Полный текст (461 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فصل في بحر القلزم
وجزائره وما به من العجائب
وهذا البحر شعبة من بحر الهند، جنوبيه بلاد بربر والحبشة؛ وعلى ساحله الشرقي بلاد العرب وعلى ساحله الغربي بلاد اليمن. والقلزم اسم لمدينة على ساحله؛ وهو البحر الذي غرق فيه فرعون؛ وهو بحر مظلم موحش لا خير فيه باطناً ولا ظاهراً؛ وفي هذا البحر جزائر كثيرة وغالبها غير مسكونة ولا مسلوكة.
فمن جزائره جزيرة قريبة من أيلة يسكنها قوم يقال لهم بنو حداب؛ ليس لهم زرع ولا ضرع ولا ماء عذب؛ معاشهم من السمك؛ وبيوتهم السفن المكسرة، ويشحذون الماء والخبز ممن يمر بهم من المسافرين؛ وعندهم دوارة في سفح جبل إذا وقع الريح عليها انقسمت قسمين ويلقي المراكب بين شعبين متقابلين فيثور الريح بينهما ويخرج من كليهما متخالفين، فتنقلب المركب بمن فيها؛ وقيل إن هذا الموضع غرق فيه فرعون.
وجزيرة الجساسة: وبها دابة تجس الأخبار وتأتي بها إلى الدجال؛ قال تميم الداري ﵁؛ وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وقد اختطفته الجن من صحن داره؛ ومكث في بلاد الجن وغيرها مدة طويلة ورأى العجائب وقصته طويلة مشهورة؛ قال: وركبنا هذا البحر فأصابتنا ريح عاصف ألجأتنا إلى هذه الجزيرة فإذا نحن بدابة استوحشنا منها وقلنا لها: ما أنت؟ قالت: أنا
стр. 212
الجساسة؛ قلنا لها: أخبرينا الخبر؛ قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير فإن به رجلاً هو بالشوق إليكم؛ فأتيناه فقال لنا: كيف وصلتم؟ فأخبرناه الخبر؛ فقال: ما فعلت طبرية؛ قلنا: تدفق الماء بين أجوافها؛ قال: فما فعلت نخلات عمان؟ قلنا: يجنيها أهلها: قال: فما فعلت عين زغر؟ قلنا: يشرب منها أهلها، فقال: لو نفدت لتخلصت من وثاقي فوطئت بقدمي هذا كل سهل وجبل إلا مكة والمدينة.
وبعضهم يزعم أنه ابن صياد، الذي كان بمكة، وكان يقال ذلك بين يدي رسول الله ﷺ فلا ينكره. قال ابن سعيد: صحبت ابن صياد من مكة، قال: ماذا لقيت من الناس؟ يزعمون أني الدجال، ألم يقل نبي الله إنه يهودي، وقد أسلمت، وقال إنه لا يولد له، وقد ولد لي، وقال: إن الله حرم عيه المدينة ومكة، وقد ولدت بالمدينة وحججت إلى حرم مكة، ثم قال في آخر قوله: والله إني أعرف أين هو الآن وأعرف أباه وأمه. وقيل له يوماً: أيسرك لو كنت ذاك؟ فقال: لو عرض لي لما كرهته.
وقال نافع مولى ابن عمر ﵄: لقيت ابن صياد في بعض طرق المدينة، فقلت له قولاً أغضبته، فانتفخ حتى ملأ الطريق، ثم دخلت بعد ذلك على حفصة زوج النبي ﷺ ، وقد بلغها الخبر فقالت: يرحمك الله ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها.
стр. 213
وأما عجائب هذا البحر: فمنها سمكة تزيد على مائتي ذراع تضرب السفينة بذنبها فتغرقها.
ومنها: سمكة مقدار ذراع، بدنها كبدن السمك ووجهها كوجه البوم.
ومنها: سمكة طولها نحو عشرين ذراعاً ومن ظهرها الدبل الجيد، وهي تلد كالآدمية وترضع مثلها.
ومنها: سمكة تصاد وتجفف فيبقى لحمها مثل القطن يتخذ منه غزل وينسج منه ثياب فاخرة، تسمى تلك الثياب سمكين.
ومنها: سمكة على خلقة البقر تلد وترضع كالبقرة، وسمكة عريضة عرضها أميز من طولها يقال لها البهار ويقارب وزنها قنطاراً؛ طيبة اللحم والطعم.
وسمكة: طولها شبران ولها رأسان؛ رأس في موضعه العادي، ورأس في موضع ذنبها، وتسمى الخنجر.
وسمك: يقال له الفرس، وهو نوع من كلاب الماء في البحر، في فمه سبع صفوف أضراس وطوله عشرة أشبار، وهو كثير الضرر والأذى.
стр. 214
فصل في بحر الزنج
وهو بحر الهند بعينه
وبلاد الزنج منه في جانب الجنوب تحت سهيل وراكب هذا البحر يرى القطب الجنوبي ولا يرى القطب الشمالي ولا بنات نعش، وهو متصل بالبحر المحيط، موجه كالجبال الشواهق وينخفض كأخفض ما يكون من الأودية وليس له زبد مثل سائر البحار، وفيه جزائر كثيرة ذوات أشجار وغياض لكنها ليست بذوات ثمار، مثل شجر الآبنوس والصندل والساج، والعنبر يصاد ويلقط من ساحلها، وبها يوجد منه كل قطعة كالتل العظيم.
стр. 215
فمن جزائره المشهورة الجزيرة المحترقة: وهي جزيرة واغلة في هذا البحر قل أن يصل إليها أحد. قال بعض التجار: ركبت في هذا البحر فدارت بي الأوقات حتى نزلت في هذه الجزيرة فرأيت فيها خلقاُ كثيراً وأقمت بها زماناً وتأنست بأهلها وتعلمت لغتهم، فلما كان في بعض الأيام رأيت الناس مجتمعين ينظرون إلى كوكب طلع من أفقهم وهم يبكون ويلطمون ويتودعون، فسألت عن السبب فقالوا: إن هذا الكوكب يطلع بعد كل ثلاثين سنة مرة حتى إذا وصل إلى سمت رؤوسهم يركبون البحر ومعهم جميع ما يخافون عليه من المال والقماش والأمتعة فسامت الكوكب رؤوسهم فركبوا البحر وركبت معهم وصحبوا في المراكب جميع ما كان في الجزيرة مما يحمل وينقل، وسرنا وغبنا عن الجزيرة مدة ثم عدت معهم فوجدنا جميع ما كان بها من الأماكن والبنيان والأشجار وغيرها قد احترق وصار رماداً، فشرعوا في العمارة ثانياً ولا يزالون كذلك على الدوام، في كل ثلاثين سنة تحترق الجزيرة ويجددون بناءها.
ومن جزائره جزيرة الضوضاء: وهي مما يلي الزنج. حكى بعض التجار أن بها مدينة من حجر أبيض ولا ساكن بها، غير أنهم يسمعون بها جلبة وضوضاء يدخلها البحريون ويشربون من مائها ويحملون منه إلى المراكب، وهو ماء طيب عذب وفيه رائحة الكافور، وبقربها جبال عظيمة تتوقد منها نار عظيمة في الليل وحواليها حية
стр. 216
تظهر في كل سنة مرة واحدة فيحتال عليها ملوك الزنج ويصيدونها ويتخذون من جلدها فراشاً يجلس عليه صاحب السل فيبرأ.
جزيرة العور: وهي جزيرة كبيرة حكى يعقوب بن إسحق السراج قال: قال لي رجل من أهل رومية: ركبت في هذا البحر فألقتني الريح في هذه الجزيرة فوصلت إلى مدينة أهلها قاماتهم طولها ذراع وأكثرهم عور، فاجتمع علي منهم جمع وساقوني إلى ملكهم فأمر بحبسي في قفص، فكسرته فأمنوني وتركوا الاحتجاز علي. فلما كان في بعض الأيام رأيتهم قد استعدوا للقتال فسألتهم عن ذلك فقالوا لنا عدو يأتينا في كل سنة مرة ويحاربنا وهذا أوانه فلم ألبث إلا قليلاً حتى طلعت علينا عصابة من الطيور والغرانيق وكان ما بهم من العور من نقر الغرانيق فحملت الطيور عليهم وصاحت بهم، فلما رأيت ذلك شددت وسطي وأخذت عصاً وشددت عليهم وحملت فيهم وصحت فيهم صيحة منكرة ورميت منهم جماعة، فصاحوا وطاروا هاربين مني. فلما رأى أهل الجزيرة ذلك أكرموني وعظموني وأفادوني مالاً وسألوني الإقامة عندهم فلم أفعل، فحملوني في مركب وجهزوني.
