← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فَصْلٌ لا ينبغي أن تُعطَى الزكاةُ لمن لا يستعينُ بها على طاعةِ اللهِ، فإن اللهَ فرَضَها معونةً على طاعتِه، فمن لا يُصلِّي لا يُعطَى؛ حتى يتوبَ ويلتزمَ بأداءِ الصلاةِ (١). وما يُؤخَذُ من التجارِ بغيرِ اسمِ الزكاةِ منِ الوظائفِ السلطانيةِ؛ فلا يُعتد بها من الزكاةِ (٢). وأما ما يُؤخَذُ باسمِ الزكاةِ: ففيه نزاعٌ؛ والأَوْلى إعادتُها إذا غلَبَ على الظنِّ أنها لا تُصرَفُ إلى مُستحِقِّها. وإذا أخَذ العُشْرَ أو زكاةَ التجارةِ وليُّ الأمر، فصَرَفها في مَصارِفها؛ أجزَأَتْ باتِّفاقِ المسلمِينَ. وأما إن كان وليُّ الأمرِ ممن يتعدَّى في صَرْفِها؛ فالمشهورُ عندَ الأئمَّةِ: أنه يجزئ أيضًا؛ كما نُقِل ذلك عن الصحابة (٣).

стр. 422

فَصْلٌ إذا زرَع الجنديُّ إقطاعَه ؛ فعليه فيه الزكاةُ. ومذهبُ سائرِ الأئمَّةِ: أنه لا بدَّ في الأرضِ من عُشْرٍ، أو خَراجٍ، وهل يجتمعانِ؟ قال أبو حنيفةَ: لا. فلو كانت مصر عليها خَراجٌ كما كان في أولِ الإسلامِ؛ كان في وجوبِ العشرِ عليها نِزاعٌ، فأما اليومَ فلا خَراجَ عليها؛ لأن الأرضَ الخراجيةَ عندَ أبي حنيفةَ: هي التي يملِكُها صاحبُها وعليه خَراجُها، وهو الخَراجُ الذي ضرَبَه عمرُ على ما فتحَ عَنْوةً، وأقرَّها في أيدي أربابِها بالخَراجِ الذي ضرَبه (١)، فأما الجندُ فلا يملكونَ الأرضَ اليومَ، فلا خَراجَ عليهم، فيكونُ عليهم العشرُ بلا نزاعٍ.

стр. 423

لكن لو استَأْجَرها رجلٌ وزرَعَها؛ فالعشرُ على المستأجِرِ صاحبِ الزرعِ عندَهم، إلا أبا حنيفةَ فقال: على ربِّ الأرضِ المؤجِّرِ لها. فَصْلٌ دَفْعُ الزكاةِ إلى الوالدِ لا يجوزُ عندَ الأئمَّةِ المتبوعينَ في المشهورِ عنهم؛ إلا إذا أخَذَها لكونِه غارمًا لصلاحِ ذاتِ البَيْنِ، أو للجهادِ ونحوِه مما فيه مصلحةٌ للمسلمِينَ. وأما إذا كان غارمًا في مصلحةِ نفْسِه ففيه خلافٌ، وجوازُه قويٌّ مُتوجِّهٌ. ويدفَعُها إلى بناته إن كان عاجزًا عن نفَقتِهم في قولِ بعضِهم. وإن دفَعَها إلى غريمِه ، وشارَطَه أن يُوفِّيَهُ إياها؛ فلا يجوزُ، وإن قصَد ذلك من غيرِ شرطٍ؛ ففيه نزاعٌ. وإن دفَعَها إلى من لا تجبُ عليه نفقتهم ممن هم في عيالِه، فيُعطيهم فيما لم تَجْرِ عادتُه بإنفاقِه من مالِه، وإن أعطاهم ما هو مُعوَّدٌ إنفاقَه من

стр. 424

مالِه؛ ففيه نزاعٌ، والمأثورُ عن ابنِ عبَّاسٍ وغيره: المَنْعُ (١)، وذكَرَ أحمدُ عن سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ قال: كان العلماءُ يقولونَ: لا يُحابى (٢) قريبٌ، ولا يدفعُ بها مذلَّةً، ولا يقي بها مالَه (٣)، واللهُ أعلمُ. فَصْلٌ في المالِ حقٌّ سوى الزكاةِ ؛ مثلُ: صلةِ الرحِمِ من النفقةِ الواجبةِ، وحَمْلُ العَقْلِ عن المعقولِ عنه واجبان بالإجماعِ، ومثلُ: إطعامِ الجائعِ، وكسوةِ العاري، ونحوِ ذلك، فهو فرضُ كفايةٍ، فمن غلَب على ظنه أن غيرَه لا يقومُ بذلك؛ تعيَّنَ عليه، ومثلُ الإعطاءِ في النوائبِ؛ مثلُ النفقةِ في الجهادِ، ومثل قِرَى الضيفِ، فهو واجبٌ بالسُّنَّةِ الصحيحةِ. فَصْلٌ كلُّ ما أُعِدَّ للتجارةِ من ماءٍ وحطبٍ وغيرِه؛ ففيه الزكاةُ.

стр. 425

وما أُعِدَّ للكِراءِ؛ كالقدورِ والجمالِ والعقارِ وغيرِها؛ ففيه نزاعٌ في مذهَبِنا وغيرِه. ومِن السَّلَفِ مَن يوجبُ الزكاةَ في الكِراءِ إذا قبَض الثمن (١). فَصْلٌ إذا اشترى - مَن قبَض الزكاةَ ليدفَعَها إلى أهلِها - عقارًا ونحوَه؛ فإن عليه أن يُؤدِّيَ إلى الثمانيةِ الأصنافِ مقدارَ الذي قبَضَه، وما حصَلَ من نَماءٍ يقسِمُه بينَه وبينَهم. إذا مُنِع بنو هاشمٍ أخذ الخُمُسِ ؛ فلا يجوزُ لهم أخذُ الصدقةِ؛ إلا عندَ بعضِ المتأخِّرينَ، وليس هو قولًا لأحدِ المتبوعينَ (٢). فَصْلٌ إذا فرَّطَ الإنسانُ ولم يُخرِجِ الزكاةَ حتى ماتَ؛ فعلى الوَرَثةِ الإخراجُ عندَ أحمدَ والشافعيِّ، وكذا كلُّ حقٍّ للهِ.

