فإذا كانتِ التوبةُ بهذه المثابةِ، كيفَ لا يكونُ صاحِبُها معظمًا؟! وقد وُصِفَ الإنسانُ بالظلمِ والجهلِ، وجُعِل الفرقُ بينَ المؤمنِ والكافرِ والمنافقِ أن يتوبَ اللهُ عليه؛ إذ لم يكُنْ له بدٌّ من الجهلِ، فقال: ﴿ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات﴾، وخيرُ الخطَّائِينَ التوابونَ، وكلُّ بني آدمَ خطاؤونَ.
وقد ذكر اللهُ تعالى الذينَ وعدَهم الحُسْنى، فلم يَنْفِ عنهم الذنوبَ، فقال: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون﴾، إلى قولِه: ﴿ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا﴾، فذكر المغفرةَ والتكفيرَ، وقال: ﴿أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون﴾، وقال: «لن يدخُلَ أحدٌ منكم الجنةَ بعمَلِه»، قالوا: ولا أنتَ؟ قال: «ولا أنا؛ إلا أن يتَغمَّدَنيَ اللهُ برحمتِه» (١).
واعلَمْ أن كثيرًا من الناسِ يسبقُ إلى ذِهْنِه من ذِكْرِ الذنوبِ: الزنا، والسرقةُ، ونحوُ ذلكَ، فيستعظمُ أن كريمًا يفعلُ ذلك، ولا يعلمُ هذا المسكينُ أن أكثرَ عُقَلاءِ بني آدمَ لا يسرقونَ، بل ولا يزنونَ؛ حتى في جاهليَّتِهم وكفرِهم، فإن أبا بكرٍ وغيرَه كانوا قبلَ الإسلامِ لا يرضَوْنَ أن
стр. 212
يفعلوا مثلَ هذه الأعمالِ، ولما بايعَ النبيُّ ﷺ هندًا بنتَ عُتْبةَ بنِ ربيعةَ -أمَّ معاويةَ- بيعةَ النساءِ على ألا يسرقْنَ، ولا يزنينَ، قالت: «أَوَتَزْنِي الحُرَّةُ؟!» (١)، فما كانوا في الجاهليةِ يعرفونَ الزنا إلا للإماءِ، وكذا اللواطُ، فأكثرُ الأممِ لم تعرفْه، ولم يكُنْ يُعرَفُ في العربِ قطُّ.
ولكن الذنوبَ تتنوَّعُ، وهي كثيرةٌ لها شُعَبٌ، كالتي هي من بابِ الضلالِ في الإيمانِ، والبدعِ التي هي من جنسِ العُلُوِّ في الأرضِ، والفخرِ، والخيلاءِ، والحسدِ، والكِبْرِ، والرياءِ، هي في الناسِ الذينَ هم متعففونَ عن الفواحشِ.
وكذلك الذنوبُ التي هي تَرْكُ الواجباتِ؛ كالإخلاصِ، والتوكُّلِ على اللهِ، ورجاءِ رحمتِه، وخوفِ عذابِه، والصبرِ على حُكْمِه، والتسليمِ لأمرِه، والجهادِ، والأمرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن المنكَرِ، ونحوِه، وتحقيقُ ما يجبُ من المعارفِ والأعمالِ يطولُ.
فإذا عُلِم ذلك؛ فظُلْمُ العبدِ نفْسَه يكونُ بتَرْكِ ما ينفَعُها وهي محتاجةٌ إليه، أو بفعلِ ما يضُرُّها؛ كما أن ظُلْمَ الغيرِ كذلك؛ إمَّا بمَنْعِ حقِّه، أو التعدي.
والنفْسُ إنما تحتاجُ من العبدِ إلى فعلِ ما أمَر اللهُ به، وإنما يضُرُّها فعلُ ما نهَى عنه، فظُلْمُها لا يخرجُ عن تركِ حسنةٍ، أو فعلِ سيئةٍ، وما
стр. 213
يُضطَرُّ العبدُ إليه - حتى أكلُ المَيْتةِ - داخلٌ في هذا، فأَكْلُها عندَ الضرورةِ واجبٌ في المشهورِ من مذهبِ الأئمةِ الأربعةِ، وكذلك ما يضُرُّها من جنسِ العباداتِ؛ مثلِ: الصومِ الذي يزيدُ في مرَضِها، أو الاغتسالِ بالماءِ الباردِ الذي يقتُلُها؛ هو من ظلمِها، فإن اللهَ أمَر العبادَ بما ينفَعُهم، ونهاهم عما يضُرُّهم، وجاء القرآنُ بالأمرِ بالصلاحِ، والنهيِ عن الفسادِ، والصلاحُ كلُّه طاعةٌ، والفسادُ كلُّه معصيةٌ، وقد لا يعلمُ بعضُ الناسِ ذلك على حقيقتِه، فالمؤمنُ يعلمُ أن اللهَ يأمُرُ بكلِّ مصلحةٍ، وينهى عن كل مفسدةٍ.
ومما يجبُ أن يعرفَ: أن العبدَ قد يجبُ عليه أسبابُ أمورٍ لا يجبُ عليه بدونِها، فإن قام بها كان مُحسِنًا إلى نفْسِه؛ وإلا كان ظالمًا لنفْسِه، وإن لم يكُنْ تركُها ظلمًا في حقِّ مَن لم يقبلْ تلك الأسبابَ مِمَّن ولِيَ ولايةً، ففي «المسنَدِ»: «أحبُّ الخلقِ إلى اللهِ إمامٌ عادلٌ، وأبغَضُهم إمامٌ جائرٌ» (١)، وكذلك من لغيرِه عليه حقوقٌ؛ كالزوجةِ، والأولادِ، والجيرانِ، فقد ذكر اللهُ الحقوقَ العشرةَ في قولِه: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين﴾ إلى: ﴿وما ملكت أيمانكم﴾، فكلما ازدادت معرفةُ الإنسانِ بالنفوسِ ولوازِمِها، وتقلُّبِ القلوبِ، وبما عليها من الحقوقِ للهِ ولعبادِه، وبما حُدَّ لهم من الحدودِ: علِمَ أنه لا يخلو أحدٌ عن تركِ بعضِ الحقوقِ، أو تعدي بعضِ الحدودِ، ولهذا أمر عبادَه المؤمنينَ أن يسألوه
стр. 214
أن يَهْديَهم الصراطَ المستقيمَ في اليومِ والليلةِ في المكتوبةِ وحدَها سبعَ عشْرةَ مرةً، وهو صراطُ الذينَ أنعَمَ عليهم من النبيِّينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينِ، ومَن يُطِعِ اللهَ ورسولَه فهم هؤلاءِ.
فالصراطُ المستقيمُ: هو طاعةُ اللهِ ورسولِه، وهو دينُ الإسلامِ التامِّ، وهو اتباعُ القرآنِ، وهو لزومُ السنةِ والجماعةِ، وهو طريقُ العبوديةِ، وهو طريقُ الخوفِ والرجاءِ، ولهذا كان يقولُ ﷺ في خطبتِه: «الحمدُ للهِ نستعينُه ونستغفِرُه» (١)؛ لعِلْمِه أنه لا يفعلُ خيرًا ولا يجتنبُ شرًّا إلا بإعانةِ اللهِ له، وأنه لا بدَّ أن يفعلَ ما يُوجِبُ الاستغفارَ.
وفي الصحيحِ: «سيدُ الاستغفارِ أن يقولَ العبدُ: اللهُمَّ أنتَ ربي، لا إلهَ إلا أنتَ، خلَقْتني وأنا عبدُكَ، وأنا على عهدِكَ ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لكَ بنعمتِكَ عليَّ، وأبوءُ بذَنْبي، فاغفِرْ لي؛ إنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ» (٢).
فقولُه: «أبوءُ لك بنعمتِكَ عليَّ»: يتناولُ نعمتَه عليه في إعانتِه على الطاعاتِ.
وقولُه: «أبوءُ لك بذَنْبي»: يبينُ إقرارَه بالذنوبِ التي تحتاجُ إلى الاستغفارِ، واللهُ غفورٌ شكورٌ، يغفرُ الكبيرَ، ويشكرُ اليسيرَ.
стр. 215
وجاء عن غيرِ واحدٍ: (إني أُصبِحُ بينَ نعمةٍ وذنبٍ، أريدُ أن أحدثَ للنعمةِ شكرًا، وللذنبِ استغفارًا).
وكان المشايخُ يقرنونَ بينَ هذه الثلاثةِ: الشكرِ لما مضى من إحسانِه، والاستغفارِ لما تقدَّمَ من إساءةِ العبدِ، والاستعانةِ لما يستَقْبِلُه العبدُ من أمورِه، فلا بدَّ لكلِّ عبدٍ من هذه الثلاثةِ.
فقولُه: «الحمدُ للهِ، نستَعينُه، ونستغفِرُه» يتناولُ ذلك، فمَن قصَّرَ في واحدٍ منها؛ فقد ظلَمَ نفسَه بحسَبِ تقصيرِ العبدِ، والعبدُ إذا عمِلَ بما علِمَ؛ ورَّثَه اللهُ عِلْمَ ما لم يعلَمْ، كما قال: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم﴾ الآيةَ، ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾.
وإذا ترَك العملَ بعِلْمِه؛ عاقَبَه؛ بأن أضَلَّه عن الهدى الذي لا يعرفُه، كما قال: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، ﴿ونقلب أفئدتهم﴾ و ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾.
وفي الحديثِ: «إن العبدَ إذا أذنبَ نُكِتَ في قلبِه نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا تابَ ونزَع واستغفَرَ صُقِلَ قلبُه، وإن زاد زِيدَ فيها حتى تعلوَ قلبَه، فذلك الرانُ الذي قال فيه: ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾» رواه التِّرْمِذيُّ وصحَّحَه (١).