وذكر أرسطاطاليس أن الغرانيق تنتقل من بلاد خراسان إلى بلاد مصر حيث مسيل النيل، فتقاتل أولئك العور في طريقهم، وهم قوم في طول ذراع.
جزيرة سكسار: وهي جزيرة عظيمة، وهم قوم لا عظام لأرجلهم وسوقهم. حكى المؤرخ ابن إسحق قال: لقيت رجلاً في وجهه خموش كثيرة فسألته عنها فقال: كنت في بحر الزنج مع جماعة فألقتنا الريح إلى جزيرة سكسار فلم نستطع أن نخرج منها لشدة الريح، فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب وأبدانهم أبدان الناس، فسبق إلينا واحد منهم بعصاً كانت معه ووقف جماعة من ورائنا فساقونا إلى
стр. 217
منازلهم فرأينا فيها جماجم وقحوفاً وسوقاً وأذرعاً وأضلاعاً كثيرة فأدخلونا بيتاً فيه إنسان ضعيف وجعلوا يأتوننا بأكل كثير وطعام غزير وفواكه طيبة، فقال لنا ذلك الرجل الضعيف: إنما يطعمونكم لتسمنوا وكل من سمن أكلوه.
قال: فجعلت أقلل أكلي دون أصحابي وصار كلما سمن واحد ذهبوا به وأكلوه، حتى بقيت وحدي وذلك الرجل الضعيف، فقال لي الرجل يوماً: إن هؤلاء قد حضرهم عيد يخرجون إليه ويغيبون مدة ثلاثة أيام فإن استطعت أن تنجو بنفسك فانج منهم، وأما أنا فكما تراني لا أستطيع الحركة ولا اقدر على الهرب فانظر في تدبير نفسك. فقلت: جزاك الله الجنة. وخرجت فجعلت أسير ليلاً وأختفي نهاراً. فلما رجعوا من عيدهم فقدوني فتتبعوني حتى يئسوا فرجعوا.
فلما أيست منهم سرت في تلك الجزيرة ليلاً ونهاراً فانتهيت إلى أشجار بها ثمار وفواكه وتحتها رجال حسان الصورة إلا أنه ليس لسوقهم عظم، فقعدت لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي، فلم أشعر إلا وواحد منهم ركب على رقبتي وأكتافي وطوق برجليه علي وأنهضني، فذهبت به وجعلت أعالجه لأتخلص منه وأطرحه عني فلم أقدر، وجعل يخمش وجهي بأظفاره المحددة، فجعلت أدور به على الأشجار وهو يأكل من فواكهها وثمارها ويطعم أصحابه وهم يضحكون علي. فبينما أنا أطوف به بين الأشجار إذ دخلت في عينه شوكة من شجرة فانحلت رجلاه عني فرميته عن رقبتي وسرت فنجاني الله بكرمه. وهذه الخموش منه فلا رحم الله عظامه.
وأما عجائب هذا البحر فكثيرة:
منها المنشار: وهي سمكة عظيمة كالجبل العظيم، ومن رأسها إلى ذنبها كالمنشار من عظام سود مثل الأبنوس، كل سن منها أطول من ذراعين، وعند رأسها عظمان
стр. 218
طويلان طول كل واحد عشرة أذرع، تضرب بالعظمين يميناً وشمالاً في الماء فيسمع لها صوت عظيم، ويخرج الماء من فيها ومناخرها ويصعد نحو السماء رمية سهم، وينعكس على المركب كالسيل وهي بعيدة عن المركب. وإذا عبرت تحت المركب قطعتها نصفين، فإذا رآها أصحاب المركب يبكون ويضجون إلى الله تعالى بالدعاء ويتأللون ويتودعون ويصلون صلاة الموت خوفاً منها.
وسمكة البال: وهي سمكة طولها أربعمائة ذراع إلى خمسمائة ذراع، وستمائة. تظهر في بعض الأوقات طرف جناحها كالشراع العظيم، وتخرج رأسها من الماء وتنفخ فيصعد الماء كرمية سهم في العلو، فإذا أحس بها أهل المراكب ضربوا الطبول والصنوج وصاحوا حتى تذهب، وهي تحوش بذنبها وأجنحتها السمك إلى فمها فإذا زاد بغيها في البحر على دوابه أرسل الله عليها سمكة طول ذراع تسمى اللشك فتلتصق بأذنها فلا تجد البال منها خلاصاً فتطلب قعر البحر وتضرب برأسها الأرض حتى تموت، فتطفو على وجه الماء كالجبل العظيم فيجرونها بالكلاليب والحبال ويشقون بطنها فيخرج منها العنبر كالتل العظيم لأنها تأكله ويعرفه التجار بشوكته.
стр. 219
فصل في بحر المغرب
وعجائبه وغرائبه
وهو بحر الشام وبحر القسطنطينية. مخرجه من المحيط، يأخذ مشرقاً فيمر بشمال الأندلس ثم ببلاد الفرنج إلى القسطنطينية ويمتد ببلاد الجنوب إلى سبتة، إلى طرابلس الغرب، إلى الإسكندرية، ثم إلى سواحل الشام، إلى أنطاكية.
وذكر في كتاب أخبار مصر أنه بعد هلاك الفراعنة كانت ملوك بني دلوكة في شق البحر المحيط من الغرب، وهو البحر المظلم، فتغلب الماء على بلاد كثيرة وممالك عظيمة فأخربها وركبها وامتد إلى الشام وبلاد الروم، وصار حاجزاً بين بلاد مصر وبلاد الروم، على أحد ساحليه المسلمون وعلى الآخر النصارى. وهناك مجمع البحرين وهما بحر الروم والمغرب، وعرضه ثلاثة فراسخ وطوله خمسة وعشرون فرسخاً. والمد والجزر هناك في كل يوم وليلة أربع مرات، وذلك أن البحر الأسود وهو بحر المغرب عند طلوع الشمس يعلو فيصب في مجمع البحرين حتى يدخل في بحر الروم، وهو البحر الأخضر إلى وقت الزوال فإذا زالت الشمس غاض البحر الأسود وانصب فيه الماء من البحر الأخضر إلى مغيب الشمس ويعلو البحر الأخضر على الدوام.
وفي هذا البحر من الجزائر شيء كثير:
فمن جزائره جزيرة الأندلس: وقد تقدم ذكرها.
стр. 220
وجزيرة مجمع البحرين: وهي جزيرة كبيرة وفيها منارة مبنية بالصخر المانع الصلد، لها أساس راسخ ولا باب لها ولا يعمل فيها الحديد، وعلوها أكثر من مائة ذراع، وعلى رأسها صورة إنسان ملتف بثوب كأنه من ذهب ويده اليمنى ممدودة إلى البحر الأسود كأنه يشير بأصبعه لذلك الموضع من العدو.
وجزيرة صقلية: وهي جزيرة عظيمة بها أنهار وأشجار وثمار ومزارع وبها جبل يقال له جبل البركات، يظهر منه دخان في النهار وبالليل نار، يطير منه شرر إلى البحر فيصير حجارة سوداء مثقبة تحرق كل شيء صادفته وتطفو على وجه الماء ويأخذها الناس فيستعملونها في الحمامات لحدة الأرجل.
جزيرة إقريطش: وهي في بحر الروم وبها معادن من الذهب.
جزيرة طاوزاق: وهو ملك له أربعة آلاف امرأة وليس له ولد، وعندهم شجر إذا أكلوا منه أفادهم القوة في الجماع، وأطاق الواحد منهم أن يجامع في اليوم مائة مرة وأكثر.
стр. 221
الجزيرة السيارة: أخبر البحريون أنهم رأوها مراراً كثيرة فيها أشجار وعمارات وجبال كلما هبت الريح عليها من المغرب سارت لنحو المشرق، وكلما هبت من المشرق سارت لنحو المغرب، وحجارتها خفاف فترى الحجر تظن أنه قنطار فيكون رطلاً واحداً.