стр. 426

وعندَ غيرِهما: لا يجبُ على الوَرَثةِ، معَ أنه يُعذَّبُ بتَرْكِه الزكاةَ. وأما إذا مات الغُرماءُ ولم يُسْتوفَ منهم شيءٌ؛ فهل مطالبتُهم يوم القيامة للميتِ، أو للوَرَثةِ؟ اضطَربَ فيه الناسُ. والصوابُ: إن كان الحقُّ مظلمة لم يتمكَّنْ هو ولا وَرَثتُه من استِيفائِها، مثل قَوَدٍ، أو قَذْفٍ، أو غَصْبٍ؛ فهو المطالَبُ. وإن كان دَينًا ثبَتَ باختيارِه، وتمكَّن من استيفائِه، فلم يَسْتوفِهِ حتى مات؛ فوَرَثتُه تطالَبُ به يوم القيامةِ. وإن كان دَينًا عجَز عن استيفائِه هو ووَرَثتُه؛ فالأشبَهُ: أنه هو الذي يطالَبُ به؛ فإن العجزَ إذا كان ثابتًا فيه وفي الوارثِ لم يتمكَّنْ أحدُهما من الانتفاعِ بذلك في الدنيا؛ لم يدخُلْ في الميراثِ، فيكونُ المستحِقُّ أحقَّ بحَقِّه في الآخرةِ، كما في المظالمِ، والإرثُ مشروطٌ بالتمكُّنِ من الاستيفاءِ، كما أنه مشروطٌ بالعلمِ بالوارثِ، فلو مات وله عَصَبةٌ بعيدةٌ لا يُعرَفُ نسَبُه؛ لم ترِثه، لا في الدنيا ولا في الآخرةِ، وهذا عامٌّ في جميعِ الحقوقِ التي للهِ ولعبادِه؛ هي مشروطةٌ بالتمكُّنِ من العلمِ والقدرةِ، والمجهولُ والمعجوزُ عنه كالمعدومِ، ولهذا قال العلماءُ: إن ما يُجهَلُ مالكُه من الأموالِ التي قُبِضتْ بغيرِ حقٍّ؛ كالمُكوسِ، أو قُبِضتْ بحقٍّ كالوديعةِ والعاريَّةِ، وجُهِلَ صاحِبُها؛ بحيثُ تعذَّرَ رَدُّها إليه؛ فإنها تُصرَفُ في مصالِحِ المسلمِينَ، وتكونُ حلالًا لمن أخذَها بحقٍّ؛ كأهلِ الحاجةِ، والاستعانةِ بها على مصالحِ المسلمِينَ، دونَ مَن أخَذَها بباطلٍ؛ كمن يأخُذُ فوقَ حقِّه.

стр. 427

ثم المظلومُ إذا طالبَ بها يومَ القيامةِ وعليه زكاةٌ؛ فلا تُقوَّمُ هذه بالزكاةِ؛ بل عقوبةُ ترك الزكاةِ أعظمُ من حسنةِ المظالمِ، والوعيدُ بتَرْكِ الزكاةِ عظيمٌ. ولكنَّ الذي ورد: أن الفرائضَ تُجبَرُ بالنوافلِ، فهذا إذا تصدَّقَ باختيارِه صدقةَ تطوُّعٍ لا يكونُ شيئًا خرَج بغيرِ اختيارِه؛ فإنه يُرجَى له أن يُحاسَبَ بما فوته من الزكاةِ إذا كان مِن أهلِها العازمِينَ على فِعْلِها. وأولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ عن الصَّلاة ، فإن أكمَلَها؛ وإلا قيلَ: انظروا (١) إن كان لعبدي تطوُّعٌ، فيُكمَّلُ بها فريضتُه، ثم الزكاةُ كذلك، ثم تُؤخَذُ الأعمالُ على حسابِ ذلك؛ روي ذلك في «المسنَدِ» (٢)؛ وهذا لأن التطوُّعَ من جنسِ الفريضةِ، فأمكَنَ الجُبْرانُ به عندَ التعذُّرِ، كما قال الصدِّيقُ: «واعلم أن اللهَ لا يقبلُ نافلةً حتى تُؤدَّى الفريضةُ» (٣). فيكونُ من رحمةِ اللهِ به أن يجعلَ النَّفْلَ مثلَ الفرضِ، بمنزلةِ مَن أحرمَ بالحجِّ تطوُّعًا وعليه فرضُه؛ فإنه يقعُ فرضاً عندَ طائفةٍ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ، وكذلك في رمضانَ عندَ أبي حنيفةَ، وقولٌ في مذهَبِ أحمدَ.

стр. 428

وكذلك مَن شكَّ: هل وجَبَ عليه غُسْلٌ أو وُضوءٌ بحدَثٍ، أم لا؟ فإنه لا يجبُ عليه غُسْلٌ، وكذا الوضوءُ عندَ جمهورِ العُلَماءِ؛ لكن يُستحَبُّ له التطهُّرُ احتياطًا، وإذا فعَل ذلك وكان واجبًا عليه في نفسِ الأمرِ؛ أجزأَ عنه، ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. وكذلك الشارعُ جعَل عملَ الغيرِ عنه يقومُ مَقامَ فعلِه فيما عجَز عنه؛ مثلُ مَن وجَبَ عليه الحجُّ وهو معضوبٌ (١)، أو مات ولم يحُجَّ، أو نذَرَ صومًا أو غيرَه ومات قبلَ فِعْلِه؛ فعَلَه عنه وَلِيُّه، وقال: «فدَيْنُ اللهِ أحَقُّ بالقضاءِ» (٢)؛ أي: أحقُّ بأن يُستَوْفَى من وارثِ الغريمِ؛ لأنه أرحَمُ من العبادِ، فهذا تشهَدُ له الأصولُ، أما أن يُعتدَّ له بالدَّينِ على الناسِ معَ كونِه لم يَصرف الزكاةَ؛ فلا يصِحُّ. نعم، لو كان للناسِ عليه مظالِمُ أو ديونٌ بقدرِ مالِه عندَ الناسِ؛ كان يسوغُ أن يقالَ: يُحاسَبُ بذلك، فيُؤخَذُ حقُّه من هذا، ويُصرَفُ إلى هذا، كما يُفعَلُ في الدنيا بالمدينِ الذي له وعليه، وكلُّ هذا من حكمِ العدلِ بينَ العبادِ، ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾. فَصْل يجوزُ دفعُ الزكاةِ إلى الوالدَينِ إذا غرِموا ، أو كانوا مُكاتَبِينَ في

стр. 429

وجهٍ، والأظهرُ: الجوازُ. وأما إن كانوا فقراءَ وهو عاجزٌ عن نفَقتِهم؛ فالأقوى جوازُه في هذه الحالِ (١). والأحوَجُ أَوْلى ، فإن استَوَوْا؛ فالقرابةُ أَوْلى من الأجنبيِّ. فَصْلٌ الفطرة قدرُها صاعٌ من الشعيرِ والتمرِ، ونصفُه من البُرِّ عندَ أبي حنيفةَ واختيار (٢) الشيخِ، وخرَّجَه على قواعدِ أحمدَ. وإذا كان الفقراءُ مجتمعينَ في موضعٍ ، ومأكلهم جميعًا في سِماطٍ، وهم مشتركونَ فيما يأكلونَ في الصومِ ويومَ العيدِ؛ لم يكُنْ لأحدِهم أن يُعطي فطرتَه لواحدٍ من هؤلاءِ الشركاءِ. وكذلك إن دفَعَها إلى واحدٍ على أن يدفَعَها إلى آخرِ. وأما إذا كانوا متفقينَ أن الصدقةَ التي يأخُذُها أحدُهم يشتركونَ في أَكْلِها؛ فهذا لا يجوزُ بلا رَيْبٍ.

стр. 430

كِتَابُ الصِّيَامِ إذا غُمَّ الهلالُ ، أو حال دونَه غَيْمٌ أو قَتَر ليلةَ الثلاثينَ من شعبانَ؛ فللناسِ في صومِه ثلاثةُ أقوالٍ: أحدُها: يجبُ صومُه؛ وهو قولُ كثيرٍ من أصحابِ أحمدَ، وضعَّفَ أبو الخطابِ وابنُ عَقِيلٍ هذا. والأولونَ يذكرونَ أن هذا هو المشهورُ عنه، ولم أجِدْ فيما وقفتُ عليه من كلامِ أحمدَ ما يقتضي أنه كان يوجِبُه، ولكن الذي وجدتُّه: أنه كان يصومُه، أو يستحِبُّ صومَه اتباعًا للصحابةِ، وكذلك المنقولُ عن الصحابةِ يقتضي جوازَ صَوْمِه أو استحبابَه؛ لا وجوبَه (١). والقولُ الثاني: أنه جائزٌ، لا واجبٌ، ولا محرَّمٌ، وهذا القولُ أعدلُ (٢).

