← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بَابٌ فِي الاسْتِسْقَاءِ تحويلُ ردائِه ليتحوَّلَ القَحْطُ: من الناس من قال: إن اليدَ لا تُرفعُ في الدعاءِ إلا في الاستسقاءِ، وتركوا رفعَ اليدين في سائرِ الأدعيةِ. ومنهم من فرَّق بينَ دعاءِ الرَّغبةِ ودعاءِ الرَّهْبةِ؛ فقال: في دعاءِ الرَّغْبةِ يجعلُ ظاهرَ كفَّيه إلى السماءِ وبطنَهما إلى الأرضِ (١)، وفي دعاءِ

стр. 282

الرَّهْبةِ بالعكسِ يجعلُ ظاهرَهما إلى السماءِ وباطنَهما (١) إلى الأرضِ، وقالوا: الراغبُ كالمستطعِمِ، والراهبُ كالمستجيرِ. والصحيحُ: الرفعُ مطلقًا؛ فقد تواتر عنه كما في الصحاحِ أن الطُّفَيلَ قال: يا رسولَ اللهِ إن دَوْسًا قد عصَتْ وأبَتْ، فادْعُ عليهم، فاستقبَل القِبلةَ ورفع، وقال: «اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وائْتِ بهم» (٢)، وفي «الصحيحينِ»: لما دعا لأبي عامرٍ رفَع يديه (٣)، وفي حديث عائشةَ: «لما دعا لأهل البَقيعِ فرفع يديه ثلاثَ مراتٍ» رواه مسلمٌ (٤)، وفيه أيضًا: أنه رفع يديه فقال: «اللهُمَّ أمَّتي أمَّتي»، وفي آخرِه: «إن اللهَ قال: إنا سنُرضيكَ في أمتِكَ ولا نَسوؤُكَ» (٥)، وفيه: أنه لمَّا نظر إلى المشركين وهمْ ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُمائةٍ؛ مدَّ يديه وجعل يهتِفُ بربِّه، فما زال يهتِفُ بربِّه مادًّا يديه حتى سقط رداؤه عن منكِبَيه … الحديثَ (٦). وفي حديثِ قيسِ بنِ سعدٍ: فرفع يديه وهو يقولُ: «اللهُمَّ اجعلْ

стр. 283

صلواتِك ورحمتَك على آل سعدِ بنِ عُبادةَ» (١). وبعث جيشًا فيه عليٌّ، فرفع يديه وقال: «اللهُمَّ لا تُمِتْني حتى تُرِيَني عليًّا» (٢). ولما كان أسامةُ رَديفَه قال: فرفع يديه يدعو، فسقَط خِطامُ الناقةِ، فتناوله بإحدى يديه وهو رافعٌ الأخرى (٣)، وفي حديثِ القنوتِ: رفع يديه يدعو عليهم. رواه البيهقيُّ (٤)، والأولُ أبو داودَ وغيرُه (٥). وروى عنه أنسٌ، قال: «كان النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يدَيْه في شيءٍ من دعائِه إلا في الاستسقاءِ» أخرجاه في «الصحيحينِ»، فيه: «فإنه كان يرفعُ يدَيْه حتى يُرى بياضُ إبْطَيهِ» (٦). والجمعُ بينَ حديثِ أنسَ وسائرِ الأحاديثِ: ما قالَه طوائفُ من العلماءِ، وهو أنَّ أنساً ذكرَ الرفعَ الشديدَ الذي يُرى فيه بياض إبطيه، وتنحني فيه يدَيْه.

стр. 284

وهذا هو الذي سمَّاه ابنُ عباسٍ: الابتهالَ (١)، وجعلَ المراتبَ ثلاثةً: الإشارةُ بإصبَعٍ واحدةٍ؛ كما كان يفعلُ يومَ الجمعةِ على المنبَرِ. والثانيةُ: المسألةُ؛ وهو أن تجعلَ يدَيْك حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ؛ كما في أكثرِ الأحاديثِ. والثالثة (٢): الابتهالُ؛ وهو الذي ذكره أنسٌ؛ ولهذا قال: كان يرفع يديه حتى يُرى بياضُ إبْطَيه؛ وهذا الرفعُ إذا اشتد، كان بطونُ يديه مما يلي وجهَه والأرضَ، وظهورُهما مما يلي السماءَ (٣). وقد يكون أنسٌ أراد بالرفعِ على المنبرِ يومَ الجمعةِ - كما في «مسلمٍ» وغيرِه -: «أنه كان لا يَزيدُ على أن يرفَعَ إصبَعَه المسبِّحةَ» (٤).

стр. 285

وفي هذه المسألةِ قولانِ، هما وجهانِ في مذهبِ أحمدَ؛ في رفع الخطيب يديه: قيل: يستحَبُّ؛ قاله ابنُ عَقيلٍ. وقيل: لا يستحبُّ بل يكره؛ وهو أصحُّ. قال إسحاقُ بنُ راهَوَيْهِ: هو بدعةٌ للخاطبِ، إنما كان النبيُّ ﷺ يشيرُ بإصبَعِه إذا دعا. وأما في الاستسقاءِ لما استسقى على المنبرِ؛ رفع يدَيْه؛ كما رواه البخاريُّ عن أنسٍ، فقد روى أنس هذا الحديثَ: أنه استسقى بهم يومَ الجمعةِ على المنبرِ ورفَع يدَه (١)، وقد ثبَت أنه لم يكُنْ يرفعُ يدَيْه على المنبرِ في غيرِ الاستسقاءِ (٢)، فيكونُ أنسٌ أراد هذا المعنى؛ لا سيَّما وقد كان عبدُ الملكِ أحدثَ رفعَ الأيدي على المنبرِ، وأنسٌ أدرك هذا العصرَ، وقد أنكر ذلك على عبدِ الملكِ [غضيفُ] (٣) بنُ الحارثِ،

стр. 286

فيكونُ هو أَخبرَ بالسنَّةِ التي أخبر بها غيرُه؛ من أن النبيَّ لم يكنْ يرفعُ يدَه- يعني: على المنبرِ- إلا في الاستسقاءِ. وهذا يبيِّنُ أن الاستسقاءَ مخصوصٌ بمزيدِ الرفعِ؛ وهو الابتهالُ الذي ذكره ابنُ عباسٍ. فالأحاديثُ تأتلِفُ ولا تختلفُ، ومن ظنَّ أن النبيَّ ﷺ في الرفعِ المعتدلِ جعَل ظهر كفَّيه إلى السماءِ، فقد أخطأ. وكذلك مَن ظنَّ أنه قصَد توجيهَ ظهرِ يديه إلى السماءِ، فإنه نهى، فقال: «إذا سألتم اللهَ فسلوه ببطونِ أكُفِّكم، ولا تسألوه بظهورِها» أخرجه أبو داودَ؛ قال: وهو من غيرِ وجهٍ واهيةٌ (١). ورويَ أحاديثُ أخرُ في أبي داودَ وغيرِه (٢). وبالجملةِ؛ فهذا الرفعُ الذي استفاضت به الأحاديثُ، وعليه الأئمةُ والمسلمون مِن زمنِ نبيِّهم إلى هذا التاريخِ. وحديثُ أنسٍ تقدم أنه لشدةِ الرفعِ انحنَتْ يده؛ فصار كفُّه مما يلي السماءَ لشدةِ الرفعِ؛ لا قصدًا لذلك، كما جاء أنه رفعهما حِذاءَ وجهِه، وتقدم حديثُ أنسٍ، ففيه: أنه رآه يدعو بباطنِ كفَّيه وظاهرِهما.

