← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يؤيِّدُ ذلك: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ في «السننِ»؛ لما سمِعَ ابنَه يجهرُ بها، فأنكَرَه، وقال: «يا بنيَّ، إياكَ والحَدَثَ»، وذكر أنه صلَّى خلفَ النبيِّ وأبي بكرٍ وعمرَ، فلم يكونوا يجهرونَ بها (١). وأيضًا: فمن المعلومِ أن الجهرَ بها مما تتوفَّرُ الدواعي على نَقْلِه، بل لو انفردَ بنقلِ مثلِ هذا الواحدُ أو الاثنانِ؛ قُطِع بكذِبِهما، وبمثلِ هذا تُكذَّبُ دعوى الرافضةِ النصَّ على عليٍّ في الخلافةِ، وأمثالُ ذلك. وقد اتفقَ أهلُ المعرفةِ على أنه ليسَ في الجهرِ حديثٌ صريحٌ، ولم يَرْوِ أهلُ السُّننِ شيئًا من ذلك، إنما يوجدُ الجهرُ بها في أحاديثَ موضوعةٍ، يَروي ذلك الثَّعْلبيُّ (٢) والماوَرْديُّ وأمثالُهما (٣) منَ الذين يحتجُّونَ بمثلِ حديثِ الحُمَيراءِ (٤).

стр. 107

وأعجبُ من ذلكَ: بعضَ أفاضلِ الفقهاءِ لم يعْزُ في كتابِه حديثًا إلى البخاريِّ إلا حديثًا في البسملةِ (١)، ومَن هذا مَبلَغُ عِلمِه كيفَ يكونُ حالُه في هذا البابِ، أو يَرْويها من جَمَع الأحاديثَ في هذا البابِ؟! وإذا سُئِل يقولُ بموجَبِ علمِه، كما قال الدارَقُطْنيُّ لما سُئِلَ: أفيها شيءٌ صحيحٌ؟ فقالَ: أمَّا عن النبيِّ ﷺ فلا، وأمَّا عن الصحابةِ فمنه صحيحٌ وضعيفٌ (٢).

стр. 108

فإذا لم يكنْ فيها حديثٌ صحيحٌ، فضلًا أن يكونَ فيها أخبارٌ متواترةٌ أو مستفيضةٌ؛ امتَنعَ أن يكونَ النبيُّ ﷺ جهَرَ بها، ولا يعارِضُ ذلك كونُ عدمِ الجهرِ مما تتوفَّرُ الدواعي على نقْلِه، ولم يُنقلْ متواتِرًا، بل تَنازَعَ فيه العلماءُ؛ لأنَّ الذي تَتوفَّرُ الِهمَمُ والدَّواعي على نَقْلِه في العَادِةِ هو الأمورُ الوُجوديَّةُ، فأمَّا العَدَمِيَّةُ فَلا، ولا يُنقَلُ منها إلا ما ظُنَّ وجودُه، أوِ احتِيجَ إلى معرفتِه، ولهذا لو نقَلَ ناقلٌ افتراضَ صلاةٍ سادسةٍ، أو صومٍ زائدٍ، أو حجٍّ، أو زيادةٍ في القراءةِ، أو في الرَّكَعاتِ؛ لقطَعْنا بكَذِبِه، وإنْ كان عدمُ ذلك لم يُنقَلْ نقلًا متواترًا قاطعًا. يوضِّحُه: أنَّهم لمَّا لم ينقُلوا الجهرَ بالاستفتاحِ والاستعاذةِ؛ استَدلَّتِ الأمةُ على عدمِ جهرِه بذلك، وإن كان لم يُنقَلْ نقلًا عامًّا عدمُ الجهرِ، فبالطريقِ التي يُعلَمُ عدمُ جهرِه بذلك يُعلَمُ بالبسملةِ، هذا وجهٌ. الثاني: أن الأمورَ العدميةَ لما احتِيجَ إلى نقْلِها؛ نُقِلتْ، فلما انقرضَ عصرُ الخلفاءِ سأل الناسُ أنسًا لمَّا جهَرَ بها بعضُ الأئمةِ كابنِ الزُّبَيْرِ، فأخبَرَهم أنسٌ بتَرْكِ الجهرِ. الثالثُ: أنَّ نفيَ الجهرِ قد نُقِل نقلًا صحيحًا صريحًا في حديثٍ، والجهرُ لم يُنقَلْ نقلًا صحيحًا، معَ أن العادةَ توجبُ نقلَ الجهرِ دونَ عدمِه كما قدَّمْناه. ومَن تدبَّرَ هذه الوجوهَ، وكان عالمًا بالأدلةِ؛ قطَعَ بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكنْ يجهرُ بها. وهل هذا إلا بمثابةِ مَن يَنقُلُ أنَّه كان يجهرُ بالاستفتاحِ معَ أن بعضَ

стр. 109

الصحابةِ كان يجهرُ به، كما كان فيهم مَن يجهرُ بالبسملةِ، ونحن نعلمُ بالاضطرارِ أنه لم يكنْ يجهرُ ﷺ بالاستفتاحِ ولا بالاستعاذةِ كما يجهرُ بالفاتحةِ، فكذلك البسملةُ لم يكنْ يجهرُ بها كما يجهرُ بالفاتحةِ، معَ أنه قد كان يجهرُ بها أحيانًا، أو أنَّه كان يجهرُ بها قديمًا ثمَّ ترَكَ ذلكَ؛ كما روى أبو داودَ والطبرانيُّ (١): أنَّه كان يجهرُ بها بمكةَ، فإذا سمِعَه المشركونَ سبُّوا الرحمنَ، فترك، فما جهَر بها حتى مات، فهذا مُحتمِلٌ. وفي الصحيحينِ: «أنَّه كان يجهرُ بالآيةِ أحيانًا» (٢)، ومثلُ جَهْرِ عمرَ بقولِ: «سبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ» (٣)، ومثلُ جَهْرِ ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ بالاستعاذةِ (٤)، وجَهْرِ ابنِ عباسٍ بالقراءةِ على الجَنازةِ؛ ليُعلِّمَ الناسَ (٥). فيُمكِنُ أن يقالَ: إن مَن جهَر بها من الصحابةِ كان على هذا الوجهِ؛ ليُعرِّفوا أن قراءتَها سنةٌ، مثلما روَى ابنُ شهابٍ وابنُ وهبٍ، عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ وابنِ عمرَ: «أنه كان يَفتتحُ القراءةَ بـ (بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ)» (٦)، قال ابنُ شهابِ: «يُريدُ بذلك أنها آيةٌ من

стр. 110

القرآنِ» (١)، فابنُ شهابٍ أعلمُ أهلِ زمانِه بالسُّنةِ قد بيَّنَ حقيقةَ الحالِ في ذلك. فإن عمدةَ مَن يجهرُ إنَّما هو ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ وابنُ عباسٍ، فقد عُرف حقيقةُ حالِ أبي هريرةَ وغيرِه في ذلك ﵃ أجمعين. وإنما كثُر الكذبُ في أحاديثِ الجهرِ؛ لأنَّ الشيعةَ ترى الجهرَ؛ وهم من أكذَبِ الناسِ، فوضعوا أحاديثَ لبَّسُوا على الناسِ دينَهم، ولهذا يوجدُ في كلامِ أئمةِ السُّنةِ - مثلِ: سفيانَ الثوريِّ - أنهم يذكرونَ من السُّنةِ المسحَ على الخفينِ، وتركَ الجهرِ بالبسملةِ، كما يذكرونَ تقديمَ أبي بكرٍ وعمرَ؛ لأنَّه كان عندَهم شعارُ الرافضةِ ذلك. وروَى مسلمٌ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَن صلَّى صلاةً لم يقرأْ فيها بأمِّ القرآنِ؛ فهي خِدَاجٌ» ثلاثًا، فقال له رجلٌ: أكونُ أحيانًا وراءَ الإمامِ، فقال: اقرَأْ بها في نفْسِكَ، فإني سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «قال اللهُ تعالى: قسمتُ الصلاةَ بَيْني وبينَ عبدي نصفينِ، فإذا قال العبدُ: ﴿الحمد لله﴾ … » الحديثَ (٢). فدلَّ على أنَّ أبا هريرةَ القراءةَ الواجبةَ عندَه المقسومةَ: هي أمُّ

