← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

«الصحيحَينِ»: «أن الناسَ يُحْشَرونَ على أرضٍ بيضاءَ عَفْراءَ كقُرصةِ النَّقِيِّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ» (١). قال ابنُ مسعودٍ: «هي أرضٌ بيضاءُ، كهيئةِ الفضةِ، لم يُعمَلْ عليها خطيئةٌ، ولا سُفِكَ فيها دمٌ حرامٌ، ويُجمَعُ الناسُ في صعيدٍ واحدٍ، ينفذُهم البصرُ، ويُسمعُهم الداعيُ، حُفاةً عُراةً غُرْلًا كما خُلِقوا، فيأخذُ الناسَ من كَرْبِ ذلك اليومِ وشدَّتِه؛ حتى يُلجِمَهم العرقُ» (٢)، وبعضُهم يرفعُه إلى النبيِّ ﷺ (٣)، وكذا عن مجاهدٍ وغيرِه من السَّلَفِ (٤). فهذا الحديثُ وسائرُ الآثارِ تبيِّنُ أن الناسَ يُحْشرَونَ على الأرضِ المبدَّلةِ، والقرآنُ يوافقُ ذلك؛ كقولِه: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا للهِ الواحد القهار﴾. وحَشْرُهم وحسابُهم يكونُ قبلَ الصراطِ، فإن الصراطَ منه ينجو إلى الجنةِ، ويسقُطُ أهلُ النارِ فيها؛ كما ثبَتَ في الأحاديثِ (٥). وحديثُ عائشةَ المتقدمُ يدُلُّ على أن التبديلَ يكونُ وهم على

стр. 352

الصراطِ؛ لكن البخاريَّ لم يروه، فلعله ترَكَه لهذه العلةِ، أو غيرِها؛ فإن سنَدَه جيدٌ. أو يُقالُ: تُبدَّلُ قبلَ الصراطِ، وعلى الصراطِ تُبدَّلُ الأرض والسمواتُ. وأما قولُه: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾، فالطَّيُّ غيرُ التبديلِ، وقال: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾. وفي «الصحيحَينِ»: أنه يَطوي السمواتِ، ثم يأخذُهُنَّ بيمينِه، ثم يقولُ: «أنا الملِكُ، أينَ الجبارونَ؟! أينَ المُتكبِّرونَ؟!» (١)، وفي لفظٍ: «يأخذُ الجبارُ سماواتِه وأَرَضِيه بيدِه» (٢)، وهو في أحاديثَ كثيرةٍ. فطيُّ السمواتِ لا يُنافي أن يكونَ الخلقُ في موضِعِهم، ليس في شيءٍ من الحديثِ أنهم يكونونَ عندَ الطيِّ على الجسرِ، كما رُوِي ذلك وقتَ تبدِيلِ الأرض غيرَ الأرضِ، وإن كان في تلك الروايةِ ما فيها. والذي لا رَيْبَ منه: أنه لا بدَّ من تبديلِها وطَيِّها. ومذهَبُ سلَفِ الأمةِ إثباتُ الصفاتِ للهِ كما جاءت؛ إثباتًا بلا تشبيه، وتَنْزيهًا بلا تعطيلٍ. وفي يومِ القيامةِ تُبدَّلُ الجلودُ في النارِ غير الجلود، كما أخبَرَ سُبْحانَه.

стр. 353

فقيلَ: إن المراد غير الجلودِ في الصفاتِ لا في الذواتِ، فكلما تغيَّرَتِ الصفاتُ صار هذا غيرَ هذا، وإن كان الأصلُ واحدًا، وهذا كما تُمَدُّ الأرضُ، وتكونُ السماءُ كالمُهْلِ، وكما يُعادُ خلقُ الإنسانِ، ويبقى طولُه ستونَ ذراعًا. قَاعِدَةٌ الذي اتَّفقَ عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ: أن النارَ لا يُخلَّدُ فيها أحدٌ من أهلِ الإيمانِ والتوحيدِ، كما ثبَتَ ذلك في الأحاديثِ؛ أنه يُخرَجُ مِن النارِ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذرةٍ من إيمانِ (١)، ونحوُه، لكن لا بدَّ أن يدخلَ النارَ من أهلِ التوحيدِ بذنوبِهم، ويُعاقَبونَ على مقدارِ ذنوبِهم، ثم يُخرَجونَ بشفاعةِ النبيِّ أو غيرِه. وأما أهلُ البِدَعِ؛ فلهم أقوالٌ مضطربةٌ باطلةٌ. فجمهورُ المعتزلةِ والخوارجِ يقولونَ: من دخل النارَ يُخلَّدُ فيها. وآخَرونَ من المرجئةِ يقولونَ: إنا لا نقطعُ لمعيَّنٍ (٢). فأولئكَ اعتقدوا أن الإيمانَ متى ذهَبَ بعضُه ذهَبَ جميعُه، قالوا: والفاسقُ قد نقَصَ إيمانُه.

стр. 354

والحقُّ ما عليه السَّلَفُ. وقولُه: «لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمنٌ … » (١): إنما سلَبَه كمالَ الإيمان الواجبِ وحقيقتَه التي بها يستحِقُّ الجنةَ، والنجاةَ من النارِ، وكذلك قولُه: «مَن غشَّنَا فليس منا» (٢)، وشبهُه. وما ورد من نصوصِ الوعيدِ المطلَقةِ كقولِه تعالى: ﴿فسوف نصليه نارا﴾: فهو مُبيَّنٌ ومُفسَّرٌ بما في الكتابِ والسُّنَّةِ من النصوصِ المبينةِ لذلك، المقيدةِ له. وكذلك ما ورد من نصوصِ الوَعْدِ المطلَقةِ. ولذلك بيَّنَ أن الحسناتِ تمحو السيئاتِ، والخطايا تُكفَّرُ بالمصائبِ وغيرِها من العملِ الصالحِ وغيرِه؛ كالدعاءِ له، والصدقةِ عنه، والصيامِ، والحجِّ عنه. فقولُه: «لا يدخُلُ النارَ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ» (٣)؛ نفى به الدخولَ المُطلَقَ الذي توعَّدَ به القرآنُ توعدًا مطلقًا، وهو دخولُ الخلودِ فيها، وأنه لا يخرُجُ منها بشفاعةٍ ولا غيرِها؛ مثلُ قولِه: ﴿لا يصلاها إلا الأشقى﴾، وقولِه: ﴿سيدخلون جهنم داخرين﴾.

стр. 355

فيُقالُ: إن مَن في قلبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ يُمنَعُ من هذا الدخولِ المعروفِ، لا أنه لا يصيبُه شيءٌ من عذابِ النارِ؛ لأنه قال: «يقولُ اللهُ تعالى: أخْرِجوا مِن النارِ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ» (١)، وقال: «أمَّا أهلُ النارِ الذينَ هم أهلُها: فإنهم لا يموتونَ فيها، ولا يَحْيَوْنَ، ولكنْ ناسٌ أصابَتْهم النار بذنوبِهم، فأماتَتْهم إماتةً؛ حتى إذا كانوا حُمَمًا أُذِنَ في الشفاعةِ، فيجاء بهم ضَبائرَ ضَبائرَ (٢)، فينبُتُونَ على نهرِ الجنةِ» (٣). وكذا قولُه: «لا يدخُلُ الجنةَ مَن في قلبِه مثقالُ ذرةٍ مِن كِبْرٍ» (٤)؛ نفى الدخولَ المُطلَقَ المعروفَ، وهو دخولُ المؤمنينَ الذينَ أُعِدَّتْ لهم الجنةُ؛ كقولِه: ﴿وسيق الذينَ اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ الآيةَ، وقولِه: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾، وأمثالِ ذلك مما يُطلَقُ الدخولُ، والمرادُ: الدخولُ ابتداءً من غيرِ عذابٍ في النارِ؛ بحيثُ لا يُفهَمُ من ذلك أنهم يُعذَّبونَ، فهذا الدخولُ لا ينالُه مَن في قلبِه مثقالُ ذرةٍ مِن كِبْرٍ. وأيضًا: فهذه الأحاديثُ مُبيَّنٌ فيها سببُ دخولِ الجنةَ من العملِ الصالحِ، وسببُ دخولِ النارِ كالكِبْرِ، فإن وُجِد في العبدِ أحدُ السببَينِ

