← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 3298

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

ابن الوردي الحفيد، سراج الدين

Полный текст (461 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أنا شدّاد بن عاد ... صاحب الحصن العميد وأخو القوّة والقد ... رة والملك الحشيد دان أهل الأرض لي من ... خوف قهري ووعيدي وملكت الشرق والغر ... ب بسلطانٍ شديد وبفضل الملك والعدّ ... ة أيضاً والعديد فأتى هودٌ وكنّا ... في ضلال قبل هود فدعانا لو قبلنا ... منه للأمر السديد فعصيناه ونادينا ... ألا هل من محيد فأتتنا صيحة تد ... وي من الأفق البعيد فترامينا كزرعٍ ... وسط بيداء حصيد قال الثعلبي: ولقد وقع على هذه المفازة أيضاً رجل من حضرموت يقال له بسطام، ومعه رجل آخر ذكراً أنهما دخلا هذه المفازة فوجدا في صدرها درجاً فنزلا فيه فإذا هي مقدار مائة درجة، كل درجة قامة، وأسفلها أزج معقود في الجبل طوله مائة ذراع وعرضه أربعون ذراعاً وارتفاعه مائة ذراع، وفي صدر الأزج سرير من ذهب وعليه رجل عظيم الجسد قد أخذ طول السرير وعرضه، وعليه الحلى والحلل المنسوجة بقضبان الذهب والفضة، وعلى رأسه لوح من ذهب وعليه كتابة فأخذا ذلك اللوح وحملا ما أطاقا من قضبان الذهب ونظرا إلى طاقة في أسفل الأزج يدخل منها ضوء، فقصداها وخرجا منها فإذا هما على ساحل البحر، فقعدا هناك إلى أن عبر بهما مركب فأشارا إليه ولوحا لأهله، فأتوا إليهما وسألوهما عن أمرهما فأخبرا بالحال، فحملوهما حتى قربوا من أرضهما، فوصلا وأخبرا بما اتفق لهما فتعجبوا منه.

стр. 142

عمان: وأرضها مجاورة لأرض الشمال، وهي أرض عامرة كثيرة الخلائق والبساتين والفواكه، إلا أنها بلاد حارة جداً. وببلاد عمان حية تسمى العربد، وتسمى الكرام، تنفخ ولا تؤذي، فإذا أُخذت وجعلت في إناء وثيق، وأُوثقت رأس ذلك الإناء وسد سداً محكماً، ووضعت في إناء آخر ثان، وأخرجت من بلاد عمان، عدمت من الإناء ولا توجد فيه ولا يعرف كيف ذهبت. وهذا من أعجب العجب. وبهذه الأرض دويبه صغيرة تسمى القراد، إذا عضت الإنسان انتفخ مكانها ودود، ولا يزال الدود يسعى في باطن الإنسان المعضوض حتى يموت. وبجبال أرض عمان قرود كثيرة تضر بأهلها ضرراً كثيراً وربما لا تندفع في بعض الأوقات إلا بالسلاح والعدد الكثيرة لكثرتها؛ وفي أرض عمان مغاص اللؤلؤ الجيد؛ وفي بحر عمان جزيرة قيس طولها اثنا عشر ميلاً في مثلها. وصاحب هذه الجزيرة تصل مراكبه إلى بلاد الهند ويغزوهم في غالب الأوقات ويغير على كفار الهند. ويحكى أن عنده في الجزيرة المذكورة على مرسى البحر من المراكب التي تسمى السفينات مائتي مركب، وهذه المراكب من عجائب الدنيا وليس على وجه الأرض ومتن البحور مثلها أبداً؛ وهي أن المركب الواحد منها منحوت من خشبة واحدة؛ قطعة واحدة، والمركب الواحد منها يسع مائة رجل وخمسين، وبهذه الجزيرة دواب ومواشي وأشجار وفواكه.

стр. 143

اليمامة: هي بلاد طسم وجديس، وهي بلاد الزرقاء المعروفة بزرقاء اليمامة وأخبارها مشهورة منها: أن طسما وجديسا كانا ابني عم وهم العرب العاربة. وكان الملك في طسم اسمه عمليق، وكان جباراً ظالماً طاغياً، بلغ من طغيانه وتجبره أنه ألزم جديسا أن لا تزف بكر من بناتها إلى بعلها حتى يأتوا بها ليلاً أو نهاراً ووقت زفافها إلى عمليق حتى يفترعها ويأخذ بكارتها ثم يمضوا بها إلى زوجها العريس، وفي صبيحة زفافها يعملون وليمة لعمليق ولأصحابه من طسم. فمكث زماناً على هذا الحال وكان من أكابر جديس رجل يقال له الأسود، وله أخت حسناء مبدعة تدعى سعاد وكانت بكراً، فزوجت برجل من أولاد عمها: فلما حضرت ليلة زفافها ذهبوا بها إلى عمليق فافترعها على العادة ثم خرجت من عنده ودمها ظاهر على أثوابها؛ فنظرت فإذا أكابر جديس وأعيان قومها وأخوها الأسود جلوس في ناحية

стр. 144

من الحي يتشاورون في أمر الوليمة للملك في صبيحة تلك الليلة؛ فما أحسوا بها إلا وهي في وسطهم ثم مزقت أثوابها من طوقها إلى أذيالها وكشفت عن بطنها وفرجها، وأظهرت دمها ونظرت يميناً وشمالاً وقالت: لا أحدٌ أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس يرضى بذا يا قوم بعلٌ حرّ ... من بعد ما ساق وسيق المهر يقبضه الموت إذاً بنفسه ... حتفا ولا يصنع ذا بعرسه فقام الأسود أخوها ورمى بثوبه عليها وسترها وبكى وأمر بردها إلى بيتها، فلم تفعل، وقالت وهي تحرض على قتل عمليق والقوم يسمعون: أترضون ما يعزى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد النّمل وتمشي سعاد في الدماء غريقة ... جهاراً وقد زفّت عروساً إلى بعل فلو أننا كنا رجالاً وكنتم ... نساءً لكنا لا نقرّ بذا الفعل وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساءً لا تعدّمن الفحل ودونكم طيب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللذل فبعداً وسحقاً للذي ليس ينتخي ... ويختال يمشي بيننا مشية الرجل قال فأخرجوها من بينهم ودبت في رؤوس القوم خمرة النخوة والمروءة فقاموا جميعاً إلى مكان آخر، فابتدأ الأسود أخو سعاد وقال: يا إخوتاه ويا بني عماه، قد رأيتم ماذا يصنع ببناتكم وقد اتفق لأختي ما اتفق لمن تقدمها فما الرأي؟ قالوا: ما ترى، فقال الأسود لو اجتمع رأيكم على واحد من بينكم وليتموه أمركم لا نكشف عنكم العار وانتصفتم من الأغيار، قالوا جميعاً: أنت ذلك الواحد فلا مخالف ولا معاند، وتحالفوا، فقال ائتوني بالغنم والبقر والإبل وانحروا وأكثروا من الذبح

стр. 145

وأوقدوا النيران وعلقوا القدور وأشغلوا النساء بالطبخ ثم ائتوني بسيوفكم تحت ثيابكم. ففعلوا فمضى بهم إلى المكان المعروف بالضيافة وكل أراضيهم رمال. وكان من عادة عمليق أن كل بكر يفترعها يقف وليها خلف ظهره وهو جالس على السماط في مكان الضيافة لتعلم طسم كلها من هو ولي العروس وتتحققه مبالغة في إهانته. قال: فدفن الأسود سيفه في الرمل خلف مجلس عمليق وقال لقومه من جديس هكذا فافعلوا، فإذا جلس الملك وقفت خلفه وسيفي تحت قدمي، فإذا اشتغل بالأكل وأخذت سيفي وضربت عنق عمليق يفعل كل منكم بمن هو فوق رأسه كما فعلت، فلا يفلت أحد من القوم. فقالوا. سمعاً وطاعة. فأصبح عمليق سكران، وكذا أعيان قومه وأنى إلى مكان الضيافة في أعظم زينة وهم مسرورون منشرحون. فلما أخذوا مجالسهم قدموا الضيافة فرأى عمليق ما لم يره من كثرة الضيافة، فشكر الأسود وبش له. فقال واحد من قوم عمليق حين مد يده إلى الأكل: رب أكلة تمنع أكلات. فما استتم كلامه حتى قتل عمليق، وكل من كان معه جالساً على الأكل وحضر الضيافة، قتلةً واحدة وامتلأت الجفان والمناسف بدماء القتلى. وقد قيل: إنه قتل في تلك الساعة من طسم ما يزيد عن ثمانين ألفاً، وما بقي من طسم رجل إلا من غاب عن الوليمة. ووضعت جديس سيوفها فيمن بقي من الرجال ونهبت وسبت وفتكت في طسم فتكاً ذريعاً وهربت شرذمة من طسم إلى حسان بن تبع ملك حمير باليمن فاستغاثت به فأغاثها. وتوجه حسان بعساكره

