← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ينفعْه اللهُ بعلمِه؛ كما قال: «اللهُمَّ إني أعوذُ بكَ من علمٍ لا ينفعُ» (١). ولكنَّ الجهميَّةَ ظنُّوا أن مجردَ علمِ القلبِ وتصديقِه هو الإيمانُ، وأن من دلَّ الشرعُ على أنه ليس بمؤمنٍ؛ فإن ذلك يدلُّ على عدمِ علمِ قلبِه؛ وهذا من أعظمِ الجهلِ شرعًا وعقلًا، وحقيقتُه توجبُ التسويةَ بينَ المؤمنِ والكافرِ، ولهذا أطلق وكيعٌ وأحمدُ وغيرُهم القولَ بكفرِهم بذلك؛ فإنَّ من المعلومِ أن الإنسانَ يعلمُ بقلبِه الحقَّ، وقد يُبْغِضُه لغرضٍ آخرَ، فليس كلُّ مستكبرٍ عن الحقِّ يكونُ غيرَ عالمٍ به، فحينئذ لا بدَّ من تصديقِ القلبِ وعملِه، وهذا معنى قولِ السلفِ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ. ثم إذا تحقَّق القلبُ بالتصديقِ والمحبةِ التامَّةِ المتضمنةِ للإرادةِ؛ لزِم وجودُ الأفعالِ الظاهرةِ؛ فإن الإرادةَ الجازمةَ إذا اقترن بها القدرةُ التامَّةُ لَزِمَ وجودُ المرادِ قطعًا؛ وأبو طالبٍ وإن كان عالمًا بأن محمدًا رسولُ اللهِ، وهو محبٌّ له؛ فلم تكُنْ محبتُه له لمحبةِ اللهِ، بل لأنه ابنُ أخيه؛ فيحبُّه للقرابةِ، وإذا أحبَّ ظهورَه فلِمَا يحصُلُ له به من الشرفِ والرياسةِ؛ فأصلُ محبوبِه هو الرِّياسةُ، ولهذا لما عَرَض عليه الشهادةَ عندَ الموتِ، أحبَّ دينَه أكثرَ مِن ابنِ أخيه، فلم يُقِرَّ بهما لئلَّا يزولَ دينُه، فلو كان حبُّه كحُبِّ أبي بكرٍ وغيرِه من المؤمنين؛ لنطق بالشهادتين قطعًا، فكان حبُّه حبًّا مع اللهِ؛ لا حُبًّا للهِ، فلم يُقبَل ما فعله مع الرسولِ مِن نُصرتِه ومؤازرتِه؛ لأنه لم يعمَلْه للهِ؛ بخلافِ من فعلَ ما فعلَ ابتغاءَ وجهِ ربِّه الأعلى.

стр. 247

فهذا يحقِّقُ أن الإيمانَ والتوحيدَ لا بدَّ فيهما من عملِ القلبِ، فلا بُدَّ من إخلاصِ الدِّينِ للهِ، والدينُ لا يكون دينًا إلا بعملٍ. وكذلك لفظُ «العبادةِ» و «التوكُّلِ»، إذا أُطْلقت «العبادةُ» دخل فيها التوكُّلُ ونحوُه؛ كقولِه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، ﴿اعبدوا ربكم﴾، وإذا قُرِنَتْ اختَصَّتْ؛ كقولِه: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، ﴿فاعبده وتوكل عليه﴾. وتنوُّعُ دلالةِ لفظِ الشيءِ في عمومِه وخصوصِه بحسَبِ الإفرادِ والاقترانِ كثيرٌ؛ كلفظِ «المعروفِ» و «المنكرِ»؛ نحوُ: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر﴾؛ فيدخلُ في «المنكر» ما كرِهه اللهُ، كما يدخلُ في «المعروف» ما يحبُّه. وكذا لفظِ «الفقيرِ» و «المسكينِ» إذا أُفْرِد أحدُهما دخل فيه الآخرُ، وإذا اقترن اختَصَّ. وكذا «الإلهُ» و «الربُّ»؛ مثلُ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾؛ فإن «الإلهَ» هو المعبودُ، و «الربُّ» هو الذي يُربِّي غيرَه؛ فيُدَبِّرُه، ولهذا كانت العبادةُ متعلقةً باسمِ «الإلهِ»، والسؤالُ متعلقٌ باسمِ «الرَّبِّ». ولما كانت العبادةُ متعلقةً باسمِ اللهِ، جاءت الأذكارُ المشروعةُ بهذا الاسمِ، مثلُ كلماتِ الأذانِ «اللهُ أكبرُ»، ومثلُ الشهادتين، والتحياتِ للهِ، والتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ: «سبحان اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ».

стр. 248

وأما السؤالُ فكثيرًا ما يجيءُ باسمِ الربِّ، نحوُ ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾، ﴿رب أعوذ بك﴾، ﴿ربي إني ظلمت نفسي﴾، ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع﴾ الآيةَ. وقد نُقِل عن مالكٍ أنه قال: أكرهُ أن يقولَ في دعائِه: يا سيِّدي، يا حنَّانُ، يا منَّانُ، ولكن بما دعت به الأنبياءُ: ربَّنا، ربَّنا؛ نقله عنه العُتْبيُّ في «العتبية» (١). فإذا سبق إلى القلبِ قصدُ السؤالِ؛ ناسَبَ أن يَسألَ باسمِ «الربِّ»، ولو سأل باسمِ «اللهِ»؛ لتضمُّنِه اسمَ «الربِّ»؛ كان حسنًا، وأما إذا سبق إلى القلبِ قصدُ العبادةِ، فاسمُ «اللهِ» أولى بذلك. فلما كان حالُ يونسَ المغاضبةَ ومنازعةَ القدرِ، ونوعَ معارضةٍ في خلقِه وأمْرِه، ووساوسَ في حكمتِه ورحمته، فيحتاجُ العبدُ أن يقعَ عنه ذلك، ويعلمَ أن الحكمةَ والعدلَ فيما اقتضاه علمُه وحكمتُه، فرُوِيَ أنه نادى بارتفاعِ العذابِ عن قومِه بعد أن أظَلَّهم، وخاف أن يُنْسَبَ إلى الكذبِ، فنادى من القَدْرِ (٢)، وحصل من منازعتِه الإرادةَ ما يُزاحِمُ الإلهيةَ، فناسَبَ أن يجرِّدَ الإلهيةَ ويُخْلِصَها للهِ وحدَه. وقولُه: ﴿لا إله إلا أنت﴾ يتضمَّن براءةَ ما سوى اللهِ من الإلهيةِ؛

стр. 249

سواءٌ [صدر ذلك عن] (١) هوى النفسِ أو طاعةِ الخلقِ أو غيرِ ذلك؛ بخلافِ آدمَ، فإنه اعترف أولًا بذنبِه فقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾؛ لأنه لم يكُنْ عنده شيءٌ من منازعةِ الإرادةِ لما أمَر اللهُ به ما يزاحمُ الإلهيةَ، بل ظنَّ صِدقَ إبليسَ، فناسَب: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ في كونِنا قَبِلْنا غرورَه وما أظهر من نصحِنا ففَرَّطْنا، فكانا محتاجَينِ إلى أن يَربَّهما ربوبيةً تكمِّل حالهما، فلا يغتَرَّا بمثلِ ذلك، فشهِدا حاجتَهما إلى ربِّهما الذي لا يقضي حاجتَهما غيرُه. وهذا مبنيٌّ على القولِ بالعصمةِ، والناسُ متفقون على أنَّهم معصومون فيما يبلِّغون عن اللهِ، فلا يستقرُّ في ذلك خطأ باتفاقِ المسلمين، لكن هل يتصورُ ما يستدركُه اللهُ، فيَنسَخُ ما يُلقي الشيطانُ ويُحْكِمُ اللهُ آياته؟ هذا فيه قولان، والمأثورُ عن السلفِ يوافقُ القولَ بذلك. وأما العصمةُ في غيرِ ما يتعلقُ بتبليغِ الرسالةِ: فللناسِ فيه نزاعٌ؛ هل هو ثابتٌ بالعقلِ أو بالسمعِ؟ ومتنازعون في العصمةِ من الكبائرِ أو الصغائرِ أو من بعضِها، أو هل العصمةُ إنما هي في الإقرارِ عليها لا في فِعْلِها؟ أم لا يجبُ القولُ في العصمة إلا في التبليغِ فقط؟ وهل تجبُ العصمةُ من الكفرِ والذنوبِ قبلَ

