← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأيضًا: جاء في أحاديثِ النهيِ: «لا تتَحَرُّوا» (١)، والتحري: التعمُّدُ، وما له سببٌ لا تعمُّدَ فيه (٢). والمصافحةُ أدبارَ الصلاةِ بدعةٌ باتفاقِ المسلمينَ؛ لكن عندَ اللقاءِ فيها آثارٌ حسنةٌ (٣)، وقد اعتَقدَ بعضُهم أنَّها في أدبارِ الصلاةِ تندرجُ في عمومِ الاستحبابِ، وبعضُهم أنها مباحةٌ. والتحقيقُ: أنَّها بدعةٌ إذا فُعِلتْ عادةٌ، أما إذا كانت أحيانًا لكونِه قد لقِيَه عَقيبَ الصلاةِ، لا لأجلِ الصلاةِ؛ فهذا حسَنٌ؛ كما أن الناسَ لو اعتادوا سلامًا غيرَ السلامِ المشروعِ عَقيبَ الصلاةِ؛ كُرِهَ.

стр. 142

وأمَّا المعانقةُ؛ ففي الحديثِ النهيُ عنها (١)، وحُمِل على فعلِها دائمًا، أمَّا عندَ اللقاءِ فقد جاء فيها حديثُ جعفرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ لقِيَه، فالْتَزمَه، وقبَّلَ بينَ عيْنَيْه (٢). ومَن لم يُمكِنْه أن يصلِّيَ إلا خلفَ إمامٍ مبتدعٍ يعجزُ عن إزالتِه؛ صلَّى ولا إعادةَ عليه، وقد ظنَّ طائفةٌ من الفقهاءِ أنَّها مثلُ مَن صلَّى خلفَ فاسقٍ، فتُعادُ، وإنما النزاعُ إذا أمكَنَه الصلاةُ خلفَ غيرِه. وأمَّا الصلاةُ خلفَ مَن يكفُرُ من أهلِ الأهواءِ؛ فقد تنازعوا في نفْسِ صلاةِ الجمعةِ خلفَه، فمَن قال: يكفُرُ، أمَرَ بالإعادةِ. وفي تكفيرِ أهلِ الأهواءِ نزاعٌ ، هما روايتانِ عن أحمدَ وغيرِه. وحقيقةُ الأمرِ: أن القولَ قد يكونُ كفرًا، فيُطلَقُ القولُ بتكفيرِ صاحبِه؛ لكنَّ الشخصَ المعيَّنَ لا يكفُرُ حتى تُقامَ عليه الحجةُ، فنفْسُ القولِ قد يكونُ كفرًا؛ لكنَّ قائلَه معذورٌ، فإذا كان من المؤمنينَ فلا يكفُرُ؛ لأنه قد يعذِرُه اللهُ بأمورٍ؛ إمَّا أنَّه لم يَبلغْه (٣)، أو أنه لم يثبُتْ

стр. 143

عندَه، أو أنه لم يفهَمْه لمعارضةِ شُبْهةٍ، فمن كان قصدُه الحقَّ فأخطَأَه؛ فإنَّ اللهَ يغفِرُ له. وتقسيمُ المسائلِ إلى مسائلَ أصولٍ يكفُرُ بإنكارِها، ومسائلَ فروعٍ لا يكفُرُ بإنكارِها: ليس له أصلٌ، لا عن الصحابةِ، ولا عن التابعينَ، ولا أئمةِ الإسلامِ، وإنما هو مأخوذٌ منِ المعتزلةِ ونحوِهم أئمةِ البدعِ، وهم مُتناقِضونَ. فإذا قيلَ لهم: ما حدُّ أصولِ الدينِ؟ فإن قيلَ: مسائلُ الاعتقادِ؛ يقالُ لهم: فقد تنازعَ الناسُ هل رأى محمدٌ ربَّه؟ وفي أنَّ عثمانَ أفضلُ أم عليٌّ؟ وفي كثيرٍ من معاني القرآنِ، وتصحيحِ بعضِ الأحاديثِ، وهي اعتقاد، ولا كفرَ فيها باتفاقِ المسلمينَ، ووجوبُ الصلاةِ والزكاةِ والحجِّ وتحريمُ الفواحشِ والخمرِ هي مسائلُ عمليةٌ، والمنكِرُ لها يكفُرُ اتفاقًا. وإن قيلَ: الأصولُ هي القطعيةُ؛ فيُقالُ: كثيرٌ من مسائلِ النظرِ ليستْ قطعيةً، وكونُ المسألةِ قطعيةً أو ظنيةً هي أمورٌ تختلفُ باختلافِ الناسِ، فقد يكونُ عندَ هذا قاطعٌ ما ليس عندَ هذا، كمن سمع النصَّ، وتيقَّنَ مرادَه، وقد لا يبلغُ النصُّ لآخَرَ، فلا تكونُ عندَه ظنيّة فضلًا عن كونِها قطعيَّة. والمقصودُ: أن مذاهبَ الأئمةِ: الفرقُ بينَ النوعِ والعينِ، ومَن حكى الخلافَ فلم يفهَمْ غَوْرَ قولِهم.

стр. 144

فطائفةٌ تحكي عن أحمدَ في تكفيرِ أهلِ البدعِ مطلقًا روايتَينِ، وليس هذا مذهبًا لأحمدَ، ولا لغيرِه من الأئمةِ، وكذلك تكفيرُ الشافعيِّ لحفصٍ الفردِ؛ حينَ قال: «القرآنُ مخلوقٌ»، فقال له الشافعيُّ: «كفرتَ»؛ أي: قولُكَ كفرٌ، ولهذا لم يسْعَ في قتلِه، ولو كان عينُه عندَه كافرًا؛ لسعى في قتلِه. وأمَّا قتلُ الداعيةِ إلى البدعِ: فقد يكونُ لكفِّ ضررِه عن الناسِ؛ كقُطَّاعِ الطريقِ، وقتلُ غيلانَ القدريِّ قد يكونُ من هذا البابِ (١). فَصْلٌ السجدةُ الواحدةُ بعدَ الصلاةِ ، وتقبيلُ الأرضِ؛ مكروهٌ، نصَّ عليه أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ وغيرُه. ومَن قال: «إنَّ مَن سلَّم من الرباعيةِ من ركعتينِ ساهيًا؛ استوجَبَ غضبَ اللهِ، وأقلُّ ما يجبُ عليه أن ينزلَ عليه نارٌ من السماءِ تُحرِقُه»: يُسْتتابُ، فإن تاب؛ وإلا قُتِل. ومَن حكى أنَّ أحمدَ والشافعيَّ سألا شَيْبانَ الراعيَ (٢)، فأجابَ

стр. 145

بذلك، وقال: «هذا عندنا»: فهو كذبٌ باتفاقِ أهلِ العلمِ، وشَيْبانُ لم يجتمعْ بأحمدَ والشافعيِّ قطُّ، بل مات قبلَهما بزمانٍ، وإن كانت هذه الحكايةُ قد ذكَرَها صاحبُ "الرسالة" (١) ونحوه، وشَيْبانُ أجلُّ من أن يُنسَبَ إليه مثلُ هذا الكفرِ، ولو قال هذا أعظمُ من شَيْبانَ؛ استُتِيبَ، فقد اتفقَ الصحابةُ على استتابةِ قدامةَ بنِ مَظْعونٍ، وهو من أهلِ بدرٍ، من قولٍ قالَه دونَ هذا (٢)؛ لكنَّ شَيْبانَ بريءٌ من هذا، كما أنَّ الشافعيَّ

стр. 146

وأحمدَ بريئانِ منه. وأمَّا تقبيلُ الأرضِ ، ووضعُ الرأسِ قُدَّامَ الشيخِ والملكِ؛ فلا يجوزُ؛ بلِ الانحناءُ كالركوعِ لا يجوزُ، ومَن فعَلَه قربةً وتديُّنًا؛ بُيِّنَ له، فإن تاب وإلا قُتِل. وأمَّا إذا أُكرِه الرجلُ - بأن يخشى أخْذَ مالِه، أو ضَرْبَه، أو قطعَ رِزْقِه من بيتِ المالِ -؛ فإنه يجوزُ عندَ أكثرِ العلماءِ، فإنَّ الإكراهَ يُبيحُ شربَ الخمرِ، وفعلَ المحرَّمِ عندَ أحمدَ وغيرِه في المشهورِ عنه، ولكن معَ كونِه يَكرَهُه بقلبِه، ويَحرِصُ على الامتناعِ بحسَبِ الإمكانِ. وذهَب طائفةٌ: إلى أنَّه لا يُبيح إلا الأقوال فقط. وإذا تأوَّلَ أنَّ الخضوعَ للهِ؛ كان حسَنًا. وأمَّا مَن يفعَلُه لنيْلِ فضولِ الرياسةِ والمالِ فلا (١).

