← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في الصحيحِ النهيُ عن تخصيصِها بقيامٍ (١)، معَ أنه ثبت بالتواترِ أن ليلةَ القدرِ أمَر اللهُ بالقيامِ فيها، وأنه ﷺ حضَّ على قيامِها (٢)، وأنها لا عِدْلَ لها من ليالي العامِ. ومَن أصرَّ على تَرْكِ الوَتْرِ ؛ رُدَّتْ شهادتُه. وأفضلُ الصلاةِ بعدَ المكتوبةِ ؛ قيامُ الليلِ، وأوكَدُه الوَتْرُ، ورَكْعتا الفجرِ (٣). قضاءُ سنةِ الفجرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ؛ جائزٌ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ. وكذا قضاءُ الراتبةِ ؛ مثلُ سنةِ الظهرِ بعدَ العصرِ، فيه قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ، الأصحُّ: الجوازُ.

стр. 177

بَابُ الأَدْعِيَةِ وَالأَذْكَارِ جهرُ الإمامِ والمأمومِ بقراءةِ آيةِ الكُرْسيِّ بعدَ الصلاةِ؛ مكروهةٌ بلا رَيْبَ، ورُوِي في قراءتِها حديثٌ (١)؛ لكنه ضعيفٌ جدًّا. وكذا جهرُ الإمامِ والمأمومِ بقراءةِ الفاتحةِ دائمًا، أو خواتيمِ البقرةِ، أو أولِ الحديدِ، أو آخرِ الحَشْرِ، أو اجتماعُ الإمامِ والمأمومِ دائمًا على صلاةِ ركعتينِ عَقيبَ الفريضةِ، ونحوِ ذلك مما لا ريبَ أنه مِن البدعِ. وأمَّا إذا قرأ الإمامُ أو المأمومُ آيةَ الكُرْسيِّ في نفْسِه؛ فلا بأسَ به؛ إذ هي عملٌ صالحٌ، كما لو كان له وِرْدٌ من القراءةِ أو الدعاءِ أو الذِّكْرِ عقيبَ الصلاةِ فلا بأسَ به. والمشروعُ ما ثبَت في الصحيحِ: (لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ) (٢)، ونحوُه. وثبَت أيضًا: «أن تُسبِّحَ وتحمَدَ وتكبِّرَ كلَّ واحدةٍ ثلاثًا وثلاثينَ» (٣)، ورُوِي: «عشرًا، عشرًا، عشرًا» (٤)، ورُوِي: «أحدَ عشَرَ، أحدَ

стр. 178

عشَرَ» (١)، ورُوِي: «ثلاثًا وثلاثينَ، ويختمُ المئةَ بالتوحيدِ التامِّ» (٢)، ورُوِي: «أن يقولَ كلَّ واحدةٍ من الكلماتِ الأربعِ خمسًا وعشرينَ» (٣). فهذه ستةُ أنواعٍ قد صحَّتْ عنه. وأمَّا دعاءٌ (٤)؛ فقد نُقِل أنه أمَر معاذًا أن يقولَ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ: «اللهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكرِك، وحُسْنِ عبادتِك» (٥)، ونحوُ ذلك. لكنَّ لفظَ «دُبُر» قد يرادُ به: آخِرُ جزءٍ من الصلاةِ، كما يرادُ بدُبُرِ الشيءِ: مؤخَّرُه، وقد يرادُ به: ما بعدَ انقضائِها؛ كقولِه: ﴿وأدبار السجود﴾، وقد يرادُ مجموعُهما. أمَّا دعاءُ المأمومينَ معَ الإمامِ جميعًا: فهذا لا ريبَ أن النبيَّ ﷺ لم يفعَلْه في أعقابِ المكتوباتِ، ولهذا كان العلماءُ المتأخِّرونَ في ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ:

стр. 179

منهم: مَن يستحِبُّه عقيبَ الفجرِ والعصرِ؛ كطائفةٍ من أصحابِ مالكٍ وأحمدَ وأبي حنيفةَ وغيرِهم. ومنهم: مَن استَحبَّه أدبارَ الصلواتِ كلِّها، وقال: لا يجهرُ به إلا إذا أرادَ التعليمَ، كما ذكَرَه طائفةٌ من أصحابِ الشافعيِّ وغيرِه. وليس معهم حجةٌ بعدَ الصلاةِ بذلك، بل الحجةُ قبلَ فَراغِه من الصلاةِ فيه مناسبةٌ؛ إذ هو مُقبِلٌ على المناجاةِ؛ حتى أوجَبَه بعضُهم - وهو قولٌ في المذهبِ -، والأئمةُ الكبارُ لم يستحِبُّوا ذلك بعدها، لكن إن فُعِل أحيانًا لأمرٍ عارضٍ؛ كاستسقاءٍ ونحوِه؛ فلا بأسَ، كما لو ترَكَ الذِّكْرَ المشروعَ لعارضٍ فلا بأسَ، فالدعاءُ قبلَ انصرافِه مناسبٌ، بخلافِ بعدَ انصرافِه، إنما يناسبُ الذِّكْرُ والثناءُ. وأمَّا رفعُ اليدينِ: فقد جاء فيه أحاديثُ كثيرةٌ صحيحةٌ (١). وأمَّا مسحُ الوجهِ: ففيه حديثانِ لا تقومُ بهما حجةٌ (٢).

стр. 180

لا يُستحَبُّ عقيبَ الختمةِ قراءةُ الإخلاصِ ثلاثًا، بل يُقرَأُ كما في المصحفِ، بخلافِ قراءتِها منفردةً. ومَن استَحبَّ أن يقرأَ بالفاتحةِ وخواتيمِ البقرةِ؛ فهو مُخطِئٌ باتفاقِ الناسِ، وإن كان قالَه طائفةٌ من أصحابِ أحمدَ وغيرِهم. فَصْلٌ آلُ محمدٍ فيه قولانِ: أحدُهما: أنهم أهلُ بيتِه الذين حُرِموا الصدقةَ؛ نصَّ عليه أحمدُ والشافعيُّ؛ وهو أصحُّ. وعلى هذا: ففي تحريمِ الصدقةِ على أزواجِه، وكونِهن من أهلِ بيتِه روايتانِ، الأصَحُّ: دخولُهن دونَ مَواليهنَّ؛ كبَرِيرةَ، بخلافِ موالي الرجالِ. وعلى هذا: أهلُ بيتِه بنو هاشمٍ؛ من ذريةِ أبي طالبٍ والعباسِ والحارثِ بن عبدِ المطلبِ أعمامِ النبيِّ، فذريةُ هؤلاءِ الثلاثةِ أهلُ بيتِه، وكذلك ذريةُ أبي لهبٍ عندَ الجمهورِ، وليس لأعمامِه نَسْلٌ غيرُ هؤلاءِ الأربعةِ.

стр. 181

وأفضلُ أهلِ بيتِه: عليٌّ وفاطمةُ وحسنٌ وحسينٌ؛ الذينَ أدارَ عليهم الكساءَ، وخصَّهم بالدعاءِ (١). وأمَّا بنو المطلبِ: هل هُم مِن أهلِه ومن أهلِ بيتِه الذين تحرُمُ عليهم الصدقةُ؟ على روايتينِ. والقولُ الثاني (٢): أن آل محمدٍ هم أمتُه، أو الأتقياءُ من أمتِه، رُوِي عن مالكٍ وطائفةٍ من أصحابِ أحمدَ، وغيرِهم. ولفظُ «آل فلانٍ» إذا أُطلِقَ؛ دخَل فيه فلانٌ، وقد يقالُ: محمدٌ وآلُ محمدٍ، فلا يدخُلُ فيهم محمدٌ. وثبتَ عنه ﷺ أنَّه كان يقولُ أحياناً: «اللَّهم صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ» (٣)، وأحياناً: «وعَلى أزواجِه وذُريَّتِه» (٤)؛ فمن جمع بينهما فقد خالف السنة. وكذلك لفظُ أهلِ البيتِ. وأصلُ «آل»: أَوَل، تحرَّكت الواوُ، انفتحَ ما قبلَها، قُلِبتْ ألفًا،