стр. 111

الكتابِ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ كما ذكَره. وحديثُ نُعَيمٍ المُجْمِرِ عن أبي هريرةَ: أنه قرأَ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ثم قرأ بأمِّ القرآنِ (١)؛ فيه دليلٌ على أنها ليستْ من أمِّ القرآنِ، ولم يقُلْ أحدٌ: إنَّها يُجهَر بها مع أنَّها ليستْ من الفاتحةِ. فالحاصلُ: أنَّ أبا هريرةَ إنْ كان جهَر بها فذلك ليُعلِّمَهم أنَّها مُستحَبةٌ قراءتُها؛ كما جهر عمرُ بالاستفتاحِ، ويكونُ حديثُه بالقسمةِ موافقًا لأنسٍ وعائشةَ. هذا إن كان حديثُه دالًّا على الجهرِ، فإنه مُحتمِلٌ، فإن فيه أنَّه قرأ بها، ومجرَّدُ قراءتِه بها لا يدلُّ على الجهرِ، فإن قارئَ السرِّ قد تُسمَعُ قراءتُه إذا قَويتْ، أو أنَّ أبا هريرةَ أخبَرَه بقراءتِها، وقد روي عن النبيِّ أنه كان يقرأُ في الآخرتينِ بفاتحةِ الكتابِ (٢)، وهي قراءةُ سرٍّ. وأما حديثُ سليمانَ التَّيْميِّ الذي صحَّحَه الحاكمُ (٣): فيُعلَمُ أولًا أنَّ الحاكمَ مُتساهِلٌ في بابِ التصحيحِ؛ حتى إنَّه يصحِّحُ ما هو موضوعٌ،

стр. 112

فلا يُوثَقُ بتصحيحِه وحدَه، حتى إنَّ تصحيحَه دونَ تصحيحِ التِّرْمذيِّ والدارَقُطْنيِّ بلا نزاعٍ، بل دونَ تصحيحِ ابنِ خُزَيمةَ وأبي حاتمِ بنِ حِبَّانَ، بل تصحيحُ الحافظِ ابنِ عبدِ الواحدِ المَقْدِسيِّ في «مختاره» خيرٌ من تصحيحِ الحاكمِ بلا ريبٍ، وتحسينُ التِّرْمذيِّ أحيانًا يكونُ مثلَ تصحيحِه، أو أرجحَ، فهذا هذا. والمعروفُ عن سليمانَ التَّيْميِّ وابنِه مُعتمِرٍ: أنَّهما كانا يَجْهرانِ بالبسملةِ؛ لكن نَقْلُ ذلك عن أنسٍ هو المُنكَرُ، معَ مخالفةِ أصحابِ أنسٍ لذلك، فإنهم نقلوا عنه عدمَ الجهرِ. قال الشافعيُّ: حدَّثَنا عبدُ المجيدِ، (١) عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ؛ أن أبا بكرِ بنَ حَفْصِ بنِ عمرَ أخبره أن أنسَ بنَ مالكٍ قال: صلى مُعاويةُ ﵁ بالمدينةِ، فجهَر بأمِّ القرآنِ، فقرأ بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ لأمِّ القرآنِ، ولم يقرأْ بها للسورةِ التي بعدَها، ولم يُكبِّرْ حينَ يهوي، حتى قضى [تلك] (٢) الصلاةَ، فلما سلَّم ناداه مَن سمِعَه مِن المهاجرينَ مِن كلِّ مكانٍ: يا معاويةُ، أسرقتَ الصلاةَ، أم نسيتَ؟ فلما صلَّى بعدَ ذلك قرأ ﴿بسم الله﴾ للسورةِ التي بعدَ أمِّ القرآنِ، وكبر حينَ يهوي ساجدًا.

стр. 113

وحدثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ، حدَّثَني عثمانُ بنُ خُثَيمٍ (١)، عن إسماعيلَ بنِ عبيدِ بنِ رفاعةَ، عن أبيه؛ عن معاويةَ: لما قدِمَ المدينةَ صلَّى بهم، ولم يقرأْ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ولم يكبرْ إذا خفَضَ وإذا رفَعَ، فناداهُ المهاجرونَ حينَ سلَّم والأنصارُ: يا معاويةُ، سرقتَ! وذكرَه. وقال الشافعيُّ أيضًا: ثَنا يحيى بنُ سُلَيمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ، عن إسماعيلَ بنِ عبيدِ بنِ رفاعةَ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن معاويةَ، والمهاجرونَ والأنصارُ بمثلِه، أو مثلِ معناه (٢). قال الدارَقُطنيُّ: إسنادُه ثقاتٌ (٣). والجوابُ: أنَّه حديثٌ ضعيفٌ من وجوهٍ: أحدُها: أنه يُروَى عن أنسٍ، وأحاديثُ أنسٍ الصحيحةُ الصريحةُ المستفيضةُ ترُدُّ هذا. الثاني: أن مدارَه على عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيمٍ، وقد ضعَّفَه طائفةٌ، وقد اضْطَربوا في روايتِه إسنادًا ومَتْنًا، فتبيَّنَ أنه غيرُ محفوظٍ. الثالثُ: أنَّه ليس فيه إسنادٌ متصلُ السماعِ، بل فيه منَ الضعفِ والاضطرابِ ما لا يُؤمَنُ معَه الانقطاعُ أو سوءُ الحفظِ.

стр. 114

الرابعُ: أنَّ أنسًا كان مقيمًا بالبصرةِ، ومعاويةُ لما قدم المدينةَ لم يذكُرْ أحدٌ علِمْناه أنَّ أنسًا كانَ معَه، بل الظاهرُ أنَّه لم يكُنْ معَه. الخامسُ: أنَّ هذه القصةَ بتقديرِ وقوعِها كانت بالمدينةِ، والراوي لها أنسٌ، وكان بالبصرةِ، وهي مما تتوفرُ الدَّواعي والهِمَمُ على نَقْلِها، ومِنَ المعلومِ أنَّ أصحابَ أنسٍ المعروفينَ بصحبتِه وأهلَه لم ينقُلْ أحدٌ منهم ذلك، بل المتواترُ عن أنسٍ وأهلِ المدينةِ نقيضُ ذلك، والقائلُ ليس من هؤلاءِ ولا من هؤلاءِ. السادسُ: أنَّ معاويةَ لو كان رجَع إلى الجهرِ بالبسملةِ في أولِ الفاتحةِ والسورةِ لكان أيضًا معروفًا من أمرِه عندَ أهلِ الشامِ الذين صحِبوه، ولم يَنقُلْ هذا أحدٌ من أهلِ الشامِ عن معاويةَ، بل الشامِيُّونَ كلُّهم - خلفاؤُهم وعلماؤُهم - كان مذهَبُهم تَرْكَ الجهرِ، بل الأوزاعيُّ مذهَبُه فيها مذهبُ مالكٍ، لا يقرأُ سرًّا ولا جهرًا. فمن تدبَّرَ ذلك؛ قطَع بأنَّ حديثَ معاويةَ إما لا حقيقةَ له، وإمَّا مُغيَّرٌ عن وجهِه، والذي حدَّثَ به بلَغَه من وجهٍ ليس بصحيحٍ، فحصَلتِ الآفةُ منِ انقطاعِ إسنادِه. وقيلَ: لو كان إسنادُه تقومُ به الحجةُ فهو شاذٌّ؛ لأنَّه خلافُ ما رواه الناسُ الأثباتُ عن أنسٍ وعن أهلِ المدينةِ وأهلِ الشامِ، ومن شرطِ الحديثِ ألا يكونَ شاذًّا ولا مُعلَّلًا، وهذا شاذٌّ مُعلَّلٌ، إن لم يكُنْ من سوءِ حفظِ بعضِ رُواتِه. والعُمدةُ في تلك التي اعتمدَها المصنِّفونَ في الجهرِ ووجوبِ

стр. 115

قراءتِها: هي كتابتُها بقلمِ القرآنِ في المصحفِ، والصحابةُ جرَّدوا القرآنَ عن غيرِه، والمتواترُ عن الصحابةِ: أنَّ ما بينَ اللَّوْحينِ قرآنٌ. ولا يقالُ: لا يثبتُ إلا بتواترٍ، ولو تواترتْ لكفَّرْنا فيها؛ لأنَّه يقالُ: لو كان كذلك لكفَر مثبِتُها، ولا تكفيرَ من الجانبينِ، فكلُّ حجةٍ تقابلُ الأُخرى. والحقُّ: أنَّها فصلٌ بينَ السُّوَرِ (١). والبسملةُ قيلَ: ليستْ منَ القرآنِ إلا في النملِ، وهو قولُ مالكٍ وطائفةٍ من الحنفيةِ والحنبليةِ. وقيلَ: هي من كلِّ سورةٍ آيةٌ، أو بعضُ آيةٍ؛ كما هو المشهورُ عن الشافعيِّ. وقيلَ: إنَّها من القرآنِ؛ حيثُ كُتِبتْ، ومعَ ذلك ليستْ منَ السُّوَرِ، بل فصلٌ بينهما (٢)، وهو قولُ ابنِ المبارَكِ، والمنصوصُ عن أحمدَ، وهو قولُ من حقَّقَ القولَ في هذه المسألةِ؛ حيثُ جمَع بينَ مُقتضَى الأدلةِ وكتابتِها سطرًا مفصولًا عن السورةِ.

