← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الرابعُ: الدعاءُ والشفاعةُ؛ مثلُ: الصدقةِ عليه بعدَ موتِه، والدعاءِ له، والاستغفارِ له. الخامسُ: الأعمالُ الصالحةُ التي يُهْديها له غيرُه من عَتاقةٍ وصدقةٍ. السادسُ: رحمةُ ربِّه. فكلُّ حديثٍ فيه عن مؤمنٍ أنه يدخلُ النارَ، وأنه لا يدخلُ الجنةَ؛ فقد فسَّرَه الكتابُ والسُّنَّةُ: أنه عندَ انتفاءِ هذه الموانعِ. وكذلك نصوصُ الوعدِ مشروطةٌ بعدمِ الأسبابِ المانعةِ: فأعظَمُها: أن يموتَ كافرًا. ومنها: أن تكثُرَ ذُنوبُه وظلمُه؛ فيُؤخَذُ من حسناتِه حتى تذهبَ. ومنها: أن يُعقِبَ العملَ ما يُبطِلُه؛ كالمَنِّ والأذى، وتركِ صلاةِ العصرِ - قيلَ: تُحبِطُ عملَ ذلك اليومِ -، وكما قال: «مَن لم يدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به؛ فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه» (١). فالنفي هو الدخولُ المُطلَقُ، وهو دخولُ الجنةِ بلا عذابٍ، فمن أتى بالكبائرِ لم يستحِقَّ هذا الدخولَ المُطلَقَ الذي لا عذابَ قبلَه. وهذا مثلُ قولِه: «مَن غشَّنَا فليس مِنَّا» (٢).

стр. 387

فإن الاسمَ المُطلَقَ للنبيِّ والذينَ آمنوا معَه؛ الإيمانُ الكاملُ المُطلَقُ الذي يستحِقُّونَ به الثوابَ، ويدفعُ عنهم به العقابَ، فمن غشَّهم؛ لم يكُنْ من هؤلاءِ؛ بل معَه أصلُ الإيمانِ الذي يفارقُ به الكفارَ، ويخرجُ به من النارِ. وإذا جاء: «مَن ماتَ وهو يعلَمُ أنه لا إلهَ إلا اللهُ؛ دخلَ الجنةَ، وإن زنى، وإن سرق، وإن شرِب الخمرَ» (١)، ونحوُه؛ فهذا يُعطي أن صاحبَ الإيمانِ مستحِقٌّ للجنةِ، وأن الذنوبَ لا تمنَعُه ذلك؛ لكنْ قد يحصُلُ له قبلَ الدخولِ نوعٌ من العذابِ، إما في الدنيا، وإما في البَرْزخِ، وإما في العَرْصةِ، وإما في النارِ. وكذلك نصوصُ الوعيدِ؛ كقولِه: «لا يدخُلُ الجنةَ قاطعُ رحِمٍ» (٢)، وكقولِه: «ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم اللهُ، ولا ينظرُ إليهم: مَلِكٌ كذابٌ، وشيخٌ زانٍ، وعائلٌ مستكبِرٌ» (٣)، و: «لا يدخلُ الجنةَ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ» (٤)، و: «لا يدخُلُ النارَ مَن في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ من إيمانٍ» (٥)، و: «مَن شرِبَ الخمرَ في الدنيا لم يشرَبْها في الآخرةِ» (٦)، و: «مَن لبِسَ

стр. 388

الحريرَ في الدنيا لم يلبَسْه في الآخرةِ» (١)، و: «المسبل والمَنَّانُ والمنفقُ سِلْعتَه بالحلِفِ الكاذبِ لا يُكلِّمُهم اللهُ، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ» (٢)، وثلاثةٌ أخَرُ: «رجلٌ على فَضْلِ ماءٍ يمنَعُه ابن السبيلِ، فيقولُ: اليومَ أمنَعُكَ فَضْلي كما مَنَعتَ فَضْلَ ما لم تعملْ يداكَ، ورجلٌ بايَعَ إمامًا لا يُبايِعُه إلا للدنيا، ورجلٌ حلفُ على سِلْعةٍ بعدَ العصرِ كاذبًا: لقد أعطى أكثرَ مما أُعطِي» (٣)، و: «لا يدخُلُ الجنةَ بخيلٌ، ولا مَنَّانٌ، ولا سيئُ الملَكَةِ (٤)» (٥)، فإن البخلَ مِن الكبائرِ، وهو منعُ الواجباتِ؛ من الزكاةِ، وصِلةِ الرحمِ، وقِرَى الضيفِ، وتركِ الإعطاءِ في النوائبِ، وتركِ النفقات الواجبة وقضاء الديون، وترك الإنفاق في سبيلِ اللهِ، وعقوقُ الوالدينِ، وشهادةُ الزورِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وقذفُ المُحصَناتِ، والتولِّي يومَ الزَّحْفِ، والسحرُ، وأكلُ الربا من الكبائرِ، بل كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ للهِ في الدنيا، أو في الآخرةِ؛ مثلُ: غضبِ اللهِ، ولعنتِه، والنارِ. وهذا بابٌ يطولُ وصفُه؛ لكن قد ذكَرْنا الأصلَ الجامعَ في ذلك.

стр. 389

ومَن تاب من ذنبٍ فيما بينَه وبينَ اللهِ ؛ فإن اللهَ يتوبُ عليه، وإن كان مِن مظالمِ العبادِ مثلُ ظلمِ أبَوَيْه؛ فعليه أن يفعلَ معهم الحسناتِ بقَدْرِ ما فعَل من السيئاتِ؛ حتى يقومَ هذا بهذا. فَصْلٌ قد ثبَتَ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ أمرُ الثقلينِ؛ الجنِّ، والإنسِ، وثبَتَ أن محمدًا ﷺ رسولٌ إليهما. واتفقوا على ثوابِ الإنسِ على الطاعةِ، واختلفوا في الجنِّ؛ هل يُثابُونَ، أو لا ثوابَ لهم إلا النجاةُ من العذابِ؟ على قولَينِ: والأول: قولُ جمهور المالكيةِ والشافعيةِ والحنبلية وأبي يوسفَ ومحمدٍ، وغيرِهم. والثاني: مأثورٌ عن طائفةٍ، منهم أبو حنيفةَ. وقد اختُلِف: هل من شرطِ الوجوبِ العقابُ على الترك؟ على قولَينِ. وأما الثوابُ على الفعلِ: فواجبٌ بالسمعِ. ومَن لا تكليفَ عليه: هل يُبعَثُ يومَ القيامةِ؟ فالإنسُ والجنُّ يُبعَثونَ جميعًا بالاتفاقِ، ولم يختلفوا - فيما علمتُ - إلا فيمن لم تُنفَخْ فيه الرُّوحُ، واختار القاضي: بَعْثَه، وذكَرَه عن أحمدَ. وأما البهائمُ فهي مبعوثةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، قال اللهُ: ﴿وما من دابة في

стр. 390

الأرضِ﴾ إلى قوله: ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾، والحديثُ في قولِ الكافرِ: ﴿يا ليتني كنت ترابا﴾، لما يرى (١)، معروفٌ، وما أعلمُ فيه خلافًا. ولكن اختَلفَ بنو آدمَ في معادِ الآدميِّينَ على أربعةِ أقوالٍ: أحدُها: قولُ المسلمِينَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وجماهيرِ اليهودِ والنصارى والمجوسِ: أن المعادَ للرُّوحِ والبدنِ، ويُنكِرونَ معادَ رُوحٍ قائمةٍ بنفْسِها. الثاني: أن المعادَ للبدنِ دونَ الروحِ (٢). والثالثُ: ضدُّ هذا، وهو قولُ الفلاسفةِ ومَن ينصَر مذهَبَهم من متكلِّمي أهلِ القِبْلةِ ومُتصوِّفيهم: أن المعادَ للرُّوحِ دونَ البدنِ. الرابع: أنه لا معادَ لا لبدنٍ ولا لروحٍ، وهو قولُ أكثر مشركي العربِ، والطبائعِيِّينَ، والمُنجِّمِينَ، وبعضِ الإلهيِّينَ من المتفلسفةِ.

