← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

السماواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عَرْشُه على الماءِ». وفي «صحيحِ البخاري» (١) عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «كان اللهُ ولا شيءَ غيرُه، وكان عَرْشُه على الماءِ، وكتَب في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ، وخلَقَ السماواتِ والأرضِ». وفي «المسنَدِ» (٢) عنه ﷺ أنه قال: «إني عندَ اللهِ لمكتوبٌ: بخاتَمِ النبِيِّينَ، وإن آدمَ لمُنجَدِلٌ في طينتِه، وسأُنبِّئُكم بأولِ ذلك: دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبشرى عيسى، ورؤيا أمِّي، رأت حينَ ولدَتْني أنه خرَج منها نورٌ أضاءَتْ له قصورُ الشامِ». ونحوُه كثيرٌ في الصحيحِ؛ كما في الصحيحينِ من حديثِ عليٍّ؛ حديثُ بَقيعِ الغَرْقدِ (٣). وفي الصحيحِ: قالوا: يا رسولَ اللهِ، أعُلِمَ أهلُ الجنةِ مِن أهلِ النارِ؟ فقال: «نعم»، قيلَ: ففيمَ العملُ؟ قال: «اعمَلوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له» (٤). وذلك أنَّ اللهَ علِمَ الأشياءَ كما هي عليه، وقد جعل لها أسبابًا تكون

стр. 317

بها، فيعلمُ أنها تكونُ بتلك الأسبابِ. فلو قال قائلٌ: إذا علِمَ اللهُ أنه يُولَدُ لي ولدٌ، فلا حاجةَ لي في الزوجةِ؛ كان أحمقَ؛ فإن اللهَ يعلمُ ما سيكونُ بما يقدِّرُه من الوَطْءِ وغيرِه من أنَّ هذا يشبَعُ بالأكلِ، ويموتُ بالقتلِ، فلا بدَّ من الأسبابِ التي قد علِمَها اللهُ سبحانَه من الدعاءِ والسؤالِ وغيرِه، فلا ينالُ العبدُ شيئًا إلا بما قدَّرَه اللهُ من جميعِ الأسبابِ، واللهُ خالقُ ذلك الشيءِ، وخالقُ الأسبابِ. ولهذا قيلَ: الالتفاتُ إلى الأسبابِ؛ شِركٌ في التوحيدِ، ومَحْوُ الأسبابِ أن تكونَ أسبابًا؛ نَقْصٌ في العقلِ، والإعراضُ عن الأسبابِ بالكليةِ؛ قَدْحٌ في الشرعِ. ومجردُ الأسبابِ لا تُوجِبُ حصولَ المُسبَّبِ؛ بل لا بدَّ من تمامِ الشروطِ وزوالِ الموانعِ، وكلُّ ذلك بقضاءِ اللهِ وقدَرِه. وكذلك أمرُ الآخِرةِ ليس بمجردِ العمَلِ ينالُ الإنسانُ السعادةَ؛ بل العملُ سببٌ؛ كما قال: «لن يدخُلَ أحدٌ منكم الجنةَ بعمَلِه … » الحديثَ (١)، وقال تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، فهذه باءُ السببِ؛ أي: بسببِ أعمالِكم، والذي نفاه النبيُّ باءُ المقابلةِ؛ كما يقالُ: اشتريتُ هذا بهذا؛ أي: ليس العملُ عوضًا وثمنًا كافيًا في دخولِ الجنةِ، بل لا بدَّ من عَفْوِ الله ورحمتِه، وفَضْلِه، ومغفرتِه،

стр. 318

فبمغفرتِه يمحو السيئاتِ، وبرحمتِه تأتي الخيراتُ، وبفضلِه تضاعفُ البركاتُ. وهنا ضلَّ فريقانِ؛ فريقٌ أخذوا بالقدَرِ، وأعرضوا عن الأسبابِ الشرعيةِ والأعمالِ الصالحةِ، ظنُّوا أن ذلك كافٍ، وهؤلاءِ يؤولُ أمرُهم إلى الكفرِ باللهِ وكتُبِه، ورسُلِه. وفريقٌ أخذوا يطلبونَ الجزاءَ من اللهِ، كما يطلُبُه الأجيرُ من المستأجِرِ؛ مُتَّكِلِينَ على حَوْلِهم وقوتِهم وعمَلِهم، وهؤلاء جُهَّالٌ ضُلَّالٌ، فإن اللهَ لم يأمرِ العبادَ بما أمَرَهم به حاجةً منه إليهم، وإنما أمَرَهم بما فيه صلاحُهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا؛ بل نهاهم عما فيه فسادُهم، وكما قال: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني» (١)، وهو معَ غناه عن العالمينَ أرسَلَ إليهم الرُّسُلَ بفضلِه، وهدايتهم بفضله، وجميعُ ما ينالونَ به الخيراتِ فضلٌ منه سبحانه، وإن كان أوجَبَ على نفْسِه الرحمةَ وحرَّم الظلمَ عليها، فهو واقعٌ لا محالةَ، واجبٌ بحكمِ إيجابِه ووعدِه، لا أنَّ الخَلْقَ يُوجبونَ على اللهِ شيئًا أو يُحرِّمونَ؛ بل هم أعجَزُ من ذلك وأقلُّ، كلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلُّ نِقْمةٍ منه عدلٌ، كما في قولِه: «فمَن وجَدَ خيرًا فلْيَحْمَدِ اللهَ، ومَن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه» (٢).

стр. 319

فمَن أعرضَ عن الأمرِ والنهيِ والوَعْدِ والوَعيدِ ناظرًا إلى القدَرِ: فقد ضلَّ، ومَن طلَبَ المقامَ بالأمرِ والنهيِ مُعرِضًا عن القدَرِ: فقد ضلَّ؛ بل لا بدَّ من الأمرينِ؛ كما قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، فنعبُدُه اتباعًا للأمرِ، ونستعينُه إيمانًا بالقدَرِ. فكلُّ عملٍ يعمَلُه العاملُ، ولا يكونُ طاعةً وعبادةً وصالحًا؛ فهو باطلٌ، فإنَّ الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها؛ إلا ما كان للهِ، ولو نال بذلك العملِ رياسةً ومالًا؛ فغايةُ المُترَئِّسِ أن يكونَ كفرعونَ، وغايةُ المُتمَوِّلِ أن يكونَ كقارونَ، وقد ذكَر اللهُ في سورةِ القَصَصِ من قصَّتِهما ما فيه عبرةٌ لأولي الألبابِ. وكلُّ عملٍ لا يعينُ اللهُ العبدَ عليه؛ فإنه لا يكونُ ولا يقعُ، فما لا يكونُ به لا يكونُ، وما لا يكونُ له لا يدومُ ولا ينفعُ، فلذلك أمَرَ العبدَ أن يقولَ: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ في كلِّ صلاةٍ. وللعبدِ حالانِ: حالٌ قبلَ القدرِ؛ فعليه أن يستعينَ باللهِ، ويتوكَّلَ عليه، ويدعوَه. وحالٌ بعدَ القدَرِ، فعليه أن يحمَدَ اللهَ في الطاعةِ، ويصبِرَ أو يرضى في المصيبةِ، ويستغفِرَ في الذنبِ، وفي الطاعةِ منَ النَّقْصِ، ويشكرَه عليها؛ إذ هي من نعمتِه.

стр. 320

فينظُرُ إلى القدرِ عندَ المصيبةِ بعدَ وقوعِها، ويستغفرُ عندَ المصيبةِ، ﴿فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك﴾، وقال: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب﴾ إلى قوله: ﴿لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾.