стр. 116

وتجبُ قراءةُ البسملةِ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ في روايةٍ. وقيلَ: تُكرَهُ سرًّا وجهرًا في المشهورِ عن مالكٍ. وقيلَ: قراءتُها جائزةٌ، بل مستحبةٌ، عند أبي حنيفةَ، والمشهورِ عن أحمدَ وأكثرِ أهلِ الحديثِ. وطائفةٌ يُسوِّي بينَ قراءتِها وتَرْكِها معتقدًا أنَّه قراءتان. ويَجهَرُ بها. وقيلَ: لا. وقيلَ: يُخيَّرُ، رُوِي عن إسحاقَ وابنِ حزمٍ. ومعَ ذلك فمراعاةُ الائتلافِ هو الحقُّ، فيُجهَرُ بها لمصلحةٍ راجحةٍ، ويسوغُ تَرْكُ الأفضلِ لتأليفِ القلوبِ، كما تُرِكَ بناءُ البيتِ من خشيةِ تَنفيرِهم، نصَّ الأئمةُ كأحمدَ على ذلك في البسملةِ، ووصلِ الوَتْرِ، وغيرِه مما فيه العدولُ عنِ الأفضلِ إلى الجائزِ؛ مراعاةً للائتلافِ، أو لتعريفِ السُّنةِ، وأمثالِ ذلك، واللهُ أعلمُ. فصلٌ هل الأفضلُ وَضْعُ يدَيْه قبلَ ركبتَيْه، أو بالعكسِ؟ فيه روايتانِ، هما قولانِ للعلماءِ. وفي بطلانِ الصلاةِ بالنحنحةِ والنفخِ نزاعٌ؛ الأشبَهُ: عدمُ بطلانِها؛ لكن إن كان مِن خشيةِ اللهِ؛ فالنزاعُ معَ الشافعيِّ. وأمَّا إن غُلِبَ عليه؛ فالصحيحُ عندَ الجمهورِ: أنَّه لا تبطُلُ؛ وهو منصوصُ أحمدَ.

стр. 117

وقال بعضُ أصحابِه: تبطُلُ. والقولُ بأن العُطاسَ يُبطِلُ: مُحدَثٌ. وقد تبيَّنَ أنَّ هذه الأصواتَ الحلقيةَ التي لا تدلُّ بالوضعِ؛ فيها نزاعٌ في مذهبِ أحمدَ ومالكٍ وأبي حنيفةَ، والأظهرُ فيها جميعها: أنَّها لا تُبطِلُ، فإنَّ الأصواتَ من جنسِ الحركاتِ، وكما أن العملَ اليسيرَ لا يُبطِلُ؛ فالصوتُ اليسيرُ مِثْلُه، بخلافِ القَهْقَهةِ؛ فإنها بمنزلةِ العملِ الكثيرِ. واللفظُ ثلاثُ درجاتٍ: أحدُها: أن يدلَّ على معنًى بالوضعِ، إمَّا بنَفْسِه، وإمَّا معَ لفظٍ غيرِه؛ كـ «في» و «عن»، فهذا كلامٌ. والثاني: أن يدلَّ على معنًى بالطبعِ؛ مثلُ التأوُّهِ، والأنينِ، والبكاءِ. والثالثُ: ألا يدلَّ على معنًى لا بالطبعِ ولا بالوضعِ؛ كالنَّحْنحةِ، فهذا القِسْمُ كان أحمدُ يفعلُه. وإذا لم يجدِ الرجلُ موقفًا إلا خلفَ الصفِّ: ففيه نزاعٌ بينَ المبطلينَ لصلاةِ المنفردِ، والأظهرُ: صحةُ صلاةِ هذا في هذا الموضعِ؛ لأنه عجزٌ. وطردُه: صحةُ صلاةِ المتقدِّمِ على الإمامِ للحاجةِ؛ وهو قولٌ في مذهبِ أحمدَ (١).

стр. 118

ومَن قال: إنَّ الإمامَ إن سبَّحَ أزيدَ من ثلاثٍ بغيرِ رضا المأمومينَ بَطَلتْ صلاتُه: فهو قولٌ باطلٌ مُحدَثٌ، لم يقُلْه أحدٌ منَ الأئمةِ. والطمأنينةُ واجبةٌ باتفاقِ العلماءِ، وإنما النزاعُ في وجوبِ الإعادةِ. فَصْلٌ اللحنُ الذي يُحيلُ المعنى: إن أحالَه إلى ما هو من جنسِ معنًى مِن معاني القرآنِ خطأً؛ فهذا لا تبطلُ صلاتُه، كما لو غلِطَ في القراءةِ في مواضعِ الاشتباهِ، فخلَطَ سورةً بغيرِها. وأما إن أحالَه إلى ما يخالفُ معنى القرآنِ؛ كقولِه: «أنعمتُ» بالضمِّ؛ فهذا بمنزلةِ كلامِ الآدميِّينَ، وهو في مثلِ هذهِ الحالِ كلامٌ محرَّمٌ في الصلاةِ؛ لكنَّه لو تكلَّمَ في الصلاةِ جاهلًا بتحريمِه؛ ففي بطلانِ صلاتِه نزاعٌ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه، كالناسي، الصحيح: أنَّه لا تبطلُ صلاتُه. والجاهلُ بمعنى: ﴿أنعمت﴾؛ عُذْرُه أقوى من عُذْرِ الناسي والجاهل؛ لأنَّ هذا يعتقدُ أنَّه مِن كلامِ اللهِ، بخلافِ الجاهلِ؛ فإنه يعلمُ

стр. 119

أنَّه كلامُ الآدميِّينَ، لكن لا يعلمُ أنَّه محظورٌ. وعلى هذا: فلو كان مثلُ هذا اللحنِ في نَفْلِ القراءةِ؛ لم تبطُلْ. وأمَّا إذا كان في الفاتحةِ التي هي فرضٌ؛ فيُقالُ: هَبْ أنَّها لا تبطلُ من جهةِ كونِه متكلمًا؛ لكنَّه لم يأتِ بفرضِ القراءةِ، فيكونُ قد تركَ ركنًا في الصلاةِ جاهلًا، ولو ترَكَه ناسيًا لم تصحَّ صلاتُه، فكذلك إذا ترَكَه جاهلًا. لكن يقال: إن هذا لم يتركْ أصلَ الركنِ، وإنما ترَكَ صفةً فيه، وأتى بغيرِها ظانًّا أنَّها هي، فهو بمنزلةِ مَن سجَد إلى غيرِ القبلةِ ظانًّا أنَّها القبلة. ولو ترَك بعضَ الفروضِ غيرَ عالمٍ بفَرْضِه: ففي هذا الأصلِ قولانِ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه. وأصلُ ذلك: خطابُ الشارعِ؛ هل يثبتُ قبلَ البلوغِ والعلمِ به؟ على ثلاثةِ أقوالٍ. الصحيح: أنه معذورٌ؛ فلا تجبُ الإعادةُ على هذا الجاهلِ. ومثلُه: لو لم تعلمِ المرأةُ أنَّه يجبُ سَتْرُ رأسِها وجسَدِها؛ لم تُعِدْ. ولهذا إذا تغيرَ اجتهادُ الحاكمِ؛ لم يُنقَضْ ما حكَم فيه، وكذلك المفتي إذا تغيرَ اجتهادُه. وأمَّا إن تعمَّدَ اللحنَ عالمًا بمعناه؛ بطَلَتْ صلاتُه من جهةِ أنَّه لم يقرأِ الفاتحةَ، ومن جهةِ أنَّه تكلَّمَ بكلامِ الآدميِّينَ، بل لو عرَفَ معناه،