стр. 391

فعلى هذينِ القولَينِ؛ يُنكر حَشْرُ البهائمِ، وعلى القولَينِ الأولينِ؛ يُقبَلُ الخلافُ. فَصْلٌ ومَن لا تكليفَ عليه ممن رُفِعَ عنه القلمُ؛ هل يُعذَّبُ في الآخرةِ؟ وهنا مسألةُ أطفالِ المشركينَ، فمَن قال من أصحابِنا وغيرِهم: إنهم يُعذَّبونَ تَبَعًا لآبائِهم؛ قال بتعذيب غيرِ المكلَّفِ تَبَعًا. ومَن قال: يدخلونَ الجنةَ، من أصحابنا وغيرِهم؛ قال: يُنعِّمُهم. والصوابُ: أنهم لا يُعذَّبونَ جميعُهم؛ ولا ينعمون جميعهم، بل فريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السعيرِ، وهذا مُقتضَى نصوصِ أحمدَ؛ فإن أكثرَ نصوصِه الوقفُ، لا يُحكَمُ بجنةٍ ولا بنارٍ، فدلَّ على جوازِ الأمرينِ عندَه في حقِّ المُعيَّن. وأما تجويز الأمرِين في حقِّ مجموعِهم؛ فلا يلزمُهم، وهذا قولُ الأشعريِّ وغيرِه، وبهذا أجابَ رسولُ اللهِ في قولِه: «اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملِينَ» (١)، فبيَّنَ أن الأمرَ راجعٌ إلى علمِ اللهِ فيما كانوا يعملونَ لو بَلَغوا. ويجوزُ قتلُ الصبيِّ إذا قاتلَ أو صال؛ كالمجنونِ، والبهيمةِ (٢).

стр. 392

وفي حديثِ عائشةَ: «عُصفورٌ من عصافيرِ الجنةِ»، فقال: «أوَغيرَ ذلك يا عائشةُ، إن اللهَ خلَقَ للجنةِ أهلاً وهم في أصلاب (١) آبائِهم، وخلَق للنارِ أهلاً وهم في أصلابِ آبائِهم» (٢). وثبَتَ أن الغلامَ الذي قتَلَه الخَضِرُ طُبِعَ كافراً، وقتَلَه قبلَ الاحتلامِ، وكان أبواه مؤمنَينِ (٣). ولهذا قال أصحابُنا: لا يُشهَدُ لأحدٍ بعينِه من أطفالِ المؤمنينَ أنه في الجنةِ؛ ولكن يُطلَقُ القولُ: إن أطفالَ المؤمنينَ في الجنةِ. وقد رُوِي أحاديثُ حسانٌ: أن اللهَ تعالى يمتحنُ مَن لم يُكلَّفْ في الدنيا مِن الصِّبْيانِ والمجانينِ، ومَن مات في الفترةِ، يوم القيامة؛ فمَن أطاعَ دخل الجنةَ، ومن عصى دخل النارَ (٤). فهذا التفصيلُ هو الصوابُ. وأما البهائمُ؛ فعامةُ المسلمِينَ أنه لا عقابَ عليهم إلا ما يُحكَى عن التناسخيةِ.

стр. 393

فَصْلٌ (١) الدنيا دارُ تكليفٍ بلا خلافٍ ، وكذلك البَرْزخُ وعَرْصةُ القيامةِ، وإنما ينقطعُ التكليفُ بدخولِ دارِ الجزاءِ، وهي الجنةُ أو النارُ؛ كما صرَّحَ بذلك أصحابُنا وغيرُهم. والامتحانُ في البَرْزخِ لمن لم يكُنْ مكلَّفًا؛ فيهم (٢) قولانِ لأصحابِنا (٣) وغيرِهم، وعلى هذا؛ لا خلافَ في امتحانِهم في العَرْصةِ. وغيرُ المكلَّفِ قد يُرحَمُ؛ فإن أطفالَ المؤمنينَ معَ آبائِهم في الجنةِ. فَصْلٌ والتكليفُ بالأمرِ والنهيِ ثابتٌ بالشرعِ والاتفاقِ، وفي ثبوتِه بالعقلِ اختلافٌ بينَ العلماءِ من أصحابِنا وغيرِهم. والثوابُ والعقابُ معلومٌ بالسمعِ ؛ وهو قولُ كثيرٍ من أصحابِنا والأشعريةِ وغيرِهم، وذهَب طوائفُ إلى أنه يُعلَمُ بالعقلِ. والصوابُ: أن معرفتَه بالسمعِ واجبةٌ، وأما بالعقلِ فقد يُعرَفُ وقد لا يُعرَفُ، وليست معرفتُه بالعقلِ ممتنعةً، ولا هي واجبةٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 394

فَصْلٌ وأما الشهادةُ لرجلٍ بعينِه بأنه من أهلِ النارِ أو الجنةِ؛ فليس لأحدٍ ذلك إلا بما يوجبُ؛ كالعشرةِ الذينَ أخبر عنهم الصادقُ. ومنهم من جوَّزَ ذلك لمن استفاضَ في الأمةِ الثناءُ عليه؛ كعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأمثالِه (١). وقد كان بعضُ السَّلَفِ يمنعُ أن يُشهدَ بالجنةِ لغيرِ الرسولِ؛ حتى ناظَرَ عليُّ بنُ المَدِينيِّ أحمدَ في هذه المسألةَ، وقال: (أقولُ: إنهم في الجنةِ، ولا أشهدُ)، فقال أحمدُ: (متى قلتَ: إنهم في الجنةِ؛ فقد شهِدتَّ أنهم في الجنةِ) (٢). وإنما توقَّفَ الناسُ في القطع؛ لخَوْفِ الخاتمةِ، ومعَ هذا فنرجو للمُحسِنِ، ونخافُ على المسيءِ. ومَن ظهَر منه أفعالٌ يُحِبُّها اللهُ ورسولُه؛ وجَبَ أن نُعاملَه بموجَبِ ذلك من المولاةِ والمحبةِ والإكرامِ، ومَن ظهَرَ منه خلافُ ذلك؛ عُومِلَ بمقتضاه.

стр. 395

فَصْلٌ في قولِه في الحديثِ الصحيحِ الذي قال في آخرِه: «قد غفرتُ لعبدِي؛ فليَعمل ما شاء» (١)؛ هذا الحديثُ لم يجعَلْه النبيُّ ﷺ عامًّا في كلِّ من أذنب وتاب، وإنما ذكَرَه حكايةَ حالٍ عن عبدٍ كان منه ذلك، فأفادَ أن العبدَ قد يعمَلُ من الحسناتِ العظيمةِ ما يُوجِبُ غُفْرانَ ما تأخَّرَ من ذنوبِه، وإن غُفِر بأسبابٍ. وهذا مثلُ حديثِ حاطِبِ بنِ أبي بَلْتعةَ الذي قال فيه: «وما يُدريكَ أن اللهَ اطَّلعَ على أهلِ بدرٍ، فقال: اعمَلوا ما شِئتُم، فقد غفرتُ لكم» (٢)، وكما جاء غلامُ حاطِبٍ يشكوه، فقال: واللهِ يا رسولَ اللهِ، ليدخُلَنَّ حاطبٌ النارَ! فقال: «كذبْتَ، إنه قد شهِدَ بدرًا والحُدَيْبِيَةَ» (٣). وقال: «لا يدخل النارَ أحدٌ بايع تحت الشجرة» (٤). ففي هذه الأحاديثِ بيانُ أن مِن المؤمنين مَن يعملُ من الحسناتِ ما يُغفَرُ له بها ما تأخَّرَ من ذنوبه، وإن غُفِر بأسبابِها، ويدُلُّ على أنه يموتُ مؤمنًا، ويكونُ من أهلِ الجنةِ، وإذا وقَع منه ذنبٌ فقد يتوبُ؛ كما تاب على بعضِ البَدْريِّينَ؛ كقُدامةَ بنِ عبدِ اللهِ؛ لما شرِبَ الخمرَ متأوِّلًا،