стр. 356

فقط، فهو من أهلِه، وإن وُجِدا معًا استحَقَّ الجنةَ والنارَ. فالذي معَه كِبْرٌ وإيمانٌ يستحِقُّ النارَ، فيُعذَّبُ حتى يزولَ الكِبْرُ من قلبِه، وحينئذٍ يدخل الجنةَ، وما في قلبِه كِبْرٌ ولا مِثْقالُ ذرةٍ منه، كما أنه لو تاب منه لم يكُنْ من أهلِه. وكذلك إذا عُذِّبَ بذنبِه في الدنيا أو في الآخرةِ لم يكُنْ حينئذٍ من أهلِه. فقولُه: «لا يدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنةٌ» (١) حقٌّ أيضاً، إذا أُريدَ به الدخولُ المُطلَقُ الكاملُ؛ أُريدَ بالمؤمنِ المؤمنُ الكاملُ المُطلَقُ، وإذا أُريدَ بالدخولِ مُطلَقُ الدخولِ حتى يتناولَ الدخولَ بعدَ العذابِ؛ فإنه يُرادُ به المؤمنِ المطلق؛ حتى يتناولَ الفاسقَ الذي في قلبِه مثقالُ ذرةٍ من إيمانٍ، فإن هذا يدخُلُ في مُطلَقِ المؤمنِ؛ كقولِه: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، ولا يدخُلُ في المؤمنِ المُطلَقِ؛ كقولِه: ﴿إنما المؤمنون الذينَ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم … ﴾ الآيةَ. ومثلُ هذا كثيرٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ، ينتفي الاسمُ عن المسمَّى تارةً؛ لنفيِ حقيقتِه وكمالِه، ويثبتُ له تارةً؛ لوجودِ أصلِه وبعضِه؛ حتى يقالَ عن العالِمِ القاصرِ، والصانعِ القاصرِ: هذا عالِمٌ، وهذا صانِعٌ، بالنسبةِ إلى مَن لا يعلمُ، ويُقالُ: هذا ليس بعالِمٍ، ولا صانعٍ، لوجودِ نقصِه

стр. 357

وتقصيرِه، حتى يُقالُ للكاملِ: هو العالِمُ والصانِعُ، وهذا هو الشجاعُ، وأمثالُه كثيرٌ من الأسماءِ والصفاتِ؛ كالمؤمنِ، والكافرِ، والفاسقِ، والمنافقِ، واللهُ أعلمُ. ووُرودُ حوضِ النبيِّ ﷺ قبلَ الصراطِ، فيَرِدُه قومٌ، ويُذادُ عنه آخَرونَ قد بدَّلوا وغيَّروا، واللهُ أعلمُ. ولا رَيْبَ أن قولَه: «أكتُبْ لكم كتابًا لن تَضِلُّوا بعدَه» (١): إنما كان أرادَ أن يكتبَ لأبي بكرٍ العهدَ في الخلافةِ بعدَه، كما فُسِّر ذلك في حديثِ عائشةَ يومَ الخميس، قال لها: «ادعي لي أباكِ وأخاكِ؛ أكتبْ لأبي بكرٍ كتابًا لا يختلفُ الناسُ عليه بعدي»، ثم علم أن الناس واللهَ يأبى ذلك فقال: «يأبى الله والمؤمنونَ إلا أبا بكرٍ» (٢)، وذلك لما كان قد نصَبَ لهم من العلامةِ على خلافتِه؛ من الصَّلاةِ بالناسِ، وسَدِّ خَوْخةِ غيرِه، وإخبارِه بحُبِّه أكثرَ من غيره وغير ذلك من العلاماتِ. ثم لما قال عمرُ: «أهَجَرَ؟!» (٣)، نسَخ اللهُ كتابَه ذلك عن الناس،

стр. 358

وإلا فما كان النبيُّ ﷺ يتركُ حكمَ اللهِ ولم يُبلِّغْه لقولِ عمرَ. وقولُ ابنِ عبَّاسٍ (١)؛ المرادُ به: أنها رزية في حقِّ من شكَّ في خلافةِ أبي بكرٍ، وصدَق ﵁؛ فإنها رزية في حقِّ مَن شاءَ اللهُ فِتنتَه. وأما مَن أرادَ هُداه؛ فذلك خيرٌ في حقِّه لمزيدِ اجتهادِه، وموافقتِه الحقَّ، واللهُ يَبْتلي العباد بما شاء، ويهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ. فَصْلٌ (٢) ما يُذكَرُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: أنه لما مات رُكِّبَ فوقَ ناقةٍ، أو دابَّةٍ، وسُيِّبَتْ، ودُفِن حيثُ تَبْرُك به، وأنه أوصى بذلك، وفُعِل به: فهذا كذِبٌ مُختلَقٌ باتِّفاقِ أهلِ العلمِ، لم يوصِ عليٌّ بشيءٍ من ذلك، ولا فُعِل به شيءٌ من ذلك، ولا يَحِلُّ أن يُفعَلَ هذا بأحدٍ من موتى المسلمِينَ، ولا يَحِلُّ لأحدٍ أن يُوصِيَ بذلك، هذا مُثْلةٌ بالميتِ. وقد تنازَعَ العلماءُ في موضعِ قبرِه، والمعروفُ: أنه دُفِن بقصرِ الإمارةِ في الكوفةِ، وعُمِّي قبرُه؛ لئلا تنبُشَه الخوارجُ الذينَ كانوا يُكفِّرونَه، ويستحِلُّونَ قتلَه؛ فإن الذي قتَلَه عبدُ الرحمنِ بنُ مُلجَمٍ

стр. 359

المراديُّ، أحدُ الخوارجِ، وكان قد تعاهَدَ هو وآخَرانِ على قتلِ عليٍّ ومعاويةَ وعمرِو بنِ العاصِ، فإنهم يُكفِّرونَ هؤلاءِ كلَّهم، وكلَّ مَن لم يُوافِقْهم على أهوائِهم، وقد تواترتِ النصوصُ على قتلِهم (١)، رواه مسلمٌ والبخاريُّ من عشَرةٍ أوجهٍ (٢)، واتَّفَقَ الصحابةُ على قتالِهم؛ لكنَّ الذي باشَرَ قتالهم وأمَر به: عليٌّ ﵁، كما ثبَتَ ذلك في «الصحيحَينِ» (٣)، وكانوا اجتمعوا في حَرُوراءَ، فلذلك قيلَ لهم: الخوارجُ، والحَروريةُ. ومعاويةُ أرادَ الآخَرُ قَتْلَه؛ فجرَحَه واتَّخذَ المقصورةَ. وأما الذي أرادَ قتلَ عمرِو بنِ العاصِ؛ فكان عمرٌو قد استَخلفَ ذلك اليومَ خارجةَ، فظنَّ الخارجيُّ أنه عمرٌو؛ فقتَلَه، فلما تبيَّنَ له قال: أردتُّ عمرًا، وأرادَ اللهُ خارجةَ، فصارَ مثلًا. فكتَموا قبرَ عليٍّ لذلك، وقبرَ معاويةَ وقبرَ عمرِو بنِ العاصِ؛ خوفًا عليهم من الخوارجِ، ودفَنوا معاويةَ داخلَ الحائطِ القبليِّ من جامعِ دمشقَ في قصرِ الإمارةِ الذي كان يقالُ لها: الخَضراءُ، وهو الذي تُسمِّيه العامةُ «قبرَ هودٍ»، وهودٌ باتفاق العلماء لم يجئْ إلى دمشقَ؛ بل قبرُه ببلادِ اليمنِ، وقيلَ: بمكةَ.

стр. 360

وأما المشهدُ الذي بالنجَفِ: فأهلُ المعرفةِ متَّفِقونَ على أنه ليس قبرَ عليٍّ؛ بل قيلَ: إنه قبرُ المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، وإنما قيلَ: إنه قبرُ عليٍّ؛ بعدَ وفاتِه بأكثرَ من ثلاثِمائةِ سنةٍ. وأما أهلُ البيتِ، وإركابُهم على الإبلِ حينَ سُيِّبوا، وأن اللهَ خلَقَ لها سنامينِ؛ وهي البَخاتيُّ: فهذا أيضًا من أقبحِ الكذبِ وأبينِه، وهو مما افتراه الزَّنادِقةُ المنافقونَ الذينَ مقصودُهم الطعنُ في الإسلامِ. وهذا مثلُ كذِبِهم بأنَّ عليًّا ﵁ نصَبَ يدَه حتى مرَّ عليها الجيشُ بخَيْبرَ، فوطِئَتْه البغلةُ، فقال لها: قطَع اللهُ نَسْلَكِ، فإنَّ كلَّ عاقلٍ يعلمُ أن البغلةَ لم يكُنْ لها نَسْلٌ، معَ أنهم لم يكُنْ معَهم بخَيْبرَ بغلةٌ. وأما الحسينُ ﵁، ولعَنَ مَن قتَلَه ومَن رضِيَ بقَتْلِه -؛ فالشِّمْرُ حضَّ على قتلِه، وسعى فيه إلى نائبِ السلطنةِ على العراقِ عبيد اللهِ (١) بنِ زيادٍ، فأمَر نائبَه عمرَ بنَ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ بقتالِه، فقاتلوه، حتى قتَلوه ظلمًا، ثم حمَلوا ثَقَلَه وأهلَه إلى يزيدَ بنِ معاويةَ بدمشقَ، ولم يكُنْ يزيد أمَر بقَتْلِه، ولا ظهَرَ منه سرورٌ بذلك؛ بل قال كلامًا فيه ذمٌّ لهم. قيلَ إنه قال: لقد كنتُ أرضى من طاعة (٢) أهلِ العراقِ بدونِ ذلك، وقال: لعَن اللهُ ابنَ رَيْحانةَ - يعني: عبيدَ اللهِ بنَ زيادٍ - أما واللهِ لو كان بينَه وبينَ الحسينِ رَحِمٌ لما قتَلَه. يُعرِّضُ بالطعنِ في نسَبِه؛ لأنه كان