стр. 321

فَصْلٌ في الأحاديثِ التي سُئِلَ عنها رسولُ اللهِ ﷺ عن الساعةِ، فقال: «إن يعِشْ هذا الغلامُ فلن يدركَه الهَرَمُ حتى تقومَ الساعةُ» (١)؛ المراد بذلك: ساعةُ ذلك القَرْنِ؛ وهو موتهم، فإنَّ في «الصحيحَينِ» عن عائشةَ قالت: كان الأعرابُ إذا قدِموا على رسولِ اللهِ سألوه عن الساعة: متى الساعةُ؟ فنظَرَ إلى أحدثِ إنسانٍ منهم، فقال: «إن يعِشْ هذا الغلامُ لم يدرِكْه الهَرَمُ حتى تقومَ عليكم ساعَتُكم»، قال هشامٌ: يعني: موتَهم. فهذا يُبيِّنُ تلك الأحاديثَ. وقد يُرادُ بالقيامةِ: الموتُ، وأنَّه مَن مات فقد قامتْ قِيامتُه؛ كما قال المغيرةُ بنُ شُعْبةَ: «أيُّها الناسُ، إنكم تقولونَ: القيامةَ القيامةَ، وإنه مَن مات فقد قامتْ قِيامتُه» (٢). وليس واحدٌ من هذينِ النوعينِ منافيًا لما أخبَرَ اللهُ به من القيامةِ الكبرى التي يقومُ فيه الناسُ من قُبُورِهم لربِّ العالمينَ حفاةً عُراةً بعدَ أن تُعادَ الأرواحُ إلى الأجسادِ، وإنما يُنكِرُ هذا أهلُ الزَّنْدَقةِ من الفلاسفةِ ونحوِهم، ويتأوَّلونَ ما في القرآنِ من ذلك ومِن ذِكْرِ القيامةِ على أن المرادَ

стр. 322

به الموتُ، نحو قولهم: ﴿إذا الشمس كورت﴾: أنها العقل إذا غاب بالموت، ﴿وإذا النجوم انكدرت﴾: أنها أعضاءُ الإنسانِ وحَواسُّه، ﴿وإذا الجبال سيرت﴾: أنها أعضاؤُه الكبارُ التي يحمِلُها الحاملونَ إلى القبرِ، ﴿وإذا العشار عطلت﴾: أنها ما في بدَنِه من الأرواحِ البخاريةِ وقُواها، وأمثالِ هذه التأويلاتِ التي يذكُرُها مثلُ السُّهْرورديِّ المقتولِ على الزَّنْدَقةِ في الألواحِ العماديةِ (١)، ويذكُرُها مَن يذكُرُها مِن المتفلسفةِ القرامطةِ الباطنيةِ. فإن القيامةَ الكبرى مما عُلِم بالاضطرارِ من دينِ الإسلامِ، ومَن تدبَّرَ القرآنَ وتفسيرَه، والأحاديثَ المتواترةَ عنه ﷺ ، وعن أصحابِه، وسائرِ الأئمَّةِ؛ عَلِم ذلك كما يَعلَمُ أن محمدًا جاءَ بالصَّلاةِ، وبالصومِ، وحجِّ البيتِ العتيقِ، وتحريمِ الفواحشِ، ونحوِ ذلك، كما في أولِ سورةِ الواقعةِ، وقال في آخِرِ السورةِ: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم﴾، فهذا تفصيلٌ لحالِ الموتِ، وأول السورةِ لذكرِ القيامةِ. وكذلك قولُه: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾، ثم قال: ﴿ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه﴾، فجَمْعُ عظامِه هو في القيامةِ الكبرى، إلى قولِه: ﴿كلا إذا بلغت التراقي

стр. 323

وقيل من راق وظن أنه الفراق﴾، فبيَّنَ ما يكون عندَ الموتِ، إلى قولِه: ﴿أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى﴾، إلى أن (١) قال: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾، فاستدلَّ بقدرتِه على الخلقِ الأولِ على قدرتِه على إحياءِ الموتى، وذلك في القرآنِ كثيرٌ، يَستدِلُّ بالنشأةِ الأولى على البعثِ في القيامةِ الكبرى، وتارةً يبيِّن البعثَ بقدرتِه على خلقِ الحيوانِ، وتارةً بخلقِ النباتِ؛ كما قال: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث … ﴾ الآيةَ، وقولِه: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت … ﴾، إلى قولِه: ﴿وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا رَيْبَ فيها وأن اللهَ يبعث من في القبور﴾، وقولِه: ﴿وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾، و ﴿كذلك النشور﴾، فهذا كلُّه بيانٌ للقيامةِ. وتارةً يَستدِلُّ عليها بقدرتِه على خلقِ العالَمِ؛ كما في قولِه في «ق»: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء … ﴾، إلى قولِه: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركا … ﴾، إلى قولِه: ﴿كذلك الخروج﴾، ثم ذكر الموتَ بقولِه: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾، وقولِه: ﴿أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾، وقولِه: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ وقولِه: ﴿أو لم يروا أن اللهَ الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾.

стр. 324

وتارةً يَستدِلُّ بالنشأةِ الأولى؛ نحوُ: ﴿وضرب لنا مثلا … ﴾ الآياتِ، وقولِه: ﴿قل كونوا حجارة … ﴾ الآيةَ. وذَكَر إحياءَ المَوْتى في غيرِ موضعٍ، نحوُ قولِه: ﴿ثم بعثناكم من بعدَ موتكم﴾، وقال فيها أيضًا: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى﴾، وقولِه: ﴿ألم تر إلى الذينَ خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا، ثم أحياهم﴾، وقولِه: ﴿وانظر إلى العظام كيفَ ننشزها، ثم نكسوها لحما﴾، وذلك أكثرُ من أن يُحصَرَ. وأما أشراطُ الساعةِ التي ذكَرها اللهُ، مثلُ: الدجالِ، والدابَّةِ، وخروج الشمسِ من مغرِبِها، وغيرِ ذلك: هي من أشراطِ الساعةِ، وهي القيامةُ الكبرى التي لا يعلَمُها أحدٌ إلا اللهُ، فهذه الساعةُ لا يعلَمُها غيرُه سُبْحانَه، بخلافِ غيرِها من موتِ الإنسانِ، وانخرامِ القَرْنِ، فإنه يعرفُه من الخلقِ مَن شاءَ اللهُ، وجمهورُ الخلقِ يعلمونَ ذلك تقريبًا، وإن لم يعلموه تحديدًا، كما يعلمونَ أن غالبَ الخلقِ لا يَبْقَوْنَ مائةَ سنةٍ، ونحوَ ذلك مما جرَتْ به العادةُ، وقد يُعلَمُ ذلك بطريقٍ آخر مما لا يتَّسِعُ له هذا الموضعُ، فلا يقالُ في ذلك: ﴿لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض﴾؛ أي: خفِيَ عِلْمُها على أهلِ السمواتِ والأرضِ، ولا يقال: ﴿إنما علمها عندَ اللهِ﴾، وقد قال: ﴿إن اللهَ عندَه علم الساعة﴾ الآية.

стр. 325

والناسُ في المعادِ على أربعةِ أقوال: فالذي عليه الرُّسُلُ وأتباعُهم الذينَ لا بدعةَ فيهم: الإقرارُ بمعادِ الأبدانِ والأرواحِ. وبإزاء هؤلاءِ؛ الدهريَّةُ ونحوُهم؛ كذَّبوا بالمعادِ مطلقًا. وبينَ هذينِ طائفتانِ: طائفةٌ من أهلِ الكلامِ، أقَرُّوا بمعادِ الأبدانِ والقيامةِ الكبرى، وأنكروا أمْرَ الرُّوحِ، فلم يُقِرُّوا بأنه بعدَ الموتِ يكونُ في نعيمٍ أو عذابٍ. ومنهم مَن أقرَّ به على البدنِ فقط دونَ الرُّوحِ، وزعَم أن الرُّوحَ هي الحياةُ التي للبدنِ، ومنهم مَن أقرَّ به على الروح فقط. وطائفةٌ من أهل الفلسفةِ أقَرُّوا بمعادِ الأنفسِ فقط دونَ الأبدانِ، وكفروا بما جاءَتْ به الرُّسُلُ. وقد دخل معَ أولئكَ من متكلِّمة الإثباتِ؛ كالقاضي أبي بكرِ بنِ الطيِّبِ وأمثالِه، ممن يزعمُ أن الرُّوحَ ليست جوهرًا قائماً بنفسه، لكنَّها عرَضٌ من أعراضِ البدنِ. ومنهم مَن يجعل الرُّوحَ جزءًا من أجزاءِ البدنِ، وهو الريحُ الذي يدخُلُ البدنَ ويخرُجُ منه، والبخارُ الذي يخرج من القلبِ. وهذه الأقوالُ باطلة فاسدةٌ. والذي عليه السَّلَفُ أن الرُّوحَ التي تُقبَضُ بالموتِ ليست هي البدنَ، ولا جزءٌ منه، ولا صفةٌ من صفاتِه؛ بل هي جوهرٌ قائمٌ بنفْسِه، ودلائلُ