стр. 250

البعثةِ أم لا؟ والذي عليه الجمهورُ الموافقُ للآثارِ: إثباتُ العصمةِ من الإقرارِ على الذنوبِ مطلقًا، ورَدُّ قولِ مَن يجوِّزُ إقرارَهم عليها، وحُججُ القائلين بالعصمةِ إذا حُرِّرتْ إنما تدلُّ على هذا القولِ، وحُججُ النُّفاةِ لا تدلُّ على وقوعِ ذنبٍ أُقِرَّ عليه الأنبياءُ؛ فإن وقوعَ الذنبِ إذا لم يُقَرَّ عليه؛ لم يحصُلْ تنفيرٌ ولا نقصٌ؛ فإن التوبةَ النَّصوحَ يُرفع بها صاحبُها أكثرَ مما كان أولًا، وكذلك التأسي بهم إنما هو فيما أقِرُّوا عليه؛ بدليل النسخِ ونحوِه. ومن قال: إن إلقاءَ يونسَ إلى بطنِ الحوتِ كان قبلَ النبوةِ؛ فليس هو من هذا البابِ. فَصْلٌ (١) وتصحُّ التوبةُ من ذنبٍ مع إصرارِه على آخَرَ عند السلَفِ والخلَفِ. وقال طائفةٌ من أهلِ الكلامِ كأبي هاشمٍ: لا تصحُّ إلا بالتوبةِ مِن الجميعِ، وحكى القاضي وابنُ عَقيلٍ هذا عن أحمدَ. والمعروفُ هو الأولُ، وما روي عنه؛ محمولٌ على أنها ليست توبةً تجعلُه تائبًا مطلقًا؛ فإن الذي ذكره المروذيُّ عنه: أنه سُئل عمن تاب عن

стр. 251

الفاحشةِ ولم يتُبْ عن النظرِ؟ فقال: أيُّ توبةٍ ذه؟! وهذا لا يعطي ما قالوه عنه، إنما أراد أنها ليست توبةً عامَّةً؛ فإن نصوصَه المتواترة عنه خلاف ذلك، فحَمْلُ كلامِه على ما يوافِقُه أَوْلى؛ لا سيَّما إذا كان القولُ الآخر مبتدَعًا لا يُعرَفُ له سلفٌ. وأحمدُ من أشدِّ الناسِ توصيةً بالسلفِ، وتوصيتُه بالسنةِ والاتباعِ أكثرُ مِن أن تُحْصَرَ. ومن تاب من بعضِ ذنوبِه فإن التوبةَ تقتضي مغفرةَ ما تاب منه فقط، وما علمتُ فيه نزاعًا إلا في الكافرِ إذا أسلم، فإن إسلامَه يغفِرُ له الكفرَ، وهل يُغفَرُ له الذنوبُ التي فعَلها في حالِ كفرِه ولم يتبُ منها في الإسلام؟ على قولين معروفين، الصحيحُ: أنه إذا لم يتُبْ من الذنبِ؛ بقِيَ عليه حكمُه، ولا يُغفَرُ إلا بمشيئةِ اللهِ تعالى، كغيرِه من المسلمين الذين عمِلوا في الإسلامِ. فَصْلٌ الإنسانُ قد يستحضرُ ذنوبًا فيتوبُ منها، وقد يتوبُ توبةً مطلقةً لا يستحضرُ معها ذنوبَه، لكن إذا كانت نيتُه التوبةَ العامةَ؛ فهي تتناولُ كلَّ ما رآه ذنبًا؛ لأن التوبةَ العامةَ تتضمَّنُ عزمًا عامًّا لفِعْلِ المأمورِ وتركِ المحظورِ، وكذلك تتضمَّنُ ندمًا عامًّا على كلِّ محظورٍ، والندمُ سواءٌ قيل: إنه من بابِ الاعتقاداتِ، أو من بابِ الإراداتِ، أو من باب الآلامِ التي تَلْحَقُ النفسَ بسببِ فعلِ ما يضُرُّها، فإذا استشعر القلبُ أنه

стр. 252

فعَل ما يضرُّه؛ حصل له معرفته بأن الذي فعله كان من السيئاتِ، وهذا من بابِ الاعتقاداتِ، وكراهيتُه لِمَا كان فعَلَه؛ وهو من جنسِ الإراداتِ، وحصل له أذًى وغَمٌّ لما كان فعله، وهذا من بابِ الآلامِ كالغمومِ والأحزانِ، كما أن الفرحَ - وهو السرورُ- من بابِ اللذَّاتِ، ليس من بابِ الاعتقاداتِ والإراداتِ. ومن قال من الفلاسفةِ: إن اللذَّةَ هي إدراكُ الملائمِ، والألمُ: هو إدراكُ المنافي؛ فقد غلِطَ، فإن اللذةَ والألمَ حالانِ يتعقبان إدراكَ الملائمِ والمنافي، فإن المحبَّ لما يلائمُه له ثلاثةُ أحوالٍ: الحبُّ؛ وهو الشهوة. والثاني: إدراكُ المحبوبِ، كأكلِ الطعامِ. والثالثُ: اللذَّةُ الحاصلةُ، واللذةُ أمرٌ مغايرٌ للشهوةِ ولذوقِ المشتهَى، بل هي حاصلةٌ بذوقِ المشتهَى، ليست نفسَ الذوقِ. وكذلك المكروهُ: كراهتُه شيءٌ وحصوله شيءٌ، والألمُ الحاصلُ به شيءٌ ثالثٌ. إذا عُرِف ذلك؛ فمن تاب توبةً عامةً؛ كانت مقتضيةً لغُفرانِ الذنوبِ كلِّها وإن لم يستحضِرْ أعيانَ الذنوبِ، إلا أن يكونَ بعضُ الذنوبِ لو استحضره لم يتُبْ منه لقوةِ إرادتِه إيَّاه، أو لاعتقادِه أنه حسنٌ ليس قبيحًا، فما كان لو استحضره لم يتُبْ منه؛ لم يدخُلْ في التوبةِ؛ بخلافِ ما كان لو استحضره تاب منه؛ فإنه يدخلُ في عمومِ التوبةِ.

стр. 253

وأما التوبةُ المطْلقةُ؛ وهي أن يتوبَ توبةً مجملةً، ولا يلتزمَ التوبةَ من كل ذنبٍ؛ فهذه لا توجبُ دخولَ كلِّ فردٍ فردٍ ولا تمنعُ دخولَه، كاللفظِ المطلقِ، لكن هذه تصلحُ أن تكونَ سببًا لغفرانِ المعين، كما تصلحُ أن تكونَ سببًا لغفرانِه (١)؛ بخلافِ العامةِ؛ فإنها مقتضيةٌ للغفرانِ العامِّ. فَصْلٌ إذا تحقَّقَ توحيدُ الربوبيةِ وتوحيدُ الإلهية بانقطاعِ الرجاءِ مِن الخلقِ -وتوحيدُ الربوبيةِ أنه لا خالقَ إلا اللهُ؛ فلا يستقلُّ شيءٌ سواه بإحداثِ أمرٍ من الأمورِ، بل ما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكُنْ-، فإذا تحقَّق ذلك؛ كان سببًا بأن ينالَ مطلوبَه ويأتيَه الفرجُ. وأما من تعلَّق قلبُه بمخلوقٍ؛ فالمخلوقُ عاجزٌ إن لم يجعلْه اللهُ فاعلًا لذلك، وهذا من الشركِ الذي لا يغفرُه اللهُ؛ أن يرجوَ العبدُ مخلوقًا لقضاءِ حاجتِه، فمن أنعم اللهُ عليه من المؤمنين يمنعه حصولَ مطلوبِه بذلك الشركِ حتى يَصرِفَ قلبَه إلى التوحيدِ، ويُنزِلُ بعبدِه المؤمنِ من الشدةِ والضُّرِّ ما يُلْجِئُه إلى توحيدِه، فيدعوه مخلصًا له الدينَ، ولا يرجو أحدًا سواه، ويتعلقُ قلبُه به وحده، فيحصلُ له من التوكلِ والإنابةِ وحلاوةِ الإيمانِ وذَوْقِ طَعْمِه والبراءةِ من الشركِ؛ ما هو أعظمُ نعمةً من

стр. 254

زوالِ ضُرِّه، فإن ما يحصلُ لأهلِ التوحيدِ لا يمكنُ وصفُه. فإن الضُّرَّ في الدنيا من المرضِ والعُسْرِ والألمِ وغيرِه؛ يشتركُ في زوالِه وذوقِ لذةِ حلاوتِه المؤمنُ والكافرُ؛ لأنه من أمورِ الدنيا؛ بخلافِ حلاوةِ الإيمانِ، فلا يمكنُ أن يعبَّرَ عنه بمقالٍ، ولكلِّ امرئٍ من المؤمنين نصيبٌ بقدْرِ إيمانِه؛ فمن تجرَّد توحيدُه؛ بحيث يحبُّ فيه، ويوالي ويُعادي فيه، ويتوكلُ عليه؛ فلا يسألُ إلا إيَّاه، ولا يرجو إلا إيَّاه؛ بحيث يكونُ عند الحقِّ بلا خلقٍ، وعندَ الخلقِ بلا هوًى، قد فنيَتْ عنه إرادةُ ما سواه بإرادتِه، ومحبةُ ما سواه بمحبتِه، وخوفُ ما سواه بخوفِه، ورجاءُ ما سواه برجائِه، ودعاءُ ما سواه بدعائِه، هو أمرٌ لا يعرفُه بالذوقِ والوَجْدِ إلا من له منه نصيبٌ، وما من مؤمنٍ إلا وله منه نصيبٌ. وهذا هو حقيقةُ الإسلامِ، وقُطْبُ رَحى القرآنِ، به بعَث اللهُ الرسلَ، وبه أنزل الكتبَ، واللهُ المستعانُ، وعليه التُّكلانُ. فَصْلٌ أجمَعَ المسلمونَ على أن العبدَ المسلمَ يجوزُ له أن يشتكيَ إلى اللهِ ما يَنزِل به من الضرِّ، وليس ذلك منافيًا للصبرِ، بل الشَّكوى إلى الخَلْقِ قد تنافي الصبرَ. ومن قال: (إن نبيًّا من الأنبياءِ أكَله القملُ فاشتكى إلى ربِّه، فأوحى إليه: لئن اختَلَج هذا في سِرِّك، لأمْحُوَنَّك من ديوانِ الأنبياءِ)؛ فهذا لا ينبغي أن يُحكى؛ لأنها إما كذِبٌ، أو مخالفةٌ لشريعةِ محمدٍ، بل كان