стр. 361

يُنسَبُ إلى أبي سفيانَ بنِ حربِ بنِ أميةَ، وبنو أميةَ وبنو هاشمٍ هما بنو عبدِ مَنافٍ. ورُوِي أنه لما قُدِم عليه بأهلِه ظهَرَ من دارِه البكاءُ والصراخُ؛ لكنه معَ هذا لم يُقِمْ حدَّ اللهِ على مَن قتَلَه، ولا اقتصَّ له؛ بل [قتَلَ] (١) أعوانَه لإقامةِ مُلكِه. وقد نُقِل عنه أنه تمثَّل بهذينِ البيتينِ: لمَّا بدتْ تلكَ الحمولُ وأشرفَتْ تلكَ الرؤوسُ على رُبَى جَيْرونِ (٢) نعَقَ الغرابُ فقلتُ: نُحْ أو لا تَنُحْ فلقد قضيت عن النبيِّ ديوني وهذا الشعرُ كفرٌ. والناسُ منهم من يُكفِّرُه؛ وهم الرافضةُ؛ حتى يُكفِّرونَ أباه، وأبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ. ومنهم مَن يجعَلُه من أئمةِ الهدى والعدلِ؛ حتى قد يجعله بعضُهم نبيًّا، وبعضُهم صحابيًّا، وهذا من أبينِ الجهلِ والضلالِ. بل الحقُّ فيه؛ أنه كان مَلِكًا من ملوكِ المسلمِينَ، له حسناتٌ وسيئاتٌ، والقولُ فيه كالقولِ في أمثالِه من الملوكِ، لا نُحِبُّه ولا نسُبُّه.

стр. 362

وهو أولُ مَن غزا قسطنطينيةَ، وقال رسولُ اللهِ: «أولُ جيشٍ يغزوها يُغفَرُ لهم» (١). وفعَل في أهلِ المدينةِ ما فعَل، وقد توعَّدَ رسولُ اللهِ من قتَل فيها قتيلًا، ولعَنَه (٢). وأما رأسُ الحسينِ: فإن الحسينَ قُتِل بكَرْبلاءَ قريبًا من الفراتِ، ودُفِن جسَدُه حيثُ قُتِل، وحُمِل رأسُه إلى قُدَّامِ عُبَيدِ اللهِ بنِ زيادٍ بالكوفةِ، وهذا هو الذي رواه البخاريُّ (٣). وأما حملُه إلى الشامِ فلم يثبُتْ، وإن كان قد رُوِي (٤). وأما حملُه إلى مصرَ: فالعلماءُ مُتفِقونَ على أنه كذِبٌ، والمشهدُ الذي بمصرَ بالقاهرةِ باطلٌ، ليس فيه رأسُ الحسينِ ولا شيء منه، وإنما أُحدِثَ في دولةِ القدَّاحِ في أثناءِ المائةِ الخامسةِ، نقَل هذا المشهدَ من عَسْقلانَ، وعَقيبَ ذلك انقرضَتْ دولةُ الذينَ ابتدَعوه.

стр. 363

والذي رجَّحَه (١) أهلُ العلمِ: أن رأسَ الحسينِ حُمِل إلى المدينةِ النبوية، ودُفِن بها، وهذا مناسب، وما ذُكِر أنه في عَسْقلانَ فأبطلُ الباطلِ، لا يقبَلُه عقل؛ بل أُحدِث بعدَ التسعينَ والأربعِمائةٍ، فهو مُحدَثٌ بعدَ قتلِ الحسينِ بأكثرَ من أربعِمائةِ سنة وثلاثينَ سنةً، لم ينقل ذلك إلى القاهرةِ. والمشروعُ في مثل ذلك أن يُقالَ: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتِنا واخْلُفنا خيراً منها، فقد رَوَت فاطمةُ بنتُ الحسينِ عن النبيِّ أنه قال: «ما مِن مسلمٍ يُصابُ بمصيبةٍ فيَذكرُ مصيبتَه وإن قدُمَتْ، فيُحدِثُ لها استِرجاعًا إلا أعطاه اللهُ مِن الأجرِ مثلَ أجرِه يومَ أُصيبَ بها» (٢)، فهذا الحديثُ رواه الحسينُ وعنه ابنتُه التي شَهِدتْ مَصرعَه، وقد علِمَ اللهُ أنَّ مصيبتَه تُذكَرُ على طولِ الزمانِ، قال اللهُ: (وبشر الصابرين) (٣). وكذلك أُحدِثَ قبرُ نوحٍ بالبقاعِ في أثناءِ المائةِ السابعةِ، وكذلك مشهدُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ بدمشقَ؛ كذِبٌ بالاتفاقِ.

стр. 364

ولم يثبُتْ سوى قبرِ نبِيِّنا، وفي الخليلِ نظَرٌ (١)، صلى الله عليهما وسلم.

стр. 365

فائدة قراءةُ القرآنِ في الطُّرُقاتِ وفي الأسواقِ مَنْهيٌّ عنها؛ لأنه للتأكُّلِ على القرآنِ، وفيه ابتذالُ القرآنِ، وقد لا يُصغى إليه. وأما قولُه ﷺ : «إنَّ الميتَ يُعذَّبُ ببكاءِ أهلِه عليه» (١)؛ فقد أشكَلَ على كثيرٍ: فطائفةٌ ظنَّتْ أنه غيرُ صحيحٍ؛ كعائشةَ (٢) والشافعيِّ. ومِن الناسِ مَن يتأوَّلُه على ما إذا أوصى به. ومنهم من تأوَّلَه على ما إذا لم يَنْهَ عنه معَ اعتيادِهم له. وهؤلاءِ ظنوا أن العذابَ لا يكونُ إلا على ذنبٍ، فاحتاجوا إلى أن يجعلوا للميتِ ذنبًا، وليس الأمرُ كذلك؛ بل العذابُ قد يكونُ على ذنبٍ، وقد لا يكونُ، قال النبيُّ: «السَّفَرُ قطعةٌ من العذابِ» (٣)، وهو لم يقُلْ: إنه يُعاقَبُ؛ بل يُعذَّبُ بالإيذاء كما قد يتألمُ الحيُّ بشمِّ الرائحةِ الكريهةِ، ولهذا قال ﷺ للنساءِ: «ارجِعْنَ مَأْزُوراتٍ، إنكنَّ تُؤذِينَ الميتَ» (٤)، وقال: «ما مِن ميتٍ يموتُ، فيقولُ قائلُهم: واجَبَلاهْ،

стр. 366

ونحوَه؛ إلا وَكَّلَ اللهُ به مَلَكانِ يلْهَزَانِه: أهكذا أنتَ؟!» (١). فيكونُ قولُه: «يُعذَّبُ»؛ أي: يتألَّمُ ويتأذَّى، وهذا لا رَيْبَ فيه، كما قد ثبَتَ، خصوصًا إذا عُلِم أنه يسمَعُ ويُبصِرُ ويُدرِكُ ما يكونُ عندَه.