стр. 326

الكتابِ والسُّنَّةِ على ذلك كثيرةٌ جدًّا. لكنَّ هؤلاءِ معَ غلَطِهم وضلالِهم أقربُ إلى الإسلامِ ممن قال: إن هذه الرُّوحَ ليسَتْ داخلَ العالمِ، ولا خارجَه، ولا تُوصَفُ بحركةٍ، ولا سكونٍ، ولا دخولٍ، ولا خروجٍ، ولا تَحَوُّلٍ، ولا انتقالٍ، وأن المعادَ ليس إلا لها، والبدنَ لا يُعادُ. فإن إنكارَ معادِ الأبدانِ كفرٌ بَيِّنٌ، وقد عُلِم من دينِ الإسلامِ فسادُه، وأن المنكرين له مُراغِمونَ للرُّسُلِ مراغمةً بيِّنةً، كما قد بُسِطَ في موضِعِه، واللهُ أعلمُ. فَصْلٌ (١) وِلْدانُ أهلِ الجنةِ: خلقٌ من خلقِ الجنةِ. وأبناءُ الدنيا إذا دخَلوا الجنةَ: يكمُلُ خَلْقُهم على صورةِ آدمَ، أبناءَ ثلاثةٍ وثلاثينَ، طولَ ستينَ ذراعًا (٢). ورُوِي: أن العرضَ سبعة (٣) أذرُعٍ (٤).

стр. 327

وأرواحُ المؤمنينَ تُنعَّمُ في الجنةِ، وأرواحُ الكفارِ تُعذَّبُ في النارِ. وولدُ الزنا كغيرِه يُجازى بعملِه، لا بنسَبِه، وإنما يُذَمُّ ولدُ الزنا لمَظِنَّةِ أن يعملَ خبيثًا؛ كما هو الغالبُ عليه. وأكرمُ الخلقِ أتقاهم. وأولادُ المشركينَ فيهم عدةُ أقوالٍ؛ وأصَحُّها جوابُ رسولِ اللهِ كما في «الصحيحَينِ» عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ أنه قال: «ما مِن مولودٍ إلا يُولَدُ على الفِطْرةِ … » الحديثَ، إلى قولِه: قيلَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ مَن يموتُ من أطفالِ المشركينَ؟ فقال: «اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملينَ» (١)؛ يعني: أنَّ اللهَ يعلمُ ما كانوا يعملونَ لو بلغوا. وكذلك قال لعائشة لما قالت: «عصفورٌ من عصافيرِ أهلِ الجنةِ»، قال: «أَوَغَير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة خلقاً … » الحديث (٢)، وثبتَ أن الغلامَ الذي قتَلَه الخضرُ طُبِعَ كافراً (٣)، وكان أبواه مؤمنين، فلا يقطعُ لأحدٍ بعينِه بشيءٍ. وقد رُوِي: أنهم في القيامةِ يُبعَثُ إليهم رسولُ فيظهَرُ ما علِمه فيهم من الطاعةِ والمعصيةِ، وقد رُوِي: أنهم يُحبَسونَ في عَرَصاتِ القيامةِ، وقد دلَّتِ الأحاديثُ الصحيحةُ على أن بعضَهم في الجنةِ، وبعضَهم في النارِ (٤).

стр. 328

وليس في الجنةِ شمسٌ ، ولا قمرٌ، ولا ليلٌ، ولا نهارٌ، ولكن تُعرَفُ البُكْرةُ والعَشِيَّةُ بأنوارٍ تظهَرُ من قِبَلِ العرشِ. قَاعِدَةٌ علمُ اللهِ السابقُ يُحيطُ بالأشياءِ على ما هي عليه، فلا مَحْوَ فيه، ولا تغييرَ، ولا إثباتَ، ولا نقصَ. وأما اللوحُ المحفوظُ الذي لا يطَّلِعُ عليه غيرُه؛ فهل فيه مَحْوٌ وإثباتٌ؟ على قولَينِ. وأما الصُّحُفُ التي بيد الملائكةِ كما في «الصحيحَينِ» من قولِه ﷺ : «فيُؤمَرُ بكَتْبِ رِزْقِه، وعمَلِه، وأجَلِه، وشقيٌّ وسعيدٌ» (١)، فهذا يحصل

стр. 329

فيه المحوُ والإثباتُ، فإنه قد يُقدَّرُ له مدةٌ، ثم يعملُ شيئًا يزيدُ به على ذلك مما عَلِمَه اللهُ أن يفعَلَه؛ مثلُ: أن يصِلَ رحِمَه، ففي «الصحيحَينِ»: «مَن سرَّه أن يُبسَطَ له في رزقِه، ويُنسَأَ له في عمره؛ فلْيصِلْ رحِمَه» (١)، أو غيرِ ذلك من الأسبابِ، كما روَى التِّرْمِذيُّ: «أن اللهَ أرَى آدمَ ابنَه (٢) داودَ، فأعجَبَه، فسألَ عن عمرِه؟ فقال: أربعينَ سنةً، فوهَبَه من عمرِه ستينَ سنةً، وكتب عليه كتابًا، ثم بعدَ ذلك أنكَرَ ونسِيَ، فجحَد فجحَدَتْ ذُرِّيَّتُه» (٣). فقد عَلِم الله أنه قدَّر له أربعينَ بلا سببٍ، وعَلِم أنه يحصُلُ له ستونَ بسببِ هِبَةِ أبيه له. وقولُه: ﴿ولا يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾؛ فمن الناس من فسَّر التعمير والنقص بذلك، ومنهم من فسَّره: بأنَّه إبقاؤه عمراً طويلاً، ونقْصُ شخصٍ عما عُمِّر هذا، فيكون ذلك بالنسبة إلى شخصين، كقوله: ﴿أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾، فيكون المراد طول الأعمار وقصرها (٤).

стр. 330

وقولُه: ﴿ومن أعرض عن ذكري … ﴾ الآيةَ: يشملُ الكافرَ، فله منها أحقُّ الوعيدِ، ويشملُ المؤمنَ المُرتكِبَ الكبيرةِ، فله بقدرِ إعراضِه. ومذهبُ أهلِ السُّنَّةِ: أن الشخصَ الواحدَ تجتمعُ فيه الحسناتُ والسيئاتُ، فيستحقُّ الثوابَ والعقابَ جميعًا. وسماعُ الميتِ لقَرْعِ نِعالِهم ، ولسلامِ المسلِّم عليه (١)، ونحوِ ذلك مما ثبَتَ أن جنسَ الأمواتِ يسمعونَ: ليس ذلك مخصوصًا بقومٍ معيَّنِينَ؛ بل هو مطلَقٌ. وقولُه: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾؛ المرادُ: السماعُ المعتادُ الذي يتضمَّنُ القَبولَ والانتفاعَ، كما نفى في حقِّ الكفارِ السماعَ النافعَ في قولِه: ﴿ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾، وقولِه: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل﴾. فإذا كان قد نفى عن الكافرِ السمعَ مطلقًا، وعُلِم أنَّ ما نَفى عنه سمعُ القلبِ المتضمِّنُ للفهمِ والقَبولِ، لا مجرَّدُ سمعِ الكلامِ، فكذلك المشبَّهُ به؛ وهو الميتُ. والذي قاله فيه: «إن الميتَ إذا حُمِل قال: قدِّموني، أو يقولُ: يا وَيْلَها … » (٢) ليس هو الكلامَ المعتادَ بتحرك اللسانِ؛ فإنه لو كان كذلك