стр. 182

ومَن قال: إن أصلَه: «أهل» فقد غلِطَ؛ لأن «أهلَ» يُضافُ إلى الجمادِ وغيرِه، وأمَّا «آل» فإنما يُضافُ إلى مُعظَّمٍ من شأنِه أن يؤولَ غيرَه؛ أي: يسوسه، فيكونُ مآلُه إليه، فيتناولُ نفْسَه ومَن يؤولُ إليه. فلهذا جاء في أكثرِ الألفاظِ: «كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ» (١)، وجاء في بعضِها: «على إبراهيمَ» (٢)؛ لأنه هو الأصلُ في الصلاةِ والزكاة، وسائرُ أهلِ بيتِه تبَعٌ له، ولم يأتِ «على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ»؛ بل رُوِي؛ لكنه غيرُ ثابتٍ عن النبيِّ ﷺ (٣). ومن المتأخِّرينَ مَن يرى الجمعَ بينَ ألفاظِ الأدعيةِ التي رُوِيتْ بألفاظٍ متنوعةٍ؛ مثلُ قولِه: «ظلمًا كبيرًا كثيرًا» (٤)، وهي طريقةٌ مُحدَثةٌ؛

стр. 183

بل فاسدةٌ عقلًا؛ لأنه لم يستحِبَّ أحدٌ من المسلمينَ للقارئِ أن يجمعَ بينَ حروفِ القراءةِ. فإن قيلَ: قد جاءَ «على محمدٍ وعلى آلِ محمد»، فذكر محمدًا وآله، بخلاف إبراهيم! قيل: لأن الصلاة على محمدٍ وعلى آله ذُكِرتْ في مقامِ الطلبِ والدعاءِ، وفي إبراهيمَ في مقامِ الخبرِ، والجملةُ الطلبيةُ إذا بُسِطَتْ كان مناسبًا؛ لأن المطلوبَ يزيدُ بزيادةِ الطلبِ، وينقُصُ بنُقْصانِه، وأمَّا الخبرُ فهو خبرٌ عن أمرٍ قد وقَع لا يَحتمِلُ الزيادةَ والنقصانَ، فلم يكُنْ في زيادةِ اللفظِ زيادةُ معنًى، فكان الإيجازُ أحسنَ، ولهذا جاء بلفظِ «إبراهيمَ» تارةً، وبلفظِ «آلِ إبراهيمَ» أخرى؛ لأن كلًّا من اللفظينِ يدلُّ على ما يدلُّ عليه الآخَرُ، وهو الصلاةُ التي وقعَتْ ومضت، إذ قد عُلِم أن الذي وقَع هو الصلاةُ عليه وعلى أهلِه، بخلافِ ما لو طلَب: «صلِّ على محمدٍ»؛ لم يدلَّ على «آلِ محمدٍ»؛ لأنه دعاءٌ ينشأُ (١) بهذا اللفظِ لم نعلمْ ما يريدُه. ولو قيلَ: «صلِّ على آلِ محمدٍ»؛ لكان إنما يصلِّي عليه في العمومِ، فقيلَ: «على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ»؛ لِيُخَصَّ بالدعاءِ.

стр. 184

ثم إن قيلَ: إنه داخلٌ في آلِه معَ الاقترانِ، كما هو داخلٌ معَ الإطلاقِ، فقد صلَّى عليه مرتينِ؛ خصوصًا وعمومًا. ولو قيلَ: إنه لم يدخُلْ؛ ففي ذلك بيانُ أن الصلاةَ على آلِه تبَعًا له، وأنه هو الأصلُ؛ إذ بسببِه طُلِبتِ الصلاةُ على آلِه. فإن قيلَ: قولُه: «كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ» يُشعِرُ بفضيلةِ إبراهيمَ؛ لأن المشبَّهَ دونَ المشبَّهِ به. قيلَ: الجوابُ: أن محمدًا داخلٌ في آلِ إبراهيمَ في الأصح؛ لأنه أحقُّ من غيرِه من الأنبياءِ بالدخولِ، فيدخُلُ عمومًا في آلِ إبراهيمَ، ثم أُمِرْنا أن نصلِّيَ على محمدٍ وعلى آلِه خصوصًا بقدرِ ما صلَّيْنا عليه معَ سائرِ آلِ إبراهيمَ عمومًا، ثم لأهلِ بيتِه من ذلك ما يليقُ بهم، والباقي له، فيُطلَبُ له من الصلاةِ هذا القدرُ العظيمُ، فيحصُلُ له به أعظمُ ما لإبراهيمَ وغيرِه، فظهرَ مِن فضيلتِه على كلٍّ مِنَ النبِيِّينَ ما هو اللائقُ به ﷺ . وجوابٌ ثاني: وهو أنَّ آلَ إبراهيمَ فيهم الأنبياءُ الذين ليس مثلُهم في آلِ محمدٍ، فإذا طُلِب مِن الصلاةِ مثلُ ما صُلِّي على هؤلاءِ؛ حصَل لأهلِ بيتِه ما يليقُ بهم، فإنهم دونَ الأنبياءِ، وبقِيَتِ الزيادةُ لمحمدٍ، فحصَل له بذلك مَزِيَّةٌ ليست لإبراهيمَ ولا لغيرِه، وهذا حسنٌ أيضًا. وجوابٌ ثالثٌ: منع أن يكونَ المشبَّهُ دونَ المشبَّهِ به. وجوابٌ رابعٌ: أنَّ التشبيهَ عائدٌ إلى الصلاةِ على الآلِ فقطْ، فقولُه: «على محمدٍ» انقطعَ الكلامُ، وقولُه: «وعلى آلِ محمدٍ» مبتدأٌ، وهذا نُقِل

стр. 185

عن الشافعيِّ (١)، وهو ضعيفٌ كالذي قبلَه؛ لأن الفعلَ العاملَ في المعطوفِ هو العاملُ في المعطوفِ عليه، وهو العاملُ في أداةِ التشبيهِ، والحذفُ إنما يجوزُ معَ قيامِ دليلٍ، كما لو قيل: اضرِبْ زيدًا وعمرًا مثلَ ضَرْبِك خالدًا، وجعل التشبيهَ من المعطوفِ (٢)؛ كان تلبيسًا (٣). قولُه: «ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ» ؛ أي: لا ينفعُ ذا الحظِّ والمالِ والعظمةِ منكَ مالُه ولا عظمتُه، بل تقواه وإيمانُه (٤). ومحمدٌ أفضلُ الرسلِ باتفاقِ المسلمينَ ؛ لكن وقع نزاعٌ: هل هو أفضلُ من جملتِهم؟ قطَع طائفةٌ بأنه أفضلُ، كما أن صدِّيقَه وُزِنَ بمجموعِ الأمةِ؛ فرجَحَ. فعلى هذا: يكونُ آلُ محمدٍ الذين هو فيهم؛ أفضلَ من آلِ إبراهيمَ

стр. 186

الذين ليس فيهم محمدٌ، وإن كان فيهم عددٌ من الأنبياءِ، وإن لم يكُنْ محمد من آلِ نفْسِه؛ فيكونُ آلُ محمدٍ ليس فيهم نبِيٌّ دونَ آلِ إبراهيمَ، ففيهم أنبياءُ. وإن قُلْنا: إنه داخل في آلِ إبراهيمَ؛ كان آلُ إبراهيمَ فيهم محمدٌ وأنبياءُ غيرُه، وآلُ محمدٍ فيهم محمدٌ لا نبِيَّ معَه؛ فتكونُ الجملةُ التي فيها هو وغيرُه من الأنبياءِ أفضلَ من الآخَرِينَ. واتفقَ المسلمونَ على أن الصلاةَ والدعاءَ كلَّه سرًّا أفضلُ، بل الجهرُ برفعِ الصوتِ بدعةٌ، ورفعُه بذلك أو بالترضي قُدَّامَ الخطيبِ في الجمعةِ؛ مكروهٌ أو محرَّمٌ بالاتفاقِ، ومنهم مَن يقولُ: يصلِّي سرًّا، ومنهم من يقولُ: يسكتُ. والصلاةُ (١) بلفظِ الحديثِ ؛ أفضلُ مِن كلِّ لفظٍ، وألَّا يُزادُ عليه، كما في الأذانِ والتشهدِ؛ قالَه الأئمةُ الأربعةُ وغيرُهم. وهي في الصلاةِ: واجبةٌ في أشهرِ الروايتينِ، وقولِ الشافعيِّ، ولا تجبُ في غيرِها. والأخرى: لا تجبُ في الصلاةِ؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ. ثم منهم مَن قال: تجبُ في العمرِ مرةً. ومنهم من قال: تجبُ في المجلِسِ الذي يُذكَرُ فيه ﷺ (٢).