стр. 396

فاستتابَه عمرُ والصحابة، وجلدوه، وتطهَّرَ بالحدِّ والتوبةِ، وإن كان ممن قيلَ له: «اعمَلوا ما شئتُم» (١). ومغفرةُ اللهِ لعبدِه لا تنافي أن تكونَ المغفرةُ بأسبابِها، ولا تمنعُ أن تصدر منه توبةٌ؛ إذ مغفرةُ اللهِ لعبدِه مقتضاها: أنه لا يُعذِّبُه بعدَ الموتِ، وهو سُبْحانَه يعلمُ الأشياءَ على ما هي عليه، فإذا علِمَ من العبدِ أنه سيتوبُ، أو يعملُ حسناتٍ ماحيةً؛ غفَرَ له في نفسِ الأمرِ؛ إذ لا فرقَ بينَ أن يحكمَ بالمغفرةِ، أو بدخولِه الجنةِ. ومعلومٌ أنَّ من بَشَّره بالجنةِ فإنما هو لعِلْمِه بما يموتُ عليه، ولا يُمنَعُ أن يعملَ سببَها. وعلمُ اللهِ بالأشياءِ وإخبارُه بها لا ينافي ما علَّقَها عليه من الأسبابِ؛ كما أخبَرَ: «أن ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب مقعدُه من الجنةِ أو النارِ»، ومعَ ذلك فقال: «اعمَلوا، فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له» (٢)، وكمَن أُخبِرَ أنه ينتصرُ على عدُوِّه؛ لا يَمنَعُ أن يعملَ أسبابَه، أو أنه يكونُ له ولدٌ؛ لا يُمنَعُ أن يتزوجَ أو يتَسرَّى، وكذا من أُخبِرَ بالمغفرةِ والجنةِ؛ لا يَمنَعُ أن يريد الآخرةَ، ويسعى لها سَعْيَها. ومن ذلك الدعاءُ المذكورُ في آخِرِ البقرةِ، فقد ثبَتَ أنه تعالى قال: «قد فعلتُ» (٣)، ومعَ ذلك فمِن المشروعِ لنا أن ندعوَه.

стр. 397

ومنه قولُه: «سَلوا اللهَ لي الوسيلةَ» (١)، فحصولُ الموعودِ لا ينافي السببَ المشروعَ. وأبلغُ من ذلك قولُه لنبِيِّه سنةَ ستٍّ: ﴿ليغفر لك الله ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر﴾، ومعَ هذا فما زال يستغفرُ في بقيةِ عُمُرِه. وقال له في آخر سورةِ النصرِ (٢): ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، وكان يتأوَّلُ ذلك في ركوعِه وسجودِه؛ أي: يمتثلُ ما أمَرَه ربُّه (٣). فإذا كان هذا سيدَ المرسلينَ، كيفَ لا يستغفرُ غيرُه ويتوبُ؟! وإن قيلَ له ذلك. ولهذا سُبْحانَه ما زال يخاطِبُ أهلَ بدرٍ وبيعةِ الرِّضوانِ بالأمرِ والنهيِ، والوعدِ والوعيدِ، ويذكرُ أنه يتوب عليهم؛ كما قال: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين﴾ الآية، وقد نزلَتْ بعدَ عام الحديبيةِ بثلاثِ سنينَ، وقد كان من شأنِ مِسطَحٍ ما كان، وهو من أهلِ بدرٍ، وتوعَّدَه اللهُ في قولِه: ﴿لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم﴾، وقولِه: ﴿وهو عندَ اللهِ عظيم﴾، وقولِه: ﴿إن الذينَ يرمون المحصنات﴾ إلى قوله: ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة﴾

стр. 398

الآية، وقد رُوِي أن النبيَّ جلَدَهم (١). فقد وقع هذا البدريُّ المغفورُ له بهذا الإفكِ العظيمِ؛ لكنْ تاب منه بلا رَيْبٍ، فتبيَّنَ أن قولَه: «فقد غفرْتُ لكم» لا يمنعُ أن يعملوا بعدَ ذلك ذنوبًا، ويتوبونَ؛ بل لئلا (٢) يتكلوا على الأخبارِ فقط؛ بل لا بدَّ من فعلِ السببِ من التوبةِ، أو الحسناتِ الماحية مع المتقدمةِ، أو غيرِ ذلك من الأسبابِ؛ كالمصائبِ في الدنيا، أو في البَرْزخِ، أو في القيامةِ، أو يرحَمُه. وهذه الأسبابُ يشتركُ فيها من علِمَ أنه غُفِر له ومَن لم يعلَمْ؛ لكن الذي علم قد علِمَ أن اللهَ يغفرُ له، ويُدخِلُه الجنةَ، وأما الجاهلُ بحالِه؛ فلا يدري حالَه عندَ اللهِ، فعِلْمُه بأن اللهَ يغفرُ الذنبَ ويأخذُ به، وإيمانُه العظيمُ الذي في قلبِه بذلك؛ أفادَه أنه صار عندَ اللهِ ممن يُغفَرُ له لا محالةَ، ولا بدَّ له من الأسبابِ، فإنه لا بدَّ أن يدومَ على الإيمانِ، ودوامُه على الإيمانِ من أعظمِ الحسناتِ الماحيةِ، ولا بدَّ أن يصلِّيَ ويتوبَ ويستغفرَ ونحوُ ذلك من موجِباتِ الرحمةِ وعزائمِ المغفرةِ. ومن كرَّر التوبةَ مراتٍ، واسترسلَ في الذنوبِ، وتعلَّقَ بهذا الحديثِ (٣)؛ كان مخدوعًا مغرورًا من وجهَينِ:

стр. 399

أحدُهما: ظنُّه أن هذا الحديثَ عامٌّ في حقِّ كلِّ تائبٍ، وإنما هو حكايةٌ، فيدلُّ على أن في عباد الله مَن هو كذلك. الثاني: أن هذا لا يقتضي أن يُغفَرَ له بدونِ أسبابِ المغفرةِ؛ كما قدَّمْناه، ومَن كرَّر هذه التوبةَ المذكورةَ لا يُجزَمُ له أنه قد دخل في معنى هذا الحديثِ، وأنه يعملُ بعدَ ذلك ما شاءَ، ولكن يُرجَى له أنه قد يكونُ من أهلِ هذا الوعدِ، ولا يُجزَمُ لمعيَّنٍ بهذا الحكمِ، كما لا يُجزَمُ في حقِّ معيَّنٍ بسائرِ نصوصِ الوعدِ والوعيدِ، فإن هذا كقولِه: من فعَل كذا دخَل الجنةَ، ومَن فعَل كذا دخَل النارَ؛ لا يُجزَمُ لمعيَّنٍ؛ لكن نرجَو للمُحسِنِ، ونَخافُ على المسيءِ. ومن هذا البابِ؛ حديثُ البطاقةِ التي جِيء بالرجلِ وأُخرِج له تسعةٌ وتسعون سجلاً، كلُّ سجلٍّ مدَّ البصرِ، وأُخرِج له بطاقةٌ قَدْرُ الكفِّ فيها التوحيدُ، فرجَحتْ على تلك السِّجِلاتِ (١). وليس كلُّ من تكلَّمَ بالشهادتينِ كان بهذه المنزلة؛ لأن هذا العبدَ قد كان في قلبِه من التوحيدِ واليقينِ والإخلاصِ ما أوجَبَ أن عُظِّمَ قدرُه حتى صارَ راجحًا على هذه السيئاتِ، ومن أجلِ ذلك صارَ المُدُّ من الصحابةِ أفضلَ من جبلِ أُحُدٍ من غيرِهم ذهباً. ومن ذلك: حديثُ البَغِيِّ التي سقَتْ كلبًا، فغُفِر لها (٢)، فلا يُقالُ في