стр. 367

فَصْلٌ فِي الرُّوحِ (١) رُوحُ الإنسانِ مخلوقةٌ مبتدعة باتِّفاقِ سلَفِ الأمةِ وأئمَّتِها، حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ مثلُ: محمدِ بنِ نصرٍ المروزيِّ، الإمامِ الذي هو أعلمُ أهلِ زمانِه بالإجماعِ والاختلافِ، وأبي محمدِ بنِ قُتَيبةَ. والذينَ قالوا: إنها ليسَتْ مخلوقةً: هم الزَّنادِقةُ، والنصارى في عيسى فقط. والقائلونَ بقِدَمِها صِنْفانِ: أحدُهما: من الصابئةِ والفلاسفةِ، يقولونَ: هي قديمةٌ أزليةٌ؛ لكن ليسَتْ من ذاتِ اللهِ، كما يقولونَ ذلك في العقولِ والنفوسِ الفلكيةِ، وزعَم مَن دخَل منهم في أهلِ المللِ: أنها هي الملائكةُ. وصِنْفٌ من زَنادقةِ هذه الأمةِ من المتصوِّفةِ والمتكلِّمةِ والمحدثة: يزعُمونَ أنها من ذاتِ اللهِ، تعالى الله، وهؤلاءِ شرُّ قول من أولئكَ، وهؤلاء جعلوا الآدميَّ نصفينِ؛ نصفٌ لاهوتٌ؛ وهو رُوحُه، ونصفٌ ناسوتٌ؛ وهو جسَدُه، نصفٌ ربٌّ، ونصفٌ عبدٌ، وقد كفَّر اللهُ النصارى بنحوٍ من هذا القولِ في المسيحِ فقط، فكيفَ بمَن عمَّم ذلك؛ حتى في فرعونَ وهامانَ وقارونَ.

стр. 368

والناسُ في رُوحِ الأدميِّ على طرَفَيْ نقيضٍ، فكثيرٌ من المتكلمةِ يجعَلُها جزءًا من هذا البدنِ، أو صفةً من صفاتِه، وهذا خطأٌ؛ بل الرُّوحُ أمرٌ غيرُ البدنِ وأبعاضِه وصفاتِه، ولهذا تكونُ باقيةً بعدَ مفارقةِ البدنِ. وكثيرٌ من المتفلسفةِ يُبالِغونَ في تحييزِها ووصفِها بالصفاتِ السلبيةِ؛ حتى يقولونَ: ليسَتْ داخلَ العالَمِ، ولا خارِجَه، ولا متحركةً، ولا ساكنةً، ولا تختصُّ بمكانٍ دونَ مكانٍ، كما يقولونَ في واجبِ الوجودِ، وهذا القولُ أيضًا خطأ باطل. فصل (١) هل يكونُ العبدُ قادرًا على غيرِ الفعلِ الذي فعَلَه الذي سبَقَ به العلم مِن اللهِ تعالى؟ هذا مما تنازَعَ فيه الناسُ، كما تَنازَعوا في أن الاستطاعةَ تكونُ مع الفعلِ، أو يجبُ أن تتقدَّمَه؟ فمن قال: إن الاستطاعةَ لا تكونُ إلا معَ الفعلِ، يقولُ: إن العبدَ لا يستطيعُ غيرَ ما فعَلَه، وهو ما تقدَّمَ به العلمُ والكتابُ. ومَن قال: إن الاستطاعةَ قد تتقدَّمُ الفعلَ، وقد توجدُ بدونِ الفعلِ؛ فإنه يقولُ: إنه سيكونُ مستطيعًا لما لم يفعَلْه، ولما عُلِم وكُتِب أنه لا يفعَلُه.

стр. 369

وفصلُ الخطابِ: أن الاستطاعةَ في الكتابِ والسُّنَّةِ نوعانِ: أحدُهما: المصحِّحةُ للفعلِ، وهي متناولةٌ الأمرَ والنَّهْيَ؛ لقولِه: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، وقولِه تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، فهذه الاستطاعةُ مُتقدِّمةٌ على الفعلِ؛ لأنها لو كانت لا توجدُ إلا معَ الفعلِ؛ لوجبَ ألا يجبَ الحجُّ إلا على مَن حجَّ. وأما الاستطاعةُ التي يكونُ معَها الفعلُ؛ قد يقالُ: هي المقترنةُ بالفعلِ، المُوجِبةُ له، وهذه - النوعُ الثاني -؛ نحوُ قولِه: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾؛ فإن الاستطاعةَ المنفية هنا ليست هي الاستطاعة المشروطةَ في الأمرِ والنَّهْيِ، التي هي مَناطُ التكليفِ في قولِه: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾؛ لكن قد يقالُ: إن الاستطاعةَ هنا كالاستطاعةِ المنفيةِ في قولِ الخَضِرِ لموسى: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾، فإن هذه لو كان المراد بها مجرَّدَ المقارَنَةِ في الفاعلِ والتاركِ؛ لم يكُنْ فرقٌ بينَ المذمومين والمؤمنينَ، ولا بينَ موسى والخَضِر؛ فإن كلَّ أحد فعَلَ أو لم يفعَلْ، لا تكونُ المقارَنَةُ موجودةً قبلَ فِعْلِه. والقرآنُ يدلُّ على أن هذه الاستطاعةَ إنما نُفِيتْ عن التاركِ، لا عن الفاعلِ، فعُلِم أنها تقومُ بالعبدِ من الواقعِ التي تَصُدُّ قلبَه (١) عن إرادةِ

стр. 370

الفعلِ وعمَلِه بكلِّ حالٍ؛ فهذه الاستطاعةُ مُنتفِيةٌ في حقِّ مَن كُتِب عليه أنه لا يفعلُ، وقُضِي عليه ذلك. وإذا عُرِف هذا التقسيمُ؛ عُلِم أن إطلاقَ القولِ بأن العبدَ لا يستطيعُ غيرَ ما فعَلَ، ولا يستطيعُ خلافَ المعلومِ المقدورِ، وإطلاقَ القولِ بأن استطاعةَ الفاعلِ والتاركِ سواءٌ، وأن الفعلَ لا يختصُّ من التاركِ باستطاعةٍ خاصةٍ؛ كلا الإطلاقينِ خطأٌ وبدعةٌ. ولهذا اتَّفقَ سلَفُ الأمةِ وأئمَّتُها على أن اللهَ قادرٌ على ما علِمَه وأخبَرَ أنه لا يكونُ، وعلى ما يمتنعُ ضرورةً عنه؛ لعدمِ إرادتِه له، لا لعَدَمِ قدرتِه عليه. وإنما خالفَ في ذلك أهلُ الضلالِ من الجَهْميَّةِ، والقَدَريَّةِ، والمتفلسفةِ الصابئةِ، والذينَ يزعمونَ انحصارَ المقدورِ في الموجودِ، ويخُصُّونَ قدرتَه بما شاءَ وعلِمَه، وقد قال تعالى: ﴿أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾، وقال: ﴿هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾. وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال لما نزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿من فوقكم﴾: «أعوذُ بوَجْهِكَ»، ﴿أو من تحت أرجلكم﴾: «أعوذُ بوَجْهِكَ»، ﴿أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض﴾،

стр. 371

قال: «هاتانِ أهوَنُ» (١)، وقال تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها﴾. ومَن حكَى عن أهل السنة: أن العبدَ ليس قادرًا على غيرِ ما فعل، الذي هو خلافُ المعلومِ؛ فإنه مخطئٌ فيما نقَلَه عنهم مِن نَفْيِ القدرةِ مطلَقًا، ومُصيبٌ فيما نقَلَه عنهم من نَفْيِ القدرةِ التي اختصَّ بها الفاعلُ دونَ التاركِ. وهذا من أصولِ تنازُعِهم في جوازِ تكليفِ ما لا يُطاقُ. فإن مَن يقولُ: (إن الاستطاعةَ لا تكونُ إلا معَ الفعلِ، والتاركَ لا استطاعةَ له بحالٍ)؛ يقولُ: (كلُّ مَن عصى اللهَ فقد كلَّفَه ما لا يُطيقُه)، كما قد يقولونَ: (إن جميعَ العبادِ كُلِّفوا ما لا يُطيقونَ). ومَن يقولُ: (إن استطاعةَ الفعلِ هي استطاعة التركُ)؛ يقول: (إن العبادَ لم يُكلَّفوا إلا بما هم مسبوقونَ في طاعتِه وقدرتِه واستطاعته، لا يختَصُّ الفاعلُ دونَ التاركِ باستطاعةٍ خاصةٍ). فإطلاقُ القولِ بأنه كُلِّف ما لا يُطيقُه؛ كإطلاقِه بأنه مجبورٌ على أفعالِه؛ إذ سَلْبُ القدرةِ في المأمورِ نظيرُ إثباتِ الجبرِ في المحظورِ. وإطلاقُ القولِ بأن العبدَ ليس مجبورًا بحالٍ؛ كإطلاقِه بأن العبدَ قادرٌ على خلافِ معلومِ اللهِ وتقديرِه.