стр. 216
فهذه الأمورُ يتبيَّنُ بها أجناسُ ظلمِ العبدِ نفْسَه؛ لكن كلَّ إنسانٍ بحسَبِه وبحسَبِ درجتِه، فما من صباحٍ يصبحُ إلا وللهِ على عبدِه حقوقٌ لنفْسِه ولخلقِه عليه أن يفعلَها، وحدودٌ عليه أن يحفظَها، ومحارمُ عليه أن يجتنبَها.
فإن أجناسَ الأعمالِ ثلاثةٌ:
مأمورٌ به، فالواجبُ منه: هو الفرائضُ.
ومَنْهيٌّ عنه، وهو المَحارمُ.
ومباحٌ له حدٌّ، فتَعَدِّيه تَعَدٍّ لحدودِ اللهِ؛ بل قد يكونُ الزائدُ على بعضِ الواجباتِ أو المستحباتِ؛ تَعَدِّيًا لحدودِ اللهِ، وذلك هو الإسرافُ، كما قال: ﴿ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا﴾.
إذا عُرِف ذلك ؛ فقولُ القائلِ: ما مفهومُ قولِ الصدِّيقِ: «ظلمتُ نفْسِي ظلمًا كثيرًا»، والدعاءُ بينَ يدي اللهِ لا يَحتمِلُ المجازَ، والصديقُ من أئمةِ السابقين، والرسولُ أمَرَه بذلك، كأنه ثار له شبهةٌ أنْ قال: الصدِّيقُ أجلُّ قدرًا من أن يكونَ له ذنوبٌ تكونُ ظلمًا كثيرًا، فإن ذلك يُنافي مرتبته الصدِّيقيَّةَ.
وهذه الشبهةُ تزولُ بوجهينِ:
أحدُهما: أن الصدِّيقَ - بل والنبيُّ - إنما كمُلَتْ مَرْتبتُه، وانتهَتْ درجَتُه، وتَمَّ عُلُوُّ منزلتِه؛ في نهايتِه لا في بدايتِه، وإنما نال ذلك بفعلِ
стр. 217
ما أمَر اللهُ به من الأعمالِ الصالحةِ، وأفضلُها التوبةُ، وما وُجِدَ قبلَ التوبةِ فإنه لم ينقُصْ صاحبَه، ولا يُتصوَّرُ أن بشرًا يستغني عن التوبةِ، كما في الصحيحِ: «أيُّها الناسُ توبوا، فإني أتوبُ إلى اللهِ في اليومِ أكثرَ من سبعينَ مرةً، وإنه ليُغانُ على قلبي فأستغفِرُ اللهَ في اليومِ مائةَ مرَّةٍ» (١).
وكذلك قولُه: «اللهُمَّ اغفِرْ لي خطأي، وجهلي، وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي» (٢): فيه من الاعترافِ أعظَمُ مما في دعاءِ الصدِّيقِ، والصدِّيقونَ تجوزُ عليهم جميعُ الذنوبِ باتفاقِ الأئمةِ.
فما يُلقى لأهلِ المكاشفاتِ والمخاطَباتِ من المؤمنينَ؛ هو من جنسِ ما يكونُ لأهلِ القياسِ والرأيِ؛ فلا بدَّ من عرضِه على الكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ، فليس أحدٌ من هؤلاء المشايخِ ولا الصدِّيقينَ معصومًا، فكلُّ مَن ادَّعى غِناه عن الرسالةِ بمكاشفةٍ أو بمخاطبةٍ أو عصمةٍ، سواءٌ ادَّعى ذلك له أو لشيخِه؛ فهو من أضَلِّ الناسِ.
ومَن استدلَّ على ذلك بقصَّةِ الخضِرِ؛ فهو مِن أجهلِ الناسِ؛ فإنَّ موسى لم يكنْ مبعوثًا إلى الخَضِرِ، ولا كان يجبُ على الخضِرِ اتباعُه؛ بل قال لموسى (٣): «إني على علمٍ من علمِ اللهِ علَّمَنيه اللهُ لا تعلمُه، وأنت على علمٍ من علمِ اللهِ علَّمَكه اللهُ لا أعلمُه»، ولمَّا سلَّم عليه قال:
стр. 218
«وأنَّى بأرضِك السلامُ!»، قال: «أنا موسى»، قال: «موسى بني إسرائيلَ؟» قال: «نعم» (١). فالخضِرُ لم يعرفْ موسى حتى عرَّفَه نفسَه.
وأما محمدٌ ﷺ ؛ فهو الرسولُ إلى جميعِ الخلْقِ، فمن لم يَتَّبِعْه كان كافراً ضالاً مِن جميعِ مَن بلغتْه دعوتُه، ومَن قال له مثلَ ما قال الخضِرُ فهو كافرٌ.
وأيضًا: ما فعله الخضِرُ لم يكنْ خارجًا عن شريعةِ موسى، فلمَّا بيَّنَ له الأسبابَ؛ أقرَّه على ذلك، فكان قد علِم الخضرُ الأسبابَ التي أباحتْ له ذلك الفعلَ، ولم يعلمْها موسى؛ كما يدخلُ الرجلُ دارَ غيرِه فيأكلُ طعامَه ويأخذُ مالَه؛ لعلمِه بأنَّه مأذونٌ له.
وأيضًا: فإن الخضِرَ - إن كان نبيًّا- فليس لغيرِه أن يتشبَّه به، وإن لم يكنْ نبيًّا -وهو قولُ الجمهورِ-؛ فأبو بكرٍ وعمرُ أفضلُ منه؛ فإن هذه الأمةَ خيرُ أمةٍ أُخرِجت للناسِ، وأبو بكرٍ وعمرُ خيارُها، وكان حالُهما معَ رسولِ اللهِ كما قد عُلِم من الطاعةِ لأمرِه، ونحن مأمورونَ أن نقتديَ بهما، بل مَن اعتقد أنه يجوزُ له أن يخرُجَ عن طاعةِ النبيِّ ﷺ وتصديقِه في شيءٍ من أمورِه الباطنةِ أو الظاهرةِ؛ فإنه يجبُ استتابتُه، فإن تاب وإلا قُتِل؛ كائنًا مَن كان.
وأما ما ذكَره التِّرْمِذيُّ (٢) في أصنافِ الرحمةِ؛ فلا ريبَ أن الرحمةَ
стр. 219
أصنافٌ متنوعةٌ كما ذكره، وليس في الحديثِ: «رحمةً من عندِك»، وإنما فيه: «فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِك»، ولكنَّ مقصودَه: أن يشبِّهَ هذا بقولِه: ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾، وقد جعل هذه المغفرةَ من عندِه مغفرةً مخصوصةً، ليست مما يُبذَلُ للعامَّةِ، كما أن الرحمةَ مخصوصةَ ليست مما يُبذَلُ للعامَّةِ.
وهذا الكلامُ في بعضِه نظرٌ، وهو كغيرِه من المصنِّفينَ في كلامِه مردودٌ ومقبولٌ، فليس في قولِه: «مغفرةً من عندِكَ»، ولا: ﴿هب لنا من لدنك رحمة﴾ ونحوِ ذلك؛ ما يقتضي اختصاصَ هذا الشخصِ دونَ غيرِه، وإلا لَمَا ساغ لغيرِه أن يدعوَ بهذا الدعاءِ، وهذا خلافُ الإجماعِ، وتفسيرٌ للفْظِ بما لا يدُلُّ عليه، وقد قال زكريا: ﴿هب لي من لدنك ذرية طيبة﴾، ولم تكن الذريةُ مختصةً به ولا بالأنبياءِ، بل اللهُ يُخْرِجُ الأنبياءَ من الكفارِ إذا شاء، ولكن بمشيئتِه، واللهُ أعلمُ أنه إذا قال: «مِن عندِك» و: «من لدُنْك» كان مطلوبًا بغيرِ فعلِ العبدِ؛ فإن ما يعطيه اللهُ العبدَ على وجهينِ:
منه ما يكونُ بسببِ فعلِه؛ كالرزقِ الذي يرزقُه بكَسْبِه، والسيئاتِ التي يغفِرُها بالحسناتِ الماحيةِ، والولدِ الذي يعطيه بالنكاحِ المعتادِ، والعلمِ الذي ينالُه بالتعلُّمِ.
ومنه ما يعطيه للعبدِ، ولا يُحْوِجُه إلى السببِ الذي ينالُ به في غالبِ الأمورِ؛ كما أعطى زكريا الولدَ معَ أن امرأتَه كانت عاقرًا، وقد بلَغ من الكِبَرِ عِتِيًّا، فهذا وهبه له اللهُ مِن لدُنْه ليس بالأسبابِ المعتادةِ.
стр. 220
وكذلك العلمُ الذي علَّمَه الخضِرَ مِن لدُنْه لم يكُنْ بالتعلُّمِ المعهودِ، وكذلك الرحمةُ الموهوبةُ، ولهذا قال: «إنكَ أنتَ الوهابُ»، وقولُه: «مغفرةً من عندِك»؛ لم يقُلْ فيه: «من لدُنْك مغفرةً» بل «مِن عندِك».
ومن الناسِ من يُفرِّقُ بينَ «لدنكَ» و «عندكَ» كما قد يُفَرِّقُ بينَ التقديمِ والتأخيرِ، فإن لم يكُنْ بينَهما فرْقٌ؛ فقد يكونُ المرادُ: «اغفِرْ لي مغفرةً من عندِك»؛ لا يصلُها بأسبابٍ؛ لا من عزائمِ المغفرةِ التي يُغفَرُ لصاحبِها كالحجِّ والجهادِ ونحوِه، بل اغفِرْ لي مغفرةً تخصُّها لي وتجودُ بها عليَّ بلا عملٍ يقتضي تلك المغفرةَ.
ومن المعلومِ أن اللهَ قد يغفرُ الذنوبَ بالتوبةِ، وقد يغفِرُها بالحسناتِ، أو بالمصائبِ، وقد يغفِرُها بمجرَّدِ استغفارِ العبدِ وسؤالِه أن يغفِرَ له؛ فهذه مغفرةٌ من عنده.