стр. 287

فهذه ثلاثةُ أنواعٍ في هذا الرفعِ الشديدِ: رفعُ الابتهالِ يذكرُ فيه أن بطونَها مما يلي وجهَه؛ وهذا أشدُّ، وتارةً يذكرُ هذا وهذا؛ فتبيَّن بذلك أنه لم يقصِدْ في هذا الرفعِ الشديدِ لا ظهرَ اليدِ ولا بطنَها؛ لأن الرفعَ إذا قوِيَ تبقى أصابعُها نحوَ السماءِ مع نوعٍ من الانحناءِ؛ الذي يكونُ فيه هذا تارةً وهذا تارةً. وأما إذا قصد توجيهَ بطنِ اليدِ أو ظهرِها؛ فإنما كان يوجهُ بطنها، وهذا في الرفعِ المتوسطِ الذي هو رفعُ المسألةِ التي يمكنُ فيه القصدُ، ورفعُ ما يختارُ من البطنِ أو الظَّهرِ؛ بخلافِ الرفعِ الشديدِ الذي يُرى بياضُ إبْطَيه، فلا يمكنُ فيه توجيهُ باطنِها، بل تنحني قليلًا بحسَبِ الرفعِ؛ فبهذا تتآلفُ الأحاديثُ وتظهرُ السنَّةُ. فَصْلٌ (١) والسماواتُ مستديرةٌ عندَ علماءِ المسلمين؛ حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ مثلُ أبي الحسينِ أحمدَ بنِ جعفرٍ المنادي من الطبقةِ الثانيةِ، وأبي محمدِ بنِ حزمٍ، وابنِ الجوزيِّ. والاستِسْرارُ: اجتماعُ القُرْصَينِ، فظنَّ طائفةٌ من الجهَّال أنهم يضبطونَ وقتَ طلوعِ الهلالِ لمعرفتِهم وقتَ ظهورِه بعدَ استِسْرارِه، بمعرفةِ بُعدِه (٢) عن الشمسِ بعدَ مفارقتِها وقتَ الغروبِ وضبطِهم «قوسَ

стр. 288

الرؤيةِ»؛ وهو الخطُّ المفروضُ مستديرًا -قطعة من دائرةٍ- وقتَ الاستهلالِ؛ فإنَّ هذه دعوى باطلةٌ، اتفقَ علماءُ الشريعةِ على تحريمِ العملِ بذلك في الهلالِ؛ واتفق علماءُ الحسابِ العقلاءُ على أن معرفةَ ظهورِ الهلالِ لا يُضبطُ بالحسابِ ضبطًا (١) قطُّ، ولم يتكلمْ فيه إلا قومٌ من المتأخِّرينَ تقريبًا، وذلك ضلالٌ عن دينِ اللهِ وتغييرٌ له، شبيهٌ بضلالِ اليهودِ والنصارى عما أُمِروا به مِن الهلالِ إلى غاية الشمسِ وقتَ اجتماعِ القُرْصينِ، وليس الشهورَ الهلاليةَ، ونحو ذلك من النسيءِ الذي كان في العرب زيادةً في الكفرِ. فمن أخذ علمَ الهلالِ بالحسابِ؛ فهو فاسدُ العقلِ والدِّينِ، وإذا صحَّحَ الحاسب؛ فأكثرُ ما يمكنُه ضبطُ المسافةِ التي بينَ الشمسِ والقمرِ وقتَ الغروبِ مثلًا، وهو الذي يُسمَّى بُعْدَ القمرِ عن الشمسِ، أما كونُه يُرى أو لا يُرى لا يعلمُ بذلك؛ فإنَّ الرؤيةَ تختلفُ بعلوِّ الأرضِ وانخفاضِها وصفاءِ الجوِّ، ولذلك لم يتفقوا على قوسٍ واحدٍ للرؤيةِ، بل اضطربوا فيه كثيرًا، ولا أصلَ له، وإنما مرجِعُه إلى العادةِ، وليس لها ضابطٌ حسابيٌّ، فمنهم من ينقُصُه عن عشرِ درجاتٍ، ومنهم من يَزيدُ، وفي الزيادةِ والنقصِ أقوالٌ متقابلةٌ.

стр. 289

كِتَابٌ فِي الصَّلَاةِ الحُكْمُ فِيمَنْ تَرَكَهَا قال عمرُ ﵁: «الجمعُ بينَ الصَّلاتينِ من غيرِ عُذْرٍ من الكبائرِ» (١)، ورواه التِّرْمِذيُّ مرفوعًا، وقال: (العملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ والأثرِ) (٢). وتفويتُ العصرِ أعظمُ من تفويتِ غيرها؛ فإنها الوُسْطى، وعُرِضَتْ على مَن كان قبلَنا فضيَّعوها، ومن حافَظ عليها فله الأجرُ مرَّتَينِ (٣)، ولما فاتت سليمانَ فعل بالخيلِ ما فعل (٤)، وفي «الصحيحِ»: «من فاتَتْه صلاةُ العصرِ حَبِطَ عملُه» (٥)، و: «وُتِرَ أهلُه ومالُه» في حديثٍ آخرَ (٦). وكذلك كلُّ مَن أخَّر صلاةً عن وقتِها، فقد أتى بابًا من الكبائرِ. وكذلك من ترك الطهارةَ أو القبلةَ، أو ترك فيها ركوعًا، أو سجودًا،

стр. 290

أو القراءةَ الواجبةَ، أو غيرَ ذلك متعمِّدًا؛ فقد فعل كبيرةً، بل تُنوزِعَ في كُفْرِه إذا لم يستحلَّ ذلك، أما لو استحلَّه؛ فقد كفَرَ بلا ريبٍ. ولا نزاعَ أنه إذا عَلِم العادمُ للماءِ أنه يجدُه بعدَ الوقتِ؛ لم يجزْ له تأخيرها ليصليها بعد الوقت بوضوء، وكذا العاجز عن الركوعِ أو السجودِ إذا علمَ أنه بعدَ الوقتِ يمكنُه أن يفعلَ ذلك؛ كان الواجبُ عليه أن يصلِّيَ في الوقتِ بحسَبِ إمكانِه. ومن قال: (يجوزُ تأخيرٌ لمشتغِلٍ بشرطِها)؛ فهذا لم يقُلْه قبلَه أحدٌ من أصحابِنا، بل ولا من سائرِ طوائفِ المسلمين إلا أن يكونَ بعضَ الشافعيةِ، فهذا أشكُّ فيه، ولا ريبَ أنه ليس على عمومِه وإطلاقِه بإجماع المسلمين، وإنما أراد صوراً معروفةً؛ كما إذا أمكنَ الوصولُ إلى البئرِ بعد (١) أن يصنعَ حبلًا يستقي به لا يفرغُ إلا بعدَ الوقتِ، أو أمكن العُريانَ أن يَخيطَ له ثوبًا لا يفرُغُ منه إلا بعدَ الوقتِ، ونحوِ هذه الصورِ. ومعَ ذلك؛ فالذي قالوه في ذلك خلاف المذهبِ المعروفِ عن أحمدَ وأصحابِه وغيرِهم؛ إلا من ذكرناه، وهو محجوجٌ بإجماع المسلمين؛ فإنه لو دخل الوقتُ وأمكنه أن يطلبَ الماءَ ويجدَه بعدَ الوقتِ؛ لم يجُزْ له التأخيرُ باتفاقِ المسلمينَ، وإن كان مشتغِلًا بالشرطِ، وكذلك العريانُ لو أمكنه أن يذهبَ إلى قريةٍ يشتري له ثوبًا، ولا يصلِّيَ إلا بعدَ خروجِ الوقتِ؛ لم يجُزْ له التأخيرُ بلا نزاعٍ.