стр. 431

وهل يجبُ تعيينُ النيةِ لرمضانَ ؟ فمذهَبُ مالكٍ والشافعيِّ: يجبُ، فلو نوى نيةً مطلقةً أو معلقةً أو تطوعًا؛ لم تَجْزِه. وعندَ أبي حنيفةَ: لا يجبُ التعيينُ، فيقعُ عن رمضانَ في هذه الصور. وفي مذهَبِ أحمدَ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدُها: كمذهَبِ مالكٍ والشافعيِّ؛ يجبُ. والثاني: كقولِ أبي حنيفةَ. والثالثُ: يقعُ عن رمضانَ معَ الإطلاقِ، لا معَ نيةِ غيرِ رمضانَ، وهذا اختيارُ الخِرَقيِّ في «شرحِ المختصرِ»، واختيارُ جَدِّي وغيرِهما. والذي يجبُ: أن يُفرَّقَ بينَ العالِمِ والجاهلِ، فمن علِمَ أن غدًا من رمضانَ ولم يَنْوِه، بل نوى غيرَه؛ فقد ترَكَ الواجبَ، فلم يَجْزِهِ، ومَن لم يعلمْ فنوى صومًا مطلقًا للاحتياطِ، أو صومًا مقيدًا؛ فهذا إذا قيلَ يجزئه كان متوجِّهًا. ويومُ الشكِّ: يومٌ يَتحدَّثُ برؤيته مَن لا يثبتُ بقولِه، ويكون صحوًا.

стр. 432

أما يومُ الغَيْمِ: فهل هو شك؟ فيه روايتانِ. وقد يقالُ: إن أصلَ ذلك أن الهلالَ هل هو اسمٌ لما يَراه الناسُ ويَسْتهِلُّونَ به، أو هو اسمٌ لما يطلُعُ في السماءِ وإن لم يَرَه الناسُ؟ على قولَينِ (١). والقولُ الثالثُ في المسألةِ: أنه يُنهَى عن صومِ هذا اليومِ؛ لأنه يومُ شكٍّ؛ إلا أن يوافقَ عادةً، وهل هو نهي تحريم أو تنزيهٌ؟ على قولَينِ. وهذا مذهَبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ في إحدى الرواياتِ عنه. وعنه روايةٌ ثالثةٌ: أن الناسَ تَبَعٌ للإمامِ. فَصْلٌ ومَن شكَّ في قدرِ ما وجب (٢) من الصَّلاةِ عليه، أو في قدرِ ما

стр. 433

وجَبَ من الزكاةِ؛ كمَن قال: لا أدري أبلغْتُ من سنةٍ أم من سنتينِ، أو حالَ على مالي حولٌ أو حولانِ؟ فعليه اليقينُ. ومَن لم يعلمْ أن الهلالَ رُؤِي إلا مِن النهارِ: هل يُلحَقُ بأهلِ الأعذارِ؟ فيه نزاع مَبْناه على أن الهلالَ اسمٌ لما يُسْتهَلُّ؛ أي: يتكلمُ به، أو اسمٌ لما يطلُعُ في السماءِ، وإن لم يتكلَّم به؟ ثم إذا قيلَ: هو اسمٌ لما يتكلَّمُ به؛ فهل يختصُّ بمن تكلَّمَ به، أو بمن تكلم وبغيرِه؟ فيه نزاعٌ أيضًا. ومَن نذَر صومَ يومِ (١) يقدَمُ فلانٌ، فقدِمَ نهارًا، فأمسَكَ من حينِ علِمَ به، فهل يَجزِئه؟ فيه قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ. فمن لم يُلحِقْه بالأعذارِ قال: إذا علِم من النهارِ؛ فعليه أن يُمسِكَ، كما يقولُه طائفةٌ من أصحابِ أحمدَ وغيرِه. ومَن ألحقَه بأهلِ الأعذارِ قال: إذا لم يعلَمْ إلا بالنهارِ (٢)؛ فإنه يُجْزئه الصومُ؛ سواءٌ علِمَ قبلَ الزوالِ أو بعدَه، كمن نذَرَ صومَ يومِ يقدَمُ فلانٌ، فقدِمَ نهارًا وهو مُمسِكٌ، فنوى حينَ قدومِه؛ أجزَأَه في أحدِ القولَينِ، وهو إحدى الروايتينِ كما قدَّمْناه، والأخرى: يقضي. وإن قدِمَ وهو مُفطِرٌ، أو يومَ عيدٍ، أو في رمضانَ؛ فهل عليه القضاءُ؟ على روايتينِ.

стр. 434

فَصْلٌ الصَّلاة لم تجبْ على الحائضِ ؛ لأنه لا يجبُ في يومٍ أكثرُ من خمسِ صلواتٍ، ولم يكُنِ الصَّوم إلا في وقت الطهر، فلما وجَبَ فيه خمسٌ؛ لم يجبْ فيه خمسٌ أخرى، بخلافِ الصومِ، فإنه يجبُ في وقتِ غير الحيضِ، ولا يكونُ فيه صومٌ آخَرُ عليها. صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ هل هي واجبةٌ على الكفايةِ؟ فيه قولانِ للعُلماءِ. ولو نذَر الصَّلاةَ في وقتِ النَّهْيِ ، ففي صِحَّتِها - لكونِه يُفعَلُ فيها الواجب- وجهانِ في مذهَبِ الشافعيِّ وأحمدَ، الصوابُ: أنه لا يصِحُّ. وإفرادُ رجب بالصومِ: مكروهٌ، نصَّ على ذلك الأئمَّةُ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهما، وسائرُ الأحاديثِ التي رُوِيتْ في فضلِ الصومِ فيه؛ موضوعةٌ؛ لكن لو صام أكثرَه فلا بأسَ. فلو نذَرَ صومَه قصدًا؛ فهو مثلُ مَن نذَرَ صومَ يومِ الجمعةِ وغيرَه من العباداتِ المكروهةِ، والواجبُ أن يصومَ شهرًا آخَرَ في شهرين. وهل عليه كفارةُ يمينٍ؟ على قولَينِ لنا ولغيرِنا، وإنما يشرع الوفاءُ بما كان طاعةً بدونِ النَّذْرِ، والنَّذْرُ ليس بطاعةٍ، لكن يجعلُ الطاعةَ واجبةً، والصَّلاةُ في وقتِ النَّهْيِ مَنْهيٌّ عنها، فلا تصيرُ بالنَّذْرِ طاعةً واجبةً.

стр. 435

فَصْلٌ إذا دخَل المسافرُ بلداً فنوى الإقامةَ فيه أقلَّ من أربعةِ أيامٍ؛ فله أن يُفطِرَ. وقد نُقِلَ عن طائفةٍ من السَّلَفِ: أن الغِيبةَ والنميمةَ ونحوَها تُفطِّرُ الصائمَ، وذُكِر وجهًا في مذهَبِ أحمدَ. وتحقيقُ الأمرِ في ذلك: أن اللهَ أمَر بالصيامِ لأجلِ التقوى، وقال ﷺ : «مَن لم يدَعْ قولَ الزورِ والعملَ به؛ فليسَ لله (١) حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه» (٢)، فإذا لم تحصُلْ له التقوى؛ لم يحصُلْ مقصودُ الصومِ، فينقُصُ أجر الصومِ. والأعمالُ الصالحةُ لها مقصودانِ: حصولُ الثوابِ، واندفاعُ العقابِ، فإذا فعَلَها معَ المنهياتِ من أكلِ الحرامِ وغيرِه؛ فاته الثوابُ. فقولُ الأئمَّةِ: لا يُفطِرُ؛ أي: لا يُعاقَبُ على الترك. ومَن قال: إنه يُفطِرُ؛ بمعنى: أنه لم يحصُلْ له مقصودُ الصومِ، أو قد تذهبُ بأجرِ الصومِ؛ فقولُه موافقٌ للأئمَّةِ. ومَن قال: يُفطِرُ؛ بمعنى: أنه يُعاقَبُ على التركِ؛ فهو مخالفٌ لأقوالِهم.