وذكر بعض اليهود أن مركبهم انكسرت على هذه الجزيرة فأقاموا أياماً لم يكن غذاؤهم إلا السمك، ووقعوا في جزيرة حجارتها وجبالها ووهادها وترابها كلها ذهب، وكان قد سلم معهم زورق المركب فأوسقوه من ذلك الذهب فوق طاقته وسافروا فلم يسيروا إلا قليلاً حتى عطب الزورق ولم ينج إلا من قدر على السباحة.
جزيرة تنيس: وهي في بحر الروم، وفيها مدن كثيرة ويخرج إليها من البحر نوع من السمك فيقيم بها يوماً وينقطع، ويظهر نوع آخر يقيم يوماً وينقطع ولا يزال كذلك إلى آخر السنة تتمة ثلاثمائة وستين نوعاً، ثم يعود النوع الأول كالعادة.
وجزيرة النوم: بها أشجار وثمار وأزهار، من شم شيئاً منها نام من ساعته.
وجزيرة خالطة: قال أبو حامد الأندلسي: رأيت هذه الجزيرة وبها من الغنم شيء لا يحصى، كالجراد المنتشر لا ينفر من الناس، يأخذ أهل المراكب منها ما شاؤوا. وبها أشجار وثمار وأعشاب، وليس بها إنس ولا جان.
جزيرة الدير: ذكر البحريون أنها بقرب قسطنطينية، وفيها دير غائب في البحر فينكشف عنه الماء يوماً في السنة وتحج أهل تلك النواحي إليه ويبقى ظاهراً إلى وقت العصر، ثم يزيد الماء فيغطيه إلى العام القابل.
جزيرة الكنيسة: ذكر أبو حامد الأندلسي أن بهذه الجزيرة جبلاً على شاطئ البحر الأسود عليه كنيسة منقورة في الصخر، في الجبل، وعليها قبة عظيمة وعلى
стр. 222
تلك القبة طائر غراب، يطير ويحط ولا يزال عليها. ومقابل القبة مسجد يزوره المسلمون ويقولون إن الدعاء فيه مستجاب. وقد شرط على أهل تلك الكنيسة ضيافة من يزور ذلك المسجد من المسلمين. فإذا قدم زائر للمسجد أدخل الغراب رأسه إلى داخل الكنيسة وصاح صيحات بعدد الزوار، إن كان واحداً فواحدة، أو اثنين فاثنتين، أو عشرة فعشرة، لا يخطئ أبداً. فينزل أهل تلك الكنيسة بالضيافة إليهم على عدتهم لا يزيدون ولا ينقصون. وذكر القسيسون أنهم ما زالوا يرون ذلك الغراب ولا يدرون من أين مأكله ومشربه؟ وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب.
ومن عجائب هذا البحر ما ذكره أبو حامد من أنه قال: لما غاض بحر الروم انكشف عن مدن وعمارات لا توصف، وبه الشيخ اليهودي وهو حيوان كالإنسان وله لحية بيضاء وبدن كبدن الضفدع، وشعره كشعر البقر وهو في قدر البغل، يخرج من البحر في كل ليلة سبت فلا يزال في البر حتى تغيب الشمس فيثب وثبة فلا يلحقه أحد، وهو يثب كما يثب الضفدع.
وحدث عبد الرحمن بن هرون المغربي قال: ركبت هذا البحر فوصلنا إلى موضع يقال له الرطون وكان معنا غلام صقلبي، معه صنارة فدلاها في البحر فصاد سمكة قدر الشبر فنظرنا فإذا مكتوب خلق أذنها الواحدة: لا إله إلا الله، وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى: محمد رسول الله.
البغل: وهي سمكة كبيرة قال أبو حامد الأندلسي: رأيت هذه السمكة بمجمع البحرين مثل الجبل العظيم، وقد لازمتها سمكة أكبر منها في الظلمات، فهربت المسماة بالبغل منها، وجدت الأخرى في طلبها، ولما عاين البغل منها لاجد صاحت
стр. 223
صيحة عظيمة ما سمع أهول منها، فكادت قلوبنا أن تنشق من الخوف واضطرب البحر وكثرت أمواجه وخفنا الغرق، وأتت السمكة الطالبة لتعبر خلف البغل من الظلمات إلى مجمع البحرين فلم تقدر لعظمها.
حوت موسى ﵇: قال أبو حامد: رأيت سمكة تعرف بنسل الحوت في مدينة سبتة، وهو الحوت المشوي الذي صحبه موسى ويوشع حين سافرا في طلب الخضر ﵈، وهي سمكة طولها ذراع وعرضها شبر، وأحد جانبيها شوك وعظام وجلد رقيق على أحشائها، ورأسها نصف رأس بعين واحدة، فمن رآها من هذا الجانب استقذرها. ونصفها الآخر صحيح بهيج. والناس يتبركون بها ويهدونها إلى الرؤساء، سيما اليهود.
وسمكة كأنها قلنسوة سوداء: قال أبو حامد: رأيت هذه السمكة وفي جوفها شبه المصارين، ولا رأس لها ولا عين، ولها مرارة كمرارة البقر سوداء. فإذا صادها أحد تحركت فيسود ما حولها من الماء حتى يبقى كالحبر الدخاني، وأظنه من مرارتها، فيؤخذ ذلك الماء ويكتب به في الورق وهو أحسن من الحبر وأعظم سواداً وأثبت وأجود وأبص منه.
وسمكة: يقال لها الخطاف: على ظهرها جناحان تخرج من الماء وتطير حيث شاءت ثم تعود إلى الماء.
وسمكة تعرف بالمنارة. وهذه السمكة تخرج ببدنها من الماء وتقف على عجزها كالمنارة ثم ترمي بنفسها على المركب العظيم فتغرقه وتهلك أهله، فإذا أحسوا بها ضربوا الطبول والبوقات وأضرموا مكاحل النفط فتهرب عنهم.
وسمكة كبيرة إذا نقص عنها الماء بقيت على الطين ملقاة ولا تزال تضرب إلى
стр. 224
مقدار ست ساعات، ثم تنسلخ من جلدها ويظهر لها جناحان من تحت إبطها فتطير مع عظمتها إلى بحر آخر. وهذا من أعظم عجائب القدرة.
ومنها التنانين: وهي كثيرة في هذا البحر، ولا سيما عند طرابلس واللاذقية.
стр. 225
فصل في بحر الخزر
وهو بحر الأتراك، وهو في جهة الشمال، شرقيه جرجان وطبرستان وعلى شماله بلاد الخزر، وغربيه اللان وجبال القبق، وعلى جنوبه الجبل والديلم. وهو بحر واسع ولا اتصال له بشيء من البحار، وهو بحر صعب خطر المسلك سريع الهلاك شديد الاضطراب والأمواج، لا جزر فيه ولا مد، وليس فيه شيء من اللآلئ والجواهر.
ذكر السمرقندي في كتابه: أن ذا القرنين أراد أن يعرف ساحل هذا البحر، فبعث قوماً في مركب وأمرهم بالمسير فيه سنة كاملة لعل أن يأتوه بخبر ساحل؛ فساروا بالمركب سنة كاملة فلم يروا شيئاً سوى سطح الماء وزرقة السماء، فأرادوا الرجوع فقال بعضهم: نسير شهراً آخر لعلنا أن نرجع بخبر. فساروا شهراً آخر فإذا هم بمركب فيه أناس فالتقى المركبان ولم يفهم أحدهم كلام الآخر، فدفع قوم ذي القرنين إليهم امرأة وأخذوا منهم رجلاً ورجعوا إلى الإسكندر وأخبروه بالأمر. قال: فزوج الإسكندر الرجل بامرأة من عسكره فأتت بولد يفهم كلام الوالدين، فقال له: سل أباك من أين جئت؟ فسأله فقال: جئت من ذلك الجانب. فقيل له فهل هناك ملك؟ قال: نعم أعظم من هذا الملك. قيل: فكم لكم في البحر؟ قال: سنتين وشهرين.
وقيل: إن دور هذا البحر ألفان وخمسمائة فرسخ، وطوله ثمانمائة فرسخ وعرضه ستمائة فرسخ، وهو مدور الشكل، إلى الطول أميز.
