← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 3298

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

ابن الوردي الحفيد، سراج الدين

Полный текст (461 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وأما بحر جرجان والديلم: فهو بحر الخزر، فإنه يخرج منقطعاً لا يتصل بشيء من البحار المذكورة وتقع فيه أنهار وعيون دائمة الجريان. وذكر الجواليقي أن هذا البحر مظلم القعر، وأنه يتصل ببحر نيطش من تحت الأرض، ويتصل بهذا البحر من جهة الغرب بلاد أذربيجان ومن جهة الجنوب بلاد طبرستان، ومن جهة الشرق أرض العرب، ومن جهة الشمال أرض الخزر وطوله ألف ميل وعرضه من ناحية جرجان إلى وضع نهر أيلة ستمائة ميل وخمسون ميلاً، وفي كل بحر من هذه البحور جزائر وأمم مختلفة ونباتات وحيوانات مختلفة وجبال وغير ذلك. ونحن نفصل ما وصل إليه علم الناس إن شاء الله تعالى.

стр. 177

فصل في بحر الظلمة وهو بالحر المحيط الغربي ويسمى المظلم، لكثرة أهواله وصعوبة متنه فلا يمكن أحداً من خلق الله أن يلج فيه، إنما يمر بطول الساحل لأن أمواجه كالجبال الرواسي وظلامه كدر، وريحه ذفر، ودوابه متسلطة، ولا يعلم ما خلفه إلا الله تعالى ولا وقف منه بشر على تحقيق خبر، وفي ساحل هذا البحر يوجد العنب الأشهب الجيد، وحجر البهت وهو حجر من حمله أقبل الخلق عليه بالمحبة والتعظم وفضيت حوائجه وسمع كلامه وانعقدت عنه ألسنة الأضداد. ويوجد أيضاً بساحله حجارة مختلفة الألوان يتنافس أهل تلك البلاد في أثمانها ويتوارثونها ويذكرون لها خواص عظيمة. وفي البحر من الجزائر العامرة والخراب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد وصل الناس منها إلى سبع عشرة جزيرة. فمنها الخلدتان: وهما جزيرتان فيهما صنمان مبنيان بالحجر الصلد طول كل صنم مائة ذراع، وفوق كل صنم صورة من نحاس تشير بيدها إلى خلف، يعني: ارجع فما ورائي شيء. بناهما دو المنار الحميري من التبابعة، وهو ذو القرنين المذكور في القرآن. ومنها جزيرة العوس: بها أيضاً صنم وثيق البناء لا يمكن الصعود إليه بناه أيضاً ذو القرنين المذكور. وبهذه الجزيرة مات الباني وقبره بها في هيكل مبنى بالمرمر والزجاج الملون. وبهذه الجزيرة دواب هائلة تنكرها المسامع. ومنها جزيرة السعالي: وهي جزيرة عظيمة بها خلق كالنساء إلا إن لهم أنياباً طوالاً بادية، وعيونهم كالبرق الخاطف ووجوههم كالأخشاب المحترقة،

стр. 178

يتكلمون بكلام لا يفهم ولا فرق بين الرجال والنساء عندهم إلا بالذكر والفرج، ولباسهم ورق الشجر ويحاربون الدواب البحرية ويأكلونها. وجزيرة حسرات: وهي جزيرة واسعة فيها جبل عال، وفي سفحه أناس سمر قصار لهم لحى طوال تبلغ ركبهم، وجوههم عراض ولهم آذان كبار وعيشتهم من الحشيش، وعندهم نهر صغير عذب. وجزيرة العرر: وهي جزيرة طويلة عريضة، كثيرة الأعشاب والنباتات والأشجار والثمار. جزيرة المستشكين: وتعرف بجزيرة التنين. وهي عظيمة بها أشجار وأنهار وثمار، وبها مدينة عظيمة، وكان بها التنين العظيم الذي قتله الاسكندر. وكان من حديثه أنه ظهر بها تنين عظيم، فكاد أن يهلك الجزيرة وما بها من السكان والحيوان، فاستغاث الناس منه إلى الإسكندر وكان الإسكندر قد قارب تلك الأرض، وشكوا إليه أن التنين قد أكل مواشيهم وأتلف أموالهم وقطع الطريق على الناس وأن له عليهم في كل يوم ثورين عظيمين ينصبونهما فيأتي إليهما كالسحابة السوداء وعيناه تتوقدان كالبرق الخاطف، والنار والدخان يخرجان من فيه فيبتلع الثورين ويرجع إلى مكانه.

стр. 179

فسار الإسكندر إلى المدينة وأمر بالثورين فسلخا وحشا جلودهما زفتاً وكبريتاً وزرنيخاً وكلساً ونفطاً وزئبقاً، وجعل مع ذلك كلاليب من حديد وأقامهما في المكان المعهود، فجاء التنين من الغد إليهما على العادة فابتلعها، فأضرمت النار في جوفه وتعلقت الكلاليب بأحشائه، وسرى الزئبق في جسده ورجع مضطرباً إلى مقره. فانتظروه من الغد فلم يأت ولم يخرج، فذهبوا إليه فإذا هو ميت وقد فتح فاه كأوسع قنطرة وأعلاها. ففرحوا وشكروا سعي الإسكندر إليهم وحملوا إليه هدايا عجيبة منها دابة عجيبة يقال لها المعراج مثل الأرنب، أصفر اللون وعلى رأسه قرن واحد أسود لم يرها شيء من السباع الضواري والوحوش الكاسرة إلا هرب منها. جزيرة قلهات: وهي جزيرة كبيرة وبها خلق مثل خلق الإنسان، إلا أن وجوههم وجوه الدواب يغوصون في البحر فيخرجون ما يقدرون عليه من الدواب البحرية فيأكلونها. جزيرة الأخوين الساحرين: أحدهما شرهام والآخر شبرام، وكانا بهذه الجزيرة يقطعان الطريق على التجار، فمسخا حجرين قائمين في البحر، وعمرت الجزيرة بعدهما. جزيرة الطيور: ويقال إن فيها جنساً من الطيور في هيئة العقبان، حمر ذوات مخاليب تصيد دواب البحر. وبهذه الجزيرة ثمر يشبه التين، أكله ينفع من جميع السموم. حكى الجواليقي أن ملكاً من ملوك فرنجة أخبر بذلك فوجه إليها مركباً ليجلب له من ذلك الثمر ويصاد له من تلك الطيور، لأنه كان عالماً بمنافع تلك

стр. 180

الطيور ودمها وأعضائها ومرائرها، فانكسرت المركب في البحر وهلكت السفينة ومن فيها ولم بعد إليه أحد. جزيرة الصاصيل: طولها خمسة عشر يوماً في عرض عشرة. وكان بها ثلاث مدن مسكونه عامرة وكان التجار يسيرون إليها ويشترون منها الأغنام والأحجار الملونة المثمنة، فوقع الشر بين أهلها حتى فني غالبهم وبقي منهم قليل، فانتقلوا إلى بلاد الروم. جزيرة لاقة: وهي جزيرة كبيرة وبها شجر العود كالحطب وليس له هناك قيمة ولا رائحة حتى يخرج من تلك الأرض فيكتسب الرائحة؛ وكانت عامرة مسكونة والآن قد خرجت فيها حيات كبار وتغلبت على أرضها فخربت بمثل ذلك. جزيرة ثورية: بها أشجار وأنهار ولكنها خالية الديار، وبهذا البحر دواب عظيمة مختلفة الأشكال هائلة المنظر، يقال إن السمكة يمر رأسها كالجبل العظيم الشامخ ثم يمر ذنبها بعد مدة، ويقال إن مسافة ما بين رأسها وذنبها أربعة أشهر. بحر الصين وجزائره وما به من العجائب والغرائب: ويسمى هذا البحر بأسماء عديدة: بحر الصين وبحر الهند صنجي، وهو متصل بالمحيط من المشرق: وليس على وجه الأرض بحر أكبر منه إلا المحيط، وهو كثير الموج عظيم الاضطراب بعيد القعر، فيه المد والجزر، كما في بحر فارس؛ ويستدل على هيجان هذا البحر بأن يطفو السمك على وجهه قبل هيجانه بيوم واحد، ويستدل على سكونه ببيض طائر معروف يبيض على وجه الماء في مجتمع القذى، وهو طائر لا يأوي الأرض أبداً ولا يعرف إلا لجة البحر، في هذا البحر مغاص اللؤلؤ يطلع منه الحب الجيد الذي لا قيمة له، وفي هذا البحر من الجزائر ما لا يعلمه إلا الله عدداً إلا أن بعضها مشهور يصل

