵌ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل دعاء المخلوقين ولا استغاثة بالمخلوق وإنما هو دعاء واستغاثة بالله؛ لكن فيه سؤال بجاهه كما في «سنن ابن ماجه» (١) عن النبي ﵌ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: «اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعةً. خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». قالوا: ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقًّا، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦]، وفي «الصحيح» (٢) عن معاذ بن جبل أن النبي ﵌ قال له: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم». وقد جاء في غير حديث: «كان حقًّا على الله كذا وكذا». كقوله: «مَنْ شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال».

стр. 295

قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار» (١)» اهـ. قلت: أما الحديث الأول فهو حديث الأعمى المشهور [٢١٤] وقد رواه الترمذي وابنُ ماجه والحاكم في «المستدرك» كما في «منتخب كنز العمال» (٢). وأخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة، وأخرجه البيهقي والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٣). وأسانيده كلها تدور على أبي جعفر. وهذا لفظ الترمذي في «سننه» في كتاب الأدعية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف: أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﵌ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: «إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك» قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقْضَى لي، اللهم فشفِّعه فيَّ». قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو الخَطْمي.

стр. 296

وقال ابن ماجه: حدثنا أحمد بن منصور بن سيَّار، حدثنا عثمان بن عمر، وساق مثل إسناد الترمذي، ولفظه: أنّ رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﵌ فقال: ادع الله لي أن يعافيني، فقال: «إن شئتَ أخَّرتُ لك وهو خير، وإن شئتَ دعوتُ»، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بمحمد نبي الرحمة، يا محمد، إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفِّعْه فيّ». قال أبو إسحاق: هذا حديث صحيح. وأما الإمام أحمد (١) فرواه عن عثمان بن عُمر وعن رَوْح، كلاهما عن شعبة عن أبي جعفر، وأخرجه أيضًا عن مؤمّل عن حماد ــ يعني ابن سلمة ــ عن أبي جعفر عن عمارة عن عثمان بن حنيف. والألفاظ متقاربة بنحو لفظ الترمذي وابن ماجه. قال المانعون: أما رجال حديث الأعمى فكلّهم ثقات لكنه كما قال الترمذي: «غريب لا يُعرف إلا من هذا الوجه». والغرابةُ وإن كانت لا تُنافي الصحة فإنها توجب ريبة. قال الإمام أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء. وقال الإمام مالك: شرّ العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. رواهما البيهقي في «المدخل» كما ذكره السيوطي في «شرح التقريب» (٢).

стр. 297

قلتُ: والغرابة في الاصطلاح إما في المتن وإما في السند، فالغرابة في المتن: أن ينفرد بمتنه واحد. وهذا الحديث تفرّد به أبو جعفر عن عمارة، وتفرّد به عمارة عن عثمان بن حنيف. ومع ذلك فالدعاء الذي تضمّنه غريب في الأدعية المأثورة، ليس له أنيس، فهو غريب في متنه في بابه. [٢١٥] وقال السيوطي في «شرح التقريب» (١) في الكلام على الشاذ وعند قول المتن: (وقال الحاكم (٢): هو ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع) لذلك الثقة. قال: ويغاير المعلل بأن ذلك وُقِف على عِلّته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذّ لم يوقَف فيه على علة كذلك، فجعل الشاذ تفرّد الثقة، فهو أخص من قول الخليلي. قال شيخ الإسلام (٣): وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، قال: وهذا القيد لا بدّ منه، قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهذا على هذا أدقّ مِن المعلّل بكثير، فلا يتمكَّن من الحكم به إلا مَن مارس الفنَّ غاية الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القَدَم في الصناعة. قلت: ولعُسْره لم يفرِدْه أحدٌ بالتصنيف. ومن أوضح أمثلته: ما أخرجه

стр. 298

في «المستدرك» (١) من طريق عُبيد بن غنام النخعيّ، عن علي بن حكيم، عن شَريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عباس قال: في كلّ أرض نبيّ كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى. وقال: صحيح الإسناد. ولم أزل أتعجَّب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقيَّ (٢) قال: إسناده صحيح ولكنه شاذٌّ بمرَّة. اهـ (٣). قلت: وهذا الذي قاله الحاكم (٤) واقع في حديث الأعمى، وذلك أنه تفرّد به أبو جعفر عن عمارة، وتفرّد به عمارة عن عثمان بن حنيف، وهو غريب في الأدعية النبوية، فلم يُعْرَف عن النبي ﵌ دعاءٌ يشبهه في التوسّل، على كثرة الأدعية المأثورة، وحِرْص النبي ﵌ على تعليم أصحابه، ولم يُعرف عن أحدٍ من الصحابة ولا من التابعين ولا من سَلَف الأمة ما يُشبهه كما مرّ عن شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). فإن قيل: إن الحاكم لم يوافَق على تعريفه للشاذ، فقد قال النووي بعد حكاية قول الحاكم وقوله مثله عن الخليلي: «وما ذكراه مشكل بأفراد العدل الضابط، كحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، والنهي عن بيع الولاء، وغير ذلك في «الصحيح» ... » إلخ.