وبهذا البحر عجائب كثيرة:
منها: ما ذكره أبو حامد عن سلام الترجمان رسول الخليفة إلى ملك الخزر، قال: لما توجهت من عند الخليفة إليهم أقمت عندهم مدة فرأيتهم يوماً قد اصطادوا
стр. 226
سمكة عظيمة فجذبوها بالكلاليب والحبال، فانتفخت أذن السمكة فخرج منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر، سوداؤه، حسنة الصورة طويلة القامة كأنها القمر البدر، وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح، وفي وسطها غشاء لحمي كالثوب الضيف من سرتها إلى ركبتها كأنه إزار مشدود عليها. فما زالت كذلك حتى ماتت.
ومنها التنين: ذكروا أنه يرتفع من هذا البحر تنين عظيم يشبه السحاب الأسود وينظر إليه الناس. وزعموا أنها دابة عظيمة في البحر تؤذي دوابه فيبعث الله عليها سحاباً من سحب قدرته فيحملها ويخرجها من البحر. وهي صفة حية سوداء لا يمر ذنبها على شيء من الأبنية العظام إلا سحقته وهدمته، ولا من الأشجار إلا هدتها. وربما تنفست فاحترقت الأشجار والنبات.
قال: فيلقيها السحاب في الجزائر التي بها يأجوج ومأجوج فتكون لهم غذاء. وروي عن ابن عباس ﵄ هذا القول.
وحكي أن الإسكندر لما أن فرغ من السد وأحكمه سر بذلك سروراً عظيماً، وأمر بسرير فنصب له على السد فرقي عليه وحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: يا رب الأرباب ومسهل الصعاب، أنت ألهمتني بسد هذا المكان صوناً للبلاد وراحة للعباد وقمعاً لهذا العدو المطبوع على الفساد، فأحسن لي المثوبة في يوم المعاد، ورد غربتي
стр. 227
وأحسن أوبتي. ثم سجد سجدة أطال فيها ثم استوى على فراشه واستلقى على ظهره لانتعاشه، وقال: الآن قد استرحت من سطوة الخزر ومقاساة الأتراك.
ثم أغفى إغفاءه فطلع طالع من البحر حتى سد الأفق بطوله وارتفع كالغمامة العظيمة السوداء فسد الضوء عن الأرض، فبادرت الجيوش والمقاتلة إلى قسيهم واشتد الصياح، فانتبه الاسكندر ونادى: ما الذي نابكم وما شأنكم؟ فقالوا: الذي ترى. قال: أمسكوا عن سلاحكم وكفوا عن انزعاجكم، لم يكن الله ليلهمني لما أراد ويغربني عن أهلي ومسقط رأسي ي البلاد لمصالح الخلق والعباد مدة عشرين سنة وستة شهور، ثم يسلط علي بهيمة من بهائم البحر المسجور. فكف الناس عن السلاح وأقبل الطالع نحو السد حتى علاه وارتفع عليه رمية سهم، ثم قال: أيها الملك، أنا ساكن هذا البحر، وقد رأيت هذا المكان مسدوداً سبع مرات، وفي وحي الله أن ملكاً، عصره عصرك وصورته صورتك وصوته صوتك واسمه اسمك، يسد هذا الثغر سداً مؤبداً، فأحسن الله معونتك وأجزل مثوبتك ورد غربتك وأحسن أوبتك فأنت ذلك الملك الهمام وعليك من الله السلام. ثم غاب عن بصره فلم يعلم كيف ذهب وليكن هذا آخر الكلام على البحار والجزائر والعجائب.
стр. 228
فصل في ذكر المشاهير من الأنهار وعجائبها
قيل: إن الأمطار والثلوج إذا وقعت على الجبال تنصب إلى مغارات بها وتبقى مخزونة فيها في الشتاء، فإن كان في أسافل الجبال منافذ ينزل الماء من تلك المنافذ فيحصل منها الجداول وينضم بعضها إلى بعض فتحدث منها الأنهار والغدران والأودية، فإن كانت المغارات التي هي الخزانات لهذه المياه في أعالي الجبل استمر جريانه أبداً من غير انقطاع لأن المياه تنصب إلى سفح الجبل ولا تنقطع لاتصال الامتداد من الأمطار والثلوج، وإن انقطعت لانقطاع المدد بقيت المياه واقفة، كما ترى في الأودية من الغدران التي تجري في وقت وتنقطع في وقت.
قال بطليموس في كتاب جغرافيا: إن بهذا الربع المسكون مائة نهر، طول كل نهر منها من خمسين فرسخاً إلى ألف فرسخ، فمنها ما يجري من المشرق إلى المغرب، ومنها ما يجري بالعكس، ومنها ما يجري من الشمال إلى الجنوب، ومنها ما يجري بالعكس. وكلها تبتدئ من الجبال وتصب في البحار بعد انتفاع العالم بها. وفي ضمن ممرها تتصور بطائح وبحيرات، فإذا صبت في البحر المالح وأشرقت الشمس على البحار فتصعد إلى الجو بخاراً ثم ينعقد غيوماً وأندية كالدولاب الدائر، فلا يزال الأمر كذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله. فسبحان المدبر لمملكته ببدائع حكمته، لا إله إلا هو.
فأول ما نبدأ بذكره نهر أثل: وهو نهر عظيم في بلاد الخزر، ويقارب دجلة، ومجيئه من أرض الروس وبلغار ومصبه في بحر الخزر. وقد ذكر الحكماء أنه يتشعب
стр. 229
من هذا النهر خمس وسبعون شعبة، كل شعبة منها نهر عظيم، وعموده لا يتغير ولا ينقص ذرة لغزارة مائه وقوة امتداده، فإذا انتهى إلى البحر يجري فيه يومين ولونه بائن من لون البحر، ثم يختلط ويجمد في الشتاء لعذوبته. وفي هذا البحر حيوانات عجيبة.
حكى أحمد بن فضلان رسول المقتدر من خلفاء بني العباس إلى بلغار، قال: لما دخلت بلغار سمعت أن عندهم رجلاً عظيم الخلقة، فسألت الملك عنه فقال: نعم، ما كان من بلادنا ولكن قوماً خرجوا إلى نهر أثل وكان قد مد وطغى، ثم أتوا وقالوا أيها الملك إنه قد طفى على وجه الماء رجل كأنه من أمة بالقرب منا، فإن كان ذاك فلا مقام لنا. فركبت معهم حتى سرت إلى النهر فإذا برجل طوله اثنا عشر ذراعاً ورأسه كأكبر ما يكون من القدور، وأنفه نصف ذراع وعيناه عظيمتان، وكل أصبع أطول من شبر. فأخذنا نكلمه وهو لا يزيد على النظر إلينا. فحملته إلى مكاني وكتبت إلى وارسو كتاباً وبيننا وبينهم ثلاثة أشهر أستخبرهم عن أمره، فعرفوني أن هذا الرجل من يأجوج ومأجوج وقالوا: إن البحر يحول بيننا وبينهم. فأقام بين أظهرنا مدة، ثم اعتل فمات.
نهر أذربيجان: قال صاحب المسالك والممالك الشرقية: إن هذا البحر يجري ماؤه ويستحجر فيصير صفائح صخر فيستعملونه في البناء.
نهر أشعار: قال صاحب تحفة الغرائب: إن هذا النهر يخرج من موضع يقال له: فج عروس ويفيض تحت الأرض، ثم يخرج من مكان بعيد، ثم يفيض ثانياً بين أرض منادرة وبطليوس ويخرج وينصب في البحر.
стр. 230
نهر جيحون: قال الاصطخري: نهر جيحون يخرج من حدود بذخشان ثم تنضم إليه أنهار كثيرة من حدود الجبل ووخش فيصير نهراً عظيماً ويمر على مدن كثيرة حتى يصل إلى خوارزم. ولا ينتفع به شيء من البلاد في ممره إلا خوارزم، ثم ينصب في بحيرة خوارزم التي بينها وبين خوارزم ستة أيام. وهذا النهر يجمد في الشتاء عند قوة البرد فيصير قطعاً، ثم تصير القطع قطعاً على وجه الماء حتى يلصق بعضها ببعض إلى أن تصير سطحاً واحداً على وجه الماء، ويثخن حتى يصير سمك ذراعين أو ثلاثة أذرع، ويستحكم حتى تعبر عليه العجلات والقوافل المحملة ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق، والماء يجري تحت الجمد فيحفر أهل خوارزم بالمعاول آباراً يستقون منها ويبقى كذلك شهرين فإذا انكسر البرد تقطع قطعاً كما بدأ أول مرة ويعود إلى حالته الأولى. وهو نهر قتال قل أن ينجو منه غريق.