стр. 181

إليه الناس، قيل إن فيه اثني عشر ألف جزيرة عامرة مسكونة وبها عدة ملوك، وفي بعض جزائره ينبت الذهب ويكثر في بعض السنين ويقل في بعضها كالنبات. فمن جزائره جزيرة زانج وتشمل جزائر كثيرة في آخر حدود الصين وأقصى بلاد الهند، عامرة خصبة ليس فيها خراب، يسافرون فيها بلا ماء ولا زاد لكثرة الخصب والعمارة، وهي نحو مائة فرسخ. قال محمد بن زكريا: وملك هذه الجزيرة يسمى المهراج، وله جباية تقطع في كل يوم ثلاثمائة من من الذهب، في كل من ستمائة درهم فيتحصل له في كل يوم ما يزيد على مائة ألف مثقال وخمسة وعشرين ألف مثقال، يتخذ منها لبناً ويطرحه في البحر وهو خزانته. وقال ابن الفقيه: بهذه الجزيرة سكان تشبه الآدميين إلا أن أخلاقهم بالوحوش أشبه، ولهم كلام لا يفهم، وعندهم أشجار وهم يطيرون من شجرة إلى شجرة وبها نوع من السنانير الوحشية حمر منقطة ببياض، أذنابها كأذناب الظباء؛ وبها أيضاً نوع من السنانير المذكورة ولها أجنحة كأجنحة الخفاش، وبها أبقار وحشية حمر منقطة ببياض أيضاً ولحومها حامضة وبها دابة الزباد وهي كالهرة، وفأرة المسك، وبها جبل يقال له النصان مشهور به، وبه حيات عظام تبتلع الفيلة، وبه قردة كأمثال الجواميس

стр. 182

والكباش الكبار؛ ومن القردة ما هو أبيض ومنها ما هو كالقرطاس، ومنها ما هو أبيض الظهر أسود البطن وبالعكس؛ ومنها ما هو أسود كالفأر. وبها من الببغاء وهي الدرة شيء كثير بيض وحمر وصفر وخضر، ويتكلمون مع الناس بأي لسان سمعوه منهم. وبها خلق على صورة الإنسان وهم بيض وسود وشقر وخضر يأكلون ويشربون ويتكلمون بكلام لا يفهم، ولهم أجنحة يطيرون بها. حكى ابن السيرافي قال: كنت ببعض جزائر الزانج فرأيت ورداً كثيراً أحمر وأبيض وأزرق وأصفر وألواناً شتى، فأخذت ملاءة وجعلت فيها شيئاً من ذلك الورد الأزرق. فلما أردت حملها رأيت ناراً في الملاءة فأحرقت جميع ما كان فيها من الورد، ولم تحترق الملاءة، فسألت الناس عن ذلك فقالوا: إن في هذا الورد منافع كثيرة ولا يمكن اخراجه من هذه الغياض بوجه أبداً. وفي هذه الجزيرة شجر الكافور وهو شجر عظيم هائل تظل كل شجرة مائة انسان وأكثر. وفي هذه الجزيرة قوم يعرفون بالمخرمين، مخرمة أنوفهم. وفيها حلق بها سلاسل إذا جاءهم عدو لمحاربتهم قدموا أولئك المخرمين متسلحين، ويأخذ كل رجل بطرف سلسلة من تلك الرجال المخرمة، يمنعه بها من التقدم إلى العدو، فإن انتظم صلح بين العدو وأهل الجزيرة فلا يفلتون من السلاسل وإن لم ينتظم صلح لفت تلك السلاسل في أعناقهم وأطلقوهم على العدو فيحطمون العدو حطمة واحدة ويأكلون منهم كل من وقعت أعينهم عليه، ولا يثبت لحطيمهم أحد أبداً.

стр. 183

جزيرة رامي: وهي جزيرة عظيمة طويلة عريضة طيبة التربة معتدلة الهواء أبداً، بها معاقل ومدن وقرى وطولها سبعمائة فرسخ. قال ابن الفقيه: بهذه الجزيرة عجائب كثيرة. منها أناس حفاة عراة، رجال ونساء، على أبدانهم شعور تغطي سوآتهم، ومآكلهم من الثمار، ويستوحشون من الناس وينفرون منهم إلى الغياض، وطول أحدهم أربعة أشبار، وبشعرهم زغب أحمر، وهم لا يلحقون لسرعة جريهم. وبساحل هذه الجزيرة قوم يلحقون المراكب في البحر سباحةً، وهي تجري في تيارها فيبيعونهم العنبر بالحديد، ويحملون الحديد في أفواههم ويرجعون إلى الجزيرة ولا يدرى ما يصنعون به. وحكى الجهاني: أن بهذه الجزيرة الكركند، وهو حيوان على شكل الحمار إلا أن على رأسه قرناً واحداً وهو منعقف. وفيه منافع كثيرة منها أنه يصنع منه أنصبة لسكاكين الملوك وتحط على المائدة، فإن كان الطعام مسموماً عرق ذلك النصاب واختلج، ويصنع منه حلية للمناطق تبلغ قيمة المنطقة المحلاة بقرن الكركند أربعة آلاف مثقال من الذهب. وأكثر هذه المناطق تعمل ببلاد الصين، وفي رقبة هذا الحيوان اعوجاج كاعوجاج رقبة الجمل أو دونه؛ وبهذه الجزيرة جواميس بغير أذناب؛ وبها شجر الكافور والبقر والخيزران وعرقه دواء من سم الحيات والأفاعي، وبها طيب عطر ومعادن كثيرة. جزيرة الرخ: وهذا الرخ الذي تعرف به هذه الجزيرة طير عظيم غريب مهول الهيئة حتى قيل إن طول جناحه الواحد نحو عشرة آلاف باع؛ ذكر ذلك

стр. 184

الحافظ ابن الجوزي ﵀ في كتابه المسمى بكتاب الحيوان، وكان قد وصل إليه رجل من أهل الغرب ممن سافر إلى الصين وأقام به وبجزائره مدة طويلة وحضر بأموال عظيمة وأحضر معه قصبة ريشة من جناح فرخ الرخ وهو في البيضة لم يخرج منها للوجود، فكانت تلك القصبة من ريش ذلك الفرخ تسع قربة ماء، وكان الناس يتعجبون لذلك، وكان هذا الرجل يعرف بالصيني لكثرة اقامته هناك، واسمه عبد الرحمن المغربي وكان يحدث بالغرائب، منها ما ذكر أنه سافر في بحر الصين فألقتهم الريح في جزيرة عظيمة كبيرة واسعة فخرج إليها أهل السفينة ليأخذوا الماء والحطب ومعهم القوس والحبال والقرب وهو معهم، فرأوا في الجزيرة قبة عظيمة بيضاء لماعة براقة أعلى من مائة ذراع، فقصدوها ودنوا منها فإذا هي بيضة الرخ فجعلوا يضربونها بالقوس والصخور والخشب حتى انشقت عن فرخ الرخ كأنه جبل راسخ فتعلقوا بريشة من جناحه ولم تكمل خلقة الريشة فقتلوه. قال: وحملوا ما أمكنهم من لحمه وقطعوا أصل الريش من حد القصبة ورحلوا. وكان بعض من دخل الجزيرة قد طبخ من اللحم وأكل، وكان فيهم مشايخ بيض اللحى فلما أصبح المشايخ وجدوا لحاهم قد اسودت ولم يشب بعد ذلك أحد من القوم الذين أكلوا فكانوا يقولون إن العود الذي حركوا به ما في القدر من لحم فرخ الرخ كان من شجرة الشباب والله أعلم. قال: فلما طلعت الشمس والقوم في السفينة وهي سائرة بهم إذ أقبل الرخ يهوي كالسحابة العظيمة، وفي رجليه قطعة جبل كالبيت العظيم وأكبر من السفينة، فلما حاذى السفينة من الجو ألقى ذلك الحجر عليها وعلى من بها، وكانت السفينة مسرعة في الجري فسبقت الحجر فوقع الحجر في البحر، وكان لوقوعه هول عظيم في البحر، وكتب الله لنا السلامة ونجانا من الهلاك.

стр. 185

ومنها جزيرة القرود: وهي كبيرة وبها غياض، وقرود كثيرة، وللقرود ملك تنقاد إليه ويجعلونه على أكتافهم وأعناقهم، وهو يحكم عليهم حكماً لا يظلم به أحداً، ومن وصل إليهم في المراكب عذبوه بالعض والخمش والرجم، ويتحيل عليهم أهل جزيرة خرتان ومرتان فيصيدونها ويبيعونها بالثمن الغالي. وأهل اليمن يرغبون فيها ويتخذونها في حوانيتهم حرساً كالعبيد، وهم في غاية الذكاء. وجزيرة البيمان: وهي جزيرة عامرة وبها مدينة كبيرة، وأهلها ذوو بأس وشدة؛ ومن سننهم أنه إذا خطب الرجل عندهم امرأة لا يزوجونه حتى يذهب فيأتيهم برأس مقطوع فحينئذ يزوجونه امرأة بغير صداق ولا مهر، وإن أتاهم برأسين زوجوه بامرأتين، وإن أتى بثلاث زوجوه ثلاثة، وإن أتى بعشرة فعشر، فيصير عندهم معظماً مهيباً جليلاً. وبها من شجرة البقم والخيزران وقصب السكر ما لا يوصف، وبها مياه جارية وأنهار عذبة وثمار مختلفة. وجزيرة الواق واق: وهي جزيرة كبيرة، وعندهم ذهب كثير بلا وصف حتى إنهم يتخذون سلاسل الكلاب والدواب من الذهب، وأما أكابرهم فيصنعون لبناً من الذهب ويبنون به قصوراً أو بيوتاً باتقان وإحكام.

