والبيتُ زادَه اللهُ تشريفًا وتعظيمًا ومهابةً وبِرًّا ؛ له الشرفُ من وجوهٍ كثيرةٍ:
منها: نفسُ البقعةِ، شرَّفها اللهُ على غيرِها، كما شرَّفَ غاية (١) الأنواعِ بعضُ أشخاصِها، كما خصَّ بعضَ الناسِ.
ومنها: أن اللهَ بوَّأَه لخليلِه خيرِ البريةِ، فليس بعدَ محمدٍ أفضلُ منه، فهو الذي بناه، ودعا الناس إليه.
ومنها: أنه جعَل على الناسِ حجَّ البيتِ؛ حتى حجَّه الأنبياءُ؛ كموسى ويونسَ وغيرِهما، وفيه آياتٌ كثيرةٌ؛ مثلُ: مقامِ إبراهيمَ، ومثلُ: الأمانِ الذي جعَلَه الله للناسِ والطيرِ والوحشِ، ومثل: إهلاكِ الجبابرةِ الذين يقصِدون انتهاكَه، إلى غيرِ ذلك مما فيه من العلاماتِ والدلالاتِ على حُرْمتِه وعظمتِه.
ومَن دخَلَه كان آمِنًا، فلا يُقتَلُ عندَ أحمدَ وأبي حنيفةَ.
وكان الكفارُ يُعظِّمونَه؛ حتى يلقى الرجلُ قاتلَ أبيه؛ فلا يقتُلُه، والإسلامُ زاده حُرْمةً.
وأما أن يُظَنَّ أن مَن دخَلَه كان آمِنًا من عذابِ اللهِ معَ تَرْكِه الفرائضَ؛ فخلافُ إجماعِ المسلمِينَ، فقد دخله من هو كافر ومنافق بإجماع المسلمين.
стр. 457
فَصْلٌ
هل تجوزُ الصَّلاةُ على غيرِ النبيِّ ﷺ على وجهِ الإفرادِ؛ مثلُ: اللهُمَّ صلِّ على أبي بكرٍ، أو عمرَ، أو عليٍّ؟
فذهَب مالكٌ والشافعيُّ وطائفةٌ من الحنابلةِ: إلى أنه لا يُصلَّى على غيرِ النبيِّ مفردًا (١).
وذهب الإمامُ أحمدُ وأكثرُ أصحابِه: إلى أنه لا بأسَ بذلك؛ لأن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال لعمرَ بنِ الخطابِ: «صلَّى اللهُ عليكَ» (٢)، وهذا أصَحُّ وأَوْلى.
لكنَّ إفرادَ واحدٍ من الصحابةِ، أو القرابةِ - كعليٍّ - بالصَّلاةِ دونَ غيرِه؛ مضاهاةً للنبيِّ ﷺ ؛ بحيثُ يُجعَلُ ذلك شعارًا مقرونًا باسمِه: بدعةٌ (٣).
стр. 458
سُؤَالٌ:
في خطبةٍ بينَ صلاتينِ، كلاهما فرض … لوقتِها، في ساعةٍ مشكلةِ العينِ
واعتبارُ الشرطِ فيها كما في … غيرِها من هيئةِ الدينِي
كالطهرِ، والستر، والوقتِ، والـ … ـقِبْلةِ أيضًا بالتأذينِ
الجوابُ: هذه المسألةُ قد تُنزَّلُ على عدةِ مسائلَ، بعضُها مُتَّفَقٌ عليه، وبعضُها مُتنازَعٌ فيه.
منها: إذا اجتمعَ عيدٌ وجمعةُ، فمن قال: إن العيدَ فرضٌ؛ يقولُ: إن خطبةَ الجمعةِ هي خطبةٌ بينَ صلاتينِ، كلاهما فرضٌ بخلافِ خطبةِ العيدِ؛ فإنه يقولُ: ليست فرضًا.