فهذا الوجهُ إذا فُسِّر به قوله: «من عندِكَ»؛ كان أحسنَ وأشبهَ مما ذُكِرَ من الاختصاص.
وأما قولُه: «والأشياءُ كلُّها من عندِه» فيقالُ: للأشياءِ وجهانِ؛ منها ما جُعل سببًا من العبدِ يوفِّيه عليه، ومنها ما يفعلُه بدونِ ذلك السببِ، بل إجابةً لسؤالِه، وإحسانًا إليه، واستعمالُ لفظِ: «مِن عندِك» في هذا المعنى هو المناسبُ، دونَ تخصيصِ بعضِ الناسِ دونَ بعضٍ؛ فإن قولَه: «مِن عندِك» دلالتُه على الأولِ أبينُ، ولهذا يقولُ الرجلُ لما يطلبُه: أعطني مِن عندِك؛ لِما يطلبُه منه بغيرِ سببٍ؛ بخلافِ ما يطلبُه من الحقوقِ التي عليه، كالدَّينِ والنفقةِ، فلا يقالُ فيه: مِن عندِك، واللهُ
стр. 221
تعالى أعلم.
وإن كان الخلقُ لا يوجِبون عليه شيئًا؛ فهو قد كتَب على نفسِه الرحمةَ، وحرَّم الظُّلمَ على نفسِه، وأوجَب بوعدِه ما يجبُ لمن وعده إيَّاه، فهذا قد يصير واجبًا بحُكمِ إيجابِه ووعدِه؛ بخلافِ ما لم يكُنْ كذلك، فاستعمالُ «من عندِكَ» في هذا؛ هو شبيهٌ باستعماله فيما يُطلبُ من الناسِ من الإحسانِ.
وأيضاً فقوله: «من عندِكَ» يُرادُ به أن تكونَ مغفرةً تجودُ بها أنت، لا تُحْوِجُني فيها إلى خلقِك، ولا يحتاجُ إلى أحدٍ يشفعُ فيَّ أو يستغفرُ لي.
واستعمالُ لفظِ: «من عندِكَ» في مثلِ هذا معروفٌ، كما في حديثِ توبة كعبِ بنِ مالكٍ لمَّا قال له رسولُ اللهِ: «أبْشِرْ بخيرِ يومٍ مرَّ (١) عليكَ منذُ ولَدَتْك أمُّك»، فقلت: يا رسولَ اللهِ، أمِن عندِ اللهِ أو مِن عندك؟ فقال: «بل من عندِ اللهِ» (٢)، فأخبره أنه تاب عليه من عندِه.
وكِلا الوجهين: قول مريمَ: ﴿هو من عند الله﴾، فلما كان الرزقُ لم يأتِ به بشرٌ، ولم يُسْعَ فيه السعيَ المعتادَ قالت: ﴿هو من عند الله﴾.
فهذه المعاني وما يناسبُها هي التي يشهدُ لها استعمالُ هذا اللفظِ.
وإن قال قائلٌ: كذلك كلامُ الحكيمِ أرادَ به مثلَ هذا؛ كان محتمِلًا،
стр. 222
وقد قال عمرُ: «احملْ كلامَ أخيك على أحْسَنِه؛ حتى يأتيَك ما يغلِبُك منه» (١)، واللهُ أعلمُ.
والتوبةُ والاستغفارُ قد يكونُ من تركِ الأفضلِ (٢)، والذمُّ والوعيدُ لا يكون إلا عن ذنبٍ.
ومن سمِع المؤذِّنَ وهو في صلاةِ (٣) التطوُّعِ ؛ أتمَّها، ولا يقولُ مثلَ ما يقولُ عند الجمهورِ (٤)، كما لو سمِع غيرَه يقرأُ سجدةً؛ لم يسجُدْ في الصلاةِ عندَ الجمهورِ.
وقولُ القائلِ: (ليس إلا اللهُ، ما ثَمَّ إلا اللهُ) مُجْمَلٌ يحتمِلُ حقًّا وباطلًا (٥).
стр. 223
فصلٌ (١)
روى أبو ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال فيما يَروي عن ربِّه ﵎: «يا عبادي إني حرَّمْتُ الظُّلم على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تَظَالَموا … » (٢) الحديثَ.
فقولُه: «إنِّي حرَّمْتُ الظُّلم على نفسي» فيه مسألتانِ كبيرتانِ، كلٌّ منهما ذاتُ شُعَبٍ وفروعٍ.
إحداهما: في الظُّلمَ الذي حرَّمه ونفاه عن نفْسِه بقولِه: ﴿وما ظلمناهم﴾، وقولِه: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾، ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾، ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، ﴿ولا تظلمون فتيلا﴾، ﴿وما الله يريد ظلما للعباد﴾، ﴿فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾: فقد تنازعَ الناسُ في معنى هذا الظُّلمِ تنازعًا صاروا فيه بينَ طرفينِ ووسطٍ بينَهما، وخيارُ الأمورِ أوسطُها.
стр. 224
وذلك بسببِ مجامعةِ القدرِ للشرع؛ إذ الخوضُ فيه بغيرِ علمٍ أوجب ضلالَ عامَّةِ الأممِ، ونهى النبيُّ أصحابَه عن التنازعِ فيه.
فذهب المكذِّبون بالقدَرِ القائلون بأن اللهَ لم يخلُقْ أفعالَ العبادِ، ولم يُرِدْ أن يكونَ إلا ما أمر بأن يكونَ، وغُلاتُهم المكذِّبون بتقدُّمِ عِلمِ اللهِ وكتابِه ما سيكونُ من أفعالِ العبادِ من المعتزلةِ وغيرِهم: إلى أن الظُّلمَ منه هو نظيرُ الظُّلم من الآدميين بعضِهم لبعضٍ، وشبَّهوه ومثَّلوه في الأفعالِ بأفعالِ العبادِ، وضربوا للهِ الأمثالَ، بل أوجبوا عليه وحرَّموا ما رأوا أنه يجبُ على العبادِ ويحرُمُ بقياسِه على العبادِ.
وقالوا: إذا أمر العبدَ ولم يُعِنْه بجميعِ ما يقدرُ عليه من وجوهِ الإعانةِ؛ كان ظالمًا، والْتزموا أنه لا يقدِرُ أن يَهْدِيَ ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يقدرُ أن يُضِلَّ مهتديًا، وقالوا: إذا أمر اثنين بأمرٍ واحدٍ، وخصَّ أحدَهما بإعانتِه على فعلِ المأمورِ؛ كان ظالمًا، إلى مثلِ ذلك من الأمورِ التي هي من بابِ الفضلِ والإحسانِ، جعلوا تركَه لها ظلمًا.
وكذلك ظنُّوا أن التعذيبَ لمن كان فعلُه مقدَّرًا؛ ظلمٌ له، ولم يفرِّقوا بينَ التعذيبِ لمن قام به سببُ استحقاقِ ذلك، ومن لم يقُمْ، وإن كان ذلك الاستحقاقُ خلقَه لحكمةٍ أخرى عامَّةٍ أو خاصةٍ.
وهذا الموضعُ زلَّتْ فيه أقدامٌ، وضلَّتْ فيه أفهامٌ؛ فعارضَ هؤلاءِ آخرونَ من أهلِ الكلامِ المثبتينَ للقدَرِ، فقالوا: ليس للظُّلمِ منه حقيقةٌ يمكنُ وجودُها، بل هو من الأمورِ الممتنعةِ لذاتِها، فلا يجوزُ أن يكون مقدورًا، ولا أن يقالَ: إنه تاركٌ له باختيارِه، وإنما هو من بابِ الجمعِ
стр. 225
بينَ الضدَّين، وجعْلِ الجسمِ الواحدِ في مكانين، وقلبِ القديمِ محدَثًا، وإلا فمهما قُدِّرَ في الذِّهنِ وكان وجودُه ممكنًا؛ فاللهُ قادرٌ عليه، فليس بظلمٍ منه؛ فعَله أو لم يفعَلْه.
وتلقَّى هذا القولَ عن هؤلاء طوائفُ من أهلِ الإثبات من الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ مِن أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم، ومِن شُرَّاح الحديثِ، وفسَّروا هذا الحديثَ بما ينبني على هذا القولِ.
وربما احتجوا (١) بظواهرَ مأثورةٍ؛ كما رُوِّينا عن إياسِ بنِ معاويةَ أنه قال: ما ناظرتُ بعقلي كلِّه أحدًا إلا القدريةَ، قلتُ لهم: ما الظلمُ؟ قالوا: أن تأخذَ ما ليس لك، أو تتصرَّفَ فيما ليس لك. قلتُ: فللهِ كلُّ شيء (٢).
وليس هذا من إياسٍ إلا ليبيِّنَ أن التصرفاتِ الواقعةَ هي في ملكِه، فلا يكونُ ظلمًا بموجِبِ حدِّهم، وهذا لا تنازع بينَ أهلِ الإثباتِ فيه؛ فإنهم متفقونَ على أنَّ كلَّ ما فعله اللهُ فهو عَدْلٌ.
فرأى إياسٌ أن الجوابَ المطابِقَ لحدِّهم خاصِمٌ لهم، ولم يدخلْ معهم في التفصيلِ الذي يطولُ بالجملةِ؛ كما قال ربيعةُ لغَيلانَ حينَ قال
стр. 226
له غَيلانُ: نشَدتُك اللهَ أترى اللهَ يحبُّ أن يُعصى؟ فقال: نشدْتُك اللهَ أترى اللهَ يُعصى قَسْرًا! فكأنما ألْقمه حجَرًا (١).
فإن قوله: (يحبُّ أن يعصى) لفظٌ فيه إجمالٌ، وقد لا يتأتَّى في المناظرةِ تفسيرُ المجمَلاتِ؛ خوفًا من لَدَدِ الخصمِ، فيُؤْتى بالواضحاتِ كما ألزمه بالعجزِ الذي هو لازمٌ للقدريةِ، ولمن هو شرٌّ منهم من الدَّهريةِ الفلاسفةِ وغيرِهم.