стр. 146

قاصداً لجديس وإعانةً لطسم، وكانت امرأة اسمها الزرقاء التي تقدم ذكرها تنظر الراكب مسيرة ثلاثة أميال. فلما كان حسان في أثناء الطريق وهو سائر بعساكره قال رجل من طسم لحسان: أيها الملك أدام الله سعدك إن امرأة من جديس اسمها الزرقاء تنظر الراكب من مسيرة ثلاثة أميال فربما تنظر عساكر الملك وتخبر قومها بذلك فيكيدوا لك كيداً عظيماً. فقال حسان: وما الرأي عندك؟ فقال: الرأي أن تقطع الأشجار فيأخذ كل راكب أمامه شجرة، فإذا رأت الزرقاء تقول لقومها: إن أشجاراً تسير إليكم على الخيل والنجائب فيكذبونها ويهملون أمرها، فتصبحهم وتبلغ الغرض. فاقتلعوا الأشجار وحمل كل واحد أمامه شجرة وساقوا سوقاً حثيثاً فرأتهم الزرقاء فقالت لقومها: إني لأرى الشجر يسير إليكم سيراً سريعاً، وإني لأرى رجلاً من وراء شجرة يخصف نعلاً وآخر يشرب ماء وآخر ينهش كتفاً. فكذبوها فصبحهم حسان بعساكره وجموعه فأبادهم قتلاً وسبياً. وهرب الأسود فنزل على طيئ فأجاروه، وجيء بزرقاء اليمامة إلى حسان فأمر ينزع عينيها فإذا فيهما عروق سود مملوءة من الأثمد الجيد الخالص.

стр. 147

وأما السند: فهو إقليم عظيم مجاور للبحرين غربي الهند، وهو قسمان، قسم على جانب البحر. ويقال لتلك البلاد بلاد اللان، والمسلمون غالبون على هذا القسم. ومن مدنه المشهورة المنصورة وهي مدينة طولها ميل في ميل، وبها خلق كثير وتجار كثيرون والأرزاق بها دارة ووزن درهمهم خمسة دراهم وليس بها إلا النخل والقصب وتفاح شديد الحموضة. وهي مدينة حارة جداً وسميت هذه المدينة بالمنصورة لأن أبا جعفر المنصور الخليفة من بني العباس بنى أربع مدن على

стр. 148

أربع طوالع يقال إنهم لا يخربون أبداً إلا بخراب الدنيا إحداهن المنصورة هذه، وبغداد بالعراق، والمصيصة على بحر الشام، والرافقة بأرض الجزيرة. والموليان: ويقال لها المليان وهي مجاورة لبلاد الهند وهي على قدر المنصورة وتسمى فرح بيت الذهب لأن محمد بن يوسف الحجاج وجد بها في بيت واحد أربعين بهاراً من الذهب، والبهار ثلثمائة وثلاثون مناً. وبها صنم كبير تعظمه أهل الهند والسند ومن في أراضيهم، ويحجون إليه ويتصدقون عليه بأموال جمة وحلي وجواهر وله خدم. ويزعمون أن لهذا الصنم مائتي ألف سنة يعبد، وعيناه جوهرتان لا قيمة لهما، وعلى بابه إكليل من ذهب مرصع بأنواع الجواهر الفاخرة. أرض الهند: أرض واسعة عظيمة في البر والبحر والجنوب والشمال، وملكهم يتصل بملك الزنج في البحر وهي مملكة المهراج، ومن عادة أهل الهند أنهم

стр. 149

لا يملكون عليهم ملكاً حتى يبلغ أربعين سنة، ولا يكاد الملك عندهم يظهر للناس أبداً إلا نادراً في السنة. وللهند ممالك كثيرة، فمنها مملكة المناكير واللادوت، ومملكة الفتوح، وهي مملكة عظيمة واسعة، ولأهلها أصنام يتوارثونها خلفاً عن سلف، ويزعمون أن لها مائتي ألف سنة تعبد، وملكها عظيم الملك كثير الجنود كثير الفيلة، وليس عند ملك من ملوك الأرض ما عنده من الفيلة، ويقال إن على مربطه ألف فيل، منها مائة فيل بيض كالقرطاس، ومنها ما ارتفاعه خمسة وعشرون شبراً. وقيل مات له فيل فوزن نابه الواحد فكان أربعين مناً. ومن ممالك الهند مملكة قمار: وهي مملكة عظيمة واسعة، وإليها ينسب العود القماري. ومنها مملكة صيمور: ولها ممالك غير ما ذكر نحو اثنتي عشرة مملكة. تمت الجهة الجنوبية ولنشرع الآن إن شاء الله تعالى في ذكر الجهة الشمالية وبلادها من المشرق إلى المغرب. فأول بلاد هذه الجهة من المغرب الأقصى أرض الفرنج: وهي أمم عظيمة كثيرة لا تحصى، وهم غالبون على معظم جزائر الأندلس، ولهم في بحر الروم جزائر عظيمة

стр. 150

مشهورة مثل جزيرة صقلية وقبرص وجزيرة أقريطش وجزيرة كشميلي وجزيرة الخضراء وعدة جزائر، وغيرها. فأما صقلية: فهي فريدة الزمان وأجمع المسافرون على تفضيلها وحسنها وعظم ملوكها وضخامة دولها. وفي هذه الجزيرة مائة وثلاثون مدينة أمهات قواعد خارجة عن القرى والضياع والرساتيق. فمن مدنها المشهورة يلزم وهي مدينتها العظمى وكرسي السلاطين وموطن الجيوش، وهي على ساحل البحر من الجانب الغربي وهي مدينة حسنة المباني بديعة الإتقان، وهي على قسمين قصور وربض، وهي على ثلاث قصبات: فالقصبة الوسطى تشتمل على قصور رفيعة ومنازل شامخة ومعابد وفنادق وحمامات، والقصبتان الأخريان قصور سامية وأبنية عالية وأسواق، وبها الجامع الأعظم الذي فيه من بدائع الصنعة المتقنة ومن أصناف التصاوير وأنواع التزاويق ما يعجز عن وصفه كل لسان، وليس بعد جامع قرطبة أحسن منه. وأما الربض: فهو مدينة أخرى محدقة بالمدينة من جميع جهاتها. وبه المدينة القديمة المسماة بالخاصة التي كانت سكنى السلطان. والمياه بجميع جهات صقلية مخترقة والعيون بها متدفقة، وبها بساتين وجنات وفرج ومتنزهات وخارج الربض نهر عباس، وهو نهر عظيم وعليه أرحية كثيرة. ومن مدنها مدينة مسينا وهي مدينة عظيمة وبجبلها معدن عظيم للحديد يحمل منه إلى سائر البلاد. ومنها أرض

стр. 151

طبرمين: وهي مدينة عظيمة ذات قصور منارة؛ وبساتين وفواكه، وبها جبل يسمى بطور الآيات. وبها معدن الذهب. ومنها سر قوسة: وهي مدينة عظيمة يقصدها التجار من سائر الأقطار، والبحر محدق بها من جميع جهاتها. والدخول إليها والخروج منها على طريق واحدة. ومنها نوطس: وهي من أرفع البلاد خصباً واسعة الديار عامرة الأقطار. ومنها أرض طرلنس: وهي مدينة أهلية والبحر محيط بها من جميع جهاتها، ويوصل إليها على قنطرة، وبها أسماك يعجز الواصف عنها. وببحرها يصاد المرجان، وهو نبت في أرض هذا البحر كالشجر، وبها قنطرة عجيبة طولها ثلاثمائة ذراع في عرض عشرين ذراعاً. جزيرة قبرص: وهي جزيرة كبيرة مقدار ستة عشر يوماً، بها مدن كثيرة وقرى عامرة ومزارع وأنهار وأشجار وثمار؛ وبها معادن الزاج القبرصي الذي ليس في البلاد مثله شيء، وبها من المواشي ما يكفي بلاد الفرنج. ومن مدن الفرنج

стр. 152

المشهورة افرنسة: وهي مدينة عظيمة مجاورة لجزيرة الأندلس، وهي للفرنج كرومية للروم، كرسي ملكهم ومجتمع أمرهم وبيت ديانتهم، وبها أمم عظيمة لا تحصى كثرة. أرض الجلالقة: وهي شمالي الأندلس؛ وهي أرض واسعة؛ وبها أمم لا تحصى كثرةً، ومدن عظيمة وقرى عامرة. والغالب على أهلها الجهل والحمق. ومن زيهم أنهم لا يغسلون ثيابهم أبداً بل يلبسونها وسخة إلى أن تبلى؛ ويدخل أحدهم بيت الآخر بغير إذنه، وهم مهملون في أديانهم كالبهائم بل أضل. أرض الباشقرد: وهي بلاد الألمان وبلاد الإفرنجة؛ وهي أرض كبيرة واسعة وبها مدن. أرض الكرج: وهي مجاورة لأرض خلاط، آخذها إلى الخليج القسطنطيني، ممتدة إلى نحو الشمال وهي أرض واسعة، وبها مدن عظيمة وبلاد كثيرة