стр. 331

لسمِعَه كلُّ أحدٍ، ولكن هو أمرٌ آخر باطن، ليس هو مجرَّدَ الرُّوحِ منفصلًا عن البدنِ، فالنائمُ قد يسمعُ ويتكلمُ، وذلك برُوحِه وبدنِه الباطنِ؛ بحيثُ يظهرُ آثارها في بدنِه حتى يقومُ، ويصيحُ، ويمشي، ويتنعمُ بدنُه ويتعذَّبُ، ومعَ ذلك فعينُه مُغمَضة، وغالبُهم أن لسانَه لا يتحركُ؛ لكن إذا قوِيَ أمرُ الباطنِ قد ينطقُ اللسانُ الظاهرُ حتى يصوتَ به، ولو نُودِي من حيثُ الظاهرُ لا يسمعُ. فكما أن النائمَ حالُه لا يشبهُ حالَ اليقظانِ، ولا أحوالُه مختصةٌ بالرُّوحِ، فالميتُ أبلغُ من ذلك، فإن معرفتَه بالأمورِ أكملُ من النائمِ. وإدراكُ الإنسانِ بعدَ موتِه لأمورِ الآخرةِ أكمَلُ من أهلِ الدنيا، وإن كان قد تَعْرِضُ للميتِ حالٌ لا تدركُ، كما قد يَعرضُ ذلك للنائمِ، وقد رُوِي: «من مات ولم يُوصِ؛ لا يستطيعُ الكلامَ» (١). وأرواحُ المؤمنينَ - وإن كانت بالجنةِ - فلها اتصالٌ بالبدنِ إذا شاءَ اللهُ تعالى من غيرِ زمنٍ طويلٍ، كما تنزلُ الملائكةُ في طَرْفةِ عينٍ، قال مالكٌ: بلغني أن الرُّوحَ مُرسَلةٌ، تذهبُ حيثُ شاءَتْ (٢)، ولهذا رُوِي:

стр. 332

أنها على أفنيةِ القبورِ (١)، وأنها في الجنةِ (٢)، والجميعُ حقٌّ. وفي الصِّحاحِ: أنها تُرَدُّ إليه بعدَ الموتِ ويُسأَلُ (٣)، وتُرَدُّ فتكونُ متصلةً بالبدنِ بلا رَيْبٍ، واللهُ أعلمُ. وقد استفاضَتِ الأخبارُ بمعرفةِ الميتِ بحالِ أهلِه وأصحابِه في الدنيا، وأن ذلك يُعرَضُ عليه، وأنه يرى ويَدري بما يُفعَلُ عندَه، ويُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألَّمُ بما كان قبيحًا، ورُوِي أن عائشةَ بعدَ أن دُفِن عمرُ كانت تستترُ، وتقولُ: كان أبي وزوجي، أما عمرُ فأجنبيٌّ؛ تعني: أنه يراها (٤).

стр. 333

ورُوِي: أن الموتى يسألونَ الميتَ عن حالِ أهلهم، فيُعرِّفونهم أحوالَهم، وأنه وُلِد لفلانٍ، وتزوجَتْ فلانةُ، ومات فلانٌ فما جاء؟ فيقولونَ: راح إلى أمِّه الهاويةِ (١). مَسْأَلَةٌ بناءُ المساجدِ على القُبورِ: محرَّمٌ باتِّفاقِ الأئمَّةِ. ولو بُنِي عليهِ غير مسجدٍ؛ نُهِي عنه أيضًا باتِّفاقِ العلماءِ، وإنما تَنازَعوا في تَطْيينِه؛ فرخَّصَ فيه أحمدُ والشافعيُّ، وكرِهَه أبو حنيفةَ؛ كالتَّجْصِيصِ. والبناءُ على القبورِ من المساجدِ والتُّرَبِ؛ محدث في الإسلام من قريب. وكذلك ترتيبُ قراءةٍ على القُبورِ؛ مُحدَثٌ. وقد تنازَعَ العلماءُ فيمن أهدَى إلى الميتِ عبادةً بدنيةً؛ كالصَّلاةِ، والصيامِ، والقراءةِ:

стр. 334

فمذهَبُ أحمدَ وأبي حنيفةَ وغيرِهما: وصولُ ذلك (١). والمشهورُ من مذهَبِ مالكٍ والشافعيِّ: أن ذلك لا يصِلُ. واتفقوا على وصولِ العباداتِ الماليةِ؛ كالعِتْقِ، والوَقْفِ على مَن يتعلمُ القرآنَ ويُعلِّمُه، أو الحديثَ، أو العلمَ، ونحوَه من الأعمالِ المأمورِ بها في الشريعةِ، فهذا أفضلُ من الوقفِ على مَن يقرأُ ويُهدِي ثوابَه لأيٍّ من كان؛ من نبيٍّ أو غيرِه. ولم يقُلْ أحدٌ: إن القراءةَ عندَ القبرِ أفضلُ من غيرِه. وكلُّ مَن وقَف على شيءٍ من أعمالِ البِرِّ؛ كان له أجرُه، وللنبيِّ ﷺ عليه وسلم أجرُ ذلك كلِّه؛ لأنه هو الذي أحيا الدينَ، وسنَّ للناسِ، وعلَّمَهم جميعَ الخيراتِ، فله أجرُ من يعملُ إلى يومِ القيامةِ، من غيرِ أن ينقُصَ من أُجورِهم شيءٌ، فإنه الداعي إلى كلِّ هدًى ﷺ . مَسْأَلَةٌ (٢) الدينُ الذي بعَث اللهُ به رُسُلَه ، وأنزلَ به كُتُبَه: هو عبادةُ اللهِ وحدَه لا شريكَ له، فإذا كان مطلوبُ العبدِ من الأمورِ التي لا يقدرُ عليها إلا

стр. 335

اللهُ؛ مثلُ: شِفاءِ مريضِه، أو وفاءِ دَينِه من غيرِ جهةٍ معينةٍ، أو عافيتِه وما به من بلاءِ الدنيا والآخرةِ، وانتصارِه على عدُوِّه، أو هدايةِ قلبِه، أو غُفْرانِ ذنبِه، أو دخولِه الجنةَ ونجاته من النارِ، أو يتعلمَ العلمَ أو القرآنَ، أو أن يُصلِحَ قلبَه، ويُحسِّنَ خُلُقَه، وأمثالُ ذلك: فهذا لا يجوزُ أن يُطلَبَ إلا من اللهِ. ولا يجوزُ أن يقالَ لمَلَكٍ، ولا نبيٍّ، ولا شيخٍ ميتٍ، أو حيٍّ: اغفِرْ لي ذنبي، انصرني على عدُوِّي، فمن سأل مخلوقًا شيئًا من ذلك فهو مشركٌ به، يجبُ أن يُسْتتابَ، فإن تاب وإلا قُتِل، وهذا مثلُ دينِ النصارى. وكذا قولُه: يا سيدي أنا في حسبِكَ، أو في جيرتِكَ، أو فلانٌ يظلِمُني، يا شيخي فلانٌ انصرني عليه. وأما ما يقدرُ عليه العبدُ ويجوزُ أن يُطلَبَ منه في بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ، فإن مسألةَ المخلوقِ قد تكونُ جائزةً، وقد تكونُ منهيًّا عنها، ومن ذلك قولُه: يا فلانُ ادعُ لي، اسألِ اللهَ لي كذا، فطلبُ الدعاءِ ممن هو فوقَه ودونَه مشروعٌ، وقد قال ﷺ : «مَن سأل اللهَ لي الوسيلةَ؛ حلَّتْ عليه شَفاعتي» (١)؛ وذلك لأجلِ مَنفعتِنا. وفرقٌ بينَ من يطلبُ من غيرِه الدعاءَ لمنفعة المطلوب منه، ومن سأل غيرَه لحاجتِه إليه فقط.