стр. 186

ومن جزائرها جزيرة البنات بها قوم عراة الأبدان بيض الألوان حسان الصور يأوون إلى رؤوس الأشجار ويتصيدون الناس فيأكلونهم، ووراء هذه الجزيرة جزيرتان عظيمتان فيهما أناس عظام الأجسام حسان الوجوه سود الألوان، شعورهم مسلسلة مختلفة وأقدامهم أطول من ذراع، لهم أخلاق صعبة عادية. وهذه الجزيرة متصلة بالزانج والمسير إليها بالنجوم، وهي ألف وسبعمائة جزيرة عامرة والذهب بها كثير. وملكة هذه الجزائر امرأة تسمى دمهره، وتلبس حلة منسوجة بالذهب، ولها نعلان من ذهب، وليس يمشي في هذه الجزائر أحد بنعل غيرها. ومتى لبس غيرها نعلاً قطعت رجليه. وتركب في عبيدها وجيوشها بالفيلة والرايات والطبول والأبواق والجواري الحسان، ومسكنها جزيرة تسمى أنبونة، وأهل هذه الجزيرة حذاق بالصنائع حتى إنهم ينسجون القمصان قطعة واحدة بأكمامها وأبدانها، ويعملون السفن الكبار من العيدان الصغار ويعملون بيوتاً من الخشب تسير على وجه الماء. هذا ما نقله الجواليقي. وأما ما ذكره عيسى بن المبارك السيرافي فإنه قال: دخلت على هذه الملكة فرأيتها عريانة على سرير من الذهب، وعلى رأسها تاج من الذهب، وبين يديها أربعة آلاف وصيفة أبكار حسان، وهن على مذهب المجوس وهن مكشوفات، ومنهن من

стр. 187

تتخذ الأمشاط، اثنين وثلاثة وأربعة إلى عشرين. ولهذه الملكة جبايات كثيرة تتصدق بها على صعاليك أرضها ويتحلون بالودع ويدخرونه عندهم وفي خزائنهم. وبهذه الجزيرة شجر تحمل ثمراً كالنساء بصور وأجسام وعيون وأيد وأرجل وشعور وأثداء وفروج كفروج النساء، وهن حسان الوجوه، وهن معلقات بشعورهن، يخرجن من غلف كالأجربة الكبار، فإذا أحسسن بالهواء والشمس يصحن: واق واق، حتى تتقطع شعورهن فإذا انقطعت ماتت. وأهل هذه الجزيرة يفهمون هذا الصوت ويتطيرون منه. وفي كتاب الحوالة أنه من تجاوز هؤلاء وقع على نساء يخرجن من الأشجار أعظم منهن قدوداً وأطول منهن شعوراً، وأكمل محاسن وأحسن أعجازاً وفروجاً، ولهن رائحة عطرة طيبة، فإذا انقطعت شعورها ووقعت من الشجرة عاشت يوماً أو بعض يوم وربما جامعها من يقطعها أو يحضر قطعها فيجد لها لذة عظيمة لا توجد في النساء. وأرضهن أطيب الأراضي وأكثرها عطراً وطيباً، وبها أنهار أحلى ماءً من العسل والسكر المذاب، وليس بها أنيس ولا عامر إلا الفيلة وربما بلغ ارتفاع الفيل في هذه الجزيرة أحد عشر ذراعاً.

стр. 188

وبها من الطير شيء كثير. وليس يعلم ما وراء هذه الجزيرة إلا الله تعالى. ويخرج من بعض هذه الجزائر سيل عظيم يسيل كالقطرة يصب في البحر فيحرق السمك في البحر فيطفو على الماء. وجزيرة جالوس: وهي جزيرة بها قوم مستوحشون عراة يأكلون الناس وليس لهم ملك ولا دين، وأكلهم الموز والنارجيل وقصب السكر. وفي هذه الجزيرة جبل ترابه فضة كالبرادة الناعمة. وجزيرة الموجة: وهي جزيرة عظيمة وبها عدة ملوك. وأهلها بيض شقر مخرومون الآذان كأهل الصين، وعندهم الخيول البحرية يركبونها. وعندهم دابة المسك ودابة الزباد؛ ونساؤهم أجمل النساء وأحسنهن خلقاً وخلقاً، وأرحامهن كالحلقة لاصقة، وإذا وقفت المرأة الطويلة على قدمها ومشت تسحب شعرها خلفها على الأرض. وهذه النساء من أعظم النساء أعجازاً وأدقهن خصوراً، باديات الوجوه ساحبات الشعور، لا يستترن من أحد أصلاً. وجزيرة السحاب: وهي جزيرة كبيرة سميت بهذا الاسم لأنه يطلع عليها سحاب أبيض ويعلو عن المراكب في البحر، ويخرج منه لسان طويل دقيق مع ريح عاصف حتى يلتصق ذلك اللسان بالبحر فيغلي البحر كالقدر الفائر ويضطرب كالزوبعة الهائلة، فإذا أدرك المراكب ابتلعها، وبهذه الجزيرة تلول إذا أضرمت فيها النار سالت منها الفضة الخالصة. وجزيرة هلائي: وهي جزيرة كبيرة من أعظم الجزائر وأوسعها قطراً وأعظمها عمارة، وهي معترضة من المشرق إلى المغرب، ولأهلها قصور وبيوت يتخذونها من الخشب على وجه الماء وأرحاء تدور بالريح على الماء؛ وبها أنواع الطيب والعطر

стр. 189

الفاخر وعندهم الموز والأرز والنارجيل وقصب السكر؛ وبها معدن الذهب والفيلة البيض والكركند؛ ولها ملك عظيم مهيب كثير الجيوش والجنود؛ وله المراكب البهية من الخيل والفيلة العجيبة. جزيرة القمر: وهي جزيرة طويلة عريضة، طولها من المشرق أربعة أشهر؛ وبها مدينة تسمى: لان؛ وهي سكن الملك، وهي مخصبة؛ بها أشجار وثمار وأنهار وغياض؛ وبها النارجيل وقصب السكر؛ وبهذه الجزيرة تصنع ثياب الحشيش الغريبة النوع التي لا نظر لها في الدنيا ولا بهجة للحرير والديباج عندها، ويصنع بها نوع من الحصر المرقومة المنقوشة التي تأخذ بالأبصار وتذهب بالعقول حسناً وبهجة، تلبسها الملوك فوق البسط الحرير ويعمل بها مراكب منحوتة من قطعة واحدة وخشبة واحدة؛ وطول كل مركب ستون ذراعاً بالرشاشي، تحمل مائتي مقاتل وتسمى السفينات. وحكى بعض التجار أنه رأى هناك مائدة يأكل عليها مائة وخمسون رجلاً وهي قطعة واحدة مستديرة. وملك هذه المدينة لا يقوم بخدمته إلا المخنثون ويلبسون الثياب النفيسة، ويتحلون مثل النساء واسمهم النتيانة. ويتزوجون بالرجال كالنساء؛ يخدمون الملك بالنهار ويرجعون إلى أزواجهم بالليل من غير أن يعارضوا في ذلك. جزيرة السعالي: وهي جزيرة عظيمة بها شخوص مشوهة الخلق منكرة الصور لا يدرى ما هم، وزعم قوم أنها شياطين تتولد من الجن والإنس تأكل من وقع لهم من الإنس.

стр. 190

جزيرة التمسح: وهي جزيرة بها قوم أذنابهم كالكلاب وأبدانهم كأبدان الإنسان، ولهم ملك منهم. جزيرة أطوران: وهي كبيرة وبها أنواع من القردة كالحمر عظماً، وبها الكركند الكثير. ذكر أن مراكب الإسكندر وصلت إليهم وإلى جزيرة أخرى بها قوم على أشكال أبدان الإنسان، ووجوههم ورؤوسهم كالسباع، فلما قربوا منهم غابوا عن أبصارهم ولم يعلموا كيف ذهبوا؟. جزيرة النساء: وهي جزيرة عظيمة وليس بها رجل أصلاً. ذكروا أنهن يلقحن ويحملن من الريح ويلدن نساء مثلهن. وقيل إن بأرض تلك الجزيرة نوعاً من الشجر فيأكلن منه فيحملن وإن الذهب في أرضها عروق كعروق الخيزران، وترابها كله ذهب ولا التفات للنساء إلى ذلك. وذكر بعضهم أن رجلاً ساقه الله إلى تلك الجزيرة فأردن قتله فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة وسيبته في البحر فلعبت به الأمواج فرمته في بعض بلاد الصين فأخبر ملك تلك الجزيرة بما رأى من النساء وكثرة الذهب، فوجه مراكب ورجالاً معه فأقاموا زمناً طويلاً في البحر يطوفون على تلك الجزيرة فلم يقعوا لها على أثر.