стр. 372

وسلفُ الأمةِ وأئمَّتُها يُنكِرونَ هذه الإطلاقاتِ كلَّها؛ لاشتمالِ كلِّ واحدٍ من طرَفَيِ النَّفْيِ والإثباتِ على باطلٍ، وإن كان فيه حقٌّ؛ بل الواجبُ إطلاقُ العباراتِ الحسنةِ، وهي المأثورة التي جاءتْ بها النصوصُ، والتفصيلُ في العباراتِ المجمَلةِ المشتبه. وكذلك الواجبُ نظير ذلك في سائرِ أبوابِ أصولِ الدينِ أن يجعلَ نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ هي الأصلَ المُعتمَدَ الذي يجبُ اتباعُه، ويسوغُ إطلاقُه، ويجعل الألفاظ التي تنازَعَ فيها الناسُ نفيًا وإثباتًا موقوفةً على الاستفسارِ والتفصيلِ، ويَمنَعُ من إطلاقِ نفيِ ما أثبته اللهُ ورسولُه، أو إطلاقِ إثباتِ ما نفى اللهُ ورسولُه. وفي المسألةِ قولٌ ثالثٌ: أنه يجوز تكليف كل ما يمكن، وإن كان ممتنعًا لذاتِه كالجمعِ بينَ النقيضينِ (١). وفصلُ الخطابِ أن النِّزاعَ في أصلينِ: أحدُهما: أن التكليفَ الواقعَ الذي اتَّفقَ المسلمونَ على وقوعِه في الشريعةِ؛ وهو أمرُ العبادِ كلِّهم بما أمَرَهم اللهُ به ورسولُه؛ من الإيمانِ به وتقواه، هل يُسمَّى هذا أو شيءٌ منه تكليفَ ما لا يُطاقُ؟ فالقائل: (إن القدرةَ لا تكونُ إلا معَ الفعلِ)؛ يقولُ: (إن المعاصيَ تكليفٌ بما لا يُطاقُ)، ويقولُ: (إنَّ كلَّ أحدٍ كُلِّف حينَ كان غيرَ مُطيق).

стр. 373

وكذلك مَن زعم أن تقدُّمَ العلمِ والكتابِ بالشيءِ يمنعُ أن يقدرَ على خلافِه. وكذلك مَن يقول: (إن العرضَ لا يبقى زمانينِ)؛ يقولُ: (إن الاستطاعةَ المتقدمةَ لا تبقى إلى حينِ الفعلِ). وهذا في الحقيقةِ ليس نزاعاً في الأفعالِ التي أمَر اللهُ بها، أو نهى عنها؛ هل يتناوَلُها التكليفُ؟ (١) وقد قدَّمْنا أن القدرةَ نوعانِ، وأن مَن يُطلِقُ القولَ بأن الاستطاعةَ لا تكونُ إلا معَ الفعلِ؛ فإطلاقُه مخالفٌ لما ورَد في الكتابِ والسُّنَّةِ؛ كإطلاقِ الجبْرِ، وإن كان قد أطلَقَ ذلك طوائفُ من المنتسبينَ إلى السُّنَّةِ، ومَنْعُ الإطلاقِ في ذلك منقولٌ عن ابن سريج والقَلَانسيِّ، ونُقِل عن أبي حنيفةَ، وهو مُقتضَى قولِ الأئمَّةِ، وامتنعَ منه أبو إسحاقَ بنُ شاقلا، وحكى فيه القولَينِ - فيما ذكَرَه [عنه القاضي أبو يَعْلى] (٢) -: الاستطاعةُ؛ معَ الفعلِ أو قبلَه؟ وهذا كما أن مَن قال: (ليس للعبدِ إلا قدرةٌ واحدةٌ يقدرُ بها على الفعلِ والتركِ)؛ فهو باطلٌ؛ وهم القَدَريَّةُ، الذينَ يقولونَ: (إن العبدَ لا يفتقرُ إلى اللهِ حال الفعل بعينه بأكثر مما وجد قبلَ الفعلِ، وإن اللهَ ليس

стр. 374

له نعمةٌ أنعمَ بها على مَن آمَنَ به وأطاعه، أكثرَ من نعمتِه على مَن كفَر به وعصاه)، واتَّفَقَ أهلُ السُّنَّةِ على تضليلِ هذا. ثم النِّزاعُ بينَهم بعدَ ذلك كثير؛ منه لفظيٌّ، ومنه اعتباريٌّ؛ كتَنازُعِهم في أن العرضَ: هل يبقى زمانينِ؟ وبَنَوا عليه بقاءَ الاستطاعةِ. فالواجبُ أن تُجعَلَ نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ هي الأصلَ كما قدَّمْناه. وأما الأصلُ الثاني - ما اتَّفقَ الناسُ أنه غيرُ مقدورٍ للعبدِ، وتَنازَعوا في جوازِ تكليفِه -، وهو نوعانِ: أحدُهما: ما هو ممتنعٌ عادةً؛ كالمشيِ على الوجهِ، والطيرانِ، ونحوِ ذلك. وما هو ممتنعٌ في نفْسِه؛ كالجمعِ بينَ الضِّدَّينِ، فهذا في جوازِه عقلًا ثلاثةُ أقوالٍ؛ كما تقدَّمَ، وأما وقوعُه في الشريعةِ وجوازُه شرعًا؛ فقد اتَّفقَ حَمَلةُ الشريعةِ على أن مثلَ هذا ليس بواقعٍ في الشريعةِ. وحكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ منهم ابنُ الزاغوني، قال: إن التكليفَ على ضَرْبَينِ: أحدُهما: ما لا يطاقُ؛ لوجودِ ضدِّه من العجزِ؛ كنَقْطِ الكتابِ للأعمى، فلا يجوزُ؛ للإجماعِ على ذلك. والثاني: تكليفُ ما لا يطاقُ، لا لوجودِ ضدِّه من العجزِ؛ مثلُ أن يُكلَّفَ الكافرُ الذي سبَق في علمِه أنه لا يستجيبُ للتكليفِ؛ كفرعونَ وهامانَ وأبي جهلٍ؛ فهذا جائزٌ. وذهبَتِ المعتزلةُ إلى أن تكليفَ ما لا يطاقُ غيرُ جائزٍ.

стр. 375

وهذا الإجماعُ الذي ذكَرَه؛ هو إجماعُ الفقهاءِ والعلماءِ، فإنه قد ذهَب طائفةٌ من أهلِ الكلامِ إلى أن (١) تكليفَ الممتنعِ لذاتِه واقعٌ في الشريعةِ؛ وهو قولُ الرازيِّ وطائفةٍ قبلَه، وزعموا أن تكليفَ أبي جهلٍ من هذا؛ حيثُ كُلِّف أن يصدِّقَ بالأخبار التي من جُمْلتِها الإخبار بأنه لا يؤمنُ. وهذا غلَطٌ؛ فإن من أخبَرَ اللهُ أنه لا يؤمنُ بعدَ دعاءِ النبيِّ ﷺ له إلى الإيمانِ؛ فقد حقَّت عليه كلمةُ العذابِ، كالذي يُعايِنُ الملائكةَ وقتَ الموتِ، ولم يبْقَ بعدَ هذا مُخاطَبًا من جهةِ الرسولِ بهذينِ الأمرينِ المتناقضينِ. وكذلك مَن قال: تكليفُ العاجزِ واقعٌ؛ مُحتَجًّا بقولِه: ﴿يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾، فإنه لا يُناقِضُ هذا الإجماعَ، إذ مضمونُ الإجماعِ ينفي وقوعَه في الشريعةِ. وأيضًا: فإنه خطابُ تعجيزٍ على وجهِ العقوبةِ لهم؛ لتَرْكِهم السجودَ وهم سالمونَ، يعاقبون على تَرْكِ العبادةِ في حالِ قدرَتِهم؛ بأن أُمِروا بها حالَ عَجْزِهم. وخطابُ العقوبةِ هو من جنسِ خطابِ التكوينِ، لا يُشترَطُ فيه قدرةُ المخاطَبِ؛ إذ ليس المطلوبُ فِعْلَه. فإذا ثبتَتِ الأنواعُ والأقسامُ، زال الاشتباهُ والإيهامُ، واللهُ أعلمُ.