стр. 147

فَصْلٌ (١) أمَّا مَن سافرَ لمجردِ زيارةِ قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ؛ فهل يجوزُ له قصرُ الصلاةِ؟ على قولينِ معروفينِ: أحدُهما - وهو قولُ متقدِّمي العلماءِ الذين لا يُجوِّزونَ القصرَ في سفرِ المعصيةِ؛ كأبي عبدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ، وأبي الوفاءِ بنِ عَقيلٍ، وطوائفَ كثيرينَ من المتقدِّمِينَ -: أنَّه لا يجوزُ القصرُ في مثلِ هذا السفرِ، ومذهَبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ: لا يقصُرُ في سفرٍ مَنهِيٍّ عنه. والقولُ الثاني: أنَّه يقصُرُ، وهذا يقولُه مَن يُجوِّزُ القصرَ في السفرِ المحرَّمِ؛ كأبي حنيفةَ، ويقولُه بعضُ المتأخِّرِينَ من أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ ممن يجوِّزُ السفرَ لزيارةِ قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ؛ كأبي حامدٍ الغزاليِّ، وأبي الحسنِ بنِ عَبْدوسٍ الحَرَّانيِّ، وأبي محمدٍ بنِ قُدَامةَ المَقْدسيِّ؛ وهؤلاءِ يقولونَ: السفرُ ليس بمعصيةٍ؛ لعمومِ قولِه: «فزُوروا القبورَ» (٢). واحتجَّ ابنُ قُدامةَ أبو محمدِ: بأنَّ النبيَّ كان يزورُ قُباءَ، وأجابَ عن قولِه: «لا تُشَدُّ الرحالُ … » (٣)، بأنه محمولٌ على نفيِ الاستحبابِ.

стр. 148

وأمَّا الأولونَ؛ فإنهم يحتجونَ بما في الصحيحينِ عنه ﷺ أنَّه قال: «لا تُشَدُّ الرحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، والأقصى، ومسجدي هذا»، فلو نذَر الرجلُ أنْ يصلِّيَ في مسجدٍ أو مشهدٍ، أو يعتكفَ فيه، أو يسافرَ إلى غيرِ هذه الثلاثةِ؛ لم يجبْ عليه ذلك باتفاقِ الأئمةِ، ولو نَذَر أن يأتيَ المسجدَ الحرامَ لحجٍّ أو عمرةٍ؛ لزِمَه بالاتفاقِ، ولو نذَرَ الصلاةَ في مسجدِه، أو في الأقصى؛ لزِمَه عندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، ولا يلزَمُه عندَ أبي حنيفةَ. قالوا: ولأنَّ السفرَ إلى زيارةِ قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ؛ بدعةٌ لم يفعَلْها أحدٌ من الصحابةِ والتابعينَ، ولا استَحبَّ ذلك أحدٌ مِن أئمةِ المسلمينَ، فمن اعتَقدَ ذلك عبادةً وفعَلَها؛ فهو مخالفٌ للسنةِ، ولإجماعِ المسلمينَ. وذكَره أبو عبدِ اللهِ بنُ بطَّةَ في إبانتِه الصُّغرى: أنَّه من البدعِ المخالفةِ للسنةِ والإجماعِ. وزيارةُ قُباءَ ليس فيه شدُّ رَحْلٍ. وحملُ حديثِ: «لا تُشَدُّ الرحالُ … » على نفيِ الاستحبابِ؛ فيه تسليمٌ أنَّ السفرَ ليس بعملٍ صالحٍ، ولا قربةٍ ولا طاعةٍ، ولا هو من الحسناتِ، فمن اعتَقدَ كونَه قربةً فقد خالَفَ الإجماعَ، ولا يسافرُ أحدٌ إليها إلَّا لذلك. وأمَّا لو قُدِّرَ أنَّ الرجلَ سافرَ إليها لغرضٍ مباحٍ؛ فهذا جائزٌ، ليس هذا مِن هذا البابِ، والنفيُ يقتضي النهيَ، والنهيُ للتحريمِ.

стр. 149

وما ذُكِر من الأحاديثِ في زيارةِ قبرِ (١) الأنبياءِ؛ فضعيفةٌ بالاتفاقِ، بل مالكٌ إمامُ المدينةِ كرِهَ أن يقولَ الرجلُ: زرْتُ قبرَ النبيِّ ﷺ ، وقد صحَّ عنه: «لا تتخذوا قبري عِيدًا، وصلُّوا عليَّ حيثُما كنتُم» (٢)، «لعَنَ اللهُ اليهودَ والنصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائِهم وصالِحيهم مساجدَ»، يُحذِّرُ ما فعلوا، قالت عائشةُ: «ولولا ذلك لأُبرِزَ قبرُه، ولكن كرِهَ أن يُتخَذَ مسجدًا» (٣). ولما كانتْ حجرتُه منفصلةً عن المسجدِ إلى زمنِ الوليدِ؛ لم يكُنْ أحدٌ من الصحابةِ يدخُلُ إليها، لا لصلاةٍ ولا دعاءٍ، إنما يفعلونَ ذلك في المسجدِ، وهذا كلُّه محافظةٌ على التوحيدِ، فإن من أصولِ الشِّرْكِ باللهِ؛ اتخاذَ القبورِ مساجدَ؛ كما ذُكِرَ في تفسيرِ قولِه: ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا﴾، أنهم كانوا قومًا صالحينَ في قومِ نوحٍ، فلما ماتوا عكَفوا على قبورِهم، ثم صوَّروا صُوَرَهم تماثيلَ، ثم طال عليهم الأمَدُ فعبَدوها؛ ذكَرَه البخاريُّ في «صحيحِه» وغيرُه (٤)، وقد ثبَتَ عنه في الصحيحِ: «ألَا فلَا تتَّخِذوا القبورَ مساجدَ، إنِّي أنْهاكُم عَن ذَلك» (٥)، واللهُ أعلمُ.

стр. 150

فَصْلٌ فعلُ كلِّ صلاةٍ في وقتِها أفضلُ من الجمعِ إذا لم يكُنْ به حاجةٌ، وليس هو كالقصرِ، فإنَّه رخصةٌ عارضةٌ، والقصرُ سنةٌ، ونفيُ الجُناحِ لا يمنع أن يكونَ القصرُ هو السنةَ، كما في قولِه: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. وذِكْرُ الخوفِ والسفرِ (١)؛ لأنَّ القصرَ يتناولُ قصرَ العددِ وقصرَ الأركانِ، فالخوفُ يُبيحُ قصرَ الأركانِ، والسفرُ يُبيحُ قصرَ العددِ، فإنِ اجتَمعا؛ أُبيحَ القصرُ بالوجهينِ، وإنِ انفردَ السفرُ؛ أُبيحَ أحدُ نوعَيِ القصرِ. والأصحُّ: أنَّه لا يحتاجُ إلى نيةِ القصرِ والجمعِ أيضًا. وتنازعَ العلماءُ في التربيعِ في السفرِ؛ هل هو حرامٌ؛ كمذهبِ أبي حنيفةَ، أو مكروهٌ؛ كإحدى روايتي مالكٍ وأحمدَ، أو تركُ الأَوْلى؛ كأظهرِ قولَيِ الشافعيِّ وروايةٍ لأحمدَ، أو التربيعُ أفضلُ؛ وهو قولٌ للشافعيِّ، وهو أضعفُ الأربعةِ أقوالٍ؟ (٢).