стр. 191

جزيرة سرنديب: وهي جزائرة كثيرة، وفي هذه الجزائر مدن كثيرة، وفيها الجبل الذي أهبط عليه آدم ﵇، ويسمى جبل الراهون وعليه أثر قدم آدم ﵇؛ وعلى القدم نور لماع يخطف البصر. وأسفل هذا الجبل توجد سائر الأحجار الثمينة النفيسة. ولهذه الجزائر بحر فيه مغاص اللؤلؤ الفاخر ويجلب منها الدر والياقوت والسنباذج والألماس والبلور وجميع أنواع العطر؛ وتسافر المراكب فيها الشهر والشهرين بين غياض ورياض. ولملك هذه الجزائر صنم من الذهب مكلل بالجواهر وليس عند أحد من الملوك ما عنده من الدر والجواهر النفيسة لأن أصنافها كلها في بلاده وجباله، ويحمل إليه الخمس من كل ما يوجد ويستخرج من عراق العجم وفارس، ويقال إن بهذه الجزائر مساكن وقباباً بيضاً تلوح للناس من بعد فإذا قربوا منها تباعدت حتى ييأسوا منها. وأما عجائب هذا البحر: فمنها ما ذكروا أنه إذا كثرت أمواجه ظهرت أشخاص سود طول كل واحد منهم أربعة أشبار كأنهم أولاد الأحابيش، يصعدون إلى

стр. 192

المراكب من غير ضرورة ولا أذى، وظهورهم يدل على خروج ريح مهلك يسمى الخب. وحكي أيضاً أنهم يرون في هذا البحر طائراً يطير وهو من نور لا يستطيع أحد النظر إليه، فإذا ارتفع على صاري المركب سكنت الريح وهدأت أمواج البحر وهو دليل السلامة، ويفقدونه ولا يعلمون أين يذهب؟. ومن العجائب: أن طائراً في هذا البحر يسمى خرشنة أكبر من الحمام، ذكر في كتاب تحفة الغرائب أن هذا الطائر إذا طار يأتي طائر آخر يقال له كركر ويطير فاتحاً فاه يتوقع ذرق خرشنة ليقع في فيه فيأكله، وليس له قوت سواه ولا يذرق خرشنة هذا إلا وهو طائر. ومنها دابة المسك البحري، وهي دابة تخرج من البحر كل سنة في وقت معلوم بكثرة عظيمة، فتصاد وتذبح فيوجد المسك في سرتها كالدم، وهذا المسك هو أفخر الأنواع غير أنه في مكانه وبلده لا ريح له أبداً، فإذا خرج من حد بلاده ظهر ريحه وكلما بعد زاد ريحه. ومنها دابة تسمى ملكان تستوطن جزيرة هناك لها رؤوس كثيرة ووجوه مختلفة وأنياب معلقة ولها جناحات وهي تأكل دواب البحر، وقيل إنا تصادف برسم مراكب الملوك إذا ركب الملك قادوها أمام موكبه وألبسوها الجلال الحرير ويزينونها. ومنها سمكة تزيد على خمسمائة ذراع توجد عند جزيرة واق واق المذكورة، إذا رفعت جناحها كانت كالجبل العظيم، يخاف على السفن منها، فإذا رأوها صاحوا وضربوا الطبول وأضرموا المكاحل النفطية حتى تهرب عنهم.

стр. 193

ومنها سلاحف كبار استدارة كل سلحفاة أربعون ذراعاً بذراعهم، تبيض كل واحدة ألف بيضة وظهرها الدبل الفاخر، وأهل اليمن يتخذون من ظهورها قصعاً كباراً وجفاناً هائلة لغسلهم ومأكلهم. ومنها سمكة تسمى سيلان تقعد على البر يومين حتى تموت، فإذا جعلت في القدر وكان رأس القدر مغطى نضجت واستوت، وإن كان رأس القدر مكشوفاً طارت منه وتختفي فلا يعلم أين تذهب. ومنها سمكة تسمى الأطم ووجهها كوجه الخنزير، ولها فرج كفرج المرأة، ولها مكان الفلوس شعر، وهي طبقة لحم وطبقة شحم، ويرغبون في أكلها لطيب لحمها. ومنها سرطانات قدر كل واحد كالترس الصغير، يخرج من الماء بسرعة، فإذا سار في البر انعقد حجراً في الحال. ومنها حيات عظام تخرج من البحر فتبتلع الفيل العالي الهائل، وتنطوي على شجرة عظيمة تجذبها أو على صخرة فتنكسر عظام الفيل في بطنها وتسمع قعقعة ذلك على بعد. ومنها سمكة تسمى هبير، من رأسها إلى صدرها مثل الترس، ولها عيون كثيرة تنظر بها وباقي بدنها طويل مثل الحية في مقدار ثلاثين ذراعاً، ولها أرجل كثيرة، ومن صدرها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار كل سنة منها في طول شبر كالحديد في الصلابة أو الفولاذ في القطع، ولا تتصل بشيء من المراكب إلا شقته ولا تضرب شيئاً إلا

стр. 194

قطعته نصفين ولا تنطوى على شيء إلا أهلكته وتسمى أيضاً القرش، وفي هذا البحر الدردور، وهو إذا وقعت فيه سفينة لا تنجو منه. حكى بعض التجار قال: ركبنا في هذا البحر ومعنا جمع من التجار فهبت علينا ريح عاصفة صرفت المركب عن القصد، وكان رئيس المركب شيخاً أعمى إلا أنه حاذق بالرياسة، وكان معه في السفينة حبال كثيرة فكان رجاله يقولون له: لو كان موضع هذه الحبال ركاب لانتفعنا بأجرتهم، وكان يسأل التجار في كل وقت ماذا ترون فيقولون: ما نرى شيئاً. ولم يزل كذلك حتى قالوا له: نرى طيوراً سوداً على وجه الماء، فصاح الشيخ ولطم وجهه وقال: هلكنا والله لا محالة؛ فلما سألناه عن السبب قال: سترون ذلك عياناً. فما كان مقدار ساعتين حتى وقعنا في الدردور، وإذا بالذي كنا نراه كالطيور السود مراكب وبها أناس موتى؛ قال: فتحيرنا وانقطع رجاؤنا من الخلاص والحياة؛ فقال الشيخ: هل لكم أن تجعلوا لي نصف أموالكم وأنا أتحيل في خلاصكم إن شاء الله تعالى؟ فقلنا: نعم قد رضينا! قال: فأعطانا قنينتين قد ملئتا بالدهن فأدليناهما في البحر فاجتمع عليهما من السمك ما لا يعد ولا يحصى ثم أمرنا أن نطرح تلك الموتى الذين في المراكب إلى البحر بعد شدهم بالحبال التي كانت عنده في المراكب ففعلنا ورمينا بهم وأطراف الحبال مشدودة بمركبنا؛ فابتلع السمك

стр. 195

الموتى ثم أمرنا بالصياح وضرب الطبول والصنوج والأخشاب ففعلنا ذلك فتفرقت الأسماك وأطراف الحبال في بطونها مشدود بها الموتى، وإذا بالمركب قد تحرك من مكانه وأقلع وجرى ولم يزل يجري حتى خرجنا من الدردور، فصاح الرئيس: اقطعوا الحبال عاجلاً فقطعناها ونجونا بقدرة الله من الهلاك، فقال الرئيس للجماعة: تلومونني على حمل هذه الحبال فانظروا كيف كانت سبباً لحياتكم وسلامتكم، فحمدنا الله تعالى وشكرنا الرئيس لنظره في العواقب. ومنها بحر الهند: وهو أعظم البحار وأوسعها وأكثرها خيراً ومالاً، ولا علم لأحد بكيفية اتصاله بالبحر المحيط لعظمته وسعته وخروجه عن تحصيل الأفكار، وليس هو كالبحر الغربي، فإن اتصال البحر الغربي بالمحيط ظاهر. ويتشعب من هذا البحر الهندي خليجان أعظمهما بحر فارس ثم بحر القلزم، فالآخذ نحو الشمال بحر فارس والآخذ نحو الجنوب بحر الزنج. قال ابن الفقيه: بحر الهند مخالف لبحر فارس، وفي هذا جزائر كثيرة وقيل إنها تزيد على عشرين ألف جزيرة وفيها من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالى فأما ما وصل إليه الناس فأقل قليل. فمن جزائره جزيرة كله: وهي جزيرة عظيمة بها أشجار وأنهار وثمار، ويسكنها ملك بني جابة الهندي، وبها معادن القصدير وشجر الكافور وهو شبيه بالصفصاف وهي تظل مائة رجل وأكثر، وبها الخيزران، وفي عجائب هذه الجزيرة ما يقع واصفها في حد التكذيب.