فقولُه: ﴿فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا﴾ قال أهلُ التفسيرِ: (لا يَخاف أن يُظْلَمَ فيُحْمَلَ عليه سيئاتُ غيرِه، ولا يُهضَمَ فيُنْقَصَ من حسناتِه) (٢).
ولا يجوزُ أن يكونَ هذا الظُّلمُ هو شيءٌ ممتنعٌ غيرُ مقدورٍ عليه، فيكونَ التقديرُ: فلا يخافُ ما هو ممتنعٌ لذاتِه، خارجٌ عن الممكِناتِ والمقدوراتِ؛ فإنَّ مثلَ هذا إذا لم يكُنْ وجودُه ممكنًا حتى يقولوا: إنه غيرُ مقدورٍ ولو أراده؛ كخَلْقِ المِثْلِ، فكيف يُعقلُ وجودُه؛ فضلًا أن يُتصوَّرَ خوفُه حتى يُنفى خوفُه؟!
ثم أيُّ فائدةٍ في نفيِ خوفِ هذا؛ وقد عُلِم من سياقِ الكلامِ أن
стр. 227
المقصودَ بيانُ أن هذا العاملَ لا (١) يُجْزى على إحسانِه بالظُّلمِ والهَضْمِ.
فعُلِم أن الظُّلمَ والهضمَ المنفيَّ يتعلقُ بالجزاءِ كما ذكره أهلُ التفسيرِ، وأن اللهَ لا يَجْزيه إلا بعملِه، ولهذا كان الصوابُ: أن اللهَ لا يُعَذِّبُ إلا مَن أذْنبَ.
وكذا قولُه: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ يدلُّ الكلامُ على أنه لا يظلِمُ محسنًا فينقُصَه مِن حسناتِه، أو يجعلَها لغيرِه، ولا يظلِمُ مسيئًا فيَحمِلَ عليه سيئات غيرِه، بل ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، كقولِه: ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفَّى ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾، فليس على أحدٍ وِزْرُ غيرِه، ولا يستحقُّ إلا ما سعاه، وكلا القولينِ حقٌّ على ظاهرِه.
وكذلك قولُه فيمن عاقَبَهم: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾؛ بيَّن أن عقابَ المجرمين عدْلٌ لذنوبِهم واتخاذِهم الآلهةَ التي لم تُغْنِ عنهم شيئًا؛ لا لأنَّا ظلمْناهم فعاقبْناهم بغيرِ ذنبٍ.
وكذا قولُه: ﴿ويا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾ إلى قوله: ﴿وما الله يريد ظلما للعباد﴾؛ يبيِّن أن هذا العقابَ لم يكُنْ ظلمًا؛ بل لاستحقاقِهم ذلك.
وأيضًا: فالأمرُ الذي لا يمكنُ؛ لا يصلحُ أن يُمْدَحَ الممدوحُ بعدمِ إرادتِه، وإنما يكونُ الممدوحُ (٢) بتركِ الأفعالِ القادرِ عليها، فعُلِم أنه
стр. 228
قادرٌ على ما نزَّه نفسَه عنه من الظُّلمِ، وأنه لا يفعلُه.
وبذلك يصحُّ قولُه: «إني حرمتُ الظُّلمَ على نفسِي»، فلا يجوزُ أن يكونَ فيما هو ممتنعٌ لذاتِه، فلا يصلُحُ أن يقالَ: حرمتُ أو منعتُ نفسي من خَلْقِ مِثْلي، أو من جَعْلِ المخلوقاتِ خالقةً، ونحوَ ذلك من المُحالاتِ التي يَعلمُ كلُّ أحدٍ أنها ليست مرادًا للربِّ.
والذي قاله الناسُ: أنَّ الظُّلمَ وضْعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه؛ يتناولُ هذا المقدورَ دونَ ذاك الممتنعِ، وكذلك قولِ بعضِهم: الظُّلمُ إضرارُ غيرِ مستحقٍّ، فاللهُ لا يعاقِبُ أحدًا بغيرِ حقٍّ، وكذلك من قال: هو نقصُ الحقِّ؛ كقولِه: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا﴾.
ومن قال: التصرفُ في مِلْكِ الغيرِ؛ فليس بمطَّرِدٍ، فقد يتصرفُ الإنسانُ في ملكِ غيرِه بحقٍّ ولا يكونُ ظُالمًا، وقد يتصرفُ في مِلْكِه بغيرِ حقٍّ فيكونُ ظالمًا، وظلمُ العبدِ نفسَه كثيرٌ في القرآنِ.
فَصْل
فتبيَّنَ بما قدَّمْنا: أن القولَ الوسطَ- وهو الحقُّ-: أن الظُّلمَ الذي حرَّمه على نفسِه مثلُ أن يتركَ حسناتِ المحسنِ فلا يَجْزِيَه بها، ويعاقبَ البريءَ على ما لم يفعلْ من السيئاتِ، ويعاقبَ هذا بذنبِ غيرِه، أو يحكمَ بينَ الناسِ بغيرِ القسطِ، ونحوِ ذلك من الأفعالِ التي نزَّه نفسَه سبحانه عنها لقسطِه وعدلِه، وهو قادرٌ عليها، وإنما استحقَّ الحمدَ والثناءَ؛ لأنه ترك هذا الظُّلمَ وهو قادرٌ عليه.
стр. 229
المسألةُ الثانيةُ: للناسِ في أفعالِ اللهِ باعتبارِ ما يصلحُ منه ويجوزُ وما لا يجوزُ: ثلاثةُ أقوالٍ؛ طرفانِ ووسطٌ.
الطرفُ الأولُ: القَدَريةُ؛ حجَروا عليه أن يفعلَ إلا ما ظنُّوا بعقولِهم أنه الجائزُ له؛ حتى وضعوا له شريعةَ التعديلِ والتجويزِ، لا بمعنى أن العقلَ آمرٌ له وناهٍ، فإن هذا لا يقولُه عاقلٌ؛ بل بمعنى أن تلك الأفعالَ مما عُلِم بالعقلِ وجوبُها وتحريُمها، ولكن أدْخَلوا في ذلك ما بنَوْه على بدعتِهم من التكذيبِ بالقدرِ وتوابعِ ذلك.
الطرفُ الثاني: طرفُ الغُلاةِ في الردِّ عليهم؛ وهم الذين قالوا: لا يُنَزَّهُ الربُّ عن فعلٍ من الأفعالِ، ولا يُعْلَمُ وجهُ امتناعِ الفعلِ منه إلا من جهةِ خبرِه أنه لا يفعلُه المطابق لعلمِه بأنه لا يفعلُه؛ وهؤلاء منعوا حقيقةَ ما أخبرَ به أنه كتب على نفسِه الرحمةَ، وحرَّم على نفسِه الظُّلمَ.
والثالثُ: القولُ الوسطُ؛ أنه سبحانَه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وله الخلقُ والأمرُ، وأنه معَ ذلك حرَّم على نفْسِه أشياءَ، وأخبَرَ أنه لا يفعَلُها، وهي مقدورةٌ له، ويتركُه مع قدرتِه عليه؛ لأنه عادلٌ ليس بظالمٍ، كما ينزِّهُ عن عقوبةِ الأنبياءِ، وكما ينزِّهُ أن يُحَمِّلَ البريءَ ذنوبَ المُعْتدينَ.
وقولُه: «فلا تَظَالَموا» فيه كلُّ الدِّينِ؛ فالجملةُ الأولى قولُه: «حرمتُ الظُّلمَ على نفسي» يجمعُ جلَّ مسائلِ الصفاتِ إذا أُعْطِيَتْ حقَّها من التفسيرِ، وهذه تتضمنُ الدِّينَ كلَّه؛ فإن كلَّ ما نهى اللهُ عنه راجعٌ إلى الظلمِ، وكلَّ ما أمر به راجعٌ إلى العدلِ.
стр. 230
ولمَّا ذكر ما أوجَبَه من العدلِ وحرَّمَه من الظُّلمِ على نفْسِه وعلى عبادِه؛ ذكر إحسانَه إلى عبادِه مع غِناه عنهم وفقْرِهم إليه، وأنهم لا يقدرونَ على جلبِ منفعةٍ لأنفسِهم، ولا دَفْعِ مضرَّةٍ؛ إلا أن يكونَ هو الميسِّرَ لذلك، وأمر العِبادَ أن تسأله ذلك، وأخبَر أنهم لا يقدِرونَ على نفعِه ولا ضُرِّه؛ مع عِظَمِ ما يوصِلُ إليهم من النَّعماءِ، ويَدفعُ عنهم من البلاءِ.
وجلبُ المنفعةِ ودفْعُ المضَرَّةِ: إما أن يكونَ في الدِّينِ أو في الدُّنيا، فصارت أربعةَ أقسامٍ: الهدايةُ، والمغفرةُ؛ وهما جلبُ المنفعةِ ودفعُ المضَرَّةِ في الدِّينِ، والطعامُ، والكِسوةُ؛ وهما جلبُ المنفعةِ ودفعُ المضَرَّةِ في الدنيا.
وإنْ شئتَ قلتَ: الهدايةُ والمغفرةُ يتعلقان بالقلبِ الذي هو مَلِكُ البدنِ، وهو الأصلُ في الأعمالِ الإراديةِ، والطعامُ والكِسوةُ يتعلقانِ بالبدنِ؛ الطعامُ لجلبِ المنفعةِ، والكِسوةُ لدفعِ المضرَّةِ، وفتحُ الأمرِ بالهدايةِ؛ فإنها وإن كانت الهدايةُ النافعةُ هي المتعلقة بالدِّين؛ فكلُّ أعمالِ الناسِ تابعةٌ لهدايةِ اللهِ إيَّاهم، قال: ﴿والذي قدر فهدى﴾، ﴿وهديناه النجدين﴾، ﴿إنا هديناه السبيل﴾.