стр. 299

[٢١٦] قلت: قد اتفق الحاكم ومتعقِّبو كلامه على اشتراط الفردية في الشذوذ، ثم اشترط الحاكم قوله: «وليس له أصلٌ بمتابع، وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل». ومثَّل له السيوطي بما سمعت، واشترط المتعقّبون أن يخالف مَن هو أرجح منه. فالحاكم لم يحكم بردِّ الفرد مطلقًا، بل شَرَط مع ذلك ما سمعت، وبذلك يعلم أنه لا يَرِدُ عليه أفراد «الصحيح». والحاصل أن الحاكم نحى بالشاذ نحو المعلَّل كما أشار إليه شيخ الإسلام، فالتفرّد جُزء علّة، فإذا وُجدت قرائن أخرى على الوهم كملت العلة، كما في حديث ابن عباس الذي مثَّل به السيوطي، ولا يبعُد أن يكون منه حديث البحث، وما أحراه بذلك! هذا بالنسبة إلى الاستدلال به على التوسُّل بالنبي ﵌ في حياته، وأما بعد مماته خصوصًا مع ما زِيد فيه من قوله ﵌ بعد ما مرّ: «قال: فإن كان لك حاجة فمثل ذلك» (١) = فيعارضه إجماع الصحابة ﵃ على العدول عن التوسُّل بالنبي ﵌ بعد موته إلى التوسُّل بعمه العباس، فيزداد ضعفًا إلى ضعفه. والحاصل أن العارف المنصف لا يطمئنّ قلبُه إلى الاحتجاج بهذا الحديث.

стр. 300

أما حديث ابن ماجه (١) فهذا لفظه: «حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد التستري، حدثنا الفضل بن الموفق أبو الجهم، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﵌: «مَن خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك (٢)، وأسألك بحقّ ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشَرًا، ولا بَطَرًا، ولا رياءً، ولا سُمعةً، وخرجتُ اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقَبَل اللهُ عليه بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك». ففيه الفضل بن الموفّق ضعَّفه أبو حاتم، وفضيل بن مرزوق من أفراد مسلم، وعِيْب على مسلم إدخاله في «الصحيح»، وإن كان الأكثر على توثيقه، فإن أبا حاتم قال: صدوق يَهِم كثيرًا، يُكتب حديثه. قيل: يُحتجّ به؟ قال: لا. وقال ابن حبان في «الثقات» (٣): «يخطئ». وقال في «الضعفاء» (٤): [٢١٧] «كان يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات». كذا في «تهذيب التهذيب» (٥). قال: وقال مسعود (٦) عن الحاكم: ليس هو مِن شرط الصحيح، وقد عِيْبَ على مسلم إخراجه لحديثه اهـ. وهذا القدح مفسَّر فهو

стр. 301

أولى من قول الموثِّقين. وعطية العوفي ضعَّفه الجمهور. قال السِّنْدي (١) في الكلام على هذا الحديث: وفي «الزوائد» (٢): هذا إسناد مسلسل بالضعفاء؛ عطية وهو العوفي، وفُضيل بن مرزوق، والفضل بن الموفّق= كلهم ضعفاء، لكن رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق فُضيل بن مرزوق، فهو صحيح عنده. اهـ. وابنُ خزيمة يطلق الصحيح على ما يشمل الحسن، ولا شكّ أنّ فضيلًا وثَّقه كثير من الأئمة ولكن القدح المفسَّر أولى. قال المجيزون: إن هذين الحديثين قد نصَّ أئمة السنة على صحتهما، فنصَّ على صحة حديث الأعمى الحاكمُ والترمذيُّ وابنُ ماجه (٣). ونص على صحة حديث السؤال بحقّ السائلين الإمامُ ابن خزيمة، فمَن أنتم حتى تخالفوهم وتُخطِّئوهم؟ وقولكم في حديث الأعمى: إنه غريب في بابه غير مسلَّم، وقد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما حديث الثلاثة أصحاب الغار وتوسّلهم بأعمالهم، واستجابة الله تعالى لهم. ودلّ سياق الحديث على الثناء عليهم، وورد مورد

стр. 302

الحثّ على الإخلاص بمثل أعمالهم؛ فكان شريعةً لنا ولا شكّ، فثبت جواز التوسّل بالأعمال بهذا الحديث الذي تواتر أو كاد، فلا سبيل لكم إلى التلاعب به. وإذا جاز توسّل الشخص بعملٍ من أعماله فجوازه بأحد الصالحين أولى فضلًا عن النبي ﵌، وجاء حديث الأعمى والسؤال بحقّ السائلين موافِقَين له في التوسّل بالنبي ﵌ وبالصالحين. [٢١٨] قالوا (١): وفي «سنن أبي داود» (٢): عن جُبير بن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابيّ فقال: يا رسول الله، جُهِدَت الأنفسُ، وضاعت العيال، ونُهِكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. قال رسول الله ﵌: «ويحك أتدري ما تقول؟ ! » وسبّح رسولُ الله ﵌، فما زال يسبح حتى عُرِف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: «ويحك إنه لا يُسْتَشْفَع بالله على أحدٍ من خلقه، شأنُ الله أعظم من ذلك ... » الحديث.