стр. 151

وذهَب بعضُ الخوارجِ: إلى أنَّه لا يجوزُ القصرُ إلا معَ الخوفِ، ويُذكَرُ قولًا للشافعيِّ، وما أظنُّه يصحُّ عنه. والصوابُ: أن الجمعَ لا يختَصُّ بالسفرِ الطويلِ (١). ومَن نوى الإقامةَ أربعةَ أيامٍ فما دونَ؛ قصَر. ومسيرةُ القصرِ عندَ أحمدَ والشافعيِّ ومالكٍ: يومانِ، ستةَ عشَرَ فَرْسخًا، كلُّ فَرْسخٍ ثلاثةُ أميالٍ، الميلُ أربعةُ آلافِ ذراعٍ. وقال أبو حنيفة: ثلاثةُ أيامٍ. وذهَب طائفةٌ من السلَفِ والخلَفِ: إلى أنَّه يقصُرُ فيما دونَ يومينِ؛ وهو قويٌّ جدًّا (٢)، يؤيِّدُه أنه كان يصلِّي بالمسلمينَ بعرفةَ ومزدلفةَ ومنًى قصرًا، وفيهم أهلُ مكةَ، ولم يأمُرْهم بالإتمامِ، ولمَّا صلى بمكةَ قال لهم: «أتموا؛ فإنا قومٌ سَفْرٌ» (٣).

стр. 152

وقولُه: «مَن صام يومًا في سبيلِ اللهِ بعَّدَ اللهُ وجْهَه عن النارِ سبعينَ خريفًا» (١): قيلَ: هو السفرُ في الجهادِ قبلَ لقاءِ العدوِّ، وقيلَ: قُرْب لقائِه. وقد يدخُلُ في هذا: سفرُ الحجُّ؛ لأنَّه من سبيلِ اللهِ. وقيلَ: سبيلُ اللهِ طريقُه، والمرادُ: إخلاصٌ لله، وإن كان في المقامِ. وثبَتَ أنَّه كان يصلِّي في السفرِ ركعتَيِ الفجرِ (٢)، والوَتْرَ وقيامَ الليلِ (٣)، دونَ الراتبةِ. فَصْلٌ الجمعُ لغيرِ عذرٍ لا يُفعَلُ ، وللمرضِ يجوزُ عندَ أحمدَ ومالكٍ وبعضِ الشافعيةِ، وأوسعُ المذاهبِ مذهَبُ أحمدَ؛ جوَّزَه للشغلِ، كما رواه النسائيُّ مرفوعًا (٤).

стр. 153

قال القاضي وغيرُه من الأصحابِ: المرادُ به الشغلُ الذي يُبيحُ له تركَ الجمعةِ والجماعةِ، وجوَّزَه للمستحاضةِ. فالمرأةُ إذا غلَب على ظنِّها أنَّها لا تخرجُ من الحمامِ حتى يفوتَ العصرُ، أو تصفرَّ الشمسُ؛ لم يجُزْ لها تفويتُ العصرِ باتفاقِ الأئمةِ، بل إمَّا تصلِّي في البيتِ قبلَ الدخولِ جمعًا، وإمَّا تخرجُ من الحمامِ تصلِّي، وإمَّا تصلِّي في الحمامِ، وجَمْعُها في البيتِ خيرٌ من صلاتِها في الحمامِ. ولا يجبُ تقليدُ واحدٍ بعينِه غيرِ النبيِّ ﷺ ؛ لكن مَن كان معتقدًا قولًا في مسألةٍ باجتهادٍ أو تقليدٍ؛ فانفصالُه عنه لا بدَّ له من سببٍ شرعيٍّ يرجِّحُ عندَه قولَ غيرِ إمامِه، فإذا ترجَّحَ عندَ الشافعيِّ قولُ مالكٍ؛ قلَّدَه، وكذلك غيرُه. أمَّا انتقالُ الإنسانِ من قولٍ إلى قولٍ بلا سببٍ شرعيٍّ؛ فلا يؤمُرُ به، وفي تَسْويغِه نزاعٌ. فَصْلٌ في صلاةِ الجمعةِ ومَن تعمَّدَ الصلاةَ في الدَّكاكينِ معَ إمكانِه من الدخولَ إلى الجامعِ؛ فهؤلاءِ مُخطِئونَ، مخالفونَ للسنةِ. وإذا لم تتصلِ الصفوفُ، بل كان بينَ الصفَّينِ طريقٌ؛ ففي صحةِ الصلاةِ قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ (١).

стр. 154

وجهرُ المؤذِّنِ بالصلاةِ والترضِّي عندَ رُقِيِّ الخطيبِ المنبرَ، أو جهرُه بالدعاءِ للخطيبِ أو للإمامِ: بدعةٌ، وأشدُّ منه الجهرُ بنحوِ ذلك في الخطبةِ، فكلُّ ذلك بدعةٌ لم تفعَلْ ولم تستحبْ. وقد أمَر ﷺ بتسويةِ الصفوفِ (١)، ورَصِّها، وسَدِّ الأولِ فالأولِ (٢)، وأن يوسَّطَ الإمامُ (٣)، وتقاربِها (٤)؛ يعني: الصفوفَ، فهذه خمسُ سُننٍ.

стр. 155

مَن أدركَ ركعةً من الجمعةِ، ثمَّ قامَ يقضي الأُخرى؛ فإنه يُخافِتُ، فإن الجمعةَ لا يصليها أحدٌ منفردًا، والمسبوقُ إنما يجهرُ فيما يجهرُ فيه المنفردُ، ولا منفردَ هنا. وليس لأحدٍ أن يتَّخذَ مقصورةً أو نحوَها في المسجدِ يختصُّ بها، ويمنعُ غيرَه، فهذا غيرُ جائزٍ بلا نزاعٍ. والسنةُ في المسجدِ: أن مَن سبَق إلى بقعةٍ لعملٍ جائزٍ؛ فهو أحقُّ به حتى يقومَ منه؛ لكنِ المصلونَ أحقُّ بالسَّوَاري. ويجوزُ نصبُ خَيْمةٍ وسِتْرٍ لمن يعتكِفُ. وكذا لو أقام الرجلُ مدةً إقامةً مشروعةً، كما أذِنَ لوفدِ ثقيفٍ أن ينزلوا بالمساجدِ؛ ليكونَ أرَقَّ لقلوبِهم (١)، وأقربَ إلى دخولِ الإيمانِ، وكما مرَّض سعدًا فيه؛ لكونِه أسهلَ لعيادتِه (٢)، وكالمرأةِ التي كانت تقُمُّ المسجدَ، كان لها حِفشٌ (٣) فيه، فأمَّا أن يُتَّخذَ المسجدُ مسكنًا دائمًا، ومَبيتًا، ومَقيلًا، ويختصُّ بالحجرةِ دائمًا؛ فهذا يُخرِجُ البقعةَ عن حكمِ المسجدِ. وقد تنازعَ العلماءُ في صحةِ الصلاةِ في مثلِ هذه المقاصيرِ والأماكنِ