стр. 400

كلِّ بَغِيٍّ سقَتْ كلبًا: غُفِر لها؛ لأن هذه البغيَّ قد حصَلَ لها من الصدقِ والإخلاصِ والرحمةِ بخَلْقِ اللهِ ما عادلَ إثمَ البِغاء، والمغفرةُ تحصُلُ بما يحصُلُ في القلبِ من الإيمانِ الذي يعلمُ اللهُ به مقدارَه وصفتَه، وهذا يفتحُ بابَ العملِ، فيجتهدُ العبدُ أن يأتيَ بهذه الأعمالِ وأمثالِها من موجِباتِ الرحمةِ وعزائمِ المغفرةِ، ويكونُ معَ ذلك بينَ الخوفِ والرجاءِ، كما قال: ﴿والذينَ يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾. ولهذا استثنى ابنُ مسعودٍ وغيرُه في الإيمانِ (١)، وقولُ أحدهم: (أنا مؤمنٌ إن شاءَ اللهُ)، فإن الإيمانَ المُطلَقَ الكاملَ يقتضي أداءَ الواجبِ، وأحدُهم لا يعلَمُ أنه أدى الواجبَ كما أُمِر، فلهذا استَثْنَوا فيه، واستَثْنَوا في الصَّلاةِ وغيرِها؛ لأنه لا يُجزَمُ بأنه أتى بها على وجهِها، فيأتي بما أتى من الخيرِ وقلبُه وجِلٌ. وإن كان للاستثناءِ وجهٌ آخَرُ؛ وهو خوفُ الخاتمةِ، وأن المؤمنَ المُطلَقَ في علِمِ اللهِ: أنه يموتُ على ذلك. ووجهٌ ثالثٌ: وهو التبَرُّكُ بتعليقِه بمشيئةِ اللهِ. ومثلُ هذا الحديثِ يُوجِبُ فائدتينِ عظيمتينِ: إحداهما: أن يعملَ الإنسانُ مثلَ هذا العملِ مجتهدًا في تقوى اللهِ؛ حتى يُثيبَه بمثلِ هذا الجزاءِ. الثاني: أنه إذا رأى غيرَه من المؤمنينَ له من الذنوبِ ما يمكنُ أن

стр. 401

يكونَ له معَها مثلُ هذه الحسنةِ التي يكونُ صاحِبُها مغفورًا له؛ لم يشهَدْ له بالنارِ، ولم نعامِلْه بما يُعاملُ به أهلَ الكبائرِ؛ بل نرجو أن يرحمَه اللهُ؛ بل ويكونُ من أولياءِ اللهِ، فإن مَن كان مؤمنًا تقِيًّا كان للهِ وليًّا، فلا يُحكَمُ على أحدٍ من أهل القِبْلةِ معينٍ أنه من أهلِ النارِ؛ إلا أن يكونَ معَه علمٌ بيقينٍ، كالذي شهِدَ له النبيُّ ﷺ أنه من أهلِ النارِ؛ فقتل نفْسَه بالمِشْقَصِ (١)، وابنِ أُبَيِّ، وإبليسَ، واللهُ أعلمُ. فَصْلٌ في الصحيحِ أنه قال: «من أحَبَّ أن يُبسَطَ له في رزقِه، ويُنسَأَ له في عمُرِه؛ فلْيَصِلْ رحِمَه» (٢)؛ وقد تأوَّلَ بعضُهم: أنه يُبارَكُ له في عمرِه؛ حتى قد يعملُ فيه من الخيرِ في العمرِ القصيرِ ما يعمَلُه غيره بالعمرِ الكثير. والصحيحُ: أنه يزيدُ وينقُصُ بما في أيدي الملائكةِ من الصُّحُفِ؛ كما تقدَّمَ (٣). وليس لأحدٍ اطلاعٌ على اللَّوحِ سوى اللهِ، وما يُوجَدُ في كلامِ بعضِ الشيوخِ والمتكلمينَ من الاطلاعِ عليه؛ فهو مبنيٌّ على ما تلقوه: أن اللوحَ هو العقلُ الفعالُ، وأن نفوسَ البشرِ تتصِلُ به، كما يذكرُ مثلَ ذلك

стр. 402

صاحبُ رسائلِ إخوانِ الصفا، وقد يُوجَدُ في كلامِ أبي حامدٍ في مثلِ «جواهرِ القرآنِ» و «الإحياءِ»، ويظُنُّ مَن لا يعرفُ حقيقةَ دينِ الإسلامِ أن هذا من كلامِ أولياءِ اللهِ المُكاشَفِينَ، ولا يعلمُ الجاهلُ أن ما يقوله هؤلاء المتفلسفة في العقلِ الفعالِ، وأن العالمَ السُّفْليَّ يفيضُ عنه، وأنه في الحقيقةِ ربُّه ومدبِّرُه، وكذلك ما يقولونَه في العقولِ العشرةِ، من كونِ كلِّ عقلٍ يفيضُ عنه ما تحتَه؛ هو كفرٌ باتِّفاقِ المسلمِينَ واليهودِ والنصارى. وهؤلاءِ يأخذونَ لبَّ الصابئةِ، ويكسونَه لحى الإسلامِ، هم من جنسِ الملاحدةِ المنافقينَ، يُلبِّسونَ على المسلمِينَ، وإن كان منهم مَن قد تاب، أو تلبَّسَ عليه معَ أن أصلَ الإيمانِ معَه، وأخطأ في بعضِ ذلك خطأً يغفِرُه اللهُ له. ويزعمونَ أنه لم يسجُدْ لآدمَ شيءٌ من الملائكةِ، وأن الشياطينَ امتنعوا عن السجودِ له؛ لأنهم يُفسِّرونَ الملائكةَ والشياطينَ بقوى النفسِ؛ قوى الخيرِ والشرِ، ويجعلونَ كلامَ اللهِ؛ ما يفيضُ عليه من نفوسِ الأنبياءِ وغيرِهم، وملائكة الله؛ ما يكونُ في نُفوسِهم من الأشكالِ النورانيةِ. والمقصودُ: أنه يُوجَدُ في عبارة هؤلاءِ إطلاقُ اللَّوحِ والقلمِ والملائكةِ ونحوِ ذلك من عباراتِ المسلمِينَ؛ والمرادُ بها ما ليس من دينِ المسلمِينَ.

стр. 403

فَصْلٌ أما الدعاءُ بطولِ العمرِ فقد كرِهَه الأئمَّةُ، وكان أحمدُ إذا دعا له أحدٌ بطولِ العمرِ يكرَهُ ذلك، ويقول: (هذا أمرٌ قد فُرِغ منه)، وحديثُ أمِّ حبيبةَ لما طلبتْ الإمتاع بزوجِها، وأبيها، وأخيها، فقال النبيُّ ﷺ : «سألتِ اللهَ لآجالٍ مضروبةٍ، وآثارٍ مبلوغةٍ، وأرزاقٍ مقسومةٍ» (١)، ففيه أن العمرَ لا يطولُ بهذا السببِ الذي هو الدعاءُ فقط. وقد تنازَعَ الناسُ في الدعاءِ مطلقًا: فقالتْ طائفةٌ: لا فائدةَ فيه؛ وهم المتفلسفةُ، والمتصوفةُ، وتبِعَهم طائفةٌ من المؤمنينَ بالشرائع، قالوا: إنه عبادةٌ محضةٌ. وقال آخَرونَ: بل هو أمارةٌ وعلامةٌ على حصولِ المطلوبِ. وكلُّ هذا باطلٌ؛ بل الحقُّ: أنه من أعظمِ الأسبابِ التي جعلَها الله سببًا. والصوابُ: أن اللهَ جعل في الأجسامِ قُوًى التي هي الطبائعُ، فإن مِن أهلِ الإثباتِ مَن أنكَرَها، وقال: إن اللهَ جعَل الآثارَ عندَها لا بها، فيخلُقُ الشِّبعَ عندَ الأكلِ لا به، وهذا خلافُ الكتابِ والسُّنَّةِ، فإنه تعالى قال: ﴿فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من الثمرات﴾، وفي

стр. 404

القرآنِ كثيرٌ، فهو سُبْحانَه وإن كان جعَل في الأجسامِ قُوًى مهيئةً؛ فذلك من جملةِ الأسبابِ التي خلَقَها، والسببُ لا يستقلُّ بالحكمِ ولا يُوجِبُه؛ بل يتخلَّفُ الحكمُ عنه لمانعٍ؛ فإذا كان متوقفًا على وجودِ أسبابٍ أُخَرَ وانتفاءِ موانعَ؛ فليسَ في الوجودِ ما يستقلُّ بالتأثيرِ إلا اللهُ وحده الذي هو خالقُ كلِّ شيءٍ، وما شاء كانَ، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فقال تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾، فتعلمونَ أن خالقَ الأزواجِ واحدٌ. وقد بسَطْنا الكلامَ في فساد ما قالَه المتفلسفونَ في أن الواحدَ لا يصدُرُ عنه إلا واحد، وما ذكَروه من الترتيبِ الذي وضَعوه لخيالاتِهم الفاسدةِ. فَصْلٌ (١) لا نعلمُ في القيامِ للمصحفِ شيئًا مأثورًا عن السَّلَفِ. وقد سُئِلَ أحمدُ عن تَقْبيلِه ؟ فقال: (ما سمعتُ فيه شيئًا، ولكن رُوِي عن عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ أنه كان يفتحُ المُصحَفَ، ويضعُ وجهَه عليه، ويقولُ: كلامُ ربي! كلامُ ربي!) (٢). والسَّلَفُ وإن لم يكُنْ من عادتِهم القيامُ له؛ فلم يكن من عادتهم