стр. 153

وجبال شاهقة وقلاع منيعة وأرضهم في غاية الخصب والبركة؛ وبيت الملك عندهم محفوظ يرثه الرجال والنساء. أرض الروم: وهو إقليم واسع الأقطار فسيح الديار، وبه مدن عامرة وضياع ورساتيق وأشجار وفواكه وثمار؛ وبه الخير الغامر والخصب الوافر؛ وكلها على جانبي البحر القسطنطيني ومن جهة بلاد الأرمن، له أحد عشر عملاً، منها عمل حربية وفيه خمسة حصون، وعمل العصاة وفيه ثلاثة حصون، وعمل الأرسيق وفيه خمسة عشر حصناً، وعمل الأفشين وفيه أربعة حصون وعمل حرسنون وفيه أربعون حصناً، وعمل البلقان وفيه ستة عشر حصناً. وهذه الأرض كانت في القديم بلاد اليونان فغلبت الروم عليها؛ ومن جملة أعمالها عمل كرميان وفيه عشرة حصون، وعمل الفنادق وفيه ثمانية عشر حصناً. وببلاد الروم أيضاً مائة جزيرة كلها في البحر، وكلها عامرة آهلة. ومن مدن الروم المشهورة قسطنطينية وهي مثلثة الشكل، منها جانبان في البحر وجانب في البر وفيه باب الذهب. وطول هذه المدينة تسعة أميال وعليها سور حصين ارتفاعه واحد وعشرون ذراعاً، ويحيط به سور آخر يسمى الفصيل، ارتفاعه عشرة أذرع، لها مائة باب أكبرها الباب المصمت وهو مموه بالذهب، وبها القصر وهو من عجائب الدنيا وذلك أن فيه بديرون وهو كالدهليز إلى القصر، وهو زقاق يمشى فيه بين صفين من صور مفرغة من نحاس بديع الصنعة على صور الآدميين والخيل والفيلة والسباع وغير ذلك، وهي أكبر من الأشكال الموضوعة على أمثالها. وبالقصر وما دار به ضروب من العجائب.

стр. 154

وفي المدينة منارة موثقة بالحديد والرصاص إذا هبت الريح مالت يميناً وشمالاً وخلفاً وأماماً من أصلها، ويوضع الخزف تحتها فتطحنه كالهباء. وفيها أيضاً منارة من نحاس قد قلبت قطعة واحدة وليس لها باب، وبها أيضاً منارة قريبة من مارستانها قد ألبست جميعها من نحاس أصفر كالذهب محكم الصنعة والتخريم، وعليها قصر قسطنطين باني القسطنطينية، على قبره صورة فرس من نحاس، وعلى الفرس شخص على صورة قسطنطين وهو راكب وقوائم الفرس محكمة بالرصاص ما عدا يده اليمنى فهي موقوفة في الجو؛ وقد فتح كفه يشير نحو بلاد المسلمين، ويده اليسرى فيها كرة. وهذه المنارة ترى على مسيرة يوم في البحر، ونصف يوم في البر. ويقولون إن في يده طلسماً يمنع العدو. وقيل إن على الكرة مكتوباً بالرومي: ملكت الدنيا حتى بقيت في يدي مثل هذه الكرة، وخرجت منها هكذا لا أملك منها شيئاً؛ وبها منارة في سوق استبرين من الرخام الأبيض من رأسها إلى أسفلها صور مبنية ودار يزينها قطعة واحدة من النحاس، وبها طلسم إذا طلع الإنسان عليها نظر. إلى سائر المدينة، وبها قنطرة وهي من عجائب الدنيا سعتها يعجز الواصف عن ذكرها حتى يخرج الواصف إلى حد التكذيب، وبها من النقوش ما لا يحده وصف.

стр. 155

رومية الكبرى: مدينة عظيمة، دورها أيضاً تسعة أميال كالقسطنطينية، ولها أسوار محكمة. لها سوران منيعان من حجر، عرض كل سور منهما وسمكه مقدار معين، فأحدهما وهو الداخلي المحيط بالمدينة عرضه أحد عشر ذراعاً وارتفاعه اثنان وسبعون ذراعاً. وهناك أسطوانات من نحاس أصفر وقواعدها ورؤوسها مفرغ منها. وبها نهر يشقها، وهذا النهر كله مفروش ببلاط من نحاس كهيئة اللبن الكبار. وداخل المدينة كنيسة عظيمة طولها ثلاثمائة ذراع وارتفاعها ثلاثمائة ذراع وأركانها من نحاس مفرغ مغطى كلها بالنحاس الأصفر؛ وبرومية ألف ومائة كنيسة وجميع شوارعها وأسواقها مفروشة بالرخام الأبيض والأزرق، وبها ألف حمام وألف فندق، وبها كنيسة هائلة بنيت على هيئة بيت المقدس وبها مذبح، ظهره كله مرصع بالزمرد الأخضر؛ وعلى هذا المذبح تمثال من الذهب الإبريز طوله ذراع بالرشاشي يكون سبعة أذرع ونصف ذراع بذراعنا المعهود، وعيناه من ياقوت أحمر. ولهذه الكنيسة مائة باب، منها أبواب عشرة مصفحة بالذهب وباقيها مصفحة بالنحاس المحكم. وبها قصر الملك المسمى البابا، وهو قصر عظيم أجمع المسافرون على أنه لم يبن مثله على وجه الأرض؛ ورومية أكبر من أن يحاط بوصفها ومحاسنها ولها مدن قواعد مشهورة منها قشمير: وهي مدينة كبيرة تشبه رومية في الحسن والبنيان، ويقال إنها مدينة أهل الكهف.

стр. 156

وأما أصحاب أهل الكهف: فهم في كهف في رستاق بين عمورية ونيقية، وهم في جبل عال علوه نحو ألف ذراع، وله سرب من وجه الأرض كالمدرج يتعدى إلى الموضع الذي هم فيه. وفي أعلى الجبل كهف يشبه البئر ينزل منه إلى باب السرب ويمشى مقدار ثلاثمائة خطوة، ثم يفضى إلى ضوء هناك فيه رواق على أساطين منقورة فيها عدة بيوت، منها بيت مرتفع العتبة مقدار قامة، وعليه باب من حجر، وفيه أصحاب الكهف وهم سبعة نيام على جنوبهم، وأجسامهم مطلية بالصبر والكافور، وعند أرجلهم كلب راقد مستدير، رأسه عند ذنبه، ولم يبق منه إلا رأسه وعجزه. وفقار الظهور، ووهم أهل الأندلس في أصحاب الكهف حيث زعموا أنهم الشهداء الذين في مدينة لوشة، قال بعض الثقات: لقد رأيت القوم وكلبهم في هذا الكهف بين عمورية ونيقية سنة عشر وخمسمائة.

стр. 157

القرم: مدينة عظيمة بها أسواق ومساجد وفنادق وحمامات، وهي فرضة مملكة الترك وما حولها، وبها اللحم والسمك والعسل واللبن كثير جداً، وبيوتها غالباً خشب. وأما ما على البحر النيطشي من بلاد الروم فمدن عظيمة مثل أطرابدية وخزية، وقابية وقمانية السوداء، وسميت بذلك لأن لها نهراً يدخل في شعب جبل وماؤه أبيض كالزلال ويخرج منه أسود كالدخان، وقمانية البيضاء وتسمى مطلوقة وماطر خاروسية وأردبيس وفلبسين، وكلها مدن عظام قواعد بلاد الروم، وبين أردبيس وحصن زيادة شجرة عظيمة لا يعرف أحد ما هي وما اسمها؟ ولها حمل يشبه اللوز ويؤكل بقشره وهو أحلى من العسل. أرض الصقالبة: وهي أرض كبيرة واسعة من ناحية الشمال وبها مدن وقرى ومزارع، ولهم بحر حلو يجري من ناحية المغرب إلى المشرق، ونهر آخر يجري من

стр. 158

ناحية البلغار ليس لهم بحر ملح لأن بلادهم بعيدة عن الشمس، ولهم على البحر مدن وبلاد وقلاع منيعة. أرض الجنوبة: وهي أرض واسعة، وبها مدن وبلادهم غربي قسطنطينية على بحر الروم. ومن مدنهم المشهورة جنوة وهي مدينة حصينة ذات أسوار. أرض البنادقة: وهي إقليم عظيم ومدينتهم العظمى تسمى بندقية وهي على خليج يخرج من بحر الروم ويمتد نحو سبعمائة ميل في جهة الشمال، وهي قريبة من جنوة بينها وبين جنوة في البر ثمانية أيام، وأما في البحر فبينهما أما بعيد أكثر من شهرين، والبندقية مقر خليفتهم واسمه البابا وهي شمال الأندلس. ومدنهم كلها على جانبي الخليج البندقي، وهي مدن وقرى عامرة ورساتيق. أرض برجان: وهي أرض عظيمة واسعة، وبها من البرجان أمم لا تحصى، وهي أمة طاغية قاسية وبلادهم واغلة في الشمال.