стр. 156

المتحجرةِ على قولينِ، وفاعلُ ذلك مَنْهيٌّ عنه، هذا إذا كان يفعلُه للعبادةِ. أمَّا مَن يفعَلُه للمحظوراتِ من الأقوالِ المحرَّمةِ، والأفعالِ المحرَّمةِ؛ كمقدماتِ الفواحشِ؛ فلا رَيْبَ في النهيِ عن ذلك، بل قد نهى رسولُ اللهِ عن أن يوطَّن المكانُ في المسجدِ كما يُوطِّنُ البعيرُ (١)، فينهى أن يتَّخِذَ الرجلُ مكانًا لا يصلِّي إلا فيه. ويُصانُ عما يؤذي المصلِّينَ؛ مثلَ: رفعِ الصبيانِ أصواتَهم، وتوسيخِ حُصْرِه، لا سيَّما وقتَ الصلاةِ، فإن ذلك من أعظمِ المنكَراتِ. ويبيتُ فيه بقدرِ الحاجةِ، ثم ينتقلُ عنه. ويجوزُ إقامةُ جمعتَينِ في بلدٍ واحدٍ لأجلِ شحناءَ؛ بأن حضروا كلُّهم؛ وقعَتْ بينَهم الفتنةُ، فيجوزُ ذلك للضرورةِ إلى أن تزولَ الفتنةُ، أو تسقطُ الجمعةُ عمَّن يخافُ بحضورِه فتنةً إذا لم يكُنْ ظالمًا. والواجبُ عليهم الاعتصامُ بحبلِ اللهِ، والاجتماعُ على ما يُرضي اللهَ، وعدمُ التفرقِ. والسؤالُ محرَّمٌ في المسجدِ ، وخارجَ المسجدِ؛ إلا لضرورةٍ، فإن كانَ بهِ ضرورةٌ، ولم يتخطَّ الناسَ، ولا كذَب فيما يرويه ويذكُرُ من حالِه، ولم يجهرْ جهرًا يضُرُّ بالناسِ، مثلُ مَن يسألُ والخطيبُ يخطُبُ،

стр. 157

أوْ وَهُم يستمعونَ علمًا يَنتفعونَ به، ونحوِ ذلك؛ جازَ في أظهرِ قولَيِ العلماءِ، كما جاء أن سائلًا سأل، فأمر ﷺ بإعطائِه، وكان في المسجدِ (١). فَصْلٌ ومَن سلَّم على المصلينَ ، وكان فيهم من يُحسِنُ الردَّ بالإشارةِ؛ فلا بأسَ، كما كان الصحابةُ يسلِّمونَ ويردُّ ﷺ عليهم بالإشارةِ (٢)، وإن لم يُحسِنُوا الردَّ بالإشارةِ، بل قد يتكلَّمُ أحدُهم، فلا ينبغي أن يُدخِلهم فيما يقطعُ صلاتَهم، أو يتركُوا الردَّ الواجبَ.

стр. 158

ولا تكونُ الصدقةُ إلا لوجهِ اللهِ ، فمن سأل لغيرِ اللهِ من صحابيٍّ، أو شيخٍ، أو غيرِه (١)؛ فيُنهَى عن ذلك. وتجوزُ الجمعةُ في القلعةِ؛ لأنَّها كمدينةٍ أخرى، أو قريةٍ، أو تُشَبَّه بإقامةِ الجمعتينِ للحاجةِ (٢). وليس قبلَ الجمعةِ سنةٌ راتبةٌ، ومنهم مَن قال: إنَّها ظهرٌ مقصورةٌ، فقَبْلَها ما قبلَ الظهرِ، وهو غيرُ سديدٍ؛ لأنَّ الظهرَ المقصورةَ لا سنةَ لها. ويتوجَّهُ أن يقالَ: لما سنَّ عثمانُ الأذانَ الأولَ واتفقَ المسلمونَ عليه؛ صارَ أذانًا شرعيًّا، وحينئذٍ فتكونُ الصلاةُ بينَه وبينَ الأذان الثاني جائزةً حسنةً، وليست سنةً راتبةً، كالصلاةِ قبلَ المغربِ، فمن فعَلَ لم يُنكَرْ عليه، ومَن ترَك لم يُنكَرْ عليه؛ وهذا أعدَلُ الأقوالِ، وإن لم يكنْ رسولُ اللهِ ﷺ يُصِلِّي قبلَها شيئًا، فقد قال: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (٣). وقد يكونُ ترْكُها أفضلَ إذا كان الجهالُ يظُنُّونَ أنَّها سنةٌ راتبةٌ أو واجبةٌ، فتُترَكُ حتى يعرِفَ الناسُ أنَّها ليست راتبةً، لا سيَّما إذا داومَ عليها الناسُ، فينبغي ترْكُها أحيانًا، كما استَحبَّ أكثرُ العلماءِ ألَّا يداومَ

стр. 159

على قراءةِ السجدةِ يومَ الجمعةِ، وإن فعَلَهه لأجلِ تأليفِ القلوبِ وتركِ الخصامِ؛ فحسَنٌ، فالفعلُ الواحدُ يُستحَبُّ تارةً، ويُترَكُ أخرى بحسَبِ المصالحِ. وكذلك لو جهَر بالبسملةِ مَن يرى التخافُتَ؛ لأجلِ تأليفِ قلوبِ المأمومينَ خلفَه، أو خافتَ بها مَن يرى الجهرَ؛ فهو حسَنٌ، كما كان عمرُ يجهرُ بالاستفتاحِ لأجلِ تعليمهمِ السُّنةَ فيه، وجهَر غيرُ واحدٍ من الصحابةِ بالاستعاذةِ والبسملةِ؛ ليُعلِمَهم أن قراءَتها في الصلاةِ سنةٌ؛ كما قرأ ابنُ عباسٍ على جَنازةٍ بأمِّ الكتابِ جهرًا (١). والناسُ قد تنازعوا: فقيل: لا قراءةَ في الجَنازةِ، وقيل: بلى، قيلَ: واجبةٌ، وقيلَ: سنةٌ، وهو أعدلُ الثلاثةِ، فالسلَفُ فعلوا هذا وهذا، كانوا يُصلُّونَ على الجَنازةِ بالقراءةِ وغيرِها، كما يصلُّونَ بالجهرِ بالبسملةِ وبغيرِ جهرٍ، وتارةً باستفتاحٍ وتارةً بغيرِه، برفعِ اليدَيْنِ في المواطنِ الثلاثةِ وتارةً بغيرِ رفعٍ، وتارةً بتسليمتينِ وتارةً واحدةٍ، ويقرؤونَ خلفَ الإمامِ في السرِّ وتارةً لا يقرؤونَ، وتارةً يكبِّرونَ على الجَنازةِ أربعًا، وتارةً خمسًا وتارةً سبعًا، كلُّ ذلك ثابتٌ عنهم، وتارةً بترجيعِ الأذانِ وتارةً بغيرِه، وتارةً بوترِ الإقامةِ وتارةً بغيرِ وترِها. فهذه الأمورُ وإن كان أحدُها أرجحَ منَ الآخَرِ؛ فمن فعلَ المرجوحَ

стр. 160

فقد فعَلَ جائزًا، وقد يكونُ المرجوحُ أرجحَ للمصلحةِ الراجحةِ، كما قد يكونُ تَرْكُ الراجحِ أرجحَ، وهذا واقعٌ في عامةِ الأعمالِ؛ حتى في حالِ الشخصِ الواحدِ، قد يكونُ المفضولُ له أفضلَ بحسَبِ حالِه؛ لِكونِه عاجزًا عن الأفضلِ، أو لكونِ محبتِه أو رغبتِه واهتمامِه وانتفاعِه بالمفضولِ أكثرَ، فيكونُ أفضلَ في حقِّه؛ لما يقترنُ به من مزيدِ علمِه وحبِّه وانتفاعِه، كالمريضِ ينتفعُ بالدواءِ الذي يَشْتهيه ما لَا ينتفعُ بما لا يَشْتهيه، وإن كان جنسُ ذلك أفضلَ. ومِن هذا البابِ صار الذِّكْرُ لبعضِ الناسِ في بعضِ الأوقاتِ أفضلَ من القراءةِ، والقراءةُ لبعضِهم في بعضِ الأوقاتِ خيرٌ من الصلاةِ، وأمثالُ ذلك؛ لكمالِ انتفاعِه به، لَا لِأن جنْسَه أفضلُ، وبابُ تفضيلِ بعضِ الأعمالِ على بعضٍ إن لم يعرفْ فيه التفضيلَ، وأنَّه يتنوعُ بتنوعِ الأحوالِ في كثيرٍ من الأعمالِ، وإلا وقَع فيه اضطرابٌ كثيرٌ، فإنَّ من الناسِ مَن إذا اعتَقدَ استحبابَ فعلٍ ورُجْحانَه يحافظُ عليه ما لَا يحافظُ على الواجباتِ، حتى يخرجَ به الأمرُ إلى الهوى والتعصُّبِ والحَمِيةِ الجاهليةِ، كما تجدُه فيمن يختارُ بعضَ هذه الأمورِ، فيراها شعارًا لمذهَبِه. والواجبُ: أن يُعطَى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، ويُوسَّعَ ما وسَّعَه اللهُ ورسولُه، ويؤلَّفَ ما ألَّفَه اللهُ ورسولُه، ويُراعى ما يحبُّه اللهُ ورسولُه، ويُعلَمَ أن خيرَ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرَ الهَدي هَدي محمدٍ ﷺ ، وأنَّ اللهَ بعَثَه رحمةً للعالمينَ؛ لسعادةِ الدنيا والآخرةِ (١).