стр. 336

وفي الصحيحِ أن عمرَ قال: «اللهُمَّ، إنا كنَّا إذا أجدَبْنا نتوسَّلُ إليك بنبِيِّكَ فتَسْقينا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعَمِّ نبِيِّنا فاسقِنا» (١). وأما زيارةُ القبورِ المشروعةُ: فهو أن يُسلِّمَ على الميتِ، ويدعوَ له فقط؛ كالصَّلاةِ على جَنازتِه. فليس في الزيارةِ الشرعية حاجةٌ للحيِّ إلى الميتِ، ولا توسُّلُه له ولا به؛ بل فيها منفعةُ الحيِّ للميتِ؛ كالصَّلاةِ عليه، واللهُ يرحمُ هذا، ويُثيبُه على عمَلِه، ويرحمُ هذا بدعاء هذا؛ كما عَلَّم الصحابةَ الزيارةَ، وكما كان هو يزورُ ﷺ . والمقصودُ: أن مَن يأتي إلى قبرٍ ، أو رجلٍ صالحٍ، ويَسْتنجِدُه، فهذا على ثلاثِ درجاتٍ: أحدها: أن يسألَ حاجتَه؛ مثلَ أن يقولَ: اغفِرْ لي، ونحوِه؛ فهذا شِرْكٌ كما تقدَّمَ. الثاني: أن يطلبَ منه أن يدعوَ له؛ لأنه أقربُ إلى الإجابةِ، فهذا مشروعٌ في الحيِّ، وأما في الميتُ فلم يُشرَعْ لنا أن نقولَ له: ادْعُ لنا، ولا: سلْ لنا ربَّكَ، لم يفعلْ ذلك أحدٌ من الصحابةِ والتابعِينَ، ولا أمَر به أحدٌ من الأئمَّةِ، ولا ورَد فيه حديثٌ؛ بل ثبت في الصحيحِ: أن عمرَ استَسْقى بالعباسِ، ولم يأتِ قبرَ النبيِّ ﷺ ؛ بل كانوا إذا جاؤوا قبرَه

стр. 337

سلَّموا عليه (١)، فإذا دعَوُا الله استَقْبلوا القِبلةَ، ودَعَوُا اللهَ وحدَه لا شريكَ له، كما يَدْعونَه في سائرِ البقاعِ. وقد نهى عن إتيانِ قبرِه، واتخاذِه مسجدًا في أحاديثَ كثيرةٍ (٢). ولهذا قال العلماءُ: إنه لا يجوزُ بناءُ المساجدِ على القُبورِ. ولا يجوزُ أن يُنذَرَ للقبرِ، ولا للمجاورينَ عندَه شيءٌ من الأشياءِ، لا دراهمٌ، ولا زيتٌ، ولا شمعٌ، ولا حيوانٌ، ولا غيرَ ذلك. ولم يقُلْ أحدٌ من أئمةِ المسلمِينَ: إن الصَّلاة عندَ القبورِ، أو في مشاهدِ القبور مستحبةٌ، أو فيها فضيلةٌ، ولا أن الدعاءَ والصَّلاةَ أفضلُ عندَ القبورِ من غيرِها، بل اتَّفَقوا كلُّهم أن الصَّلاةَ في المساجدِ والبيوتِ أفضلُ من الصَّلاةِ عندَ قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ، وقد شرَع اللهُ الصَّلاةَ

стр. 338

في المساجدِ دونَ المشاهدِ. ولهذا اتَّفقَ المسلمونَ على أن مَن زار قبرَ النبيِّ أو غيرِه من أهلِ البيتِ وغيرِهم؛ أنه لا يتمسَّحُ به، ولا يُقبِّلُ، بل ليس شيءٌ يُشرَعُ تقبيلُه إلا الحجرَ الأسودَ، وقد ثبَتَ أن عمرَ قال فيه: «إنكَ حجرٌ، لا تنفعُ ولا تضرُّ» (١). ولكن تنازَعَ الفقهاءُ في وضعِ اليدِ على منبرِ النبيِّ ﷺ ؛ لما كان موجودًا؛ فكرِهَه مالكٌ وغيرُه. وأما التمسُّح (٢) بقبرِ النبيِّ ﷺ وتقبيلُه فكلُّهم نهَى عنه، وذلك أنهم علِموا ما قصَدَه من حَسْمِ مادةِ الشركِ، وتحقيقِ التوحيدِ للهِ وحدَه. وهذا مما يظهرُ به الفرقُ بينَ سؤالِ النبيِّ والصالح في حياتِه وبعدَ موتِه، وذلك أن أحدًا في حياتِه لا يَعبُدُه؛ لأنه لا يمكِّنُ أحدًا من ذلك، كما قال المسيحُ: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به .. ﴾ الآية. وقال نبِيُّنا: «لا تُطْروني كما أَطْرَتِ النصارى المسيحَ، بل قولوا عبدُ اللهِ» (٣)، وكذا لما سجَد له معاذٌ؛ نهاه وقال: «إنه لا يصلُحُ السجودُ إلا للهِ» (٤).

стр. 339

وما كان أحدٌ أحبَّ إليهم من رسولِ اللهِ، وما كانوا يقومونَ له، من كراهية ما يرونه منه لذلك (١). فهذا شأنُ أنبياءِ اللهِ تعالى وأوليائِه، وإنما يُقِرُّ على الغُلُوِّ فيه وتعظيمِه بغير حق من يريدُ العلوَّ في الأرضِ والفسادَ؛ كفرعونَ ومشايخِ الضلالةِ الذينَ غرَضُهم العلوُّ (٢) في الأرضِ، والفتنةُ بالأنبياءِ والصالحينَ، واتخاذُهم أربابًا، والإشراكُ بهم في غَيْبتِهم. فظهر الفرقُ بينَ سؤالِ النبيِّ والصالحِ في حياتِه بحضورِه، وبينَ سؤالِه في مماتِه وغَيْبتِه. ومن أعظمِ الشركِ أن يستغيثَ الإنسانُ برجلٍ ميتٍ عندَ المصائبِ، يا سيدي فلانُ؛ كأنه يطلبُ منه إزالةَ ضرَرِه، أو جلْبَ نفْعِه، كما هو حالُ النصارى في المسيحِ وأمِّه وأحبارِهم ورُهْبانِهم. فإذا حصَل هذا الشركُ تنزَّلَتْ عليهم الشياطينُ وأغْوَتْهم، وربما خاطَبَتْهم كما فعلت في أصحابِ الأصنامِ؛ لا سيَّما عندَ سماعِ المُكاءِ والتصديةِ، فإن الشياطينَ تنزل عليهم، وقد يصيبُ أحدَهم من الإرغاءِ، والإزبادِ، والصياحِ المُنكَرِ، وتكلُّمِه ما لا يعقِلُه هو ولا الحاضرونَ، وأمثالِ ذلك.

стр. 340

وأما القسمُ الثالثُ: وهو أن يقولَ: اللهُمَّ، بجاه فلانٍ عبدَكَ، أو ببركةِ فلانٍ، أو بحرمةِ فلانٍ عندَكَ؛ افعَلْ بي كذا وكذا، فهذا يفعَلُه كثيرٌ من الناسِ؛ لكن لم يُنقَلْ عن أحدٍ من الصحابةِ والتابعِينَ وسلَفِ الأمةِ: أنهم كانوا يَدْعونَ بمثلِ هذا الدعاءِ. قال شيخُ الإسلامِ: ولم يبلُغْني عن أحدٍ من العُلَماءِ في ذلك ما أحكيه؛ إلا ما رأيتُه في فتاوى محمد بنِ عبدِ السلامِ؛ فإنه أفتى أنه لا يجوزُ لأحدٍ أن يفعلَ هذا إلا للنبيَّ (١) ﷺ إن صحَّ الحديثُ في النبيِّ ﷺ . ومعنى ذلك: أنه رُوِي عن النبيِّ أنه علَّم بعضَ أصحابِه أن يدعوَ فيقولَ: «اللهُمَّ، إني أسألُكَ وأتوسَّلُ إليك بنبِيِّكَ نبيِّ الرحمةِ، يا محمدُ، يا رسولَ اللهِ، إني أتوسَّلُ بك إلى ربي في حاجتي؛ ليقضِيَها لي، اللهُمَّ فشفِّعْه فيَّ» (٢). فهذا الحديثُ قد استَدلَّ به طائفةٌ على جواز التوسُّلِ بالنبيِّ ﷺ في حياتِه ومماتِه، وليس فيه إلا أنه دعا واستغاثه به (٣)؛ وفيه سؤاله بجاه

стр. 341

النبيِّ ﷺ ، كما في قولِه: «اللهُمَّ، إني أسألُكَ بحقِّ السائلينَ، وبحقِّ مَمْشاي هذا» (١)، فالله قد جعَل على نفْسِه حقًّا، فقال: ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾. وقالت طائفةٌ: ليس في هذا الحديثِ جوازُ التوسُّلِ به في مماته (٢)، ولا مَغِيبِه؛ بل إنما فيه التوسُّلُ به في حياتِه بحضورِه؛ كما استَسْقى عمرُ بالعباسِ لما مات ﷺ وقال: «إنا كنا نتوسَّلُ إليك بنبِيِّنا» (٣)، وذلك أن التوسُّلَ به في حياتِه: هو أنهم كانوا يسألونَه أن يدعوَ اللهَ، فيدعوَ لهم، ويدعونَ معه، فيتوسَّلونَ بشفاعتِه ودعائِه، كما سألوه أن يستَسْقي لهم. وكذا معاويةُ لما استَسْقى، قال: «اللهُمَّ إنا نتشفَّعُ إليك بخِيارِنا يزيدَ بنِ الأسودِ الجُرَشيِّ، ارفَعْ يدَكَ إلى اللهِ»، فرفَع يدَيْه ودعا، ودعَوْا، فسُقوا (٤). وكذلك قال العلماءُ: يُستحَبُّ أن يُستَسْقى بأهلِ الصلاحِ والدينِ، وإذا كانوا من أهلِ بيتِ رسولِ الله كان أحسَنَ.