стр. 187

وأمَّا استفتاحُ الفألِ بالمصحفِ (١): فقد تنازعَ فيه المتأخِّرونَ، ذكر القاضي أبو يَعْلى عنِ ابنِ بَطَّةَ أنه فعَلَه، وذكر عن غيرِه أنه كرِهَه (٢). والاجتماعُ على القراءةِ والذِّكْرِ والدعاءِ ؛ حسَنٌ إذا لم يُتَّخذْ سنةً راتبةً، ولا اقترنَ به منكرٌ من بدعةٍ، وكشفُ الرأسِ معَ ذلك؛ مكروهٌ، لا سيَّما إن اتُّخِذَ عبادةً، فلا يجوزُ التعبُّدُ به (٣). ويُكرهُ أن يُسلِّمَ (٤) فيقولَ: أسألُكَ الفوزَ بالجنَّةِ والنَّجاةِ مِن النَّار بين التَّسليمتين (٥).

стр. 188

فَصْلٌ قد ثبَت عنه ﷺ أنَّه كان يخُصُّ نفْسَه بالدعاءِ وهو إمامٌ؛ كما في الاستِفتاحِ (١)، وقولِه: «أعوذُ بكَ مِن عذابِ جَهنَّمَ» بعدَ التشهُّدِ (٢)، وبعدَ رَفْعِه منَ الركوعِ: «اللهُمَّ طَهِّرْني مِن خَطايايَ بالماءِ والثَّلْجِ والبَرَدِ» (٣)، ورُوِي عنه: «لا يحِلُّ لرجلٍ يؤُمُّ قومًا فيخُصُّ نفْسَه بالدعاءِ» (٤)، فإنْ صحَّ هذا الحديثُ يكونُ المرادُ به: الدعاءَ الذي يُؤمِّنُ عليه المأمومُ؛ كدعاءِ القُنوتِ، فإنَّ المُؤمِّنَ دعا؛ لقولِه: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾، وكان أحدُهما يدعو والآخَرُ يُؤمِّنُ (٥).

стр. 189

فإذا كان المأمومُ يُؤمِّنُ؛ يدعو الإمامُ بصيغةِ الجمعِ؛ كما في دعاءِ الفاتحةِ: ﴿اهدنا الصراط المستقيم … ﴾ (١). ومَن حفِظَ القرآنَ غيرَ مُعْرَبٍ ، ولا يُمكِنُه أن يقرَأَ إلا بلَحْنٍ لعجمةٍ، أو عجَزَ عن حِفْظِ إعرابِه، ونحوِه؛ فليَقْرأْ كما يُمكِنُه، فهو أَوْلى من تَرْكِه؛ ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. ومَنِ اعتقدَ أنَّه بمجردِ تَلَفُّظِه بالشهادةِ يدخُلُ الجنةَ ولا يدخُلُ النارَ؛ فهو ضالٌّ، مُخالِفٌ للكتابِ والسنةِ والإجماعِ. فصلٌ والحمدُ: يتضمَّنُ المدحَ والثناءَ بجَميلِ المحاسِنِ؛ سواءٌ كان له إحسانٌ إلى الحامدِ، أو لا. والشكرُ: لا يكونُ إلا على إحسانٍ إلى الشاكرِ. فمِن هذا الوجهِ الحمدُ أعَمُّ؛ لأنَّه على المحاسِنِ والإحسانِ، لكنَّ الشكرَ يكونُ بالقلبِ واليدِ واللسانِ؛ كما قيل: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ عِنْدِي (٢) ثَلَاثَةً … يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا

стр. 190

والحمدُ إنما يكونُ بالقلبِ واللسانِ؛ فمن هذا الوجهِ الشكرُ أعَمُّ، فهو أعَمُّ مِن جهةِ أنواعِه، والحمدُ مِن جهةِ أسبابِه، وفي الحديثِ: «الحَمْدُ رأسُ الشُّكرِ» (١). قال ابنُ حَزْمٍ وغيرُه منَ المتأخِّرِينَ: «لا يجوزُ الدعاءُ إلا بالتسعةِ والتسعينَ اسمًا» (٢)، فلا يُقالُ: يا حنَّانُ، يا مَنَّانُ، يا دليلَ الحائرِينَ. وجمهورُ المسلمِينَ على خلافِ ذلك، وعليه مضى سلَفُ الأُمَّةِ؛ وهو الصوابُ، وفي الكتابِ والسنةِ ما يزيدُ عليها؛ مثلُ الرَّبِّ، وأكثرُ الدعاءِ المشروعِ به؛ حتى كرِه مالِكٌ أن يقالَ: يا سيِّدي؛ بل: يا ربِّ؛ لأنَّه دعاءُ الأنبياءِ في القرآنِ، وكذلك المَنَّانُ. وفي السُّنَنِ: أنَّه سمِعَ داعيًا يدعو: «اللهُمَّ إنِّي أسأَلُكَ بأنَّ لكَ الحَمْدَ، أنتَ اللهُ المَنَّانُ، بديعُ السماواتِ والأرضِ، يا ذا الجَلالِ والإكرامِ، يا حَيُّ، يا قَيُّومُ، فقال ﷺ : «لقد دعا اللهَ باسْمِه الأعظمِ الذي إذا دُعِي به أجابَ، وإذا سُئِلَ به أعطى» (٣).

стр. 191

وقد قال أحمدُ لرجلٍ وَدَّعَه: قلْ: يا دليلَ الحائرِينَ، دُلَّني على طريقِ الصادقِينَ. وقد أنكرَ طائفةٌ - كالقاضي أبي بكرٍ وابنِ عَقيلَ - أن يكونَ من أسمائِه: الدليلُ. والصوابُ ما عليه الجمهورُ؛ لأنَّ الدليلَ المُعرِّفُ المَدْلولَ، ما يُستدل به (١). وفي الصحيحِ: «إنَّ اللهَ وَتْرٌ» (٢)، «إنَّ اللهَ جميلٌ» (٣)، «إنَّ اللهَ نظيفٌ» (٤)، «إنَّ اللهَ طَيِّبٌ» (٥)، فهذه في الأحاديثِ، وتَتَبُّعُه يطولُ؛ مثلُ: «سُبُّوحٍ قُدُّوسٍ»، أنَّه كان يقولُه (٦)، واسمُه «الشافي» كما في الصحيحِ: «أنتَ الشافي، لا شافيَ إلا أنتَ» (٧). وكذلك أسماؤُه المضافةُ؛ مثلُ: أرحمِ الراحمينَ، وخيرِ الغافرينَ،

стр. 192

وربِّ العالمينَ، ومالكِ يومِ الدِّينِ، وأحسَنِ الخالقينَ، وجامعِ الناسِ، ومُقلِّبِ القلوبِ؛ مما ثبَت الدعاءُ بها بإجماعِ المسلمينَ. وله أسماءٌ استأثَرَ بها؛ كما في قولِه: «أوِ استأثَرْتَ به في عِلْمِ الغَيْبِ عندَكَ؛ أن تجعَلَ القرآنَ رَبيعَ قَلْبي، ونورَ صدري، وجِلاءَ حزني، وذَهابَ غَمِّي وهَمِّي» (١)، فأسماؤهُ لا تحصى، وإن كان فيها تسعةٌ وتسعونَ اسماً؛ مَن أَحْصاها دخَل الجنةَ، فقوله: «إنَّ لله تسعة وتسعينَ اسماً» (٢) موصوفةٌ بأنَّه من أحصاها داخلٌ الجنَّةَ، لا أنَّ ليسَ له غيرُها (٣). فَصْلٌ كسبُ الإنسانِ ليقومَ بالنفقةِ الواجبةِ على نفْسِه وعيالِه؛ واجبٌ عليه، وقد تنازعَ الناسُ: أيُّهما أفضلُ: الغنيُّ الشاكرُ، أم الفقيرُ الصابرُ؟ والصوابُ: أن أتقاهما أفضلُهما، ولا يُذَمُّ المالُ لنفْسِه، ولا كَسْبُه إذا أخَذَه من حِلِّه، ودفعَه في حقِّه، نِعم المالُ الصالحُ معَ الرجلِ الصالحِ، ولكنَّ المذمومَ فَرْطُ تعلُّقِ القلبِ؛ بحيثُ يكونُ هلوعًا جزوعًا منوعًا، فإذا سلِمَ من ذلك؛ فقد يكونُ صاحبُه أزهدَ فيه من فقيرٍ هَلوعٍ.