стр. 161

فَصْلٌ (١) وأمَّا السُّنةُ بعدَ الجمعةِ: فقد ثبَت أنَّه كان يصلِّي بعدَها ركعتينِ (٢)، وثبَت بعدَ الظهرِ ركعتينِ، وقبلَها أربعًا (٣)، وركعتينِ بعدَ المغربِ، وركعتينِ بعدَ العشاءِ، وركعتينِ قبلَ الفجرِ (٤)، فهذه الراتبةُ التي ثبتَتْ. وكان يقومُ بالليلِ: إمَّا إحدى عشْرةَ (٥)، وإمَّا ثلاثَ عشْرةَ (٦)، فكان مجموعُ صلاتِه بالليلِ والنهارِ قريبًا من أربعينَ ركعةً؛ فرضًا ونَفْلًا. والناسُ: منهم مَن لا يرى توقيتًا في الرواتبِ كمالكٍ؛ فإنَّه لا يرَى سِوَى الوَتْرِ وركعتَيِ الفجرِ. ومنهم: مَن يقدرُ أشياءَ بأحاديثَ ضعيفةٍ، بل باطلةٍ؛ كمن يَروِي قبلَ العصرِ أربعًا، أو قبلَ الظهرِ ستًّا، أو بعدَها أربعًا، أو أنه كان يحافظُ على الضُّحى، وأمثالَ ذلك من الأحاديثِ المكذوبةِ.

стр. 162

وأشَدُّ من ذلك ما يذكُرُه مَن يصنِّفُ في الرقائقِ من الصلواتِ الأسبوعيةِ والحوليةِ المذكورةِ في كتابِ أبي طالبٍ، وأبي حامدٍ، وعبدِ القادرِ، وغيرِهم، وكصلاةِ الألفيةِ التي في أولِ رجبٍ ونصفِ شعبانَ، والاثني عشريةِ في أولِ جمعةٍ من رجبٍ، وفي ليلةِ سبعٍ وعشرينَ من رجبٍ، وصلواتٍ أُخَرَ تُذكَرُ في الأشهرِ الثلاثةِ، وصلاةِ ليلتَيِ العيدينِ، ويومِ عاشوراءَ، وأمثالِ ذلك؛ معَ اتفاقِ أهلِ المعرفةِ على كذِبِ ذلك؛ لكن بلغَتْ أقوامًا من أهلِ الدِّينِ فظنُّوها صحيحةً، فعملوا بها، وهم مأجورونَ على حُسْنِ قصدِهم. وأمَّا مَن ثبتَتْ له السُّنةُ فظنَّ أن غيرَها أفضلُ؛ فهو ضالٌّ، بل كافرٌ. وصحَّ أنه قال: «مَن كان مصلِّيًا بعدَ الجمعةِ؛ فلْيُصَلِّ أربعًا» (١)، ورُوِي الستُّ عن طائفةٍ من الصحابةِ (٢). والسُّنةُ أن يُفصَلَ بينَ الفرضِ والنَّفْلِ في الجمعةِ وغيرِها بقيامٍ أو كلامٍ، ولم يُصَلِّ ﷺ قبلَ الجمعةِ بعدَ الأذانِ شيئًا، ولا نقَل هذا عنه أحدٌ، ولا نُقِل أنَّه صلَّى في بيتِه قبلَ الخروجِ منه، ولا وقَّتَ بقولِه صلاةً مقدرةً قبلَ الجمعةِ، بل رغَّب في الصلاةِ إذا قدِمَ الرجلُ المسجدَ يومَ الجمعةِ (٣).

стр. 163

فمن أصحابِه مَن كان يصلِّي عشرةً، واثنتي عشرةَ، وثمانيةً، وأقلَّ وأكثرَ (١)؛ على قدرِ التيسيرِ.

стр. 164

بَابُ صَلَاةِ العِيدِ التكبيرُ في الفطرِ أوكدُ ؛ لكونِه أمَر اللهُ به (١)، وفي النَّحرِ أوكدُ من جهةِ أنَّه يُشرَعُ أدبارَ الصَّلَواتِ، ومتفقٌ عليه، ويجتمعُ فيه المكانُ والزمانُ. وعيدُ النحرِ أفضلُ (٢). ومَن تعمَّدَ تركَ صلاةِ العيدِ ، وصلَّى في بيتِه أو مسجدِه بلا عذرٍ؛ فهو مبتدعٌ. ومَن رأى هلالَ ذي الحِجَّةِ ولم يثبُتْ بقولِه؛ له صومُ يوم التاسعِ في الظاهرِ عندَ مَن يقولُ: لا يفطرُ برؤيةِ هلالِ شَوَّالٍ وحدَه (٣). ومَن يُسوِّغُ له الفطرَ يومَ الثلاثينَ سرًّا؛ لا يُسوِغ له صومَ هذا اليوم؛ لأنَّه عندَه يومُ العيدِ، وليسَ له الوقوفُ بعرفةَ، ولا التضحيةُ قبلَ الناسِ في مِنًى، ولا في الأمصارِ، بل يُعرِّفُ معَ الناسِ في اليومِ الذي هو في

стр. 165

الظاهرِ التاسعُ؛ وإن كان بحسَبِ رؤيتِه العاشرَ. فالهلالُ إذا لم يطلُعْ للناسِ ويَسْتهلُّوا به؛ لم يكُنْ هلالًا، وكذا الشهرُ مأخوذٌ من الشهرةِ، وإنما يغلَطُ كثيرٌ من الناسِ في هذه المسألةِ لظنِّهم أنَّه إذا طلَع في السماءِ كان تلك الليلةَ أولَ الشهرِ؛ سواءٌ ظهر للناسِ واستهلوا به أوْ لا، وليس الأمرُ كذلك، بل لا بدَّ من ظهورِه واستهلالِهم به، ولهذا قال: «صَوْمُكم يومَ تصومونَ، وفطرُكم يومَ تُفطِرونَ، وأَضْحاكم يومَ تُضَحُّونَ» (١) أي: هو اليومُ الذي تعلمونَ أنَّه وقتُ الصومِ والفطرِ والأضحى. فينبغي أن يصومَ يومَ التاسعِ ظاهرًا، وإن كان بحسابِ رؤيتِه عاشرٌ. فصومُ اليومِ الذي يُشَكُّ فيه؛ هل هو تاسعُ ذي الحَجةِ، أو عاشرٌ؛ جائزٌ بلا نزاعٍ بينَ العلماءِ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ العاشرِ، كما لو شكُّوا ليلةَ الثلاثينَ من رمضانَ لم يكُنْ شَكًّا بالاتفاقِ، بخلافِ ليلةِ الثلاثينَ من شعبانَ؛ لأن الأصلَ بقاءُ شعبانَ. وكذلك المنفردُ برؤيةِ شَوَّالٍ؛ لا يُفطِرُ علانيةً باتفاقِ العلماءِ، وهل يُفطِرُ سرًّا؟ على قولينِ، أصَحُّهما: لا يُفطِرُ. ولا يجوزُ الاعتمادُ على الحسابِ بالنجومِ باتفاقِ الصحابةِ والسنةِ، كما قد بيَّنْتُه في مواضِعه (٢)، وأن علماءَ الهيئةِ يعلمونَ أن الرؤيةَ لا