وإما أن يتنزَّلُ على ما إذا عُقِدتْ جمعتانِ في موضعٍ لا تصِحُّ جمعتانِ، فإنه تصِحُّ للأولى، وتبطُلُ الثانيةُ، إذا كانتا بإذنِ الإمامِ، فإن أشكلَ عينُ السابقِة؛ بطَلَتا جميعًا، وصلَّوا ظهرًا، فالخطبةُ التي قبلَ الثانيةِ خطبة بين صلاتين كلاهما فرض إذا كان الإمام قد أذِنَ في كلٍّ منهما، واعتقدوا أن الجمعةَ لا تقامُ عندَهم، فكلاهما يعتقدُ أن جمعتَه فرضٌ.
ويمكنُ أن يريد السائلُ: الفجرَ والجمعةَ، فإن الفجرَ فرض في وقتِها، والجمعةَ فرض لوقتِها، وبينَهما خطبةٌ.
ومنها: خطب الحجِّ، فإن خطبةَ عرفةَ تكونُ بينَ الصَّلاةِ بعرفةَ وبينَ صلاةِ المغربِ، فكلاهما فرضٌ، والخطبةُ يومَ النحرِ تكونُ بين الفجرِ والظهرِ، وكلاهما فرضٌ، والله أعلم (١).
стр. 459
فَصْلٌ (١)
دمُ المتعةِ: دمُ نُسُكٍ وهَدْيٍ، وهو مما وسَّعَ اللهُ به على المسلمِينَ، فأباحَ لهم التحللَ في أثناءِ الإحرامِ والهَدْي، لما في استمرارِ الإحرامِ من المشقةِ، فهو بمنزلةِ القصرِ في السفرِ، والفطرِ، والمسحِ، فهو أفضلُ.
ولأجلِ ذلك سُنَّ له الأكلُ منه، فقد أكَلَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن هَدْيه (٢)، وأطعَمَ نساءَه من الهَدْي الذي ذبَحَه عنهنَّ (٣)، وكن متمتعاتٍ، وهو كان متمتعًا التمتعَ العامَّ.
فدلَّ على استحبابِ الأكلِ من هَدْي التمتعِ، ودمُ الجُبْرانِ ليس كذلك.
وأيضًا سببُ الجبرانِ محظورٌ، كالوَطْءِ، وفعلِ المحظوراتِ، أو تَرْكِ الواجباتِ، والتمتعُ جائزٌ مطلَقًا، فلا يقدَحُ دمُ التمتعِ فيه، ويجعلُه مفضولًا.
стр. 460
والهَدْيُ وإن كان بدلًا عن ترَفُّهِه لسقوطِ أحدَ السفرينِ؛ فهو أفضلُ لمن جمَع بينَهما وقد قدم في أشهرِ الحجِّ مِن أن يأتيَ بحجٍّ مفردٍ يعتمرُ عَقبَه، والبدلُ قد يكونُ واجبًا؛ كالجمعةِ، وكالمتيمِّمِ العاجزِ عن استعمالِ الماءِ، فإن الجمعةَ والتيممَ واجبٌ عليه، وهو بدلٌ، فإذا جاز كونُ البدلِ واجبًا؛ فكونُه مستحبًّا أَوْلى بالجوازِ.
وكذلك المريضُ والمسافرُ يُستحَبُّ له أن يُفطِر ويَقْضِي، والقضاءُ بدلٌ، وتخللُ الإحلالِ لا يمنعُ أن يكونَ الجميعُ بمنزلةِ العبادةِ الواحدةِ؛ كطوافِ الفرضِ؛ فإنه من تمامِ الحجِّ باتفاقٍ، ولا يفعلُ إلا بعد التحللِ الأولِ (١)، ورَمْيُ الجِمارِ من تمامِ الحجِّ، وإذا طاف قبلَ ذلك؛ فقد رمَى بعدَ الحلِّ التامِّ، وهو السُّنَّةُ كما فعَلَه ﷺ ، وصومُ رمضانَ يتخلَّلُ صيامَ أيامِه فطرُ الليلِ.