стр. 436

وأما نقضها للوضوءِ: فقد نُقِلَ عن طائفةٍ من السَّلَفِ وبعضِ الخَلَفِ. والتحقيقُ: أن الطهارة (١) لها معنيانِ: أحدُهما: الطهارةُ من الذنوبِ؛ كقولِه: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾، ﴿إنهم أناس يتطهرون﴾، ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾. والمعنى الثاني: الطهارةُ الحسيةُ بالماءِ أو الترابِ، وإنما أمَر بهذه لتحقق تلك، فالفاعلُ المنهيَّ عنه خرج عن مقصودِ الطهارةِ، فيُستحَبُّ له الوضوء. وأما أنه ينقُضُ كالحاجةِ؛ فلا، ولكن لو صلَّى بعدَ الغِيبةِ كان أجرُ صلاتِه أنقصَ بقدرِ نَقْصِ الطهارةِ، فتخريجُ كلامِهم على هذا لا ينافي قولَ الأئمَّةِ، والله أعلم. فَصْلٌ في اليوم الثامن من شوَّالٍ ليس لأحدٍ أن يتخِذَه عيدًا، ولا هو عيدُ أبرارٍ، ولا عيدُ فُجَّارٍ، ولا يُحدِث فيه شيئًا من شعائرِ الأعيادِ، فإن المسلمِينَ مُتَّفِقونَ على أنه ليس بِعيدٍ، وكِرَه بعضُهم أن يصام عقيب العيدِ؛ لئلا يعتقد الناسُ عيدًا آخَرَ.

стр. 437

فَصْلٌ صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «صيامُ عرفةَ يُكفِّرُ سنتينِ، وعاشوراءَ يُكفِّرُ سنةً» (١)؛ لكن إطلاقَ القولِ بأنه يُكفِّرُ؛ لا يوجبُ أن يُكفِّرَ الكبائرَ بلا توبةٍ، فإنه قال في الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ كفارةٌ لما بينَهنَّ إذا اجتُنِبتِ الكبائرُ (٢). ومعلومٌ أن الصَّلاةَ هي أفضلُ من الصيامِ، وصيامَ رمضانَ أعظمُ من يومِ عرفةَ، ولا يُكفِّرُ إلا باجتنابِ الكبائرِ، كما قيَّدَه ﷺ ، فكيفَ يُظَنُّ أن صومَ يومٍ أو يومينِ تطوُّعًا يُكفِّرُ الزنى والسرقةَ وشُرْبَ الخمرِ والسحرَ ونحوَه، فهذا لا يكونُ. فَصْلٌ والائتمامُ بإمامِ التراويحِ ليُحصِّلَ صلاةَ الجماعةِ؛ أَوْلى من صلاتِه وحدَه، كما رجَّح العلماءُ صلاةَ المريضِ قاعدًا في الجماعةِ على صلاتِه قائمًا وحدَه. والتراويحُ سنةٌ ، وإن سميت بدعةً؛ لأنها لم تُفعَلْ قبلَ ذلك، كما أُخرِجَ اليهود والنصارى من الجزيرةِ، وكما قاتَلوا أهلَ الرِّدَّةِ، وكما

стр. 438

جمع المُصحَفَ أبو بكرٍ، وكما قاتلَ عليٌّ الخوارجَ، وكما شرطوا على أهلِ الذمةِ الشروطَ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي فعَلوها عملًا بكتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه، وإن لم يتقدَّمْ نظيرُها، وكضربِ عمرَ على الركعتينِ بعدَ العصرِ (١)، وعلى الإفطار في رجبٍ (٢)، وكسَرَ [أبو بكرة] (٣) كيزانَ أهلِه، وقال: «لا تُشبِّهوه برمضانَ» (٤). فهذه العقوبةُ البدنيةُ والماليةُ لمن كان يعتقدُ أن صومَ رجبٍ مشروعٌ مستحَبٌّ، وأنه أفضلُ من صومِ غيرِه من الأشهرِ، وهذا الاعتقادُ خطأٌ وضلالٌ، ومَن صامَه على هذا الاعتقادِ الفاسدِ كان عاصيًا، فيُعزَّرُ على ذلك، ولهذا كرِهَه مَن كرِهَه أن يفرد، وقال: يُستحَبُّ أن يفطرَ بعضَه، ومنهم مَن رخَّصَ فيه إذا صام شهرًا آخَرَ كالمحرَّمِ. ورجَبٌ أحدُ الأشهرِ الحُرُمِ ، وله فضلٌ على غيرِه من الأشهرِ التي ليسَتْ بحُرُمٍ، وكلما كان المكانُ والزمانُ أفضلَ كانت الطاعات فيه أفضلَ، والمعاصي فيه أشدَّ، وليسَ هو أفضلَ الشهورِ عندَ اللهِ؛ بل شهرُ رمضانَ أفضلُ منه، كما أن يومَ الجمعةِ أفضلُ الأسبوعِ.

стр. 439

وصلاةُ الرغائبِ (١): بدعةٌ مُحدَثةٌ. وأما ليلةُ النصفِ ؛ ففيها فضلٌ، وكان في السَّلَفِ مَن يُصلِّيها؛ لكنَّ الاجتماعَ فيها لإحيائِها في المساجدِ بدعةٌ، واللهُ أعلمُ. وصلاةُ الألفيةِ فيها، والاجتماعُ على صلاةٍ راتبةٍ فيها؛ بدعةٌ (٢)، وإنما كانوا يُصلُّونَها في بيوتِهم؛ كقيامِ الليلِ. وإن قام معَه بعضُ الناسِ من غيرِ مداومةٍ على الجماعةِ فيها؛ فلا بأسَ، كما صلى النبيُّ ﷺ بابنِ عبَّاسٍ (٣)، وليلةً بحُذَيْفةَ (٤). ووليُّ الأمرِ ينهى عن الاجتماعاتِ البدعيةِ (٥). الاعْتِكَافُ وَالفِطْرَةُ ليس للمُعتكِفِ أن يخيطَ . وقيلَ: يجوزُ لنفْسِه، لا ليكتسبَ. وقيلَ: يجوزُ اليسيرُ. وهذه الثلاثةُ أقوالٍ في المذهبِ.

стр. 440

وزكاةُ الفطرِ: هل تجري مَجْرى زكاةِ المالِ، أو مَجْرى الكفاراتِ؟ على قولَينِ. فإن أُجرِيتْ مُجرى الكفارة؛ تُعطَى لمن هو آخذ لحاجةِ نفْسِه، لا في المؤلفةِ والرقابِ، وهذا أقوى دليلًا. ومَن قال بالآخر؛ استَوعبَ إن كان مذهبُه ذلك، وإلا فلا. وأضعفُ الأقوالِ قولُ مَن يقولُ: يجبُ دفْعُها إلى اثني عشَرَ، أو ثمانيةَ عشر، أو اثنتينِ وثلاثينَ، أو ثمانيةٍ وعشرينَ، أو نحوِ ذلك (١).