стр. 120

وخاطَبَ به اللهَ؛ كفَرَ. وإن تعمَّدَه ولم يعلمْ معناه؛ لم يكفُرْ. وإن لم يتعمَّدْ، لكن ظنَّ أنَّه حقٌّ؛ ففي صحةِ صلاتِه نزاعٌ كما ذكَرْناه. وكذا لو علِمَ أنَّه لَحْنٌ؛ ولكن اعتَقدَ أنَّه لا يُحيلُ المعنى - حتى لو كان إمامًا-؛ ففي صحةِ صلاتِه وصلاةِ مَن خلفَه نزاعٌ؛ هما روايتانِ عن أحمدَ. وفي إمامةِ المتنفِّلِ بالمفترضِ ؛ ثلاثةُ أقوالٍ لأحمد وغيره: يجوزُ، لا يجوزُ، يجوزُ عندَ الحاجةِ، نحوُ أن يكونَ المأمومونَ أُمِّيِّينَ (١). أمَّا لو صلَّى مَن يلحَنُ بمثلِه ؛ جاز إذا كانا عاجزيْنِ عن إصلاحِه، هذا في الفاتحةِ، أمَّا في غيرِ الفاتحةِ إن تعمَّدَه بطَلَتْ صلاتُه.

стр. 121

والذي يُحيلُ المعنى مثلُ: «أنعمتُ»، و «إياكِ» بالضمِّ والكسرِ. والذي لا يُحيلُه مثلُ: تركِ القلْبِ والإدغامِ في موضعِه، أو يقطعُ ألفَ الوصلِ، ومثلُ: الرحمن الرحيم مالك يوم الدين (١). وأمَّا إن قال: «الحمدَ»، أو «ربَّ»، أو «ربُّ» (٢)، أو «نِستعين» (٣)، و «أنعَمْتَ عَلَيْهُم» (٤)، فهذا تصحُّ صلاتُه لكلِّ أحدٍ، فإنها قراءةٌ وليستْ لَحْنًا.

стр. 122

وإمامةُ الراتبِ في المسجدِ مرتينِ: بدعةٌ. ويُعفَى عن النائمِ والناسي إن كان محافظًا على الصلاةِ حالَ اليقظةِ والذُّكْرِ، أمَّا من لم يكُنْ محافظًا: عُوقبَ على التركِ مطلقًا. ويجوزُ ائتمامُ المسلمينَ بعضِهم ببعضٍ معَ اختلافِهم في الفروعِ بإجماعِ السلَفِ، وأصحِّ قولَي الخلفِ، فإنَّ صلاةَ الإمامِ جائزةٌ إجماعًا؛ لأنَّه صلَّى باجتهادٍ، فهو مأجورٌ، فاعلٌ الواجبَ عليه الذي يكفي، وهو منَ المصلحينَ، ومَن قال: إن صلاتَه لا تُسقِطُ الفرضَ فقد خالَفَ الإجماعَ؛ يُستتابُ، بخلافِ مَن صلَّى بلا وضوءٍ معَ علمِه، فهذا صلاتُه فاسدةٌ، فلا يأتَمُّ به مَن علِمَ حالَه، ولم يزلِ الصحابةُ والتابعونَ يؤُمُّ بعضُهم بعضًا، معَ أنهم مختلفونَ في الفروعِ. وسرُّ المسألةِ: أنَّ ما ترَكَه المجتهدُ منَ ترك البسملةِ وغيرِها: إنْ لم يكُنْ واجبًا في نفْسِ الأمرِ فلا كلامَ. وإن كان واجبًا؛ فقد يسقُطُ عنه باجتهادِه، وقد قال: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ فقال الله تعالى: «قد فعلتُ» (١).

стр. 123

فَصْلٌ مَن شرِبَ الخمرَ يومًا ، ثم لم يشربْها إلى شهرٍ، ونيَّتُه: أنَّه إذا قدَر عليها شرِبَها؛ فهو مُصِرٌّ، ليس بتائبٍ، وكذلك جميعُ الذنوبِ. ومَن اعتادَ شُرْبَها كما يُعتادُ أمثالُها منَ الشَّرابِ؛ فهو مُدمِنٌ عليها، فاعتيادُ الخمرِ كاعتيادِ اللحمِ؛ مِن الناسِ مَن يأكُلُه كلَّ يومٍ، ومنهم كلَّ أسبوعٍ، أو يومينِ، أو أكثرَ، أو أقلَّ. ولا يجوزُ أن يُولَّى المُصِرُّ ولا المُدمِنُ إمامةَ صلاةٍ، لكن لو وُلِّيَ صُلِّي خلفَه عندَ الحاجةِ؛ كالجمعةِ والجماعةِ التي لا يقومُ بها غيرُه، وإن أمكنَ الصلاةُ خلفَ البَرِّ فهو أَوْلى. فَصْلٌ وصلاةُ الجماعةِ: اتفقَ العلماءُ على أنَّها من أَوْكدِ العباداتِ، وأجلِّ الطاعاتِ، وأعظمِ شعائرِ الإسلامِ، وعلى ما يثبت من فَضْلِها عنِ النبيِّ ﷺ ؛ حيثُ: «تفضلُ صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ على صلاتِه وحدَه بخمسٍ وعشرينَ درجةً» (١)، ورُوي: «بسبعٍ وعشرينَ درجةً» (٢).

стр. 124

والجمعُ بينَهما: أنَّ حديثَ الخمسِ والعشرينِ ذُكِرَ فيه الفضلُ الذي بينَ صلاةِ المنفرِدِ والصلاةِ في الجماعةِ، وهو خمسٌ وعشرونَ، وحديثُ السبعِ والعشرينَ ذُكِر فيه صلاتُه منفرِدًا وصلاتُه في الجماعةِ، والفضلُ بينَهما، فصار المجموعُ سبعًا وعشرينَ. ومَن ظنَّ أن صلاتَه وحدَه أفضلُ من أجلِ خَلْوتِه، أو غيرِ ذلك؛ فهو مخطئٌ ضالٌّ، وأضلُّ منه مَن لم يرَ الجماعةَ إلا خلفَ معصومٍ، وعمَّرَ المشاهدَ. ومَن ظنَّ أن الدعاءَ عندَ القبورِ أفضلُ من المساجدِ؛ فقد كفَرَ (١). والجماعةُ: قيلَ: سنةٌ مؤكدةٌ، وقيلَ: فرضُ كفايةٍ، وقيلَ: فرضُ عَيْنٍ (٢). وقد تَنازعوا فيمن صلَّى وحدَه لغيرِ عُذْرٍ؛ هل تصحُّ صلاتُه؟ على قولينِ (٣):

стр. 125

أحدُهما: لا تصحُّ؛ قالَه طائفةٌ من قدماءِ أصحابِ أحمدَ، وبعضُ متأخِّريهم، وطائفةٌ من السلَفِ. والثاني: تصحُّ معَ إثمِه بالتَّرْكِ، وهو المأثورُ عن أحمدَ وأكثرِ أصحابِه. وحمَل بعضُهم التفضيلَ في الحديثِ على غيرِ المعذورِ؛ لأن المعذورَ يُكتَبُ له أجرُه لو كان صحيحًا مقيمًا، وجعَله حجةً على صحةِ صلاةِ المنفرِدِ. ومَن لم يصَحِّحْها قال: بل المرادُ به المعذورُ، ولكن ليس كلُّ معذورٍ يُكتَبُ له ما كان يعملُ؛ بل إنَّما يُكتَبُ لمن كانت نيَّتُه - لولا العذرُ - أن يعملَ، ومَن عادتُه ذلك، فهذا يُكتَبُ له ما كان يعملُ وهو صحيحٌ، أمَّا مَن لم يكُنْ له نيةٌ، ولا عادةٌ كيفَ يُكتَبُ له ما لم يكُنْ من عادتِه العملُ به؟! فليس فيه دليلٌ على صحةِ صلاةِ المنفرِدِ من غيرِ عذرٍ.