فَصْلٌ (٢)
لم يختَلفِ النقلُ، ولا أحدٌ من أهلِ العلمِ ؛ أنه أمَرَ أصحابَه بفَسْخِ الحجِّ إلى العمرةِ، وأنهم إذا طافوا بالبيتِ وبالصفا والمروةِ أن يَحِلُّوا من إحرامِهم، فهو مما تواترَتْ فيه الأحاديثُ.
ولم يختلفوا أنه لم يعتمرْ بعدَ حجِّه ﷺ ، ولا أحدٌ من أصحابِه؛ إلا عائشة.
стр. 461
لكن تَنازَعوا في إحرامِه: هل كان متمتعًا، أو قارنًا، أو مُفردًا، أو أحرَمَ مطلقًا؟ واضطَربتْ عليهم الأحاديثُ، وهي بحمدِ اللهِ متفقةٌ لمن فهم مرادَهم.
والمنصوصُ عن أحمدَ: أنه كان قارنًا، وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ وغيرِه، وهو الصوابُ.
وأولُ من ادَّعى أنه كان متمتعًا التمتعَ الخاصَّ: القاضي أبو يَعْلى.
ثم الذينَ قالوا: إنه كان متمتعًا على قولَينِ:
أضعَفُهما: أنه حلَّ من إحرامِه معَ سَوْقِه الهَدْيَ، وحملوا أن المتعةَ كانت لهم خاصةً، أنهم حلُّوا من الإحرامِ معَ سَوْقِ الهَدْيِ، وهذه طريقةُ القاضي، وهي مُنكرَةٌ عندَ جماهيرِ العلماءِ.
والقولُ الثاني: أنه تمتعَ بمعنى: أنه أحرمَ بالعمرةِ، ولم يحِلَّ؛ لسَوْقِه الهَدْيِ، وأحرَمَ بالحجِّ بعدَ أن طافَ وسعى للعمرةِ، وهي طريقةُ الشيخِ أبي محمدٍ وغيره، وقد يُسمُّونَ هذا قارنًا.
وأما الشافعيُّ فقال تارةً: إنه أفرَدَ، وتارةً: إنه تمتعَ، وتارةً: إنه أحرَمَ مطلقًا، وأخذ بقولِ مَن روَى الإفرادَ كعائشةَ (١)؛ لكونِه أحفظَ، وجابرٌ هكذا قال (٢)، وظَنَّ أن الأحاديثَ فيها ما يخالِفُ بعضُه بعضًا.
стр. 462
فإن قال قائلٌ: فمِن أينَ أُثبِتَ حديثُ عائشةَ وجابرٍ وابنِ عمرَ (١) دون من قال: «قرَنَ»؟
قيلَ: لتقدُّمِ صُحْبةِ جابرٍ، وحسنِ سِياقه، ولفَضْلِ حفظِ عائشةَ، ولقُرْبِ ابنِ عمرَ منه.
قال شيخ الإسلام: قلتُ: والصوابُ أن الأحاديثَ متفقةٌ إلا شيئًا يسيرًا، يقعُ مثلُه في غيرِ ذلك، فقد كان عثمانُ يَنْهى عن المتعةِ، وكان عليٌّ يأمُرُ بها، فقال عليٌّ: «لقد علمتَ أنَّا تمَتَّعْنا معَ رسولِ اللهِ»، فقال: «أجَلْ، ولكنا كنا خائفينَ» (٢).
فقد اتَّفقَ عثمانُ وعليٌّ على أنهم تمَتَّعوا معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو في الصحيحُ.
وقولُ عثمانَ: «كنا خائفينَ»؛ فإنهم كانوا خائفينَ في عُمْرةِ القضيةِ، وكانوا قد اعتَمروا في أشهرِ الحجِّ، وكلُّ مَن اعتَمرَ في أشهرِ الحجِّ يُسمَّى متمتِّعًا.
والناهونَ عن المتعةِ كانوا يَنْهونَ عن العمرةِ في أشهرِ الحجِّ مطلقًا، ففي الصحيحِ عن سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، لما بلَغَه أن معاويةَ نهى عن
стр. 463
المتعةِ، فقال: «فعَلْناها معَ رسولِ الله وهذا كافرٌ بالعُرُشِ» (١) يعني: معاويةَ.