ولهذا قيلَ: الهدايةُ أربعةُ أقسامٍ:
أحدُها: الهدايةُ إلى مصالحِ الدُّنيا.
الثاني: الهدى بمعنى دعاءِ الخلقِ إلى ما ينفعُهم، وأمْرِهم بذلك.
стр. 231
الثالثُ: الذي لا يقدِرُ عليه إلا اللهُ؛ وهو جعْلُ الهُدى في القلبِ؛ كقولِه: ﴿من يهد الله فهو المهتدي﴾، وهذا تنكِرُه القدريةُ أن يكونَ اللهُ هو الفاعلَ لها، بل يزعُمون أن العبدَ يَهْدي نفسَه، وهذا الحديثُ حُجَّةٌ عليهم؛ حيث قال: «فاسْتَهْدوني أهْدِكمْ» بعد قولِه: «كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هديتُه».
وعندَهم: لا يقدِرُ من الهُدى إلا على ما فعله من إرسالِ الرسلِ، ونَصْبِ الأدلَّةِ، وإزاحةِ العِلَّةِ، ولا مزيَّةَ للكافرِ على المؤمنِ في هدايةِ اللهِ، ولا نعمةَ له على المؤمنِ عندَهم أعظمُ من نعمتِه على الكافرِ في بابِ الهُدى.
والقسمُ الرابعُ: الهُدى في الآخِرةِ؛ كما قال: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول واهدوا إلى صراط الحميد﴾.
وأما قولُه: «كلُّكم جائعٌ إلا من أطعمتُه، وكلُّكم عارٍ إلا مَن كسَوْتُه» فيقتضي أصلينِ عظيمينِ:
أحدُهما: وجوبُ التوكُّلِ على اللهِ في الرِّزقِ واللِّباسِ، وأنه لا يقدِرُ أحدٌ غيرُ اللهِ على ذلك قدرةً مُطْلقةً، [والقدرة] (١) التي تحصُلُ لبعضِ العبادِ تكونُ على بعضِ أسبابِ ذلك، فليس في المخلوقاتِ ما هو وحدَه سببٌ تامٌّ لحصولِ المطلوبِ، فمن ظنَّ الاستغناءَ بالسببِ عن التوكُّلِ؛ فقد ترك الواجبَ عليه من التوكُّلِ، وأخَلَّ بواجبِ التوحيدِ، ولهذا
стр. 232
يُخْذَلُ، كما أن من دخل في التوكُّلِ وترَك ما أُمِر به من الأسبابِ؛ فهو جاهلٌ ظالمٌ عاصٍ للهِ بل قال: ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾.
وفي هذا ردٌّ على مَن (١) جَعَل السببَ نقصًا أو قدحًا في التوحيدِ والتوكلِ، وأن تَرْكَه من كمالِ التوحيدِ والتوكلِ، وهُم مَلْبوسٌ عليهم، وقد يقترِنُ بذلك اتباعُ الهَوى، ومَيلُ النفسِ إلى البَطالةِ، ولهذا تجِدُ عامةَ هذا الضرْبِ يتعلَّقون بأسبابٍ دونَ ذلك؛ إما بالخلقِ رغبةً ورهبةً، وإما أن يتركوا واجباتٍ أو مستحَبَّاتٍ أنفعَ لهم من ذلك.
وفوقَ هؤلاء من يجعلُ التوكُّلَ والدعاءَ نقصًا عن الخاصَّةِ؛ ظنًّا أن مَن لاحَظَ ما فُرِغ منه في القَدَرِ هو حالُ الخاصةِ، فقد قال: «كلُّكم جائعٌ وكلُّكم عارٍ إلا من أطعمتُه وكسوتُه، فاستَطْعِموني أُطْعِمْكم، واستَكْسوني أكْسُكم»، وإنما غلِطوا لظنِّهم أن التقديرَ يمنعُ أن يكونَ بالسببِ، كمن يتزندَقُ ويتركُ الأعمالَ الواجبةَ؛ بناءً على أن القدرَ قد سبَقَ، أو لم يعلَمْ أن القدرَ قد سَبَقَ بالأمورِ على ما هي عليه من أسبابِها.
وطائفةٌ تظنُّ أن التوكلَ من مقاماتِ الخاصَّةِ المتقربين بالنوافلِ، وكذلك قولُهم في أعمالِ القلبِ من الحُبِّ والرجاءِ والخوفِ والشكرِ
стр. 233
ونحوِه، وهذا ضلالٌ مبينٌ، بل جميعُ هذه الأمورِ فرضٌ على الأعيانِ باتفاقِ أهلِ الإيمانِ.
وقولُه: «يا عبادي إنكم تُخْطئون بالليلِ والنهارِ، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعًا» فالمغفرةُ العامةُ نوعان:
أحدهما: المغفرةُ لمن تاب، وهذه عامةٌ في جميعِ الذنوبِ على الصحيحِ؛ خلافًا لمن يستثني بعضَ الذنوبِ؛ كتوبةِ الداعيةِ إلى البدعِ لا تُقبَلُ باطنًا، وكتوبةِ القاتلِ ونحوِه؛ لأن اللهَ قد بين أنه يتوبُ على أئمةِ الكفرِ- الذين هم أعظمُ من [أئمة] (١) البدعِ- وغيرِها، والتوبةُ العامَّةُ كما في قولِه: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا﴾.
النوعُ الثاني من المغفرةِ العامةِ التي دلَّ عليها قولُه: «يا عبادي إنكم تُخْطئون بالليلِ والنهارِ، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعًا»: المغفرةُ بمعنى تخفيفِ العذابِ، أو تأخُّرِه إلى أجلٍ مسمًّى، وهذا عامٌّ مطلقًا، ولهذا شَفَع النبيُّ ﷺ في أبي طالبٍ مع موتِه على الشركِ، فنُقِل من غمرةٍ من نارٍ فجُعِل في ضَحْضاحٍ (٢)، ومنه قولُه: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾، ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾.
стр. 234
وأما قولُه: «إنكم لن تبلُغوا ضُرِّي فتضرُّوني، ولن تبلُغوا نفعي فتنفعوني»؛ فإنه بيَّن بذلك أنه ليس هو بمستعيضٍ فيما يحسِنُ به إليهم من إجابةِ الدعوةِ وغفرانِ الذنوبِ؛ جلبَ منفعةٍ أو دفعَ مضرَّةٍ، كما يفعلُه الخلقُ مع بعضِهم البعض، فلستُ إذا هديتُكم وأطعمْتُكم وكسوتُكم؛ بالذي أطلبُ أن تنفعوني، ولا إذا غفرتُ خطاياكم بالليلِ والنهارِ؛ أتَّقي بذلك أن تضرُّوني، فإنكم لن تبلُغوا ذلك؛ بل عاجزون عن ذلك كلِّه، بل لا تقدِرون إلا على ما أُقَدِّرُه لكم وأُدبرُه، وكذلك ما يأمرُهم من الطاعاتِ وما ينهاهم عنه من السيئاتِ، فإنه لا يتضمنُ استجلابَ نفعِهم كأمرِ السيدِ لعبدِه والوالدِ لولدِه، ولا دفعَ مضرتِهم كنهيِ هؤلاء أو غيرِهم، فنزَّه نفسَه عن لحوقِ نفعِهم وضُرِّهم.
فلهذا ذكر هذين الأصلين بعدَ ذلك، فذكر أن بِرَّهم وفجورَهم، طاعتَهم ومعصيتَهم؛ لا تَزيدُ في ملكِه ولا تنقُصُ، وأن ما يعطيهم إياه مِن غايةِ ما يسألونه نسبتُه إلى ما عندَه أدنى نسبةٍ، فقال: «يا عبادي لو أن أوَّلَكم وآخِرَكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ؛ ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا، ولو أن أوَّلَكم وآخِرَكم وجِنَّكم وإنسَكم كانوا على أتْقى قلبِ رجلٍ منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئًا»؛ إذ ملكُه قدرتُه على التصرفِ، فلا تزدادُ ولا تنقُصُ كما تزداد قدرةُ الملكِ بكثرةِ المطيعين، وتنقُصُ بقلةِ المطيعينَ، فإن مُلكَه سبحانَه متعلقٌ بنفسِه، وهو خالقُ كلِّ شيءٍ وربُّه، يؤتي الملكَ من يشاءُ وينزِعُه ممن شاء.
ثم ذكر حالَهم في النوعين: سؤالِ بِرِّه وطاعةِ أمرِه اللَّذَيْن ذكرهما
стр. 235
في الحديث، ذكر الاستهداءَ والاستطعامَ والاستكساءَ، وذكر الغفرانَ والبِرَّ والفجورَ؛ فقال: «لو أن أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم كانوا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيتُ كلَّ واحدٍ مسألتَه؛ ما نَقَصَ ذلك مما عندي إلا كما ينقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِل البحرَ».
فذكر أن جميعَ الخلائقِ إذا سألوه وهم في مكانٍ واحدٍ وزمانٍ واحدٍ، فأعطى كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَه؛ لم ينقُصْه ذلك مما عندَه إلا كما ينقُصُ المِخْيَطُ - وهي الإبرةُ - إذا غُمِس في البحرِ.
وقوله: «لم ينقُصْ مما عنده» فيه قولان:
أحدُهما: يدلُّ على أن عنده أمورًا موجودةً، وعلى هذا فيقالُ: لفظُ النقصِ على حالِه؛ لأن العطاءَ من الكثيرِ وإن كان قليلًا فلا بدَّ أن ينقُصَه شيئًا ما، ومن رواه: «لم ينقُصْ من ملكي» يُحْمَلُ على ما عندَه.