نهر حصن المهدي: قال صاحب تحفة الغرائب: هو بين البصرة والأهواز، وهو نهر كبير ويرتفع منه في بعض الأوقات منارة يسمع منها أصوات كالطبل والبوق ثم
стр. 231
تغيب ولا يعرف شأن ذلك.
نهر خزلج: وهو بأرض الترك، وفيه حيات إذا وقعت عين ابن آدم عليها يغشى عليه.
دجلة: هو نهر ببغداد، مخرجه من أصل جبل بقرب آمد عند حصن ذي القرنين، وكلما امتد انضم إليه مياه جبال ديار بكر. وبآمد يخاض فيه بالدواب ويمتد إلى ميافارقين، وإلى حصن كيفا وإلى جزيرة ابن عمر وإلى الموصل، وتنصب فيه الزيادات ومنها يعظم أمره ويستمر ممتداً إلى بغداد إلى واسط إلى البصرة، وينضب في بحر فارس. وماء دجلة أعذب المياه وأكثرها نفعاً لأن ماءه من مخرجه إلى مصبه جار في العمارات.
وعن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله إلى دانيال ﵇ أن أجر لمصالح عبادي نهراً واجعل مصبه في البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك. قال: فأخذ خشبة فجرها في الأرض والماء يتبعه، وكلما مر بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ ناشده الله فيحيد عنهم. وهو الدجلة، وهو نهر مبارك كثيراً ما ينجو غريقه.
وحكي أنهم وجدوا فيه غريقاً فأخذوه فإذا فيه رمق، فلما رجعت روحه إليه سألوه عن مكانه الذي وقع منه فأخبرهم فكان من موضع وقوعه إلى موضع نجاته خمسة أيام.
стр. 232
نهر الذهب: وهو بأرض الشام وبلاد حلب. زعم أهل حلب أنه وادي بطنان. ومعنى قولهم نهر الذهب أن جميعه يباع أوله بالميزان وآخره بالكيل. فإن أوله تزرع عليه الحبوب والبذور وآخره ينصب إلى بطيحة، فرسخين في فرسخين، فينعقد ملحاً.
نهر المرس: بأذربيجان. وهو شديد الجري، وبأرضه حجارة بعضها ظاهرة وبعضها مغطاة بالماء؛ ولهذا السبب لا تجري فيه السفن. وهو نهر مبارك كثيراً ما ينجو غريقه. حكى ديسم بن إبراهيم صاحب أذربيجان قال: كنت مجتازاً على قنطرة الرس بعسكري، فلما صرت بوسط القنطرة رأيت امرأة ومعها طفل في قماطه، إذ صدمتها دابة فانقلب الطفل من يدها إلى الماء فما وصل إلى الماء إلا بع زمان لبعد ما بين ظهر القنطرة ووجه الماء، ثم غاص الطفل وطفا على وجه الماء وسلم من تلك الأحجار والقرابيص وجرى مع الماء والأم تصيح، وللعقبان أوكار على حروف النهر، فأرسل الله عقاباً منها فانقض على الطفل ورفعه بقماطه وخرج به إلى الصحراء، فصحت بأصحابي إليه، فركضوا في أثر العقاب فإذا العقاب قد اشتغل بحل القماط، فلما أدركوه وصاحوا عليه طار العقاب وترك الطفل فوجدوه سالماً موقى، فردوه إلى أمه وهو ساكت.
نهر الزاب: وهو نهر بين الموصل وإربل، يبتدئ من أذربيجان وينصب في دجلة. يقال له الزاب المجنون لشدة جريه. قال القزويني: شربت من
стр. 233
مائه في شدة القيظ فإذا هو أبرد من الثلج والبرد، وذلك لشدة جريه وعدم تأثير الشمس فيه.
نهر زمرود: وهو بأصبهان، موصوف باللطافة والعذوبة، يغسل فيه الثوب الخشن فيعود أنعم من الخز والحرير، وهو يخرج من قرية يقال لها ما كان ويعظم بانضمام الماء إليه عند أصبهان ويسقي بساتينها ورساتيقها، ثم يغور في رمل هناك ويظهر بكرمان ويجري وينصب في بحر الهند. ذكروا أنهم أخذوا قصبة وعلموها وأرسلوها في موضع غوران الماء فرجعت بكرمان.
نهر سبحة: وهو نهر بين حصن منصور وبكسوم، لا يتهأ خوضه لأن قراره رمل سيال، وعلى هذا النهر قنطرة وهي إحدى عجائب الدنيا لأنها عقد واحد من الشط إلى الشط مقدار مائتي خطوة من حجر صلد مهندم، طول كل حجر عشرة أذرع. حكي أن عند أهل تلك البلدة بالأرض لوحاً عليه طلسم فإذا انعاب من تلك القنطرة مكان أدلوا ذلك اللوح إلى موضع العيب فينعزل الماء عنه ويحيد فينصلح ذلك الموضع بلا مشقة، ويرفع اللوح فيعود الماء إلى مكانه.
نهر سلق: بإفريقية الغرب، وهو نهر كبير يجري فيه الماء بعد كل ستة أيام يوماً واحداً. وهذا دأبه دائماً. وقيل هو نهر صقلاب.
نهر طبرية: هو نهر عظيم، والماء الذي يجري فيه نصفه بارد ونصفه حار فلا يختلط أحدهما بالآخر، فإذا أخذ من الماء الحار في إناء وضربه الهواء صار بارداً.
نهر العاصي: هو نهر حماه وحمص، مخرجه من قدس ومصبه في البحر بأرض السويدية من أنطاكية. وسمي العاصي لأن أكثر الأنهار هناك تتوجه نحو
стр. 234
الجنوب وهذا يتوجه نحو الشمال.
نهر الفرات الأعظم: هو نهر عظيم عذب طيب ذو هيبة. مخرجه من أرمينية ثم يمتد إلى قالي قلا بالقرب من خلاط، وإلى ملطية وإلى شميصات وإلى الرقة، ثم إلى غانة، إلى هيت، فيسقي هناك المزارع والبساتين والرساتيق، ثم ينصب بعضه في دجلة وبعضه يسير إلى بحر فارس.
وللفرات فضائل كثيرة: روي أن أربعة أنهار من أنهار الجنة: سيحون، وجيحون، والنيل، والفرات.
وعن علي ﵁ قال: يا أهل الكوفة إن نهركم هذا ينصب إليه ميزابان من الجنة.
стр. 235
وروي عن جعفر الصادق ﵁ أنه شرب من ماء الفرات، ثم استزاد وحمد الله تعالى وقال: ما أعظم بركته، لو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافته القباب، ما انغمس فيه ذو عاهة إلا برئ.
وعن السدي أن الفرات مد في زمن عمر ﵁ فألقى رمانة عظيمة فيها كر من الحب فأمر المسلمين أن يقسموها بينهم وكانوا يرون أنها من الجنة.
نهر القورج: هو نهر بين القاطول وبغداد، وكان سبب حفره أن كسرى أنوشروان ملك الفرس لما حفر القاطول أضر بأهل الأسافل فخرج أهل تلك النواحي للتظلم فرآهم فثنى رجله على دابته ووقف، وكان قد خرج متنزهاً فقال بالفارسية: ما شأنكم أيها المساكين؟ قالوا: لقد جئناك متظلمين. قال: ممن؟ قالوا: من ملك الزمان كسرى أنوشروان. فنزل عن دابته وجلس على التراب وقال بالفارسية: زنهاراي مسكينان. فأتي بشيء ليجلس عليه فأبى وأدناهم منه ونظر إليهم وبكى وقال: قبيح وعار على ملك يظلم المساكين، ما ظلامتكم؟ قالوا: يا ملك الزمان حفرت القاطول فانقطع الماء عنا وقد بارت أراضينا وخربت. فدعا كسرى بموبذانه وقال له: ما
стр. 236
جزاء ملك أضر برعيته من غير قصد؟ قال الموبذان: جزاؤه أن يجلس على التراب كما فعل ملك الزمان، ويرجع عن الخطأ إلى الصواب وإلا سخطت عليه النيران.