ومعلومٌ أن معاويةَ كان مسلمًا في حجةِ الوداعِ؛ بل وفي عمرةِ الجِعْرَانةِ عامَ الفتحِ، ولكن في عُمْرةِ القضيةِ كان كافرًا بعُرُشِ مكةَ.
فقد سمَّى سعدٌ عمرةَ القضيةِ: متعةً، وكانوا خائفينَ أيضًا عامَ الفتحِ، أما عامُ حجةِ الوداعِ فكانوا آمنينَ، ولهذا قالوا: «صلَّيْنا معَ رسولِ اللهِ بمنًى آمَنَ ما كان الناسُ ركعتينِ» (٢).
فلعلَّه قد اشتَبَه حالُهم هذا العامَ بحالِهم هذا العامَ، كما اشتَبَه على مَن روى أنه نهى عن متعةِ النساءِ في حجةِ الوداعِ، وإنما كان النَّهْيُ في غزاةِ الفتحِ (٣)، وكما يظنُّ بعضُهم أن النبيَّ ﷺ دخَل الكعبةَ في حجَّةٍ أو عمرةٍ، وإنما دخَلها عامَ الفتحِ (٤)، ولم ينقُلْ أحدٌ أنه دخَلَها في حجَّة ولا عمرةٍ.
стр. 464
أو يكونُ مرادُ عثمانَ: أن غالبَ الأرضِ كانوا كفارًا مخالفينَ لنا، والآنَ قد فُتِحتِ الأرضُ، فيُمكَّنُ الإنسانُ أن يذهبَ إلى مِصرِه، ثم يرجعُ لعمرةٍ، وهذا لم يكُنْ ممكنًا في حجةِ الوداعِ لمن كان مجاورَ العدُوِّ بالشامِ والعراقِ ومصرَ.
وفي «الصحيحَينِ» عن مُطرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ، قال: قال لي عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ: «أُحدِّثُكَ حديثًا لعلَّ اللهَ أن ينفَعَكَ به؛ إن رسولَ اللهِ ﷺ جمَعَ بينَ حجَّه وعُمرته، ثم إنه لم يَنْهَ عنه حتى ماتَ، ولم ينزلْ فيه قرآنٌ يُحرِّمُه»، وفي روايةٍ: «تمتَّعَ رسولُ الله، وتمَتَّعْنا معه» (١).
فهذا عِمْرانُ من أجلِّ السابقينَ الأوَّلِينَ؛ أخبَرَ أنه تمَتَّعَ، وأنه جمَع.
وفي «مسلمٍ» عن غُنَيمِ بنِ قَيْسٍ، قال: سألتُ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ عن المتعةِ في الحجِّ، فقال: «فعَلْناها وهذا كافرٌ بالعُرُشِ» (٢)؛ يعني: معاويةَ، وهو إنما كان كافرًا في عمرةِ القضيةِ.
فكان السابقونَ يَنْهَونَ عن الاعتمار في أشهرِ الحجِّ، فصار الصحابةُ يرونَ السُّنَّةَ في ذلك ردًّا على مَن نهى عن ذلك، فالقارنُ عندَهم متمتعٌ، ولهذا وجَبَ عليه الهدي، ودخَل في قولِه: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾.
стр. 465
وفي «البخاريِّ» عن عمرَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ يقولُ: «أتاني آتٍ مِن ربِّي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارَكِ، وادي العقيقِ، وقل: عمرةٌ في حجةٍ» (١).
فهذه الأحاديثُ تبين أنه كان قارنًا بلا شكٍّ، ويُسمُّونَه متمتعًا.
وفي «الصحيحينِ» عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: «سمعتُ رسولَ اللهِ يُلبِّي بالحجِّ والعمرةِ»، قال بكرٌ: فحدثت ابنَ عمرَ فقال: «لبَّى بالحجِّ وحدَه»، فلقيتُ أنسًا فحدثته، فقال أنس: «ما يعُدُّونا إلا صِبْيانًا، سمعتُ رسولَ اللهِ يُلبِّي بالحجِّ والعمرةِ جميعًا» (٢).