стр. 255

الأنبياءُ قد شَكَوْا إليه؛ كيعقوبَ وأيوبَ وذي النُّونِ ونوحٍ. فهؤلاء الأنبياءُ قد اشتكَوا، وكشَف ما بهم من الضرِّ والغمِّ، لكن ينبغي الرِّضا، وليس هو واجبًا في أصحِّ قولي العلماءِ؛ بل مستحبٌّ، وإنما الواجبُ الصبرُ، وهو لا ينافي الشَّكْوى، واختلاجُ السرِّ لا ينافي الرِّضا بالقضاءِ باتفاق العقلاءِ، والرضا يكونُ بعد القضاءِ. فَصْلٌ (١) أصلُ الإيمانِ في القلبِ ؛ وهو قولُ القلبِ وعملُه، وهو إقرارُ القلبِ بالتصديقِ والحبِّ والانقيادِ، ولا بدَّ أن يَظهَرَ موجَبُه ومقتضاه على الجوارحِ، فالأعمالُ الظاهرةُ مِن موجَبِ إيمانِ القلبِ، ودليلٌ عليه، وشاهدٌ له، وشُعبةٌ من مجموعِ الإيمانِ المطلقِ، وبعضٌ له، وما في القلبِ أصلٌ لها، وهو الملِكُ، والأعضاءُ جنودُه. وقد ظن طوائفُ أن الإيمانَ هو ما في القلبِ خاصةً، وما على الجوارحِ لا يدخلُ في مسماه، لكن هو من ثمراتِه ونتائجِه؛ حتى آل بِغُلاتِهم - كجَهْمٍ وأتباعِه - إلى أن قالوا: (يمكنُ أن يصدِّقَ بقلبِه، ولا يُظْهِرَ بلسانِه إلا الكفرَ، ويكونَ ما في القلبِ إيمانًا نافعًا له، وإذا حكَم الشرعُ بكفرِ أحدٍ بعملٍ أو قولٍ؛ فلكونِه دليلًا على انتفاءِ ما في القلبِ)؛ فتَناقَضَ قولُهم؛ فإنه إذا كان دليلًا مستلزِمًا انتفاءَ الإيمانِ من القلبِ؛

стр. 256

امتنع أن يكونَ الإيمانُ في القلبِ مع الدليلِ المستلزمِ نفيَه، وإن لم يكُنْ دليلًا؛ لم يَجُزْ أن يستدلَّ به على الكفرِ الباطنِ. فالتحقيقُ: أن اسمَ الإيمانِ المطلقَ يتناولُ الأصلَ مع الفروعِ، وقد يُخصُّ الاسمُ (١) وحدَه بالاسمِ مع الاقترانِ، وقد لا يتناولُ إلا الأصلَ إذا لم يخصَّ إلا هو، كاسمِ الشجرةِ يتناولُ الأصلَ والفرعَ إذا وُجِدَ، ولو قُطِعت الفروعُ لتناول اسمُ الشجرةِ الأصلَ وحدَه. وكذا اسمُ الحجِّ يتناولُ كلَّ ما شُرِع من ركنٍ وواجبٍ ومستحبٍّ، وهو أيضًا تامٌّ بدونِ المستحباتِ، وحجٌّ ناقصٌ بدونِ الواجباتِ. والشارعُ لا ينفي اسمَ الإيمانِ عن العبدِ لتركِ مستحَبٍّ، لكن لتركٍ واجبٍ. ولفظُ الكمالِ: يُرادُ به الكمالُ الواجبُ والكمالُ المستحبُّ، فلمَّا قال: «لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ» (٢)، و «لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له» (٣)، ونحوَ ذلك؛ كان لانتفاءِ بعضِ ما يجب فيه، لا لانتفاء الكمالِ المستحبِّ. والإيمانُ يتبعَّضُ ويتفاضلُ الناسُ فيه؛ كالحجِّ والصلاةِ، ولهذا قال: «يخرجُ من النارِ مَن في قلبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ، ومثقالُ شعيرةٍ» (٤).

стр. 257

وأما إذا استُعمل اسمُ الإيمانِ مقيَّدًا؛ كقولِه: ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، وقولِه: «الإيمانُ أن تؤمنَ باللهِ، وملائكتِه، وكتبِه، ورسلِه، والبعثِ بعدَ الموتِ» (١)؛ فهنا قد يقالُ: إنه متناولٌ لذلك، وأن عطفَ ذلك عليه من بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، كقولِه: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾. وقد يقالُ: إن دلالةَ الاسمِ متنوعةٌ بالإفرادِ والاقترانِ، كلفظ الفقيرِ والمسكينِ إذا أُفْرِد أحدهما تناول الآخرَ، وإذا جُمِع بينَهما كانا صنفين. ولا ريبَ أن فروعَ الإيمانِ مع أصولِه كالمعطوفَينِ، وهي مع جميعِه كالبعضِ مع الكلِّ. ومن هنا نشأ النزاعُ والاشتباهُ: هل الأعمالُ داخلةٌ في الإيمانِ، أم لا؛ لكونها عُطِفت عليه؟ وقد يُعطَفُ على الإيمانِ بعضُ شُعبِه، فيقالُ: هذا أرفعُ الإيمانِ؛ أي: اليقينُ والعلمُ أرفعُ من المؤمنِ الذي ليس معه يقينٌ ولا علمٌ. ومعلومٌ أن الناسَ يتفاضلونَ في نفسِ الإيمانِ والتصديقِ في قوتِه وضعفِه، وعمومِه وخصوصِه، وبقائِه ودوامِه، وموجِبِه ومقتضيه، وغيرِ ذلك من أمورِه، فيُخَصُّ أحدُ نوعيه باسمٍ يفضَّلُ به على النوعِ الآخرِ، ويبقى اسمُ الإيمانِ، ومثلُ ذلك متناولٌ للقسمِ الآخرِ؛ كما يقالُ:

стр. 258

الإنسانُ خيرُ الحيوانِ (١)، والإنسانُ خيرُ الدَّوابِّ (٢)، وإن كان الإنسانُ يدخلُ في الدوابِّ في قولِه: ﴿إن شر الدواب﴾. فإذا عُرف ذلك؛ فحيث وُجِد تفضيلُ شيءٍ على الإيمانِ؛ فإنما هو تفضيلُ نوعٍ خاصٍّ على عمومِه، أو تفضيلُ بعضِ شُعَبِه العاليةِ على غيره، واسمُ الإيمانِ قد يتناولُ النوعين جميعًا، وقد يخُصُّ أحدَهما كما تقدم، وأكثرُ اختلافِ العقلاءِ من جهةِ اشتراكِ الأسماءِ. والإيمانُ له نورٌ في القلبِ ؛ قال: ﴿مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾؛ أي: مثَلُ نورِه في قلبِ المؤمنِ كمشكاةٍ فيها مصباحٌ، إلى قولِه: ﴿ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور﴾، وقال: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به﴾، فسمَّى الإيمانَ الذي يهَبُه للعبدِ: نورًا. ولا ريبَ أنه يحصلُ بسببٍ؛ مثلِ سماعِ القرآنِ وتدبُّرِه، ومثلِ رؤيةِ أهلِ الإيمانِ والنظرِ في أحوالِهم، ومعرفةِ أحوالِ النبيِّ ﷺ ومعجزاتِه، والنظرِ في آياتِ اللهِ، والتفكرِ في أحوالِ نفسِ الإنسانِ، والضَّروراتِ التي يُحْدِثُها اللهُ للعبدِ تضطرُّه إلى الذلِّ للهِ والاستسلامِ له، واللَّجَأِ إليه، وقد يكونُ هذا سببًا لشيءٍ من الإيمانِ، وهذا سببًا لشيءٍ آخرَ، بل كلُّ ما يكونُ في العالمِ فلا بدَّ له من سببٍ، وسببُ الإيمانِ وشُعَبِه يكونُ تارةً من العبدِ وتارةً من غيرِه، مثلُ مَن يقيَّضُ له مَن يدعوه إلى الإيمانِ،