стр. 441

كِتَابُ الحَجِّ الحجُّ على الوجهِ المشروعِ ؛ أفضلُ من الصدقةِ التي ليست بواجبةٍ. وأما إن كان له أقاربُ مَحاويجُ، أو هناك فقراءُ مضطرون إلى نفقةٍ؛ فالصدقةُ عليهم أفضلُ. أما إذا كان كلاهما تطوعًا فالحجُّ أفضلُ؛ لكن بشرطِ أن يقيمَ الواجبَ، ويتركَ المحرماتِ، ويصلِّيَ الصلواتِ، ويصدقَ الحديثَ، ويؤديَ الأمانةَ، ولا يعتديَ على أحدٍ، فمَن فعَل شيئًا من ذلك فقد يكونُ إثمُه أعظمَ من أجرِه، فأيُّ فضيلةٍ في هذا؟! قال تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾؛ فيها قراءتانِ: «فلا رَفَثٌ ولا فُسُوقٌ» بالرفع، ﴿ولا جدالَ﴾ بالفتحِ. والقراءةُ الثانيةُ: التسويةُ في الكلِّ بالفتحِ (١).

стр. 442

فالقراءةُ الأولى توافقُ الحديثَ الذي في الصحيحِ أنه قال: «مَن حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ؛ رجَع كيومَ ولدَتْه أمُّه» (١)، فجعل الوعدَ بالمغفرةِ لمن لم يرفُثْ، ولم يفسُقْ، فالمنهيُّ عنه المحرِمُ في الآيةِ: «الرَّفَثُ»، وهو الجماعُ قولًا وفعلًا، و «الفسوقُ» وهي المعاصي كلُّها، فهذا الذي نهى عنه المُحرِمَ. وقولُه: ﴿ولا جدال﴾ نهي للمحرم وغيره عن المجادلة في أمر الحج وحكمه ووقته من المجادلة الباطلة، ولم يرد نهي المحرم عن الجدالِ مطلقًا؛ بل الجدالُ بالتي هي أحسنُ قد يُؤمَرُ به المُحرِمُ وغيرُه، والمعنى: أنَّ أمْرَ الحجِّ قد بيَّنَه اللهُ وأوضَحَه، فلم يبق فيه جدالٌ. وأما القراءةُ الأخرى: فقالوا في أحدِ القولَينِ: نُهي المُحرِم عن الثلاثةِ: - الرَّفَثِ؛ الجماعِ وذِكْرِه.

стр. 443

- والفُسوقِ، وهو السبابُ، والتحقيقُ: أن الفسوقَ أعمُّ من السبابِ. - والجدالِ المكروهِ المحرَّمِ، وهو المراءُ والخصومةُ؛ كقولِه: «مَن ترَكَ المِراءَ وهو مُحِقٌّ بني له بيتٌ في أعلى الجنةِ، ومَن ترَكَه وهو مُبطِلٌ بُني له بيتٌ في ربَضِ الجنةِ» (١). وقالوا في القولِ الآخَرِ: حكمُ هذه القراءةِ حكمُ الأولى؛ في أن المرادَ: نهيُ المُحرِمِ عن الرفَثِ، والفسوقِ، وهو المعاصي كلُّها، وبيَّنَ سُبْحانَه بعدَ ذلك أن الحجَّ قد وضَحَ أمرُه، فلا جدالَ فيه بالباطلِ؛ أي: لا تُجادلوا فيه بغيرِ حقٍّ، فقد ظهَر وبان. وهذا القولُ أصحُّ؛ لموافقتِه الحديثَ المتقدمَ، فإن فيه: «من حجَّ فلم يرفُثْ، ولم يفسُقْ» فقط. وبكلِّ حالٍ؛ فالحاجُّ مأمورٌ بالبِرِّ والتقوى. والبِرُّ: إطعامُ الطعامِ وإفشاءُ السلامِ؛ كذا رُوِي في الحديثِ (٢)،

стр. 444

وهو يتضمَّنُ الإحسانَ إلى الناسِ بالنفسِ والمالِ. وإذا حصل من الحاجِ أو غيرِه المشاجرةُ والخصومةُ والسبُّ؛ فكفارتُه الاستغفارُ، وفعلُ الحسناتِ الماحيةِ إلى مَن جَهِلَ عليه، فيُحسِنُ إليه، ويستغفرُ له، ويدعو له، ويُداريه ويُلاينُه. وإن اغتاب غائبًا وهو لم يعلَمْ؛ دعا له، ولا يحتاجُ إلى إعلامِه في أصحِّ قولَيِ العلماءِ. مَن بَذل له والدُه المالَ ؛ فهل يجبُ عليه الحجُّ؟ فيه نزاع. (١) فَصْلٌ من روى عن النبيِّ ﷺ أنه تمتَّعَ فإنه فسَّر التمتُّعَ: بأنه قرَن بينَ العمرةِ والحجِّ (٢)، وهو تمتُّعٌ يجبُ فيه هَدْيُ التمتُّعِ. ومَن روَى أنه أفردَ الحجَّ (٣) فإنه فسَّره: بأنه لم يعمل غيرَ أعمالِ

стр. 445

الحجِّ، ولم يحلَّ من إحرامِه، كما يحِلُّ المتمتعُ. وهنا مسألةٌ: وهو أن القارنَ هل يطوفُ طوافينِ، ويسعى سَعْيَينِ، أم يَكْفيه طوافٌ واحدٌ وسَعْيٌ واحدٌ؟ فمذهبُ أبي حنيفةَ: أنه يطوفُ ويسعى للعمرة أولًا، ثم يطوفُ ويسعى للحجِّ ثانيًا، وإذا فعَل محظورًا فعليه فِدْيتانِ، وقد رُوِي عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ (١). وأما الأئمَّةُ الثلاثةُ فعندَهم: يطوفُ ويسعى مرةً واحدةً، وعملُ العمرةِ دخَل في الحجِّ، كما يدخُلُ الوضوءُ في الغسلِ؛ لأن الأحاديثَ الصحيحةَ تبيِّنُ أنه لم يطُفْ ولم يَسْعَ إلا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وذلك كلُّه قبلَ التعريفِ، فأما بعدَ التعريفِ فإنه يطوفُ طوافَ الحجِّ، وهو الزيارة والإفاضة، وهو ركنُ الحجِّ الذي به تمامُه، وليس عليه بعدَه سعيٌ؛ إلا أن يكونَ لم يَسْعَ معَ طوافِ القدومِ. فأما المتمتعُ فلا بدَّ أن يسعى قبلَ ذلك، وهل عليه سعيٌ ثانٍ؟ فيه روايتانِ، هما قولانِ للعُلماءِ (٢)، وذلك لما رُوِي أن الصحابةَ تمتَّعوا

стр. 446

بالعمرةِ إلى الحجِّ، ولم يَسْعَوا بينَ الصفا والمروةِ إلا مرةً واحدةً (١). وهذا بيانٌ أنَّ عمرةَ المتمتعِ بعضُ حَجِّه، كما أن وضوءَ المغتسلِ بعضُ غُسلِه؛ فيقعُ السعيُ عن جملةِ النُّسُكِ، كما قال: «دخلَتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يومِ القيامةِ» (٢)، واللهُ أعلمُ. ومَن حجَّ بمالٍ حرامٍ ؛ لم يَتقبَّلِ اللهُ منه حجَّه، وهل عليه الإعادةُ؟ على قولَينِ للعُلماءِ. فَصْلٌ مَن ترَك طوافَ الزيارةِ حتى رجَع إلى بلدِه فوطِئَ؛ لزِمَه الرجوعُ والإحرامُ من الميقاتِ بعمرةٍ، فإذا طاف وسعى وقصَّر للعمرةِ؛ طاف حينئذٍ كطوافِ الزيارةِ الذي ترَكَه، نصَّ عليه أحمدُ وغيرُه، بخلافِ مَن يخرُجُ إلى التنعيمِ، فإنه تكْفيه العمرة؛ لأن ذلك لم يخرُج من مكةَ. لو لم يمكنْه الطوافُ إلا عُرْيانًا ؛ لكان طوافُه عُرْيانًا أهونَ من صلاتِه عُرْيانًا، وهو واجبٌ بالاتفاقِ، فالطوافُ معَ العُرْيِ إذا لم يمكنْه إلا ذلك أَوْلى وأَحْرى، وهذا العذرُ نادرٌ لا يكادُ الشخصُ يعجِزُ عن السترةِ؛ لكن لو سُلِب ثيابَه، والقافلةُ خارجونَ لا يمكِنُه أن يتخلفَ عنهم؛ كان