стр. 376

فَصْلٌ (١) قد قال بعضُ الناسِ: «إنه تجوْهَرَ»، وهذا قولُ قومٍ داوموا على الرياضةِ مدةً، فقالوا: لا نُبالي بما عمِلْنا، وإنما الأمرُ والنهيُ رَسْمٌ للعوامِّ، ولو تجَوْهَروا سقَطَ عنهم، وحاصلُ النبوةِ ترجعُ إلى الحكمةِ والمصلحةِ، والمرادُ منها ضبطُ العوامِّ، ولَسْنا من العوامِّ فندخلَ في التكليفِ؛ لأنا قد تجَوْهَرْنا، وعرَفْنا الحِكَم. فهؤلاءِ أكفر من اليهودِ والنصارى؛ بل هم أكفرُ أهلِ الأرضِ، فإن اليهودَ والنصارى آمَنوا ببعضِ، وكفَروا (٢) ببعضٍ، وهؤلاءِ كفروا بالجميعِ؛ خارجونَ عن التزامِ شيءٍ من الحقِّ. لكنْ كثيرٌ من هؤلاءِ لا يُطلِقونَ السلبَ العامَّ مطلقًا؛ بل يزعمونَ سقوطَ بعضِ الواجباتِ عنهم، وحِلَّ بعضِ المحرَّماتِ لهم، فمنهم مَن يزعمُ أنه تسقط عنه الصَّلاةُ لوصولِه إلى مقصودِها، وبعضُهم يزعمُ سقوطَها وقتَ المشاهدةِ، وبعضُهم سقوطَ الجُمُعاتِ؛ استغناءً بالتوجه والحضورِ، وبعضُهم يُسقِطُ الحجَّ، ومنهم من يستحِلُّ الفطرَ في رمضانَ لغيرِ عذرٍ شَرْعيٍّ، ومنهم من يستحِلُّ الخمرَ، أو يزعمُ أنها تحرُمُ على العامةِ دونَ الخاصةِ العقلاءِ، فإن أهلَ الأنفسِ الزكيةِ والأعمالِ الصالحةِ لا يقعُ منهم ما يقعُ من العوامِّ.

стр. 377

وهذا كان حصَلَ لبعضِ الأولينَ، فاتَّفقَ الصحابةُ ﵃ على قتلِهم إن لم يتوبوا، فإن قُدَامةَ بنَ عبدِ اللهِ شرِبَها هو وطائفةٌ، وتأوَّلوا قولَه: ﴿ليس على الذينَ آمنوا وعملوا الصالحات جناح … ﴾ الآيةَ، فلما ذُكِر ذلك لعمرَ بنِ الخطابِ اتَّفقَ معَ عليٍّ وسائرِ الصحابةِ على أنهم إن اعترفوا بالتحريمِ جُلِدوا، وإن أصَرُّوا على استحلالِها قُتِلوا (١). وذلك أن الآيةَ نزلَتْ في الذينَ شرِبُوها قبلَ تحريمِها، وماتوا في وَقْعةِ أُحُدٍ، ثم علِمَ قدامةُ وأصحابُه أنهم قد أخطَؤوا، وأَيِسوا من التوبةِ؛ حتى كتَب إليهم عمرُ: ﴿حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم غافر الذنب وقابل التوب … ﴾، ما أدري: أيُّ ذنبِكَ أعظمُ: استحلالُكَ المحرَّمَ أولًا، أم يأسُكَ من التوبةِ ثانيًا؟! والذي اتَّفقَ عليه الصحابةُ مُتَّفَقٌ عليه بينَ الأئمَّةِ، لا يُنازِعونَ في ذلك. ومن جحَد وجوبَ بعضِ الواجباتِ الظاهرةِ المتواترةِ؛ كالصَّلاةِ، أو جحَد تحريمَ بعض المحرماتِ الظاهرةِ المتواترةِ؛ كالفواحشِ والظلمِ والخمرِ والربا والزنى، أو جحَدَ حِلَّ بعضِ المباحاتِ الظاهرةِ المتواترةِ؛ كالخبزِ واللحمِ والنكاحِ: فهو كافرٌ مرتدٌّ، يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، ومن أضْمَرَه فهو منافقٌ، لا يُسْتتابُ عندَ أكثرِ العلماءِ. ومِن هؤلاءِ من يستحِلُّ بعضَ الفواحشِ؛ كمؤاخاةِ النساءِ الأجانبِ،

стр. 378

والخَلْوةِ بهن، والمباشرةِ لهن؛ زعماً منه أنه يحصُلُ لهن البركةُ بما يفعَلُه معهنَّ، وإن كان محرمًا في الشريعةِ. وكذلك من يستحلُّ ذلك من المُرْدانِ، ويزعمُ أن التمتعَ بالنظرِ إليهم ومباشرتِهم هو طريقٌ لبعضِ السالكينَ؛ حتى يترَقَّى من محبةِ المخلوقِ إلى محبةِ الخالقِ، ويأمرونَ بمقدماتِ الفاحشةِ الكبرى، وقد يستحِلُّونَ الفاحشةَ الكبرى، كما يستحِلُّها مَن يقولُ: إن اللِّواطَ مباحٌ بمِلْكِ اليمينِ. فهؤلاءِ كلُّهم كفارٌ باتِّفاقِ أئمَّةِ المسلمِينَ؛ لكنْ مِن الناس من يكونُ جاهلًا ببعضِ ذلك، فلا يُحكَمُ بكفرِه حتى تقومَ عليه الحجةُ؛ ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة﴾، كما لو أسلَمَ رجلٌ ولم يعلَمْ أن الصَّلاةَ واجبةٌ؛ يُعلَّم ذلك قبل الحكم، فإن أصرَّ كفر، بل قد اختلف العلماء فيمن أسلم ولم يعلم أن الصلاة واجبة ثم عَلِم؛ هل يجبُ عليه قضاءُ ما ترَكَه حالَ جَهْلِه؟ على قولَينِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه: أحدُهما: لا يجبُ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ. والثاني: يجبُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ، المشهورُ عند أصحابِه. بل النِّزاعُ في كلِّ مَن ترَكَ واجبًا قبلَ بلوغِ الحجةِ؛ مثلُ: مَن ترَكَ الصَّلاةَ عندَ عدمِ الماءِ زَعْمًا منه أنها لا تصِحُّ معَ التيَمُّمِ، أو أكَلَ حتى تبيَّنَ له الخيطُ الأبيضُ من الأسودِ، كما جرى للصحابةِ (١)، أو مسَّ

стр. 379

ذكَرَه، أو أكَلَ لحمَ إبلٍ ولم يتوضَّأْ، ثم يتبيَّنَ له وجوبُ ذلك، وأمثالُ هذه المسائلِ. وأصلُ ذلك: أن الخطابَ هل يثبتُ في حقِّ المكلَّفِ قبلَ التمكنِ من سَماعِه؟ على ثلاثةِ أقوالٍ لأحمدَ وغيرِه؛ قيلَ: يثبُتُ. وقيلَ: لا. وقيلَ: يُفرَّقُ بين الخطابِ الناسخِ وبين المبتدئ كما في القبلة. والصحيحُ: أنه لا يثبُتُ قبلَ التمكنِ، وأن القضاءَ لا يجبُ في الصور المذكورةِ، معَ اتفاقِهم على انتفاءِ الإثمِ. وجاء في الحديثِ: «يأتي على الناسِ زمانٌ لا يعرفونَ فيه صلاةً، ولا زكاةً، ولا صومًا، ولا حجًّا، إلا الشيخَ الكبيرَ والعجوزَ الكبيرةَ يقولون: أدْرَكْنا آباءنا وهم يقولونَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فقيلَ لحُذَيفةَ بنِ اليمانِ: ما تُغني عنهم «لا إلهَ إلا اللهُ» بلا صومٍ، ولا صلاةٍ، ولا زكاةٍ، ولا حجٍّ؟! فقال: «تُنجِّيهم من النارِ، تنجِّيهم من النار» (١). وجميعُ الأنبياءِ قد أَتَوا بالأمرِ والنهيِ إلى حينِ موتِ العبدِ، فلا يصدر هذا القول ممن في قلبِه خضوعٌ وإقرارٌ بأن اللهَ إلهُ العالَمِ؛ لأن الإلهَ يُعبَدُ دائمًا. وتَجَوْهُرُ النفسِ وصفاتِها وطهارتُها على الكمال عن الأكوان البشريةِ؛ ممتنعٌ في حقِّ البشرِ، ولهذا كان قول سلَفِ الأمةِ وأئمَّتِها أنَّ الأنبياءَ إنما هم مَعْصومونَ من الإقرارِ على الذنوبِ، وأن اللهَ سيدرِكُهم