стр. 259

ويأمرُه بالخيرِ، وينهاه عن الشرِّ. ثم قد يكونُ بعضُ أسبابِه أهونَ على بعضِ الناسِ من بعضِها الآخرِ، ومنهم من يكونُ العلمُ أيسرَ عليه من الزُّهدِ، وبالعكسِ، ومنهم من تكونُ العبادةُ أيسرَ عليه منهما. فالمشروعُ لكلِّ إنسانٍ أن يفعلَ ما يقدِرُ عليه من الخيرِ، كما قال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وإذا ازدحمتْ شُعَبُه ؛ قَدَّمَ ما كان أرْضى للهِ، وهو عليه أقدرُ، فقد يكونُ على المفضولِ أقدرَ منه على الفاضلِ، ويحصلُ له أفضلُ مما يحصلُ له من الفاضلِ، فالأفضلُ لهذا أن يطلبَ ما هو أنفعُ وهو في حقِّه أفضلُ، لا يطلبُ ما هو الأفضلُ مطلقًا إذا كان متعسرًا عليه؛ إذ قد يفوتُه ما هو أفضلُ له وأنفعُ؛ كمن يقدِرُ أن يقرأَ القرآنَ بالليلِ فيتدبرَه وينتفعَ بتلاوتِه، والصلاةُ تثقُلُ عليه ولا ينتفعُ بها بطائلٍ، أو ينتفعُ بالذِّكرِ أعظمَ مما ينتفعُ بالقراءةِ، فأيُّ عملٍ كان له أنفعَ وللهِ أطوعَ؛ أفضلُ في حقِّه من عملٍ لا يأتي به على وجهِه، ومعلومٌ أن الصلاةَ آكَدُ من القراءةِ، والقراءةُ أفضلُ من الذِّكرِ والدعاءِ، ومعلومٌ أن الذكرَ في وقتِه الخاصِّ كالركوعِ والسجودِ؛ أفضلُ من قراءةِ القرآنِ في ذلك المحلِّ، وأن الذِّكرَ والقراءةَ والدعاءَ عندَ طلوعِ الشمسِ وغروبِها؛ خيرٌ من الصلاةِ.

стр. 260

فَصْلٌ والزهدُ هو ضدُّ الرغبةِ ، وهو كالبُغضِ المخالفِ للمحبةِ، والكراهةِ المخالفةِ للإرادةِ. وحقيقةُ المشروعِ منه: أن يكونَ بغضُه وحبُّه وزهدُه فيه أو عنه تابعًا لحبِّ الله وكراهتِه، فيحبُّ ما أحبه اللهُ، ويُبغِضُ ما أبغضَه، ويرضى ما يرضاه، ويسخطُ ما يسخطُه؛ بحيث لا يكونُ تابعًا لهواه بل لأمرِ مولاه؛ فإن كثيرًا من الزهَّاد في الدنيا أعرضوا عن فضولِها، ولم يُقْبِلوا على ما يحبُّه اللهُ ورسولُه، وليس هذا الزهدُ مما يأمر اللهُ به، ولهذا كان في المشركين زهَّادٌ، وفي أهلِ الكتابِ زهَّادٌ، وفي أهلِ البدعِ زهادٌ. ومن الناسِ من يزهدُ طلبًا للراحةِ من تعبِ الدنيا أو لمسألةِ أهلهاِ، والسلامةِ من أذاهم، أو لطلبِ الرئاسةِ، إلى أمثالِ هذه الأنواعِ التي لا يأمُرُ اللهُ بها ولا رسولُه. وإنما يأمر اللهُ ورسولُه أن يزهدَ فيما لا يحبُّه اللهُ، ويرغبَ فيما يحبُّه اللهُ ورسولُه، فيكونُ زهدُه عما لا يأمرُ اللهُ به أمرَ إيجابٍ أو استحبابٍ؛ سواءٌ كان محرَّمًا أو مكروهًا أو مباحًا، ويكونُ مع ذلك مقبِلًا على ما أمر اللهُ به، ولا يتركُ المكروهَ بدون فعلِ المحبوبِ، وإنما المقصودُ بالقصدِ الأولِ فعْلُ المحبوبِ، وتركُ المكروهِ مُعِينٌ على ذلك، فتَزْكو النفسُ بذلك كما يزكو الزرعُ إذا نُقِّي عنه الدَّغَلُ.

стр. 261

وطريقُ الوصولِ إلى ذلك: هو الاجتهادُ في فعلِ المأمورِ وتركِ المحظورِ، والاستعانةُ باللهِ على ذلك. فمَن فعل ذلك وصَل إلى حقيقةِ الإيمانِ لقولِه: «احرِصْ على ما ينفعُك، واستعنْ باللهِ … »، بعدَ قولِه: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفعُكَ، واستعنْ باللهِ ولا تعجِزْ، وإن أصابكَ شيءٌ فلا تقُلْ: لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدر اللهُ وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطانِ» (١). فَصْلٌ (٢) لا ريبَ أن الذين أوتوا العلمَ والإيمانَ أرفعُ من الذين أوتوا الإيمانَ فقط؛ كما دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ، والعلمُ الممدوحُ هو الذي ورَّثَتْه الأنبياءُ، وهذا العلمُ ثلاثةُ أقسامٍ: علمٌ باللهِ وأسمائه وصفاتِه، وما يتبَعُ ذلك، وفي مثلِه أنزل اللهُ سورةَ الإخلاصِ، وآيةَ الكرسيِّ، ونحوَهما. والقسمُ الثاني: العلمُ بما أخبر اللهُ به مما كان من الأمورِ الماضيةِ، ومما يكونُ من المستقبلةِ، وما هو كائنٌ من الأمورِ الحاضرةِ؛ وفي مثلِه

стр. 262

أنزل القصصَ، والوعيدَ والوعدَ، وصفةَ الجنةِ والنارِ. والقسمُ الثالثُ: العلمُ بما أمر اللهُ به من الأمورِ المتعلقةِ بالقلوبِ والجوارحِ؛ من الإيمانِ باللهِ من معارفِ القلوبِ وأحوالِها، وأقوالِ الجوارحِ وأعمالِها، وهذا يندرجُ فيه العلمُ بأصولِ الإيمانِ وقواعدِ الإسلامِ، والعلمُ بالأقوالِ والأفعالِ الظاهرةِ مما هو في كتبِ الفقهِ. وقد يكون الرجلُ حافظًا لحروفِ العلمِ ، ولا يكونُ مؤمنًا بل منافقًا؛ فالمؤمنُ الذي لا يحفظُ العلمَ وصُوَرَه خيرٌ منه، وإن كان ذلك المنافقُ ينتفعُ به الغيرُ كما ينتفعُ بالرَّيحانِ، وأما الذي أوتيَ العلمَ والإيمانَ فهو مؤمنٌ عليمٌ؛ هذا أصلٌ. وأصلٌ آخرُ؛ وهو أنه ليس كلُّ عملٍ أورثَ كشفًا أو تصرفًا في الكونِ يكونُ أفضلَ من العملِ الذي لا يورثُ ذلك؛ فإن الكشفَ إن لم يكُنْ مما يُستعانُ به على دينِ اللهِ وإلا كان من متاعِ الحياةِ الدنيا، وقد يحصلُ ذلك للكفارِ وإن لم يحصلْ لأهلِ الإيمانِ، ففضائلُ الأعمالِ ودرجاتُها لا تُتلقَّى من مثلِ هذا؛ بل من الكتابِ والسنةِ، فأكرمُ الخلقِ عندَ اللهِ أتقاهم. وتفضيلُ العملِ على العملِ قد يكون مطلقًا، وقد يكون مقيَّدًا في وقت أو زمان أو شخصٍ، وقد يأتي الرجلُ بالعملِ الفاضلِ ويفوِّتُ شروطَه، وغيرُه يأتي بالمفضولِ مكمَّلًا، فيكونُ هذا أفضلَ من ذاك.

стр. 263

فَصْلٌ إذا قرأ القارئُ بغيرِ حرفِ ابنِ كثيرٍ كان تركُه للتكبيرِ هو الأفضلَ، بل هو المشروعُ المسنونُ؛ فإن (١) هؤلاء الأئمةَ نقلوا ذلك عن رسولِ اللهِ، فيمتنعُ أن يكونوا أضاعوا فيها ما أمرهم به رسولُ اللهِ ﷺ ؛ لأنهم أهلُ تواترٍ. وأبلغُ من ذلك البسملةُ؛ فإن في القُرَّاءِ مَن لا يَفْصِلُ بها مع كونِها مكتوبةً في المصاحفِ، وليس التكبيرُ من القرآنِ باتفاقِ المسلمين؛ بخلافِ البسملةِ، فإن مذهبَ مالكٍ: أنها ليست من القرآنِ إلا في النملِ؛ وهو قولٌ في مذهبِ أحمدَ وأبي حنيفةَ (٢). وليس لمن كان يقرأُ القرآنَ والناسُ يصلُّون تطوعًا أن يجهرَ جهرًا يشغَلُهم به؛ فإنه ﷺ خرج على أصحابِه وهم يصلُّونَ من السَّحَرِ، فقال: «أيُّها الناسُ كلُّكم يناجي ربَّه، فلا يجهرْ بعضُكم على بعضٍ في القراءةِ» (٣). وصلاةُ النافلةِ في الجملةِ أفضلُ من استماعِ القرآنِ، لكن قد تكونُ

стр. 264

القراءةُ واستماعُها أفضلَ لبعضِ الناسِ (١). وقولُه: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوًّا﴾ «من» للتبعيضِ بالاتفاقِ. وقد يكونُ العابدُ بغيرِ علمٍ شرًّا من العالمِ الفاسقِ، وقد يكونُ العالمُ الفاسقُ شرًّا منه، وأما العابدُ بعلمٍ فهو خيرٌ من (٢) الفاسقِ إلا أن يكونَ للفاسقِ حسناتٌ تفضُلُ على سيئاتِه؛ بحيث يفضلُ له أكثرُ من حسناتِ ذلك العابدِ (٣).