وقد روَى الثقاتُ مثلُ سالمٍ؛ روَى عنِ ابنِ عمرَ أنه قال: «تمتَّعَ رسولُ اللهِ بالعمرةِ والحجِّ» (٣).
وهؤلاءِ أثبَتُ عن ابنِ عمرَ من بكرٍ، وغلَطُ بكرٍ أَوْلى من غلَطِ سالمٍ ابنه عنه وتَغْليطِه هو على النبيِّ ﷺ ، ويُشبه أن ابنَ عمرَ قال له: «أفرَدَ الحجَّ»، فظن هو أنه قال: لبَّى بالحجِّ، فإنهم كانوا يُطلِقونَ إفرادَ الحجِّ، ويُريدونَ إفرادَ أعمالِه.
وفي «الصحيحَينِ» عن سالمٍ، عن أبيه، قال: «تمتَّعَ رسولُ اللهِ في حجةِ الوداعِ بالعمرةِ إلى الحجِّ»، قال الزُّهْريُّ: وحدَّثَني عُرْوةُ عن عائشةَ
стр. 466
بمثلِ حديثِ سالمٍ عن أبيه (١).
فهذا أصَحُّ حديثٍ على وجهِ الأرضِ.
وثبَتَ عنها في «الصحيحَينِ» أنه اعتَمرَ أربعَ عُمَرٍ (٢)، الرابعةُ معَ حجَّتِه، ولم يعتمرْ بعدَ حجِّه باتِّفاقِ المسلمِينَ، فتعيَّنَ أن يكونَ تمتُّعَ قِرانٍ.
وأما الذينَ نقَلوا أنه أفرَدَ فهم ثلاثةٌ: عائشةُ وابنُ عمرَ وجابرٌ (٣)، والثلاثةُ نُقِل عنهم التمتُّعُ (٤)، وحديثُ عائشةَ وابنِ عمرَ أنه تمتَّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ أصَحُّ من حديثِهما أنه أفرَدَ الحجَّ.
وما صَحَّ من ذلك عنهما فمعناه: إفرادُ أعمالِ الحجِّ، وفي
стр. 467
«الصحيحَينِ» أنه أمَرَ أزواجَه أن يحْلُلْنَ عامَ حجِّ الوداعِ، قالت حَفْصةُ: فما منَعكَ أن تحِلَّ؟ قال: «إني لبَّدتُّ رَأْسي، وقلدتُّ هَدْيي، فلا أَحِلُّ حتى أنحرَ» (١).
وفي حديثِ عائشةَ وابنِ عمرَ: «فطافَ بالصفا والمروةِ، ثم لم يَحْلِلْ من شيءٍ حَرُمَ منه؛ حتى قضَى حجَّه، ونحَرَ هَدْيَه يومَ النحرِ، وأفاضَ فطاف بالبيتِ، ثم حلَّ من كلِّ شيءٍ» (٢)، وفي روايةٍ: قالت حَفْصةُ: ما شأنُ الناسِ حلُّوا، ولم تَحِلَّ أنتَ من عُمْرتِكَ؟ فقال: «إنِّي لبَّدتُّ رأسي، وقلَدتُّ هَدْيي، فلا أحِلُّ حتى أنحرَ».
فهذا يدلُّ على أنه كان معتمرًا، وليس فيه أنه لم يكُنْ معَ العمرةِ حاجًّا.
فقد تبيَّنَ أن الرواياتِ الكثيرةَ الثابتةَ عنِ ابنِ عمرَ وعائشةَ توافِقُ ما نقلَه سائرُ الصحابةِ؛ أنه كان متمتعًا التمتعَ العامَّ.
ومَن قال: إنه أحرَمَ مطلقًا؛ احتَج بحديثٍ مُرسَلٍ (٣)، فلا يُعارِضُ هذه الأحاديثَ الثابتةَ.