стр. 291

وكذلك مَن لا يتعلمُ الفاتحةَ إلا بعدَ الوقتِ، والتكبيرَ والتشهدَ إذا ضاق الوقتُ، وكذلك المستحاضةُ إذا كان دمُها ينقطعُ بعدَ الوقتِ؛ فكلُّ هؤلاءِ يصلُّونَ في الوقتِ بحسَبِ الحالِ، ولا يجوزُ لهم التأخيرُ. وأما من يُجَمِّعُ فهو لم يؤخِّرْ عن الوقتِ المشروعِ (١)، بل لا يحتاجُ الجمعُ إلى نيةٍ، ولا القصرُ في أحد القولين؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والجمهورِ. وكذا صلاةُ الخوفِ تُفعَلُ في الوقتِ بحَسَبِ الحالِ، ولا تؤخَّرُ لتُفعلَ تامةً. وكذا من اشتَبَهَتْ عليه القبلةُ لا يؤخِّرُها حتى يسألَ بعدَ الوقتِ، بل يُصلي على حسَبِه بالاجتهادِ. وإنما نزاعُ الناسِ فيما إذا أمكنه التعلمُ بدلائلِ القبلةِ، ولكن يخرجُ الوقتُ؛ وهذا هو القولُ المحدَثُ الشاذُّ الذي تقدَّمَ. وإنما النزاعُ المعروفُ: فيما إذا استيقظ النائمُ في آخرِ الوقتِ، ولم يمكنْه أن يصلِّيَ قبلَ خروجِ الوقتِ بوضوءٍ؛ هل يصلِّي بالتيمُّمِ، أو يتوضأُ ويصلِّي بعدَ الوقتِ؟ على قولينِ، الأولُ: قولُ مالكٍ؛ مراعاةً للوقتِ، والثاني: قولُ الأكثرينَ (٢). ومن هنا توهَّمَ قومٌ أن الشرطَ مقدَّمٌ على الوقتِ، وليس كذلك فإن

стр. 292

الوقتَ في حقِّ النائمِ حينَ يستيقظُ، فليس في النومِ تفريطٌ؛ بخلافِ المستيقِظِ. وقد نصَّ جمهورُ العلماءِ: على أنه إذا ضاق الوقتُ ولم يُصَلِّ؛ قُتِلَ ولو قال: أنا أقضيها؛ كما إذا قال: أنا أُصَلِّي بغيرِ وضوءٍ، أو ترك فرضًا مُجمَعًا عليه، قُتِلَ، ولا يقتلُ حتى يُستتابَ. وهل هي واجبةٌ، أو مستحبةٌ، أو هي مؤقتةٌ بثلاثةِ أيامٍ؟ فيه نزاعٌ. وهل يُقتلُ بصلاةٍ، أو ثلاثةٍ؟ على روايتينِ. وهل يُشترطُ ضيقُ وقتِ التي بعدَها، أو يكفي ضيقُ وقتِها؟ على وجهينِ، ووجهٌ ثالثٌ: الفرقُ بين صلاتَيِ الجمعِ وغيرِها (١). ومن لا يعتقدُ وجوبَ الصلاةِ عليه ؛ فهو في الباطنِ كافرٌ، وتجري في الظاهرِ عليه أحكامُ الإسلامِ؛ كالمنافقينَ، وإن لم يكُنْ في الباطنِ مُكذِّبًا للرسولِ، لكنْ مُعْرِضٌ عما جاء به، لا يخطُرُ بقلبِه الصلاةُ هل

стр. 293

هي واجبةٌ أو ليست واجبةً، وإن خطَر ذلك له، أعرض عنه واشتغل بأمورِه وشهواتِه عن أن يعتقدَ الوجوبَ ويعزِمَ على الفعلِ، فهؤلاء وإن صلَّوا؛ لم تُقبَلْ صلاتُهم. وإذا تاب فاعتقد الوجوبَ وعزَم على الفعلِ؛ كان بمنزلةِ مَن تاب من الزكاةِ، فأصحُّ قولَيِ العلماءِ وأكثرِهم: لا يوجبُ عليهِ قضاءَ ما تركه قبلَ الإسلامِ من صلاةٍ وغيرِها، ولهذا لم يكُنِ النبيُّ ﷺ يأمرُ من تاب من المنافقين بإعادةِ ما فعلوه، أو تركوه، ولا أمَر المرتدِّينَ الذين تابوا بقضاءِ ما تركوه حالَ الردَّةِ؛ وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحمدَ في الظاهرِ عنه، ومذهبُ الشافعيِّ: القضاءُ. وبنَوْه على أنه: هل يحبَطُ عملُه بنفْسِ الرِّدَّةِ، أو بها مع الموتِ عليها؟ وفيه كلامٌ ليس هذا موضعَه. وأما الذي (١) تركها تكاسُلًا مع اعتقادِه وجوبَها؛ فيجبُ عليه القضاءُ عندَ الجمهورِ، وعندَ بعضِهم: لا يجبُ إذا تاب؛ بخلافِ النائمِ أو الناسي؛ فيقضي بالإجماعِ. وتاركُ الصلاةِ يجبُ أن يُستتابَ، فإن تاب وإلا عُوقب عقوبةً شديدةً؛ إلى أن يصليَ بإجماعِ المسلمينَ، وأكثرُهم يقتلُه؛ إما كفرًا، أو حدًّا، على قولينِ لأحمدَ، ومالكٍ، والشافعيِّ.

стр. 294

فَصْلٌ (١) يجبُ على الإنسانِ أن يأمرَ بالصلاةِ كلَّ مَن يقدِرُ على أمرِه إذا لم يقُمْ به غيرُه، فإن لم يأمرْه عُزِّرَ تعزيرًا بليغًا، ولم يستحقَّ أن يكونَ من جندِ المسلمينَ، بل من جند التتار، فإنهم يتكلمون بالشهادتين ويجوز قتالهم، بل يجب بإجماع المسلمين. ويأمرُ زوجتَه ويحُضُّها بالرغبةِ والرهبةِ، فإن أصرَّتْ على تركِ الصلاةِ طلَّقَها في الصحيحِ. ومن ترك الزكاةَ أُخِذت منه قهرًا ، فإن غيَّبَ مالَه قُتِل في أحدِ قولَيِ العلماءِ، وفي الآخرِ: لا يزالُ يُضرَبُ ضربًا بعدَ ضربٍ حتى يُظهِرَ مالَه، فتُؤخَذَ منه الزكاةُ. ومن عُرِف حالُه ؛ فينبغي أن يهجُرَه فلا يسلِّمَ عليه، ولا يجيبَ دعوتَه، ولا يعاشرَه، ويوبِّخَه ويغلُظَ عليه حتى يقيمَ الصلاةَ، ويؤتيَ الزكاةَ. ولا نفقةَ للزوجةِ مُدَّةَ تركِها الصلاةَ، وإن هجَرها وامتنَع مِن وَطْئِها كان محسنًا.