стр. 265

بَابٌ في الكُسُوفِ (١) الكسوفُ والخسوفُ لهما أوقاتٌ مقدَّرةٌ، كما لطلوعِ الهلالِ وقتٌ مقدَّرٌ، وذلك مما أجرى اللهُ عادتَه بالليلِ والنهارِ، والشتاءِ والصيفِ، وسائر ما يتبَعُ جريانَ الشمسِ والقمرِ، وذلك من آياتِ اللهِ، فكما أن العادةَ أن الهلالَ لا يستهِلُّ إلا ليلةَ ثلاثين أو إحدى وثلاثين، وأن الشهرَ لا يكونُ إلا ثلاثين أو تسعةً وعشرين؛ فكذلك أجرى اللهُ العادةَ أن الشمسَ لا تُكسفُ إلا وقتَ الاستِسْرارِ (٢)، وأن القمرَ لا يُخْسَفُ إلا وقتَ الإبدارِ. وللشمسِ والقمرِ ليالٍ معتادةٌ؛ من عرَفها عرَف الكسوفَ والخسوفَ، كما أن من علِم كمْ مضى من الشهرِ؛ يعلمُ أن الهلالَ يطلعُ في الليلةِ الفُلانيةِ، لكنَّ العلمَ بالهلالِ عامٌّ للناسِ، وأما علمُ الكسوفِ فهو لمن يعرِفُ حسابَ جَرَيانِهما.

стр. 266

وليس خبرُ الحاسبِ بذلك من بابِ علمِ الغيبِ؛ بل مثلُ العلمِ بأوقاتِ الفصولِ. ومن قال من الفقهاءِ: إن الشمسَ تُكْسَفُ في غيرِ وقتِ الاستسرارِ؛ فقد غلِطَ، وقال ما ليس له به علمٌ. وما يُروى عن الواقديِّ من ذكرِه أن إبراهيمَ مات يومَ العاشر؛ وهو اليوم الذي كُسِفت الشمسُ؛ غلطَ، والواقديُّ لا يحتَجُّ بمسانيدِه، فكيف بمراسيلِه؟! هذا فيما لم يُعلَمْ أنه خطأٌ، وأمَّا هذا فهو خطأٌ قطعًا. وأما ما ذكره طائفةٌ من الفقهاءِ من اجتماعِ صلاةِ العيدِ والكسوفِ، فذكرُوه في ضمنِ كلامِهم فيما إذا اجتمع صلاةُ الكسوفِ وغيرِها من الصَّلواتِ، فذكَروا صلاةَ الوترِ والظُّهرِ، وذكروا العيدَ؛ مع عدمِ استحضارِهم هل ذلك ممكنٌ أم لا؟ لكن استفَدْنا من تقديرِهم العلمَ بالحكمِ فقط على تقديرِ وجودِه، كما يُقَدِّرون مسائلَ يُعلَمُ أنها لا تقعُ؛ لتحريرِ القواعدِ وتمرينِ الأذهانِ. وبكلِّ حالٍ؛ فالمخبِرُ بذلك قد يكونُ غالطًا أو فاسقًا، لكن إذا تواطؤوا على ذلك (١) لا يكادُ يخطئُ، وبكلِّ حالٍ فلا نرتبُ عليه حكماً شرعيًّا، فإنا لا نُصلِّي إلا إذا شاهدْنا ذلك. وقد أخبر الصادقُ أنهما آيتان من آياتِ اللهِ يخوِّفُ اللهُ بهما عبادَه، وهذا بيانٌ أنهما سببٌ لنزولِ العذابِ، فأمر النبيُّ بما يُزيلُ الخوفَ؛ من

стр. 267

الصلاةِ والدعاءِ والاستغفارِ والصدقةِ والعتقِ؛ حتى ينكشفَ ما بالناسِ (١). فَصْلٌ (٢) وهذه النجومُ من آياتِ اللهِ الدالةِ عليه ، المسبِّحةِ له، الساجدةِ؛ كما قال: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب﴾. وهذا يبيِّنُ أنه لم يُرِدْ من (٣) سجودِها أنَّها دالةٌ عليه لما فيها من الدلالةِ على ربوبيتِه؛ كما يقولُ ذلك طوائفُ من الناسِ؛ إذ هذه الدلالةُ يشتركُ فيها جميعُ المخلوقاتِ، وهو قد فرَّقَ، فعُلِم أن ذلك قدرٌ زائدٌ على الدلالةِ، ومع ذلك فقد جعلها منافعَ لعبادِه، وسخَّرَها لهم. ومن منافعِها الظاهرةِ ما يجعله سبحانه بالشمسِ من الحرِّ والبردِ، والليلِ والنهارِ، وإنضاجِ الثمارِ، وخلقِ الحيوانِ والنباتِ والمعادنِ، والترطيبِ والتيبيسِ، وغيرِ ذلك من الأمورِ المشهورةِ، كما جعل في النارِ الإشراقَ والإحراقَ، وفي الماءِ التطهيرَ والسَّقْيَ، وأمثالِ ذلك من نِعَمِه التي يذكرُها في كتابِه.

стр. 268

وقد أخبَرَ في غيرِ موضعٍ: أنه يجعلُ بعضَ مخلوقاتِه ببعضٍ؛ كما قال: ﴿لنحيي به بلدة ميتًا﴾. ومن قال من أهلِ الكلامِ: (إنه يُفْعَلُ ذلك عندَه لا به)؛ فعبارتُه مخالفةٌ للكتابِ والأمورِ المشهورةِ، كمن زعم أنها مستقلَّةٌ بالفعلِ، فهو شركٌ مخالفٌ للعقلِ والدينِ. ومن قال: (إن لها تأثيرًا)، وعَنى بذلك ما جعله اللهُ فيها مما ذكره سبحانه، فهو حقٌّ، ولكن قد أمر اللهُ ورسولُه العبادَ بما يدفعُ سببَ العذابِ الحاصلِ بها، مثلُ صلاةِ الكسوفِ والذِّكرِ عندَ الريحِ مثلِ قولِه: «اللهُمَّ إنا نسألُكَ خيرَ هذه الريحِ (١)، وخيرَ ما أرسِلَتْ به، ونعوذُ بك من شرِّها، وشرِّ ما أرْسِلَتْ به» (٢). فهذه السنَّةُ في أسبابِ الخيرِ والشرِّ، فيفعلُ العبدُ عندَ هذه الأسبابِ ما علَّمه اللهُ. أما الأسبابُ التي تَخْفى؛ فليس العبدُ مأمورًا بأن يتكلفَ معرفتَه، بل يتقي اللهَ ويفعلُ ما أمره، ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾. وفي «سننِ أبي داودَ»: «مَن اقتبسَ شُعْبةً من النجومِ؛ فقد اقتبس شُعْبةً من السِّحرِ» (٣).