стр. 405

قيام بعضِهم لبعضٍ إلا لمثلِ القادمِ من غَيْبةٍ ونحوِ ذلك، ولم يكُنْ أحدٌ أحبَّ إليهم من رسولِ اللهِ، ولم يكن يقومونَ له لما يرونَ في وجهِه من كراهة ذلكَ (١)، والأفضلُ للناسِ اتباعُ السَّلَفِ في كلِّ شيءٍ. فأما إذا اعتادوا القيامَ لبعضِهم البعض؛ فقد يقالُ: ترك القيام للمصحفِ معَ هذه العادة لم يكونوا مُحسِنينَ؛ بل هم إلى الذمِّ أقربُ؛ حيثُ يجبُ من احترامِه وتعظيمِه ما لا يجبُ لغيرِه، وفي ذلك تعظيمُ حُرُماتِ اللهِ وشَعائرِه، وقد ذكَر بعضُ الفقهاءِ الكبارِ قيامَ الناسِ للمصحفِ ذكرُ مقرِّرٍ له غير مُنكِرٍ. وأما جعلُه عندَ القبرِ، وإيقادُ القناديلِ هناك؛ فهو مَنْهيٌّ عنه، ولو جُعِل للقراءةِ هنالك، فكيفَ إذا لم يُقرَأْ فيه؟ وقد قال النبيُّ ﷺ : «لعَن اللهُ زوَّاراتِ القبورِ، والمُتَّخذِينَ عليها السُّرُجَ والمساجدَ» (٢)، وترتيبُ الذمِّ على المجموعِ يقتضي أن كلَّ واحدٍ له تأثيرٌ في الذمِّ، والحرامُ لا يتولَّدُ بانضمامِ المباحِ إليه. والناسُ قد تَنازَعوا في القراءةِ عندَ القبرِ. وجعلُ المُصحَفِ عندَ القبرِ ليُقرَأَ فيه؛ بدعةٌ مُنكَرةٌ لم يفعَلْها

стр. 406

السَّلَفُ؛ بل يدخُلُ في معنى اتخاذِ المساجدِ على القُبورِ، ولا نزاعَ في النهيِ عن اتخاذِها مساجدَ. ومعلومٌ أن المساجدَ بَيتُ الصلاةِ والدعاءِ والذِّكْرِ والقراءةِ. فَصْلٌ (١) وأما استفتاحُ الفألِ بالمُصحَفِ فلم يُنقَلْ عن السَّلَفِ فيه شيءٌ، وقد تنازَعَ فيه المتأخِّرونَ، ذكر القاضي أبو يَعْلى أن ابنَ بَطَّةَ فعَلَه، وذكَرَ عن غيرِه أنه كرِهَه. وإنما كان الفألُ الكلمةُ تُسمعُ نحوُ: يا بريدةُ، قال: «يا أبا بكرٍ، بَرد أمرُنا» (٢). وأما الطِّيَرةُ بأنْ يكونَ قد فعل أمرًا، أو يعزمُ عليه؛ فيسمعُ كلمةً مكروهةً مثلَ: ما يتمُّ؛ فيترُكُه، فهذا مَنْهيٌّ عنه. والذي ينبغي: الاستخارةُ التي علَّمَها النبيُّ ﷺ أمَّتَه، ولم يجعلِ الفألَ والطِّيَرةَ أمرًا باعثًا على شيءٍ من الفعلِ أو التَّرْكِ، وإنما يأتمرُ وينتهي عن ذلك أهلُ الجاهليةِ الذينَ يَسْتقسِمونَ بالأزلامِ.

стр. 407

وقد حرَّم اللهُ الاستقسامَ بها؛ فالضربُ بالحصا، والشعيرِ، واللَّوحِ، والخشبِ، والورَقِ المكتوبِ عليه حروفُ «أبجد»، أو أبياتُ شعرٍ، ونحوُ ذلك مَنْهيٌّ عنه؛ لأنها من بابِ الاستقسامِ بالأزلامِ. فَصْلٌ (١) فيمن قال: لا بدَّ لنا من واسطةٍ بيْنَنا وبينَ اللهِ: فإن أرادَ: أنه لا بدَّ من واسطةٍ تبلِّغُه أمرَ اللهِ ونَهْيَه؛ فهذا حقٌّ لا بدَّ للناسِ من رسولٍ يبلِّغُ عن اللهِ أمرَه ونَهْيَه، ويُعلِّمُهم دينَ اللهِ الذي تعبَّدَهم به، فهذا مما أجمعَ عليه أهلُ المِلَلِ، ومَن أنكَرَ ذلك فهو كافرٌ بالإجماعِ. وإن أرادَ بالواسطةِ: أنه لا بدَّ منه في جلبِ المنافعِ، ودفعِ المضارِّ، ورزقِ العبادِ، وهُداهم؛ فهذا شركٌ كفَّر اللهُ به المشركينَ؛ حيثُ اتَّخذوا من دونِه شفعاءَ وأولياءَ يَجْلِبونَ بهم المنافِعَ، فمن جعَل الملائكةَ أو غيرَهم أربابًا، ووسائطَ يدعوهم، ويتوكَّلُ عليهم، ويسأَلُهم غُفْرانَ الذنوبِ، وهدايةَ القلوبِ، وتفريجَ الكُرُباتِ، ونحوَ ذلك؛ فهو كافرٌ بإجماعِ المسلمِينَ. ومَن جعَل المشايخَ من أهلِ العلمِ والدينِ وسائطَ عن الرسل؛ يعلمونهم ويقتدون بهم؛ فقد أصابَ، وقد قال: «العُلَماءُ وَرَثةُ

стр. 408

الأنبياءِ» (١)، وكلُّ أحدٍ يُؤخَذُ من كلامِه ويُترَكُ إلا رسولَ اللهِ. وإن أثبَتَهم وسائطَ بمعنى الحُجَّابِ الذينَ بينَ الملكِ ورعيتِه؛ بحيثُ يكونونَ هم يرفعونَ إلى اللهِ حوائجَ خَلْقِه؛ فهذا شركٌ وكفرٌ. فَصْلٌ (٢) وأعظَمُ نعمةٍ أنعَمَها اللهُ على العبادِ: الإيمانُ، وهو قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقُصُ، يزيدُ بالطاعةِ والحسناتِ، فكلما ازدادَ الإنسانُ عملًا للخيرِ ازدادَ إيمانُه، هذا هو الإنعام الحقيقيُّ المذكورُ في قولِه تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذينَ أنعمت عليهم﴾. بل نِعَمُ الدنيا دونَ الدينِ؛ هل هي نعمةٌ أم لا؟ فيه قولانِ مشهورانِ للعُلماءِ من أصحابِنا وغيرِهم، والتحقيقُ: أنها نعمةٌ من وجهٍ، وإن لم تكُنْ نعمة تامةً من وجهٍ. وأما الإنعامُ بالدينِ؛ مِن فعلِ المأمورِ وتَرْكِ المحظورِ؛ فهو الخيرُ، والنعمةُ الحقيقيةُ عندَ أهلِ السُّنَّةِ؛ إذ عندَهم أن اللهَ هو الذي أنعَمَ بفعل الخيرِ. والقَدَريَّةُ عندَهم إنما أنعَمَ بالقدرةِ عليه، الصالحة للضِّدَّينِ فقط.