стр. 342

ولم يذكُرْ أحدٌ من العُلَماءِ أنه يُشرَعُ التوسُّلُ بالنبيِّ والرجلِ الصالحِ بعدَ موتِه، ولا في مَغِيبِه، ولا استَحبُّوا ذلك في الاستسقاءِ، ولا في الاستنصارِ، ولا غيرِ ذلك من الأدعيةِ. والدعاءُ مُخُّ العبادةِ ، والعبادةُ مَبْناها على السُّنَّةِ والاتباعِ، لا على الهوىِ والابتداعِ، وإنما يُعبَدُ اللهُ بما شرَع؛ لا يعبد بالأهواء والبدعِ. وأما وضعُ الرأسِ عندَ الكبراءِ من الشيوخِ أو غيرِهم، أو تَقْبيلُ الأرضِ، ونحوُ ذلك؛ فهو مما لا نزاعَ بينَ الأئمَّةِ في النَّهْيِ عنه؛ بل مجرَّدُ الانحناءِ بالظهرِ لغيرِ اللهِ مَنْهيٌّ عنه. وقولُ القائلِ: انقضَتْ حاجتي ببركةِ فلانٍ؛ فمُنكَرٌ من القولِ وزورٌ؛ لأن قائلًا قال: ما شاءَ اللهُ وشئتَ، فقال: «أجعَلْتَني للهِ ندًّا؛ بل ما شاءَ الله وحدَه» (١). وقولُ القائلِ: ببركةِ الشيخِ فلان؛ قد يعني به معنًى صحيحًا؛ مثلُ: بركةِ دعائِه، أو بركةِ ما أمَرَه به من الخيرِ، أو بركةِ اتباعِه له على الحقِّ، وطاعتِه له من طاعةِ اللهِ، أو بركةِ معاونتِه على الحقِّ، ومُوالاتِه في الدينِ، ونحوِ ذلك. وقد يعني به معنًى باطلًا؛ مثلُ: دعائِه الميتَ والغائبَ، واستقلالِ الشيخِ بذلك تأثيرًا، وفعلِه لما لا يقدرُ عليه، أو متابعتِه، أو مطاوعتِه

стр. 343

على بعض البِدَعِ أو المنكراتِ، ونحوِ هذه المعاني الباطلةِ. والذي لا رَيْبَ فيه: أن العملَ بطاعةِ اللهِ ودعاءَ المؤمنينَ بعضِهم لبعضٍ ونحوَ ذلك؛ هو نافعٌ في الدنيا والآخرةِ، وذلك بفضلِ اللهِ ورحمتِه. وأما قولُ القائلِ: إن الغوثَ هو القطبُ الجامعُ في الوجودِ، وتفسيرُ ذلك بأنه مدَدُ الخلائقِ في رزقِهم ونصرهم؛ حتى إنه مدَدُ الملائكةِ، والحيتانِ في البحرِ؛ فهذا كفرٌ بالاتفاقِ. وكذلك إن عنى بالغَوْثِ ما يقولُه بعضُهم: إن في الأرضِ ثلاثمائة وبضعةَ عشَرَ رجلًا، النُّجَباء منهم سبعونَ نقباً، منهم أربعونَ أبدال، منهم سبعةُ أقطابٍ، منهم أربعةُ أوتادٍ، منهم واحدٌ غَوْثٌ، وأنه مقيمٌ بمكةَ، وأن أهلَ الأرضِ إذا نابَهم نائبةٌ في رزقِهم ونصرِهم؛ فزِعوا إلى الثلاثمائة وبضعةَ عشَرَ رجلًا، وأولئكَ يفزعونَ إلى السبعينَ، والسبعونُ إلى الأربعينَ، والأربعونَ إلى السبعةِ، والسبعةُ إلى الأربعةِ، والأربعةُ إلى الواحدِ، وبعضُهم يزيدُ في ذلك وينقصُ في الأعدادِ والأسماءِ والمراتبِ، فإن لهم فيها مقالاتٍ؛ حتى يقولَ بعضُهم: إنه ينزلُ من السماءِ ورقةٌ خضراء باسم غوث الوقت واسمه: «خضر» - على قول مَن يقولُ منهم: إن الخَضِرَ رتبةٌ، وإن لكلِّ زمانٍ خَضِرًا، وإن لهم في ذلك قولَينِ -؛ فهذا كلُّه باطلٌ لا أصلَ له في كتابِ اللهِ، ولا سنةِ رسولِ اللهِ، ولا قالَه أحدٌ من سلَفِ الأمةِ وأئمَّتِها، ولا من الشيوخِ الكبارِ المتقدِّمينَ الذينَ يصلُحُونَ للاقتداءِ بهم.

стр. 344

ومعلومٌ أن النبيَّ وأبا بكرٍ وعمرَ وعثمان وعليًّا كانوا خيرَ الخلائقِ في زمانِهم، وكانوا بالمدينةِ، لم يكونوا بمكةَ. ومثلُ ذلك: ما يقولُه الفلاسفةُ من العقولِ العشَرةِ التي قد يزعمونَ أنها الملائكةُ، هو مثلُ ما يقولُه النصارى في المسيحِ، كلُّ ذلك كفرٌ باتِّفاقِ الأئمَّةِ. وقد روَى بعضُهم حديثًا في «هلال» غلامِ المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، وأنه أحدُ السبعةِ، وهو كذِبٌ باتِّفاقِ أهلِ المعرفةِ، وقد يروي بعضَ هذه الأحاديثِ أبو نُعَيمٍ والشيخُ أبو (١) عبدِ الرحمنِ السُّلَميُّ، فلا يُغتَرَّ بشيءٍ منها (٢). وكذلك يقالُ: ثلاثةٌ ما لها أصلٌ: بابُ النصارى، وغَوْثُ جهال المتصوفةِ، ومُنتظَرُ الرافضةِ. والصوابُ: أن الخَضِرَ مات، فإنه لو كان موجودًا في زمنِ النبيِّ ﷺ لآمنَ به، وجاهدَ معه. ثم ليس للمسلمِينَ به حاجةٌ؛ فإنهم أخذوا دينَهم عن المعصومِ النبيِّ

стр. 345

الأُمِّيِّ الذي علَّمَهم الكتابَ والحكمةَ، كيفَ يظهرُ للمشركينَ، ولا يظهرُ للسابقينَ الموحِّدِينَ؟! كيفَ يظهرُ لقومٍ كفارٍ يرفعُ سفينتَهم، ولا يظهرُ لخيرِ أمةٍ أُخرِجتْ للناسِ؟! وقد قال لهم نبِيُّهم: «لو كان موسى حيًّا لما وسِعَه إلا اتِّباعي» (١)، «ولو اتَّبَعْتُموه وترَكْتُموني لو كان حيًّا لضَلَلْتُم» (٢)، وإذا أُنزلَ عيسى من السماءِ إنما يحكُمُ بمِلَّةِ محمدٍ ﷺ . وعامةُ ما يُحكَى عن الخَضِرِ: إما كذبٌ، وإما مَبْنيٌّ على ظنٍّ؛ مثلُ من رأى شخصًا، فقال: إنه الخَضِرُ، وهذا مثلُ قولِ الرافضةِ في المُنتظَرِ. ويرُوَى عن الإمامِ أحمدَ أنه ذُكِر له ذلك، فقال: من أحالكَ على غائبٍ فما أنصَفَكَ، وما ألقى هذا على ألسن الناس إلا الشيطان. وقد يُراد بالغَوْثِ أنه أفضلُ أهلِ زمانِه، فهذا ممكنٌ؛ لكن قد يكونُ ذلك جماعةً، وقد يتساوونَ، وقد يتفاضلونَ من وجهٍ دونَ وجهٍ. وبكلِّ حالٍ؛ تسميته هذا غوثًا، أو قطبًا، أو جامعًا؛ بدعةٌ ما أنزلَ اللهُ بها من سُلْطانٍ، ولا تكلَّم بها أحدٌ من السَّلَفِ، وما زال السَّلَفُ يظنونَ في بعضِ الناسِ أنه أفضلُ أهلِ زمانِه، ولا يُطلِقونَ هذه التسميةَ عليه.