стр. 126

وأيضًا: فليس في الحديثِ أن صلاةَ المريضِ في الأجرِ مثلُ صلاةِ الصحيحِ، ولا أنَّ صلاةَ المنفرِدِ المعذورِ مثلُ صلاةِ الرجلِ في جماعةٍ، وإنما فيه أنَّه يُكتَبُ له مِن العملِ ما كان يعملُ وهو صحيحٌ مقيمٌ. وقولُه: «صلاةُ الرجلِ قاعدًا على النصفِ من صلاتِه قائمًا» (١)، قال بعضُهم: كيفَ تكونُ صلاةُ المعذورِ قاعدًا دونَ صلاتِه قائمًا؟! فحمَلَ تفضيلَ صلاةِ القائمِ على النَّفْلِ دونَ الفرضِ؛ لأنَّ القيامَ في الفرضِ واجبٌ. فلزِمَه: أن تجوزَ صلاةُ التطوعِ للصحيحِ مُضطجِعًا؛ لأنَّ في الحديثِ: «وصلاتُه مُضطجِعًا على النصفِ من صلاتِه قاعدًا» (٢). وقد طرد ذلك طائفةٌ من أصحابِ أحمدَ وغيرِه، وجوَّزوا التطوُّعَ مضطجِعًا لمن هو صحيحٌ؛ وهو قولٌ مُحدَثٌ بدعةٌ. والجوابُ ما قدَّمْناه: من أنه يُحمَلُ على الفرضِ. ولا يُعارِضُ مثلَ حديثِ الصلاة منفردًا، وأنَّه إنما يُكتَبُ له إذا كان مِن عادتِه أن يعملَ، ونيَّتُه أن يعملَ، لكن عجَزَ بالمرضِ والسفرِ، ومَن لم يكُنْ له عادةٌ لا يُكتَبُ له غيرُ ما عمِلَه، فلا تعارضَ بينَ الأحاديثِ. وتُدرَكُ الجماعةُ ، والوقتُ، والجمعةُ، والمسافرُ صلاةَ المقيمِ، وإدراكُ الحائضِ آخِرَ الوقتِ، أو إدراكُ أولِ الوقتِ: كلٌّ بركعةٍ في الصحيحِ من قولَيِ العلماءِ.

стр. 127

ومذهبُ أحمدَ والشافعيِّ في الجمعةِ بركعةٍ، وفي سائرِ المواضعِ قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ. فعلى هذا: إذا كان المُدرَكُ أقلَّ من ركعةٍ، وكان بعدَها جماعةٌ أخرى؛ فصلاتُه معَ الثانيةِ أفضلُ. وإن كان المُدرَكُ ركعةً أو أقلَّ، وقُلْنا: يكونُ مُدرِكًا للجماعةِ؛ فقد تعارَضَ إدراكُه لهذه الجماعةِ، وإدراكُه الثانيةِ من أوَّلِها؛ فإن كانت الجماعتانِ سواءً؛ فالثانيةُ أفضلُ، وإن تميَّزتِ الأولى بكمالِ الفضيلةِ، أو كثرةِ الجمعِ، أو فضلِ الإمامِ، أو كونِها الراتبةَ؛ فهي من هذه الجهةِ أفضلُ، وتلك من جهةِ إدراكِها تجدُها أفضلَ، وقد يترجَّحُ هذا تارةً وهذا تارةً. وأمَّا إن قُدِّرَ أنَّ الثانيةَ أكملُ أفعالًا، أو إمامًا، أو جماعةً؛ فهنا قد ترجَّحتْ من وجهٍ آخَرَ (١). وصلاتُه معَ الراتبِ - ولو بركعةٍ -؛ خيرٌ من صلاتِه في بيتِه ولو جماعةً. ومَن صلَّى في بيتِه بجماعةٍ؛ هل يسقُطُ عنه حضورُ المسجدِ بالجماعةِ؟ فيه نزاعٌ، وينبغي ألا يَتركَ حضورَ المسجدِ إلا لعذرٍ (٢).

стр. 128

لو قام رجلٌ يقضي ما فاتَه، فأْتَمَّ به رجلٌ آخَرُ؛ جاز في أصحِّ قولَيِ العلماءِ إذا نَوَيا. فإن نوى المأمومُ وحدَه؛ ففيه قولانِ، المشهورُ عن أحمدَ: أنَّه لا يصحُّ. مَن داومَ على تَرْكِ السُّننِ الراتبةِ ؛ لم يُمكَّنْ من حكمٍ، ولا شهادةٍ، ولا فُتْيا، معَ إصرارِه على ذلك، فكيفَ من يداومُ على تركِ الجماعةِ التي هي أعظمُ شعائرِ الإسلامِ؟! ويلزمُ القضاءُ على الفورِ ؛ سواءٌ فاتَتْه عمدًا أو سهوًا عندَ جمهورِهم؛ كمالكٍ وأحمدَ وأبي حنيفةَ، وكذا الراجحُ عند الشافعيِّ إن فاتَتْه عمدًا. وقد رُوِي في قراءةِ آيةِ الكُرْسيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ حديثٌ أنَّ له كذا وكذا، رواه الطَّبَرانيُّ ونحوُه (١)، فإن صحَّ دلَّ على أن قراءتَها مستحَبةٌ؛ لكن لا يدلُّ على أن الإمامَ والمأمومينَ يقرؤُونها جميعًا جاهرينَ بها، فإنَّ ذلك بدعةٌ بلا رَيْبٍ (٢).

стр. 129

فَصْلٌ والمسبوقُ إذا لم يتسِعْ وقتُ قيامِه لقراءةِ الفاتحةِ؛ فإنه يركعُ معَ إمامِه، ولا يُتمُّ الفاتحةَ باتفاقِ الأئمةِ، وإن كان فيه خلافٌ شاذٌّ. وأمَّا إذا أخرَ الدخولَ في الصلاةِ معَ إمكانِه، حتى قصُرَ القيامُ، أو كان القيامُ متسِعًا ولم يقرَأْها؛ فهذا تجوزُ صلاتُه عندَ الجماهيرِ. وعندَ الشافعيِّ: فعليه أن يقرأَ وإن تخلَّفَ عن الركوعِ، وإنما تسقُطُ قراءتُها عندَه عن المسبوقِ خاصةً. ومَن تخلَّفَ عن الإمامِ لعذرٍ ، من نومٍ، أو نسيانٍ، ونحوِه؛ فمذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ في رواية: أنَّه إذا أتى بما تخلَّفَ عنه، ولحِقَ الإمامَ ولو سبَقَه بركنٍ، أو اثنينِ، أو ثلاثةٍ، وهو يدرِكُه في الركعةِ؛ فصلاتُه صحيحةٌ. وصلاةُ السَّكْرانِ الذي لا يعلمُ ما يقولُ؛ لا تجوزُ بالاتفاقِ؛ بل ولا يجوزُ أن يُمكَّنَ من دخولِ المسجدِ (١). وإذا قال: لا أصلِّي إلا خلفَ مَن يكونُ مِن أهلِ مذهبي؛ فهو كلامٌ محرَّمٌ، قائلُه يستحِقُّ العقوبةَ؛ فإنه ليس من أئمةِ المسلمينَ مَن قال: لا تُشرَعُ صلاةُ المسلمِ إلا خلفَ مَن يوافِقُه بمذهَبِه المعينِ.