стр. 409

فَصْلٌ قد حرَّم اللهُ على العبدِ أن يسألَ العبدَ مسألةً إلا عندَ الضرورةِ، وإن كان إعطاءُ المالِ مُستحَبًّا، فمن طلب من غيرِه واجبًا أو مستحَبًّا: إن كان قصدُه مصلحةَ المأمور، أو مصلحته ومصلحةَ نفْسِه؛ فهو مُثابٌ على ذلك. فإن قصَدَ حصولَ مطلوبِه من غيرِ قصدٍ بحصولِ النفعِ للمأمور؛ فهذا من نفْسِه أُتِي، ومثلُ هذا السؤالِ لا يأمُرُ اللهُ به قطُّ؛ إذ هو سؤالٌ محضٌ للمخلوقِ (١) من غيرِ قصده لنَفْعِه، واللهُ يأمُرُنا أن نعبدَه، ويأمرُنا أن نحسنَ إلى عبادِه، وهذا لم يقصِدْ لا هذا ولا هذا، فلم يقصِدِ الرغبةَ إلى اللهِ ودعائِه، ولا قصَد الإحسانَ إلى الخلق الذي هو الزكاةُ، وإن كان قد لا يأثمُ بمثلِ هذا السؤالِ؛ لكن فرقٌ بينَ ما يُؤمَرُ العبدُ به، وبينَ ما يُؤذَنُ له فيه. ألا تَرى أن السبعينَ ألفًا هم الذينَ لا يَسْتَرقونَ، وإن كان الاسترقاءُ جائزًا.

стр. 410

فَصْلٌ والإلهُ هو الذي تأْلَهُهُ القلوبُ بكمالِ المحبةِ والتعظيمِ، والإجلالِ والإكرام، والرجاءِ والخوفِ، ومعَ علمِ المؤمنِ أن اللهَ ربُّ كلِّ شيءٍ ومَليكُه، فلا يُنكِرُ ما خلَقَه اللهُ من الأسبابِ. وينبغي أن يَعرفَ في الأسبابِ ثلاثةَ أمورٍ: أحدُها: أن السببَ المُعينَ لا يستقِلُّ بالمطلوبِ؛ بل لا بدَّ معَه من أسبابٍ أُخَرَ، ومعَ هذا فلها موانعُ. الثاني: أنه لا يجوزُ أن يعتقدَ أن الشيءَ سببٌ إلا بعلمٍ، فمن أثبَتَ سببًا بلا علمٍ، أو بخلافِ الشرعِ كان مُبطِلًا، كمن يظُنُّ أن النَّذْرَ سببٌ في دفعِ البلاءِ. الثالثُ: أن الأعمالَ الدينيةَ لا يجوزُ أن يُتَّخَذَ شيءٌ منها سببًا؛ إلا أن تكونَ مشروعةً، فإن العبادةَ مَبْناها على الإذنِ من الشارع، فلا يجوزُ أن يُشرِكَ باللهِ فيدعو غيرَه، وإنْ ظنَّ أنَّ ذلك سبباً في حصولِ بعضِ أغراضِه، وكذلك لا يَعبُدُ اللهُ بالبِدَعِ، وإن ظنَّ ذلك، فإن الشيطانَ قد يعينُ الإنسانَ على بعضِ مقاصدِه إذا أشرَكَ، وقد يحصُلُ بالكفرِ والفسوقِ والعصيانِ بعضُ أغراضِه، فلا يحل له ذلك.

стр. 411

فَصْلٌ العذابُ أو النعيمُ في البَرْزخِ: هل هو على الرُّوحِ فقط، أو على البدنِ فقط، أو عليهما؟ فيه ثلاثةُ أقوالٍ للمسلمِينَ (١). وهل يجبُ أن يكونَ على كلِّ بدنٍ، أو لبعضِ الأشخاصِ وفي بعضِ الأحوالِ؟ على قولَينِ. فإذا مات الإنسانُ، تفرَّقَتْ أوصالُه بحريقٍ أو أَكْلِ، ولم يَبْقَ له أثرٌ؛ كيفَ يضْغَطُه القبرُ؟ أو يُنعَّمُ أو يُعذَّبُ؟ فمن قال: إن ذلك على الروحِ؛ لا يرِدُ عليه. ومَن قال: إنه على البدنِ، أو عليهما، وهو مختصٌّ؛ فلا يرِدُ أيضًا.

стр. 412

ومن قال: إنه عامٌّ؛ فلهم في الأبدانِ البالية قولانِ: أحدُهما: أن اللهَ يوصلُ ذلك إلى جزءٍ من البدنِ، وهو الجوهرُ الفردُ. والقولُ الثاني: أنه يَبْلى إلا عَجْبَ الذَّنَبِ؛ كما ثبَتَ في الصحيحِ (١)؛ فالنعيمُ والعذابُ يتصلُ إليه معَ الرُّوحِ، وتعلُّقُ الرُّوحِ بالبدنِ بعدَ الموتِ نوعٌ آخَرُ. والعذابُ أنواعٌ قد شاهَدَه في زمانِنا غيرُ واحدٍ، وسمِعَ أصواتَهم، ولهذا إذا أصابَ الخيلَ مَغَلٌ (٢) قُرِّبتْ من قبورِ الكفارِ؛ فيزولُ لما تسمَعُه، فتفزعُ فيَنْحلُّ البطنُ، كما يحصُلُ للخائفِ، فإن الفَزَعَ يحلُّ البطنَ. فَصْلٌ والمعاصي في الأيامِ المفضلةِ والأمكنةِ المفضلةِ تُغلَّظُ المعصية والعقابُ عليها على قدرِ ذلك المكانِ والزمانِ (٣).

стр. 413

ولا يجوزُ كتابةُ القرآنِ حيثُ يُهانُ ، كما لو كُتِبَ على نصيبةِ قبرٍ تبولُ عليه الكلابُ، ويدوسُه الناسُ، كما لا يجوزُ أن يُسافَرَ به إلى أرضِ العدُوِّ، فتجبُ إزالتُه، أو إزالةُ ما كُتِب فيه من موضعِ الإهانةِ بالاتفاقِ. واللهُ تعالى إذا أرادَ أن يجمعَ بينَ أحدٍ من أعلى الجنةِ؛ أنزَلَه إلى الأسفلِ، وقال رجلٌ للنبيِّ: إني أحِبُّكَ، ما أستطيعُ أصبرُ عنكَ، وإنك في أعلى الجنةِ، فلا أراكَ؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ الآية (١). وإبليسُ لعَنَه اللهُ يُعذَّبُ بالنارِ وذُرِّيَّتُه؛ وإن كان من نارٍ، فالإنسانُ مخلوقٌ من صَلْصالٍ، ولو ضُرِبَ به قَتَلَه، واللهُ أعلمُ.

стр. 414

كِتَابُ الزَّكَاةِ إذا خلَّفَ مُوروثٌ مالًا ؛ من إبلٍ، أو غنمٍ، أو غيرِه، فيه شيءٌ حرامٌ من غصْبٍ أو غيرِه لا يعرِفُه الوارثُ عَيْنًا - يعرِفُ مالكَه أو لا يعرِفُه - وقدرُ نصيبِ الحرامِ غيرُ معروفٍ: فإنه يَقسم نِصْفينِ؛ نصفُه لهذه الجهةِ، ونصفُه لهذه الجهةِ؛ كما فعل عمرُ بنُ الخطابِ في مشاطرةِ العمالِ لمَّا تبيَّنَ له أنَّ في مالِهم شيئًا من بيتِ المالِ، وما هو لهم، ولم يتبيَّنِ القدرَ، فجعَلَ أموالَهم نصفينِ (١)، ولأنه مالٌ مشتركٌ، والشركةُ المطلقةُ تقتضي التسويةَ، ولا تجوزُ القُرْعةُ، ووقفُ الأمرِ إضاعةُ الحقوقِ. فالقولُ في هذه المسائل بالقسمةِ تارةً، والقرعةِ تارةً، وإنفاقِها في المصالحِ تارةً؛ خيرٌ من حَبْسِها بلا فائدةٍ. وقال طائفةٌ: تجبُ الزكاةُ في خَمسٍ من البقرِ كالإبلِ ، ورَوَوْا فيه أثرًا، فقالوا: هذا آخِرُ الأمرينِ (٢).

стр. 415

وقولُه: «ولا صاحبِ إبلٍ لا يُؤدِّي حقَّها» (١): يُرادُ بالحقِّ الزكاةُ، ويُرادُ به ما يجبُ من غيرِ الزكاةِ؛ مثلُ: الإعطاءِ في النوائبِ لابنِ السبيلِ والمسكينِ وذي الرَّحِمِ. ومِن حقِّها حَلبُها يومَ وِرْدِها؛ لأجلِ ابنِ السبيلِ ونحوِهم، فإنهم يقعدونَ على الماءِ، فإن إطعامَ المحتاجِ وسَقْيَه فرضُ كفايةٍ. وأما العِدَادُ (٢)؛ إن كان هو من (٣) الزكاةِ ؛ أجزَأَتْ عن صاحبِها عندَ الأئمَّةِ، وإن كان من الكُلَفِ (٤) التي وضَعَتها الملوكُ؛ لم تُجزِئْ عن الزكاةِ.