стр. 346

وقال بعضُ الكبارِ المنتحلينَ لهذا: إن القطبَ ينطقُ علمُه على علمِ اللهِ، وقدرتُه على قدرةِ اللهِ، فيعلمُ ما يعلمُه اللهُ، ويقدرُ على ما يقدرُ عليه اللهُ، وزعم أن النبيَّ كان كذلك، وانتقلَ ذلك عنه إلى الحسَنِ، ثم انتقلَ إلى شيخِه؛ فهذا كفرٌ قبيحٌ، وجهلٌ صريحٌ، واللهُ المستعانُ. مَسْأَلَةٌ الاعتداءُ في الدعاءِ غيرُ جائزٍ ، مَنهِيٌّ عنه في القرآنِ والسُّنَّةِ، وهو أن يسألَ اللهَ منازلَ الأنبياءِ، أو أكثرَ من ذلك من السؤالِ الذي لا يصلُحُ. والاعتداءُ في الطهور منهيٌّ عنه ، وهو الزيادةُ على المشروعِ، قال ﷺ : «سيكونُ في هذه الأمةِ قومٌ يعتدون في الطهور والدعاءِ» (١). مَسْأَلَةٌ عيسى بنُ مريمَ ﷺ حيٌّ ، رفَعَه اللهُ إليه برُوحِه وبدنِه، وقولُه: ﴿متوفيك﴾؛ أي: قابضُك، وكذلك ثبَتَ أنه ينزلُ على المنارةِ البيضاءِ شرقِيَّ دمشقَ (٢)، فيقتُلُ الدجَّالَ بباب لدٍّ، ويكسِرُ الصليبَ، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، ويضعُ الجِزْيةَ، حَكَمًا عدلًا مُقسِطًا (٣).

стр. 347

ويُرادُ بالتوَفِّي: الاستيفاءُ، ويُرادُ به: الموتُ، ويُراد به: النومُ، يدلُّ على واحدٍ بقرينة (١). ولا يجوزُ ذبحُ الضحايا ولا غيرِها في المسجدِ ، ولا الدفنُ فيه، ولا تغييرُ الوقفِ لغيرِ مصلحةٍ، ولا الاستنجاءُ في المسجدِ. وفي كراهةِ الوضوءِ فيه نزاعٌ ؛ إلا أن يحصُلَ معَه بصاقٌ، أو امتخاطٌ في المسجدِ؛ فإن البصاقَ فيه خطيئةٌ، وكفارتُها دَفْنُها، فكيفَ بالمخاطِ؟ ومَن لم يأتمِرْ بما أمَره اللهُ به ورسولُه ، وينتهي عما نهاه الله ورسوله عنه؛ بل يرُدُّ على من أمَره بالمعروفِ، أو نهاه عن مُنكَرٍ؛ يُعاقَبُ العقوبةَ الشرعيةَ. ولا تُغسَّلُ الموتى في المسجدِ ، ولا يُحدَثُ به ما يضُرُّ بالمصلِّينَ، فإن أُحدِثَ أُزيلَ وأُعيد إلى الصفةِ الأولى أو أَصْلَحَ منها (٢). مَسْأَلَةٌ قال أبو العاليةِ: سألتُ أصحابَ محمدٍ عن قولِه: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة … ﴾؛ فقالوا: «كلُّ من

стр. 348

عصَى اللهَ فهو جاهلٌ، وكلُّ من تاب قبلَ الموتِ فقد تابَ عن قريبٍ» (١). وأما كتابةُ «لا إلهَ إلا اللهُ» على الدراهمِ: فمُحدَثٌ من خلافةِ عبدِ الملكِ بنِ مَرْوانَ، وإلى الآنَ، وكانوا يكتبونَ عليها نحوًا من ذلك. ويجوزُ للمُحدِثِ مسكُها، وإذا كانت معَه في منديلٍ، أو خريطةٍ، وشقَّ عليه مسكُها؛ جاز أن يدخُلَ بها الخلاءَ. ولم يضرِبِ الرسولُ ولا أصحابُه دراهمَ، وإنما أُحدِثَ ضربُها من خلافةِ عبدِ الملكِ؛ كما تقدَّمَ. ومريمُ بنتُ عِمْرانَ وآسية زوجةُ فرعونَ من أفضلِ النساءِ، والفواضلُ من هذه الأمةِ؛ كخديجةَ وعائشةَ وفاطمةَ؛ أفضلُ منهما؛ كما أن الفاضلِينَ من رجالِ هذه الأمةِ أفضلُ من فاضلي رجالِ غيرِها. فإن الصوابَ الذي عليه عامةُ المسلمِينَ، وحكى الإجماعَ عليه غيرُ واحدٍ: أنهما ليستا بنبِيَّتَينِ، وإنما غايتُهما الصدِّيقيةُ، كما دلَّ عليه القرآنُ. وصِدِّيقو هذه الأمةِ - رجالُها ونساؤُها -؛ أفضلُ من صِدِّيقِي غيرِها. وأما الأبكارُ فإن اللهَ يُزوِّجُهنَّ في الجنةِ ، وأما مريم فقد روي: أنها

стр. 349

زوجة نبينا ﷺ ، وما أعلمُ صحةَ ذلك (١)، واللهُ أعلمُ. ولا خلافَ بينَ المسلمِينَ أن مَن لم يؤمنْ بمحمدٍ ﷺ بعدَ بلوغِ رسالتِه إياه؛ أنه كافرٌ مُخلَّدٌ في النارِ، ومنِ ارتابَ في ذلك؛ فهو كافرٌ يجبُ قتلُه، ولا فرق بين الكتابيين وغيرهم. ولا خلاف في تحريم الخمرة ؛ ومن أنكر ذلك بعد قيام الحجة عليه؛ فإنه يكفر، ويجب قتله، كما استتابَ عمرُ وعليٌّ طائفةً جهِلَت، فظنَّتْ أنها تُباحُ للصالحينَ دونَ غيرِهم، واتَّفَقَ الصحابةُ على أن هؤلاءِ إن أصرُّوا قُتِلوا (٢). مَسْأَلَةٌ نُقِل عن ابنِ عبَّاسٍ في قولِه: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾: أنه قال: «عن شِدَّةٍ» (٣)، وثبَتَ في «الصحيحَينِ» من حديثِ أبي سعيدٍ في

стр. 350

حديثِه الطويلِ الذي فيه تجلَّي اللهِ تعالى لعبادِه يومَ القيامةِ، وأنه يحتجبُ، ثم يتجلَّى، قال: «فيكشِفُ عن ساقِه» (١) فينظرونَ إليه، والذي في القرآنِ ليست مضافةً، فلهذا وقع النِّزاعُ: هل هو من الصفاتِ، أم لا؟ قال شيخُ الإسلامِ: ولا أعلمُ خلافًا عن الصحابةِ في شيءٍ مما يُعَدُّ من الصفاتِ المذكورةِ في القرآنِ إلا هذه الآيةَ؛ لعدمِ الإضافةِ فيها، ومن يجعَلُ ذلك من الصفاتِ يقولُ فيه كقولِه: ﴿لما خلقت بيدي﴾، وقولِه: ﴿ويبقى وجه ربك﴾، ونحوِ ذلك، فإنه معَ الصفاتِ تثبتُ، ويجبُ تَنْزيهُ الربِّ تعالى عن التمثيلِ؛ لأنه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. ومَن نبَشَ قبورَ المسلمِينَ عدوانًا؛ عُوقِبَ بما يردَعُه وأمثالَه عن ذلك، وكذا من خرَّبَ مسجدَهم وعليه إعادتُه من مالِه. مَسْأَلَةٌ أخَرج مسلمٌ عن عائشةَ قالت: سألتُ رسولَ اللهِ عن قولِه تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات﴾؛ فأينَ يكونُ الناسُ يومئذٍ؟ فقال: «على الصِّراطِ» (٢)، فالأرضُ تُبدَّلُ، كما ثبَتَ في