стр. 269

والسِّحرُ محرَّمٌ بالكتابِ والسنةِ والإجماعِ ، وذلك أن النجومَ التي من السحرِ نوعان: أحدُهما: علميٌّ؛ وهو الاستدلالُ بحركاتِ النجومِ على الحوادثِ؛ من جنسِ الاستقسامِ بالأزلامِ. والثاني: عمليٌّ؛ وهو الذي يقولون: إنه [ … ] (١) القوى معاً (٢)؛ السماويةِ بالقوى المنفعلةِ الأرضيةِ، كالطلاسِمِ ونحوِها؛ وهذا من أرفعِ أنواعِ السحرِ. وكلُّ ما حرَّمه اللهُ فضررُه أعظمُ من نفعِه. فالثاني وإن توهَّم المتوهِّمُ أن فيه تقدِمةً للمعرفةِ بالحوادثِ، وأن ذلك ينفعُ؛ فالجهلُ في ذلك أضعفُ، ومضرَّةُ ذلك أعظمُ، ولهذا فقد عُلِم بالتواترِ أن ما يحكمُ به المنجِّمون يكونُ الكذبُ فيه أضعافَ الصِّدقِ، وهم في ذلك من نوعِ الكهَّانِ. ولمَّا ناظرتُ بدمشقَ مَن حضَرني من رؤسائهم، وبيَّنتُ فسادَ صناعتِهم بالأدلةِ، قال لي: واللهِ إنا لَنَكْذِبُ مائةَ كذبةٍ حتى نصدُقَ في واحدةٍ. وذلك أن مبناها: على أن الحركاتِ العلويةَ هي السببُ في

стр. 270

الحوادثِ، والعلمُ بالسببِ يوجِبُ العلمَ بالمسبَّبِ، وهذا إنما يكونُ إذا عُلِم السببُ التامُّ، وهؤلاء أكثرُ ما يعلمون - إنْ علِموا- جزءًا يسيرًا من جملةِ الأسبابِ الكثيرةِ، ولا يعلمون بقيةَ الأسبابِ ولا الشروطَ ولا الموانعَ؛ مثلُ من يعلمُ أن الشمسَ في الصيفِ تعلو الرأسَ حين يشتدُّ الحرَّ، فيريدُ أن يعلمَ مِن هذا مثلًا: أنه حينئذ أن العنبَ الذي في الأرضِ الفُلانيةِ يصيرُ زَبيبًا؛ بناءً على أن هناك عنبًا، وأنه ينضجُ وينشرُه صاحبُه في الشمسِ وقتَ الحرِّ، فيتزبَّبُ. وهذا وإن كان يقعُ كثيرًا، لكن أخْذُ هذا من مجردِ حرِّ الشمسِ جهلٌ عظيمٌ؛ إذ قد يكونُ هناك عنبٌ وقد لا يكونُ، وقد يثمرُ ذلك الشجرُ وقد لا، وقد يؤكَلُ عنبًا وقد يُسرقُ، والدلالةُ على فسادِ هذه الصنعةِ وتحريمِها كثيرةٌ جدًّا. وقد روي: «من أتى عرَّافًا فسأله؛ لم تُقبَل صلاتُه أربعينَ يومًا» (١). والعرَّافُ: اسمٌ للكاهنِ والمنجِّمِ والرمَّالِ ونحوِهم ممن يتكلمُ في تقدِمةِ المعرفة بهذه الطرقِ. وأما إنكارُ بعضِ الناسِ أن يكونَ شيءٌ من حركاتِ الكواكبِ وغيرِها من الأسبابِ؛ فهو أيضًا قولٌ بلا علمٍ، بل النصوصُ تدلُّ على خلافِ ذلك، كما في السننِ: أن النبيَّ ﷺ نظر إلى عائشةَ، فقال: «يا عائشةُ تعوَّذي باللهِ من شرِّ هذا- يعني القمرَ-، فهذا الغاسقُ إذا وقَب» (٢)،

стр. 271

وحديثُ الكسوفِ حيث أخبر أن اللهَ يخوِّفُ بهما عبادَه، وأنهما لا يُخْسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه (١)، وإن كان موتُ بعضِ الناسِ قد يقتضي حدوثَ أمرٍ في السماواتِ؛ كما في الصحاح: «أنَّ عرشَ الرحمنِ اهتزَّ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ» (٢). وأما كونُ الكسوفِ أو غيرِه قد يكونُ سببًا لحادثٍ في الأرضِ من عذابٍ يقتضي موتًا أو غيرَه؛ فهذا قد أثبته الحديثُ، ولا ينافي ذلك كونُ الكسوفِ له وقتٌ محددٌ؛ أن يكونَ عندَ أجلِه يجعله اللهُ سببًا لما يقضيه من عذابٍ وغيرِه، كما أن تعذيبَه لمن عذَّبه بالريحِ الشديدةِ كان في الوقتِ المناسبِ؛ وهو آخِرُ الشتاءِ، وكان النبيُّ ﷺ إذا رأى مَخِيلةً- وهو السحابُ الذي يُخالُ فيه المطرُ- أقبل وأدبر وتغيَّرَ وجهُه، فقالت عائشةُ: إن الناسَ إذا رأوه استبشروا، فقال: «وما يؤمِّنُني وقد رأى قومُ عادٍ العذابَ فقالوا: ﴿عارضٌ ممطرُنا﴾، قال اللهُ: ﴿بل هو ما استعجلتم به﴾» (٣). وكذلك الأوقاتُ التي تنزلُ فيها الرحمةُ؛ كالعَشرِ الآخرِ، والأُوَل من ذي الحَجَّةِ، وجوفِ الليلِ، وغيرِ ذلك: هي أوقاتٌ محدودةٌ وتنزلُ فيها الرحمةُ ما لا تنزلُ في غيرِها. واعتقادُ أن نجمًا من النجومِ السبعةِ هو المتولي لسعدِ فلانٍ ونحسِه؛

стр. 272

اعتقادٌ فاسدٌ، وإن اعتقد أنه هو المدبِّرُ فهو كافرٌ، وخصوصًا إذا انضمَّ إلى ذلك دعاؤه والاستغاثةُ به؛ كان كفرًا وشركًا محضًا. وغايةُ من يقولُ ذلك يبْنيه على أن هذا الولدَ وُلِد بهذا الطالعِ، وهذا القدرُ يمتنعُ أن يكونَ وحدَه هو المؤثِّرَ في أحوالِ هذا المولودِ، بل غايتُه أن يكونَ جزءًا يسيرًا من جملةِ الأسبابِ، وهذا القدْرُ لا يوجِبُ (١)، بل الوالدان والبلدُ الذي هو فيه سببٌ محسوسٌ في أحوالِ الولدِ، ومع هذا فليس هذا مستقلًّا. ثم إن الأوائلَ من المنجِّمينَ المشرِكينَ؛ قيلَ: إنهم كانوا إذا وُلِد الولدُ سمَّوْه باسمٍ يدلُّ على الطالعِ، فإذا كبرَ سُئِل عن اسمِه؛ أخذ السائلُ حالَ الطالعِ، فجاء هؤلاءِ الطرقيةُ يسألون الرجلَ عن اسمِه واسمِ أمِّه، يزعُمونَ أنهم يأخذونَ من ذلك الدلالةَ على أحوالِه، وهذه ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ، منافيةٌ للعقلِ والدينِ. وأما اختباراتُهم؛ مثلُ أن يأخذوا للسفرِ: مثلًا أن يكونَ القمرُ في شرقِه؛ وهو السرطانُ، وألَّا يكونَ في هبوطِه؛ وهو العقربُ؛ فهو من هذا البابِ المذمومِ. ولما أراد عليٌّ أن يسافرَ لأجلِ الخوارجِ، عرَض له منجِّمٌ فقال: لا تسافرْ؛ فإن القمرَ في العقربِ، يُهْزمْ جيشُك، فقال: (بل نسافرُ توكلًا على الله، وتكذيبًا لك). فبُورِك له، وقتَل عامَّةَ الخوارجِ، وكان ذلك

стр. 273

من أعظمِ ما سُرَّ به؛ حيث كان قتالُه لهم بأمرِ النبيِّ ﷺ (١). وما يذكرُه بعضُ الناسِ أن النبيَّ قال: «لا تسافروا والقمرُ في العقربِ»؛ فكذبٌ مختلَقٌ باتفاقِ أهلِ الحديثِ. ومن قال: (إن هذه الصنعةَ مأخوذةٌ عن إدريسَ)؛ فهو قولٌ بلا علمٍ، ولكن في كتبِ هؤلاء: هرمس؛ ويزعمون أنه إدريسُ، والهرمسُ عندَهم اسمُ جنسٍ، ولهذا يقولون: هرمسُ الهرامسةِ. وتعلمُ أن ما عندَهم ليس مأخوذًا عن نبيٍّ من الأنبياءِ، ولو كان مأخوذًا عن إدريس؛ فإنه كان معجزةً له، وعِلمًا أعطاه اللهُ إياه، فيكونُ من العلومِ النبويةِ، وهؤلاء إنما يحتجُّون عليه بالتجربةِ والقياسِ، لا بقولِ أحدٍ من الأنبياءِ، ولو كان بعضُه مأخوذًا عن نبيٍّ؛ ففيه من الكذبِ والباطلِ أضعافُ ما فيه من المأخوذِ عن النبيِّ. ومعلومٌ أن اليهودَ والنَّصارى عندَهم من المأخوذِ عن الأنبياءِ ما هو أقلُّ كذبًا من هؤلاء؛ فإنَّا قد تيقنَّا قطعًا أن أصلَ دينِهم مأخوذٌ عن النبيِّ، ثم أخبرنا اللهُ أنهم قد حرَّفوا وكذَّبوا. فإذا كان هذا حالَ الوحيِ المحقَّقِ الذي هو أقربُ إلينا من إدريسَ؛ فما الظنُّ بهذا القدرِ إن كان فيه ما هو منقولٌ عن إدريسَ؟! فإنا نعلمُ أن فيه من الكذبِ والباطلِ أعظمَ مما في علومِ أهلِ الكتابِ، وقد ثبت عنه في «صحيحِ البخاريِّ» أنه قال: «إذا حدَّثَكم أهلُ الكتابِ؛ فلا