стр. 196

جزيرة جابة: وهي كبيرة وبها الموز والنارجيل والأرز والقصب السكري الفائق، وبها العود، ويسكنها قوم شقر وجوههم، على صدورهم شعورهم، وأبدانهم كالناس. وبها جبل عظيم يرى عليه في الليل نار عظيمة ترى من خمسة عشر فرسخاً وبالنهار دخان، ولا يدنو أحد من ذلك الجبل على خمسة فراسخ إلا هلك. وملك هذه المدينة اسمه جابة، وهو يلبس من الحلل حلة الذهب وتاجاً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت والجواهر النفيسة، ودراهمه ودنانيره مطبوعة على صورته وهيئته، وهو يعبد صنماً، وصلاتهم غناء وتلحين وتصفيق بالأكف واجتماع الجواري الحسان ولعبهن بأنواع من التكسر والتخلع بين يدي المصلي، والكنيسة التي فيها الصنم فيها جوار حسان راقصات متخلعات معدودة لذلك، وذلك إن المرأة إذا ولدت عندهم بنتاً حسنة أخذتها أمها إذا كبرت وألبستها أفخر الملابس والحلي وذهبت إلى الكنيسة وتصدقت بها على الصنم وحولها أهلها وأقاربها من النساء والرجال، ويسلمها الخدمة إلى أناس عارفين بالرقص، والتخلع والتكسر فيعلمونها. ولهذا الملك جزائر كثيرة منها جزيرة هريج وجزيرة سلاهط وجزيرة مايط. فأما جزيرة هريج: فإن بها خسفة متسعة نحو عشرة أميال مستديرة لا يعرف أحد قعرها ولا وقف أحد على قرارها وهي من عجائب الدنيا. وجزيرة سلاهط: يجلب منها الصندل والسنبل والكافور. وذكر المسافرون أن بجزائر الكافور قوماً يأكلون الناس ويأخذون قحوفهم فيجعلون فيها الكافور والطيب ويعلقونها في بيوتهم ويعبدونها، فإذا عزموا على أمر وقصد سجدوا لتلك القحوف وسألوها عما يريدون ويقصدون، فتخبرهم عن كل ما يسألونها عنه من خير أو شر.

стр. 197

وبهذه الجزيرة عين يفور منها الماء وينزل في ثقب في الأرض فيطلع له رشاش فأي شيء وقع من ذلك الرشاش على وجه الأرض صار حجراً، فإن كان ليلاً صار حجراً أسود، أو بالنهار صار حجراً أبيض، وبآخر هذه الجزيرة خسفة أخرى كالبيكارة، دورها نحو الميل تتقد ناراً وتعلو نارها نحو مائة ذراع بالليل، ولها بالنهار دخان. وجزيرة برطابيل: وهي قرية من جزائر الزنج وبها أقوم وجوههم كالأترسة، وشعورهم كأذناب الخيل، وبها القرنفل الكثير وبها الكركند، وإن التجار إذا نزلوا بها وضعوا بضائعهم كوماً كوماً على الساحل ويعودون إلى المراكب فإذا أصبحوا جاؤوا إلى بضائعهم فيجدون إلى جانب كل بضاعة شيئاً من القرنفل، فإن رضيه صاحب البضاعة أخذه وانصرف وإن لم يرض ترك القرنفل والبضاعة وعاد في اليوم الثاني فيجده قد زيد فيه، فإن رضيه أخذه وإلا تركه وعاد من الغد أيضاً، ولا يزال كذلك حتى يرضى. وذكر بعض التجار أنه صعد إلى هذه الجزيرة سراً فرأى بها قوماً صفر الوجوه وهي كوجوه التراك وآذانهم مخرمة، ولهم شعور كشعور النساء. فلما رآهم غابوا عنه وعن بصره. ثم إن التجار بعد أن ترددوا إلى تلك الجزيرة بالبضائع مدة طويلة فلم يأتهم شيء من القرنفل فعلموا أن ذلك بسبب الرجل الذي نظر إليهم ورآهم ثم عادوا بعد سنين إلى ما كانوا عليه من المعارضة بالقرنفل. وخاصية هذا القرنفل أن الإنسان إذا أكله رطباً لا يشيب ولا يهرم ولو بلغ مائة سنة. ولباس هذه الأمة ورق شجر يقال له اللوف، وأكلهم من ثمره، ويأكلون السمك أيضاً والنارجيل. وبهذه الجزيرة جبال يسمع فيها طول الليل أصوات الطبول والصنوج والدفوف والمزامير

стр. 198

المطربة والصياح المزعج وغير ذلك من الأصوات العجيبة. وقيل إن الدجال بها، وقيل إنه بغيرها. وسنذكره إن شاء الله تعالى. جزيرة القصر: وهو قصر عظيم مرتفع أبيض من بلور شفاف يظهر لمن في المراكب من مسافة بعيدة. فإذا شاهدوه تباشروا بالسلامة. ذكر قوم من الزنج أنه قصر مرتفع شاهق لا يدري ما داخله. وحكي أن بعض الملوك وصل إلى هذه الجزيرة وشاهد القصر هو ومن معه من جنوده، فلما صاروا في الجزيرة أخذهم الخدران في مفاصلهم وغلب عليهم النوم، فبادر بعضهم إلى المراكب فنجوا وتأخر البعض فهلكوا. وذكر أن أصحاب ذي القرنين رأوا في بعض هذه الجزائرة أمة رؤوسهم رؤوس الكلاب، ولهم أنياب خارجة من أفواههم حمر مثل الجمر، يخرجون إلى المراكب ويحاربونهم. ورأوا بجزيرة تلك الأمة نوراً ساطعاً فإذا هو القصر الأبيض البلوري، فأراد ذو القرنين التوجه إليها ورؤية القصر فمنعه بهرام الفيلسوف الهندي من ذلك وقال: يا ملك الزمان لا تفعل فإن من وصل إلى هذا القصر غلب عليه الخدران والنوم والثقل وقلة الحركة فلا يقدر على الخروج ويهلك. وذكر بهرام المذكور أن بهذه الجزيرة شجرة إذا أكلوا من ثمرها زال عنهم النوم والخدران، وإذا كان الليل ظهر لذلك القصر شرفات تسرج مثل المصابيح، الليل كله فإذا كان النهار خمدت.

стр. 199

وجزيرة الورد: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتاب الشفا في شرف المصطفى ﷺ أن بهذه الجزيرة ورداً أحمر مكتوباً عليه بالأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله، والكتابة بالقدرة الإلهية. الجزائر الثلاث: قال صاحب تحفة الغرائب: هي ثلاث جزائر متجاورات، في احداهن برق الليل كله، وفي الأخرى تهب رياح شديدة، الليل كله، وفي الأخرى يمطر السحاب الليل كله صيفاً وشتاء على ممر الليالي والأيام أبداً. ومنها جزيرة في هذا البحر بها أقوام أبدانهم أبدان الآدميين ورؤوسهم رؤوس الدواب يخوضون في البحر فيخرجون ما يقدرون عليه من البحر فيأكلونها. وجزيرة صيدون الساحر: وكان صيدون ملكاً ساحراً، وطول هذه الجزيرة شهر في شهر، وبها عجائب كثيرة: ومنها: أن في وسطها قصراً عظيماً في عمد عظيمة من مرمر ملون، ومجلسه من ذهب مرصع بأنواع الجواهر العظيمة، يشرف على جميع تلك الجزيرة. قيل إن هذا الملك صيدون كان ساحراً ماهراً وكانت الجن تطيعه وتعمل الأعمال المعجزة العجيبة. فدل عليه بعض الجن نبي الله سليمان ﵇ فغزاه وقتله وخرب بلده وقتل أهلها وأسر جماعة منهم. وأما عجائب هذا البحر فكثيرة جداً: منها: سمكة تخرج من البحر وتصعد إلى جزيرة سلاهط وتصعد إلى أشجارها فتمتص فواكهها وثمارها ثم تقع كالسكران فيأخذها الناس. ومنها: سمكة خضراء رأسها كرأس الحية من أكل لحمها اعتصم من الطعام والشراب أياماً لا يشتهيه. ومنها: سمكة مدورة يقال لها كرماهي، على ظهرها شبه عمود محدد الراس قائم لا تقوم لها سمكة في البحر إلا ضربتها بذلك العمود وقتلتها.