стр. 159

الباب والأبواب: وهي شمالي أرض الفرس: أما الباب: فبناها أنوشروان على بحر الخزر، وبها بساتين وفواكه، وبها مرسى الخزر وغيره، وعليها سلسلة تمنع الداخل والخارج. وأما الأبواب: فهي شعاب في جبل القبق، واسم هذا الجبل في كتب التواريخ القديمة جبل الفتح، وفيها حصون كثيرة، منها باب صول وباب اللان، وباب السابران، وباب الأزقة وباب سجسجي، وباب صاحب السرير، وباب قيلان شاه، وباب كوريان، وباب إيران شاه، وباب ليان شاه، وجبل الفتح هذا المذكور هو جبل عظيم شامخ. وزعم أبو الحسن المسعودي أن فيه ثلاثمائة بلد، كل بلد له لسان لا يشبه الآخر. قال الجواليقي: وكنت أنكره حتى تحققته، وهذا الجبل فيه كثير من الممالك فمنها: مملكة شروان شاه، وهي ملكة واسعة لها إقليم ومدن وقرى وعمارات. ومنها مملكة الكر: وهي مملكة واسعة ذات أقاليم ومدن وقرى وعمارات وأمم عظيمة جبارة كفار لا ينقادون لأحد، ومملكة لايذان شاه، ومملكة الموقانية، ومملكة الدودانية وأهلها أخبث العالم، ومملكة طبرستان، ومملكة حيدان، ومملكة عتيق، ومملكة زنكوان، ومملكة الجندخ، ويقال إن لهذه المملكة اثني عشر ألف قرية، ومملكة اللان ومملكة الأنجاز، ومملكة الخزرجية، ومملكة السخطا، وهم قوم جبارون لا ينقادون لأحد، ومملكة الصعاليك ومملكة كشك، ويقال إن أهل هذه المملكة ليس في الممالك أحسن من رجالهم ولا من نسائهم ولا أكمل محاسن ولا أجمل أوصافاً ولا أطيب خلوة ولا مضاجعة لنسائها، من الحسن والتيه والصلف واللذة الزائدة الوصف التي لم توجد في سائر نساء الدنيا، ويبلغ الرجل منهم المائة

стр. 160

وقوته في نفسه وفي مجامعته باقية، وإذا جامع الواحد منهم امرأة فإنه ينسى الدنيا وما فيها إلى أن ينفصل عن المجامعة، ونساؤها إذا بلغت المرأة خمسين سنة أو ستين أو سبعين فلا تتغير محاسنها عما كانت عليه وهي ابنة عشرين سنة، فسبحان الخالق البارئ المصور الفتاح الرزاق. ومملكة السبع بلدان، ومملكة إرم، وفي هذا الجبل صحراء كالكهف نحو من مائة ميل بين جبال أربعة ذاهبة في الهواء. وفي وسط هذه الصحراء دائرة منقورة كأنها قد خطت ببيكار منحوتة من حجر صلد استدارتها خمسون ميلاً قطعها قائم كأنه حائط مبنى، بعد قعرها نحو من ستة أميال بالتقريب، لا سبيل إلى الوصول إلى مستوى تلك الدائرة، ويرى فيها بالليل نيران عظيمة في جهات مختلفة، ويرى بها أنهار مادة ولكن كرقة الأصابع، ويرى فيها بالنهار وقت الظهيرة أناس لطاف الأجسام جداً كالذباب، ويرى فيها دواب كالنمل، ولا يعلم من البشر هم أم من غيرهم، ولا يزال الضباب عليها والأبخرة تتصاعد منها. وعند الله علمها. ومن وراء تلك الدائرة دائرة أخرى صغيرة قريبة العقر فيها آجام وغياض، وفيها نوع من القرود منتصبات القامات والقدود مدورات الوجوه كالآدميين، إلا أنهم ذوو شعور، وهم في غاية الفهم والذكاء، وإذا وقع القرد الواحد منهم لأحد من تلك الأرض حمله إلى من شاء من الملوك فيحصل له بواسطة ذلك الخير الكثير، لأن الملوك يرغبون في تلك القرود لخاصية فيها ويبذلون المال الكثير في القرد الواحد منها. فمن ذكائه وخاصيته أنه يقف على رأس الملك بالمذبة ليلاً ونهاراً ينش عليه ولا يضجر ولا يفتر، وإذا قدم إلى الملك طعام وضع منه في إناء وقدم إليه فإن تناوله القرد وأكله أكل الملك من ذلك الطعام وإن تناوله ورده ولم يأكل منه شيئاً علم الملك أن الطعام مسموم.

стр. 161

ويقال إن بين الخزر وبين بلاد المغرب أربع أمم من الترك يرجعون إلى أب واحد وهم ذوو بأس شديد وقوة، ولكل أمة منها ملك وهي: قحلى، ويجعود، ويحناك، وأبو جردد، ويقال إن الفرس لما فتحت تلك البلاد بنى قباذ مدينة البيلقان وبردغة وسد البر، وبنى أنوشروان وابنه مدينة السابران وكسكر والباب، والأبواب، وعمل على أبواب جبل القيق الذي يقال إنه جبل الفتح من خارجه ثلاثمائة وستين قصراً مما يلي أرض الخزر. أرض الروس: وهي أرض واسعة الأقطار إلا أن العمارات بها منقطعة لا متصلة، وبين البلد والبلد مسافة بعيدة، وهم أمم عظيمة لا ينقادون لأحد من الملوك ولا لشريعة من الشرائع وعندهم معدن الذهب؛ ولا يدخل إليهم غريب إلا قتلوه في الوقت والحال: وأرضهم بين جبال محيطة بها وتخرج من هذه الجبال عيون كثيرة تقع كلها في بحيرة تعرف بطوهي وهي بحيرة كبيرة في وسطها جبل عال فيه وعول كثيرة وتبر كثير؛ ومن طرفها يخرج نهر ديانوس. وغربي أرض الروس جزيرة دار موشة؛ وفي هذه الجزيرة أشجار أزلية كثيرة منها أشجار إذا دار حول ساقها عشرون رجلاً ومدوا باعاتهم على ساق الشجرة

стр. 162

الواحدة فلا يحرشوا بها. وأهلها يوقدون النار في بيوتهم نهاراً لبعد الشمس عنهم وقلة الضوء. وبهذه الجزيرة قوم مستوحشون يعرفون بالبراري رؤوسهم لاصقة بأكتافهم ولا أعناق لهم، ودأبهم ينحتون الأشجار الكبار، ويتخذون أجوافها بيوتاً يأوون إليها، وأكلهم البلوط. وبها من الحيوان المسمى بالببر شيء كثير، وهو حيوان غريب الوصف ولا يوجد ولا يعيش إلا في تلك الأمكنة. والروس ثلاث طوائف طائفة تسمى كركيان ومدينتهم تسمى كركانية؛ وطائفة تسمى أطلاوة ومدينتهم تسمى طلو؛ وطائفة تسمى أرتى ومدينتهم تسمى أرتى. أرض التركش: وهي طويلة عريضة متاخمة لسد يأجوج ومأجوج، ويجلب من جهتها السنجاب الفاخر، والسمور والحرير والمسك وجلود النمر. أرض الخزر: وهي أرض واسعة وبها أمم لا تحصى؛ ومن مدنها المشهورة سمندو وهي مدينة حسنة؛ وكانت في القديم مدينة عظيمة وكان بها من الكروم ما يخرج عن حد الوصف، فخربتها الروس. وآخر أعمالها أول أعمال صاحب السرير، وهي مدينة عظيمة وتسمى صاحب السرير؛ لأن صاحبها اتخذ سريراً من ذهب مرصعاً بالجواهر يقصر عنه الوصف صنع له في عشر سنين؛ فلما تغلبت الروم على بلده بقي السرير على حاله، وقيل إنه باق إلى الآن. أثل: وهي مدينة كبيرة عامرة، وأكثر بيوتها خركاوات ولبود، وهي ثلاث قطع يقسمها نهر عظيم يرد من أعالي البلاد التركية ويسمى نهر أثل يتشعب من هذا النهر ثم يمر نحو بلاد التغزغز، ويصب في بحر نيطش وهو بحر الروس،