стр. 351

«الصحيحَينِ»: «أن الناسَ يُحْشَرونَ على أرضٍ بيضاءَ عَفْراءَ كقُرصةِ النَّقِيِّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ» (١). قال ابنُ مسعودٍ: «هي أرضٌ بيضاءُ، كهيئةِ الفضةِ، لم يُعمَلْ عليها خطيئةٌ، ولا سُفِكَ فيها دمٌ حرامٌ، ويُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، ينفذُهم البصرُ، ويُسمعُهم الداعيُ، حُفاةً عُراةً غُرْلًا كما خُلِقوا، فيأخذُ الناسَ من كَرْبِ ذلك اليومِ وشدَّتِه؛ حتى يُلجِمَهم العرقُ» (٢)، وبعضُهم يرفعُه إلى النبيِّ ﷺ (٣)، وكذا عن مجاهدٍ وغيرِه من السَّلَفِ (٤). فهذا الحديثُ وسائرُ الآثارِ تبيِّنُ أن الناسَ يُحْشرَونَ على الأرضِ المبدَّلةِ، والقرآنُ يوافقُ ذلك؛ كقولِه: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا للهِ الواحد القهار﴾. وحَشْرُهم وحسابُهم يكونُ قبلَ الصراطِ، فإن الصراطَ منه ينجو إلى الجنةِ، ويسقُطُ أهلُ النارِ فيها؛ كما ثبَتَ في الأحاديثِ (٥). وحديثُ عائشةَ المتقدمُ يدُلُّ على أن التبديلَ يكونُ وهم على

стр. 352

الصراطِ؛ لكن البخاريَّ لم يروه، فلعله ترَكَه لهذه العلةِ، أو غيرِها؛ فإن سنَدَه جيدٌ. أو يُقالُ: تُبدَّلُ قبلَ الصراطِ، وعلى الصراطِ تُبدَّلُ الأرض والسمواتُ. وأما قولُه: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾، فالطَّيُّ غيرُ التبديلِ، وقال: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾. وفي «الصحيحَينِ»: أنه يَطوي السمواتِ، ثم يأخذُهُنَّ بيمينِه، ثم يقولُ: «أنا الملِكُ، أينَ الجبارونَ؟! أينَ المُتكبِّرونَ؟!» (١)، وفي لفظٍ: «يأخذُ الجبارُ سماواتِه وأَرَضِيه بيدِه» (٢)، وهو في أحاديثَ كثيرةٍ. فطيُّ السمواتِ لا يُنافي أن يكونَ الخلقُ في موضِعِهم، ليس في شيءٍ من الحديثِ أنهم يكونونَ عندَ الطيِّ على الجسرِ، كما رُوِي ذلك وقتَ تبدِيلِ الأرض غيرَ الأرضِ، وإن كان في تلك الروايةِ ما فيها. والذي لا رَيْبَ منه: أنه لا بدَّ من تبديلِها وطَيِّها. ومذهَبُ سلَفِ الأمةِ إثباتُ الصفاتِ للهِ كما جاءت؛ إثباتًا بلا تشبيه، وتَنْزيهًا بلا تعطيلٍ. وفي يومِ القيامةِ تُبدَّلُ الجلودُ في النارِ غير الجلود، كما أخبَرَ سُبْحانَه.

стр. 353

فقيلَ: إن المراد غير الجلودِ في الصفاتِ لا في الذواتِ، فكلما تغيَّرَتِ الصفاتُ صار هذا غيرَ هذا، وإن كان الأصلُ واحدًا، وهذا كما تُمَدُّ الأرضُ، وتكونُ السماءُ كالمُهْلِ، وكما يُعادُ خلقُ الإنسانِ، ويبقى طولُه ستونَ ذراعًا. قَاعِدَةٌ الذي اتَّفقَ عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ: أن النارَ لا يُخلَّدُ فيها أحدٌ من أهلِ الإيمانِ والتوحيدِ، كما ثبَتَ ذلك في الأحاديثِ؛ أنه يُخرَجُ مِن النارِ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذرةٍ من إيمانِ (١)، ونحوُه، لكن لا بدَّ أن يدخلَ النارَ من أهلِ التوحيدِ بذنوبِهم، ويُعاقَبونَ على مقدارِ ذنوبِهم، ثم يُخرَجونَ بشفاعةِ النبيِّ أو غيرِه. وأما أهلُ البِدَعِ؛ فلهم أقوالٌ مضطربةٌ باطلةٌ. فجمهورُ المعتزلةِ والخوارجِ يقولونَ: من دخل النارَ يُخلَّدُ فيها. وآخَرونَ من المرجئةِ يقولونَ: إنا لا نقطعُ لمعيَّنٍ (٢). فأولئكَ اعتقدوا أن الإيمانَ متى ذهَبَ بعضُه ذهَبَ جميعُه، قالوا: والفاسقُ قد نقَصَ إيمانُه.

стр. 354

والحقُّ ما عليه السَّلَفُ. وقولُه: «لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ … » (١): إنما سلَبَه كمالَ الإيمان الواجبِ وحقيقتَه التي بها يستحِقُّ الجنةَ، والنجاةَ من النارِ، وكذلك قولُه: «مَن غشَّنَا فليس منا» (٢)، وشبهُه. وما ورد من نصوصِ الوعيدِ المطلَقةِ كقولِه تعالى: ﴿فسوف نصليه نارا﴾: فهو مُبيَّنٌ ومُفسَّرٌ بما في الكتابِ والسُّنَّةِ من النصوصِ المبينةِ لذلك، المقيدةِ له. وكذلك ما ورد من نصوصِ الوَعْدِ المطلَقةِ. ولذلك بيَّنَ أن الحسناتِ تمحو السيئاتِ، والخطايا تُكفَّرُ بالمصائبِ وغيرِها من العملِ الصالحِ وغيرِه؛ كالدعاءِ له، والصدقةِ عنه، والصيامِ، والحجِّ عنه. فقولُه: «لا يدخُلُ النارَ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ» (٣)؛ نفى به الدخولَ المُطلَقَ الذي توعَّدَ به القرآنُ توعدًا مطلقًا، وهو دخولُ الخلودِ فيها، وأنه لا يخرُجُ منها بشفاعةٍ ولا غيرِها؛ مثلُ قولِه: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾، وقولِه: ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾.

стр. 355

فيُقالُ: إن مَن في قلبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ يُمنَعُ من هذا الدخولِ المعروفِ، لا أنه لا يصيبُه شيءٌ من عذابِ النارِ؛ لأنه قال: «يقولُ اللهُ تعالى: أخْرِجوا مِن النارِ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ» (١)، وقال: «أمَّا أهلُ النارِ الذينَ هم أهلُها: فإنهم لا يموتونَ فيها، ولا يَحْيَوْنَ، ولكنْ ناسٌ أصابَتْهم النار بذنوبِهم، فأماتَتْهم إماتةً؛ حتى إذا كانوا حُمَمًا أُذِنَ في الشفاعةِ، فيجاء بهم ضَبائرَ ضَبائرَ (٢)، فينبُتُونَ على نهرِ الجنةِ» (٣). وكذا قولُه: «لا يدخُلُ الجنةَ مَن في قلبِه مثقالُ ذرةٍ مِن كِبْرٍ» (٤)؛ نفى الدخولَ المُطلَقَ المعروفَ، وهو دخولُ المؤمنينَ الذينَ أُعِدَّتْ لهم الجنةُ؛ كقولِه: ﴿وسيق الذينَ اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ الآيةَ، وقولِه: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾، وأمثالِ ذلك مما يُطلَقُ الدخولُ، والمرادُ: الدخولُ ابتداءً من غيرِ عذابٍ في النارِ؛ بحيثُ لا يُفهَمُ من ذلك أنهم يُعذَّبونَ، فهذا الدخولُ لا ينالُه مَن في قلبِه مثقالُ ذرةٍ مِن كِبْرٍ. وأيضًا: فهذه الأحاديثُ مُبيَّنٌ فيها سببُ دخولِ الجنةَ من العملِ الصالحِ، وسببُ دخولِ النارِ كالكِبْرِ، فإن وُجِد في العبدِ أحدُ السببَينِ
следующие страницы →