стр. 380

بالتوبةِ، وإن كانت حسناتُ الأبرارِ سيئاتِ المقرَّبينَ، وأن ما صدر منهم من ذلك إنما كان لكمالِ النهايةِ بالتوبةِ، لا لنَقْصِ البدايةِ بالذنبِ، وأما غيرُهم فلا تجبُ لهم العصمةُ، وإنما يَدَّعِي العصمةَ المطلقةَ لغيرِ الأنبياءِ؛ الجُهَّالُ من الرافضةِ وغاليةِ النُّسَّاكِ. ومن هؤلاءِ من [يظن] (١) استغناءه عن النوافلِ حينئذٍ، وهذا مفتونٌ منكوسٌ. ولفظُ الشرعِ يُطلَقُ على ثلاث معانٍ: شرعٌ مُنزَّلٌ، وشرعٌ مُؤوَّلٌ، وشرعٌ مُبدَّلٌ. فالمُنزَّلُ: الكتابُ والسُّنَّةُ، فهذا الذي يجبُ اتباعُه على كلِّ أحدٍ. والمُؤوَّلُ: هو [موارد] (٢) الاجتهادِ التي تنازع فيها الفقهاءُ، فاتباعُ أحدِ المجتهدينَ جائزٌ لمن اعتقدَ حجته هي القويةَ، أو لمن ساغ له تقليدُه. والمُبدَّلُ: فمثلُ الأحاديثِ الموضوعةِ، والتأويلاتِ الفاسدةِ، والأقيسة الباطلةِ، والتقليدِ المحرَّمِ، فهذا يحرُمُ اتباعُه. وهذا مِن مثارِ النِّزاعِ بين الناس، فإن كثيرًا يوجِبُ اتباعَ حاكمِه وإمامِه وشيخِه، والتزامَ حكمِ حاكمه ظاهرًا وباطنًا، ويرى أن الخروجَ عن ذلك خروجٌ عن الشريعةِ المحمديةِ، وهذا جهلٌ منه وظلمٌ؛ بل دعوى ذلك على الإطلاقِ كفرٌ ونفاقٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 381

فَصْلٌ ليس للمرأةِ أن تُحِدَّ على غيرِ زوجِها فوقَ ثلاثٍ؛ لا على أبيها ولا أخيها، وهذا باتِّفاقِ الأئمَّةِ، فإن تعمَّدتْ ترْكَ بعضِ الثيابِ للميتِ غيرِ الزوجِ فهذا مَنْهيٌّ عنه، واللهُ أعلمُ. والعمرُ يطولُ، والرزقُ يُبسَطُ بالتوبةِ والاستغفارِ والعملِ الصالحِ، كما أن الهلاكَ والإغراقَ استَحقَّه قومُ نوحٍ بالكفرِ والتكذيبِ، وقد قال: ﴿وأن استغفروا ربكم، ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى﴾ الآية، وقال: ﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾، وقال ﷺ : «مَن أحَبَّ أن يُنسَأَ له في عمُرِه، فلْيَصِلْ رَحِمَه» (١). واللهُ يعلمُ ما كان، وما يكونُ ، وما لا يكونُ لو كان كيفَ كان يكونُ، واللهُ أعلمُ. أما تغشيةُ قبورِ الأنبياءِ والصالحينَ وغيرِهم بالأغشيةِ؛ فليس مشروعًا في الدينِ، ولا قربةً لربِّ العالمينَ، فلا يجبُ الوفاءُ به بلا نِزاعٍ بينَ الأئمَّةِ؛ بل يُنهَى عن ذلك. وهل على ناذِرِه كفارةُ يمين؟ على قولَينِ. وكذلك نذر الزيتِ والحُصُرِ بمكانٍ لا يُصلِّي فيه المسلمونَ، ولا

стр. 382

يَنْتفعونَ به، ليس بطاعةٍ للهِ، ولا ينعقِدُ نَذْرُه. لكنْ من العُلَماءِ مَن يوجِبُ عليه كفارةَ يمينٍ، أو صرفَ النَّذْرِ في طاعةٍ نظيرِ هذه، ومنهم مَن لا يوجبُ شيئًا؛ فيكونُ هذا مالًا ضائعًا لا مستحِقَّ له؛ فيُصرَفُ في مصالحِ المسلمِينَ حيث ينتفعونَ به، في مسجدٍ وغيرِه. فَصْلٌ فيما ذُكِرَ من نزولِ الملائكةِ إلى الأرضِ وأنهم يعبدونَ اللهَ فيها، ويموتونَ فيها: لا أصلَ لذلك. وكذلك طيُّ السماءِ قبلَ الأرضِ بأربعينَ سنةً: باطلٌ، ولا أعلَمُ أحدًا من العُلَماءِ المعتبَرينَ ذكَر ذلك. وأما الأحاديثُ المأثورةُ في المهديِّ: فمنها ما هو صحيحٌ، ومنها ما هو حسَنٌ، وقد صحَّحَ التِّرْمِذيُّ حديثاً من حديث ابنِ مسعودٍ وأمِّ سلَمةَ وغيرِهما، قالوا: «لو لم يبْقَ من الدنيا إلا يومٌ لطوَّلَ اللهُ ذلك اليومَ؛ حتى يبعَثَ فيه رجلًا من أهلِ بيتي، يواطِئُ اسمُه اسمي، واسمُ أبيه اسمَ أبي، يملأُ الأرضَ قِسْطًا وعدلًا؛ كما مُلِئتْ ظلمًا وجَوْرًا» (١).

стр. 383

ورُوِي عن عليٍّ أنه قال: «المهديُّ من ولدِ الحسنِ» (١). وما يُروى: «لا مهديَّ إلا عيسى»؛ حديثٌ ضعيفٌ رواه ابنُ ماجه (٢). وقد ادُّعِيتْ هذه الصفة لعددٍ كثيرٍ، وكلُّ ذلك باطلٌ؛ مثلُ ادِّعاءِ الرافضةِ ذلك لمحمدِ بنِ الحسنِ الداخلِ في السردابِ، وهو مما يُعلَمُ بُطْلانُه عقلًا، ومثلُ ادِّعاءِ محمدٍ التُومَرتِ أنه المهديُّ الذي بشَّر به رسولُ اللهِ، وقد اتَّفقَ أهلُ الدينِ على أنه كاذبٌ. وطوائفُ ادَّعَوا ذلك؛ منهم مَن قُتِل، ومنهم من عُزِّر وحُبِس، ومنهم من راج أمرُهُ على طائفةٍ من الضُّلَّالِ؛ حتى انكشفَ ما فعَلَه من المُحالِ، وباللهِ المستعانُ.

стр. 384

فَصْلٌ وأما الجَنازةُ التي فيها مُنكَرٌ ؛ مثلُ: أن يُحمَلَ قُدَّامَها الخبزُ والغنمُ، ويُجعَلَ على النعشِ بُشخاناتٌ (١)؛ فهل يُمتنع مِن تَشْيِيعِها؟ على قولَينِ؛ هما روايتانِ عن أحمدَ، والصحيحُ: أنه يُشيِّعُها؛ لأنه حقٌّ للميتِ، فلا يسقُطُ بفعلِ غيرِه، ويُنكِرُ بحسَبِه، وإن كان ممن إذا امتنعَ ترَكوا المنكَرَ؛ امتنَعَ؛ بخلافِ الوليمةِ؛ فإن صاحبَ الحقِّ هو فعل المنكَرَ، فسقَط حقُّه لمعصيتِه؛ كالمتلبِّسِ بمعصيةٍ، لا يُسلَّمُ عليه (٢) حالَ تلبُّسِه بها، واللهُ أعلمُ. فَصْلٌ الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ: أن اللهَ لا يُخلِّدُ في النارِ أحدًا من أهلِ الإيمانِ. وخالفَ في ذلك قومٌ من أهلِ البِدَعِ كالخوارجِ والحَروريةِ

стр. 385

والمعتزلةِ، فقالوا: إن أهلَ الكبائرِ يُخلَّدونَ فيها، ومن دخَلَها لم يخرُجْ بشفاعةِ محمدٍ ولا غيرِه. وعارَضَ هؤلاءِ قومٌ من المرجئةِ، زعموا أن الإيمانَ من الخلقِ جميعِهم واحدٌ، وأن إيمانَ الملائكةِ والأنبياءِ والصدِّيقينَ كإيمانِ أهلِ الكبائرِ. وغُلاتُهم تزعمُ: أنه لا يدخُلُ النارَ أحدٌ، ويُحرِّفونَ الكَلِمَ عن مواضِعِه. وكلُّ هؤلاءِ ضالونَ. فالأولون نظَروا (١) إلى نصوصِ الوعيدِ، والثانيةُ نظَروا إلى نصوصِ الوعدِ. وأما أهلُ السُّنةِ فآمنوا بكلِّ ما جاء من عندِ اللهِ، ولم يَضربوا بعضَ ذلك ببعضٍ، ونظروا في الكتابِ والسُّنَّةِ؛ فوجَدوا (٢) أن أهلَ الكبائرَ الذينَ أوعدوا بالعقابِ بيَّنَ أن عقابَهم يزولُ عنهم بأسبابٍ: أحدُها: التوبةُ، فإن اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعًا. الثاني: الحسناتُ الماحيةُ؛ كما قال: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾. الثالثُ: مصائبُ الدنيا والبرزخِ.