فقال: قد رجعت عما وقعت فيه، فهل ترضون بسد ما حفرت؟ قالوا: لا نكلف الملك ذلك: قال: فما تريدون؟ قالوا: مرنا أن نجري من القاطول نهراً لنحيي أرضنا. فقال: لا أكلفكم ذلك. ثم أمر أصحابه وجنده بالإقامة في مجلسه وقال: لا أبرح من مكاني حتى أرى نهراً يجري دون القاطول يسقي أراضي هؤلاء المساكين، والجاني أولى بالخسارة. فما برح من مكانه ذلك حتى أجرى لهم نهراً دون القاطول بناحية القورج، وساقوا الماء إلى أراضيهم وعمرت، وسقوا منها أنفسهم ومواشيهم.
فهذا كان عدله في رعيته وهو كافر يعبد النيران.
نهر الكر: هو بين أرمينية وأذال. وهو نهر مبارك وكثيراً ما ينجو غريقه. قال بعض الفقهاء نقجوان: وجدنا غريقاً في الكر يجري به الماء فبادر القوم إليه فأدركوه على آخر رمق، فلما رجعت إليه روحه قال: في أي موضع أنا؟ قالوا: في نقجوان. قال: إني وقعت في الموضع الفلاني. فإذا مسيرة ذلك المكان ستة أيام. فطلب منهم طعاماً فذهبوا ليأتوه به؛ فانقض عليه جدار فمات.
نهر مهران: وهو بالسند، عرضه عرض جيحون يجري من المشرق إلى المغرب، ويقع في بحر فارس. قيل إنه يخرج من جبل يخرج منه بعض أنهار جيحون، وهو نهر عظيم فيه تماسيح كنيل مصر، إلا أنها أضعف وأصغر. وهو يمتد على الأرض ويزرع عليه كما يزرع على النيل، وينقص ويزيد كالنيل، حذو النعل بالنعل، ولا يوجد تمساح قط إلا بنهر مهران والنيل.
стр. 237
نهر مكران: هو نهر عظيم عليه قنطرة، قطعة واحدة، من عبر عليها يتقايأ جميع ما في بطنه ولو كانوا ألوفاً. وإن وقفوا عليه زماناً هلكوا من القيء.
نهر اليمن: قال صاحب تحفة الغرائب: نهر بأرض اليمن. من طلوع الشمس يجري من المشرق إلى المغرب، ومن غروب الشمس يجري من المغرب إلى المشرق.
نهر هند مند: وهو بسجستان. ينصب فيه ألف نهر ولا يتبين فيه زيادة، ويتشعب منه ألف نهر ولا يظهر فيه نقصان، بل هو في الحالتين سواء.
نهر العمود: وهو بالهند، عليه شجرة باسقة من حديد وقيل من نحاس، وتحتها عمود من جنسها ارتفاعه عشرة أذرع، وفي رأس العمود ثلاث شعب غلاظ مستوية محددة كالسيوف. وعنده رجل يقرأ كتاباً ويقول للنهر: يا عظيم البركة وسيل الجنة، أنت الذي خرجت من عين الجنة فطوبى لمن صعد على هذه الشجرة وألقى نفسه على هذا العمود. فيصعد ممن حوله رجل أو رجال فيلقون أنفسهم على ذلك العمود ويقعون في الماء فيدعو لهم أهلوهم بالمصير إلى الجنة.
وفي الهند نهر آخر: ومن أمره أن يحضره رجال بسيوف قاطعة، فإذا أراد الرجل من عبادهم أن يتقرب إلى الله تعالى بزعمهم أخذوا له الحلي والحلل وأطواق الذهب والأسورة بالكثرة ويخرجون به إلى هذا النهر فيطرحونه على الشط، فيأخذ أصحاب السيوف ما عليه من الزينة والأطواق والأسورة ويضربونه بالسيوف حتى يصير قطعتين، فيلقون نصفه في مكان ونصفه في مكان آخر بالبعد عنه، ويزعمون أن هذا النهر وما قبله خرجا من الجنة.
стр. 238
نهر النيل المبارك: ليس في الدنيا نهر أطول منه، لأنه مسيرة شهرين في الإسلام وشهرين في الكفر وشهرين في البرية وأربعة أشهر في الخراب. ومخرجه من بلاد جبل القمر خلف الاستواء، ويسمى جبل القمر، لأن القمر لا يطلع عليه أصلاً لخروجه عن خط الاستواء وميله عن نوره وضوئه؛ ويخرج من بحر الظلمة ويدخل تحت جبال القمر. قال رسول الله ﷺ : إن النيل يخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يخرج لوجدتم من ورقها.
وكان عبقام وهو هرمس الأول قد حملته الشياطين إلى هذا الجبل المعروف بالقمر ورأى النيل كيف يخرج من البحر الأسود ويدخل تحت جبل القمر، وبنى في سفح ذلك الجبل قصراً فيه خمسة وثمانون تمثالاً من نحاس، جعلها جامعة لما يخرج من الماء من هذا الجبل معاقد ومضاب مدبرة في إحكام، يجري منه الماء إلى تلك الصور والتماثيل فيخرج من حلوقها على قياس معلوم وأذرع معدودة، فتصب إلى أنهار كثيرة فيتصل بالبطيحتين ويخرج منهما حتى يصل إلى البطيحة الجامعة. وعلى هذه البطيحة بلاد السودان ومدينتها العظمى طرمى. وبالبطيحة جبل معترض يشقها ويخرج نحو الشمال مغرباً ويخرج النيل منه نهراً واحداً ويفترق في أرض النوبة، ففرقته إلى أقصى المغرب وعلى هذه الفرقة غالب بلاد السودان، والفرقة التي تنصب إلى مصر منحدرة من أرض أسوان تنقسم في مجرى البلاد على أربع فرق، كل فرقة إلى ناحية، ثم تصب في بحر الإسكندرية. ويقال إن ثلاثة منها تصب في البحر
стр. 239
الشامي. وفرقة تصب في البحيرة الملحة التي تنتهي إلى الإسكندرية. والأذرع التي صنعها عبقام هي ثمانية عشر ذراعاً، كل ذراع اثنتان وثلاثون أصبعاً، وما زاد على ذلك فهو سائر إلى رمال وغياض لا منفعة فيها. ولولا ذلك لغرقت البلاد.
وذكروا أن سيحون وجيحون والنيل والفرات كلها تخرج من قبة من زبرجدة خضراء من جبل عال هناك وتسلك على البحر المظلم، وهي أحلى من العسل وأذكى رائحة من المسك ولكنها تتغير بتغير المجاري، وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال ويمد في شدة الحر حتى تنقص له الأنهار كلها، ويزيد بترتيب وينقص بترتيب، غير النيل. وسبب مده أن الله تعالى يبعث إليه الريح الشمالي فيقلب عليه البحر المالح فيصير كالسكر له فيزيد حتى يعم البلاد فإذا بلغ حد الري بعث الله عليه ريح الجنوب فأخرجته إلى البحر. ولما كان زمن يوسف ﵇ اتخذ بمصر مقياساً يعرف به مقدار الزيادة والنقصان فإذا زاد على قدر الكفاية يستبشرون بخصب البلاد، وهو عمود قائم في وسط بركة على شاطئ النيل ولها طريق يدخل إليها منها الماء وعلى ذلك العمود خطوط معروفة بالأصابع والأذرع. وكانت كفايتهم في ذلك الوقت أربعة عشر ذراعاً، فإذا استوى الماء كما ذكرنا في الخلجان والوهاد يملأ جميع أرض مصر، فإذا استوفت الأرض ريها انكشفت تربتها وزرع عليها أصناف الزرع وتكتفي بتلك الشربة الواحدة. وليس في الدنيا نهر يشبهه إلا نهر الملتان وهو نهر السند. شعر في المعنى:
إن مصراً لأطيب الأرض طرّاً ... ليس في حسنها البديع التباس
وإذا قستها بأرضٍ سواها ... كان بيني وبينك المقياس
стр. 240
وحكي أن رجلاً من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈ يسمى جياداً لما دخل مصر ورأى عجائبها آلى على نفسه أن لا يفارق ساحل النيل إلى منتهاه أو يموت. فسار ثلاثين سنة في العامر وثلاثين سنة في الخراب حتى انتهى إلى بحر أخضر فرأى النيل يشق ذلك البحر؛ وأنه ركب دابة هناك سخرها الله له فعدت به زماناً طويلاً وأنه وقع في أرض من حديد، جبالها وأشجارها من حديد. ثم وقع في أرض من نحاس، جبالها وأشجارها نحاس. ثم وقع في أرض من فضة جبالها وأشجارها فضة. ثم وقع في أرض من ذهب جبالها وأشجارها ذهب. وأنه انتهى في مسيره إلى سور مرتفع من ذهب، وفيه قبة عالية من ذهب ولها أربعة أبواب، والماء ينحدر من ذلك السور ويستقر في تلك القبة ثم يخرج من الأبواب الأربعة، فمنها ثلاثة تغيض في الأرض، والرابع يجري على وجه الأرض وهو النيل، والثلاثة سيحون وجيحون والفرات، وأنه أتاه ملك حسن الهيئة، فقال له: السلام عليك يا جايد، هذه الجنة. ثم قال له: إنه سيأتيك رزق من الجنة فلا تؤثر عليه شيئاً من الدنيا.