فقد تبيَّنَ أن مَن قال: أفرَدَ الحجَّ، وأرادَ أنه اعتَمرَ بعدَ حجِّه - كما
стр. 468
يظُنُّه بعضُ المتفقهةِ-: فهذا مُخطِئٌ باتِّفاقِ العلماءِ.
وإن قال: أفرَدَ الحجَّ؛ بمعنى: أنه لم يأتِ معَ حجِّه بعمرةٍ؛ فقد اعتَقدَه بعضُ العلماءِ، وهو غلَطٌ؛ لأنهم اتفقوا أنه اعتَمرَ أربعَ عُمَرٍ، الرابعةُ معَ حجِّه.
ومَن قال: إنه أحرَمَ إحرامًا مطلقًا؛ فقولُه غلَطٌ، لم يُنقَلْ عن أحدٍ من الصحابةِ.
ومَن قال: إنه تمتَّعَ بمعنى: أنه لم يحرِمْ بالحجِّ حتى طاف وسعى؛ فقولُه أيضاً غلطٌ لم ينقلْ عن أحدٍ من الصحابةِ.
ومن قال: إنه تمتَّعَ بمعنى: أنه حلَّ من إحرامِه فهو أيضًا مُخِطئٌ باتِّفاقِ العلماءِ العارفينَ بالأحاديثِ.
ومَن قال: إنه قرَنَ؛ بمعنى: أنه طافَ طوافينِ، وسعَى سَعْيَينِ؛ فقد غلِطَ أيضًا، ولم يَنقُلْ ذلك أحدٌ من الصحابةِ عن النبيِّ ﷺ .
فالغَلَطُ وقَع ممن دونَ الصحابةِ ممن لم يفهمْ كلامَهم، وأما الصحابةُ فنُقولُهم متفقةٌ.
ومما يبيِّنُ أنه لم يطُفْ طوافينِ، ولا سَعْيَينِ، لا هو ولا أصحابُه: ما في «الصحيحَينِ» عن عائشةَ قالتْ: خرَجْنا معَ رسولِ اللهِ، فقال: «مَن كان معَه هَدْيٌ فليُهِلَّ بالحجِّ معَ العمرةِ، ثم لا يحِلُّ منهما جميعًا»، وقالتْ فيه: فطاف الذينَ كانوا أهَلُّوا بالعمرةِ بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخَرَ بعدَ أن رجَعوا من مِنَى
стр. 469
لحجِّهم، وأما الذينَ جمَعوا الحجَّ والعمرةَ فإنما طافوا طوافًا واحدًا (١).
وفي «مسلمٍ» عنها (٢): أنه قال لها رسولُ اللهِ يومَ النَّفرِ: «يَسعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمْرتِكِ»، فأبتْ، فبعَثَها معَ عبدِ الرحمنِ إلى التَّنْعيمِ، فاعتَمرتْ بعدَ الحجِّ.
وفي «الصحيحَينِ» (٣)، و «السُّنَنِ» (٤): أنه قال لها: «يسَعُكِ لحَجِّكِ وعُمْرتِكِ»، «يكفيكِ طَوافُكِ لحجِّكِ وعُمْرتِكِ»، «قد حلَلْتِ من حجِّكِ وعُمْرتِكِ جميعًا»، قالت: يا رسولَ اللهِ إني أجِدُ في نفسي أني لم أطُفْ بالبيتِ حين حجَجْتُ، قال: «فاذهَبْ بها يا عبدَ الرحمنِ، فأَعْمِرْها من التَّنْعيمِ»، وذلك ليلةَ الحَصبةِ.