стр. 416

ومَن أنكرَ زكاةَ السائمةِ ؛ وجبَتِ استتابتُه. فَصْلٌ الإقطاعُ اليومَ ؛ إقطاعُ استغلالٍ، ليس له بَيْعُه، ولا هِبَتُه باتِّفاقِ الأئمَّةِ، ولا ينتقلُ إلى ورَثَةٍ؛ بخلافِ ما كان. وما يأخُذُه الجندُ ليس أجرةً للجهادِ ؛ لأنه لو كان أجرةً كان الجند كالفعلة (١)، وإنما عليهم أن يُقاتِلوا في سبيلِ اللهِ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُلْيا، ويكونَ الدينُ كلُّه للهِ، وأجرُهم على اللهِ، فإنَّه تعالى اشترى من المؤمنينَ أنفُسَهم وأموالَهم. والإقطاعُ يأخذونَه معاونةً لهم، ورزقًا لنفقةِ عِيالِهم، وإقامةِ الخيلِ والسلاحِ، وفي الحديثِ: «مثَلُ الذي يغزو من أُمَّتي في سبيلِ اللهِ مثَلُ أمِّ موسى تُرضِعُ ابنَها، وتأخُذُ أجرَها» (٢)، فهي تُرضِعُه لما في قلبِها عليه، لا لأجلِ أجرِها، وكذا المجاهدُ يغزو لما في قلبِه من الإيمانِ، لا لأجلِ المالِ.

стр. 417

وإذا كان اللهُ قد أمَر المسلمِينَ من الصحابةِ وغيرِهم أن يُجاهِدوا بأموالِهم وأنفُسِهم، وأوجَبَ عليهم عُشْرَ أموالِهم من الخارجِ من الأرضِ؛ فكيفَ لا يجبُ على مَن يُعطَى مالًا ليُجاهدَ، وقد قال ﷺ : «من جهَّز غازيًا فقد غزا، ومَن خلَفَه في أهلِه فقد غزا» (١)، فالذي يُعطِي المجاهدَ يكونُ مجاهدًا بمالِه، والمجاهدُ يجاهدُ بنفْسِه، وأجرُ كلِّ واحدٍ منهما على اللهِ، لا ينقُصُ أحدُهما من أجر الآخَرِ شيئًا، ولم يكُنْ هذا أجيرًا لهذا. ولو أعطى رجلٌ من المسلمِينَ رجلًا أرضًا يستغِلُّها، ويكونُ يجاهدُ في سبيلِ اللهِ؛ لوجَبَ عليه فيها العُشْرُ، ولم يسقُطْ لأجلِ الجهادِ، فالإقطاع أَوْلى. ووَلِيُّ الأمرِ لا يعطيهم من مالِه، وإنما يقسِمُ بينَهم حقَّهم، كما يقسِمُ التَّرِكةَ بينَ الوَرَثةِ، ولهذا يجوزُ لهم إيجاره، كما يجوزُ لأهلِ الوَقْفِ، كما قال تعالى: ﴿الذينَ إن مكناهم في الأرضِ أقاموا الصَّلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المُنكَرِ ولله عاقبة الأمور﴾، فمَن قام بهذه الأربعة؛ نصَرَه اللهُ على عدُوِّه. فعلى كلِّ مَن أنبَتَ اللهُ له زرعًا: العُشْرُ؛ سواءٌ كان بأرضِ مصرَ أو غيرِها، من مالكٍ، ومُستأجِرٍ، ومُقطَعٍ، ومُستعيرٍ، وكذلك التمرُ والزبيبُ ونحوُه مما تجبُ فيه الزكاةُ، فلا تخلو أرضٌ من عشرٍ أو خَراجٍ باتِّفاقِ المسلمِينَ.

стр. 418

ولكنِ اختَلفوا: هل يجتمعُ العُشْرُ والخراجُ الذي هو خراجُ الإسلامِ؟ فقال أبو حنيفةَ: لا، وقال الباقونَ: نعَمْ. والخراجيةُ عندَ أبي حنيفةَ: هي التي تكون ملكاً لصاحِبها، وعليه فيها الخراجُ، وله بَيْعُها، وهِبَتُها، وتُورَثُ عنه، فمَن قال: إن أرضَ مصرَ اليومَ لا عُشْرَ عليها عندَ أبي حنيفةَ فقد أخطأَ؛ لأن الجُنْدَ لا يملِكونَها، ولا الفلاحونَ، ولم يُضرَبْ على المُقطَعِ خَراجٌ في خدمتِه، وإذا تُرِكتِ الأرضُ المملوكةُ بلا عُشْرٍ ولا خَراجٍ؛ كان هذا مخالفًا لإجماعِ المسلمِينَ، ومَن أفتى بخُلُوِّ هذه الأرضِ عن العُشْرِ والخَراجِ؛ يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل. ومَن زعم أن الجهادَ هو عوضُ الخراجِ فقد أخطأَ لوجهَينِ: أحدُهما: أنهم لا يملكونها؛ بل تنازَعَ الناسُ في إجارةِ الإقطاعِ؛ حتى ظنَّ طوائفُ من الحنفيةِ وغيرِهم أنه لا يُؤجَّرُ؛ لكون المُقطَعَ لم يملِكِ البقعةَ، والأرضُ الخراجيةُ يُؤجِّرُها مَن عليه الخَراجُ بالإجماعِ. الثاني: أن ما يُعطاه الجند من الرزقِ ليس خَراجًا عليهم، ولا أجرةً للجهادِ؛ بل هم أعظَمُ المستحِقِّينَ للخَراجِ وغيرِه من أموال الفَيْءِ، والفَيْءُ إما أن يختصُّوا به في أحدِ القولَينِ، وإما أن يكونوا من أحقِّ المستحقين له، فإذا كانوا هُم المستحقِّينَ؛ فكيفَ يكونُ الخَراجُ مأخوذًا منهم؟! وقولُ القائلِ: الإمامُ أسقَطَ عنهم الخراجَ لكَوْنِهم من المقاتلةِ، فصاروا كأنهم يُؤدُّونَه.

стр. 419

يقالُ له: هذا لا يُسقِطُ الزكاةَ؛ لأن إقطاعَهم إيَّاها يستَغِلُّونها بلا خَراجٍ، لو كان يجعلها كالخراجيةِ لجاز لهم بَيْعُها، والذي تنتقلُ إليه إما أن يُؤدِّي خَراجَها، أو يسقطُ عنه إن كان من المقاتلةِ، فلما لم يكُنْ لهم ذلك؛ عُلِم أنه لا خَراجَ عليهم. ولو استأجَرَ المجاهدُ أرضًا؛ كان عليه العُشْرُ عندَ الجمهورِ، وعليه الأجرةُ لربِّ الأرضِ، وهو قولُ صاحِبَيْ أبي حنيفةَ. وأبو حنيفةَ يقولُ: العُشْرُ على المُؤجِّرِ، فلا يجتمعُ عندَه الأجرةُ والعُشْرُ. وأبو حنيفةَ أسقَطَ العُشْرَ عمن عليه الخَراجُ، قال: لأن كلاهما حقٌّ وجَبَ بسببِ الأرضِ، والمُقطَعُ لم يعط (١) شيئًا غيرَ ما أعَدَّ نفْسَه له مِن القتالِ، ألا تَرى أنه لو أخَذ بعضُ المسلمِينَ أرضًا خراجيةً كان عليه العشرُ معَ الجهادِ. يوضِّحُ ذلك: أن الأرضَ لو كانت عشريةً، وصارَتْ لبيتِ المالِ بطريقِ الإرثِ، فأقطَعَها السلطانُ لمن يستَغِلُّها من المقاتلةِ؛ فهل يكونُ ذلك مُسقِطًا للعشرِ؟ ومَن يجعلُ الإقطاعَ استئجارًا؛ يجعَلُ المجاهدينَ بمنزلةِ مَن يستأجِرُه الإمامُ للعمارةِ والفلاحةِ، ويقولُ: إذا كان الخَراجُ على شخصٍ، فاعتاضَ عنه الإمامُ ببعضِ هذه الأعمالِ كانت الأرضُ خراجيةً.