стр. 200

ومنها: سمكة يقال لها الباقة، طولها مائة ذراع وعرضها عشرون ذراعاً وعلى ظهرها حجارة صدفية كالقرابيص، إذا تعرضت للسفينة كسرتها، وإذا طبخوا من لحمها في القدر يذوب حتى يصير كله دهناً. وأهل تلك النواحي يطلون بدهنها المراكب عوضاً عن الدهن. ومنها: سمكة يقال لها العمدة، لها جناحان تفتحهما في الجو وتنشرهما وتحمل على السفينة فتقلبها في البحر في الحال، فإذا رأوها ضربوا الطبول والصنوج والزمور وصاحوا فتهرب.

стр. 201

فصل في بحر فارس وما فيه من الجزائر والعجائب ويسمى البحر الأخضر، وهو شعبة من بحر الهند الأعظم وهو بحر مبارك كثير الخير دائم السلام وطيء الظهر قليل الهيجان بالنسبة إلى غيره. قال أبو عبد الله الصيني: خص الله بحر فارس بالخيرات الكثيرة والبركات الغزيرة والفوائد والعجائب والطرف والغرائب، منها مغاص الدر الذي يخرج منه الحب الكبير البالغ، وربما وجدت الدرة اليتيمة التي لا قيمة لها. وفي جزائره معادن أنواع اليواقيت والأحجار الملونة النفيسة ومعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والسنباذج والعقيق وأنواع الطيب والأفاويه. فمن جزائره كيكاووس وفنجاليوس: وهي جزيرة كبيرة بها خلق كثير بيض الألوان عراة الأجسام، الرجال والنساء، وربما استترت النساء بورق الشجر، وطعامهم السمك الطري والنارجيل والموز، وأموالهم الحديد؛ يتعاملون به كتعامل الناس بالذهب والفضة، يتحلون بالذهب ويأتيهم التجار فيأخذون منهم العنبر بالحديد. وذكر أن بهذا البحر جزيرة تسمى: القامس وأنها تغيب بأهلها وجبالها وجهاتها ومساكنها ستة أشهر وتظهر ستة أشهر. وذكر بعض المسافرين أن البحر هاج عليهم مرة فانتظروا، فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية وعليه ثياب خضر ينتقل على متن البحر وهو يقول: سبحان من دبر الأمور، وقدر المقدور، وعلم ما في الصدور، وألجم البحر بقدرته أن يفور، سيروا بين الشمال والشرق حتى تنتهوا إلى جبل الطرق، واسلكوا وسط ذلك فتنجوا إن شاء الله من المهالك. ففعلوا ذلك فسلموا ونجوا وتحققوا أنه الخضر ﵇، ووصلوا إلى جزيرة بها خلق طوال الوجوه بأيديهم قضبان الذهب يعتمدون عليها

стр. 202

ويتقاتلون بها وطعامهم اللوز والقسطل، فأقاموا عندهم شهراً وأخذوا من قضبان الذهب شيئاً كثيراً ولم يمنعهم أهل الجزيرة من أخذ ذلك؛ وأقاموا حتى هبت رياحهم فسافروا على السمت الذي قال لهم الخضر ﵇، فتخلصوا ونجوا بمشيئة ذي الجلال والإكرام. جزيرة الطويران: وهي جزيرة خصبة ذات أشجار وثمار وأعين وأنهار، وبها قوم أبدانهم أبدان الآدميين ورؤوسهم كرؤوس السباع والكلاب. وبهذه الجزيرة نهر شديد البياض وعلى شاطئه شجرة عظيمة تظل خمسمائة رجل، فيها من كل ثمرة طيبة مشرقة بأنواع الألوان، وكل ثمرها أحلى من الشهد والعسل، وطعم كل ثمرة لا يشبه طعم الأخرى، وتلك الثمار ألين من الزبد وأذكى رائحة من المسك، ورقها كحلل الحرير والديباج. وهذه الشجرة تسير بسير الشمس ترتفع من الغد إلى الزوال، وتنحط من الزوال إلى الغروب حتى تغيب بغيبة الشمس. وذكر أن أصحاب ذي القرنين وصلوا إلى هذه الجزيرة ورأوا تلك الشجرة فجمعوا من ثمرها شيئاً كثيراً ومن أوراقها ليحملوا ذلك إلى ذي القرنين فضربوا على ظهورهم بسياط مؤلمة، يحسون بوقع السياط ولا يرونها ولا يدرون من الضارب، ويصيحون بهم ردوا ما أخذتم من هذه الشجرة ولا تتعرضوا لها فردوا ما أخذوا منها وركبوا مراكبهم وسافروا عنها. وجزيرة العباد: وهي جزيرة عظيمة دخلها ذو القرنين فوجد بها قوماً قد أنحلتهم العبادة حتى صاروا كالحمم السود. فسلم عليهم فردوا ﵇. فسألهم: ما عيشكم يا قوم في هذا المكان؟ فقالوا: ما رزقنا الله تعالى من الأسماك وأنواع النباتات، ونشرب من هذه المياه العذبة. فقال لهم: ألا أنقلك إلى عيشة أطيب مما أنت فيه وأخصب؟ فقالوا له: وما نصنع به؟ إن عندنا في جزيرتنا هذه ما يغني

стр. 203

جميع العالم ويكفيهم لو صاروا إليه وأقبلوا عليه. قال: وما هو؟ فانطلقوا به إلى واد لا نهاية لطوله وعرضه، يتقد من ألوان الدر والياقوت والكهرمان والأصفر والأزرق والزبرجد والبلخش والأحجار التي لم تر في الدنيا، والجواهر التي لا تقوم. ورأى شيئاً لا تحمله العقول ولا يوصف بعض بعضه، ولو اجتمع العالم على نقل بعضه لعجزوا. فقال: لا إله إلا الله، سبحان من له الملك العظيم ويخلق الله ما لا تعلمه الخلائق. ثم انطلقوا به من شفير ذلك الوادي حتى أتوا به إلى مستوى واسع من الأرض لا تنهيه الأبصار، به أصناف الأشجار وأنواع الثمار وألوان الأزهار وأجناس الأطيار، وخرير الأنهار وأفياء وظلال ونسيم ذو اعتلال، ونزه ورياض وجنات وغياض. فلما رأى ذو القرنين ذلك سبح الله العظيم واستصغر أمر الوادي وما به من الجواهر عند ذلك المنظر البهيج الزاهر. فلما تعجب من ذلك قالوا له: أي ملك ملك في الدنيا بعض بعض ما ترى؟ قال: لا وحق عالم السر والنجوى، فقالوا: كل هذا بين أيدينا ولا تميل أنفسنا إلى شيء من ذلك. وقنعنا بما نقوى به على عبادة الرب الخالق. ومن ترك لله شيئاً عوضه الله خيراً منه، فاتركنا ودعنا بحالنا أرشدنا الله وإياك. ثم ودعوه وفارقوه وقالوا له: دونك والوادي فاحمل منه ما تريد. فأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً. وجزيرة الحكماء: وهي جزيرة عظيمة وصل إليها الإسكندر فرأى بها قوماً لباسهم ورق الشجر وبيوتهم كهوف في الصخر والحجر، فسألهم مسائل في الحكمة فأجابوه بأحسن جواب وألطف خطاب. فقال لهم: سلوا حوائجكم لتقضى. فقالوا له: نسألك الخلد في الدنيا، فقال: وأنى ذلك لنفسي؟ ومن لا يقدر على زيادة نفس من أنفاسه كيف يبلغكم الخلد؟ فقالوا له: نسألك صحة في أبداننا ما بقينا؛ قال:

стр. 204

وهذا أيضاً لا أقدر عليه. قالوا: فعرفنا بقية أعمارنا. فقال الاسكندر: لا أعرف ذلك لنفسي فكيف بكم؟ فقالوا له: فدعنا نطلب ذلك ممن يقدر على ذلك وأعظم من ذلك، وهو ربنا وربك ورب العالمين. وجعل الناس ينظرون إلى كثرة جنود الاسكندر وعظمة موكبه وبينهم شيخ صعلوك لا يرفع رأسه فقال له الإسكندر: مالك لا تنظر إلى ما ينظر إليه الناس؟ قال الشيخ: ما أعجبني الملك الذي رأيته قبلك حتى أنظر إليك وإلى ملكك. فقال الإسكندر: وما ذاك؟ قال الشيخ: كان عندنا ملك وآخر صعلوك فماتا في يوم واحد، فغبت عنهما مدة ثم جئت إليها واجتهدت أن أعرف الملك من المسكين فلم أعرفه. قال: فتركهم الاسكندر وانصرف عنهم. وأما عجائب هذا البحر: فمنها ما ذكره صاحب عجائب الأخبار أن في هذا البحر طائراً مكرماً لأبويه، فإنهما إذا كبرا وعجزا عن القيام بأمر أنفسهما يجتمع عليهما فرخان من أفراخهما فيحملانهما على ظهورهما إلى مكان حصين ويبنيان لهما عشاً وطيناً ويتعهدانهما بالزاد والماء إلى أن يموتا؛ فإن ماتا الفرخان قبلهما يأتي إليهما آخران من أفراخهما ويفعلان بهما كما فعل الأوان وهلم جرا؛ هذا دأبهما إلى أن يموت والدهما. وفيه سمكة: يقال لها الدفين ولها رأس مربع وفم كالقمع لا تفتحه يقولون إذا أكل المجذوم من لحمها مطبوخاً برئ من الجذام. وفيه سمكة: وجهها كوجه الإنسان وبدنها كبدن السمك تظهر على وجهه الماء شهراً وتغيب شهراً. وسمكة: تطفو على وجه الماء فإذا رأت سمكة أو حيواناً من دواب البحر قد فتح فاه تدخل في فيه وتصير غذاء له.