فبينما هو كذلك إذ أتاه عنقود من العنب فيه ثلاثة ألوان: لون كاللؤلؤ ولون كالزبرجد الأخضر ولون كالياقوت الأحمر. فقال له الملك: يا جايد هذا من حصرم الجنة، فأخذه جايد ورجع، فرأى شيخاً تحت شجرة من تفاح فحدثه وآنسه وقال له: يا جايد ألا تأكل من هذا التفاح؟ فقال: إن معي طعاماً من الجنة وإني لمستغن عن تفاحك. فقال له: صدقت يا جايد، إني لأعلم أنه من الجنة، وأعلم من أتاك به وهو أخي، وهذا التفاح أيضاً من الجنة. ولم يزل به ذلك الشيخ حتى أكل من التفاح وحين عض على التفاحة رأى ذلك الملك وهو يعض على أصبعه؛ ثم قال له: أتعرف هذا الشيخ؟ قال: لا، قال: هو والله الذي أخرج أباك آدم من الجنة، ولو قنعت بالعنقود الذي معك لأكل منه أهل الدنيا ما بقيت الدنيا ولم ينفد، وهو الآن
стр. 241
مجهودك إلى مكانك. قال: فبكى جايد وندم وسار حتى دخل مصر وجعل يحدث الناس بما رأى في مسيره من العجائب.
بحيرة تنيس: قيل إنها كانت جنات عظيمة وبساتين، وكانت مقسومة بين ملكين أخوين من ولد إتريب بن مصر. وكان أحدهما مؤمناً والآخر كافراً، فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر والخير حتى إنه باع حصته في الجنات والبساتين إلى أخيه الكافر، فزاد فيها ألفاً من الجنات والبساتين وأجرى خلالها أنهاراً عذبة، فاحتاج
стр. 242
أخوه المؤمن إلى ما في يده؛ فمنعه وسبه وجعل يفتخر عليه بماله ويقول له: أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً. فقال له أخوه المؤمن: إني ما أراك شاكراً الله تعالى ويوشك أن ينتزعها منك. فقال: هذا كلام لا أسمعه، ومن ينتزع مني ذلك؟ فدعا المؤمن عليه فجاء البحر وأغرق ذلك كله في ليلة واحدة حتى صارت كأن لم تكن.
وقد ورد في الكتاب العزيز ذكر قصتهما في سورة الكهف في قوله تعالى: " واضرِبْ لهم مثلاً رجلين جَعلنا لأحدهما جنّتين من أعناب وحفَفْناهما بنخلٍ وجعلنا بينهما زَرْعاً " إلى قوله: " خيرٌ ثواباً وخير عُقْباً ".
وكان لتنيس مائة باب. ويقال إن هذه البحيرة تصير عذبة ستة أشهر. ثم تصير ملحاً أُجاحاً ستة أشهر: وهذا دأبها أبداً بإذن الملك القادر.
وبمدينة قليوب بحيرة: ظهر بها في سنة من السنين نوع من السمك كانت عظامها ودهنها تضيء في الليل المظلم كالسراج من أخذ من عظامها عظمة في يده أضاء معه كالشمعة الرائقة إلى منزلة وحيث شاء. وأغنت الناس عن إيقاد السرج في بيوتهم، وإذا دهن بدهنها أصبعاً من أصابعه فكذلك تضيء أصبعه كالسراج الوهاج، حتى حكي أن بعض الناس تلوثت أصابعه من ذلك الدهن فمسح بها في حائط بيته، فبقي أثر الدهن في الحائط فكان ذلك الأثر يضيء في الحائط كأربع شمعات ثم انقطع مجيء ذلك النوع من السمك فلم يوجد بها شيء منها إلى يومنا هذا.
стр. 243
نهر الرمل: هو نهر في أقصى بلاد المغرب، جار كالأنهار لا ينقطع جريانه ومن نزل فيه هلك. ويقال إن ذا القرنين وصل إليه ورآه ونظر إلى الرمل وجريانه. فبينما هو ناظر إليه إذ انكشف الرمل وانقطع الجريان، فأمر أناساً من أصحابه أن يعبروا فيه فعبروا ولم يعودوا إليه وهلكوا. فنصب ذو القرنين هناك شخصاً قائماً كالمنارة من النحاس الأصفر وأحكمه وكتب عليه: ليس وراء هذا شيء فلا يتجاوزه أحد.
وليكن هذا آخر الكلام على ذكر الأنهار وعجائبها.
стр. 244
فصل في عجائب العيون والآبار
منها عين أذربيجان: قال في كتاب تحفة الغرائب: قيل: يأخذون قالب لبن فيمكن في الأرض ويصب فيه ماء هذه العين، ويصبرون عليه مقدار ساعة قيصير الماء لبناً من حجر صلد ويبنون به ما شاؤوا وأرادوا.
وعين بقرية من قرى قزوين: تسمى أدرند بهسند، إذا شرب الإنسان منها حصل له إسهال مفرط. ويكن الإنسان أن يشرب من ذلك الماء عشرة أرطال لخفته وعذوبته، وإذا حمل ذلك الماء إلى خارج حد تلك القرية بطلت الخاصية.
عين باذخاني: قال صاحب تحفة الغرائب: بدامغان قرية تسمى كهر؛ بها عين تسمى باذخاني، إذا أراد أهل هذه القرية هبوب الريح أخذوا خرقة حيض ووضعوها في العين فتتحرك الرياح؛ ومن شرب من مائها ولو جرعة انتفخ بطنه كالطبل؛ ومن حمل ذلك إلى مكان آخر انعقد حجراً.
عين ابلانستان: قال صاحب تحفة الغرائب: ابلانستان قرية بين جرجان وأسفراين، فيها عين تسمى بها، ينبع منها ماء كثير فينتفع بمائها خلق كثير وتنقطع في بعض الأوقات شهراً فيخرج أهل تلك الأرض رجالها ونساؤها في أحسن زينة وأجمل هيئة بالدفوف والصنوج والشبابات وأنواع الملاهي ويرقصون عند تلك العين ويلعبون ويضحكون فلا يرجعون إلا وقد مدت العين بالماء الكثير مقدار ما يدير رحيين.
стр. 245
عين باميان: قال في كتاب تحفة الغرائب: بأرض باميان عين ينبع منها ماء كثير بصوت عظيم وجلبة، ويشم منها رائحة الكبريت، من اغتسل من مائها زال عنه الحكة والجرب والدمامل، وإذا جعل في إناء من مائها وسد الإناء سداً محكماً وترك صار كالطين، وإن قرب من النار اشتعل والتهب.
عين جاج: قال صاحب تحفة الغرائب: بقرب جاج عقبة على رأسها عين ماء إذا كانت السماء صاحية لا يرى فيها قطرة ماء، وإذا كانت السماء مغيمة تراها مملوءة طافحة. وبناحية باميان جبال فيها عيون لا تقبل أبداً شيئاً من النجاسات وإذا ألقى فيها أحد شيئاً من النجاسات هاج الماء وعلا وفار، فإن لحق الذي ألقاها أغرقه.
عين زغر: وهي طرف البحيرة المنتنة بالشام، بينها وبين بيت المقدس ثلاثة أيام. وزغر اسم ابنة لوط ﵇، وهي العين التي أوردنا ذكرها في حديث الجساسة والدجال، وغورانها من علامات الساعة.
عين سياه سنك: قال في تحفة الغرائب: بجرجان موضع يسمى سياه سنك به عين على تل يأخذ الناس منها الماء للشرب وهو عذب طيب، وفي الطريق إلى العين
стр. 246
دودة معروفة بين أهلها فمن أخذ من ذلك الماء وأصابت رجله تلك الدودة وهو ذاهب بالماء صار الماء مراً علقماً فيريقه ويمضي إلى الماء ثانياً.