стр. 163

ويتشعب من هذا النهر نيف وسبعون نهراً، وليس من الملوك التي في تلك النواحي من عنده جند مرتزقة غير ملك الخزر. برطاس: أرض طويلة مقدار خمسة عشر يوماً وهم متاخمون الخزر وبيوتهم خركاوات ولبود. ونهر برطاس يأتي من نحو بلاد التغزغز، وعليه مدن كثيرة وبلاد عامرة. ومن بلاد برطاس تحمل جلود الثعالب السود التي تسمى البرطاسي. قال المسعودي؛ تبلغ الفروة السوداء منها إلى مائة دينار. وفي أرض الخزر جبل يسمى باثرة وهو معترض من الجنوب إلى الشمال وفيه معادن الفضة السهلة المأخذ ومعادن الرصاص. وليس على بحر الخزر من الضفة الشرقية عمارة. أرض البلغار: وهي واسعة ينتهي قصر النهار فيها عند البلغار والروس في الشتاء إلى ثلاث ساعات ونصف ساعة. قال الجواليقي: ولقد شهدت ذلك عندهم فكان طول النهار مقدار ما أصلي أربع صلوات، كل صلاة في عقيب الأخرى مع الأذان وركعات قلائل والإقامة والتسبيح. وعماراتها متصلة بعمارة الروم وهم أمم عظيمة ومدينتهم تسمى بلغار وهي مدينة عظيمة يخرج واصفها إلى حد التكذيب. أرض الغزية: وهي غربي أرض الأدكش، وهي أرض واسعة متصلة العمائر من جهة الشمال والغرب والشرق ولهم جبال منيعة وعليها حصون حصينة، وينزل إليهم نهر من جبل مرغان، يوجد في هذا النهر إذا زاد التبر الكثير ويخرج من قعره

стр. 164

حجر اللازورد، وفي غياضه التبر الكثير. وبها ثعالب صفر لونها لون الذهب يتخذ منها فراء لملوك تلك الناحية، تبلغ الفروة منها جملة من المال، ولا يدعون أحداً يخرج بشيء منها إلى البلاد، ومن خرج بشيء من ذلك خفية استباحوا دمه وماله، كل ذلك بخلاً بها واستحساناً وافتخاراً بها. أرض الأدكش: وأهلها صنف من الترك عراض الوجوه كبار الرؤوس صغار العيون كثيرو الشعور، وأرضهم عريضة طويلة واسعة كثيرة الخيرات والخصب، وهي شرقي الغزية، وبها من المواشي واللبن والعسل شيء لا يوصف، حتى إن الرجل يذبح الشاة ولا يجد من يأكلها، وأكثر أكلهم لحوم الخيل وشربهم ألبانها. وجنوبها بحيرة تهامة وهي بحيرة عظيمة دورها مائتان وخمسون ميلاً وماؤها شديد الخضرة إلا أن ريحه ذكي وطعمه عذب جداً. وبها سمك عريض جداً إذا وقعت هذه السمكة في شبكة الصياد انتشر في الحال ذكره وقام على حيله وأنعظ إنعاظاً شديداً، ولا يزال كذلك حتى يخرج السمكة من شبكته، ولونها مرقش فيه من كل لون عجيب حسن. وتزعم الأتراك أن الشيخ الهرم إذا أكل من لحم هذه السمكة أمكنه أن يفتض الأبكار لقوة خاصية هذه السمكة. وفي وسط هذه البحيرة أرض كالجزيرة وفي وسط الجزيرة بئر محفورة لا يحس لها قعر ولا منتهى، وليس بها شيء من الماء، وبهذه الجزيرة أنهار كثيرة كبار منها نمامة وهو نهر عميق وخروجه من ثلاث عيون دفاعة. وأهل تلك البلاد يقصدون هذا النهر بأولادهم يغمسونهم فيه قبل البلوغ والاحتلام فلا يصيبهم بعد ذلك من أمراض الدنيا شيء البتة، إلا ما جاء من قبل الموت. وإذا مرض عندهم أحد من هؤلاء المغموسين علموا أن موته في تلك المرضة، صح لهم ذلك في تجاربهم. وإذا سقي العليل من مائه برأ من علته، كائنةً ما كانت، بعد سبعة أيام من وقت شربه.

стр. 165

وإذا غسل الإنسان رأسه بالغاً كان أو غيره، لم يحصل لرأسه صداع في تلك السنة. وقد أكثروا الكلام في هذا النهر حتى إنهم قالوا أشياء يجب السكوت عنها، وقدرة الله صالحة لكل شيء خارق. وشرقي هذه البحيرة جبل مراد وهو جبل مرتفع لا يمكن الصعود إليه من حيث الظاهر بوجه من الوجوه لأنه كالحائط القائم الأملس، وفي أسفله باب كبير فيه بيت متسع يتوصل منه إلى جوف هذا الجبل فيه مدرج يصعد منه إلى أعلى الجبل حيث المدينة. وبوسط هذه المدينة عين نابعة يشربون منها ويفيض باقي مائها فيصب في حفيرة على سور المدينة، لا يعلم أين يذهب ولا أين يستقر. وشمالي أرض الأدكش جبل مرغان وهو جبل طوله من المشرق إلى المغرب نحو من ثماني عشرة مرحلة، في وسطه موضع عال مستدير كالقبة، وفي وسطه بركة ماء لا يقدر أحد على العوم فيها، لا من انسان ولا من حيوان، لأن كل شيء نزل فيها ابتلعته، حتى إنهم رأوا فيها أخشاباً كباراً أو صغاراً تبتلعها في الحال. ويقال إن في تلك البركة أسفل الجبل مغارة يسمع فيها دوي عظيم هائل، يعلو دويه في وقت وينخفض في وقت، ومتى تقدم أحد إليها من انسان أو غيره لم ير بعد ذلك، يقال إنه يخرج منها ريح جاذبة للمعترض لها، فتأخذه إلى داخل المغارة. وقد حكى صاحب كتاب العجائب والغرائب عن هذه المغارة أشياء لا يمكن ذكرها ويجب السكوت عنها لعدم قبول العقل لها، ونشهد أن الله على كل شيء قدير. أرض سحرت: وهي أرض واسعة، وبها جبل إرجيفا، وبها معادن النحاس يعمل فيها أكثر من ألف صانع لصاحب سحرت، ويعمل في هذه الأرض من الفخار والبرام شيء عجيب، وبساحل بحرها ألوان من الحجارة الملونة المثمنة. أرض خزخيز: وهي متصلة بأرض التغزغز من المشرق شمالاً مما يلي البحر الصيني، وهي أرض واسعة كثيرة المياه وافرة

стр. 166

الخصب، بها نهر يجري إليهم من نحو الصين، وعليه أرحاء وبه أنواع السمك المسمى بالسطرون الذي يفعل في قوة الجماع ما لا يفعله السقنقور وليس له شوك. وبقربها جزيرة الياقوت ويحيط بهذه الجزيرة جبل صعب المرتقى لا يوصل إلى ذروته إلا بجهد جهيد، ولا يوصل إلى أسفل الجزيرة أصلاً لأن بها حيات قتالة، وبأرضها حجارة الياقوت، وأهل تلك الأرض يتحيلون عليه بأن يذبحوا الدواب ويقطعوها وهي حارة ويلقوا بها في تلك الجزيرة، فتقع على الأحجار ويتعلق بها ما قسم، فيخطفها الطير ويخرج بها من الجزيرة فيتبعون محط الطير فيجدون ما يجدون. وهذه الأمة تحرق موتاها بالنار. أرض الكيماكية: هي شمال أرض التغزغز، وهم أمم عظيمة وأرضهم عامرة كثيرة الخصب وبأرضهم مفاوز عظيمة ولهم قلعة حصينة وشربهم من الآبار المنقورة. وجميع ساحل الكيماكية يوجد فيه التبر عند هيجان البحر فيجمعونه ويصولونه من الزئبق ويسكبونه في أرواث البقر فيأخذ الملك حصة من ذلك والباقي لصاحبه. وأهل المدينة هذه المعروفة بكيماكية يلبسون الحرير الأصفر والأحمر ويعبدون الشمس، لا إله إلا الله محمد رسول الله. أرض الخلخية: أرض واسعة ولها قلعة حصينة في رأس جبل شاهق، والماء قد عم ذلك الحصن مستديراً به من جميع جهاته وأهلها ذوو عدد وعدد. أرض الخزلجية: شمالي بلاد التبت وغربي بلاد التغزغز وهي طويلة عريضة، وبها أمم عظيمة من الترك ومدينتهم العظمى تسمى خاقان الخزلجية وهي في غاية الحصانة ولها اثنا عشر باباً من الحديد الصيني.