стр. 166

تنضبطُ بأمرٍ حسابيٍّ وبينتُ حدَّ اليومِ، وأنَّه لا ينضبطُ بالحسابِ؛ لأنَّ النهارَ يظهرُ بسببِ الأبخرةِ، فمتى أرادَ أن يأخذَ حصةَ العشاءِ من حصةِ الفجرِ؛ إنما يصحُّ لو كان الموجِبُ لظهورِ النورِ وخفائِه مجردَ محاذاةِ الأفقِ التي تُعلَمُ بالحسابِ، فأمَّا إذا كان للأبخرةِ تأثيرٌ فالبخارُ يكونُ في الشتاءِ أكثر، والأماكنِ (١) الرطبةِ، فلا يضبطُ بالحسابِ، ولهذا توجدُ حصةُ الفجرِ في زمانِ الشتاءِ أطولَ منها في زمنِ الصيفِ، والقياسُ الحسابيُّ يُشكِلُ عليه ذلك؛ لأنَّ حصةَ الفجرِ عندَه تتبعُ النهارَ، وهذا مبسوطٌ في موضعِه، واللهُ أعلمُ (٢).

стр. 167

بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ قراءةُ الأنعامِ في ركعةٍ واحدةٍ في رمضانَ أو غيرِه؛ بدعةٌ؛ سواءٌ تحرَّوا فضلَ ليلةٍ بعينِها، أوْ لا، كما يفعَلُه بعضُ الناسِ يقرؤُها في آخِرِ ركعةٍ من صلاةِ الوَتْرِ، يُطوِّلُ على الناسِ، ويهُذُّها هذًّا مكروهًا (١). وإذا صلَّى ليلةَ النصفِ وحدَه ، أو بجماعةٍ خاصةٍ؛ فهو حسنٌ، أمَّا الاجتماعُ على صلاةٍ في المساجدِ مقدرةٍ (٢) بمائةِ ركعةٍ، بقراءةِ ألفِ ﴿قل هو الله أحد﴾ دائمًا: فهي بدعةٌ، لم يستحِبَّها أحدٌ (٣). ويُكرَهُ للناسِ أن يُداوموا في الجماعةِ على غيرِ ما شُرِعتْ المداومةُ عليه؛ لكن إذا اجتمعوا على إحياءِ العشْرِ الآخِرِ فقد أحسَنوا، ففيه ليلةُ القَدْرِ. والاجتماعُ على صلاةِ النَّفْلِ أحيانًا مما لا تُستحَبُّ فيه الجماعةٌ إذا

стр. 168

لم يُتَّخَذْ راتبةً؛ حسنٌ، وكذا إذا كان لمصلحةٍ؛ مثلُ: ألا يُحسِنَ أن يصلِّيَ وحدَه، أو لا ينشطَ؛ فعلُها في الجماعةِ أفضلُ إذا لم تُتَّخذْ راتبةً، وفعلُها في البيتِ أفضلُ إلا لمصلحةٍ راجحةٍ. وصلاةُ القدرِ التي تُصلَّى بعدَ التراويحِ ركعتينِ، ثمَّ في آخِرِ الليلِ يُصلُّونَ تمامَ مائةِ ركعةٍ: بدعةٌ مكروهةٌ (١). والاجتماعُ المعتادُ في المساجدِ على صلاةٍ مقدرةٍ بدعةٌ. والتراويحُ سنةٌ بعدَ العشاءِ، والرافضةُ تكرهُ صلاةَ التراويحَ. وقولُه: «بينَ كلِّ أذانينِ صلاةٌ» (٢)؛ المرادُ به: بينَ الأذانِ والإقامةِ، فهي مستحبةٌ بينَ كلِّ أذانٍ وإقامةٍ، لكن ليست راتبةً. وثبَت في «صحيحِ مسلمٍ» أنه ﷺ كان يصلِّي بعدَ الوَتْرِ ركعتينِ وهو جالسٌ؛ لكن جاء مُفسَّرًا في الحديثِ الطويلِ في «مسلمٍ» (٣): أنه كان يُوتِرُ بإحدى عشْرةَ، وأنه بعدُ أوترَ بتسعٍ، وصلَّى بعدَ ذلك ركعتينِ وهو جالسٌ، فتلك إحدى عشْرةَ، وكذلك لما أَوْترَ بسبعٍ، فهذا نصٌّ أنه لم يكُنْ يداومُ عليها. وويلٌ للعالِمِ إذا سكَتَ عن تعليمِ الجاهلِ، وويلٌ للجاهلِ إذا لم يقبلْ.

стр. 169

وليس للمسلمِ أن يَسْتفتي إلَّا مَن يعلمُ أنَّه مِن أهلِ العلمِ والدِّينِ، ولا يقتديَ إلا بمن يصلُحُ للاقتداءِ. إذا كان الرجلانِ من أهلِ الديانةِ؛ فأيُّهما كان أعلمَ بالكتابِ والسُّنةِ وجَب تقديمُه على الآخَرِ متعينًا؛ فيؤمُّه (١). وليس للإمامِ تأخيرُ الصلاةِ عن الوقتِ المستحَبِّ وبعدَ حضورِ أكثرِ الجماعةِ منتظِرًا لأحدٍ، بل يُنهَى عن ذلك إذا شقَّ، ويجبُ عليه رعايةُ المأمومينَ. قال سليمانُ: رأيتُ ابنَ عمرَ جالسًا على البلاطِ، والناسُ يصلُّونَ، فقلتُ: ما لك لا تصلِّي؟! فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ يقولُ: «لا تُعادُ صلاةٌ مرتينِ» (٢)، وقد قال للرجلينِ: «إذا صلَّيْتُما في رِحالِكما، ثم أتَيْتُما مسجدَ جماعةٍ فصَلِّيا» (٣). الجمعُ بينَهما: أنَّ ابنَ عمرَ لم يكُنْ له سببٌ يعيدُ صلاتَه، بخلافِ الرجلينِ، فإنهما صلَّيَا في رحالِهما، ثم أَتَيا مسجدَ جماعةٍ، سببُ الإعادةِ حضورُ الجماعةِ الراتبةِ، بخلافِ الإعادةِ بلا سببٍ، فإنها مكروهةٌ.

стр. 170

ومن السببِ: الحديثُ الذي في «سننِ أبي داودَ»؛ وهو قولُه: «ألا رجلٌ يتصدَّقُ على هذا» (١)، فالمتصدقُ أعادَ لتحصلَ لذلك المصلِّي فضيلةُ الجماعةِ. ومن السببِ: ما جاء عنه أنه صلَّى صلاةَ الخوفِ مرتينِ (٢). وحديثُ معاذٍ: كان يصلِّي معَه، ثم يصلِّي لقومِه (٣). ويُشبِهُ هذا: إعادةُ صلاةِ الجَنازةِ لمن صلَّى عليها أولاً، فلا يُشرَعُ بغيرِ سببٍ باتفاقِ العلماءِ، بل لو صُلِّي عليه مرةً، ثم حضَر مَن لم يُصَلِّ عليه؛ هل يصلِّي عليه؟ على قولينِ: قيلَ: يصلِّي، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ. وعندَ مالكٍ وأبي حنيفةَ: يُنهَى عن ذلك، كما يَنْهيانِ عن إقامةِ الجماعةِ في المسجدِ مرةً بعدَ مرةٍ. قالوا: لأن الفرضَ سقَطَ بالأولى، وصلاةُ الجَنازةِ لا يُتطوَّعُ بها. وأصحابُ الشافعيِّ وأحمدَ يُجِيبونَ بجوابينِ: أحدُهما: أنَّ الثانيةَ تقَعُ فرضًا عمَّن فعَلها، وكذلك يقولونَ في سائرِ فروضِ الكفاياتِ: أنَّ مَن فعلَها أسقطَ بها فرضَ نفْسِه، وإن كان غيرُه