стр. 130

وتنازعَ المتأخِّرونَ من أصحابِ أحمدَ والشافعيِّ وغيرِهما: هل على العاميِّ أن يلتزمَ مذهبَ واحدٍ بعَيْنِه منَ الأئمةِ المشهورينَ؛ بحيثُ يأخذُ بعزائمِه ورُخَصِه؟ على قولينِ. والمشهورُ: أنه لا يجبُ، كما أنه ليس له أن يقلدَ في كلِّ مسألةٍ مَن يوافقُ غرَضَه، وليس له أن يقلِّدَ في المسألةِ الواحدةِ إذا كان الحقُّ له مَن لا يقلدُه إذا كان الحقُّ عليه، بل عليه باتفاقِ الأئمةِ أن يعدلَ بين نفْسِه وبينَ غيرِه في الأقوالِ، فإذا اعتَقدَ وجوبَ شيءٍ أو تحريمَه اعتَقدَ ذلك عليه وعلى مَن يماثِلُه. مثالُه: شُفْعةُ الجوارِ، للعلماءِ فيها قولانِ، فمن اعتَقدَ أحدَ القولينِ فقد قال بقولِ طائفةٍ من علماءِ المسلمينَ. وليس لأحدٍ ثبوتُ الشُّفْعةِ إذا كان هو الطالبَ، وانتفاؤُها إذا كان هو المطلوبَ كما يفعَلُه الظالمونَ أهلُ الأهواءِ، يتَّبِعونَ في المسألةِ الواحدةِ هَواهم، فيُوافِقونَ هذا القولَ تارةً، وهذا أخرى؛ متابعةً للهَوَى، لا مراعاةً للتقوى، وقد ذمَّ اللهُ مَن يتَّبِعُ الحقَّ إذا كان له لا عليه، كقوله: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكُنْ لهم الحق يأتوا اليه مذعنين﴾ الآية، إلى قوله: ﴿بل أولئك هم الظالمون﴾، إلى قوله: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بيهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون﴾، إلى: ﴿الفائزون﴾ (١).

стр. 131

وقولُ القائلِ: «لا أتقيَّدُ بأحدِ هذه الأئمةِ الأربعةِ»: إن أرادَ أني لا أتقيَّدُ بواحدٍ بعينِه دونَ الباقينَ فقد أحسَنَ، بل هو الصوابُ من القولينِ، وإن أرادَ أني لا (١) أتقيَّدُ بها كلِّها، بل أخالِفُها فهو مخطئٌ في الغالبِ قطعًا؛ إذ الحقُّ لا يخرجُ عن هذه الأربعةِ في عامةِ الشريعةِ. لكن تنازعَ الناسُ: هل يخرجُ عنها في بعضِ المسائلِ؟ على قولينِ. بسَطْنا ذلك في موضعٍ آخَرَ. وكثيرًا ما يترجَّحُ قولٌ من الأقوالِ، يظُنُّ الظانُّ أنَّه خارجٌ عنها، ويكونُ داخلًا فيها، لكن لا ريبَ أنَّ اللهَ لم يأمُرِ الأمةَ باتباعِ أربعةِ أشخاصٍ دونَ غيرِهم، هذا لا يقولُه عالمٌ، وإنما هذا كما يقالُ: أحاديثُ البخاريِّ ومسلمٍ، فإنَّ الأحاديثَ التي رواها الشيخانِ وصحَّحاها قد صحَّحَها من الأئمةِ ما شاءَ اللهُ، فالأخذُ بها لكونِها قد صحَّتْ، لا لأنها قولُ شخصٍ بعَيْنِه. وأمَّا مَن عُرِضَ عليه حديثٌ، فقال: لو كان صحيحًا لما أهملَه أهلُ مذهبِنا، فينبغي أن يُعزَّرَ على فَرْطِ جهلِه، وكلامِه في الدينِ بلا علمٍ. والكذبُ في حديثِ رسولِ اللهِ من أعظمِ الذنوبِ، وقد اختُلِفَ: هل هو فسقٌ، أو كفرٌ؟ على قولينِ. والمسجدُ المَبْنيُّ على قبرٍ لا يُصلَّى فيه فرضٌ ولا نفلٌ، فإن كان المسجدُ قبلَ القبرِ؛ غُيِّرَ إما بتسويةِ القبرِ، أو نَبْشِه إن كان جديدًا، وإن

стр. 132

كان القبرُ قبلَه، فإمَّا أن يُزالَ المسجدُ، وإمَّا أن تزالَ صورةُ القبرِ (١). والجمهورُ على أن قليلَ الحشيشةِ وكثيرَها حرامٌ، بل الصوابُ: أن آكلَها يُحَدُّ، وأنها نجِسةٌ، ولا خلافَ بينَ المسلمينَ أنه يجبُ الإنكارُ على الذين يَسكرون بها. وقولُ القائلِ: «إنَّ مَن طَوَّلَ القيامَ عن الركوعِ، والجلوسَ بينَ السجدتينِ؛ تبطُلُ صلاتُه»: قولٌ ضعيفٌ باطلٌ. ومَن قال: لا تجوزُ الصلاةُ خلفَ الأئمةِ المالكيةِ - مثلًا- أو غيرهم: فهو كلامٌ مُنكَرٌ، من أشنعِ المقالاتِ، يستحقُّ مُطلِقُه التعزيرَ البليغَ؛ فإنَّ فيه من إظهارِ الاستخفافِ بحرمةِ هؤلاءِ السادةِ ما يوجِبُ عظيمَ العقوبةِ، ويُدخِلُ صاحبَه في أهلِ البدعِ المضلةِ. وكذا مَن قال: «لا تجوزُ الصلاةُ خلفَ مَن لم تُعرَفْ عقيدتُه، وما هو عليه»: فهو قولٌ لم يقُلْه أحدٌ من المسلمينَ، فإن أهلَ الحديثِ والسُّنةِ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهم متَّفِقونَ على أن صلاةَ الجمعةِ تُصلَّى خلفَ البَرِّ والفاجرِ، حتى إن أكثرَ أهلِ البدعِ الجَهْميةَ الذينَ يقولونَ بخَلْقِ القرآنِ، وأنَّ اللهَ لا يُرى في الآخِرةِ، ومعَ أن أحمدَ ابتُلِي بهم، وهو أشهرُ الأئمةِ بالإمامةِ في السُّنةِ، فلم تختلفْ نصوصُه أنَّه تُصلَّى الجمعةُ خلفَ الجَهْميِّ، والقَدَريِّ، والرافضيِّ، وليس لأحدٍ أن

стр. 133

يدعَ الجمعةَ لبدعةٍ في الإمامِ. لكن تنازعوا: هل تُعادُ؟ على قولينِ، هما روايتانِ عن أحمدَ: قيلَ: تُعادُ خلفَ الفاسقِ. ومذهَبُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ: لا تُعادُ (١). والقراءةُ على الجَنازةِ مكروهةٌ عندَ الأربعةِ، وأَخْذُ الأجرةِ عليها أعظمُ كراهةً، فإن الاستئجارَ على التلاوةِ لم يُرخِّصْ فيه أحدٌ من العلماءِ، فالصلاةُ خلفَ أهلِ البدعِ أَوْلى من الصلاةِ خلفَ هذا. ويجوزُ الاستئجارُ على الإمامةِ والأذانِ ونحوِه، وقيلَ: لا، وقيلَ: عندَ الحاجةِ، والثلاثةُ لأحمدَ (٢).

стр. 134

والسَّكْرانُ بالخمرِ أو الحشيشِ إذا علِمَ ما يقولُ؛ فعليه الصلاةُ بعدَ غَسْلِ فمِه وما أصابَه، وهل عليه أن يستقيءَ ما في بطنِه؟ على قولينِ للعلماءِ، أصَحُّهما: لا، لكن إذا لم يتُبْ فقد قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَن شرِب الخمرَ لم تُقبَلْ صلاتُه أربعينَ يومًا، فإن تابَ؛ تاب اللهُ عليه، وإن عاد في الثالثةِ أو الرابعةِ كان حقًّا على اللهِ أن يَسقيَه من طينةِ الخَبالِ، وهي عصارةُ أهلِ النارِ» (١). فلا بدَّ لهم من الصلاةِ، وإن كان قد قيلَ: إنها لا تُقبَلُ، وإن تابوا قبِلَها اللهُ. وإذا صلَّوْا فقد يكونُ عَنى بنفي القبولِ: أنَّه لا ثوابَ لهم عليها؛ لكن اندفَعَ بها عقابُ التَّرْكِ (٢). ولم يكُنِ النبيُّ ﷺ وأصحابُه يُصلُّونَ على سَجَّادةٍ، لكن صلَّى على خُمرةٍ (٣) - وهي شيءٌ يُعمَلُ من الخوصِ - يُتَّقى به حرُّ (٤) الأرضِ وأذاها، وكان يصلِّي على الحصيرِ (٥) والترابِ (٦).