стр. 193

والرضى بفعلِ ما أمَر اللهُ به ، وتَرْكِ ما نهى عنه؛ واجبٌ. وأمَّا الرضى بالمصائبِ، كالفقرِ، والمرضِ، والذلِّ؛ فالصحيحُ أنه ليس بواجبٍ؛ لكن مستحَبٌّ، ولكن الصبرَ هو الواجبُ هنا. أمَّا الرضى بالكفرِ فلا يرضى به عند أئمةِ الدِّينِ، وإن غلِطَ فيه قومٌ من المتفلسفةِ والصوفيةِ، ولم يُفرِّقوا بينَ المحبةِ والرضى الكونيِّ والدينيِّ؛ بل ظنوا أن كلَّ ما أرادَ وقدَّرَه فقد أحبَّه، وأنه يجبُ عليهم محبةُ ذلك؛ لأن اللهَ ربه، ولم يقعْ لهم أن اللهَ يأمرُ بما يكرَهُه ولا يحبُّه؛ لقولِهِ: ﴿ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله﴾؛ معَ أنه قدَّرَه. والمتفلسفةُ ظنُّوا أن محبةَ الحقِّ ورضاه وغضبَه يرجعُ إلى إرادتِه، فقالوا: هو مريدٌ لها، محبٌّ لها. ومعنى «لا يريدُ الفسادَ»: لعبادِه المؤمنينَ، وهذا تحريفٌ؛ لأنه يقالُ: لا يحبُ الإيمان للكافرين، وهذا كلُّه ضلالٌ، فإنه لا يُطلَقُ القولُ أنه لا يحبُّ الإيمانَ. فَصْلٌ قراءةُ القرآنِ أفضلُ من الذِّكْرِ ، وإن كان المفضولُ قد يكونُ أفضلَ، وهذا مُتفَقٌ عليه بينَ أئمةِ الدينِ، وإنما نازعَ فيه بعضُ المتأخِّرينَ، فجعلوا الذِّكْرَ أفضلَ؛ إمَّا مطلقًا، وإمَّا في حقِّ بعضِ الخواصِّ كما يقولُه

стр. 194

أبو حامدٍ، أو في حقِّ المبتدئِ، وهذا أقربُ، فإن المفضولَ قد يكونُ أفضلَ في بعضِ الأزمانِ والأشخاصِ؛ كالقراءةِ في الركوعِ تُكرَهُ تعظيمًا وتشريفًا أن يُقرَأَ بالقرآنِ في حالِ الخضوعِ والذلِّ، كما كُرِه أن يُقرَأَ مع الجَنازةِ، وكرِه بعضُهم قراءَته في الحمامِ. ومِن هؤلاءِ مَن يرجِّحُ ذِكرَ الاسمِ المفردِ؛ كقولِه: اللهُ اللهُ اللهُ، على الكلمةِ التامةِ، وهي قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ، ومنهم من يرجِّحُ ذكرَ المضمرِ؛ وهو قولُه: هو هو، أو: يا هو، على الاسمِ المُظهَرِ. وهذا كلُّه من الغَلَطِ الذي دخل بسببِه فسادٌ كثيرٌ على كثيرٍ من السالكينَ؛ حتى آلَ ببعضِهم إلى الحلولِ والاتحادِ، فقد ثبَت في الصحيحِ: «أفضلُ الكلامِ بعدَ القرآنِ أربعٌ، وهنَّ من القرآنِ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ» (١)، وكلُّ ذكرٍ علَّمه الرسولُ لأمَّتِه أو قالَه؛ إنما هو بالكلامِ التامِّ، لا بالاسمِ المفردِ، ولا المضمَرِ. وفي الحديثِ: «مَن شغَلَه قراءة القرآن عن ذِكْري ومسألتي؛ أعطَيْتُه أفضلَ ما أُعطِي السائلينَ» حسَّنَه التِّرْمِذيُّ (٢)، وتعيُّنُه للصلاةِ، ولا يقرَؤُه جُنُبٌ، ولا يمَسُّه إلا الطاهرُ؛ بخلافِ الذكرِ والدعاءِ.

стр. 195

والصلاةُ أفضلُ من القرآنِ؛ لأنه يُشترَط لها الطهارتانِ، ومشتملةٌ عليه. والركوعُ والسجودُ أفضلُ من القيامِ، وذكرُ القيامِ أفضلُ من ذِكْرِهما؛ فاعتَدَلا، هذا الصحيحُ. وقيلَ: إن طولَ القيامِ أفضلُ. وقيلَ: بل كثرةُ الركوعِ والسجودِ (١). والقرآنُ الذي يتضمَّنُ أسماءَ اللهِ ؛ كـ: ﴿قل هو الله أحد﴾ أفضلُ من القرآنِ الذي لم يتضمَّنْ أسماءَه. وصحَّ أنَّ ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ (٢)، وقد فُسِّرَ ذلك: بأن معانيَ كلامِ اللهِ ثلاثةٌ: توحيدٌ، وقَصَصٌ، ونَهيٌ وأمرٌ، و ﴿قل هو الله أحد﴾ متضمِّنةٌ للثُّلُثِ الذي هو التوحيدُ. ومعنى كونِ ثوابِها يعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ: هو أن معادلةَ الشيءِ للشيءِ تقتضي تساويهما في القدرِ، لا تقتضي تماثُلَهما في الوصفِ، كما في: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾، فألفُ دينارٍ تعدِلُ من الطعامِ

стр. 196

والشرابِ ما قيمتُه ألفُ دينارٍ، فهي معادلةٌ في القيمةِ لا في الوصفِ. وإذا كان ثوابُ ﴿قل هو الله أحد﴾ يعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ في القدرِ؛ لم يجبْ أن يكونَ من جنْسِه وصفتِه، ولم يجُزْ أن يُستغنَى بقراءِتها ثلاثًا عن قراءةِ سائرِ القرآنِ، كما لا يُستغنَى بملكِ نوعٍ من المالِ قيمتُه ألفُ دينارٍ عن سائرِ أنواعِ المالِ، فالعبدُ محتاجٌ إلى أنواع من الأموال، كذلك محتاجٌ إلى أمرٍ ونهيٍ ووعدٍ ووعيدٍ وقَصَصٍ وأمثالٍ، فلو اقتصَرَ على ﴿قل هو الله أحد﴾ لم يحصُلْ له ما يحتاجُه من الأمرِ والنهيِ؛ بل يضرُّه فَقْدُ ذلك، ويُهلِكُه في الدنيا بسَلْبِ الإيمانِ، وفي الآخرةِ بالنيرانِ، كمَن جمع نوعًا من المالِ سريعًا، ولم يحصُلْ له ما يحتاجُ إليه من نوعٍ آخَرَ، فإنه قد يموتُ إمَّا جوعًا، وإمَّا عُرْيًا، وإمَّا عطشًا، فالقرآنُ منه ما تعلُّمُه فرضُ عينٍ، ومنه فرضُ كفايةٍ، والذكرُ منه واجبٌ ومستحَبٌّ. فأمَّا ذكرُ أسماءِ اللهِ على غيرِ وجهِ القراءةِ: فقراءةُ القرآنِ أفضلُ منها في الجملةِ، هذا بحسَبِ عمَلِها وثوابِها. وأمَّا ذاتُ القرآنِ، وذاتُ الأسماءِ: فقد تنازعَ فيه طوائفُ: فذُهِبَ: إلى أنه لا يجوزُ أن يُظَنَّ أن بعضَ ذلك أفضلُ من بعضٍ، ولا أن بعضَ القرآنِ أفضلُ من بعضٍ؛ لأن الجميعَ كلامُ اللهِ، ومن صفاتِه، لا سيَّما معَ القولِ بأنه قديمٌ، فإن التفاوتَ فيه ممتنِعٌ. وذهَب الجمهورُ المُتَّبِعونَ للسلَف: إلى أنَّ بعضَه أفضلُ من بعضٍ؛ كما في الصحيحِ عنه أنه قال لأبي سعيدِ بنِ المُعلَّى: «لأُعلِّمَنَّكَ سورةً