стр. 303

فأنكر عليه رسول الله ﵌ قوله: «نستشفع بالله عليك» وأقرّه على قوله: «نستشفع بك على الله» وتبيَّن بهذين الحديثين وغيرهما بطلان ما دفعتم به حديثَ الأعمى أنه غريبٌ في بابه. [٢١٩] وكذلك ثبت في «صحيح البخاري» (١) عن أنسٍ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنّا نتوسّل إليك بنبينا ﵌ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبينا فاسْقِنا، قال: فيُسْقَون». وظاهره التعدّد. ولا ريب أن الاستسقاء إنما يقع بمحضر جمهور الصحابة ﵃ وعِلْم الجميع، ولمَّا لم يُنكر صار إجماعًا. وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال: «اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا» (٢) ولم يُنكرَ عليه ذلك. وهذه الأحاديث والآثار لم تزل تتناقلها الأئمة، ويَبْعُد أن يتناقلوها ويتفقوا على عدم العمل بها، بل الظاهر أن الأمّة لم تزل آخذة بهذه السنة مِن زمانه ﵌ وزمن أصحابه مِن بعده وتابعيهم، وهكذا إلى اليوم. ويشهد لهذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية إنه لم يجد عن العلماء نقلًا في باب التوسّل إلا ما رآه في فتاوى ابن عبد السلام (٣)، فالظاهر أن التوسّل كان أمرًا مُتّفَقًا عليه متلقًّى بالقبول، معمولًا به في الخاصة والعامة، ولذلك لم يتكلموا عليه في كتبهم.

стр. 304

قال المانعون: يا مقلِّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، واهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، واجعلنا ممن لا سبيل له إلا بسبيلك، واجعل هوانا تَبَعًا لما جاء به رسولك. ما كان ينبغي لنا أن نعمد إلى عمل أطبق عليه عامة هذه الأمة فنخطّئه ونضلّله لمجرّد الهوى، إنّا والله لحريصون على أن تكون جميع أعمال هذه الأمة مطابقة لشريعة نبيها ﵌، مستندة إلى أدلة صحيحة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فهل يُعقل أن نعكس القضية فنسعى في إماتة شيء من السنة والعياذ بالله؟ ! [٢٢٠] قد تصفّحنا ما أجبتم به حريصين على أن نجد فيه ما يثلج الصدر في جواز التوسّل، فيسرّنا أن تكون العامة على هدى في هذه المسألة، ونستفيد علمًا لم يكن عندنا، ولكننا لم نجد إلا دعاوى مجرّدة، وبيان ذلك تفصيلًا: أولًا: قولكم: «إن هذين الحديثين ــ أي حديث الأعمى والسؤال بحق السائلين ــ قد نصَّ الأئمة على صحتهما ... » إلخ. وجوابه: أن حديث الأعمى وإن نصّ الحاكم وابن ماجه على صحَّته (١)، والترمذي على أنه متردِّد بين الحُسْن والصحة، فقد نص الترمذي على أنه غريب، والغرابةُ توجب الريبة كما دلّ عليه كلام الإمامين مالك وأحمد، وقد مرَّ (٢). وحينئذٍ فتكون جُزء علّة، فإذا وُجِدت قرينة أخرى كملت العلة، وذلك كما في حديث ابن عباس الذي صححه الحاكم: «في كل أرض نبي

стр. 305

كنبيكم ... » إلخ، وقد مرّ (١). وذلك أنه اجتمع فيه مع الغرابة في المتن الغرابة في الباب؛ إذ لم يرد في الكتاب والسنة ما يُشعر بما دلّ عليه. ولما نظرنا في حديث الأعمى وجدناه أشبه شيء بهذا الحديث، وليس في هذا غض ممن صححه أو حسّنه؛ لأن التصحيح والتحسين محمول على الإسناد ونحن لا ننكره. على أننا لم نأت بشيءٍ من عند أنفسنا، وإنما نقلناه عن الأئمة كما عرفت. وكم من حديث صححه أحدُ الأئمة وتعقّبه مَن بعده! وذلك كثير في «الصحيحين» فضلًا عن غيرهما. نعم، إن ثبتت دعواكم أنه قد ورد في السنة الصحيحة ما يخرج حديث الأعمى عن كونه غريبًا في بابه بَطَل ما أشرنا إليه مِن إعلاله، وسيأتي البحث معكم في ذلك. وأما حديث السؤال بحقّ السائلين، وتصحيحُ ابن خزيمة له، فابن خزيمة ممن يعبّر عن الحسن بالصحيح كما مرّ وذَكَره السيوطي في «شرح التقريب» (٢) وغيره، ومع ذلك ففضيل بن مرزوق قد مرّ الكلام عليه، وهذه ترجمته في كتب أسماء الرجال فليراجعها الباحث، وكذلك عطية العوفي. وأما حديث «الصحيحين» في قصة الثلاثة أصحاب الغار ، فليس من التوسّل المتعارف في وِرْدٍ ولا صَدَر، [٢٢١] وهذا لفظه في «صحيح البخاري» (٣): «بينما ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا

стр. 306

إلى غار، فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصِّدْق، فليَدْعُ كل رجلٍ منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه ... » إلخ. قال في «الفتح» (١): «وفي رواية موسى بن عقبة: «انظروا أعمالًا عملتموها صالحة لله» ومثله لمسلم. وفي رواية الكُشْمِيْهَني: «خالصة ادعوا الله بها»، ومن طريقه في البيوع: «ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه»، وفي رواية سالم: «إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم»، وفي حديث أبي هريرة وأنس جميعًا: «فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر ووقع الحجر ولا يعلم بمكانكم إلا الله، ادعوا الله بأوثق أعمالكم»، وفي حديث عليّ عند البزار: «تفكَّروا في أحسن أعمالكم فادعوا الله بها، لعلّ الله يفرج عنكم»، وفي حديث النعمان بن بشير: «إنكم لن تجدوا شيئًا خيرًا من أن يدعو كلُّ امرئ منكم بخير عملٍ عَمِلَه قطّ» اهـ. ولفظ دعاء الأول: «اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ... » وذَكَر عملَه ثم قال: «فإن كنت تعلم أني فعلتُ ذلك من خشيتك ففرّج عنّا». وكذا الثاني والثالث. فأين هذا من قول القائل: «اللهم إني أتوسّل إليك بحقّ صلاتي وصيامي، وأتوجّه إليك بفضلها لديك»؟ ! فضلًا عن قوله: «اللهم إني أسألك بجاه فلان، وأتوجّه إليك بحقه عليك وفضله لديك». فإن أهل الغار إنما ذكروا أعمالهم التي أخلصوا فيها لله تعالى؛ استنجازًا لوعده للمخلصين بتفريج كروبهم، وكشف همومهم وغمومهم، ومعنى دعائهم: اللهم إن كنت

стр. 307

تعلم أننا عَمِلنا هذه الأعمال مخلصين لك، فأنْجِزْنا وَعْدَك للمخلصين بتفريج كروبهم، وكشف ما نزل بهم، وإجابة دعائهم. قال الحافظ في «الفتح» (١): [٢٢٢] «وفي هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب، والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل، واستنجاز وعده بسؤاله. واستنبط منه بعضُ الفقهاء استحباب ذكر ذلك في الاستسقاء، واستشكله المحبُّ الطبري لما فيه من رؤية العمل، والاحتقارُ عند السؤال في الاستسقاء أولى؛ لأنه مقام التضرُّع. وأجاب عن قصة أصحاب الغار بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم، وإنما سألوا الله تعالى إن كانت أعمالهم خالصةً وقُبِلت، أن يجعل جزاءها الفرجَ عنهم، فتضمّن جوابه تسليم السؤال لكن بهذا القيد، وهو حسن. وقد تعرّض النوويُّ لهذا فقال في «كتاب الأذكار» (٢) في باب دعاء الإنسان وتوسّله بصالح عمله إلى الله، وذَكَر هذا الحديث، ونقل عن القاضي حسين وغيره استحباب ذلك في الاستسقاء، ثم قال: وقد يقال: إن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق، ولكن النبي ﵌ أثنى عليهم بفعلهم، فدلّ على تصويب فعلهم. وقال السبكيُّ الكبير: ظهر لي أن الضرورة قد تُلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا، وأن هذا منه، ثم ظهر لي أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلية، لقول كلٍّ منهم: «إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء

стр. 308

وجهك». فلم يعتقد أحدٌ منهم في عمله الإخلاص، بل أحال أمرَه إلى الله، فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه مع كونه أصلح أعمالهم فغيره أولى، فيستفاد منه أن الذي يصلح في مثل هذا أن يعتقد الشخص تقصيره في نفسه ويسيء الظنّ بها، ويبحث على كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه، فيفوّض أمرَه إلى الله، ويعلّق الدعاءَ على عِلْم الله به، فحينئذٍ يكون إذا دعا راجيًا للإجابة خائفًا من الردّ. فإن لم يغلب على ظنّه إخلاصُه ولو في عملٍ واحد، [فليقف عند حدِّه]، ويستحيِ أن يسأل بعمل ليس بخالص. قال: وإنما قالوا: ادعوا الله بصالح أعمالكم في أول الأمر، ثم عند الدعاء لم يطلقوا ذلك، ولا قال واحد منهم: أدعوكَ بعملي، وإنما قال: إن كنتَ تعلم ثم ذكر عمله. انتهى ملخّصًا. وكأنه لم يقف على كلام المحبّ الطبري الذي ذكرته فهو السابق إلى التنبيه على ما ذكر، والله أعلم». اهـ. والحق ما اختاره الحافظ وصدَّر به بقوله: «التقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل، واستنجاز وعده بسؤاله». [٢٢٣] وقول المحبّ الطبري: إنهم لم يستشفعوا بأعمالهم، وإنما سألوا الله إن كانت أعمالهم خالصة وقُبِلت= حقّ لا شك فيه. وأما قوله: «أن يجعل جزاءها الفرج عنهم»، فكأنه ظهر له ذلك من قولهم: «فلْيدْعُ كلّ رجلٍ منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه» وسائر الروايات موافقة لهذه في إطلاق الدعاء بالعمل، ولكن لا يخفى أن الدعاء إنما يكون حقيقة بالكلام ومِن المحال أن يكون بالأعمال التي انقضت بوقتها، فلابدّ من تقدير مضاف، فَلْنقدِّر (ذِكْر) كأنهم قالوا: فليدع كل رجلٍ منكم بذكر ما يعلم ... إلخ. فقد دعوا الله بذكر أعمالهم.