стр. 295

ويجوزُ أن يقالَ عنه: إنه تاركٌ للصلاةِ، بل ينبغي أن يُشاعَ عنه ذلك حتى يصلِّيَ. وكلُّ طائفةٍ ممتنعةٍ عن شريعةٍ من شرائعِ المسلمينَ الظاهرةِ المعلومةِ؛ يجبُ قتالُها ولو تشهَّدوا، مثلُ: ألَّا يصلُّوا، أو لا يزكوا، أو لا يصوموا، أو لا يحُجُّوا البيتَ، أو قالوا: نفعلُ هذا، ولا ندعُ الخمرَ، ولا الزِّنى، أو الربا، أو الفواحشَ، أو لا نجاهدُ، أو لا نضربُ الجزيةَ، ونحوَ ذلك، قوتلوا حتى يكونَ الدينُ كلُّه للهِ.

стр. 296

كِتَابُ الجَنَائِزِ كان الميتُ على عهدِ رسولِ اللهِ يخرجُ به الرجالُ يحمِلونَه إلى المقبُرةِ يُسْرعونَ، عليهم السكينةُ، لا نساءَ معهم، ولا يرفعونَ أصواتَهم لا بقراءةٍ ولا غيرِها؛ وهذه هي السنَّةُ باتفاقِ علماءِ المسلمينَ. وعملُ العُرْسِ للميتِ من أعظمِ البدعِ المنكراتِ، وكذلك الضربُ بالدفِّ عندَ الجَنازةِ، لكن يُضرَبُ به في العُرْسِ، وكرهه بعضُهم مطلقًا، والصحيحُ الفرقُ، وكان دُفُّهم ليس له صلاصلُ (١)، ولهذا تنازعَ العلماءُ في دُفِّ الصلاصلِ، على قولينِ. وأما الشَّبَّابةُ (٢)؛ فلم يرخِّصْ فيها أحدٌ من الأئمةِ الأربعةِ (٣).

стр. 297

وتلقينُ الميتِ بعدَ دفنِه: مباحٌ، وقيل: مستحَبٌّ، وقيل: مكروهٌ، وفعَلَه واثلةُ بنُ الأسقع وأبو أُمامةَ (١)، بل المستحبُّ الدعاءُ له، كما في «سننِ أبي داودَ»: أنه كان إذا مات رجلٌ من أصحابِه يقومُ على قبرِه: «سلوا له التثبيتَ؛ فإنه الآنَ يُسأَلُ» (٢).

стр. 298

فَصْلٌ القبورُ ثلاثةٌ: متفقٌ على صحتِه؛ كقبرِ نبيِّنا ﷺ ، وصاحِبَيْه أبي بكرٍ وعمرَ. ومنها ما هو كذبٌ بلا ريب؛ مثلُ قبرِ أُبَيٍّ بدمشقَ. وكذلك اتفقَ المسلمونَ على أنَّ أمهاتِ المؤمنينَ بالمدينةِ، فمن قال: إن أمَّ حبيبةَ بدمشقَ؛ قد كذَب، ولكن قبرُ بلالٍ ممكنٌ؛ فإنه دُفِن ببابِ الصغيرِ، وأسماءُ بنتُ يزيدَ بنِ السَّكَنِ تُوفِّيتْ بالشامِ، صحابيةٌ. وكذلك قبرُ أُويس غربيَّ دمشقَ؛ كذبٌ، وكذلك قبرُ هودَ. والثالث: مختلفٌ فيه؛ كقبرِ خالدٍ في حِمْصَ، قيل: هو خالدُ بنُ الوليدِ، وقيل: خالد بنِ يزيدَ أخو معاويةَ بنِ يزيدِ؛ الذي خارجَ بابِ الصغيرِ. وكذلك قبرُ أبي مسْلمٍ الخَوْلانيِّ بِدارِيَّا فيه قولان، وكذا قبور غير هذه؛ اختلف الناس فيها. ومن الكذبِ قطعًا: قبرُ عليِّ بن الحسينِ بمصرَ. وكذا قبرُ نوحٍ بجبلِ بَعْلَبَكَّ؛ كذبٌ قطعًا. وكذا قبرُ عليٍّ الذي بالنَّجَفِ؛ فإنه إنما دُفِن بالكوفةِ بقصرِ الإمارةِ، وعمرٌو بقصرِ الإمارةِ بمصرَ، ومعاويةُ بقصرِ الإمارةِ بدمشقَ؛ خوفًا

стр. 299

عليهم من الخوارجِ. ومثل قبرِ جابرٍ الذي في حَرَّانَ؛ كذبٌ؛ إنما هو بالمدينةِ بالاتفاقِ، وقبرِ عبدِ اللهِ بنِ عمرو بالجزيرةِ؛ بل هو بمكَّةَ اتفاقًا. وكذا قبرُ رُقيَّةَ وأمِّ كُلْثومٍ مما هو بالشامِ أو مصرَ أو غيرِهما؛ فإن الناسَ متفقونَ على أنهما ماتتا في حياةِ النبيِّ ﷺ تحتَ عثمانَ، وبهما سُمِّي: أبا النُّورَينِ، ولكن قد يتفقُ اسم أحدٍ من الناسِ، فيظنُّ الجهَّالُ أنه فلانٌ -مثلًا- لشهرتِه، ويكونُ غيرَه (١). وكذلك المسجدُ الذي بجانب عرفةَ، يقالُ له: مسجدُ إبراهيمَ، قد يظنُّ بعضُهم أنه الخليلُ، وإنما هو من ولدِ العباسِ، وكان بحَرَّانَ مسجدُ إبراهيمَ، فيَظنُّ الجهَّالُ أنه الخليلُ، وإنما هو إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ؛ الذي كانت له الدعوةُ العباسيةِ، مات هناك في الحبسِ، وأوصى إلى أخيه المنصورِ. وأما قبرُ الخليلِ ﵇؛ قال العلماءُ: على أنه حقٌّ لكن كان مسدودًا، بمنزلةِ قبرِ النبيِّ ﷺ ، فأُحْدِث عليه المسجدُ، وكان أهلُ العلمِ والدينِ العالمينَ بالسنَّةِ لا يُصَلُّون هناك.

стр. 300

فَصْلٌ وينزِلُ عيسى بنُ مريمَ على المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشقَ، ويُدركُ الدجَّالَ ببابِ لُدٍّ الشرقيِّ فيقتلُه، ويأمرُ اللهُ بعدَ قتلِه أن يُحصِّنَ الناسَ إلى الطُّورِ، ويقالُ له: يا روحَ اللهِ تقدمْ فصلِّ بنا، فيقولُ: لا، إنَّ بعضَكم على بعضٍ أميرٌ، فيُصلي بالمسلمين بعضُهم، ويتمُّ الصلاةَ ولا يموت (١) فيها. والاستئجارُ على نفْسِ التلاوةِ (٢) غيرُ جائزٍ، وإنما النزاعُ في التعليمِ ونحوِه مما فيه مصلحةٌ تصِلُ إلى الغيرِ، والثوابُ لا يصِلُ إلى الميتِ إلا إذا كان العملُ للهِ، وما وقع بالأجرِ؛ فلا ثوابَ فيه وإن قيل: يصحُّ الاستئجارُ عليه. (٣) فإذا وصى الميتُ أن يُعمَلَ له ختمةٌ، فيتصدَّقُ بذلك على المحاويجِ مِن أهلِ القرآنِ؛ كانَ أفضلَ وأحسنَ (٤).