стр. 197

لم ينزِلْ في التوراةِ، ولا في الإنجيلِ، ولا في الزبورِ، ولا في القرآنِ مثلُها» (١)، وذكر أنها فاتحةُ الكتابِ. فأخبرَ الصادقُ المصدوقُ أنه لم ينزِلْ مثلُها، فلا يجوزُ أن يُقالَ: أُنزِلَ مثلُها، وفي الصحيحِ: «أنَّ آيةَ الكُرْسيِّ أعظمُ آيةٍ نزَلَتْ» (٢)، كما أن «الفاتحةَ أفضلُ سورةٍ نزلت» (٣). والقرآنُ الذي تكلَّمَ اللهُ به في وصفِ نفْسِه؛ أعظمُ من القرآنِ الذي تكلَّمَ به في وصفِ خلقِه، وكلامُه الذي هو أسماؤُه؛ أفضلُ من كلامِه الذي ليسَ هو أسماءَه، والكلُّ كلامُه؛ لكنَّ الشَّرَفَ يحصُلُ من جهةِ نسبتِه إلى القائلِ المتكلِّمِ به، ومن جهةِ نسبتِه إلى المقولِ المتكلَّم فيه، فإذا كانت النسبتانِ إلى اللهِ؛ كانَ الكلامُ أشرفَ، وليس مدحُ الشعراءِ للأنبياءِ مثلَ مدحِ الشعراءِ للملوكِ. وأمَّا إن قُدِّرَ أن له أسماءً ليستْ هي كلامَه؛ فكلامُه أفضلُ من جهةِ المتكلَّمِ به، والاسمُ أفضلُ من جهةِ المدلولِ عليه؛ لكن كلامَه أفضلُ مما ليس بكلامِه مطلقًا. ومعرفةُ القراءاتِ التي أقْرَأَهم رسولُ اللهِ؛ سنَّة، لصاحِبِها مَزِيةٌ على مَن لم يعرِفْ ذلك، وأمَّا جَمْعُها في الصلاةِ فبدعةٌ مكروهةٌ (٤).

стр. 198

لكن يجوزُ أن يقرأَ بعضَ القرآنِ بحرفِ أبي عمرٍو، وبعضَه بحرفِ نافعٍ، ونحوِه، وسواءٌ كان في ركعةٍ أو ركعتينِ، أو خارجَ الصلاةِ، أو لا (١). فَصْلٌ ما يعلَمُه الإنسانُ من حقٍّ وباطلٍ ؛ فإنه يقومُ بقلبِه، ويحلُّ بروحِه المنفوخةِ فيه، متصلاً بالقلبِ الذي هو المضغةُ الصنوبريةُ الشكلِ. وقد قيلَ: إنه يقومُ بجميعِ الجسدِ، وليس لبعضِ ذلك مكانٌ من الجسدِ يتميزُ به عن مكانٍ آخَرَ باتفاقِ الناسِ، وإنما الروحُ هي التي يُعبَّرُ عن محِلِّها الأولِ بالقلبِ تارةً، وتُسمِّيها الفلاسفةُ: النفسَ الناطقةَ، وهي الحاملةُ لجميعِ الاعتقاداتِ، فتتَنوَّرُ قلوبُ المؤمنينَ وأرواحُهم بالمعارفِ الإلهيةِ، وتُظلِمُ قلوبُ الكفارِ في العقائدِ الفاسدةِ؛ كما ضرَب اللهُ مثَلَ المؤمنِ والكافرِ في سورةِ النورِ. وما يحصُلُ عندَ الذكرِ المشروعِ من البكاءِ، ووجَلِ القلبِ، واقْشِعرارِ الجسومِ؛ فمن أفضلِ الأحوالِ التي نطَق بها الكتابُ. وأمَّا الاضطرابُ الشديدُ والغشيُ والصيحاتُ؛ فإن كان صاحبُه

стр. 199

مغلوباً عليه؛ لم يُلَمْ، وسبَبُه قوةُ الواردِ معَ ضعفِ القلبِ، والقوةُ والتمكُّنُ أفضلُ، كما هو حالُ النبيِّ ﷺ والصحابِة، وأمَّا السكونُ؛ قَسْوةً وجفاءً، فهذا مذمومٌ (١). فَصْلٌ (٢) القنوتُ مشروعٌ (٣) عندَ النازلةِ في جميعِ الصلواتِ، وفي الفجرِ والمغربِ أوكدُ. والنازلةُ: هي نازلةُ العدوِّ؛ نحوُ: استنصارِه للمُستضعَفِينَ تحتَ يدِ العدوِّ (٤)، ودعائِه على الذين قتَلوا أصحابَ بئرِ مَعُونةَ (٥). وأمَّا قنوتُ الإنسانِ للاسترزاقِ؛ فلم يُؤثَرْ عن أحدٍ من السلَفِ، ولا علمْتُ أحدًا ذكَرَه.

стр. 200

والصلاةُ الوسطى ؛ هي العصرُ بلا شكٍّ عندَ من عرَفَ الأحاديثَ (١). والقنوتُ: هو المداومةُ على الطاعةِ؛ كقولِه: ﴿أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما﴾، فلا يجوزُ حَمْلُه على إطالةِ القيامِ للدعاءِ دون غيرِه؛ لأنَّ اللهَ أمَر بالقيامِ له قانتينَ، والأمرُ للوجوبِ. وقيامُ الدعاءِ المتنازَعِ فيه (٢)؛ لا يجبُ بالإجماعِ، والقائمُ في حالِ قراءتِه هو قانتٌ أيضًا، ولما نزلَتْ أُمِرنا بالسكوتِ (٣)، فعُلِم أنَّ السكوتَ من تمامِ القنوتِ المأمورِ به، وذلك واجبٌ في جميعِ أجزاءِ القيامِ. والحديثُ: «ما زالَ يقنُتُ حتى فارقَ الدنيا» (٤)، وإن صحَّحَه الحاكمُ؛ فهو يُصحِّحُ الموضوعاتِ، وعندَه تساهلٌ، فلا تقومُ بمثلِه الحجةُ. قالوا (٥): وقولُه في الآخَرِ: «ثم ترك» (٦) - أي: تركَ الدعاءَ - لا أصله (٧).

стр. 201

والحديثُ فيه: «ما قنَتَ بعدَ الركوعِ إلا شهرًا» (١)؛ فتبيَّنَ أنه لم يقنُتْ بعدَ الركوعِ إلا شهرًا، فبطَلَ ذلك التأويلُ (٢). والقنوتُ قبلَ الركوعِ: قد يُرادُ به طولُ القيامِ قبلَ الركوعِ؛ سواءٌ كان فيه دعاءٌ أوْ لا، فلا يكونُ اللفظُ دالًّا على قنوتِ الدعاءِ. وقد ذهبَتْ طائفةٌ: إلى أن القنوتَ مشروعٌ في جميعِ الصلواتِ، وهو شاذٌّ؛ والصحيحُ: أنه قنَتَ لسبب من النازلةِ، ثم ترَكَ، كما دلَّ عليه الحديثُ، وعليه الخلفاءُ الراشدونَ، فإن عمرَ لما جاءتِ النصارى قنَتَ عليهم: «اللهُمَّ عذِّبْ كفَرةَ أهلِ الكتابِ … » إلى آخِرِه (٣)، فجعَله بعضُ الناسِ سنةً راتبةً في قنوتِ رمضانَ، وليس كذلك؛ بل قنَت بما يناسِبُ حالَ المسلمينَ، كما كانَ رسولُ اللهِ يقنتُ في كلِّ نازلةٍ بما يناسبها، ولو قنَت دائمًا لنقَلَه المسلمونَ عن نبِيِّهم، فإنه منَ الأمورِ التي تتوَفَّرُ الدواعي على نَقْلِه. فَصْلٌ إذا تحقَّقَ ما في القلبِ ؛ أثَّرَ في الظاهرِ ضرورةً، لا يُمكِنُ انفكاكُ أحَدِهما عن الآخَرِ، فالإرادةُ الجازمةُ معَ القدرةِ التامةِ توجِبُ وقوعَ