стр. 309

ثم إما أن يكونوا قصدوا بذكرها استنجاز الوعد أو استعجال الجزاء، والأول أولى كما اختاره الحافظ، وقد يُحمل عليه كلام السبكي، فإنه قال: «ظهر لي ... » إلخ فذكر ما يفيد أنهم دعوا بذكر أعمالهم استعجالًا لجزائها، ثم قال: «ثم ظهر لي ... » إلخ فدلّ على أن الذي ظهر له أخيرًا غير الذي ظهر له أولًا، فتأمل. والحقّ أنهم لم يطلبوا تعجيل جزائها وإنما ذكروها استنجازًا لوعد الله تعالى لعامليها بالإغاثة وإجابة الدعاء، ولذلك كان ظاهر الحديث الثناءَ عليهم، وهذا واضح جدًّا. قال المانعون: فإن كنتم ترون أيها المجيزون في استنجاز الوعد دلالةً على التوسّل المدَّعى فما أكثر أدلّتكم! منها قوله تعالى حكايةً عن نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، فإن الله تعالى أنكر عليه قوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ لما فيه من عدم المباينة للكافر، ولم ينكر عليه قوله: ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ مع أن المقصود به استنجاز الوعد. ومنها حديث «الصحيحين» (١) في دعاء النبي ﵌ في عريش بدر، ولفظه في البخاري: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك». وفي رواية مسلم: «فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على مَنكِبيه، ثم التزمه مِن ورائه، فقال: يا نبيّ الله كفاك مناشدتك ربّك، فإنه سينجز لك ما وعدك»، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]

стр. 310

فأمدّه الله بالملائكة. وفي رواية للبخاري (١): «فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك قد ألْححتَ على ربك، والنبي ﵌ عالمٌ بوعد الله تعالى، وعالم بأن الله لا يخلف وعدَه، ولكنَّه جوَّز أن يكون الوعد مشروطًا بشيء، كأن لا يصدر عن أحدٍ من المسلمين شيء من المخالفات، فلم يزل يدعو حتى ــ والله أعلم ــ أعْلَمَه الله أن النصر كائنٌ لا محالة، أي غير مشروط بشيء، فخرج يَثِبُ في الدرع ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. وأبو بكر ﵁ لم يلاحظ ما لاحظه النبيُّ ﵌ بل اطمأنّ بمطلق الوعد، فتأمّل. والأدلة كثيرة، والعجب ممن يستدلّ بحديث أصحاب الغار على جواز قول القائل: «اللهم إني أسألك بحق فلان عليك وجاهه العظيم لديك»، مع أنه لا يدلُّ على التوسّل بالأعمال إلا بمعنى ذِكرها في الدعاء استنجازًا لوعد الله تعالى لعاملها بالإغاثة. [٢٢٤] والحاصل أن معنى حديث أصحاب الغار على ما قاله المحبّ الطبري: أن هؤلاء الثلاثة ذكروا أوثق أعمالهم، وسألوا الله تعالى أن يعجّل لهم ثوابها بالتفريج عنهم. وعلى المختار الذي قاله الحافظ واحتمله كلام السبكي: أنهم ذكروا أوثق أعمالهم استنجازًا لوعد الله تعالى لمن عمل مثلها بالإغاثة، وكشف الكروب. وعلى كلٍّ فلا معنى لقولكم: «وإذا جاز توسّل الشخص بعمل من أعماله فجوازه بأحد الصالحين أولى ... » إلخ، فإن أهل الغار سألوا حقًّا ثابتًا

стр. 311

لهم بوعد الله تعالى، والمتوسّلُ بأحد الصالحين لم يسألّ حقًّا ثابتًا له، وهذا مما يُخْجَل من إيضاحه لوضوحه. وأما ما في «سنن أبي داود» عن جُبير بن محمد بن جُبير بن مُطعِم عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابيّ ... إلخ. ففي إسناده ابن إسحاق، وهو مختلَف فيه، وأقلّ ما فيه أنه يدلِّس، قاله الإمام أحمد، كما في «تهذيب التهذيب» (١) وغيره. والمدلِّس لا يحتج به إلا فيما صرَّح فيه بالتحديث، ولم يصرّح في هذا الحديث، فإن لفظ الراوي عنه: سمعتُ ابن إسحاق يحدِّث عن يعقوب بن عتبة وللحديث علّة أخرى نبَّه عليها أبو داود (٢). وأما حديث استسقاء عمر والصحابة بالعبّاس بن عبد المطلب ﵃ ومثله استسقاء معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، فهو عليكم لا لكم؛ لدلالته الظاهرة على إجماع الصحابة ﵃ على عدم التوسّل بالميّت والغائب، وهل يَشكُّ عاقل أن الصحابة ﵃ يعدلون عن التوسُّلِ برسول الله ﵌ إلى طلب الدعاء من غيره إلّا لأمرٍ ما، وهو عدم جواز التوسّل بالمعنى المتعارف، وهذا صريح جدًّا من قول عمر: «اللهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا». فإن قيل: فما الفرق بين التوسّل بالحيّ والميت ؟ قلت: الفرق بيِّن، وذلك أنّ في الكلام حذف مضاف في الموضعين، أي: إنا كنّا نتوسّل إليك [٢٢٥] بدعاء نبيّنا، أي: نطلب منه الدعاء لنا فيدعو،