стр. 447

الواجبُ فِعلَ ما يقدِرُ عليه من الطوافِ معَ العُرْيِ، كما تطوفُ المستحاضة ومن به (١) سَلَسُ البولِ، معَ أن النهيَ عن طوافِ العريانِ أظهرُ وأشهرُ في الكتابِ والسُّنةِ من طوافِ الحائضِ، فإذا جاز في العريانِ العاجزِ؛ ففي الحائضِ إذا عجَزَتْ وأفضى إلى تخلُّفِها وانقطاعِ الطريقِ أو مسافرتِها وهلاكِها: أَوْلى وأَحْرى. فمن جعَل الطهارةَ واجبةً في الطوافِ؛ فإنه يقولُ: إذا طاف مُحدِثًا، وأبعدَ عن مكةَ لم يلزَمِ العودُ للمشقةِ؛ فكيفَ يجبُ على هذه ما لا يمكِنُها إلا بمشقةٍ أعظمَ من ذلك. ومن جعَلَها شرطًا؛ فليس كونُها شرطًا فيه أعظمَ من كونِها شرطًا في الصَّلاةِ، وشروطُ الصَّلاةِ تسقُطُ بالعجزِ، فشروطُ الطوافِ أَوْلى وأَحْرى (٢). فَصْلٌ ومَن اغتصبَ إبلًا ، أو اشتراها بثمنٍ مغصوبٍ، أو بعضِه، وأرادَ الحجَّ، وليس له مالٌ يحجُّ به غيرُه؛ فإنه يجبُ عليه أن يعوضَ أربابَها إن أمكنَ معرفتُهم؛ وإلا تَصدَّقَ بقدرِ قيمةِ الثمنِ عنهم، فإن عجَزَ عن الصدقةِ؛ تصدَّقَ وقتَ قدرتِه بعدَ ذلك، وإن عرَفَهم في قريةٍ ولا يعرِفهم

стр. 448

عيناً؛ تصدَّقَ على فقراءِ تلكَ القريةِ، وقد طاب له الحجُّ، واللهُ أعلمُ. وإذا ندَب الإمامُ مَن يحجُّ لخفارةِ الحاجِّ من الجندِ المرتَّبة في الديوانِ، وأمَرَ الجماعةَ الذينَ لم يخرجوا أن يُعطوا الذي يحجُّ ما يحتاجُه؛ فله أخذُ ذلك، وهو حلالٌ، فإن هذا يكون قد خرَجَ بنفْسِه وهؤلاءِ بأموالِهم، وهذا الذي ينبغي ليكونَ عدلًا بينَ الجميعِ، وسواءٌ شرَطَ هذا عليهم في الإقطاعِ أو لا، وله أجران؛ أجرُ الحجِّ وأجرُ الجهادِ بالدفعِ عن الوفدِ وإقامةِ حرمةِ الحجِّ إلى بيتِ اللهِ تعالى. ولا يُسقِطُ الوقوفُ بعرفةَ شيئًا من فرائضِ الإسلامِ الواجبةِ، لا من حقِّ اللهِ كالزكاةِ، ولا من حقِّ الآدميِّينَ كالدماءِ والأموالِ، ومكةُ لا تشفعُ بأحدٍ. فَصْلٌ (١) الأفضلُ لمن كان بمكةَ من مجاوِرٍ ومستوطِنٍ وقادمٍ؛ الطوافُ بالبيتِ، وهو أفضلُ من العمرةِ؛ سواءٌ خرَج إلى التنعيمِ أو غيرِه من أَدْنى الحِلِّ، أو أقصى الحِلِّ كالجِعْرَانةِ، وهذا مُتَّفَقٌ عليه. وإنما النِّزاعُ في أنه: هل يكره للمَكِّيِّ أن يخرُجَ للاعتمارِ مِن الحلِّ، أم لا؟ (٢) وهل يُكرَهُ أن يعتمرَ مَن تُشرَعُ له العمرةُ كالآفاقي في السَّنةِ

стр. 449

أكثرَ من عمرةٍ، أم لا؟ وهل يُستحَبُّ [كثرة] (١) الاعتمارُ، أم لا؟ (٢) فهذا فيه النزاعُ. ولا يُشرَعُ الطوافُ بغيرِ البيت من سائرِ الأرضِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، ومن اتَّخذَ ذلك قربةً عُرِّفَ، فإن أصرَّ قُتِل بالاتفاقِ. وهل كانت عائشةُ ﵂ - لما اعتَمرَتْ من التنعيمِ - قارنةً حينَ حاضَتْ، أو رافضةً إحرامَها (٣)؟ على قولَينِ للعُلماءِ، والثاني: قولُ أبي حنيفةَ.

стр. 450

فَصْلٌ لما نهى عمرُ عن الاعتمارِ في أشهرِ الحجِّ (١)؛ قصَد أمْرَهم بالأفضلِ؛ لأنهم تركوا الاعتمارَ في سفرةٍ مفردةٍ في غيرِ أشهرِ الحجِّ، وصاروا في عهدِ أبي بكرٍ وعمرَ يقتصرونَ على العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، ويتركونَ سائرَ الأشهرِ، فصار البيتُ يُعرَى عن العمارةِ من أهلِ الأمصارِ في سائرِ الحولِ، فكان عمرُ من شفَقَتِه على رعيَّتِه اختارَ (٢) الأفضلَ؛ لإعراضِهم عنه؛ كالأبِ الشفيقِ يأمُرُ ولدَه بما هو الأصلحُ له، وهذا كان موضعَ اجتهادٍ لرعيَّتِه، فألزَمَهم بذلك. وخالَفَه عليٌّ (٣) وعِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ (٤) وغيرُهما من الصحابةِ، ولم يَرَوْا أن يُلزَم الناسُ؛ بل يُترَكونَ، من أحبَّ شيئًا عمِلَه قبلَ أشهرِ الحجِّ وفيها، وإن كان الأولُ أكمل. وقوِيَ النِّزاعُ في ذلك في خلافةِ عثمانَ ﵁؛ حتى ثبَتَ أنه كان يَنْهى عن المتعةِ، فلما رآه عليٌّ؛ أهَلَّ بهما، وقال: «لم أكنْ أدعَ سنةَ رسولِ اللهِ لقولِ أحدٍ» (٥).