وقد يقالُ: المُعْطَى إن كان أعيانًا قائمةً؛ فقد تُنْقَلُ من محَلٍّ إلى محَلٍّ فيظهرُ النقصُ، وإن كانت صفاتٍ؛ فلا تُنقَلُ من مَحَلِّها، وإن وجد نظيرُها في محلٍّ آخرَ، كما يوجد نظيرُ علمِ المُعَلِّمِ في قلبِ المتعلمِ من غيرِ زوالِ علمِ المُعَلِّمِ، وكما يتكلمُ المتكلمُ بكلامِ المتكلمِ قبلَه من غيرِ انتقالِ كلامِ المتكلمِ الأولِ إلى الثاني.
وعلى هذا: فالصفاتُ لا تنقصُ مما عندَه شيئًا، وهي من المسؤولِ كالهُدى.
وقد يجابُ عن هذا: أنه من الممكنِ في بعض الصفاتِ إن ثبتَ
стр. 236
مثلُها [أن ينقلَها] (١) من المحل الأولِ؛ كاللونِ وكالروائحِ التي تَعبَقُ بمكانٍ وتزولُ، كما دعا النبيُّ على حُمَّى المدينةِ (٢).
وهل هذا بانتقالِ عينِ العَرَضِ الأولِ، أو بوجودِ مثلِه من غيرِ انتقالِ عينِه؟ فيه للناسِ قولانِ.
والقولُ الثاني في النقص: أنه كالنقصِ الذي في حديثِ الخضِرِ (٣)، ومعلومٌ أن نفسَ علمِ اللهِ القائمِ به لا يزولُ منه شيءٌ بتعلُّمِ العبادِ، وإنما المقصودُ أن نسبةَ علمي وعلمِك إلى علمِ اللهِ كنسبةِ ما علِق بمِنْقارِ العصفورِ إلى البحرِ، ومن هذا البابِ: كونُ العلمِ يورَثُ والكتابِ يورَثُ.
وتحقيقُ الأمرِ: ما أحاط علمي وعلمُك من علمِ اللهِ إلا كما ينقُصُ هذا العصفورُ؛ نسبةُ هذا إلى هذا كنسبةِ هذا إلى هذا، وإن كان المشبَّهُ
стр. 237
به جسمًا ينتقلُ من محَلٍّ إلى محَلٍّ ويزولُ عن محلٍّ، وليس المشبَّهُ كذلك؛ فهذا الفرقُ يعلمُه المستمعُ من غيرِ الْتِباسٍ.
ثم ختَمه بتحقيقِ ما بيَّنه فيه من عدلِه وإحسانِه فقال: «إنما هي أعمالُكم أُحْصيها لكم ثم أوفِّيكم إيَّاها، فمَن وجد خيرًا فليَحْمَدِ اللهَ، ومَن وجد غيرَ ذلك؛ فلا يلومنَّ إلا نفسَه».
فبيَّن أنه محسِن إلى عبادِه في الجزاءِ على أعمالِهم إحسانًا يستحقُّ به الحمدَ؛ لأنه هو المنعِمُ بالأمرِ بها والإرشادِ إليها والإعانةِ عليها، ثم إحصائِها، ثم توفيةِ جزائِها، فكلُّ ذلك فضلٌ منه وإحسانٌ، فكلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلُّ نِقْمةٍ منه عدلٌ، وإن كان أوجب ذلك على نفسِه؛ فليس هو كوجوبِ حقوقِ الناسِ بعضِهم على بعضٍ؛ لكونِ إحسانِ الناسِ بعضهم إلى بعضٍ بحقِّ المعاوضةِ ورجاءِ المنفعةِ، وهو قد بيَّن عدمَ ذلك في حقِّه، فليس لأحدٍ من جهةِ نفسِه عليه حقٌّ، بل هو الذي أحقَّ الحقَّ على نفسِه بكلماتِه؛ فهو المحسنُ بالإحسانِ، وبإحقاقِه وكتابتِه على نفسِه، فهو محسنٌ إحسانًا مع إحسانٍ.
ثم بيَّن أنه عادلٌ في الجزاءِ على السيئاتِ فقال: «ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه» كما تقدم: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.
وهذه نكتٌ تُنبِّهُ الفاضلَ على ما في الحقائقِ مِن الجوامعِ والفوارقِ التي تفصِلُ بينَ الحقِّ والباطلِ في هذه المضايقِ، واللهُ ينفعُنا وسائرَ إخوانِنا المؤمنين بما علِمْناه، ويعلِّمُنا ما ينفعُنا، ويزيدُنا علمًا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، وعليه التُّكْلانُ.
стр. 238
فَصْلٌ (١)
في قوله: «دعوةُ أخي ذي النُّونِ: لا إلهَ إلا أنتَ سبحانكَ، إني كنتُ من الظالمينَ؛ ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّجَ اللهُ كربه» (٢).
اعلَمْ أن لفظَ: «الدعاءِ» و «الدعوةِ» في القرآن يتناول معنيين؛ دعاءِ العبادةِ ودعاءِ المسألةِ، وكلُّ عابدٍ سائلٌ، وكلُّ سائلٍ عابدٌ، وأحدُ الاسمين يتناولُ الآخرَ عند تجرُّدِه عنه، وإذا جُمع بينَهما فإنه يُرادُ بالسائلِ: الذي يطلبُ بجلبِ المنفعةِ ودفعِ المضرَّةِ بصيغِ السؤالِ والطلبِ، ويرادُ بالعابدِ: مَن يطلبُ ذلك بامتثالِ الأمرِ، وإن لم يكُنْ هناك صيغةُ سؤالٍ.
ولا يتصوَّرُ أن يخلوَ داعٍ للهِ - دعاءَ عبادةٍ أو دعاءَ مسألةٍ - من الرغَبِ والرَّهَبِ والخوفِ والطَّمعِ، وما يُذكَرُ عن بعضِ الشيوخِ أنه جعل الخوفَ والرجاءَ من مقاماتِ العامَّةِ؛ فهذا قد يفسَّرُ مرادُه: بأن المقرَّبين يريدون وجهَ اللهِ، فيقصِدون التلذُّذَ بالنظرِ إليه، وإن لم يكُنْ هناك مخلوقٌ يُتلذَّذُ به، وهؤلاء يرجون حصولَ هذا المطلوبِ، ويخافون حرمانَه أيضًا، فلم يخلوا عن الخوفِ والرجاءِ.
ومَن قال مِن هؤلاءِ: لم أعبُدْك خوفًا من نارِك، ولا شوقًا إلى
стр. 239
جنَّتِك؛ فهو يظنُّ أن الجنةَ اسمٌ لما يُتمتَّعُ به من المخلوقاتِ، وأن النارَ اسمٌ لِما لا عذابَ فيه سوى ألمِ المخلوقاتِ؛ وهذا قُصورٌ منهم عن فهمِ مُسَمَّى الجنة، بل كلُّ ما أعدَّ اللهُ لأوليائِه فهو في الجنةِ، والنظرُ إليه هو في الجنةِ، ولهذا كان أفضلُ الخلقِ يسألُ الجنةَ ويستعيذُ به من النارِ.
وقد أنكَر على مَن يقولُ: «أسألُك لذَّةَ النظرِ إلى وجهِك» فريقٌ من أهلِ الكلامِ، فظنُّوا أنه لا يتلذَّذُ بالنظرِ إلى وجهِه، ولا نعيمَ إلا بمخلوقٍ، فغَلِطوا في معنى الجنةِ كما غلِط أولئك، لكن طلَبوا ما يستحِقُّ أن يُطْلَبَ، وهؤلاءِ أنكروا ذلك.
ومن قال: لو أدخلني النارَ كنت راضيًا؛ فهو عزمٌ منه، والعزائمُ قد تنفسخُ عند وجودِ الحقائقِ، ومثلُ هذا يقعُ في كلامِ طائفةٍ مثلِ قولِ سَمْنونٍ (١):
فَلَيْسَ لِي فِي سِوَاكَ حَظٌّ … فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي
فابتُليَ بعُسرِ البولِ، فجعل يطوفُ على صِبيانِ المكاتبِ، ويقولُ: ادعوا لعمِّكم الكذَّابِ.
وبعضُ مَن تكلَّم في عِللِ المقاماتِ؛ جعل الحبَّ والرِّضا والخوفَ والرجاءَ من مقاماتِ العامةِ؛ بناءً على مشاهدَةِ القدرِ، وأنَّ مَن نظر إلى توحيدِ الأفعالِ حتى فَنِيَ من لم يكُنْ، وبقِيَ من لم يزُلْ؛ يخرُجُ عن هذه الأمورِ.
стр. 240
وهذا كلامٌ مستدرَكٌ حقيقةً وشرعًا؛ فإن الحيَّ لا يتصورُ ألا يكون حساسًا محبًّا لما يلائمُه، مبغِضًا لما ينافرُه، ومن قال: إن الحيَّ يُتصورُ عندَه أن يستويَ جميعُ المقدوراتِ؛ فهو أحدُ رجُلَين؛ إما جاهلٌ، وإما مكابرٌ.
فمن زعَم أن المُشاهِدَ لمقامِ توحيدِ الربوبيةِ يدخلُ إلى مقامِ الجمعِ والفناءِ، فلا يشهدُ فرقًا؛ فإنه غالطٌ، بل لا بُدَّ من الفرقِ؛ فإنه أمرٌ ضروريٌّ، لكن إذا خرج عن الفرقِ الشرعيِّ بقِيَ في الفرقِ الطبيعيِّ، فيبقى متبعًا لهواه، لا مطيعًا لمولاه.
ولهذا لمَّا وقعتْ هذه المسألةُ بينَ الجُنيدِ وأصحابِه ذكر لهم الفرقَ الثانيَ؛ وهو أن يفرَّقَ بينَ المأمورِ والمحظورِ، بينَ ما يحبُّه اللهُ وما يكرهُه مع شهودِه للقدْرِ الجامعِ، فيشهدَ الفرقَ في الجمعِ.