стр. 301

فصلٌ والأنبياءُ أحياءٌ في قبورِهم ، وقد يصلُّون كما رأى محمدٌ موسى صلَّى في قبرِه ليلةَ الإسراءِ صلى اللهُ عليهما وسلَّمَ. وقد جاء في أحاديثَ حِسَانٍ: أن العملَ الصالحَ يُصوَّرُ لصاحبِه صورةً حسنةً، والسيئَ صورةً قبيحةً، يُنعَّمُ به، أو يُعذَّبُ (١). وجاء مخصوصًا ببعضِ الأعمالِ؛ مثلُ القرآنِ وغيرِه، وذلك في البرزخِ، وفي عَرَصاتِ القيامةِ (٢).

стр. 302

وأما جزاءُ الأعمالِ بالعملِ (١)؛ فإن كان المعنى أن عبورَهم على الصراطِ بحسَبِ أعمالِهم فهذا حقٌّ، وأما تصويرُ العملِ لصاحبِه على الصراطِ فلم يبلُغْني فيه شيءٌ. فَصْلٌ (٢) قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: «من كان منكم مستنًّا فلْيَسْتنَّ بمن قد مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمَنُ عليه الفتنةُ، أولئك أصحابُ محمدٍ؛ أبَرُّ هذه الأمةِ قلوبًا، وأعمقُها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، قومٌ اختارهم اللهُ لصُحبةِ نبيِّه، وإقامةِ دينِه، فاعرِفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكوا بهدْيِهم؛ فإنهم كانوا على الصراطِ المستقيمِ» (٣). وقال حذيفةُ بنُ اليمانِ: «يا معشرَ القُرَّاءِ، استقيموا وخذوا طريقَ مَن قبلَكم؛ فواللهِ لقد سبقْتُم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتُم يمينًا أو شمالًا لقد ضللْتُم ضلالًا بعيدًا» (٤). فلم يكُنْ من عادةِ السلفِ إذا صلَّوا، أو صاموا، أو حجُّوا تطوعًا، أو قرؤوا القرآنَ أن يُهْدوا ثوابَ ذلك إلى الموتى، بل كان من عادتِهم

стр. 303

أن يعبُدوا اللهَ بأنواعِ العباداتِ المشروعةِ، ويدعون للمؤمنينَ والمؤمناتِ، لأحيائِهم وأمواتِهم في صلاتِهم على الجَنائزِ، وعندَ زيارةِ قبورِهم، وغيرِ ذلك. رُوِيَ أن عندَ كلِّ ختمةٍ دعوةً مجابةً (١)، فإذا دعا عَقيبَ الختمةِ لنفسِه ولوالِدَيْه ولمشايخِه وغيرِهم من المؤمنينَ والمؤمناتِ، كان مشروعًا. وكذلك مواطنُ الإجابةِ كقيامِ الليلِ ونحوِه، فلا ينبغي العدولُ عن طريقِهم.

стр. 304

فَصْلٌ يجوزُ ركوبُ البحرِ إذا غلَب على ظنِّه السلامةُ، ولو مات غريقًا فهو شهيدٌ (١). ودفنُ الميتِ في المسجدِ: حرامٌ بإجماعِ المسلمين. ومن يحدِّثُ بأحاديثَ مفتعلةٍ ليُضْحِكَ الناسَ، أو غرضٍ آخرَ؛ فهو عاصٍ للهِ ولرسولِه، مستحِقٌّ للعقوبةِ التي تردَعُه (٢). وعرضُ الأديانِ على الميتِ عندَ الموتِ ؛ فليس هو أمرًا عامًّا لكلِّ ميتٍ، ولا عدمُه أيضًا عن كلِّ أحدٍ، بل قد يُعرَضُ على واحدٍ دونَ غيرِه، وقد يُعْرَضُ قبلَ الموتِ، وذلك من فتنةِ المحيا التي أُمِرْنا بالاستعاذةِ منها، ولكن قد رُوِيَ أن الشيطانَ أشدُّ ما يكونُ عندَ الموتِ، يقولُ لأعوانِه: دونَكم؛ فإنْ فاتكم لم تَظْفَروا (٣) به أبدًا. وحكايةُ الإمامِ أحمدَ مشهورةٌ. وفتنةُ القبرِ عامةٌ إلا للنبيِّينَ، وغيرُ المكلَّفينَ فيهم خلافٌ (٤).

стр. 305

وتنازعوا في المرتدِّ: هل كان إيمانُه صحيحًا يحبَطُ بالردَّةِ، أم يقالُ: بالردَّةِ تبيَّنَّا أن إيمانَه كان فاسدًا، وأن الإيمانَ الصحيحَ لا يزولُ البتةَ؟ على قولينِ للناسِ. وعلى ذلك ينبني قولُ المستثني: (أنا مؤمنٌ إن شاء اللهُ)، هل يعودُ إلى كمالِ الإيمانِ في الحالِ، أو يعودُ إلى الوفاة في المآلِ؟ (١) وفي إلحادِ الرجلِ للمرأةِ نزاعٌ ؛ الصحيحُ: أنه إن كان من أهلِ الخيرِ يُلْحِدُها. ويجوزُ حجُّه عنها اتفاقًا ، وفي حَجِّها عنه نزاعٌ.

стр. 306

فَصْلٌ ولا يُستحَبُّ حفرُ القبرِ قبلَ الموتِ. وروى ابنُ حِبَّانَ في «صحيحِه» وغيرُه: أن النبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الميِّتَ يُبعَثُ في ثيابِه التي قُبِضَ فيها» (١)، ودعا أبو سعيدٍ بثيابٍ جددٍ فلبِسَها عندَ الموتِ، وقال ذلك عن النبيِّ (٢)، فحَمَل الحديثَ على ثيابِه التي يُقْبَضُ فيها، لا على كفنِه، فقيل: يُبعَثُ في نفسِ الثوبِ الظاهرِ. وقيل: إن المرادَ أنه يبعَثُ على ما مات عليه من العملِ (٣)، كما قال أكثرُ المفسرينَ في قولِه: ﴿وثيابك فطهر﴾؛ أي: عملَك. يؤيِّدُ ذلك ما ثبت في «الصحيحِ»: «أنهم يُحْشَرونَ عُراةً، حُفاةً، غُرْلًا، ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾»، قالت عائشةُ: النساءُ والرجالُ ينظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟! قال: «الأمرُ أشدُّ مِن ذلك» (٤).