стр. 167

الأرض المنتنة: وهي أرض ممتدة طولها عشرة أيام في عرض عشرة وهي خرساء الأطناب سوداء الإهاب، وأهلها جرد الثياب، وماؤها غائر ودليلها جائر ورائحتها منتنة وأهويتها وخمة، وهي غربي الأرض الخراب التي خربها يأجوج ومأجوج، وهي بلاد موحشة. أرض الخراب: بلاد واسعة الأقطار خالية الديار لا يدخلها سالك، ومن دخلها وقع في المهالك لكثرة وبائها ووحشة أرضها وتغير هوائها وكثرة الأمطار وعدم الساكن والسالك ووجود الأخطار. وقيل إنها في هذا الوقت قد عمرت. أرض يأجوج ومأجوج: والجبل الذي يحيط بهم يسمى فزنان وهو جبل قائم الجنبات لا يصعد عليه أحد وبه ثلوج منعقدة لا تنحل عنه أبداً، وبأعلاه ضباب لا يزول أبداً، وهو ماد من بحر الظلمات إلى آخر المعمورة لا يقدر أحد صعوده، وخلق هذا الجبل من بلاد يأجوج ومأجوج عدد لا يحصى. وفي هذا الجبل حيات وأفاع عظام جداً، وربما رقي هذا الجبل في النادر من يريد أن ينظر إلى ما وراءه فلا يصل إليه ولا يمكنه الرجوع فيهلك، وربما رجع من الألف واحد فيخبر أنه رأى خلف الجبل نيراناً عظيمة. يقال إن يأجوج ومأجوج كانا أخوين شقيقين تناسلا وكانت لهم غارات على من جاورهم قبل وصول ذي القرنين إليهم، فأخلوا كثيراً من البلاد وأهلكوا غزيراً من العباد، وكانت منهم طائفة عفيفة ينكرون ذلك عليهم، فلما وصل ذو القرنين إليهم وأغار بجيوشه عليهم شكت الطائفة العفيفة إليه يأجوج ومأجوج وما فعلوه في البلاد والأمم المجاورة لهم من الفساد وأنهم على خلاف مذهبهم وبريئون من معتقدهم ومفتعلهم، وشهدت لهم قبائل كثيرة بذلك، فمال إليهم وتركهم خارج السد، وأقطعهم تلك الأراضي يعمرونها ويأكلونها، وهم الخزلجية والسنية

стр. 168

والخزخيزية والتغزغزية والكيماكية والجاجانية والأدكش والتركش والخفشاخ والجليخ والغز والبلغار، وأمم عظيمة يطول ذكرها، وسد على المفسدين. وكل المفسدين قصار القدود لا يتجاوز أحدهم ثلاثة أشبار، ووجوههم في غاية الاستدارة وعليهم شعور مثل الزغب وآذانهم مستديرة مسترخية، تلحق أذن الرجل منهم طرف منكبيه. وألوانهم بيض وحمر وكلامهم صفير وفيهم زنا فاحش، وبلادهم ذات أشجار ومياه وثمار وخصب كثير ومواش كثيرة إلا أنها بلاد ثلج ومطر وبرد على الدوام. حكي عن سلام الترجمان، وكان عارفاً بألسن كثيرة حتى قيل: إنه كان يعرف أربعين لغة ويجاري فيها، أنه رأى هذا السد عياناً وذلك أن أمير المؤمنين الواثق بالله من خلفاء بني العباس بعثه إليه ليراه ويتحقق كيفيته

стр. 169

ويخبره بصفته عن حقيقته، فمشى إليه وعاد بعد سنتين وأربعة أشهر فأخبره أنه سار ومن معه حتى وصلوا إلى صاحب السرير بكتاب أمير المؤمنين فأكرمهم وأرسل معهم أدلاء فمضوا حتى دخلوا إلى تخوم سحرت وساروا إلى أرض طويلة ممتدة كريهة الرائحة فقطعوها في عشرة أيام وكان معهم شيء يشمونه لأجل تلك الرائحة التي في تلك الأرض فإنها تأخذ بالقلب، وانفصوا من تلك الأرض ووقعوا في أرض خراب لا حسيس بها ولا أنيس مسيرة شهر، وخرجوا منها إلى حصون بالقرب من جبل السد، وأهل تلك الحصون يتكلمون بالعربية والفارسية. وهناك مدينة عظيمة اسم ملكها خاقان أتكش، فسألونا عن حالنا فأخبرناهم أن أمير المؤمنين الخليفة على المسلمين أرسلنا لنرى السد عياناً ونرجع إليه بصفته فتعجب هو ومن عنده منا ومن قولنا أمير المؤمنين الخليفة ولم يعرفوا ما هو؟ وبقي السد عنا فرسخين من هذه المدينة. ثم سرنا ومعنا أناس منهم حتى سرنا إلى باب بين جبلين عظيمين عرضه مائة وخمسون ذراعاً وفيه باب من حديد طوله مائة وخمسون ذراعاً وقد اكتنفه عضادتان، عرض كل عضادة منهما خمسة وعشرون ذراعاً وارتفاعها مائة وخمسون ذراعاً، وعلى أعلاها دروند من حديد طوله مائة وخمسون ذراعاً وهي العتبة العليا، وفوقه شرافات من حديد، في طرف كل شرافة قرنان من حديد منثنيان إلى الشرافة الأخرى يتصل بعضها ببعض، وكل ذلك من لبن حديد مغيب في نحاس مذاب، وللباب مصراعان مغلقان عرض كل مصراع خمسون ذراعاً في ثخن أربعة أذرع، وقائمتان في

стр. 170

ذروتي الجبلين على قدر الدروند. وعلى الباب قفل من حديد طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع ونصف وارتفاع القفل من الأرض أربعون ذراعاً وفوق القفل بخمسة أذرع حلقة أطول من القفل بخمسة أذرع، وعليها مفتاح معلق طوله ذراع ونصف، وله اثنتا عشرة سنة من الحديد، معلق في حلقة طولها وعرضها ذراع في ذراع بسلسلة من الحديد المصفى. وعتبة الباب السفلى سمك عشرة أذرع وطولها مائة ذراع من حديد مغموسة الطرفين تحت العضادتين، وكلها بالذراع الرشاشي. ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في كبكبة عظيمة حتى يأتي الباب، وبأيديهم مرزبات من حديد فيضربون بها على ذلك الباب، فتدوي تلك الأرض ليسمع من خلف الباب من يأجوج ومأجوج، فيعلمون أن هناك حفظة وحراساً. وبعد ضرب الباب ينصتون بآذانهم مستمعين فيسمعون من وراء الباب دوياً كدوي الرعد. وبقرب هذا السد حصن طوله عشرة أذرع في عشرة، ومع هذا الباب من الجانبين حصنان كل واحد منهما مائة ذراع في مائة ذراع. وبين هذين الحصنين عين ماء عذب. وفي أحد الحصنين بقية من آلات البناء، وهي قدور من حديد ومغارف من حديد، وهي فوق دكك مرتفعة، وعلى كل دكة أربع قدور وهي أكبر من قدور الصابون. وهناك أيضاً بقايا من اللبن الحديد وقد لصق بعضها ببعض من الصدأ، طول كل لبنة ذراع ونصف في عرض ذراع وارتفاع شبرين. وأما الباب المذكور والدروند الذي في أعلاه، والقفل، فكأنما فرغ الصانع من عمله الآن، وهي غير صدئة ولا بالية، قد دهنت بأدهان الحكمة المانعة من الصدأ.

стр. 171

قال سلام الترجمان: سألت من هناك هل رأيتم قط أحداً منهم؟ فأخبروا أنهم رأوا منهم عدداً كثيراً فوق شرفات السد، فهبت بهم ريح عاصف فرمت منهم ثلاثة، كل واحد منهم طوله دون ثلاثة أشبار، ولهم مخاليب موضع الأظفار، وأنياب وأضراس كالسباع، وإذا أكلوا بها يسمع لأكلهم حركة قوية، ولهم أذنان عظيمتان يفترشون الواحدة ويلتحفون الأخرى. فكتب سلام هذه الصفات كلها في كتاب ورجع إلى الخليفة الواثق بالله. وقد ذكر بعض أهل العلم أن يأجوج ومأجوج يرزقون التنين، يقذفه عليهم السحاب فيأكلونه، وإنما يقذف عليهم ذلك في أيام الربيع في كل عام، فإذا تأخر ذلك عن وقته المعهود استمطروه كما يستمطر الناس الغيث. وحكى صاحب كتاب العجائب أن في داخل بلاد يأجوج ومأجوج نهراً يسمى المسهر لا يعرف له قعر، وإذا تقاتلوا وأُسر بعضهم طرحوا الأسرى في ذلك النهر فيرون عند ذلك طيوراً عظاماً تخرج إلى من يطرح في ذلك النهر من كهوف هناك في جانبي الوادي، فتخطفهم قبل أن يصلوا إلى الماء وترتفع بهم إلى تلك الكهوف فتأكلهم هناك. ويقال إن بهذا الوادي ناراً تتأجج طول الزمان بقدرة الله تعالى وليس وراء يأجوج ومأجوج إلا المحيط والله أعلم: " وما يعلمُ جنودَ ربِّك إلا هو وما هيَ إلا ذِكرى للبشَر ". " ويخلُق ما لا تعلمون، وعلى اللهِ قَصْدُ السبيل ". انتهى فصل البلدان والأقطار ولنسرع الآن في ذكر الجبال والبحار والجزائر والآبار وما بها من العجائب للاعتبار.