стр. 202

المقدورِ، فإذا كان في القلبِ حبُّ اللهِ ورسولِه ثابتًا؛ استلزمَ موالاةَ أوليائِه، ومعاداةَ أعدائِه، ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾، فهذا التلازمُ أمرٌ ضروريٌّ. ومن جهةِ ظنِّ انتفاءِ اللازمِ؛ غلِطَ غالطونَ؛ كما غلِطَ آخرونَ في جوازِ وجودِ إرادةٍ جازمةٍ معَ القدرةِ التامةِ بدونِ الفعلِ، حتى تنازعوا: هل يُعاقَبُ على الإرادةِ بلا عملٍ؟ وقد بيَّنَا أن الهِمَّةَ التي يهُمُّها ولم يقترنْ بها فعلُ ما يَقدرُ عليه الهامُّ: ليسَتْ إرادةً جازمةً؛ وأن الجازمةَ لا بدَّ أن يُوجَدَ معها ما يقدرُ عليه العبدُ، والعفوُ وقَع عمَّن همَّ بسيئةٍ ولم يفعَلْها، لا عمَّن أرادَ وفعَلَ الذي أمكَنَه، وعجَز عن تمامِ مرادِه. ومَن عرَف المُلازَماتِ بينَ الظاهرِ والباطنِ؛ زالت عنه شُبُهاتٌ كثيرةٌ (١). وتحقيقُ الإيمانِ أو غيرِه مما هو من الأعمالِ الباطنةِ أو الظاهرةِ؛ مثلُ: حبِّ اللهِ، والانقيادِ له، والاستكانةِ، ووجَلِ القلبِ، وزيادةِ الإيمانِ عندَ ذِكْرِ آياتهِ، والتوكُّلِ عليه، والجهادِ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وضدِّ ذلك؛ مما يحدُثُ عن التصديقِ، أو عن التكذيبِ، والهَمِّ بالحسنةِ، أو السيئةِ، أو غيرِ ذلك، واللهُ أعلمُ.

стр. 203

قولُه في حديثِ أبي بكرٍ: «اللهُمَّ إني ظلمْتُ نفْسِي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفِرُ الذنوبَ إلا أنتَ، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِك وارحمني، إنكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ» (١)؛ قال الحكيمُ التِّرْمِذيُّ: (هذا عبدٌ اعترفَ بالظلمِ، ثم التجأَ إليه مضطرًّا إليه، لا يجدُ لذنبِه ساترًا غيرَه، ثم سأله مغفرةً من عندِه، والأشياءُ كلُّها من عندِه، ولكن أرادَ شيئًا مخصوصًا ليس مما بَذَله للعامةِ، فللهِ تعالى رحمةٌ قد عمَّتِ الخلقَ؛ بَرَّهم وفاجِرَهم، سعيدَهُم وشَقِيَّهُم، ثم له رحمةٌ خصَّ بها المؤمنينَ، وهي رحمةُ الإيمانِ، ثم له رحمةٌ خصَّ بها المتقينَ، وهي رحمةُ الطاعةِ للهِ تعالى، وللهِ رحمةٌ خصَّ بها الأولياءَ، نالوا بها الولايةَ، وله رحمةٌ خصَّ بها الأنبياءَ، نالوا بها النبوةَ، وقال الراسِخونَ: ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾، فسألوه رحمةً من عندِه). فهذا صورةُ ما شرَحَه، ولم يذكُرْ صفةَ الظلمِ وأنواعَه، كما ذكر صفةَ الرحمةِ. وليُعْلَمْ أن الدعاءَ الذي فيه اعترافُ العبدِ بظلمِ النَّفْسِ؛ ليس من خصائصِ الصِّدِّيقينَ ومَن دونَهم؛ بل هو من الأدعيةِ التي يدعو بها الأنبياءُ، وهم أفضلُ الخلقِ، قال اللهُ تعالى عن آدمَ وحواءَ: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾، وقال موسى: ﴿رب إني ظلمت نفسي﴾، والخليلُ: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾، ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي﴾، وقال هو وإسماعيلُ: ﴿ربنا تقبل

стр. 204

منا … ﴾، إلى قولِه: ﴿وتب علينا﴾، وقال موسى: ﴿أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا﴾، وقال نوح: ﴿رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم﴾، وقال يونُسُ: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾. وثبَت في الصحيحِ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقولُ في دعائِه: «ظلمتُ نفْسِي، واعترفتُ بذنْبِي، فاغفِرْ لي» (١)، وثبَت عنه: «اللهُمَّ اغفِرْ لي ذنْبِي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وعلانيتَه وسِرَّه، وأوَّلَه وآخِرَه» (٢)، «اللهُمَّ اغفِرْ لي خَطيئتي وجَهْلي، وإسرافي في أمري، وما أنتَ أعلمُ به منِّي، اللهُمَّ اغفِرْ لي هَزْلي وجِدِّي، وخَطئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهُمَّ اغفِرْ لي ما قدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسرَرْتُ وما أعلَنْتُ، وما أنتَ أعلمُ به مِنِّي، أنتَ المقدِّمُ وأنتَ المؤخِّرُ، لا إلهَ إلا أنتَ» (٣)، وفي سجودِه: «اللهُمَّ اغفِرْ لي»، يتأوَّلُ القرآنَ (٤). وقال له ربُّه: ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾، وقال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾، وسورةُ النصرِ آخِرُ ما نزَلَت بعدَ قولِه: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾، فقال له الناسُ:

стр. 205

هذا لكَ، فما لنا؟ فأنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين … ﴾ الآيةَ (١). وفي هذا ردٌّ على طائفةٍ يقولونَ: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك﴾: (وهو ذنبُ آدمَ)، ﴿وما تأخر﴾: (ذنبُ أمَّتِه)، فإن هذا القولَ - وإن لم يقُلْه أحدٌ من الصحابةِ والتابعينَ ولا أئمةِ المسلمينَ - فقد قالَه طائفةٌ من المتأخِّرينَ (٢)، ويظُنُّ بعضُ الجُهالِ أنه قولٌ شريفٌ، وهو كذِبٌ على اللهِ وتحريفٌ؛ فإنه قد ثبَتَ أن الناسَ يومَ القيامةِ يأتونَ آدمَ فيعتذِرُ إليهم، ويذكُرُ خطيئتَه (٣)، فلو كان ﴿ما تقدَّمَ﴾ ذنبُ آدمَ؛ لم يعتذر، وقد قالت له الصحابةُ: (هذا لكَ، فما لنا؟)، فلو كان ما تأخَّرَ مغفرةَ ذُنوبِهم؛ لكان قال: هذا لكم. وأيضًا: فقد قال: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾. وأيضاً: كيفَ تُضافُ ذُنوبُ الفُسَّاقِ إليه، يُجعَلُ الزنا، والسرقةُ، وشربُ الخمرِ ذنبًا له؟! ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وأيُّ فرقٍ بينَ ذنبِ آدمَ ونوحٍ وإبراهيمَ، وكلُّهم آباؤُه، وقد قال تعالى في غيرِ موضعٍ: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا

стр. 206

وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾، فكيفَ يكونُ ذنبُ أمَّتِه ذنباً له؟! هذا لا يَخْفى فسادُه على مَن له أدنى تدبُّرٍ، وإن كان قالَه طائفةٌ من المصنِّفِينَ في العصمةِ؛ حتى ترى ذلك في كتبِ بعضِ مَن له قدمُ صدقٍ من أهلِ السنةِ، لكنَّ الغُلُوَّ أوجبَ اتباعَ الجُهَّالِ الضُلَّالِ، فإن أصلَ ذلك من المبتدعينَ الغالينَ، وأوَّلُهم الرافضةُ لما ادَّعَوُا العصمةَ في عليٍّ وغيرِه - حتى من الخطأِ - احتاجوا أن يُثبِتوا ذلك للأنبياءِ بطريقِ الأَوْلى، ولما نزَّهوا عليًّا ومَن دونَه أن يكونَ له ذنبٌ يُستغفَرُ منه؛ كان تَنْزيهُهم للرسلِ أَوْلى. وكذلك القرامطةُ لما ادَّعَوا عصمةَ أئمَّتِهم الإسماعيليةِ القرامطةِ الباطنيةِ الفلاسفةِ الدهريةِ، وعبَدوهم، واعتَقدوا فيهم الإلهيةَ، كما كانت الغاليةُ تعتقدُ في عليٍّ وغيرِه الإلهيةَ، أو النبوةَ، وكما ألزموا الدعوةَ للمُنتظَرِ، وأنه معصومٌ، وقالوا: دخَلَ في سردابِ سامراءَ سنةَ ستينَ ومائتينِ وهو طفلٌ غيرُ مُميِّزٍ، وصار مثلُ هذا يُدَّعى؛ ادَّعَاه ابنُ التُّومَرتِ (١) صاحبُ «المرشدِة» أنه المَهدِيُّ، وصار طائفةٌ من الغلاةِ في