стр. 307

فَصْلٌ إذا قُضيتْ الحاجةُ عندَ قبرٍ من القبورِ ، من أين يُعرفُ أنه لأجلِ القبرِ؟ فقد قال ﷺ : «إن النذْرَ لا يأتي بخيرٍ، وإنما يُستخرَجُ به من البخيلِ» (١)، وفي لفظٍ: «النذرُ لا يأتي ابنَ آدمَ بشيءٍ، ولكن يُلْقيه القدرُ فيعطى على النذرِ ما لا يُعطى على غيرِه» (٢). فإذا كان ذلك في النذرِ الذي تُقضَى أكثرُ الحوائجِ عندَه؛ فكيفَ يكونُ غيره؟! ثمَّ تلك الحاجةُ: إمَّا أن تكونَ قُضِيت بغيرِ دعائِه؛ فلا كلامَ، وإما بدعائِه فيكونُ قد اجتهدَ في الدعاءِ اجتهادًا لو اجتهدَه في غيرِ تلك البقعةِ أو عندَ الصليبِ؛ لقُضِيتْ، فيكونُ السببُ اجتهادَه لا خصوصَ القبرِ، ولهذا قد تُقْضى حوائجُ المشركينَ عندَ أوثانِهم، وصُلْبانِهم، وكنائسِهم، فهل يقولُ مسلمٌ: إنه يجوزُ قصدُ صُلْبانِهم وأوثانِهم لذلك؟ ولو قيلَ: إن للقبرِ تأثيرًا في ذلك؛ سواءٌ كان باتصالِ روحِ الداعي وروحِ الميتِ فيقوى بذلك، كما يزعمُه ابنُ سينا وأبو حامدٍ وأمثالُهما في زيارةِ القبورِ، أو كان بسببٍ آخرَ.

стр. 308

فيقالُ: ليس كلُّ سببٍ نال به الإنسانُ حاجتَه يكونُ مشروعًا ولا مباحًا، وإنما يكونُ مشروعًا إذا غَلبتْ مصلحتُه على مفسدتِه. ومن هذا البابِ: تحريمُ السِّحرِ معَ ما له من التأثيرِ وقضاءِ بعضِ الحاجاتِ، وما يدخلُ في ذلك من عبادةِ الكواكبِ، ودعائِها، واستحضارِ الجنِّ، والكَهانةِ، والأزلامِ، وأنواعِ المحرماتِ؛ مع كونِها لها نوعُ كشفٍ أو نوعُ تأثيرٍ. وفي هذا تنبيهٌ على جملةِ الأسبابِ التي تُقْضى بها الحوائجُ، وأما تفصيلُ ذلك فله موضعٌ آخرُ، ولكنَّ العاقلَ يعلمُ أن أمةً من الأممِ لا تجتمعُ على أمرٍ بلا سببٍ، فلأجلِ ذلك استمتع ناسٌ بالسحرِ، وناسٌ بالشركِ وعبادةِ الأصنامِ، والخليلُ يقولُ: ﴿رب إنهن أضللن كثيرًا من الناس﴾، ولم يقُلْ أحدٌ: إنهم كانوا يقولونَ: إن الأصنامَ تخلُقُ، وتُحْيي، وتجلِبُ الرزقَ، بل عبدوها لحاجاتِهم؛ من جنسِ قصدِ المشركينَ بالقبور المعظَّمةِ، وقصْدِ النصارى صورَ القِدِّيسين يتَّخِذونهم شفعاءَ ووسائطَ ووسائلَ. ويكفي المسلمَ أن يعلمَ أن اللهَ لم يحرِّمْ شيئًا إلا ومفسدتُه محضةٌ، أو غالبةٌ.

стр. 309

فَصْلٌ تعودُ الروحُ إلى الميتِ وتفارقُه، وهل يُسمَّى ذلك موتًا؟ فيه قولانِ (١). والنفخُ ثلاثةٌ: أحدُها: قولُه تعالى: ﴿ونفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض﴾، ونفخةُ الصَّعْقِ والقيامِ المذكورِ في قولِه تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى﴾. وقولُه: ﴿إلا من شاء الله﴾ متناولٌ لأهلِ الجنةِ من الحورِ وغيرِهم؛ ممن يعلمُه اللهُ (٢). فَصْلٌ ذهب طائفةٌ من المتأخِّرينَ إلى جوازِ إهداءِ الأعمالِ الصالحةِ؛ من الصدقةِ والصلاةِ والقراءةِ إلى النبيِّ ﷺ وأزواجِه. وفي إهداءِ الفريضةِ وجهانِ.

стр. 310

وأما السلَفُ فلم يكونوا يفعلونَ شيئًا من ذلك، وهم أحقُّ بالاتباعِ. وحديثُ أبيٍّ الذي فيه: أجعَلُ صلاتي كلَّها عليك؟ قال: «إذًا يكفيَكَ اللهُ همَّكَ، ويغفرَ ذنبَكَ» (١)، المرادُ: أنه يجعلُ له ربعَ دعائِه أو نصفَه أو ثلثَه … إلى أن قال: كلَّها؛ أي: كلَّ دعائي؛ فإن الصلاةَ في اللغةِ الدعاءُ، ولهذا قال له: «إذًا يكفيَكَ اللهُ همَّكَ، ويغفِرَ ذنبَكَ»؛ فإنه إذا صلَّى عليه مرةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا، و «من دعا لأخيه وكَّلَ اللهُ به ملكًا يقولُ: ولك بمثلِه» (٢)، فإذا صلَّى عليه بدَلَ دعائه؛ كفاه اللهُ، وحصل مقصودُك من كفايةِ همِّك وغُفرانِ ذنبِك، واللهُ في عونِ العبدِ ما كان في عونِ أخيه، فكيف بمن يدعو للنبيِّ ﷺ بدلَ نفسِه؟! إنه لَحقيقٌ أن يحصلَ له أكثرُ مما يطلبُه لنفسِه. وقد يُتوهَّمُ مِن قولِه: «من صلَّى عليَّ مرةً صلَّى اللهُ عليه عشرًا» (٣)، أنه يحصُلُ للمصلي عليه أكثرُ مما يحصُلُ للنبيِّ ﷺ ، وليس كذلك؛ بل له مثلُ أجرِ المصلِّي الذي حصل له، فإنه هو الذي علَّمَه وسَنَّ له ذلك؛ فله مِثْلُ أجرِه. وليس للأبِ إلا ما يدعو به الولدُ له ، فظهر قولُه: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾؛ فهو الأبُ الرُّوحانيُّ، والوالدُ أبٌ جثمانيٌّ، هو سببُ السعادةِ الأبديةِ في الآخرةِ، والأبُ سببٌ لوجودِه في الدنيا.

стр. 311

ومعلومٌ أن الإنسانَ يجبُ عليه أن يطيعَ معلِّمَه الذي يدعوه إلى الخيرِ، ويأمرُه بما أمره اللهُ به، ولا يجوزُ له أن يطيعَ أباه في مخالفةِ هذا الداعي؛ لأنه يدلُّه على ما ينفعُه، ويقرِّبُه إلى ربِّه، ويحصلُ له باتباعِه السعادةُ الأبديةُ، فظهر فضل الأب الروحاني على الأب الجثماني، فهذا أبوه في الدين، وذلك أبوه في الطين، وأين هذا من هذا؟! (١). وأزواجُ النبيِّ أمهاتُ المؤمنينَ في الحُرمةِ، لا في المحرَميَّةِ، ولهنَّ من الاحترامِ ما ليس للأمِّ الوالدةِ. فَصْلٌ (٢) لقاءُ اللهِ تعالى: قد فسَّره طائفةٌ من السلفِ والخلفِ أنه المشاهدةُ والمعاينةُ، واستدلَّ به قومٌ على رؤيةِ اللهِ تعالى … (٣) وقولُه: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه﴾؛ لأنَّ الإنسانَ يشاهدُ بنفْسِه هذه الأمورَ، وقد قيلَ: إن الموتَ نفْسَه يُشهَدُ، ويُرى ظاهرًا. وقيل: المرئيُّ أسبابُه.