стр. 451

ونَهْيُ عثمانَ عن المتعةِ كان لاختيارِ الأفضلِ، وليُعمَرَ البيتُ بالقصدِ في كلِّ السنة، لا نَهْيَ كراهةٍ. فلما قُتِل عثمانُ صار الناسُ شيعتينِ؛ قومًا يميلونَ إلى عثمانَ، وقومًا يميلونَ إلى علي، وصار قومٌ من بني أميةَ يَنْهَونَ عن المتعةِ، ويُعاقِبونَ على ذلك، ولا يُمكِّنونَ أحدًا من العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، وكان في ذلك نوعٌ من الظلمِ والجهلِ، فلما رأى ذلك علماءُ الصحابةِ؛ كابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ وغيرِهما جعلوا يُنكِرونَ ذلك، ويأمرونَ بالمتعةِ اتباعًا للسُّنَّةِ، فصار بعضُ الناسِ يُناظِرُهم بها بوَهْمِه على أبي بكرٍ وعمرَ، فيقولونَ لابنِ عمرَ: إن أباكَ كان يَنْهى عنها! فيقولُ: إن أبي لم يُرِدْ ذلك، ولا كان يضربُ الناسَ عليها، ويبيِّنُ لهم أن قصدَ عمر كان الأفضلَ، لا تحريمَ المفضولِ، فكانوا يُنازِعونَه، فيقولُ لهم: قدِّروا أن عمرَ نهى عن ذلك؛ تتبعونَه، أم النبيَّ ﷺ ؟ (١)، وكذلك ابنُ عباسٍ لما كانوا يعارضونَه بما توَهَّموه على أبي بكرٍ وعمرَ، يقولُ لهم: يوشكُ أن تَنزِلَ عليكم حجارةٌ من السماءِ! أقولُ: قال رسولُ اللهِ، وتقولونَ: قال أبو بكرٍ وعمرُ! (٢).

стр. 452

فَصْلٌ (١) في الصحيحِ أنه ﷺ أفرَدَ (٢)، وفيه أنه قرَنَ (٣)، ورُوِي أنه تمتَّعَ (٤)، وكلُّ ذلك صحيحٌ بمعنًى واحدٍ. فمعنى أنه قرَنَ أو تمتَّعَ واحدٌ؛ لأن القِرانَ تمتعٌ عامٌّ مشهورٌ، والتمتُّعُ بمعنى أنه يحِلُّ من العمرةِ، ثم يحجُّ في أشهرِ الحجِّ في عامٍ واحدٍ: اصطلاحٌ خاصٌّ. ومَن روَى أنه أفردَ فمعناه: أنه لم يحِلَّ من عمرتِه؛ بل أفردَ أفعالَ الحج، ولم يكُنْ في أفعالِه زيادةٌ على عملِ المفرِدِ، فالمعنى واحدٌ، ولهذا كان رواةُ الإفرادِ هم رواةَ القِرانِ. فرواياتُ الصحابةِ متفقةٌ، وفسَّروا التمتعَ بالقِرانِ، ورَوَوْا فيه صريحًا أنه قال: «لبَّيكَ حجًّا وعمرةً» (٥)، وأنه قال: «أتاني آتٍ في وادِ العقيقِ، قال: قلْ: عمرةٌ في حجة» (٦)، قال الإمامُ أحمدُ: (لا أشكُّ أن النبيَّ

стр. 453

صلى الله عليه وسلم كان قارِنًا، والتمتُّعُ أحبُّ إليَّ)؛ أي: لمن لم يَسُقِ الهَدْيَ، فإنه لا يختلفُ قولُه أن مَن جمع الحجَّ والعمرةَ في سفرةٍ واحدةٍ، فقدم في أشهر الحج، ولم يَسُقِ الهَدْي أن هذا التمتُّعَ أفضلُ؛ بل هو المسنون؛ لأمرِ النبيِّ أصحابَه بذلك (١). وأما مَن ساقَ الهَدْيَ؛ فهل القِرانُ أفضلُ له، أم التمتُّعُ؟ ذكَروا عنه روايتينِ. وأمَّا من أفرَدَهما في سفرتينِ، أو اعتَمرَ قبلَ أشهرِ الحجِّ وأقامَ إلى الحجِّ؛ فهذا أفضلُ من التمتُّعِ (٢)، وهو قولُ الخلفاءِ الراشدينَ (٣)، وقولُ

стр. 454

أحمدَ وغيرِه، وبعضِ أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وغيرِهم. وهل على المتمتعِ بعدَ طوافِ الإفاضةِ سَعْيٌ بالبيت غيرُ السعيِ الأولِ الذي كان عَقيب (١) طواف العمرةِ؟ فيه قولانِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه. ومالكٌ؛ وإن كان يختارُ الإفرادَ؛ فلا يختاره لمن يعتمرُ عَقيبَ الحجِّ؛ بل مَن يعتمرُ في غيرِ أشهرِ الحجِّ كالمُحَرَّمِ. ولا أحفَظُ قولَ الشافعيِّ فيمن يعتمرُ عَقيبَ الحجِّ، وإن كان من أصحابِه مَن يجعلُ هذا هو الأفضلَ، كما يظنُّ كثيرٌ من أصحابِ أحمدَ: أن المتعةَ أفضلُ من الاعتمارِ قبلَ أشهرِ الحجِّ؛ فالغَلَطُ كثيرٌ. فَصْلٌ (٢) الذي ينبغي أن يقالَ: إن ما اختارَه اللهُ لنبِيِّه هو الأفضلُ، وقولُه: «لوِ استَقْبلْتُ من أمري ما استَدْبَرتُ لم أسُقِ الهَدْيَ» (٣)، فهو حكمٌ معلَّقٌ

стр. 455

على شرطٍ، والتعليقُ على شرطٍ يَعْدَمُ عندَ عدَمِه، فما استقبلَ من أمره ما استَدْبرَ، وقد اختارَ الله له أنه لم يستقبلْ ما استَدْبرَ. ولكن هذا يبيِّنُ أن الموافقةَ - إذا كانت في تنويعِ الأعمالِ تَفرُّق وتشتُّت - هو أَوْلى من تنويعِها، وتنويعُها هو باختيارِ القادرِ للأفضلِ، والعاجزِ للمفضولِ، كما اختار مَن قدَرَ على سَوْقِ الهديِ الأفضلَ ممن لم يقدِرْ على سَوْقِه معَ السلامةِ. وجمهورُ العلماءِ على أن طوافَ القادمينَ أفضلُ من الصَّلاةِ بالمسجدِ الحرامِ معَ فضيلتِها أيضًا، وكذلك الطوافُ أفضلُ (١). فصل صحَّ عن عمرَ أنه قال: «إني لأعلَمُ أنك حجرٌ لا تنفعُ ولا تضرُّ، ولولا أني رأيتُ رسولَ اللهِ يُقبِّلُكَ لما قبَّلْتُكَ» (٢). وزاد بعضُهم أن أبا بكرٍ قال: «بل ينفعُ ويشفعُ»، وهو كذِبٌ. وروَى الأزرقيُّ عن عليٍّ في ذلك أثرًا؛ لكنَّ إسنادَه ضعيفٌ (٣).