ومَن لم يفرِّقْ بينَ المأمورِ والمحظورِ؛ فقد خرج عن دينِ الإسلامِ، وخرج إلى وَحدةِ الوجودِ؛ فلا يفرِّقُون بينَ الخالقِ والمخلوقِ، ولم يخرج كلُّ هؤلاءِ إلى هذا الحدِّ، بل يفرِّقون بين وجهٍ دونَ وجهٍ، فيطيعون اللهَ ورسولَه تارةً، ويعصون اللهَ ورسولَه أخرى، كالعصاة من أهلِ القِبلةِ.
ودعوةُ ذي النونِ تتناولُ نوعَيِ الدعاءِ؛ فقولُه: «لا إلهَ إلا أنتَ» اعترافٌ بتوحيدِ الإلهيةِ، وتوحيدُ الإلهيةِ يتضمَّنُ توحيدَ نوعَيِ الدعاءِ؛ فإن الإلهَ هو المستحِقُّ لأنْ يُدْعى دعاءَ عبادةٍ ودعاءَ مسألةٍ، وهو اللهُ لا إلهَ إلا هو.
стр. 241
وقولُه: «إني كنتُ من الظالمينَ» اعترافٌ بالذنبِ؛ وهو متضمِّنٌ طلبَ المغفرةِ؛ فإن الطلبَ تارةً يكونُ بصيغةِ الطلبِ، وتارةً يُسألُ بصيغةِ الخبرِ، إما بوصفِ حالِه، وإما بوصفِ حالِ المسؤولِ، وإما بوصفِ الحالين، وقد صحَّ عنه أنه قال: «أفضلُ ما قلتُ أنا والنبيُّون مِن قبلي يومَ عرفةَ: لا إلهَ إلا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ» (١)، وسُئل سفيانُ عن أفضلِ الدعاءِ، فذكر هذا الحديثَ، وأنشد قولَ أميَّةَ يمدحُ ابنَ جُدْعانَ:
أأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حِبَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الحِبَاءُ (٢)
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
قال: فهذا مخلوقٌ يخاطبُ مخلوقًا فكيف بالخالقِ تعالى؟! (٣)
وأكملُ أنواعِ الطلبِ ما تضمَّن وصفَ حالِ الداعي والمدعوِّ، والسؤالُ بالمطابقةِ، كحديثِ أبي بكرٍ: «اللهُمَّ إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت، فاغفرْ لي مغفرةً من عندِك وارحمْني إنك أنت الغفورُ الرحيمُ»، لكِنَّ صاحبَ الحوتِ مقامُه مقامُ اعترافٍ،
стр. 242
فناسب حالَه صيغةُ الوصفِ والخبرِ دونَ صيغةِ الطلبِ؛ كأنه قال: ما أصابني من الشرِّ بسببِ ذنبي، والمقصودُ دفعُ الضررِ، والاستغفارُ جاء بالقصدِ الثاني، فلم يذكُرْ صيغةَ الطلبِ؛ لاستشعارِه أنه مسيءٌ ظالمٌ، هو الذي أدخل الضررَ على نفسِه، فذكر ما يرفعُه من الاعترافِ بظلمِه.
وقولُه: «سبحانكَ» يتضمنُ تعظيمَ الربِّ، وتنزيهَه عن الظُّلمِ والعقوبةِ بغيرِ حقٍّ من ذنبٍ، يقولُ: أنت مقدَّسٌ منزَّهٌ عن ظلمي وعقوبتي بغيرِ ذنبٍ، بل أنا الظالمُ الذي ظلمتُ نفسي.
«لا إلهَ إلا أنت»، فهو إلهٌ يستحقُّ أن يُؤْلَهُ لما يُريه (١) من الرحمةِ، وما اتصف به من كمالِ القدرةِ والحكمةِ، وغيرِ ذلك من الصفاتِ التي تستلزمُ أن يكونَ هو المحبوبَ غايةَ الحبِّ، المخضوعَ له غايةَ الخضوعِ.
والعبادةُ تتضمنُ غايةَ الحبِ بغايةِ الذلِّ، ولهذا قال: «لا ينبغي لعبدٍ أن يقولَ: إنه خيرٌ مِن يونسَ بن متَّى» (٢)، فليس لأحدٍ من العِبادِ أن يبرِّئَ نفسَه عن هذا الوصفِ، لا سيَّما في مقامِ مناجاتِه لربِّه، فمن ظنَّ أنه خيرٌ من يونسَ بنِ متَّى، فهو كاذبٌ؛ إذ زَعَمَ أنه ليس عليه أن يعترفَ بظلمِ نفسِه، فمن ادَّعى ذلك فقد كذَبَ، ولهذا كان ساداتُ الخلائقِ يعترفون بذلك، كإبراهيمَ ومحمدٍ ﷺ .
стр. 243
فَصْلٌ
لفظُ الإيمانِ إذا أُفْرِد ؛ دخلت فيه الأعمالُ الباطنةُ والظاهرةُ مما يحبُّه اللهُ ورسولُه، وقيل: الإيمانُ قولٌ وعملٌ؛ أي: قولُ القلبِ واللسانِ، وعملُ القلبِ والجوارحِ، ومنه قولُه: «الإيمانُ بِضْعٌ وستون أو بِضْعٌ وسبعون شعبةً؛ أعلاها قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريقِ، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمانِ» (١)، وقولُه: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ الآيةَ.
فالإيمانُ المطلَقُ يدخلُ فيه الإسلامُ؛ كما في «الصحيحين» عنه ﷺ أنه قال لوفدِ عبدِ القيسِ: «آمرُكم بالإيمانِ باللهِ، أتدرون ما الإيمانُ باللهِ؟ شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وأن تؤدُّوا خُمُسَ ما غنِمْتُم» (٢).
ولهذا قال من قال من السَّلفِ: (كلُّ مؤمنٍ مسلمٌ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا).
فأما إذا اقترن لفظُ الإيمانِ بالعملِ أو بالإسلامِ؛ فإنه يفرَّقُ بينَهما؛ كما في قولِه: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، وكما في «الصحيحِ» لما سأله جبريلُ ﵇ عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، فقال:
стр. 244
«الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وتُقيمَ الصلاةَ، وتؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحُجَّ البيتَ»، قال: فما الإيمانُ؟ قال: «أن تؤمِنَ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه والبعثِ بعدَ الموتِ، وتؤمِنَ بالقدرِ خيرِه وشرِّه»، قال: فما الإحسانُ؟ قال: «أن تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكُنْ تراه فإنه يراك» (١).
ففرَّقَ بينَ الإيمانِ والإسلامِ لمَّا قرن بينهما، وفي ذلك النصِّ أدخل الإسلامَ في الإيمانِ لما أفرده بالذِّكرِ.
وكذلك لفظُ «العملِ»؛ فإن الإسلامَ هو من العملِ، والعملُ الظاهرُ هو موجَبُ إيمانِ القلبِ ومقتضاه، وإذا حصل إيمانُ القلبِ حصَلَ إيمانُ الجوارحِ ضرورةً، ولا بدَّ في إيمانِ القلبِ من تصديقِ القلبِ وانقيادِه، وإلا فلو صدَّق قلبُه أن محمدًا رسولُ اللهِ، وهو يُبْغِضُه ويحسُدُه ويستكبرُ عن متابعتِه؛ لم يكُنْ قد آمَن قلبُه.
والإيمانُ وإن تضمَّن التصديق فليس هو مرادِفًا له، فلا يُقالُ لكلِّ مصدِّقٍ بشيءٍ: إنه مؤمنٌ به، فلو قال: أنا أُصَدِّقُ بأنَّ الواحدَ نصفُ الاثنين، وأن السماءَ فوقَنا، والأرضَ تحتَنا، ونحوَ ذلك مما يشاهدُه الناسُ؛ لم يُقَلْ لهذا: إنه مؤمنٌ بذلك، بل لا يُستعملُ إلا فيمن أَخْبَرَ بشيءٍ من الأمورِ الغائبة؛ كقول إخوةِ يوسفَ: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾؛ فإنهم أخبروه بما غاب عنه.
стр. 245
وفرقٌ بينَ «آمن له» و «آمن به»؛ فالأولُ يقالُ للمُخبَرِ، والثاني للمخبَرِ به؛ كما قال إخوةُ يوسفَ، وكما قال: ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾، ففرَّقَ بينَ إيمانِه باللهِ وإيمانِه للمؤمنين؛ لأن المرادَ تصديقُ المؤمنين إذا أخبروه، وأما إيمانُه باللهِ فهو من بابِ الإقرارِ به، ومنه قولُه: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا﴾؛ أي: نُقِرُّ لهما ونصدِّقُهما، ومنه: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾، ﴿فآمن له لوط﴾، ومن المعنى الآخرِ: ﴿يؤمنون بالغيب﴾، ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه﴾، ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾؛ أي: أقرَّ بذلك.
والمقصودُ: أن لفظَ «الإيمانِ» إنما يُستعمَلُ في بعضِ الأخبارِ، وهو مأخوذٌ من الأمنِ؛ كالإقرارِ مأخوذٌ مِن «قَرَّ»، فالمؤمنُ صاحبُ أمْنٍ، كما أنَّ المُقِرَّ صاحبُ قرارٍ، فلا بدَّ في ذلك من عملِ القلبِ بموجَبِ تصديقِه، فإذا علِم أن محمدًا رسولُ اللهِ، ولم يقترِنْ به حبُّه (١) ولا تعظيمُه، بل كان يحسدُه؛ فإنه ليس بمؤمنٍ به بل كافرٌ به.
ومن هذا البابِ كفرُ إبليسَ وفرعونَ وأهلِ الكتابِ؛ الذين يعرِفونه كما يعرِفون أبناءَهم.
فمجرَّدُ علمِ القلبِ لا يكفي، بل لا بدَّ من عملِ القلبِ بموجَبِ عِلْمِه؛ مثلُ محبةِ القلبِ له، واتباعِه له، بل أشدُّ الناسِ عذابًا عالمٌ لم
стр. 246
ينفعْه اللهُ بعلمِه؛ كما قال: «اللهُمَّ إني أعوذُ بكَ من علمٍ لا ينفعُ» (١).