عين الأوقات: وهي في المغرب، لا تجري إلا في أوقات الصلوات الخمس في أولها ثم تنقطع، ولبثها بقدر ما يتوضأ الناس.
عين شيرم: وهي بين أصفهان وشيراز، بها مياه مشهورة وهي من عجائب الدنيا، وذلك أن الجرادة إذا نزلت ووقعت بأرض، يحمل إليها من تلك العين ماء في ظرف أو غيره فيتبع ذلك الماء طيور سود تسمى السمر مر، ويقال لها السودانية، بحيث إن حامل الماء لا يضعه إلى الأرض ولا يلتفت وراءه، فتبقى تلك الطيور على رأس حامل الماء في الجو كالسحابة السوداء إلى أن يصل إلى الأرض التي بها الجراد، فتصيح الطيور عليها وتقتلها، فلا ترى من الجراد متحركاً بل يموتون من أصوات تلك الطيور إذا سمعوها.
عين شيركيزان: وهي من قرى مراغة، فيها عينان تفوران ماء، أحدهما بارد عذب والآخر حار مالح وبينها مقدار ذراع.
عين العقاب: قال صاحب تحفة الغرائب: بأرض الهند عين برأس جبل إذا هرم العقاب وضعف تأتي به أفراخه وتحمله إلى تلك العين وتغسله فيها ثم تضعه في شعاع الشمس فيسقط ريشه وينبت له ريش جديد، ويذهب هرمه وضعفه وترجع إليه قوته وشبابه.
عين غرناطة: قال الأندلسي: بقرب غراناطة كنيسة عندها عين ماء وشجر زيتون، يقصدها الناس في يوم معلوم من السنة فإذا طلعت الشمس في ذلك اليوم فاضت تلك العين ثم يظهر على تلك الشجرة زهر الزيتون ثم ينعقد زيتوناً في الحال
стр. 247
والوقت، ويكبر ويسود في يومه ذلك ويأخذه الناس، ويأخذون من ماء تلك العين، كل أحد بمقدرته ثم يدخرون ذلك الزيتون والماء للتداوي، ولذلك فيما بينهم منافع عظيمة.
عين غزنة: وبقرب مدينة غزنة عين إذا ألقي فيها شيء من القاذورات والنجاسات يتغير الهواء في الحال ويظهر البرد والريح العاصف والمطر والثلج، فيبقى ذلك الحال حتى تزول عنها تلك القاذورات. وزعموا أن السلطان محمود بن سبكتكين السلجوقي تغمده الله برحمته لما أراد فتح غزنة كان كلما قصدها ألقى أهلها في العين شيئاً من القاذورات، فتقوم القيامة لشدة الريح والبرد والمطر فيرجع بعسكره بغير قصد كالمكسور. فصلى ليلة من الليالي ودعا فقال: إلهي إن كان قصدي في فتح هذه البلاد حصول الدنيا فاثن عزمي عن ذلك، وخذ بناصيتي إلى الخير، وإن كان قصدي الثواب والآخرة وتقوية شوكة الإسلام فاجعل لي إلى فتح هذه المدينة سبيلاً، وأرح عبادك المسلمين المجاهدين في سبيلك. ثم سجد سجدة ونام في سجوده ووجهه على الثرى، فأتاه آت وخاطبه بكلام مبين قائلاً: يا بن سبكتكين، إن رمت الخلاص من هذه المحنة فأرسل جنوداً لحفظ العين وقد افتتحت غزنة فسعيك مشكور وفعلك مبرور. فانتبه وأرسل مقدماً لحراسة تلك العين ثم زحف على غزنة فافتتحها كطرفة عين.
عين الفرات: بقرب أردن الروم، من اغتسل من مائها أيام الربيع أمن من مرض تلك السنة.
стр. 248
عين نهاوند: قال صاحب تحفة الغرائب: بالقرب من نهاوند عين في شعب جبل وتحت الشعب وطأة، فكل من احتاج إلى الماء ليسقي أرضه؛ مشى إلى العين ودخل الشعب وهو يقول بصوت عال: أنا محتاج إلى الماء، ثم يغمس رجله في العين ويمشي نحو زرعه، والماء يمشي خلفه، حتى يسقي أرضه. فإذا انقضت حاجته يرجع إلى الشعب وهو يقول: قد اكتفت أرضي وربحتم أجري، ثم يضرب برجله الأرض فينقطع الماء عنه. وهذا دأب الماء ودأب أهل تلك الأرض، وهذه من أعجب العجائب.
وليكن هذا آخر الكلام على عجائب العيون.
стр. 249
فصل في الآبار وعجائبها
بئر أبي كود: بقرب طرابلس، من شرب من مائها تحمق، وهو مثل يقال بينهم للأحمق: شرب من بئر أبي كود.
بئر بابل: قال الأعمش: كان مجاهد يحب أن يسمع الأعاجيب ويقصدها، وكان لا يسمع بشيء من ذلك إلا توجه إليه وعاينه. فأتى بابل فلقيه الحجاج فقال له: ما تصنع ههنا؟ قال؛ أريد أن تسيرني إلى رأس الجالوت، وأن تريني موضع هاروت وماروت، فأمر به فأرسل إلى رجل من أعيان اليهود وقال: اذهب بهذا فأدخله على هاروت وماروت ولينظر إليهما، فانطلق به حتى أتى موضعاً فرفع صخرة فإذا هو شبه سرداب، فقال له اليهودي: انزل معي وانظر إليهما ولا تذكر اسم الله تعالى، قال مجاهد: فنزل اليهودي ونزلت معه ولم نزل نمشي حتى نظرت إليهما وهما كالجبلين العظيمين منكوسين على رؤوسهما والحديد في أعناقهما إلى ركبتيهما. فلما رآهما مجاهد لم يملك نفسه أن ذكر اسم الله تعالى. قال: فاضطربا اضطراباً شديداً حتى كادا يقطعان ما عليهما من الحديد، فهرب مجاهد واليهودي حتى خرجا، فقال اليهودي لمجاهد: أما قلت لك لا تفعل، كدنا والله نهلك.
قال المفسرون: إن رجلاً أراد أن يتعلم السحر فأتى أرض بابل ودخل عليهما فقال: لا إله إلا الله، فاضطربا اضطراباً شديداً وقالا له: ممن أنت؟ قال: من بني آدم، قالا: من أي الأمم؟ قال: أمة محمد. قالا: أو بعث محمد؟ قال: نعم. فاستبشرا بذلك
стр. 250
وفرحا؛ فقال الرجل: لم تفرحان؟ قالا: قد قرب فرجنا فإن محمداً نبي الساعة وقد قربت. قال لهما: أريد أن أتعلم السحر، قالا له: اتق الله ولا تكفر. قال: لا بد من ذلك. فعاوداه ثلاثاً فلم يرجع فقالا له: امض إلى ذلك النور فبل فيه. قال ففعل، فخرج منه نور حتى صعد إلى السماء ونزل دخان أسود فدخل في فيه فقالا له: فعلت؟ قال: نعم، قالا: فما رأيت؟ فأخبرهما فقال أحدهما: النور الذي خرج منك هو نور الإيمان، وقال الآخر: الدخان الذي دخل فيك هو ظلمة الكفر، اذهب فقد علمت.
وحكي أن امرأة جاءت إلى عائشة ﵂ باكية تطلب النبي ﷺ فلم تجده، فقالت لها عائشة: مم تبكين، وما الذي تريدين منه؟ فقالت: أريد أن أسأله عن شيء في السحر. فقالت: وما هو؟ قالت: إن زوجي سافر وغاب عني مدة طويلة فجاءت امرأة إلي وقالت: أتريدين مجيئه؟ قلت: نعم، قالت: فاعملي بما أقول لك، قالت: نعم. فغابت وأتتني بكبشين عند العشاء أسودين، فركبت واحداً وأركبتني الآخر. فلم نلبث إلا قليلاً حتى دخلنا على هاروت وماروت فقالت لهما: إن هذه المرأة تريد أن تتعلم السحر. فقالا لها: اتقي الله ولا تكفري وارجعي. فأبيت وقلت. لا بد من ذلك، فأعادا علي ثلاثاً، فأبيت وقلت: لا بد من ذلك. فقالا: اذهبي فبولي في ذلك التنور قالت: فذهبت ووقفت على التنور
следующие страницы →