стр. 171

قد فعَلَها فهو مُخيَّرٌ بينَ أن يكتفيَ بإسقاطِ ذلك، وبينَ أن يُسقِطَ الفرضَ بنفْسِه. وإذا قيلَ: هي نافلةٌ، فيمنعونَ قولَ القائلِ: لا يُتطوَّعُ بصلاةِ الجَنازةِ؛ بل قد يُتطوَّعُ بها إذا كان هناك سببٌ يقتضي ذلك. وينبني على هذينِ المأخذينِ: أنَّه إذا أعادَ الجَنازةَ مَن لم يصلِّ عليها أوَّلاً؛ فهل لمن صلَّى عليها أوَّلاً أن يصليَ معه تبعًا؟ على وجهينِ: قيلَ: لا يجوزُ هنا؛ لأنَّ فعلَه هنا نَفْلٌ بلا نزاعٍ، وهي لا يُتنفَّلُ بها. وقيلَ: بل له الإعادةُ، فإن النبيَّ ﷺ لما صلَّى على القبرِ صلَّى خلفَه مَن كان قد صلَّى أولًا (١)، وهذا أقربُ؛ لأنه إعادةٌ تبعًا لسببٍ اقتضاه، لا إعادةٌ مقصودةٌ، وهذا سائغٌ في المكتوبةِ والجَنازةِ (٢). وقراءةُ القرآنِ للهِ تعالى فيه الثوابُ العظيمُ، ولو قصد بذلك أنَّه لا ينساه أيضًا، فإن نسيانَه منَ الذنوبِ، فإذا قصد أداءَ الواجبِ من دوامِ الحفظِ، واجتنابِ النهيِ؛ فقد قصَد طاعةً، فكيفَ لا يُؤجَرُ؟! وقولُ القائلِ: «اللهم أمِّنَّا مَكْرَكَ، ولا تُؤمِّنَّا مكرَكَ» له معنيانِ؛ أحدُهما صحيحٌ، والآخَرُ فاسدٌ.

стр. 172

فإن أرادَ: «لا تؤمِّنَّا مكرَكَ»؛ أي: لا تجعَلْنا نأمَنُه، بل اجعَلْنا نخافُه، فالمؤمنُ يخافُ مكرَ اللهِ، فيُعاقِبُه على سيئاتِه، والكافرُ لا يَخْشى اللهَ، فلا يخافُ مكرَه، ومكرُه أن يُعاقِبَه على الذنبِ؛ لكن من حيثُ لا يشعرُ. وقولُه: «أمِّنَّا مكرَكَ»؛ يريدُ به قولَه: ﴿أولئك لهم الأمن﴾، ليجعل له الأمن أن يمكرَ بهم، وإن كانوا يخافونَ المكرَ، فيكونُ حقيقةُ قولِه: «أَمِّنَّا مكرَكَ»: اُؤْجُرْني على حسناتي، ولا تُعاقِبْني بذنوبِ غيري، ﴿فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾. وأمَّا المعنى الفاسدُ: فأن يريدَ: اللهم اجعلنَا نأمن مكرَكَ؛ أي: لا نخافُك أن تمكرَ بنا، وقد يريدُ: لا تُؤمِنَّا مكرَكَ؛ أي: لا تجعلْ لنا أمنًا من العذابِ، فهذا خطأ، إذ معناه: اجعلنا ممن تعاقبه، أو: اجعلنا ممن (١) لا يخاف عذابك، ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾. فَصْلٌ قولُ عائشةَ: «ما قام رسولُ اللهِ ﷺ ليلةً إلى الصباحِ، وما صام شهرًا كاملًا إلا رمضانَ» (٢)، وصحَّ عنها: «أنه كان يصومُ شعبانَ إلا

стр. 173

قليلًا، بل كان يصومُه كلَّه» (١)، وأنه «كان إذا دخَل العشْرُ شدَّ المِئْزرَ، وأحيا الليلَ كلَّه» (٢)، فحمل بعضُهم روايةَ الشكِّ على روايةِ الجزمِ، وكذلك مَن صلَّى غالبَ الليلِ قد يقالُ: إنه أحياه، أو أنها نفَتِ القيامَ، وأثبتتِ الإحياءَ الذي يكونُ بقيامٍ، وقراءةٍ، وذِكْرٍ، ودعاءٍ، وغيرِ ذلك. والأوتارُ: هل هي باعتبارِ ما مضى، أو باعتبارِ ما بقِيَ؟ فليلة إحدى وعشرينَ، وثلاثةٍ وخمسةٍ وسبعةٍ وتسعةٍ: باعتبارِ ما مضى، وباعتبارِ ما بقِيَ لتسعٍ بقينَ، وسبعٍ بقينَ، ونحوِ ذلك، فإذا كان الشهرُ ناقصًا، فقيلَ لتسعٍ بقينَ؛ كانت ليلةَ إحدى وعشرينَ، فيكونُ وترَ المستقبلِ والماضي، وإن كان الشهرُ كاملًا كانت الأوتارُ هي الأشفاعَ باعتبارِ الماضي، كما فسَّرَ ذلك أبو سعيدٍ وغيرُه (٣)، ولهذا كانت ليلةُ القدرِ كثيرًا ما تكونُ لسبعٍ (٤) مضَيْنَ، ولسبعٍ بقينَ، فتكونُ ليلةَ أربعٍ وعشرينَ، وهي التي

стр. 174

رُوِي أن القرآنَ نزل فيها (١). فالتحقيق: أنها تكونُ في العشْرِ الأواخرِ في الأوتارِ؛ لكن بالاعتبارينِ. وأمَّا ليلةُ سبعَ عشْرةَ من رمضانَ؛ فلا رَيْبَ أنها ليلةُ يوم بدرٍ، وهو ﴿يوم الفرقان يوم التقى الجمعان﴾، ولم يجِئْ حديثٌ يُعتمَدُ عليه أنها ليلةُ القدرِ، وإن كان قالَه بعضُ الصحابةِ (٢)، كما قال ابنُ مسعودٍ: «مَن يقُمِ الحولَ يُصِبْها» (٣)، وبعضُهم يعيِّنُ لها ليلةً من العشرِ (٤). والصحيح: أنها في العشْرِ الأواخِرِ تنتقلُ، فروَى البخاريُّ: «ليلةُ القدرِ في العشْرِ الأواخِرِ من رمضانَ» (٥). والأحاديثُ المرويةُ في أولِ ليلةِ المحرَّمِ، وليلةِ عاشوراءَ، وأولِ