стр. 312

فيكون دعاؤه وسيلة لنا، وإنا الآن نتوسّل بدعاء عمّ نبينا، وها هو يدعو لنا، ودعاؤه وسيلة لنا. وتقدير المضاف في الموضعين متعيّن؛ إذ لو لم يقدّر لكان الظاهر التوسّل بالذات، وذات رسول الله ﵌ باقية بعد الموت، فعلامَ يعدل الصحابة عن التوسّل بها، ويقول الفاروق مقالته الدالة على امتناع التوسّل بالنبي ﵌ حتى احتيج إلى العدول إلى عمّه؟ فتبيَّن أنه ليس المراد التوسّل بالذات. ولا يصحّ تقدير المضاف «بأعماله الصالحة» وإن ارتضاه الشوكاني؛ لأن أعمال النبي ﵌ باقية فَعَلامَ يعدل عنها إلى التوسّل بأعمال عمه، فتعيَّن أن يكون المضاف هو أمر يمتنع حصوله من الميّت، ويحصل من الحيّ، وهو الدعاء في القضية بعينها. إذا تقرّر ذلك فمعنى هذا الحديث: اللهم إنّا كنّا إذا أجْدَبْنا نتوسّل إليك بدعاء نبينا لنا بالسُّقيا فتسقينا، وإن نبينا قد قَدِم عليك فلا يمكن أن يدعو لنا بالسُّقيا الآن، ولكنا نتوسّل إليك بدعاء عمّ نبينا بالسُّقيا الآن فاسْقِنا. فإن قيل: فهل قول عمر: «اللهم إنّا كنّا نتوسّل ... » إلخ مجرّد خبر أو دعاء؟ فالجواب: أننا [٢٢٦] نسلِّم أنه دعاء، ولكن ليس معنى التوسّل هو التوسُّل الذي تدّعونه، وإنما هو مطلق التقرب، كما هو معناه لغةً. فكأن عمر قال: إنا كنا نتقرّب إليك بطلب الدعاء من نبيّك، وقد تعذّر ذلك فتقرّبنا إليك بطلب الدعاء من عمّه، وها هو يدعو وندعو، فأنْجِزْ لنا وعدك بإجابة الدعاء.

стр. 313

وهذا كما ترى ليس فيه ما يدلّ على التوسّل وإنما هو من باب استنجاز الوعد الذي مرّ تقريره في حديث ثلاثة الغار. ولا شكَّ أن الله تعالى وَعَد عبادَه إجابة الدعاء بقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وعوّدهم الإغاثة بالسُّقيا إذا طلبوا الدعاء من رسوله ﵌ بإجراء العادة بذلك، وإجراءُ العادة بمثابة الوعد، وذلك إجابة لدعاء رسوله، وجزاءً لهم حيث عرفوا الحقّ للرسول ﵌، ففزعوا إليه في ذلك. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، فَشَرَط في ذلك ثلاثة أشياء: الأول: مجيئهم إلى الرسول طالبين منه أن يستغفر لهم. والثاني: استغفارهم الله. والثالث: استغفار الرسول لهم. وكذلك السُّقيا كانوا يفزعون إلى النبي ﵌ طالبين منه الدعاء، فيدعو ويدعون، فيسقيهم الله تعالى. وفي «سنن أبي داود» (١) بإسناد حسن عن عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﵌ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوُضِع له في المصلّى، ووعد الناسَ يومًا يخرجون فيه. قالت عائشة: فخرج رسول الله صلى الله

стр. 314

عليه وآله وسلم حين بدا حاجبُ الشمس، فقعد على المنبر، فكبَّر وحَمِد الله ثم قال: «إنكم شكوتم جَدْبَ ديارِكم، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم» ثم قال: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مَلِك يوم الدين، لا إله إلّا الله يفعل ما يريد ... » الحديث. ثم قال أبو داود: «وهذا حديث غريب، إسناده جيّد، أهل المدينة يقرؤون ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وإن هذا الحديث حجة لهم» اهـ. قلت: والغرابةُ هنا هي الفرديّة، وهي بمجرّدها غير قادحة، مع أن معنى الحديث في «الصحيح» (١). فهذا هو التوسّل الذي أخبر عنه عمر بقوله: «إنا كنّا نتوسل بنبيك ... » إلخ، وذلك سؤالهم الدعاء من النبي ﵌ ودعاؤه ودعاؤهم مستنجزين وعدَ ربّهم، كما أشار إليه قوله ﵌: «وقد أمركم أن تدعوه ووعدكم أن يستجب لكم». [٢٢٧] والصحابة ﵃ سألوا الدعاء من العبّاس ﵁ لفضله وقرابته، فدعا ودعوا معه مُستنجزين لوعد ربهم. فهذا هو التوسُّل الذي يقول عنه عمر: «وإنّا نتوسّل بعم نبيّك». * * * *