стр. 456

والبيتُ زادَه اللهُ تشريفًا وتعظيمًا ومهابةً وبِرًّا ؛ له الشرفُ من وجوهٍ كثيرةٍ: منها: نفسُ البقعةِ، شرَّفها اللهُ على غيرِها، كما شرَّفَ غاية (١) الأنواعِ بعضُ أشخاصِها، كما خصَّ بعضَ الناسِ. ومنها: أن اللهَ بوَّأَه لخليلِه خيرِ البريةِ، فليس بعدَ محمدٍ أفضلُ منه، فهو الذي بناه، ودعا الناس إليه. ومنها: أنه جعَل على الناسِ حجَّ البيتِ؛ حتى حجَّه الأنبياءُ؛ كموسى ويونسَ وغيرِهما، وفيه آياتٌ كثيرةٌ؛ مثلُ: مقامِ إبراهيمَ، ومثلُ: الأمانِ الذي جعَلَه الله للناسِ والطيرِ والوحشِ، ومثل: إهلاكِ الجبابرةِ الذين يقصِدون انتهاكَه، إلى غيرِ ذلك مما فيه من العلاماتِ والدلالاتِ على حُرْمتِه وعظمتِه. ومَن دخَلَه كان آمِنًا، فلا يُقتَلُ عندَ أحمدَ وأبي حنيفةَ. وكان الكفارُ يُعظِّمونَه؛ حتى يلقى الرجلُ قاتلَ أبيه؛ فلا يقتُلُه، والإسلامُ زاده حُرْمةً. وأما أن يُظَنَّ أن مَن دخَلَه كان آمِنًا من عذابِ اللهِ معَ تَرْكِه الفرائضَ؛ فخلافُ إجماعِ المسلمِينَ، فقد دخله من هو كافر ومنافق بإجماع المسلمين.

стр. 457

فَصْلٌ هل تجوزُ الصَّلاةُ على غيرِ النبيِّ ﷺ على وجهِ الإفرادِ؛ مثلُ: اللهُمَّ صلِّ على أبي بكرٍ، أو عمرَ، أو عليٍّ؟ فذهَب مالكٌ والشافعيُّ وطائفةٌ من الحنابلةِ: إلى أنه لا يُصلَّى على غيرِ النبيِّ مفردًا (١). وذهب الإمامُ أحمدُ وأكثرُ أصحابِه: إلى أنه لا بأسَ بذلك؛ لأن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال لعمرَ بنِ الخطابِ: «صلَّى اللهُ عليكَ» (٢)، وهذا أصَحُّ وأَوْلى. لكنَّ إفرادَ واحدٍ من الصحابةِ، أو القرابةِ - كعليٍّ - بالصَّلاةِ دونَ غيرِه؛ مضاهاةً للنبيِّ ﷺ ؛ بحيثُ يُجعَلُ ذلك شعارًا مقرونًا باسمِه: بدعةٌ (٣).

стр. 458

سُؤَالٌ: في خطبةٍ بينَ صلاتينِ، كلاهما فرض … لوقتِها، في ساعةٍ مشكلةِ العينِ واعتبارُ الشرطِ فيها كما في … غيرِها من هيئةِ الدينِي كالطهرِ، والستر، والوقتِ، والـ … ـقِبْلةِ أيضًا بالتأذينِ الجوابُ: هذه المسألةُ قد تُنزَّلُ على عدةِ مسائلَ، بعضُها مُتَّفَقٌ عليه، وبعضُها مُتنازَعٌ فيه. منها: إذا اجتمعَ عيدٌ وجمعةُ، فمن قال: إن العيدَ فرضٌ؛ يقولُ: إن خطبةَ الجمعةِ هي خطبةٌ بينَ صلاتينِ، كلاهما فرضٌ بخلافِ خطبةِ العيدِ؛ فإنه يقولُ: ليست فرضًا. وإما أن يتنزَّلُ على ما إذا عُقِدتْ جمعتانِ في موضعٍ لا تصِحُّ جمعتانِ، فإنه تصِحُّ للأولى، وتبطُلُ الثانيةُ، إذا كانتا بإذنِ الإمامِ، فإن أشكلَ عينُ السابقِة؛ بطَلَتا جميعًا، وصلَّوا ظهرًا، فالخطبةُ التي قبلَ الثانيةِ خطبة بين صلاتين كلاهما فرض إذا كان الإمام قد أذِنَ في كلٍّ منهما، واعتقدوا أن الجمعةَ لا تقامُ عندَهم، فكلاهما يعتقدُ أن جمعتَه فرضٌ. ويمكنُ أن يريد السائلُ: الفجرَ والجمعةَ، فإن الفجرَ فرض في وقتِها، والجمعةَ فرض لوقتِها، وبينَهما خطبةٌ. ومنها: خطب الحجِّ، فإن خطبةَ عرفةَ تكونُ بينَ الصَّلاةِ بعرفةَ وبينَ صلاةِ المغربِ، فكلاهما فرضٌ، والخطبةُ يومَ النحرِ تكونُ بين الفجرِ والظهرِ، وكلاهما فرضٌ، والله أعلم (١).

стр. 459

فَصْلٌ (١) دمُ المتعةِ: دمُ نُسُكٍ وهَدْيٍ، وهو مما وسَّعَ اللهُ به على المسلمِينَ، فأباحَ لهم التحللَ في أثناءِ الإحرامِ والهَدْي، لما في استمرارِ الإحرامِ من المشقةِ، فهو بمنزلةِ القصرِ في السفرِ، والفطرِ، والمسحِ، فهو أفضلُ. ولأجلِ ذلك سُنَّ له الأكلُ منه، فقد أكَلَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن هَدْيه (٢)، وأطعَمَ نساءَه من الهَدْي الذي ذبَحَه عنهنَّ (٣)، وكن متمتعاتٍ، وهو كان متمتعًا التمتعَ العامَّ. فدلَّ على استحبابِ الأكلِ من هَدْي التمتعِ، ودمُ الجُبْرانِ ليس كذلك. وأيضًا سببُ الجبرانِ محظورٌ، كالوَطْءِ، وفعلِ المحظوراتِ، أو تَرْكِ الواجباتِ، والتمتعُ جائزٌ مطلَقًا، فلا يقدَحُ دمُ التمتعِ فيه، ويجعلُه مفضولًا.

стр. 460

والهَدْيُ وإن كان بدلًا عن ترَفُّهِه لسقوطِ أحدَ السفرينِ؛ فهو أفضلُ لمن جمَع بينَهما وقد قدم في أشهرِ الحجِّ مِن أن يأتيَ بحجٍّ مفردٍ يعتمرُ عَقبَه، والبدلُ قد يكونُ واجبًا؛ كالجمعةِ، وكالمتيمِّمِ العاجزِ عن استعمالِ الماءِ، فإن الجمعةَ والتيممَ واجبٌ عليه، وهو بدلٌ، فإذا جاز كونُ البدلِ واجبًا؛ فكونُه مستحبًّا أَوْلى بالجوازِ. وكذلك المريضُ والمسافرُ يُستحَبُّ له أن يُفطِر ويَقْضِي، والقضاءُ بدلٌ، وتخللُ الإحلالِ لا يمنعُ أن يكونَ الجميعُ بمنزلةِ العبادةِ الواحدةِ؛ كطوافِ الفرضِ؛ فإنه من تمامِ الحجِّ باتفاقٍ، ولا يفعلُ إلا بعد التحللِ الأولِ (١)، ورَمْيُ الجِمارِ من تمامِ الحجِّ، وإذا طاف قبلَ ذلك؛ فقد رمَى بعدَ الحلِّ التامِّ، وهو السُّنَّةُ كما فعَلَه ﷺ ، وصومُ رمضانَ يتخلَّلُ صيامَ أيامِه فطرُ الليلِ. فَصْلٌ (٢) لم يختَلفِ النقلُ، ولا أحدٌ من أهلِ العلمِ ؛ أنه أمَرَ أصحابَه بفَسْخِ الحجِّ إلى العمرةِ، وأنهم إذا طافوا بالبيتِ وبالصفا والمروةِ أن يَحِلُّوا من إحرامِهم، فهو مما تواترَتْ فيه الأحاديثُ. ولم يختلفوا أنه لم يعتمرْ بعدَ حجِّه ﷺ ، ولا أحدٌ من أصحابِه؛ إلا عائشة.
следующие страницы →