стр. 205

وفيه حيوان: يخرج من الماء إلى البر ويرتفع والنار خارجة من فيه ومنخريه فيحرق ما حوله من النبات فإذا رأى الناس تلك الأرض محترقة علموا أن ذلك الحيوان وقع هناك. وسمكة طيارة تطير ليلاً من البحر إلى البر ولا تزال تأكل في الحشيش إلى طلوع الشمس فتعود طائرة إلى البحر. وفي هذا البحر المذكور المعطب الذي يسمى الدردور إذا وقعت فيه المراكب تدور ولا تخرج منه على طول الأزمان والدهور. والدردور هذا في ثلاثة أبحر: في هذا البحر وفي بحر الصين وفي بحر الهند. والله أعلم.

стр. 206

فصل في بحر عمان وجزائره وعجائبه وهو شعبة من بحر فارس عن يمين الخارج من عمان، وهو بحر كثير العجائب غزير الغرائب، وفيه مغاص اللؤلؤ ويخرج منه الحب الجيد، وفيه جزائر كثيرة معمورة مسكونة: منها جزيرة خارك: وهي كبيرة عامرة آهلة وبها مغاص اللؤلؤ. وجزيرة خاسك: وهي بقرب جزيرة قيس وأهلها لهم خبرة بالحرب وصبر عليه في البحر، فإن الرجل منهم يسبح أياماً في الماء وهو يجالد بالسيف كما يجالد غيره على وجه الأرض. حكاية عجيبة: حكي أن بعض الملوك بالهند أهدى لبعض الملوك جواري هنديات حساناً فلما عبرت المراكب والجواري بهذه الجزيرة خرجن يتفسحن في مصالحهن في أرضها فاختطفتهن الجن، ونكحهن فولدن هؤلاء القوم. وجزيرة سلطى: وهي كبيرة وفيها قوم يسمع كلامهم وضجيجهم من مسافة بعيدة، ومن وصل إليهم يخاطبهم ويخاطبونه غير أنهم لا يرون بأشخاصهم، ويقال إنهم من الجن وهم مؤمنون، فإذا وصل إليهم الغريب جعلوا له من الزاد ما يكفيه ثلاثة أيام فإذا أراد الرجوع إلى أهله حملوه في مركب وأوصلوه إلى قصده.

стр. 207

وجزيرة الشجر: وبها شجر يحمل ثمراً كاللوز في صفته وقدره، يؤكل بقشره وهو أحلى من الشهد ويقوم مقام كل دواء، ومن أكل منه من الرجال والنساء يزداد قوة وشباباً ولا يهرم أبداً ولا يشيب، وإن كان آكله طاعناً في السن وقد ذهبت قوته وابيض شعره عاد في الحال إلى قوة الشباب واسود شعره. وذكر أن بعض الملوك بالهند زرعه في أرضه فأورق ولم يثمر. وجزيرة الدهلان: وهو شيطان في صورة إنسان راكب على طير يشبه النعامة، يأكل لحوم الناس، إذا طلع أحد من المراكب إلى تلك الجزيرة أخذهم ودفعهم إلى مكان لا خلاص لهم منه وأكلهم واحداً بعد واحد. وحكي أن مركباً ألجأته الريح إلى تلك الجزيرة، وكانوا قد سمعوا بذلك الشيطان، فلما أتاهم قاتلوه وصبروا على قتاله صبر الكرام، فلما رأى ذلك منهم صاح بهم صيحة سقطوا منها مغشياً عليهم، فجعل يجرهم على وجوههم إلى موضعه المعهود، وكان فيهم رجل صالح فدعا عليه فهلك وعاد إلى موضعه طالباً لما فيه من الأموال والذخائر وأمتعة الناس. جزيرة الصريف: وهي جزيرة تلوح لأصحاب المراكب فيطلبونها وكلما قربوا منها تباعدت عنهم، وربما أقاموا لذلك أياماً كثيرة فلا يصلون إليها وقيل إن أحداً منهم لم يدخلها قط، إلا أنهم رأوا فيها دواب وأشخاصاً.

стр. 208

جزيرة القندج: فيها صنم من رخام أخضر ودموعه تسيل على ممر الأيام والليالي فإذا دخل الريح في جوفه صفر صفيراً عجيباً. ذكر المسافرون أنه يبكي على قوم كانوا يعبدونه من دون الله، وقيل إن بعض الملوك غزا عباد ذلك الصنم فأفناهم وأبادهم عن آخرهم واجتهد في كسر ذلك الصنم فلم يقدر ولم تعمل فيه الآلة، وكلما ضربوه بمعول عاد الضرب إلى الضارب فقتله. فتركوه وانصرفوا. جزيرة سرندوسة: وهي كبيرة عامرة، بها أشجار وأنهار وثمار، وعند أهلها من الذهب ما لا يكيف: فماعونهم ذهب، وآنيتهم ذهب، وقدورهم ذهب، وخوابيهم ذهب، وسلاحهم ذهب، ولهم ملك يدفع لهم كل من يقصدهم أو يقصد الخروج من عندهم بشيء من ذلك. وعجائب هذا البحر كثيرة: وذكر أن العنبر الخالص ينبت في قعر هذا البحر كما ينبت القطن في الأرض، فإذا اضطرب البحر قذف به، وربما أكل منه الحوت العظيم الجرم فيموت فيطفو على وجه الماء في اليوم الثالث فيجذبه أهل المراكب بالكلاليب إلى الساحل فيأخذون العنبر من جوفه. وملكان: نوع من السمك يطفو على وجه البحر في ثالث عشر كانون الثاني، يدل ذلك على خروج ريح يضطرب لها البحر حتى يصل الاضطراب إلى بحر فارس، ويشتد هيجانه ويتكدر لونه وتنعقد ظلمته بعد طفو هذا السمك بيوم واحد. ومنها الأمشور: وهو سمك يأتي بالبصرة في وقت معين، فيبقى مدة شهرين وينقطع فلا يعود إلا في ذلك الوقت بعينه من العام القابل. والجراف: أيضاً سمك وأوانه مثل أوانه وانقطاعه. ومنها: حيوان يعرف بالتنين شر من الكوسج، طوله كالنخلة السحوق، أحمر العينين كريه المنظر، له أنياب كأسنة الرماح، يقهر الحيوانات كلها حتى الكوسج.

стр. 209

ومنها: سمكة خضراء أطول من ذراع؛ لها خرطوم طويل عظيم كالمنشار تضرب به من عارضها فتقده؛ وفي هذا البحر دردور صغير. حكى القزويني: أن رجلاً من أصفهان ركبته ديون كثيرة ففارق أصفهان وركب هذا البحر صدفة مع تجار فتلاطمت بهم الأمواج حتى حلوا في الدردور ببحر فارس، فقال التجار للرئيس: هل تعرف لنا سبيلاً إلى الخلاص فنسعى فيه؟ فقال: إن سمح أحدكم بنفسه تخلصنا. فقال الرجل الأصفهاني المديون في نفسه: كلنا في موقف الهلاك وأنا قد كرهت الحياة وسئمت البقاء. وكان في السفينة جمع من التجار الأصفهانيين، فقال الرجل لهم: هل تحلفون لي بوفاء ديوني وخلاص روحي وأقديكم بروحي وأوثركم بحياتي وتحسنون إلى عيالي ما استطعتم؟ فحلفوا له على ذلك وفوق ما شرط، فقال الأصفهاني للرئيس: ما تأمرني أن أفعل فقد سلمت نفسي لله طلباً لخلاصكم إن شاء الله تعالى، فقال له الرئيس: آمرك أن تقف ثلاثة أيام على ساحل هذا البحر وتضرب على هذا الدهل ليلاً ونهاراً ولا تفتر عن الضرب أبداً، قلت: أفعل إن شاء الله تعالى. فأعطوني من الماء والزاد ما أمكن. قال الأصفهاني فأخذت الدهل والماء والزاد وتوجهوا بي نحو الجزيرة وأنزلوني بساحلها فأخذت وشرعت في ضرب الدهل فتحركت المياه وجرى المركب وأنا أنظر إليهم حتى غاب المركب عن بصري، فجعلت أطوف في تلك الجزيرة وإذا أنا بشجرة عظيمة وعليها شبه سطح فلما كان الليل وإذا بهدة عظيمة فنظرت فإذا طائر عظيم في الخلقة قد سقط على ذلك السطح الذي في الشجرة فاختفيت خوفاً منه، فلما كان الفجر انتفض بجناحيه وطار، فلما كان الليل جاء أيضاً وحط مكانه الذي حط فيه البارحة فدنوت منه فلم يتعرض لي بسوء ولا التفت إلي أصلاً وطار عند الصباح.