стр. 172

فصل في المحيط وعجائبه اعلم أن المحيط هو البحر الأعظم الذي منه مادة سائر البحار المتصلة والمنقطعة وهو بحر لا يعرف له ساحل ولا يعلم عمقه إلا الله ، والبحار على وجه الأرض خلجان منه. وفي هذا البحر عرش إبليس لعنه الله وفيه مدائن تطفو على وجه الماء وفيها أهلها من الجن في مقابلة الربع الخراب من الأرض، وفيه حصون وفيه قصور على وجه الماء طافية ثم تغيب، وتظهر فيه الصور العجيبة والأشكال الغريبة، ثم تغيب في الماء وفيه الأصنام التي وضعها أبرهة ذو المنار الحميري، قائمة على وجه البحر وهي ثلاثة أصنام: أحدها أخضر، وهو يومئ بيده كأنه يخاطب من ركب البحر يأمره بالرجوع، والصنم الثاني أحمر كأنه يشير إلى نفسه ويخاطب من ركب هذا البحر أن يقف عنده ولا يجاوزه. والصنم الثالث أبيض يومئ بأصبعه إلى البحر: من جاء وجاوز هذا المكان هلك. وعلى صدر كل صنم مكتوب بالأسود: هذا وضعه أبرهة ذو المنار تبع الحميري لسيدته الشمس تقرباً غليها. وفي البحر ينبت شجر المرجان كسائر الأشجار في الأرض، وفيه من الجزائر المسكونة والخالية ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

стр. 173

قال أبو الريحان الخوارزمي: إن المحيط الذي في المغرب على ساحل الأندلس يسمى بالمظلم أيضاً، لا يلج إليه أحد أبداً، وإنما يمر بالقرب من ساحله. يخرج منه خليج يعرف بنيطش وطربزندة، ماراً في جهة الشمال وهو بحر القرم يمر على سور قسطنطينية، ويتضايق حتى يقع في بحر الشام ثم يمتد نحو الشمال وعلى محاذاة أرض الصقالبة، ويخرج منه خليج في شمال الصقالبة، فإذا وصل إلى قرب أرض المسلمين وبلادهم انحرف إلى نحو الشرق. وبين ساحله وبين أرض الترك أرض وجبال مجهولة وخراب غير مسكونة ولا مسلوكة. ثم يتشعب منه أعظم الخلجان وهو الخليج الفارسي المسمى في كل اقليم ومكان من المحيط باسم ذلك الإقليم والمكان للمحاذاة له، فيكون أولاً بحر الصين ثم بحر التبت ثم بحر الهند ثم بحر السند ثم بحر فارس، ثم يخرج من أصل هذا البحر المذكور خليجان عظيمان أحدهما بحر مكران وكرمان وخوزستان وعبادان، وهو الخليج الشرقي الشمالي، والآخر بحر الزنج والحبشة وسفالة الذهب والبربر والقلزم واليمن وبلاد السودان، حتى ينتهي إلى بلاد مصر، وهو الخليج الجنوبي الغربي. وفي هذا البحر أعني الخليج الشرقي بجملته من الجزائر العامرة والغامرة والمسكونة والمعطلة ما لا يعلم ذلك إلا الله .

стр. 174

وسنذكر كل بحر على حدته، وما فيه من الجزائر والآثار والعجائب على الترتيب إن شاء الله تعالى. أما البحر الأول: من هذا الخليج الشرقي فهو بحر الصين وبحر التبت وبحر الهند والسند، لأنه يمر أولاً بالصين ثم بالتبت ثم بالهند ثم بالسند ثم على جنوب اليمن، وهناك ينتهي إلى باب المندب طولاً فيكون مسافة طوله من مبدئه من المحيط في الشرق إلى باب المندب في الغرب أربعة آلاف فرسخ. يتشعب من هذا البحر الصيني الخليج الأخضر، وهو بحر فارس والأُبلة ومكران، إلى أن ينتهي إلى الأُبلة حيث عبادان، فهناك ينتهي آخره ثم يعطف راجعاً إلى جهة الجنوب فيمر ببلاد البحر واليمامة ويتصل بعمان وأرض الشجر واليمن، وهناك اتصاله بالبحر الهندي، وطول هذا البحر أربعمائة فرسخ وأربعون فرسخاً. ويتشعب من هذا البحر الصيني أيضاً: خليج القلزم ومبدؤه من باب المندب المتقدم ذكره، حيث انتهى البحر الهندي آنفاً فيمر في جهة الشمال مغرباً قليلاً، فيتصل بغربي اليمن ويمر بتهامة والحجاز إلى مدين وأبلة وفاران. وينتهي إلى مدينة القلزم وإليها ينساب وينعطف راجعاً إلى جهة الجنوب فيمر في بلاد الصعيد إلى حوم الملك، إلى عيذاب، إلى جزيرة سواكن، إلى زيلع في البجعة إلى بلاد الحبشة ويصل بالبحر الهندي، وطول هذا البحر ألف وأربعمائة ميل والله أعلم. البحر الثاني: الخليج الغربي الآخذ من المحيط الغربي المظلم وهو بحر الغرب والشام والروم ومبدؤه من الإقليم الرابع، ويسمى هناك البحر الزقاق لأن سعته هناك ثمانية عشر ميلاً كالزقاق، وكذلك طول الزقاق أيضاً من طريف إلى الجزيرة

стр. 175

الخضراء ثمانية عشر ميلاً فيمر مشرقاً في جهة بلاد البربر وبشمال المغرب الأقصى، إلى أن يمر بالمغرب الأوسط ويصل أرض أفريقية إلى وادي الرمل إلى أرض برقة وأرض لوقيا ومراقيا والإسكندرية، إلى شمال أرض التيه، إلى فلسطين إلى سائر ساحل بلاد الشام، إلى أن ينتهي طرفه إلى السويدية، وهناك نهايته ثم ينحرف مغرباً راجعاً إلى جهة المغرب فيتصل بالخليج القسطنطيني، إلى جزيرة بليونس وكمشيلي، إلى أدرنة، وهناك يخرج إلى الخليج البندقي ويتصل إلى أرض مجاز صقلية إلى بلاد رومية إلى بلاد ستومة وأرمونة، ويجتاز بجبال اليونان فيمر شرقي الأندلس، من جهة جنوبها، من حيث ابتدأ، وطول هذا البحر ألف ومائة وستة وستون فرسخاً. ويخرج من هذا البحر الشمالي خليجان: أحدهما خليج البنادقة: ومبدؤه من شرقي بلاد تلودية من بلاد الروم عند مدينة أدرنة، فيمر في جهة الشمال عن تغريب يسير إلى ساحل شنت، ثم يأخذ في جهة المغرب إلى أن يمر بساحل البنادقة وينتهي إلى بلاد أزكالية، ومن هناك ينعطف راجعاً مع الشرقي على بلاد جرواسية والماسية إلى أن يتصل بالبحر الشامي من حيث ابتدأ نيطش، وطول هذا البحر ألف ومائة ميل. والخليج الآخر: نيطش، ومبدؤه من البحر الشامي حيث فم أيدة، وعرض فوهته رمية سهم، ويمر بينه مجاز رمية سهم، فيتصل بالقسطنطينية فيكون هناك عرضه ستة أميال، ويمر نحو نيطش من جهة الشرق فيتصل في جهة الجنوب بأرض قلعية إلى سواحل أطرابدية إلى أرض أشكلة إلى أرض لايته، وينتهي طرف هذا الخليج هناك حيث الخزرية، ومن هناك ينعطف راجعاً إلى مطرحه ويتصل ببلاد الروسية وبلاد برحان، ولا يزال حتى ينتهي إلى مضيق فم خليج قسطنطينية ويتصل به ويمر شرقي مقدونية إلى أن يتصل بالموضع الذي منه ابتدأ، وبين ساحله وبين أرض الترك أرضون وجبال مجهولة. وطول بحر نيطش وهو بحر القلزم من فم المضيق إلى حيث انتهاؤه ألف وثلاثمائة ميل.