стр. 274

تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم» (١)، فكيف يجوزُ تصديقُ هؤلاء فيما يزعُمون أنه مأخوذٌ عن إدريسَ؛ مع أنهم أبعدُ عن علمِ الصِّدقِ وأهلِ الكتابِ؟! وأما علمُ الحسابِ؛ من معرفةِ أقدارِ الأفلاكِ والكواكبِ وصفاتِها ومقاديرِها وكذا؛ في الأصلِ علمٌ صحيحٌ لا ريبَ فيه؛ كمعرفةِ الأرضِ وصفاتِها، لكنْ جمهورُ الدقيقِ منه؛ كثيرُ التعبِ قليلُ الفائدةِ؛ كالعالمِ بمقاديرِ الدقائقِ والثواني والثوالثِ في حركاتِ السبعةِ المتحيِّرةِ؛ الخُنَّسِ الجَوارِي الكُنَّسِ، فهذا يمكنُ أن يكونَ أصلُه مأخوذاً عن إدريسَ، واللهُ أعلمُ بحقيقةِ ذلك، كما يقولُ ناسٌ: إن أصلَ الطبِّ مأخوذٌ عن بعضِ الأنبياءِ. وأما الأحكامُ التي هي من جنسِ السحرِ؛ فمن الممتنعِ أن يكونَ نبيٌّ من الأنبياءِ كان ساحرًا، ومنها ما هو دعاءٌ للكواكبِ وعبادةٌ لها، وأنواعٌ من الشركِ الذي يعلمُ كلُّ مَن آمن باللهِ ورسلِه بالاضطرار؛ أن نبيًّا من الأنبياءِ لم يأمرْ بشيءٍ من ذلك، وإضافةُ ذلك إلى نبيٍّ من الأنبياءِ؛ كإضافةِ مَن أضاف ذلك إلى سليمانَ لمَّا سخَّر اللهُ له الجنَ، فقال: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾. وكذلك الاستدلالُ على الحوادثِ بما يستدلون به من الحركاتِ العُلويةِ والاختيارِية؛ كلُّ هذا مما يُعلَمُ قطعًا أن نبيًّا من الأنبياءِ لم يأمرْ قط بهذا؛ إذ فيه من الكذبِ والباطلِ ما يُنَزَّهُ عنه العقلاءُ الذين هم دونَ الأنبياءِ.

стр. 275

قال إمامُ هؤلاء أبو نصرٍ الفارابيُّ ما مضمونُه: إنك لو قلبتَ أوضاعَ المنجِّمين فجعلتَ مكانَ السَّعدِ نحسًا ومكانَ النحسِ سعدًا، أو مكانَ الحارِّ باردًا ومكانَ الباردِ حارًّا، أو مكانَ الذَّكَرِ مؤنثًا ومكانَ المؤنثِ مذكَّرًا، وحكمتَ؛ لكان حكمُك من جنسِ أحكامِهم؛ تصيبُ تارةً وتخطئُ أخرى، وما كان بهذه المثابةِ فهم ينزِّهون عنه سقراطَ وأفلاطنَ وأرسطو وأصحابَه الفلاسفةَ، الذين يوجدُ في كلامِهم من الباطلِ ما هو أبطلُ مما يوجدُ في كلامِ اليهودِ والنصارى. قالَ: [إذا كانوا] (١) ينزهون الصابئين وأبناءهم الذين هم أقلُّ مرتبةً وأبعدُ عن معرفةِ الحقِّ من اليهودِ، فكيف يجوزُ نسبةُ ذلك إلى نبيٍّ كريمٍ؟! ونحن نعلمُ أنه قد أُضيفَ إلى جعفرٍ الصادقِ - وليس هو من الأنبياءِ - من جنسِ هذه الأمورِ؛ مما يعلمُه كلُّ عاقلٍ: أن جعفرًا الصادقَ مكذوبٌ عليه ذلكَ؛ حتى نسبوا إليه أحكامَ الحركاتِ السُّفليةِ، كاختلاجِ الأعضاءِ وحوادثِ الجوِّ من الرعدِ والبرقِ والهالةِ وقوسِ اللهِ الذي يقالُ له: قوسُ قُزَحَ، وأمثالِ ذلك، والعلماءُ يعلمون أنه بريءٌ من ذلك كلِّه. وكذلك يُنسَبُ إليه الجدولُ الذي يبني عليه الضَّلالَ طائفةٌ من الرافضةِ، وهو كذبٌ.

стр. 276

وكذلك أُضيف إليه كتابُ الجَفرِ (١) و «البطاقةِ» و «الهَفْتِ» حتى أُضيفَ إليه «رسائلُ إخوانِ الصَّفا» (٢)، وهذا في غايةِ الجهلِ؛ فإن الرسائلَ إنما وُضِعت بعد موتِه بأكثرَ من مائتي سنةٍ؛ فإنه توفي سنةَ ثمانٍ وأربعين ومائةٍ، والرسائلُ وُضِعتْ في دولةِ بني بُوَيْهٍ في أثناءِ المائةِ الرابعةِ في أوائلِ دولةِ بني عبيدٍ؛ الذين بنوا القاهرةَ، وضعها جماعةٌ وزعموا أنهم جمعوا بها بينَ الشريعةِ والفلسفةِ، فضلُّوا وأضلُّوا. وكذلك كثيرٌ من التفسيرِ كذبٌ عليه.

стр. 277

وكذلك كثيرٌ من المذاهبِ الباطلةِ يَحْكيها عنه الرافضةُ، وهي من أبينِ الكذبِ عليه. وأولُ مَن ابتدعَ الرفضَ عبدُ اللهِ بنُ سبأٍ، كان منافقًا زنديقًا، أراد فسادَ دينِ المسلمين، كما فعل بولصُ صاحبُ الرسائلِ التي بأيدي النصارى؛ حيثُ ابتدعَ لهم بدعًا أفسد بها دينَهم، وكان يهوديًّا، فأظهر النصرانيةَ نفاقًا لقصدِ إفسادِ ملَّتِهم. وكذلك كان ابنُ سبأٍ يهوديًّا، فقصد ذلك وسعى في الفتنةِ، فلم يتمكنْ، لكن حصل بينَ المؤمنين تحريشٌ وفتنةٌ قُتِل فيها عثمانُ ﵁، ولله الحمدُ فلم تجتمعْ هذه الأمَّةُ على الضَّلالةِ، بل لا تزال طائفةٌ منهم ظاهرين على الحقِّ حتى تقومَ الساعةُ. ولما حدثتْ البِدعُ الشيعيةُ في خلافةِ عليٍّ ﵁، وكانت ثلاثَ طوائفَ: غاليةٌ، وسبَّابة، ومفضِّلةٌ. فحرَّق الغاليةَ لما خرج إليهم من بابِ كِنْدةَ، فسجدوا له، فقال: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو اللهُ. فخَدَّ الأخاديدَ وأضْرَم فيها النارَ، ثم قذفهم فيها وقال: لَمَّا رَأَيْتُ الأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرَا أَجَّجْتُ نَارِي وَدَعْوتُ قَنْبَرَا (١)

стр. 278

وأما السبابةُ؛ فلما بلغه أن ابنَ سبأٍ يسُبُّ أبا بكرٍ وعمرَ؛ طلب قتلَه، فهرب إلى قَرْقِيسياءَ (١)، وكان عليٌّ يُداري؛ لأنه لم يكُنْ متمكِّنًا (٢). وأما المفضِّلةُ؛ فقال: «لا أُوتَى بأحدٍ يفضِّلُني على أبي بكرٍ وعمرَ إلا جلدتُه جلدَ المفتري» (٣). وأضافتْ إليه القرامطةُ والباطنيةُ والخُرَّميَّةُ والمَزْدَكيَّةُ (٤) والإسماعيليةُ والنُّصيريةُ مذاهبَها التي هي من أفسدِ مذاهبِ العالمِ. فإذا كان هذا في الزمنِ القريبِ، الذي هو أقلُّ من سبعِ مائةِ؛ قد كُذِبَ على أهل بيتِه وأصحابِه وغيرِهم، وأُضيفَ إليهم من مذاهبِ الفلاسفةِ والمنجِّمين ما يعلمُ كلُّ عاقلٍ براءتَهم منه، ونفَق ذلك على