стр. 312

وقد تنازعَ الناسُ في الكفارِ: هل يَرَوْن ربَّهم أولَ مرةٍ ثم يحتجِبُ عنهم، أم لا يرَوْنَه بحالٍ؟ على قولينِ، الأولُ أصحُّ؛ وهو قولُ أهلِ الحديثِ وأكثرِ الفقهاءِ، والثاني قولُ المتكلِّمِينَ. فَصْلٌ نطَق الكتابُ والسنةُ بمحبَّةِ الله تعالى، وهي على حقيقتِها عندَ سلَفِ الأمةِ وأئمَّتِها ومشايخِها. وأولُ من أنكرَ حقيقتَها شيخُ الجهميةِ الجَعْدُ بنُ دِرْهمٍ، فقتله خالدُ بنُ عبدِ اللهِ القَسْريُّ بواسِطَ يومَ النحرِ، وقد فسَّروا محبتَه بمحبةِ عبادتِه وطاعتِه. ولا ريبَ أن المؤمنينَ يعرفونَ ربَّهم في الدنيا، ويتفاوتونَ في درجاتِ العِرفانِ (١). وأكلُ الشيطانِ لو تُصُوِّرَ لكانَ من أعظمِ المحرَّماتِ؛ لما فيه من الخبثِ والبغيِ والعدوانِ، فمن قال: إن آدمَ سلَقه وأكَله؛ فمن أقبحِ البهتانِ. وأمَّا عرضُ السجودِ على إبليسَ عندَ قبرِ آدمَ ؛ فقد ذكَرَه بعضُ الناسِ، وأما عرضُه عليه في الآخرةِ؛ فما علمتُ أحدًا ذكَرَه، وكلاهما باطلٌ.

стр. 313

واتفقَ سلَفُ الأمةِ وأئمتُها على أنَّ من المخلوقاتِ ما لا يُعدَمُ؛ وهو الجنةُ، والنارُ، والعرشُ، وغيرُ ذلك، ولم يقُلْ بفَناءِ جميعِ المخلوقاتِ إلا طائفةٌ من أهلِ الكلامِ المبتدعينَ؛ وهو قولٌ باطلٌ (١). فَصْلٌ قولُه: «أنا في بركةِ فلانٍ» ، أو «تحتَ نظرِه»، «مُدَّني بخاطرِك»؛ فإن أرادَ أنَّ نظَرَه أو خاطرَه أو بركتَه مستقِلةٌ بتحصيلِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ؛ فهو كذبٌ. وإن أرادَ أن فلانًا دعا لي فانتفعتُ بدعائِه، أو أنه علَّمَني، أو أدَّبَني، فأنا في بركةِ ما انتفعتُ به من تعليمِه وتأديبِه؛ فهو صحيحٌ. وإن أرادَ أنه بعدَ موتِه يجلِبُ المنافعَ، ويدفعُ عني المضارَّ؛ فهو كذبٌ محرَّمٌ. والسؤالُ مع الغنى ؛ حرامٌ بالإجماعِ. ولا يجوزُ الدعاءُ للوالدَينِ الكفارِ. وقولُ الشخصِ: «اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ في الأولينَ» ليس هو مأثورًا، والمرادُ بالأولينَ: قبلَ محمدٍ، والآخرينَ: أمَّتُه؛ قاله الجمهورُ.

стр. 314

وقيلَ: «الأولينَ والآخِرينَ»: من أمَّتِه. والأولُ أصحُّ. قيلَ ذلك في قولِه: ﴿ثلة من الأولين﴾. و «الأولُ» إضافيٌّ، فكلُّ شخصٍ قبله أوَّل، وبعدَه آخِر (١). وقولُه: «على سيِّدِنا محمدٍ في الأولينَ»؛ إن أرادَ بهم قبلَ محمدٍ أو قبلَ المصلِّي؛ لكن يكونُ المرادُ: صلِّ عليه في الأولينَ، وإن كانوا ماتوا فالمرادُ أزواجُهم، فإنَّها موجودةٌ، أي: صلِّ عليه في الموجودينَ، فهذا محملٌ حسَنٌ، و «في الآخرينَ»؛ أي: فيمن يوجدُ من المستأخرينَ. وقد يكونُ المرادُ: صلِّ عليه فيمن يُصلَّى عليهم من الأولينَ والآخرينَ والملأِ الأعلى؛ أي: صلِّ عليه في كلِّ طائفةٍ صلَّيْتَ عليها، فهو معنًى صحيحٌ. فَصْلٌ (٢) روى مالكٌ في «موطَّئِه» وأبو داودَ والنَّسائيُّ وغيرُهم، عن مسلم بن يسار - وفي لفظٍ: عن نُعَيمِ بنِ ربيعةَ - أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ سُئِلَ عن هذه الآيةِ: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾ الآيةَ، فقال عمرُ: عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وفي لفظ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عنها، فقال: «إن اللهَ خلَقَ آدمَ، ثم مسَح ظهرَه بيمينِه، فاستخرجَ

стр. 315

منه ذريتَه، فقال: خلقتُ هؤلاءِ للجنةِ، وبعمَلِ أهلِ الجنةِ يعملونَ، ثم مسَح ظهرَه فاستخرجَ منه ذريتَه، فقال: خلقتُ هؤلاءِ للنارِ، وبعملِ أهلِ النارِ يعملونَ»، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ففيمَ العملُ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ إذا خلَقَ الرجلَ للجنةِ استَعمَلَه بعمَلِ أهلِ الجنةِ؛ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ الجنةِ، فيُدخلهُ به الجنةَ، وإذا خلَق الرجل للنارِ استَعملَه بعملِ أهلِ النارِ؛ حتى يموتَ على عملٍ من أعمالِ أهلِ النارِ؛ فيُدخلهُ به النارَ» (١). وفي حديثِ الحكمِ بنِ سِنانٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إن اللهَ قبَضَ قبضةً، فقال: إلى الجنةِ برَحْمتِي، وقبَضَ قبضةً فقال: إلى النارِ ولا أُبالي» (٢). وهذا المعنى مشهورٌ عنه من وجوهٍ متعددةٍ، وفيه فصلانِ: أحدُهما: القدرُ السابقُ؛ وهو أنَّ اللهَ سبحانَه علِمَ أهلَ الجنةِ من أهلِ النارِ قبلَ أن يعملوا الأعمالَ، وهذا حقٌّ يجبُ الإيمانُ به، بل قد نصَّ الأئمةُ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ: أن مَن جحَدَ هذا فقد كفَر؛ بل يجبُ الإيمانُ به؛ فإن اللهَ علِمَ ما سيكونُ كلَّه قبلَ أن يكونَ؛ كما في «صحيحِ مسلمٍ» (٣) عن النبيِّ: «إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ

стр. 316

السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عَرْشُه على الماءِ». وفي «صحيحِ البخاري» (١) عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «كان اللهُ ولا شيءَ غيرُه، وكان عَرْشُه على الماءِ، وكتَب في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ، وخلَقَ السماواتِ والأرضِ». وفي «المسنَدِ» (٢) عنه ﷺ أنه قال: «إني عندَ اللهِ لمكتوبٌ: بخاتَمِ النبِيِّينَ، وإن آدمَ لمُنجَدِلٌ في طينتِه، وسأُنبِّئُكم بأولِ ذلك: دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبشرى عيسى، ورؤيا أمِّي، رأت حينَ ولدَتْني أنه خرَج منها نورٌ أضاءَتْ له قصورُ الشامِ». ونحوُه كثيرٌ في الصحيحِ؛ كما في الصحيحينِ من حديثِ عليٍّ؛ حديثُ بَقيعِ الغَرْقدِ (٣). وفي الصحيحِ: قالوا: يا رسولَ اللهِ، أعُلِمَ أهلُ الجنةِ مِن أهلِ النارِ؟ فقال: «نعم»، قيلَ: ففيمَ العملُ؟ قال: «اعمَلوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له» (٤). وذلك أنَّ اللهَ علِمَ الأشياءَ كما هي عليه، وقد جعل لها أسبابًا تكون

стр. 317

بها، فيعلمُ أنها تكونُ بتلك الأسبابِ. فلو قال قائلٌ: إذا علِمَ اللهُ أنه يُولَدُ لي ولدٌ، فلا حاجةَ لي في الزوجةِ؛ كان أحمقَ؛ فإن اللهَ يعلمُ ما سيكونُ بما يقدِّرُه من الوَطْءِ وغيرِه من أنَّ هذا يشبَعُ بالأكلِ، ويموتُ بالقتلِ، فلا بدَّ من الأسبابِ التي قد علِمَها اللهُ سبحانَه من الدعاءِ والسؤالِ وغيرِه، فلا ينالُ العبدُ شيئًا إلا بما قدَّرَه اللهُ من جميعِ الأسبابِ، واللهُ خالقُ ذلك الشيءِ، وخالقُ الأسبابِ. ولهذا قيلَ: الالتفاتُ إلى الأسبابِ؛ شِركٌ في التوحيدِ، ومَحْوُ الأسبابِ أن تكونَ أسبابًا؛ نَقْصٌ في العقلِ، والإعراضُ عن الأسبابِ بالكليةِ؛ قَدْحٌ في الشرعِ. ومجردُ الأسبابِ لا تُوجِبُ حصولَ المُسبَّبِ؛ بل لا بدَّ من تمامِ الشروطِ وزوالِ الموانعِ، وكلُّ ذلك بقضاءِ اللهِ وقدَرِه. وكذلك أمرُ الآخِرةِ ليس بمجردِ العمَلِ ينالُ الإنسانُ السعادةَ؛ بل العملُ سببٌ؛ كما قال: «لن يدخُلَ أحدٌ منكم الجنةَ بعمَلِه … » الحديثَ (١)، وقال تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، فهذه باءُ السببِ؛ أي: بسببِ أعمالِكم، والذي نفاه النبيُّ باءُ المقابلةِ؛ كما يقالُ: اشتريتُ هذا بهذا؛ أي: ليس العملُ عوضًا وثمنًا كافيًا في دخولِ الجنةِ، بل لا بدَّ من عَفْوِ الله ورحمتِه، وفَضْلِه، ومغفرتِه،

стр. 318

فبمغفرتِه يمحو السيئاتِ، وبرحمتِه تأتي الخيراتُ، وبفضلِه تضاعفُ البركاتُ. وهنا ضلَّ فريقانِ؛ فريقٌ أخذوا بالقدَرِ، وأعرضوا عن الأسبابِ الشرعيةِ والأعمالِ الصالحةِ، ظنُّوا أن ذلك كافٍ، وهؤلاءِ يؤولُ أمرُهم إلى الكفرِ باللهِ وكتُبِه، ورسُلِه. وفريقٌ أخذوا يطلبونَ الجزاءَ من اللهِ، كما يطلُبُه الأجيرُ من المستأجِرِ؛ مُتَّكِلِينَ على حَوْلِهم وقوتِهم وعمَلِهم، وهؤلاء جُهَّالٌ ضُلَّالٌ، فإن اللهَ لم يأمرِ العبادَ بما أمَرَهم به حاجةً منه إليهم، وإنما أمَرَهم بما فيه صلاحُهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا؛ بل نهاهم عما فيه فسادُهم، وكما قال: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني» (١)، وهو معَ غناه عن العالمينَ أرسَلَ إليهم الرُّسُلَ بفضلِه، وهدايتهم بفضله، وجميعُ ما ينالونَ به الخيراتِ فضلٌ منه سبحانه، وإن كان أوجَبَ على نفْسِه الرحمةَ وحرَّم الظلمَ عليها، فهو واقعٌ لا محالةَ، واجبٌ بحكمِ إيجابِه ووعدِه، لا أنَّ الخَلْقَ يُوجبونَ على اللهِ شيئًا أو يُحرِّمونَ؛ بل هم أعجَزُ من ذلك وأقلُّ، كلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلُّ نِقْمةٍ منه عدلٌ، كما في قولِه: «فمَن وجَدَ خيرًا فلْيَحْمَدِ اللهَ، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه» (٢).

стр. 319

فمَن أعرضَ عن الأمرِ والنهيِ والوَعْدِ والوَعيدِ ناظرًا إلى القدَرِ: فقد ضلَّ، ومَن طلَبَ المقامَ بالأمرِ والنهيِ مُعرِضًا عن القدَرِ: فقد ضلَّ؛ بل لا بدَّ من الأمرينِ؛ كما قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، فنعبُدُه اتباعًا للأمرِ، ونستعينُه إيمانًا بالقدَرِ. فكلُّ عملٍ يعمَلُه العاملُ، ولا يكونُ طاعةً وعبادةً وصالحًا؛ فهو باطلٌ، فإنَّ الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها؛ إلا ما كان للهِ، ولو نال بذلك العملِ رياسةً ومالًا؛ فغايةُ المُترَئِّسِ أن يكونَ كفرعونَ، وغايةُ المُتمَوِّلِ أن يكونَ كقارونَ، وقد ذكَر اللهُ في سورةِ القَصَصِ من قصَّتِهما ما فيه عبرةٌ لأولي الألبابِ. وكلُّ عملٍ لا يعينُ اللهُ العبدَ عليه؛ فإنه لا يكونُ ولا يقعُ، فما لا يكونُ به لا يكونُ، وما لا يكونُ له لا يدومُ ولا ينفعُ، فلذلك أمَرَ العبدَ أن يقولَ: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ في كلِّ صلاةٍ. وللعبدِ حالانِ: حالٌ قبلَ القدرِ؛ فعليه أن يستعينَ باللهِ، ويتوكَّلَ عليه، ويدعوَه. وحالٌ بعدَ القدَرِ، فعليه أن يحمَدَ اللهَ في الطاعةِ، ويصبِرَ أو يرضى في المصيبةِ، ويستغفِرَ في الذنبِ، وفي الطاعةِ منَ النَّقْصِ، ويشكرَه عليها؛ إذ هي من نعمتِه.

стр. 320

فينظُرُ إلى القدرِ عندَ المصيبةِ بعدَ وقوعِها، ويستغفرُ عندَ المصيبةِ، ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾، وقال: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب﴾ إلى قوله: ﴿لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾.
следующие страницы →