стр. 386

الرابعُ: الدعاءُ والشفاعةُ؛ مثلُ: الصدقةِ عليه بعدَ موتِه، والدعاءِ له، والاستغفارِ له. الخامسُ: الأعمالُ الصالحةُ التي يُهْديها له غيرُه من عَتاقةٍ وصدقةٍ. السادسُ: رحمةُ ربِّه. فكلُّ حديثٍ فيه عن مؤمنٍ أنه يدخلُ النارَ، وأنه لا يدخلُ الجنةَ؛ فقد فسَّرَه الكتابُ والسُّنَّةُ: أنه عندَ انتفاءِ هذه الموانعِ. وكذلك نصوصُ الوعدِ مشروطةٌ بعدمِ الأسبابِ المانعةِ: فأعظَمُها: أن يموتَ كافرًا. ومنها: أن تكثُرَ ذُنوبُه وظلمُه؛ فيُؤخَذُ من حسناتِه حتى تذهبَ. ومنها: أن يُعقِبَ العملَ ما يُبطِلُه؛ كالمَنِّ والأذى، وتركِ صلاةِ العصرِ - قيلَ: تُحبِطُ عملَ ذلك اليومِ -، وكما قال: «مَن لم يدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به؛ فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه» (١). فالنفي هو الدخولُ المُطلَقُ، وهو دخولُ الجنةِ بلا عذابٍ، فمن أتى بالكبائرِ لم يستحِقَّ هذا الدخولَ المُطلَقَ الذي لا عذابَ قبلَه. وهذا مثلُ قولِه: «مَن غشَّنَا فليس مِنَّا» (٢).

стр. 387

فإن الاسمَ المُطلَقَ للنبيِّ والذينَ آمنوا معَه؛ الإيمانُ الكاملُ المُطلَقُ الذي يستحِقُّونَ به الثوابَ، ويدفعُ عنهم به العقابَ، فمن غشَّهم؛ لم يكُنْ من هؤلاءِ؛ بل معَه أصلُ الإيمانِ الذي يفارقُ به الكفارَ، ويخرجُ به من النارِ. وإذا جاء: «مَن ماتَ وهو يعلَمُ أنه لا إلهَ إلا اللهُ؛ دخلَ الجنةَ، وإن زنى، وإن سرق، وإن شرِب الخمرَ» (١)، ونحوُه؛ فهذا يُعطي أن صاحبَ الإيمانِ مستحِقٌّ للجنةِ، وأن الذنوبَ لا تمنَعُه ذلك؛ لكنْ قد يحصُلُ له قبلَ الدخولِ نوعٌ من العذابِ، إما في الدنيا، وإما في البَرْزخِ، وإما في العَرْصةِ، وإما في النارِ. وكذلك نصوصُ الوعيدِ؛ كقولِه: «لا يدخُلُ الجنةَ قاطعُ رحِمٍ» (٢)، وكقولِه: «ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ، ولا ينظرُ إليهم: مَلِكٌ كذابٌ، وشيخٌ زانٍ، وعائلٌ مستكبِرٌ» (٣)، و: «لا يدخلُ الجنةَ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ» (٤)، و: «لا يدخُلُ النارَ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ» (٥)، و: «مَن شرِبَ الخمرَ في الدنيا لم يشرَبْها في الآخرةِ» (٦)، و: «مَن لبِسَ

стр. 388

الحريرَ في الدنيا لم يلبَسْه في الآخرةِ» (١)، و: «المسبل والمَنَّانُ والمنفقُ سِلْعتَه بالحلِفِ الكاذبِ لا يُكلِّمُهم اللهُ، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ» (٢)، وثلاثةٌ أخَرُ: «رجلٌ على فَضْلِ ماءٍ يمنَعُه ابن السبيلِ، فيقولُ: اليومَ أمنَعُكَ فَضْلي كما مَنَعتَ فَضْلَ ما لم تعملْ يداكَ، ورجلٌ بايَعَ إمامًا لا يُبايِعُه إلا للدنيا، ورجلٌ حلفُ على سِلْعةٍ بعدَ العصرِ كاذبًا: لقد أعطى أكثرَ مما أُعطِي» (٣)، و: «لا يدخُلُ الجنةَ بخيلٌ، ولا مَنَّانٌ، ولا سيئُ الملَكَةِ (٤)» (٥)، فإن البخلَ مِن الكبائرِ، وهو منعُ الواجباتِ؛ من الزكاةِ، وصِلةِ الرحمِ، وقِرَى الضيفِ، وتركِ الإعطاءِ في النوائبِ، وتركِ النفقات الواجبة وقضاء الديون، وترك الإنفاق في سبيلِ اللهِ، وعقوقُ الوالدينِ، وشهادةُ الزورِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وقذفُ المُحصَناتِ، والتولِّي يومَ الزَّحْفِ، والسحرُ، وأكلُ الربا من الكبائرِ، بل كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ للهِ في الدنيا، أو في الآخرةِ؛ مثلُ: غضبِ اللهِ، ولعنتِه، والنارِ. وهذا بابٌ يطولُ وصفُه؛ لكن قد ذكَرْنا الأصلَ الجامعَ في ذلك.

стр. 389

ومَن تاب من ذنبٍ فيما بينَه وبينَ اللهِ ؛ فإن اللهَ يتوبُ عليه، وإن كان مِن مظالمِ العبادِ مثلُ ظلمِ أبَوَيْه؛ فعليه أن يفعلَ معهم الحسناتِ بقَدْرِ ما فعَل من السيئاتِ؛ حتى يقومَ هذا بهذا. فَصْلٌ قد ثبَتَ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ أمرُ الثقلينِ؛ الجنِّ، والإنسِ، وثبَتَ أن محمدًا ﷺ رسولٌ إليهما. واتفقوا على ثوابِ الإنسِ على الطاعةِ، واختلفوا في الجنِّ؛ هل يُثابُونَ، أو لا ثوابَ لهم إلا النجاةُ من العذابِ؟ على قولَينِ: والأول: قولُ جمهور المالكيةِ والشافعيةِ والحنبلية وأبي يوسفَ ومحمدٍ، وغيرِهم. والثاني: مأثورٌ عن طائفةٍ، منهم أبو حنيفةَ. وقد اختُلِف: هل من شرطِ الوجوبِ العقابُ على الترك؟ على قولَينِ. وأما الثوابُ على الفعلِ: فواجبٌ بالسمعِ. ومَن لا تكليفَ عليه: هل يُبعَثُ يومَ القيامةِ؟ فالإنسُ والجنُّ يُبعَثونَ جميعًا بالاتفاقِ، ولم يختلفوا - فيما علمتُ - إلا فيمن لم تُنفَخْ فيه الرُّوحُ، واختار القاضي: بَعْثَه، وذكَرَه عن أحمدَ. وأما البهائمُ فهي مبعوثةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، قال اللهُ: ﴿وما من دابة في

стр. 390

الأرضِ﴾ إلى قوله: ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾، والحديثُ في قولِ الكافرِ: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾، لما يرى (١)، معروفٌ، وما أعلمُ فيه خلافًا. ولكن اختَلفَ بنو آدمَ في معادِ الآدميِّينَ على أربعةِ أقوالٍ: أحدُها: قولُ المسلمِينَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وجماهيرِ اليهودِ والنصارى والمجوسِ: أن المعادَ للرُّوحِ والبدنِ، ويُنكِرونَ معادَ رُوحٍ قائمةٍ بنفْسِها. الثاني: أن المعادَ للبدنِ دونَ الروحِ (٢). والثالثُ: ضدُّ هذا، وهو قولُ الفلاسفةِ ومَن ينصَر مذهَبَهم من متكلِّمي أهلِ القِبْلةِ ومُتصوِّفيهم: أن المعادَ للرُّوحِ دونَ البدنِ. الرابع: أنه لا معادَ لا لبدنٍ ولا لروحٍ، وهو قولُ أكثر مشركي العربِ، والطبائعِيِّينَ، والمُنجِّمِينَ، وبعضِ الإلهيِّينَ من المتفلسفةِ.
следующие страницы →