стр. 420

وهذا غلَطٌ عظيمٌ؛ فإنه يُخرِجُ الجهاد عن أن يكونَ قُرْبةً وطاعةً، ويجعلُ المجاهدينَ في سبيلِ اللهِ بمنزلةِ اليهودِ أو نصارى؛ استُؤْجِروا لعمارةِ دارٍ أو صنعِ سلاحٍ، والفقهاءُ مُتَّفِقونَ على الفرقِ بينَ الاستئجارِ على القُرَبِ، وبينَ رزقِ أهلِها. فرِزْقُ المقاتِلةِ والقضاةِ والمؤذِّنِينَ والأئمَّةِ؛ جائزٌ بلا نزاعٍ. وأما الاستئجارُ: فلا يجوِّزهُ أكثرهم، لا سيَّما أبو حنيفةَ والشافعيُّ، وإن جوَّزه على الإمامةِ؛ فإنه لا يجوزُ على الجهادِ؛ لأنه يصيرُ مُتعيِّنًا. فهؤلاءِ غلِطوا على الأئمَّةِ عمومًا، وعلى أبي حنيفةَ خصوصًا. فَصْلٌ يجوزُ أن يُوكِّلَ مَن يقبضُ له شيئًا من الزكاةِ ما تيسَّرَ، وإن كان مجهولًا؛ لأنه لا مَحْذورَ فيه. ومن استأجَرَ أرضًا ؛ فعندَ انعقادِ الحبِّ أمطَرَتِ السماءُ حجارةً أهلكَت زَرْعَه قبلَ حصادِه؛ سقَط العُشْرُ، وفي وجوبِ الأجرةِ نزاعٌ، الأظهرُ: أنه إن لم يكُنْ تمكَّنَ من استيفاءِ المنفعةِ المقصودةِ بالعقدِ؛ فلا أجرةَ عليه.

стр. 421

فَصْلٌ لا ينبغي أن تُعطَى الزكاةُ لمن لا يستعينُ بها على طاعةِ اللهِ، فإن اللهَ فرَضَها معونةً على طاعتِه، فمن لا يُصلِّي لا يُعطَى؛ حتى يتوبَ ويلتزمَ بأداءِ الصلاةِ (١). وما يُؤخَذُ من التجارِ بغيرِ اسمِ الزكاةِ منِ الوظائفِ السلطانيةِ؛ فلا يُعتد بها من الزكاةِ (٢). وأما ما يُؤخَذُ باسمِ الزكاةِ: ففيه نزاعٌ؛ والأَوْلى إعادتُها إذا غلَبَ على الظنِّ أنها لا تُصرَفُ إلى مُستحِقِّها. وإذا أخَذ العُشْرَ أو زكاةَ التجارةِ وليُّ الأمر، فصَرَفها في مَصارِفها؛ أجزَأَتْ باتِّفاقِ المسلمِينَ. وأما إن كان وليُّ الأمرِ ممن يتعدَّى في صَرْفِها؛ فالمشهورُ عندَ الأئمَّةِ: أنه يجزئ أيضًا؛ كما نُقِل ذلك عن الصحابة (٣).

стр. 422

فَصْلٌ إذا زرَع الجنديُّ إقطاعَه ؛ فعليه فيه الزكاةُ. ومذهبُ سائرِ الأئمَّةِ: أنه لا بدَّ في الأرضِ من عُشْرٍ، أو خَراجٍ، وهل يجتمعانِ؟ قال أبو حنيفةَ: لا. فلو كانت مصر عليها خَراجٌ كما كان في أولِ الإسلامِ؛ كان في وجوبِ العشرِ عليها نِزاعٌ، فأما اليومَ فلا خَراجَ عليها؛ لأن الأرضَ الخراجيةَ عندَ أبي حنيفةَ: هي التي يملِكُها صاحبُها وعليه خَراجُها، وهو الخَراجُ الذي ضرَبَه عمرُ على ما فتحَ عَنْوةً، وأقرَّها في أيدي أربابِها بالخَراجِ الذي ضرَبه (١)، فأما الجندُ فلا يملكونَ الأرضَ اليومَ، فلا خَراجَ عليهم، فيكونُ عليهم العشرُ بلا نزاعٍ.

стр. 423

لكن لو استَأْجَرها رجلٌ وزرَعَها؛ فالعشرُ على المستأجِرِ صاحبِ الزرعِ عندَهم، إلا أبا حنيفةَ فقال: على ربِّ الأرضِ المؤجِّرِ لها. فَصْلٌ دَفْعُ الزكاةِ إلى الوالدِ لا يجوزُ عندَ الأئمَّةِ المتبوعينَ في المشهورِ عنهم؛ إلا إذا أخَذَها لكونِه غارمًا لصلاحِ ذاتِ البَيْنِ، أو للجهادِ ونحوِه مما فيه مصلحةٌ للمسلمِينَ. وأما إذا كان غارمًا في مصلحةِ نفْسِه ففيه خلافٌ، وجوازُه قويٌّ مُتوجِّهٌ. ويدفَعُها إلى بناته إن كان عاجزًا عن نفَقتِهم في قولِ بعضِهم. وإن دفَعَها إلى غريمِه ، وشارَطَه أن يُوفِّيَهُ إياها؛ فلا يجوزُ، وإن قصَد ذلك من غيرِ شرطٍ؛ ففيه نزاعٌ. وإن دفَعَها إلى من لا تجبُ عليه نفقتهم ممن هم في عيالِه، فيُعطيهم فيما لم تَجْرِ عادتُه بإنفاقِه من مالِه، وإن أعطاهم ما هو مُعوَّدٌ إنفاقَه من

стр. 424

مالِه؛ ففيه نزاعٌ، والمأثورُ عن ابنِ عبَّاسٍ وغيره: المَنْعُ (١)، وذكَرَ أحمدُ عن سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ قال: كان العلماءُ يقولونَ: لا يُحابى (٢) قريبٌ، ولا يدفعُ بها مذلَّةً، ولا يقي بها مالَه (٣)، واللهُ أعلمُ. فَصْلٌ في المالِ حقٌّ سوى الزكاةِ ؛ مثلُ: صلةِ الرحِمِ من النفقةِ الواجبةِ، وحَمْلُ العَقْلِ عن المعقولِ عنه واجبان بالإجماعِ، ومثلُ: إطعامِ الجائعِ، وكسوةِ العاري، ونحوِ ذلك، فهو فرضُ كفايةٍ، فمن غلَب على ظنه أن غيرَه لا يقومُ بذلك؛ تعيَّنَ عليه، ومثلُ الإعطاءِ في النوائبِ؛ مثلُ النفقةِ في الجهادِ، ومثل قِرَى الضيفِ، فهو واجبٌ بالسُّنَّةِ الصحيحةِ. فَصْلٌ كلُّ ما أُعِدَّ للتجارةِ من ماءٍ وحطبٍ وغيرِه؛ ففيه الزكاةُ.

стр. 425

وما أُعِدَّ للكِراءِ؛ كالقدورِ والجمالِ والعقارِ وغيرِها؛ ففيه نزاعٌ في مذهَبِنا وغيرِه. ومِن السَّلَفِ مَن يوجبُ الزكاةَ في الكِراءِ إذا قبَض الثمن (١). فَصْلٌ إذا اشترى - مَن قبَض الزكاةَ ليدفَعَها إلى أهلِها - عقارًا ونحوَه؛ فإن عليه أن يُؤدِّيَ إلى الثمانيةِ الأصنافِ مقدارَ الذي قبَضَه، وما حصَلَ من نَماءٍ يقسِمُه بينَه وبينَهم. إذا مُنِع بنو هاشمٍ أخذ الخُمُسِ ؛ فلا يجوزُ لهم أخذُ الصدقةِ؛ إلا عندَ بعضِ المتأخِّرينَ، وليس هو قولًا لأحدِ المتبوعينَ (٢). فَصْلٌ إذا فرَّطَ الإنسانُ ولم يُخرِجِ الزكاةَ حتى ماتَ؛ فعلى الوَرَثةِ الإخراجُ عندَ أحمدَ والشافعيِّ، وكذا كلُّ حقٍّ للهِ.
следующие страницы →