ولكنَّ الجهميَّةَ ظنُّوا أن مجردَ علمِ القلبِ وتصديقِه هو الإيمانُ، وأن من دلَّ الشرعُ على أنه ليس بمؤمنٍ؛ فإن ذلك يدلُّ على عدمِ علمِ قلبِه؛ وهذا من أعظمِ الجهلِ شرعًا وعقلًا، وحقيقتُه توجبُ التسويةَ بينَ المؤمنِ والكافرِ، ولهذا أطلق وكيعٌ وأحمدُ وغيرُهم القولَ بكفرِهم بذلك؛ فإنَّ من المعلومِ أن الإنسانَ يعلمُ بقلبِه الحقَّ، وقد يُبْغِضُه لغرضٍ آخرَ، فليس كلُّ مستكبرٍ عن الحقِّ يكونُ غيرَ عالمٍ به، فحينئذ لا بدَّ من تصديقِ القلبِ وعملِه، وهذا معنى قولِ السلفِ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ.
ثم إذا تحقَّق القلبُ بالتصديقِ والمحبةِ التامَّةِ المتضمنةِ للإرادةِ؛ لزِم وجودُ الأفعالِ الظاهرةِ؛ فإن الإرادةَ الجازمةَ إذا اقترن بها القدرةُ التامَّةُ لَزِمَ وجودُ المرادِ قطعًا؛ وأبو طالبٍ وإن كان عالمًا بأن محمدًا رسولُ اللهِ، وهو محبٌّ له؛ فلم تكُنْ محبتُه له لمحبةِ اللهِ، بل لأنه ابنُ أخيه؛ فيحبُّه للقرابةِ، وإذا أحبَّ ظهورَه فلِمَا يحصُلُ له به من الشرفِ والرياسةِ؛ فأصلُ محبوبِه هو الرِّياسةُ، ولهذا لما عَرَض عليه الشهادةَ عندَ الموتِ، أحبَّ دينَه أكثرَ مِن ابنِ أخيه، فلم يُقِرَّ بهما لئلَّا يزولَ دينُه، فلو كان حبُّه كحُبِّ أبي بكرٍ وغيرِه من المؤمنين؛ لنطق بالشهادتين قطعًا، فكان حبُّه حبًّا مع اللهِ؛ لا حُبًّا للهِ، فلم يُقبَل ما فعله مع الرسولِ مِن نُصرتِه ومؤازرتِه؛ لأنه لم يعمَلْه للهِ؛ بخلافِ من فعلَ ما فعلَ ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأعلى.
стр. 247
فهذا يحقِّقُ أن الإيمانَ والتوحيدَ لا بدَّ فيهما من عملِ القلبِ، فلا بُدَّ من إخلاصِ الدِّينِ للهِ، والدينُ لا يكون دينًا إلا بعملٍ.
وكذلك لفظُ «العبادةِ» و «التوكُّلِ»، إذا أُطْلقت «العبادةُ» دخل فيها التوكُّلُ ونحوُه؛ كقولِه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، ﴿اعبدوا ربكم﴾، وإذا قُرِنَتْ اختَصَّتْ؛ كقولِه: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾.
وتنوُّعُ دلالةِ لفظِ الشيءِ في عمومِه وخصوصِه بحسَبِ الإفرادِ والاقترانِ كثيرٌ؛ كلفظِ «المعروفِ» و «المنكرِ»؛ نحوُ: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾؛ فيدخلُ في «المنكر» ما كرِهه اللهُ، كما يدخلُ في «المعروف» ما يحبُّه.
وكذا لفظِ «الفقيرِ» و «المسكينِ» إذا أُفْرِد أحدُهما دخل فيه الآخرُ، وإذا اقترن اختَصَّ.
وكذا «الإلهُ» و «الربُّ»؛ مثلُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾؛ فإن «الإلهَ» هو المعبودُ، و «الربُّ» هو الذي يُربِّي غيرَه؛ فيُدَبِّرُه، ولهذا كانت العبادةُ متعلقةً باسمِ «الإلهِ»، والسؤالُ متعلقٌ باسمِ «الرَّبِّ».
ولما كانت العبادةُ متعلقةً باسمِ اللهِ، جاءت الأذكارُ المشروعةُ بهذا الاسمِ، مثلُ كلماتِ الأذانِ «اللهُ أكبرُ»، ومثلُ الشهادتين، والتحياتِ للهِ، والتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ: «سبحان اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ».
стр. 248
وأما السؤالُ فكثيرًا ما يجيءُ باسمِ الربِّ، نحوُ ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾، ﴿رب أعوذ بك﴾، ﴿ربي إني ظلمت نفسي﴾، ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع﴾ الآيةَ.
وقد نُقِل عن مالكٍ أنه قال: أكرهُ أن يقولَ في دعائِه: يا سيِّدي، يا حنَّانُ، يا منَّانُ، ولكن بما دعت به الأنبياءُ: ربَّنا، ربَّنا؛ نقله عنه العُتْبيُّ في «العتبية» (١).
فإذا سبق إلى القلبِ قصدُ السؤالِ؛ ناسَبَ أن يَسألَ باسمِ «الربِّ»، ولو سأل باسمِ «اللهِ»؛ لتضمُّنِه اسمَ «الربِّ»؛ كان حسنًا، وأما إذا سبق إلى القلبِ قصدُ العبادةِ، فاسمُ «اللهِ» أولى بذلك.
فلما كان حالُ يونسَ المغاضبةَ ومنازعةَ القدرِ، ونوعَ معارضةٍ في خلقِه وأمْرِه، ووساوسَ في حكمتِه ورحمته، فيحتاجُ العبدُ أن يقعَ عنه ذلك، ويعلمَ أن الحكمةَ والعدلَ فيما اقتضاه علمُه وحكمتُه، فرُوِيَ أنه نادى بارتفاعِ العذابِ عن قومِه بعد أن أظَلَّهم، وخاف أن يُنْسَبَ إلى الكذبِ، فنادى من القَدْرِ (٢)، وحصل من منازعتِه الإرادةَ ما يُزاحِمُ الإلهيةَ، فناسَبَ أن يجرِّدَ الإلهيةَ ويُخْلِصَها للهِ وحدَه.
وقولُه: ﴿لا إله إلا أنت﴾ يتضمَّن براءةَ ما سوى اللهِ من الإلهيةِ؛
стр. 249
سواءٌ [صدر ذلك عن] (١) هوى النفسِ أو طاعةِ الخلقِ أو غيرِ ذلك؛ بخلافِ آدمَ، فإنه اعترف أولًا بذنبِه فقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾؛ لأنه لم يكُنْ عنده شيءٌ من منازعةِ الإرادةِ لما أمَر اللهُ به ما يزاحمُ الإلهيةَ، بل ظنَّ صِدقَ إبليسَ، فناسَب: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ في كونِنا قَبِلْنا غرورَه وما أظهر من نصحِنا ففَرَّطْنا، فكانا محتاجَينِ إلى أن يَربَّهما ربوبيةً تكمِّل حالهما، فلا يغتَرَّا بمثلِ ذلك، فشهِدا حاجتَهما إلى ربِّهما الذي لا يقضي حاجتَهما غيرُه.
وهذا مبنيٌّ على القولِ بالعصمةِ، والناسُ متفقون على أنَّهم معصومون فيما يبلِّغون عن اللهِ، فلا يستقرُّ في ذلك خطأ باتفاقِ المسلمين، لكن هل يتصورُ ما يستدركُه اللهُ، فيَنسَخُ ما يُلقي الشيطانُ ويُحْكِمُ اللهُ آياته؟ هذا فيه قولان، والمأثورُ عن السلفِ يوافقُ القولَ بذلك.
وأما العصمةُ في غيرِ ما يتعلقُ بتبليغِ الرسالةِ: فللناسِ فيه نزاعٌ؛ هل هو ثابتٌ بالعقلِ أو بالسمعِ؟
ومتنازعون في العصمةِ من الكبائرِ أو الصغائرِ أو من بعضِها، أو هل العصمةُ إنما هي في الإقرارِ عليها لا في فِعْلِها؟ أم لا يجبُ القولُ في العصمة إلا في التبليغِ فقط؟ وهل تجبُ العصمةُ من الكفرِ والذنوبِ قبلَ
стр. 250
البعثةِ أم لا؟
والذي عليه الجمهورُ الموافقُ للآثارِ: إثباتُ العصمةِ من الإقرارِ على الذنوبِ مطلقًا، ورَدُّ قولِ مَن يجوِّزُ إقرارَهم عليها، وحُججُ القائلين بالعصمةِ إذا حُرِّرتْ إنما تدلُّ على هذا القولِ، وحُججُ النُّفاةِ لا تدلُّ على وقوعِ ذنبٍ أُقِرَّ عليه الأنبياءُ؛ فإن وقوعَ الذنبِ إذا لم يُقَرَّ عليه؛ لم يحصُلْ تنفيرٌ ولا نقصٌ؛ فإن التوبةَ النَّصوحَ يُرفع بها صاحبُها أكثرَ مما كان أولًا، وكذلك التأسي بهم إنما هو فيما أقِرُّوا عليه؛ بدليل النسخِ ونحوِه.
ومن قال: إن إلقاءَ يونسَ إلى بطنِ الحوتِ كان قبلَ النبوةِ؛ فليس هو من هذا البابِ.
فَصْلٌ (١)
وتصحُّ التوبةُ من ذنبٍ مع إصرارِه على آخَرَ عند السلَفِ والخلَفِ.
وقال طائفةٌ من أهلِ الكلامِ كأبي هاشمٍ: لا تصحُّ إلا بالتوبةِ مِن الجميعِ، وحكى القاضي وابنُ عَقيلٍ هذا عن أحمدَ.
والمعروفُ هو الأولُ، وما روي عنه؛ محمولٌ على أنها ليست توبةً تجعلُه تائبًا مطلقًا؛ فإن الذي ذكره المروذيُّ عنه: أنه سُئل عمن تاب عن