стр. 135

ورُوِي أن (١) بعضَ العلماءِ قَدِم وفرَشَ في مسجدِ النبيِّ ﷺ شيئًا، فأمَرَ مالكٌ بحَبْسِه، وقال: أما علمتَ أنَّ هذا في مسجِدِنا بدعةٌ؟! (٢) ومَن يبدلُ الراءَ غَينًا ، والكافَ همزةً: لا يؤُمُّ إلا مِثْلَه، أما مَن يشوبُ الراءَ بغينٍ يُخرِجُها من فوقِ مخرجِها بقليلٍ؛ فتصحُّ إمامتُه للقارئِ وغيرِه، هذا كلُّه معَ العجزِ. ويجوزُ تعليمُ القرآنِ في المسجدِ إذا لم يكُنْ فيه ضررٌ على المسجِدِ وأهلِه، بل يُستحَبُّ. وإذا كان المعلمُ يُقرِئُ ، فأُعطِي شيئًا؛ جاز له أخْذُه عندَ أكثرِ العلماءِ. ومَن كان يُظهِرُ الفجورَ والبدعَ؛ ففي الصلاةِ خلفَه نزاعٌ، والذي ينبغي ألَّا يُقدَّمَ الواحدُ من هؤلاءِ إلى الإمامةِ، ولا يجوزُ معَ القدرةِ على ذلك.

стр. 136

فَصْلٌ ويجوزُ النومُ في المسجدِ للمحتاجِ الذي لا مَسْكنَ له أحيانًا، وأمَّا اتِّخاذُه مَبيتًا ومقيلًا؛ فيُنهَى عنه. ويُكرَهُ فيه فضولُ المباحِ. وأمَّا المشيُ بالنعالِ؛ فجائزٌ، كما كان الصحابةُ يَمْشونَ بنِعالِهم في مسجِدِه ﷺ ؛ لكن ينبغي للرجلِ أن ينظرَ في نَعْلَيْه، فإن كان فيهما أذًى فلْيَدلُكْهما بالأرضِ؛ فإنه لهما طَهورٌ؛ كما أمر ﷺ بذلك (١). وتجوزُ الصلاةُ خلفَ ولدِ الزنى باتفاقِهم؛ لكن تنازعوا في كراهتِها، فكرِهَها مالكٌ وأبو حنيفةَ، وغيرُ ولدِ الزنى أَوْلى. وتجوزُ صلاةُ الفجرِ خلفَ الظهرِ في إحدى الرِّوايتينِ عن أحمدَ (٢). ومُسابَقةُ الإمامِ حرامٌ باتفاقِ الأئمةِ. ومَن سبَقَه سهوًا لم تبطُلْ صلاتُه، ولم يُعتَدَّ له بما سبَقَ به إمامَه،

стр. 137

فلهذا أمرَه الصحابةُ أن يتخلَّفَ بمقدارِ ما سبَق به الإمامَ (١)؛ ليكونَ فعله بقدرِ فعلِ الإمامِ. وأمَّا إذا سبقه عمدًا؛ ففي بطلانِ صلاتِه قولانِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه (٢). والصوابُ: أن مرورَ المرأةِ والكلبِ الأسودِ والحمارِ بينَ يدي المصلِّي دونَ سُتْرةٍ؛ يقطعُ الصلاةَ. وتجوزُ الصلاةُ في الكنيسةِ ، وقيل: لا، وقيلَ: إذا لم يكُنْ فيها صورةٌ تجوزُ، وإلا فلا، والثلاثةُ لأحمدَ وغيرِه (٣). وإذا ضاق الوقتُ وهو في الحمامِ ، فهل يُصلِّي فيه، أو يُفوِّتُ الصلاةَ حتى يخرجَ فيُصلِّيها؟ على قولينِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه (٤). ومَن فاتَه الظهرُ أو العصرُ ونحوُها نِسْيانًا؛ قضى. وأما مَن فوَّتَها متعمدًا؛ فقد أتى أعظمَ الكبائرِ، وعليه القضاءُ عندَ

стр. 138

الجمهورِ، وعندَ بعضِهم: لا يصحُّ فعلُها قضاءً (١). ومعَ وجوبِ القضاءِ عليه؛ لا تبرأُ ذِمَّتُه من جميعِ الواجبِ، ولا يقبَلُها اللهُ تعالى؛ بحيثُ يرتفعُ عنه العقابُ، ويستوجِبُ الثوابَ؛ بل يَخفُّ عنه العذابُ بما فعَلَه من القضاءِ، ويبقى عليه إثمُ التفويتِ؛ يحتاجُ إلى مُسقِطٍ آخَرَ، قال أبو بكرٍ لعمرَ في وصيَّتِه: «واعلَمْ أنَّ للهِ حقًّا بالنهارِ، لا يقبَلُه بالليلِ، وحقًّا بالليلِ لا يقبَلُه بالنهارِ، ولا يقبَلُ النافلةَ حتى تُؤدَّى الفريضةُ» (٢)، والعملُ المذكورُ هو صلاةُ الظهرِ والعصرِ. ومَن عَدِمَ الماءَ والترابَ ؛ قيلَ: لا شيءَ عليه، وقيلَ: يؤخِّرُها. وإذا صلَّى على حسَبِ حالِه، فهل يُعيدُ؟ فيه نزاعٌ، والأظهرُ: لا. ومَن سلَّم إمامُه وقد بقِيَ عليه شيءٌ من الدعاءِ، هل يتابعُ الإمامَ، أو يُتِمُّه (٣)؟ الأَوْلى: مُتابَعتُه. ومَن لا سببَ له غيرُ قراءةِ سيرةِ عنتر والبطالِ (٤): لا يجوزُ أن يُرتَّبَ

стр. 139

إمامًا يصلِّي بالمسلمينَ، فإنه يُحدِّثُ دائمًا بالأكاذيبِ، ويأكلُ الجُعْلَ عليها، وكلاهما مُحرَّمٌ؛ فإن عنتر والبطالَ؛ وإن كانا موجودينِ، لكن كُذِب عليهما ما لا يُحصيه إلا اللهُ. وتجوزُ الصلاةُ قُدَّامَ الإمامِ لعذرٍ من زحمةٍ ونحوِه في أعدلِ الأقوالِ. وكذا المأمومُ إذا لم يجدْ من يقومُ معه صلَّى وحدَه، ولم يدَعِ الجماعةَ، ولم يجذِبْ أحدًا يصلِّي معه؛ كالمرأةِ إن لم تجدْ مَن يُصافُّها فيها تصُفُّ وحدَها بالاتفاقِ، وهو مأمورٌ بالمُصافَّةِ معَ الإمكانِ، لا معَ العجزِ (١). والوَسْواسُ إذا قلَّ ؛ لم يُبطِلِ الصلاةَ بالاتفاقِ؛ لكن ينقُصُها. وأمَّا الوَسْواسُ إذا غلَب؛ فقد قيلَ: يُبطِلُ، قال عمرُ ﵁: «إني لأجهِّزُ جيشي وأنا في الصلاةِ» (٢)، وليس مَن تفكَّرَ بالواجبِ مثلَ مَن

стр. 140

تفكَّرَ بالفضولِ، فعمرُ كان أميرَ الجيشِ، وهو مأمورٌ بالصلاةِ والجهادِ، فلو قُدِّرَ أنه نقَصَ من الصلاةِ شيءٌ لأجلِ الجهادِ؛ لم يقدَحْ في كمالِ إيمانِه، ولهذا خُفِّفتْ صلاةُ الخوفِ، فكأنَّه كانَ بمنزلةِ مَن يصلِّي الخوفَ، ولا شكَّ أن صلاةَ النبيِّ ﷺ حالَ الخوفِ كانت ناقصةً عن صلاتِه حالَ أَمْنِه في الأفعالِ الظاهرةِ، فإذا كان قد عُفِي عن الأفعال الظاهرة؛ فكيفَ بالباطنة؟! وقال تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾، وإقامتُها حالَ الأمنِ لا يؤمَرُ به حالَ الخوفِ، واللهُ أعلمُ (١). فَصْلٌ تُفعَلُ الصلاةُ التي لها سببٌ كتحيةِ المسجدِ وقتَ النهيِ في الأظهرِ؛ لأنَّ حديثَها عامٌّ محفوظٌ، وحديثَ النهيِ مخصوصٌ. وأيضًا: فعلُ الصلاةِ وقتَ الخُطبةِ منهيٌّ عنه، وقد قال: «إذا دخَلَ أحدُكُم والإمامُ يخطُبُ فلا يجلِسْ حتى يصلِّيَ ركعتَينِ» (٢)، ولم يختلفْ قولُ أحمدَ في هذا الوقتِ؛ لمجيءِ السُّنةِ فيه، بخلافِ مالكٍ وأبي حنيفةَ، فالنهيُ عندَهما في الموضعينِ.