стр. 315

فصل قد تبيَّن لك مما مرّ أن المجيزين للتوسُّل المتعارَف لم يثبت لهم دليل صريح، وقد أجاز بعضُهم التوسُّل بالأعمال الصالحة مطلقًا، وخصَّ غيره ذلك بأعمال المتوسّل نفسه. وسَبَق لي قولٌ قلتُ فيه: الذي يظهر أنه لا بأس أن يتوسّل (١) الإنسان بكلِّ عملٍ من شأنه أن ينفعه في حاجته التي يريد التوسّل به فيها، ومنه حديث ثلاثة الغار؛ لأن من شأن أعمالهم تلك أن تنفعهم في الإغاثة وتفريج الكرب. ومنه أيضًا توسّل الصحابة برسول الله ﵌ ثم بالعباس؛ لأن الصحابة كانوا يتوسّلون بدعاء النبي ﵌ لهم في طلب السُّقيا، وهو عمل ينفعهم في ذلك، ثم توسّلوا بدعاء العباس لهم بالسُّقيا، وهو عمل ينفعهم في ذلك، ويُحْمَل عليه حديث الأعمى؛ لأنه لما شكا إلى النبي ﵌، وسأله الدعاء، توجّه قلب النبي ﵌ إلى ربِّه في إغاثته، فأمره بالوضوء والصلاة والدعاء، ويُقَدَّر مضاف في الدعاء، فكأنه قال: اللهم إني أسألك وأتوجّه إليك بتوجّه قلب نبيك محمد ... إلخ. فإن قيل: فقد جاء في بعض الروايات: «فإن كان لك حاجة فمثل ذلك» (٢)؟

стр. 316

فالجواب: أن قوله ﵌ ذلك يدلّ أن قلبه ﵌ توجّه إلى ربِّه في قضاء حوائج هذا الأعمى مطلقًا، فهو كلما أراد أن يسأل الله حاجةً فإنما يتوسّل إليه بذلك التوجُّه. وعلى ذلك حديث السؤال بحقِّ السائلين، فقوله ﵌: «اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك» معناه: أسألك بحقّ سؤالي، وأما ما بعده فواضح. وأما حديث الاستشفاع فليس من التوسُّل في شيءٍ، وإنما معناه إنا نطلب منك الشفاعة، وعلى هذا فيجوز (١) للإنسان التوسُّل بجميع أعمال نفسه مطلقًا، وكذا بعمل غيره الذي قام الدليل الشرعيُّ على أنه ينفعه في حاجته التي يريد التوسُّل به فيها خاصة [٢٢٨]، كالتوسل في السُّقيا بدعاء الغير بها، وهذا يوافق توسُّل الصحابة بالعبّاس، وذلك أنهم إنما كانوا يسألون النبي ﵌ أن يدعو لهم بالسُّقيا في ذلك الوقت، فدعاؤه بذلك عمل ينفعهم في تلك الواقعة فقط، فإذا أجْدَبوا مرةً أخرى احتاجوا إلى دعاءٍ آخر بها، فلما قُبِض رسول الله ﵌ وأجدبوا لم يمكن أن يدعو لهم النبي ﵌ بالسُّقيا حينئذٍ، فطلبوا الدعاء من عمه لفضله وقرابته، وتوسَّلوا به لكونه عملًا ينفعهم في السُّقيا حينئذٍ. ويُستنتج مما ذكر أن الرجل من أمة محمد إذا عمل عملًا ثبت عن رسول الله ﵌ الدعاءُ لفاعله كان له أن يتوسّل بدعاء النبيّ ﵌ فيما دعا له به، فكأن يصلي أربعًا قبل العصر عملًا بحديث أحمد والترمذي وأبي داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله

стр. 317

صلى الله عليه وآله وسلم: «رحم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعًا» (١). فله أن يتوسَّل في طلب الرحمة بدعاء النبي ﵌ له فيها، ولو أطلق التوسل بالنبي ﵌ في ذلك، ناويًا التوسّل بذلك الدعاء فلا بأس كما جاء في حديث الأعمى وغيره. ولا يقال: إن شَفَقة النبي ﵌ ورحمته بأمته تدلّ أنه كان يدعو لهم بكل ما ينفعهم، فنتوصل بذلك إلى جواز التوسّل مطلقًا. لأننا نقول: عدول الصحابة ﵃ إلى التوسّل بالعبّاس ﵁ ينافي ذلك. فالمتعيّن قَصْر ذلك على ما ورد بالنص، كصلاة أربع قبل العصر. وقد يُجاب عن هذا بأن يقال: إن كان المراد بالتوسّل السؤال بحقّ ذلك العمل وفضله عند الله تعالى، والإقسام به عليه، فهو ممنوع كما مَرَّ نقلُه عن «الفتح» في حديث الغار، مع أن حديث الغار وتوسّل الصحابة بالعبّاس لا يَدُلّان عليه أصلًا، وغيرهما مقدوح فيه كما مَرَّ. وإن أُريد بالتوسّل مجرّد ذكر العمل استنجازًا للوعد، مع المحافظة على الأدب والحذر من الاعتماد على العمل، فهذا هو الذي سبق تقريره في حديث الغار، وهو حقّ لا شُبهة فيه. والله الموافق. [٢٢٩] أقول: هذا آخر ما تيسَّر لي كتابته في هذا البحث، ومَن تأمّله حقَّ تأمّله عَلِم أنّ مدار التوسّل على حديث الأعمى، فمن أراد معرفة الحق فعليه