стр. 279

طوائفَ كثيرةٍ منتسبة إلى هذه الملةِ، مع وجودِ من يبيِّنُ كذبَ هؤلاء وينهى عن ذلك، ويذُبُّ عن المسألةِ بالقلبِ والبدنِ واللسانِ، فكيف الظنُّ بما يُضافُ إلى إدريسَ أو غيرِه من الأنبياءِ من أمورِ النُّجومِ والفلسفةِ، مع تطاولِ الزمانِ وتنوُّعِ الحدَثانِ، واختلافِ المِلَلِ والأديانِ، وعدمِ من يبيِّنُ ذلك بحجةٍ أو برهانٍ، واشتمالِ ذلك على ما لا يُحْصى من الكذبِ والبُهتانِ. وكذلك دعوى المدَّعي: أن نجمَ النبيِّ ﷺ بالعقربِ والمِريخِ، ونجمَ أمتِه بالزُّهَرةِ، ونجمَ النصارى بالمُشْتري؛ مع قولِهم: إن المشتريَ يقتضي العلمَ والدينَ، والزُّهَرةَ تقتضي اللهوَ واللعبَ، وكلُّ عاقلٍ يعلم أن النصارى أعظمُ المللِ جهلًا وضلالةً، وأكثرُهم اشتغالًا بالملاهي. والفلاسفةُ متفقون على أنه ما قرَع العالَمَ ناموسٌ أعظمُ من الناموسِ الذي جاء به محمدٌ ﷺ ، وأمتُه أكملُ الأممِ عقلًا ودينًا وعلمًا؛ باتفاقِ الفلاسفةِ، حتى فلاسفةِ اليهودِ والنصارى؛ وإنما يمكثُ أحدُهم على دينِه لهواه، أو ظنًّا منه أنه يجوزُ التمسُّكُ بأيِّ ملةٍ كانت كالمذاهبِ، فإن جمهورَ الفلاسفةِ من المنجِّمين وأمثالِهم يقولون ذلك، فظهر جهلُهم على اعتقادِهم وصنعتِهم؛ فإن المسلمين باتفاقِ كلِّ ذي عقلٍ أولى بالعلمِ والدينِ والعقلِ والعدلِ مما يناسبُ عندَهم آثارَ المُشْتري، والنصارى أبعدُ عن ذلك مما يناسبُ عندَهم آثارَ الزُّهَرةِ. فما ذكروه ظاهرُ الفسادِ؛ حتى إن كبيرَ الفلاسفةِ الذي يسمُّونه بفيلسوفِ الإسلامِ يعقوبَ بنَ إسحاقَ الكِنديَّ عمِل تسييرًا لهذه الأمةِ،

стр. 280

وزعم أنها تنقضي عامَ ثلاثٍ وتسعين وستمائةٍ، وزعم من زعم: أنه استخرج ذلك من حسابِ الجُمَّلِ الذي للحروفِ التي في أوائلِ السُّورِ، وهي مع حذْفِ التكريرِ أربعةَ عشرَ حرفًا، وحسابُها في الجمَّلِ الكبيرِ ستُّمائةٍ وثلاثة وتسعون. وهذا أيضًا مما ذُكر في التفسير: أنه لما نزل ﴿ألم﴾ قال بعضُ اليهودِ: بقاءُ هذه الملَّةِ أحدٌ وثلاثون، فلما نزل ﴿الر﴾ و ﴿الم﴾ قالوا: خلَّطَ علينا (١). وهذه الأمورُ وأشباهُها خارجةٌ عن دينِ الإسلامِ، محرَّمةٌ يجبُ إنكارُها والنهيُ عنها على المسلمين، على كلِّ قادرٍ بالعلمِ والبيانِ واليدِ واللسانِ، فإن ذلك من أعظمِ ما أوجبه اللهُ من الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، وهؤلاء أعداءُ الرسلِ وسُوسُ الملل (٢)، ولا ينفُقُ الباطلُ إلا بشَوبِ حقٍّ؛ فيحصلُ بذلك فتنةٌ في الدِّينِ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ.

стр. 281

بَابٌ فِي الاسْتِسْقَاءِ تحويلُ ردائِه ليتحوَّلَ القَحْطُ: من الناس من قال: إن اليدَ لا تُرفعُ في الدعاءِ إلا في الاستسقاءِ، وتركوا رفعَ اليدين في سائرِ الأدعيةِ. ومنهم من فرَّق بينَ دعاءِ الرَّغبةِ ودعاءِ الرَّهْبةِ؛ فقال: في دعاءِ الرَّغْبةِ يجعلُ ظاهرَ كفَّيه إلى السماءِ وبطنَهما إلى الأرضِ (١)، وفي دعاءِ

стр. 282

الرَّهْبةِ بالعكسِ يجعلُ ظاهرَهما إلى السماءِ وباطنَهما (١) إلى الأرضِ، وقالوا: الراغبُ كالمستطعِمِ، والراهبُ كالمستجيرِ. والصحيحُ: الرفعُ مطلقًا؛ فقد تواتر عنه كما في الصحاحِ أن الطُّفَيلَ قال: يا رسولَ اللهِ إن دَوْسًا قد عصَتْ وأبَتْ، فادْعُ عليهم، فاستقبَل القِبلةَ ورفع، وقال: «اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وائْتِ بهم» (٢)، وفي «الصحيحينِ»: لما دعا لأبي عامرٍ رفَع يديه (٣)، وفي حديث عائشةَ: «لما دعا لأهل البَقيعِ فرفع يديه ثلاثَ مراتٍ» رواه مسلمٌ (٤)، وفيه أيضًا: أنه رفع يديه فقال: «اللهُمَّ أمَّتي أمَّتي»، وفي آخرِه: «إن اللهَ قال: إنا سنُرضيكَ في أمتِكَ ولا نَسوؤُكَ» (٥)، وفيه: أنه لمَّا نظر إلى المشركين وهمْ ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُمائةٍ؛ مدَّ يديه وجعل يهتِفُ بربِّه، فما زال يهتِفُ بربِّه مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكِبَيه … الحديثَ (٦). وفي حديثِ قيسِ بنِ سعدٍ: فرفع يديه وهو يقولُ: «اللهُمَّ اجعلْ

стр. 283

صلواتِك ورحمتَك على آل سعدِ بنِ عُبادةَ» (١). وبعث جيشًا فيه عليٌّ، فرفع يديه وقال: «اللهُمَّ لا تُمِتْني حتى تُرِيَني عليًّا» (٢). ولما كان أسامةُ رَديفَه قال: فرفع يديه يدعو، فسقَط خِطامُ الناقةِ، فتناوله بإحدى يديه وهو رافعٌ الأخرى (٣)، وفي حديثِ القنوتِ: رفع يديه يدعو عليهم. رواه البيهقيُّ (٤)، والأولُ أبو داودَ وغيرُه (٥). وروى عنه أنسٌ، قال: «كان النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يدَيْه في شيءٍ من دعائِه إلا في الاستسقاءِ» أخرجاه في «الصحيحينِ»، فيه: «فإنه كان يرفعُ يدَيْه حتى يُرى بياضُ إبْطَيهِ» (٦). والجمعُ بينَ حديثِ أنسَ وسائرِ الأحاديثِ: ما قالَه طوائفُ من العلماءِ، وهو أنَّ أنساً ذكرَ الرفعَ الشديدَ الذي يُرى فيه بياض إبطيه، وتنحني فيه يدَيْه.

стр. 284

وهذا هو الذي سمَّاه ابنُ عباسٍ: الابتهالَ (١)، وجعلَ المراتبَ ثلاثةً: الإشارةُ بإصبَعٍ واحدةٍ؛ كما كان يفعلُ يومَ الجمعةِ على المنبَرِ. والثانيةُ: المسألةُ؛ وهو أن تجعلَ يدَيْك حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ؛ كما في أكثرِ الأحاديثِ. والثالثة (٢): الابتهالُ؛ وهو الذي ذكره أنسٌ؛ ولهذا قال: كان يرفع يديه حتى يُرى بياضُ إبْطَيه؛ وهذا الرفعُ إذا اشتد، كان بطونُ يديه مما يلي وجهَه والأرضَ، وظهورُهما مما يلي السماءَ (٣). وقد يكون أنسٌ أراد بالرفعِ على المنبرِ يومَ الجمعةِ - كما في «مسلمٍ» وغيرِه -: «أنه كان لا يَزيدُ على أن يرفَعَ إصبَعَه المسبِّحةَ» (٤).

стр. 285

وفي هذه المسألةِ قولانِ، هما وجهانِ في مذهبِ أحمدَ؛ في رفع الخطيب يديه: قيل: يستحَبُّ؛ قاله ابنُ عَقيلٍ. وقيل: لا يستحبُّ بل يكره؛ وهو أصحُّ. قال إسحاقُ بنُ راهَوَيْهِ: هو بدعةٌ للخاطبِ، إنما كان النبيُّ ﷺ يشيرُ بإصبَعِه إذا دعا. وأما في الاستسقاءِ لما استسقى على المنبرِ؛ رفع يدَيْه؛ كما رواه البخاريُّ عن أنسٍ، فقد روى أنس هذا الحديثَ: أنه استسقى بهم يومَ الجمعةِ على المنبرِ ورفَع يدَه (١)، وقد ثبَت أنه لم يكُنْ يرفعُ يدَيْه على المنبرِ في غيرِ الاستسقاءِ (٢)، فيكونُ أنسٌ أراد هذا المعنى؛ لا سيَّما وقد كان عبدُ الملكِ أحدثَ رفعَ الأيدي على المنبرِ، وأنسٌ أدرك هذا العصرَ، وقد أنكر ذلك على عبدِ الملكِ [غضيفُ] (٣) بنُ الحارثِ،
следующие страницы →