стр. 207

مشايخِهم يعتقدونَ العصمةَ، أو يقولونَ: إنه محفوظٌ، والمعنى واحدٌ، ولو أقَرَّ بلسانِه؛ عامَلَه بالعصمةِ بقلبِه. فهؤلاءِ إذا اعتقدوا ذلكَ في بعضِ المؤمنين؛ كيفَ لا يعتقدونَ ذلك في الأنبياءِ؟! فإن كان مِن المسلمينَ؛ اعتقدَ أن الأنبياءَ أفضلُ من شيخِه وإمامِه، فبعِصمَتِهم بطريقِ الأَوْلى. وإن كان من الزنادقةِ الذين يعتقدونَ أن الشيخَ أفضلُ من النبيِّ - كما يقولُه المتفلسفةُ، والشيعةُ، وغلاةُ الصوفيةِ الاتحاديةِ، وغيرُهم-؛ فلا بدَّ لهؤلاءِ أن يُقِرِّروا الغُلُوَّ في الأنبياءِ؛ حتى يُوافِقَهم الناسُ على الغُلُوِّ في أئمَّتِهم. وهذا كلُّه من شعبِ النصرانيةِ الذينَ قال فيهم: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم﴾، إلى قولِه: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾، إلى قولِه: ﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾، إلى قولِه: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله﴾، وقد قال ﷺ : «لا تُطْروني كما أطْرَتِ النصارى المسيحَ؛ بل قولوا: عبدُ اللهِ، فإنما أنا عبدٌ» (١)، و «إنما أضَلَّ مَن كان قبلَكم الغُلُوُّ في

стр. 208

الدِّينِ» (١)، وقد قال: «لتركبُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلَكم» (٢)، فقصدوا تعظيمَ الأنبياءِ والصالحينَ، فوقعوا في تكذيبِهم، فإن المسيحَ قال: ﴿إني عبد الله آتاني الكتاب﴾؛ فكذَّبوه، وقالوا: ما هو عبدُ اللهِ؛ بل هو اللهُ، وأشركوا به. وكذلك الغاليةُ في عليٍّ وغيرِه؛ فإنه حرَّقَ الغاليةَ فيه، ونُقِل عنه من نحوِ ثمانينَ وجهًا: «خيرُ هذه الأمةِ بعدَ نبِيِّها أبو بكرٍ، ثم عمرُ»، ويُذكَرُ ذلك لابنِ الحنفيةِ؛ كما رواه البخاريُّ (٣)، والشيعةُ تُكذِّبُه، فهم معه كالنصارى معَ المسيحِ، واليهودِ معَ موسى. وكذلك أتباعُ المشايخِ يغلونَ فيهم، ويتركونَ اتِّباعَهم على الطريقةِ التي يُحِبُّها اللهُ ورسولُه. وهذا بابٌ دخَلَ منه الشيطانُ على خلقٍ كثيرٍ؛ فأضَلَّهم؛ حتى يجعلَ أحدَهم قولَ الحقِّ تنقصًا له؛ كما إذا قيلَ للنصارى: ﴿ما المسيح ابن

стр. 209

مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾ قالوا: هذا تنقُّصٌ بالمسيحِ، وسوءُ أدبٍ معَه. وهكذا المنتسِبونَ إلى هذه الأمةِ، تجدُ أحَدَهم يغلو في قدوتِه؛ حتى يكرهَ أن يُوصَفَ بما هو فيه، ومعَ هذا فهو يُكذِّبُه، ويقولُ على الله العظائمَ، وهذا بابٌ يطولُ، والمقصودُ التنبيهُ عليه. إذا عُرِف ذلك: فقد اتفقَ سلَفُ الأمةِ وجميعُ الطوائفِ الذينَ لهم قولٌ مُعتبَرٌ: أن مَن سِوى الأنبياءِ ليس بمعصومٍ، لا من الخطأِ، ولا من الذنوبِ، سواءٌ كان صِدِّيقًا، أو لم يكُنْ، ولا فرقَ بينَ أن يقولَ: هو معصومٌ، أو محفوظٌ، أو ممنوعٌ. قال الأئمةُ: كلُّ أحدٍ يُؤخَذُ من كلامِه ويُترَكُ؛ إلا رسولَ اللهِ ﷺ . ولهذا اتفقَت الأمةُ على أنه معصومٌ فيما يُبلِّغُه عن ربِّه، وقد اتفقوا على أنَّه لا يُقَرُّ على الخطأِ في ذلك، وكذلك لا يُقَرُّ على الذنوبِ، لا صغائرِها ولا كبائرِها. ولكن تنازعوا: هل يقعُ منهم بعضُ الصغائرِ معَ التوبةِ منها، أو لا يقعُ بحالٍ؟ فقال بعضُ متكلِّمِي أهلِ الحديثِ، وكثيرٌ من المتكلِّمِينَ من الشيعةِ والمعتزلةِ: لا تقعُ منهم الصغيرةُ بحالٍ، وزاد الشيعةُ حتى قال (١): لا يقعُ منهم لا خطأٌ ولا غيرُ خطأٍ.

стр. 210

وأمَّا السلَفُ، وجمهورُ أهلِ الفقهِ والحديثِ والتفسيرِ، وجمهورُ متكلِّمي أهلِ الحديثِ من الأشعريةِ وغيرِهم: فلم يمنعوا الوقوعَ إذا كان معَ التوبةِ؛ كما دلَّتْ عليه النصوصُ من الكتابِ والسنةِ، فإن اللهَ يحبُّ التوابينَ، وإذا ابتُلِي بعضُ الأكابرِ بما يتوبُ منه؛ فذاك لكمالِ النهايةِ، لا لنقصِ البدايةِ، كما قال بعضُهم: لو لم تكُنِ التوبةُ أحبَّ الأشياءِ إليه؛ لما ابتلى بالذنبِ أكرمَ الخلقِ عليه. وأيضًا فالحسناتُ والسيئاتُ تتنوَّعُ بحسَبِ المقاماتِ؛ كما يقالُ: حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقرَّبِينَ. فمن فهِم ما تمحوه التوبةُ، وترفعُ صاحبَها إليه من الدرجاتِ، وما يتفاوتُ الناسُ فيه من الحسناتِ والسيئاتِ؛ زالت عنه الشُّبهةُ في هذا البابِ، وأقرَّ الكتابَ والسنةَ على ما فيها من الهُدَى والصوابِ، فإن الغلاةَ يتوهَّمونَ أن الذنبَ إذا صدَر من العبدِ؛ كان نقصًا في حقِّه لا ينجبرُ؛ حتى يجعلوا مَن لم يسجدْ لصنمٍ أفضلَ، وهذا جهلٌ؛ فإن المهاجرينَ والأنصارَ - الذين هم أفضلُ هذه الأمةِ- هم أفضلُ من أولادِهم وغيرِ أولادِهم ممن وُلِد على الإسلامِ، وإن كانوا في أولِ الأمرِ كانوا كفارًا يعبدونَ الأصنامَ؛ بل المنتقلُ من الضلالِ إلى الهدى يُضاعَفُ له الثوابُ؛ كما قال: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾، فهو أفرحُ بتوبةِ عبدِه من الذي ضلَّت راحلتُه في الأرضِ المَهْلَكةِ، ثم وجَدَها (١).