стр. 176

وأما بحر جرجان والديلم: فهو بحر الخزر، فإنه يخرج منقطعاً لا يتصل بشيء من البحار المذكورة وتقع فيه أنهار وعيون دائمة الجريان. وذكر الجواليقي أن هذا البحر مظلم القعر، وأنه يتصل ببحر نيطش من تحت الأرض، ويتصل بهذا البحر من جهة الغرب بلاد أذربيجان ومن جهة الجنوب بلاد طبرستان، ومن جهة الشرق أرض العرب، ومن جهة الشمال أرض الخزر وطوله ألف ميل وعرضه من ناحية جرجان إلى وضع نهر أيلة ستمائة ميل وخمسون ميلاً، وفي كل بحر من هذه البحور جزائر وأمم مختلفة ونباتات وحيوانات مختلفة وجبال وغير ذلك. ونحن نفصل ما وصل إليه علم الناس إن شاء الله تعالى.

стр. 177

فصل في بحر الظلمة وهو بالحر المحيط الغربي ويسمى المظلم، لكثرة أهواله وصعوبة متنه فلا يمكن أحداً من خلق الله أن يلج فيه، إنما يمر بطول الساحل لأن أمواجه كالجبال الرواسي وظلامه كدر، وريحه ذفر، ودوابه متسلطة، ولا يعلم ما خلفه إلا الله تعالى ولا وقف منه بشر على تحقيق خبر، وفي ساحل هذا البحر يوجد العنب الأشهب الجيد، وحجر البهت وهو حجر من حمله أقبل الخلق عليه بالمحبة والتعظم وفضيت حوائجه وسمع كلامه وانعقدت عنه ألسنة الأضداد. ويوجد أيضاً بساحله حجارة مختلفة الألوان يتنافس أهل تلك البلاد في أثمانها ويتوارثونها ويذكرون لها خواص عظيمة. وفي البحر من الجزائر العامرة والخراب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد وصل الناس منها إلى سبع عشرة جزيرة. فمنها الخلدتان: وهما جزيرتان فيهما صنمان مبنيان بالحجر الصلد طول كل صنم مائة ذراع، وفوق كل صنم صورة من نحاس تشير بيدها إلى خلف، يعني: ارجع فما ورائي شيء. بناهما دو المنار الحميري من التبابعة، وهو ذو القرنين المذكور في القرآن. ومنها جزيرة العوس: بها أيضاً صنم وثيق البناء لا يمكن الصعود إليه بناه أيضاً ذو القرنين المذكور. وبهذه الجزيرة مات الباني وقبره بها في هيكل مبنى بالمرمر والزجاج الملون. وبهذه الجزيرة دواب هائلة تنكرها المسامع. ومنها جزيرة السعالي: وهي جزيرة عظيمة بها خلق كالنساء إلا إن لهم أنياباً طوالاً بادية، وعيونهم كالبرق الخاطف ووجوههم كالأخشاب المحترقة،

стр. 178

يتكلمون بكلام لا يفهم ولا فرق بين الرجال والنساء عندهم إلا بالذكر والفرج، ولباسهم ورق الشجر ويحاربون الدواب البحرية ويأكلونها. وجزيرة حسرات: وهي جزيرة واسعة فيها جبل عال، وفي سفحه أناس سمر قصار لهم لحى طوال تبلغ ركبهم، وجوههم عراض ولهم آذان كبار وعيشتهم من الحشيش، وعندهم نهر صغير عذب. وجزيرة العرر: وهي جزيرة طويلة عريضة، كثيرة الأعشاب والنباتات والأشجار والثمار. جزيرة المستشكين: وتعرف بجزيرة التنين. وهي عظيمة بها أشجار وأنهار وثمار، وبها مدينة عظيمة، وكان بها التنين العظيم الذي قتله الاسكندر. وكان من حديثه أنه ظهر بها تنين عظيم، فكاد أن يهلك الجزيرة وما بها من السكان والحيوان، فاستغاث الناس منه إلى الإسكندر وكان الإسكندر قد قارب تلك الأرض، وشكوا إليه أن التنين قد أكل مواشيهم وأتلف أموالهم وقطع الطريق على الناس وأن له عليهم في كل يوم ثورين عظيمين ينصبونهما فيأتي إليهما كالسحابة السوداء وعيناه تتوقدان كالبرق الخاطف، والنار والدخان يخرجان من فيه فيبتلع الثورين ويرجع إلى مكانه.

стр. 179

فسار الإسكندر إلى المدينة وأمر بالثورين فسلخا وحشا جلودهما زفتاً وكبريتاً وزرنيخاً وكلساً ونفطاً وزئبقاً، وجعل مع ذلك كلاليب من حديد وأقامهما في المكان المعهود، فجاء التنين من الغد إليهما على العادة فابتلعها، فأضرمت النار في جوفه وتعلقت الكلاليب بأحشائه، وسرى الزئبق في جسده ورجع مضطرباً إلى مقره. فانتظروه من الغد فلم يأت ولم يخرج، فذهبوا إليه فإذا هو ميت وقد فتح فاه كأوسع قنطرة وأعلاها. ففرحوا وشكروا سعي الإسكندر إليهم وحملوا إليه هدايا عجيبة منها دابة عجيبة يقال لها المعراج مثل الأرنب، أصفر اللون وعلى رأسه قرن واحد أسود لم يرها شيء من السباع الضواري والوحوش الكاسرة إلا هرب منها. جزيرة قلهات: وهي جزيرة كبيرة وبها خلق مثل خلق الإنسان، إلا أن وجوههم وجوه الدواب يغوصون في البحر فيخرجون ما يقدرون عليه من الدواب البحرية فيأكلونها. جزيرة الأخوين الساحرين: أحدهما شرهام والآخر شبرام، وكانا بهذه الجزيرة يقطعان الطريق على التجار، فمسخا حجرين قائمين في البحر، وعمرت الجزيرة بعدهما. جزيرة الطيور: ويقال إن فيها جنساً من الطيور في هيئة العقبان، حمر ذوات مخاليب تصيد دواب البحر. وبهذه الجزيرة ثمر يشبه التين، أكله ينفع من جميع السموم. حكى الجواليقي أن ملكاً من ملوك فرنجة أخبر بذلك فوجه إليها مركباً ليجلب له من ذلك الثمر ويصاد له من تلك الطيور، لأنه كان عالماً بمنافع تلك

стр. 180

الطيور ودمها وأعضائها ومرائرها، فانكسرت المركب في البحر وهلكت السفينة ومن فيها ولم بعد إليه أحد. جزيرة الصاصيل: طولها خمسة عشر يوماً في عرض عشرة. وكان بها ثلاث مدن مسكونه عامرة وكان التجار يسيرون إليها ويشترون منها الأغنام والأحجار الملونة المثمنة، فوقع الشر بين أهلها حتى فني غالبهم وبقي منهم قليل، فانتقلوا إلى بلاد الروم. جزيرة لاقة: وهي جزيرة كبيرة وبها شجر العود كالحطب وليس له هناك قيمة ولا رائحة حتى يخرج من تلك الأرض فيكتسب الرائحة؛ وكانت عامرة مسكونة والآن قد خرجت فيها حيات كبار وتغلبت على أرضها فخربت بمثل ذلك. جزيرة ثورية: بها أشجار وأنهار ولكنها خالية الديار، وبهذا البحر دواب عظيمة مختلفة الأشكال هائلة المنظر، يقال إن السمكة يمر رأسها كالجبل العظيم الشامخ ثم يمر ذنبها بعد مدة، ويقال إن مسافة ما بين رأسها وذنبها أربعة أشهر. بحر الصين وجزائره وما به من العجائب والغرائب: ويسمى هذا البحر بأسماء عديدة: بحر الصين وبحر الهند صنجي، وهو متصل بالمحيط من المشرق: وليس على وجه الأرض بحر أكبر منه إلا المحيط، وهو كثير الموج عظيم الاضطراب بعيد القعر، فيه المد والجزر، كما في بحر فارس؛ ويستدل على هيجان هذا البحر بأن يطفو السمك على وجهه قبل هيجانه بيوم واحد، ويستدل على سكونه ببيض طائر معروف يبيض على وجه الماء في مجتمع القذى، وهو طائر لا يأوي الأرض أبداً ولا يعرف إلا لجة البحر، في هذا البحر مغاص اللؤلؤ يطلع منه الحب الجيد الذي لا قيمة له، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يعلمه إلا الله عدداً إلا أن بعضها مشهور يصل
следующие страницы →