стр. 141

وأيضًا: جاء في أحاديثِ النهيِ: «لا تتَحَرُّوا» (١)، والتحري: التعمُّدُ، وما له سببٌ لا تعمُّدَ فيه (٢). والمصافحةُ أدبارَ الصلاةِ بدعةٌ باتفاقِ المسلمينَ؛ لكن عندَ اللقاءِ فيها آثارٌ حسنةٌ (٣)، وقد اعتَقدَ بعضُهم أنَّها في أدبارِ الصلاةِ تندرجُ في عمومِ الاستحبابِ، وبعضُهم أنها مباحةٌ. والتحقيقُ: أنَّها بدعةٌ إذا فُعِلتْ عادةٌ، أما إذا كانت أحيانًا لكونِه قد لقِيَه عَقيبَ الصلاةِ، لا لأجلِ الصلاةِ؛ فهذا حسَنٌ؛ كما أن الناسَ لو اعتادوا سلامًا غيرَ السلامِ المشروعِ عَقيبَ الصلاةِ؛ كُرِهَ.

стр. 142

وأمَّا المعانقةُ؛ ففي الحديثِ النهيُ عنها (١)، وحُمِل على فعلِها دائمًا، أمَّا عندَ اللقاءِ فقد جاء فيها حديثُ جعفرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ لقِيَه، فالْتَزمَه، وقبَّلَ بينَ عيْنَيْه (٢). ومَن لم يُمكِنْه أن يصلِّيَ إلا خلفَ إمامٍ مبتدعٍ يعجزُ عن إزالتِه؛ صلَّى ولا إعادةَ عليه، وقد ظنَّ طائفةٌ من الفقهاءِ أنَّها مثلُ مَن صلَّى خلفَ فاسقٍ، فتُعادُ، وإنما النزاعُ إذا أمكَنَه الصلاةُ خلفَ غيرِه. وأمَّا الصلاةُ خلفَ مَن يكفُرُ من أهلِ الأهواءِ؛ فقد تنازعوا في نفْسِ صلاةِ الجمعةِ خلفَه، فمَن قال: يكفُرُ، أمَرَ بالإعادةِ. وفي تكفيرِ أهلِ الأهواءِ نزاعٌ ، هما روايتانِ عن أحمدَ وغيرِه. وحقيقةُ الأمرِ: أن القولَ قد يكونُ كفرًا، فيُطلَقُ القولُ بتكفيرِ صاحبِه؛ لكنَّ الشخصَ المعيَّنَ لا يكفُرُ حتى تُقامَ عليه الحجةُ، فنفْسُ القولِ قد يكونُ كفرًا؛ لكنَّ قائلَه معذورٌ، فإذا كان من المؤمنينَ فلا يكفُرُ؛ لأنه قد يعذِرُه اللهُ بأمورٍ؛ إمَّا أنَّه لم يَبلغْه (٣)، أو أنه لم يثبُتْ

стр. 143

عندَه، أو أنه لم يفهَمْه لمعارضةِ شُبْهةٍ، فمن كان قصدُه الحقَّ فأخطَأَه؛ فإنَّ اللهَ يغفِرُ له. وتقسيمُ المسائلِ إلى مسائلَ أصولٍ يكفُرُ بإنكارِها، ومسائلَ فروعٍ لا يكفُرُ بإنكارِها: ليس له أصلٌ، لا عن الصحابةِ، ولا عن التابعينَ، ولا أئمةِ الإسلامِ، وإنما هو مأخوذٌ منِ المعتزلةِ ونحوِهم أئمةِ البدعِ، وهم مُتناقِضونَ. فإذا قيلَ لهم: ما حدُّ أصولِ الدينِ؟ فإن قيلَ: مسائلُ الاعتقادِ؛ يقالُ لهم: فقد تنازعَ الناسُ هل رأى محمدٌ ربَّه؟ وفي أنَّ عثمانَ أفضلُ أم عليٌّ؟ وفي كثيرٍ من معاني القرآنِ، وتصحيحِ بعضِ الأحاديثِ، وهي اعتقاد، ولا كفرَ فيها باتفاقِ المسلمينَ، ووجوبُ الصلاةِ والزكاةِ والحجِّ وتحريمُ الفواحشِ والخمرِ هي مسائلُ عمليةٌ، والمنكِرُ لها يكفُرُ اتفاقًا. وإن قيلَ: الأصولُ هي القطعيةُ؛ فيُقالُ: كثيرٌ من مسائلِ النظرِ ليستْ قطعيةً، وكونُ المسألةِ قطعيةً أو ظنيةً هي أمورٌ تختلفُ باختلافِ الناسِ، فقد يكونُ عندَ هذا قاطعٌ ما ليس عندَ هذا، كمن سمع النصَّ، وتيقَّنَ مرادَه، وقد لا يبلغُ النصُّ لآخَرَ، فلا تكونُ عندَه ظنيّة فضلًا عن كونِها قطعيَّة. والمقصودُ: أن مذاهبَ الأئمةِ: الفرقُ بينَ النوعِ والعينِ، ومَن حكى الخلافَ فلم يفهَمْ غَوْرَ قولِهم.

стр. 144

فطائفةٌ تحكي عن أحمدَ في تكفيرِ أهلِ البدعِ مطلقًا روايتَينِ، وليس هذا مذهبًا لأحمدَ، ولا لغيرِه من الأئمةِ، وكذلك تكفيرُ الشافعيِّ لحفصٍ الفردِ؛ حينَ قال: «القرآنُ مخلوقٌ»، فقال له الشافعيُّ: «كفرتَ»؛ أي: قولُكَ كفرٌ، ولهذا لم يسْعَ في قتلِه، ولو كان عينُه عندَه كافرًا؛ لسعى في قتلِه. وأمَّا قتلُ الداعيةِ إلى البدعِ: فقد يكونُ لكفِّ ضررِه عن الناسِ؛ كقُطَّاعِ الطريقِ، وقتلُ غيلانَ القدريِّ قد يكونُ من هذا البابِ (١). فَصْلٌ السجدةُ الواحدةُ بعدَ الصلاةِ ، وتقبيلُ الأرضِ؛ مكروهٌ، نصَّ عليه أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ وغيرُه. ومَن قال: «إنَّ مَن سلَّم من الرباعيةِ من ركعتينِ ساهيًا؛ استوجَبَ غضبَ اللهِ، وأقلُّ ما يجبُ عليه أن ينزلَ عليه نارٌ من السماءِ تُحرِقُه»: يُسْتتابُ، فإن تاب؛ وإلا قُتِل. ومَن حكى أنَّ أحمدَ والشافعيَّ سألا شَيْبانَ الراعيَ (٢)، فأجابَ

стр. 145

بذلك، وقال: «هذا عندنا»: فهو كذبٌ باتفاقِ أهلِ العلمِ، وشَيْبانُ لم يجتمعْ بأحمدَ والشافعيِّ قطُّ، بل مات قبلَهما بزمانٍ، وإن كانت هذه الحكايةُ قد ذكَرَها صاحبُ "الرسالة" (١) ونحوه، وشَيْبانُ أجلُّ من أن يُنسَبَ إليه مثلُ هذا الكفرِ، ولو قال هذا أعظمُ من شَيْبانَ؛ استُتِيبَ، فقد اتفقَ الصحابةُ على استتابةِ قدامةَ بنِ مَظْعونٍ، وهو من أهلِ بدرٍ، من قولٍ قالَه دونَ هذا (٢)؛ لكنَّ شَيْبانَ بريءٌ من هذا، كما أنَّ الشافعيَّ
следующие страницы →