стр. 211

فإذا كانتِ التوبةُ بهذه المثابةِ، كيفَ لا يكونُ صاحِبُها معظمًا؟! وقد وُصِفَ الإنسانُ بالظلمِ والجهلِ، وجُعِل الفرقُ بينَ المؤمنِ والكافرِ والمنافقِ أن يتوبَ اللهُ عليه؛ إذ لم يكُنْ له بدٌّ من الجهلِ، فقال: ﴿ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات﴾، وخيرُ الخطَّائِينَ التوابونَ، وكلُّ بني آدمَ خطاؤونَ. وقد ذكر اللهُ تعالى الذينَ وعدَهم الحُسْنى، فلم يَنْفِ عنهم الذنوبَ، فقال: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾، إلى قولِه: ﴿ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا﴾، فذكر المغفرةَ والتكفيرَ، وقال: ﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون﴾، وقال: «لن يدخُلَ أحدٌ منكم الجنةَ بعمَلِه»، قالوا: ولا أنتَ؟ قال: «ولا أنا؛ إلا أن يتَغمَّدَنيَ اللهُ برحمتِه» (١). واعلَمْ أن كثيرًا من الناسِ يسبقُ إلى ذِهْنِه من ذِكْرِ الذنوبِ: الزنا، والسرقةُ، ونحوُ ذلكَ، فيستعظمُ أن كريمًا يفعلُ ذلك، ولا يعلمُ هذا المسكينُ أن أكثرَ عُقَلاءِ بني آدمَ لا يسرقونَ، بل ولا يزنونَ؛ حتى في جاهليَّتِهم وكفرِهم، فإن أبا بكرٍ وغيرَه كانوا قبلَ الإسلامِ لا يرضَوْنَ أن

стр. 212

يفعلوا مثلَ هذه الأعمالِ، ولما بايعَ النبيُّ ﷺ هندًا بنتَ عُتْبةَ بنِ ربيعةَ -أمَّ معاويةَ- بيعةَ النساءِ على ألا يسرقْنَ، ولا يزنينَ، قالت: «أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟!» (١)، فما كانوا في الجاهليةِ يعرفونَ الزنا إلا للإماءِ، وكذا اللواطُ، فأكثرُ الأممِ لم تعرفْه، ولم يكُنْ يُعرَفُ في العربِ قطُّ. ولكن الذنوبَ تتنوَّعُ، وهي كثيرةٌ لها شُعَبٌ، كالتي هي من بابِ الضلالِ في الإيمانِ، والبدعِ التي هي من جنسِ العُلُوِّ في الأرضِ، والفخرِ، والخيلاءِ، والحسدِ، والكِبْرِ، والرياءِ، هي في الناسِ الذينَ هم متعففونَ عن الفواحشِ. وكذلك الذنوبُ التي هي تَرْكُ الواجباتِ؛ كالإخلاصِ، والتوكُّلِ على اللهِ، ورجاءِ رحمتِه، وخوفِ عذابِه، والصبرِ على حُكْمِه، والتسليمِ لأمرِه، والجهادِ، والأمرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن المنكَرِ، ونحوِه، وتحقيقُ ما يجبُ من المعارفِ والأعمالِ يطولُ. فإذا عُلِم ذلك؛ فظُلْمُ العبدِ نفْسَه يكونُ بتَرْكِ ما ينفَعُها وهي محتاجةٌ إليه، أو بفعلِ ما يضُرُّها؛ كما أن ظُلْمَ الغيرِ كذلك؛ إمَّا بمَنْعِ حقِّه، أو التعدي. والنفْسُ إنما تحتاجُ من العبدِ إلى فعلِ ما أمَر اللهُ به، وإنما يضُرُّها فعلُ ما نهَى عنه، فظُلْمُها لا يخرجُ عن تركِ حسنةٍ، أو فعلِ سيئةٍ، وما

стр. 213

يُضطَرُّ العبدُ إليه - حتى أكلُ المَيْتةِ - داخلٌ في هذا، فأَكْلُها عندَ الضرورةِ واجبٌ في المشهورِ من مذهبِ الأئمةِ الأربعةِ، وكذلك ما يضُرُّها من جنسِ العباداتِ؛ مثلِ: الصومِ الذي يزيدُ في مرَضِها، أو الاغتسالِ بالماءِ الباردِ الذي يقتُلُها؛ هو من ظلمِها، فإن اللهَ أمَر العبادَ بما ينفَعُهم، ونهاهم عما يضُرُّهم، وجاء القرآنُ بالأمرِ بالصلاحِ، والنهيِ عن الفسادِ، والصلاحُ كلُّه طاعةٌ، والفسادُ كلُّه معصيةٌ، وقد لا يعلمُ بعضُ الناسِ ذلك على حقيقتِه، فالمؤمنُ يعلمُ أن اللهَ يأمُرُ بكلِّ مصلحةٍ، وينهى عن كل مفسدةٍ. ومما يجبُ أن يعرفَ: أن العبدَ قد يجبُ عليه أسبابُ أمورٍ لا يجبُ عليه بدونِها، فإن قام بها كان مُحسِنًا إلى نفْسِه؛ وإلا كان ظالمًا لنفْسِه، وإن لم يكُنْ تركُها ظلمًا في حقِّ مَن لم يقبلْ تلك الأسبابَ مِمَّن ولِيَ ولايةً، ففي «المسنَدِ»: «أحبُّ الخلقِ إلى اللهِ إمامٌ عادلٌ، وأبغَضُهم إمامٌ جائرٌ» (١)، وكذلك من لغيرِه عليه حقوقٌ؛ كالزوجةِ، والأولادِ، والجيرانِ، فقد ذكر اللهُ الحقوقَ العشرةَ في قولِه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين﴾ إلى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾، فكلما ازدادت معرفةُ الإنسانِ بالنفوسِ ولوازِمِها، وتقلُّبِ القلوبِ، وبما عليها من الحقوقِ للهِ ولعبادِه، وبما حُدَّ لهم من الحدودِ: علِمَ أنه لا يخلو أحدٌ عن تركِ بعضِ الحقوقِ، أو تعدي بعضِ الحدودِ، ولهذا أمر عبادَه المؤمنينَ أن يسألوه

стр. 214

أن يَهْديَهم الصراطَ المستقيمَ في اليومِ والليلةِ في المكتوبةِ وحدَها سبعَ عشْرةَ مرةً، وهو صراطُ الذينَ أنعَمَ عليهم من النبيِّينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينِ، ومَن يُطِعِ اللهَ ورسولَه فهم هؤلاءِ. فالصراطُ المستقيمُ: هو طاعةُ اللهِ ورسولِه، وهو دينُ الإسلامِ التامِّ، وهو اتباعُ القرآنِ، وهو لزومُ السنةِ والجماعةِ، وهو طريقُ العبوديةِ، وهو طريقُ الخوفِ والرجاءِ، ولهذا كان يقولُ ﷺ في خطبتِه: «الحمدُ للهِ نستعينُه ونستغفِرُه» (١)؛ لعِلْمِه أنه لا يفعلُ خيرًا ولا يجتنبُ شرًّا إلا بإعانةِ اللهِ له، وأنه لا بدَّ أن يفعلَ ما يُوجِبُ الاستغفارَ. وفي الصحيحِ: «سيدُ الاستغفارِ أن يقولَ العبدُ: اللهُمَّ أنتَ ربي، لا إلهَ إلا أنتَ، خلَقْتني وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لكَ بنعمتِكَ عليَّ، وأبوءُ بذَنْبي، فاغفِرْ لي؛ إنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ» (٢). فقولُه: «أبوءُ لك بنعمتِكَ عليَّ»: يتناولُ نعمتَه عليه في إعانتِه على الطاعاتِ. وقولُه: «أبوءُ لك بذَنْبي»: يبينُ إقرارَه بالذنوبِ التي تحتاجُ إلى الاستغفارِ، واللهُ غفورٌ شكورٌ، يغفرُ الكبيرَ، ويشكرُ اليسيرَ.

стр. 215

وجاء عن غيرِ واحدٍ: (إني أُصبِحُ بينَ نعمةٍ وذنبٍ، أريدُ أن أحدثَ للنعمةِ شكرًا، وللذنبِ استغفارًا). وكان المشايخُ يقرنونَ بينَ هذه الثلاثةِ: الشكرِ لما مضى من إحسانِه، والاستغفارِ لما تقدَّمَ من إساءةِ العبدِ، والاستعانةِ لما يستَقْبِلُه العبدُ من أمورِه، فلا بدَّ لكلِّ عبدٍ من هذه الثلاثةِ. فقولُه: «الحمدُ للهِ، نستَعينُه، ونستغفِرُه» يتناولُ ذلك، فمَن قصَّرَ في واحدٍ منها؛ فقد ظلَمَ نفسَه بحسَبِ تقصيرِ العبدِ، والعبدُ إذا عمِلَ بما علِمَ؛ ورَّثَه اللهُ عِلْمَ ما لم يعلَمْ، كما قال: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم﴾ الآيةَ، ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾. وإذا ترَك العملَ بعِلْمِه؛ عاقَبَه؛ بأن أضَلَّه عن الهدى الذي لا يعرفُه، كما قال: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، ﴿ونقلب أفئدتهم﴾ و ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾. وفي الحديثِ: «إن العبدَ إذا أذنبَ نُكِتَ في قلبِه نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا تابَ ونزَع واستغفَرَ صُقِلَ قلبُه، وإن زاد زِيدَ فيها حتى تعلوَ قلبَه، فذلك الرانُ الذي قال فيه: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾» رواه التِّرْمِذيُّ وصحَّحَه (١).
следующие страницы →