стр. 175

ليلةٍ من رجبٍ، وأولِ ليلةِ جمعةٍ من رجبٍ، وليلةِ سبعٍ وعشرينَ منه، وليلتي العيدينِ، والألفيةِ ليلةَ النصفِ: كلُّها كذِبٌ موضوعةٌ، ولم يكُنْ أحدٌ يأمرُ بتخصيصِ هذه الليالي بقيامٍ أصلًا. وقولُ أحمدَ: (إذا جاء الترغيبُ والترهيبُ تساهَلْنا في الإسنادِ)؛ إنما أرادَ أنَّه إذا كانَ الأمرُ مشروعًا، أو منهيًّا عنه بأصلٍ مُعتمَدٍ، ثم جاء حديثٌ فيه ترغيبٌ في المشروعِ أو ترهيبٌ في النهيِ عنه، لا نَعلَمُ أنه كذِبٌ، وما فيه من الثوابِ والعقابِ قد يكونُ حقًّا؛ ولو قُدِّرَ أنه ليس كذلك فلا بدَّ فيه من ثوابٍ وعقابٍ. أمَّا أنه يَرْويه معَ علمِه بأنه كذِبٌ؛ فمَعاذَ اللهِ، لا يجوزُ ذلك؛ إلا معَ بيانِ حالِه، ولا يُستنَدُ إليه في ترغيبٍ ولا غيرِه. وكذلك لا يجوزُ أن يُثبَتَ به حكمٌ شرعيٌّ؛ من نَدْبٍ، أو كراهةٍ، أو فضيلةٍ، ولا عملٌ مُقدَّرٌ في وقتٍ معينٍ بحديثٍ لم يُعلَمْ حالُه أنه ثابتٌ، فلا بدَّ من دليلٍ ثابتٍ يثبُتُ فيه الحكمُ الشرعيُّ؛ وإلا كان قولًا على اللهِ بغيرِ علمٍ (١). ومن العجبِ أن طائفةً من أصحابِ أحمدَ فضَّلوا ليلةَ الجمعةِ على ليلةِ القدرِ، ورَأَوْا أن إحياءَها أفضلُ من إحياءِ ليلةِ القدرِ (٢)، وقد ثبَتَ

стр. 176

في الصحيحِ النهيُ عن تخصيصِها بقيامٍ (١)، معَ أنه ثبت بالتواترِ أن ليلةَ القدرِ أمَر اللهُ بالقيامِ فيها، وأنه ﷺ حضَّ على قيامِها (٢)، وأنها لا عِدْلَ لها من ليالي العامِ. ومَن أصرَّ على تَرْكِ الوَتْرِ ؛ رُدَّتْ شهادتُه. وأفضلُ الصلاةِ بعدَ المكتوبةِ ؛ قيامُ الليلِ، وأوكَدُه الوَتْرُ، ورَكْعتا الفجرِ (٣). قضاءُ سنةِ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ؛ جائزٌ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ. وكذا قضاءُ الراتبةِ ؛ مثلُ سنةِ الظهرِ بعدَ العصرِ، فيه قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ، الأصحُّ: الجوازُ.

стр. 177

بَابُ الأَدْعِيَةِ وَالأَذْكَارِ جهرُ الإمامِ والمأمومِ بقراءةِ آيةِ الكُرْسيِّ بعدَ الصلاةِ؛ مكروهةٌ بلا رَيْبَ، ورُوِي في قراءتِها حديثٌ (١)؛ لكنه ضعيفٌ جدًّا. وكذا جهرُ الإمامِ والمأمومِ بقراءةِ الفاتحةِ دائمًا، أو خواتيمِ البقرةِ، أو أولِ الحديدِ، أو آخرِ الحَشْرِ، أو اجتماعُ الإمامِ والمأمومِ دائمًا على صلاةِ ركعتينِ عَقيبَ الفريضةِ، ونحوِ ذلك مما لا ريبَ أنه مِن البدعِ. وأمَّا إذا قرأ الإمامُ أو المأمومُ آيةَ الكُرْسيِّ في نفْسِه؛ فلا بأسَ به؛ إذ هي عملٌ صالحٌ، كما لو كان له وِرْدٌ من القراءةِ أو الدعاءِ أو الذِّكْرِ عقيبَ الصلاةِ فلا بأسَ به. والمشروعُ ما ثبَت في الصحيحِ: (لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ) (٢)، ونحوُه. وثبَت أيضًا: «أن تُسبِّحَ وتحمَدَ وتكبِّرَ كلَّ واحدةٍ ثلاثًا وثلاثينَ» (٣)، ورُوِي: «عشرًا، عشرًا، عشرًا» (٤)، ورُوِي: «أحدَ عشَرَ، أحدَ

стр. 178

عشَرَ» (١)، ورُوِي: «ثلاثًا وثلاثينَ، ويختمُ المئةَ بالتوحيدِ التامِّ» (٢)، ورُوِي: «أن يقولَ كلَّ واحدةٍ من الكلماتِ الأربعِ خمسًا وعشرينَ» (٣). فهذه ستةُ أنواعٍ قد صحَّتْ عنه. وأمَّا دعاءٌ (٤)؛ فقد نُقِل أنه أمَر معاذًا أن يقولَ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ: «اللهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكرِك، وحُسْنِ عبادتِك» (٥)، ونحوُ ذلك. لكنَّ لفظَ «دُبُر» قد يرادُ به: آخِرُ جزءٍ من الصلاةِ، كما يرادُ بدُبُرِ الشيءِ: مؤخَّرُه، وقد يرادُ به: ما بعدَ انقضائِها؛ كقولِه: ﴿وأدبار السجود﴾، وقد يرادُ مجموعُهما. أمَّا دعاءُ المأمومينَ معَ الإمامِ جميعًا: فهذا لا ريبَ أن النبيَّ ﷺ لم يفعَلْه في أعقابِ المكتوباتِ، ولهذا كان العلماءُ المتأخِّرونَ في ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ:

стр. 179

منهم: مَن يستحِبُّه عقيبَ الفجرِ والعصرِ؛ كطائفةٍ من أصحابِ مالكٍ وأحمدَ وأبي حنيفةَ وغيرِهم. ومنهم: مَن استَحبَّه أدبارَ الصلواتِ كلِّها، وقال: لا يجهرُ به إلا إذا أرادَ التعليمَ، كما ذكَرَه طائفةٌ من أصحابِ الشافعيِّ وغيرِه. وليس معهم حجةٌ بعدَ الصلاةِ بذلك، بل الحجةُ قبلَ فَراغِه من الصلاةِ فيه مناسبةٌ؛ إذ هو مُقبِلٌ على المناجاةِ؛ حتى أوجَبَه بعضُهم - وهو قولٌ في المذهبِ -، والأئمةُ الكبارُ لم يستحِبُّوا ذلك بعدها، لكن إن فُعِل أحيانًا لأمرٍ عارضٍ؛ كاستسقاءٍ ونحوِه؛ فلا بأسَ، كما لو ترَكَ الذِّكْرَ المشروعَ لعارضٍ فلا بأسَ، فالدعاءُ قبلَ انصرافِه مناسبٌ، بخلافِ بعدَ انصرافِه، إنما يناسبُ الذِّكْرُ والثناءُ. وأمَّا رفعُ اليدينِ: فقد جاء فيه أحاديثُ كثيرةٌ صحيحةٌ (١). وأمَّا مسحُ الوجهِ: ففيه حديثانِ لا تقومُ بهما حجةٌ (٢).

стр. 180

لا يُستحَبُّ عقيبَ الختمةِ قراءةُ الإخلاصِ ثلاثًا، بل يُقرَأُ كما في المصحفِ، بخلافِ قراءتِها منفردةً. ومَن استَحبَّ أن يقرأَ بالفاتحةِ وخواتيمِ البقرةِ؛ فهو مُخطِئٌ باتفاقِ الناسِ، وإن كان قالَه طائفةٌ من أصحابِ أحمدَ وغيرِهم. فَصْلٌ آلُ محمدٍ فيه قولانِ: أحدُهما: أنهم أهلُ بيتِه الذين حُرِموا الصدقةَ؛ نصَّ عليه أحمدُ والشافعيُّ؛ وهو أصحُّ. وعلى هذا: ففي تحريمِ الصدقةِ على أزواجِه، وكونِهن من أهلِ بيتِه روايتانِ، الأصَحُّ: دخولُهن دونَ مَواليهنَّ؛ كبَرِيرةَ، بخلافِ موالي الرجالِ. وعلى هذا: أهلُ بيتِه بنو هاشمٍ؛ من ذريةِ أبي طالبٍ والعباسِ والحارثِ بن عبدِ المطلبِ أعمامِ النبيِّ، فذريةُ هؤلاءِ الثلاثةِ أهلُ بيتِه، وكذلك ذريةُ أبي لهبٍ عندَ الجمهورِ، وليس لأعمامِه نَسْلٌ غيرُ هؤلاءِ الأربعةِ.
следующие страницы →