стр. 318

أن يحقق البحثَ فيه والنظرَ في حاله حتى يطمئنّ قلبُه، فيعمل بما ظهر له. وقد رأيتُ في «شرح الإحياء» (١) ما لفظه: وأخرج البيهقي في «الدلائل» والنسائي في «اليوم والليلة» من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان بن حنيف، فذكر قصة فيها حديث الأعمى هذا ولفظه: «فقال له النبي ﵌: «ائت الميضأة فتوضّأ، ثم ائت المسجد فصلّ ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيك نبيّ الرحمة، يا محمد إني أتوجّه بك إلى ربي فتجلي لي عن بصري، اللهم شفِّعه فيّ وشفّعني في نفسي ... » إلخ. ثم ذكر مَن رواه من الأئمة من طريق عُمارة بن خزيمة على نحو ما أسْلَفنا، فإن صحّت روايتُه من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه زالت غرابةُ الحديث في نفسه. وقد سبق في تأويله والجمع بينه وبين غيره من الأدلة ما علمتَ، فراجِعْ ما هناك والله يتولّى هداك. وأما العامة فتمسّكهم بالتوسّل بأنواعه هو فرعٌ عن تمسّكهم بالتقليد كل منهم لفقهاء المذهب الذي التزمَه من غير تفريق بين العقائد وغيرها، فتنازلهم إلى التوقف عن التوسّل لا يتم حتى يتنازلوا عن الانكباب على التقليد في كل شيء. والذي أختاره لنفسي: أن أُكْثِر من الصلاة على النبي ﵌ أوّل الدعاء وأثنائه وآخره، وأتتبّع الأدعية الواردة في الكتاب والسنة

стр. 319

والإرشادات التي جاءت عن النبي ﵌ في آداب الدعاء، وأكتفي بالترضِّي والترحُّم والاستغفار للعلماء والصالحين، وأدَعُ التوسُّل عملًا بحديث الحسن السبط ﵁: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١) أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن السِّبط ﵁، وما في معناه من الأحاديث. وأرجو أن تكون هذه الطريقة هي الأسلم؛ لأني على يقين أنه لو ثبت التوسّل المتعارَف ثم تركه إنسانٌ لم يكن عليه إثم؛ إذ لا قائل بوجوبه، فكيف والحال أنه لم يثبت؟ فتَرْكه بنيّة الإحجام عما لم يطمئنّ القلبُ بثبوته مما أرجو أن يأجرني الله تعالى عليه. فمن أحبّ السلامة فهذا سبيلها، ومَن أقْدَم على التوسُّل فهو وما تولّى، ولا أقطع بخطئه ولا ضلاله، بل أرجو له التوفيق والهداية إن شاء الله تعالى.

стр. 320

[بحث في اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا] [ص ١] قال المانعون: ومِن المحدَث اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا. وأول مَن أحدَث ذلك العُبيديون بمصر ثم توسّع الناسُ فيه، فألفّوا في ذلك القصص المشتملة على الآثار الموضوعة والضعيفة، والتأويلات البعيدة، كما تراه في قصة المولد المعروفة بـ «شرف الأنام». وكما في بعض قصص المعراج المشتملة على الحديث الطويل الذي نصَّ أئمة الحديث أنه موضوع، وغير ذلك. والتزموا قراءة قصة المولد في غير ليلته، وصاروا ينذرون قراءتها، ويجتمعون لأجلها، ويذبحون ويطعمون، وينشدون الأشعار، وفوق ذلك صاروا يجعلون لكل من وُسِم بالصلاح عيدًا ليلة مولده أو ليلة موته، ويجتمعون لذلك، ثم يقرأون فيها قصصًا مؤلَّفة في أخباره مشتملة على أشياء يكذّبها كتاب الله تعالى وسنة رسوله، مِن دعوى علم الغيب وغيرها. وجعلوا لكل مَن يوسَم بالصلاح عيدًا في كل سنة يجتمعون عند قبره، وينحرون النحائر، إلى غير ذلك. ويرتكبون فيها كثيرًا من المحرّمات زاعمين أن ذلك الميّت يتحمّل ذلك عنهم، يعنون أن الله تعالى لا يؤاخذهم على ذلك إكرامًا له، إلى غير ذلك من المحدَثات التي ينكرها الدين والعقل. قال المجيزون: أما اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا، فهذا من المحبّة له ﵌، ومحبته شرط الإيمان.
следующие страницы →