стр. 210

فلما كان ثالث ليلة وجاء الطائر على عادته وقعد مكانه جئت حتى قعدت عنده من غير خوف ولا دهشة إلى أن نفض جناحيه فتعلقت بإحدى رجليه بكلتا يدي فطار بي إلى أن ارتفع النهار، فنظرت إلى تحتي فلم أر إلا لجة ماء البحر فكدت أن أترك رجله وأرمي بنفسي من شدة ما لقيت من التعب، فتصبرت زماناً، وإذا بالقرى والعمارة تحتي ففرحت وذهب ما كان بي من الشدة، فلما دنا الطائر من الأرض رميت نفسي على صبرة تبن في بيدر، وطار الطائر فاجتمع الناس حولي وتعجبوا مني وحملوني إلى رئيسهم وأحضروا لي من يفهم كلامي، فأخبرتهم قصتي فتبركوا بي وأكرموني وأمروا لي بمال وأقمت عندهم أياماً. فخرجت يوماً لأتفرج وإذا أنا بالمركب الذي كنت فيه قد أرسى؛ فلما رأوني أسرعوا إلي وسألوني عن أمري فأخبرتهم فحملوني إلى أهلي وأقاموا لي بالمال وفوق الشرط، فعدت بخير وغنى وسلامة.

стр. 211

فصل في بحر القلزم وجزائره وما به من العجائب وهذا البحر شعبة من بحر الهند، جنوبيه بلاد بربر والحبشة؛ وعلى ساحله الشرقي بلاد العرب وعلى ساحله الغربي بلاد اليمن. والقلزم اسم لمدينة على ساحله؛ وهو البحر الذي غرق فيه فرعون؛ وهو بحر مظلم موحش لا خير فيه باطناً ولا ظاهراً؛ وفي هذا البحر جزائر كثيرة وغالبها غير مسكونة ولا مسلوكة. فمن جزائره جزيرة قريبة من أيلة يسكنها قوم يقال لهم بنو حداب؛ ليس لهم زرع ولا ضرع ولا ماء عذب؛ معاشهم من السمك؛ وبيوتهم السفن المكسرة، ويشحذون الماء والخبز ممن يمر بهم من المسافرين؛ وعندهم دوارة في سفح جبل إذا وقع الريح عليها انقسمت قسمين ويلقي المراكب بين شعبين متقابلين فيثور الريح بينهما ويخرج من كليهما متخالفين، فتنقلب المركب بمن فيها؛ وقيل إن هذا الموضع غرق فيه فرعون. وجزيرة الجساسة: وبها دابة تجس الأخبار وتأتي بها إلى الدجال؛ قال تميم الداري ﵁؛ وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وقد اختطفته الجن من صحن داره؛ ومكث في بلاد الجن وغيرها مدة طويلة ورأى العجائب وقصته طويلة مشهورة؛ قال: وركبنا هذا البحر فأصابتنا ريح عاصف ألجأتنا إلى هذه الجزيرة فإذا نحن بدابة استوحشنا منها وقلنا لها: ما أنت؟ قالت: أنا

стр. 212

الجساسة؛ قلنا لها: أخبرينا الخبر؛ قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير فإن به رجلاً هو بالشوق إليكم؛ فأتيناه فقال لنا: كيف وصلتم؟ فأخبرناه الخبر؛ فقال: ما فعلت طبرية؛ قلنا: تدفق الماء بين أجوافها؛ قال: فما فعلت نخلات عمان؟ قلنا: يجنيها أهلها: قال: فما فعلت عين زغر؟ قلنا: يشرب منها أهلها، فقال: لو نفدت لتخلصت من وثاقي فوطئت بقدمي هذا كل سهل وجبل إلا مكة والمدينة. وبعضهم يزعم أنه ابن صياد، الذي كان بمكة، وكان يقال ذلك بين يدي رسول الله ﷺ فلا ينكره. قال ابن سعيد: صحبت ابن صياد من مكة، قال: ماذا لقيت من الناس؟ يزعمون أني الدجال، ألم يقل نبي الله إنه يهودي، وقد أسلمت، وقال إنه لا يولد له، وقد ولد لي، وقال: إن الله حرم عيه المدينة ومكة، وقد ولدت بالمدينة وحججت إلى حرم مكة، ثم قال في آخر قوله: والله إني أعرف أين هو الآن وأعرف أباه وأمه. وقيل له يوماً: أيسرك لو كنت ذاك؟ فقال: لو عرض لي لما كرهته. وقال نافع مولى ابن عمر ﵄: لقيت ابن صياد في بعض طرق المدينة، فقلت له قولاً أغضبته، فانتفخ حتى ملأ الطريق، ثم دخلت بعد ذلك على حفصة زوج النبي ﷺ ، وقد بلغها الخبر فقالت: يرحمك الله ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها.

стр. 213

وأما عجائب هذا البحر: فمنها سمكة تزيد على مائتي ذراع تضرب السفينة بذنبها فتغرقها. ومنها: سمكة مقدار ذراع، بدنها كبدن السمك ووجهها كوجه البوم. ومنها: سمكة طولها نحو عشرين ذراعاً ومن ظهرها الدبل الجيد، وهي تلد كالآدمية وترضع مثلها. ومنها: سمكة تصاد وتجفف فيبقى لحمها مثل القطن يتخذ منه غزل وينسج منه ثياب فاخرة، تسمى تلك الثياب سمكين. ومنها: سمكة على خلقة البقر تلد وترضع كالبقرة، وسمكة عريضة عرضها أميز من طولها يقال لها البهار ويقارب وزنها قنطاراً؛ طيبة اللحم والطعم. وسمكة: طولها شبران ولها رأسان؛ رأس في موضعه العادي، ورأس في موضع ذنبها، وتسمى الخنجر. وسمك: يقال له الفرس، وهو نوع من كلاب الماء في البحر، في فمه سبع صفوف أضراس وطوله عشرة أشبار، وهو كثير الضرر والأذى.

стр. 214

فصل في بحر الزنج وهو بحر الهند بعينه وبلاد الزنج منه في جانب الجنوب تحت سهيل وراكب هذا البحر يرى القطب الجنوبي ولا يرى القطب الشمالي ولا بنات نعش، وهو متصل بالبحر المحيط، موجه كالجبال الشواهق وينخفض كأخفض ما يكون من الأودية وليس له زبد مثل سائر البحار، وفيه جزائر كثيرة ذوات أشجار وغياض لكنها ليست بذوات ثمار، مثل شجر الآبنوس والصندل والساج، والعنبر يصاد ويلقط من ساحلها، وبها يوجد منه كل قطعة كالتل العظيم.

стр. 215

فمن جزائره المشهورة الجزيرة المحترقة: وهي جزيرة واغلة في هذا البحر قل أن يصل إليها أحد. قال بعض التجار: ركبت في هذا البحر فدارت بي الأوقات حتى نزلت في هذه الجزيرة فرأيت فيها خلقاُ كثيراً وأقمت بها زماناً وتأنست بأهلها وتعلمت لغتهم، فلما كان في بعض الأيام رأيت الناس مجتمعين ينظرون إلى كوكب طلع من أفقهم وهم يبكون ويلطمون ويتودعون، فسألت عن السبب فقالوا: إن هذا الكوكب يطلع بعد كل ثلاثين سنة مرة حتى إذا وصل إلى سمت رؤوسهم يركبون البحر ومعهم جميع ما يخافون عليه من المال والقماش والأمتعة فسامت الكوكب رؤوسهم فركبوا البحر وركبت معهم وصحبوا في المراكب جميع ما كان في الجزيرة مما يحمل وينقل، وسرنا وغبنا عن الجزيرة مدة ثم عدت معهم فوجدنا جميع ما كان بها من الأماكن والبنيان والأشجار وغيرها قد احترق وصار رماداً، فشرعوا في العمارة ثانياً ولا يزالون كذلك على الدوام، في كل ثلاثين سنة تحترق الجزيرة ويجددون بناءها. ومن جزائره جزيرة الضوضاء: وهي مما يلي الزنج. حكى بعض التجار أن بها مدينة من حجر أبيض ولا ساكن بها، غير أنهم يسمعون بها جلبة وضوضاء يدخلها البحريون ويشربون من مائها ويحملون منه إلى المراكب، وهو ماء طيب عذب وفيه رائحة الكافور، وبقربها جبال عظيمة تتوقد منها نار عظيمة في الليل وحواليها حية
следующие страницы →