فقد أخبرتْ أن الذينَ قرَنوا لم يطوفوا بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ إلا الطوافَ الأولَ، الذي طافَه المتمتِّعونَ أولًا، وقال لها: «يسَعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمْرتِكِ»، فدلَّ على أنها كانت قارِنةً، وأنه يجزئها طوافٌ واحدٌ وسَعْيٌ واحدٌ كالمفردِ، لا سيَّما وهي لم تطُفْ أولًا طوافَ قدومٍ؛ بل لم تطُفْ إلا بعدَ التعريفِ، وسعَتْ معَ ذلك، فإذا كان طوافُ الإفاضةِ والسعيُ بعدَه يكفي القارنَ؛ فلأن يكفِيه طوافُ القدومِ معَ
стр. 470
طوافِ الإفاضةِ وسَعْيٌ واحدٌ معَ أحدِهما بطريقِ الأَوْلى.
وقد صَحَّ عنه أنه قال: «دخلَتِ العمرةُ في الحجِّ إلى يومِ القيامةِ» (١)، وإذا دخلَتْ لم يُحتَجْ إلى عملٍ زائدٍ.
فقد تبيَّنَ أن مَن ساق الهَدْيَ فالقِرانُ أفضلُ له، ومَن لم يسُقِ؛ فالتمتُّعُ أفضلُ، كما عليه عامةُ أصحابِ الحديثِ؛ كأحمدَ وغيرِه؛ فإنَّ اللهَ اختارَ لنبيِّه الأفضلَ، فإنَّ خيرَ الهدى هدىُ محمَّدٍ، وكونُه تأسَّفَ وقال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسقِ الهديَ، ولجعلتها عمرةً» (٢)؛ إنَّما هو لأجلِ تألُّفِ قلوبِهم ليفعلوا ما أُمروا به مع الانشراحِ، وقد يَتركُ الأفضلَ لموافقةِ الائتلافِ، كما تركَ بناءَ الكعبةِ خوفاً من التنفيرِ.
وعلى هذا التقديرِ؛ فيكونُ اللهُ قد جَمَع له بينَ أنْ فَعَل الأفضلَ، وبينَ أنْ أعطاهُ ما يَراه مِن الموافقةِ لهم ما في ذلك مِن الفضلِ (٣)، واللهُ أعلمُ.
стр. 471
فَصْلٌ (١)
قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾.
فالدعوةُ إلى اللهِ هي الدعوةُ إلى الإيمانِ به، وبما جاءَتْ به رسُلُه، وذلك يتضمَّنُ الدعوةَ إلى الشهادتينِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ، والإيمانِ باللهِ، وملائكتِه، وكتُبِه، ورُسُلِه، والبعثِ بعدَ الموتِ، والإيمانِ بالقدرِ خيرِه وشرِّه، والدعوةَ إلى أن يعبدَ العبدُ ربَّه كأنه يَراه، فإن هذه الدرجاتِ الثلاثَ - التي هي الإسلامُ والإيمانُ والإحسانُ- داخلةٌ في الدينِ.
وأصلُ الدينِ: عبادتُه وحدَه لا شريكَ له؛ كما اتَّفقَ على ذلك جميعُ الرسلِ، ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، فالدينُ واحدٌ، وإنما تنوعت شرائعُهم ومناهِجُهم، ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾.
فالرسلُ مُتفقونَ في الدينِ الجامعِ للأصولِ الاعتقاديةِ والعمليةِ.
فالاعتقاديةُ: كإيمانٍ باللهِ، ورسلِه، واليومِ الآخِرِ، والعملية: كالأعمالِ العامةِ المذكورةِ في الأنعامِ والأعرافِ وبني إسرائيلَ؛ كقولِه: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم … ﴾ إلى
стр. 472
آخِرِ الآياتِ الثلاثِ، وقولِه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه … ﴾ إلى آخِرِ الوصايا، ﴿قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عندَ كل مسجد﴾، ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق﴾.
فالدعوةُ إلى اللهِ تتضمَّنُ الأمرَ بكلِّ ما أمرَ اللهُ بهِ، والنهيَ عن كلِّ ما نهى عنه، وهذا هو الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ؛ بكلِّ معروفٍ وعن كلِّ منكرٍ، فكلُّ ما أحبَّه اللهُ ورسولهُ من واجبٍ ومستحبٍّ من باطنٍ وظاهرٍ؛ فالدعوةُ إلى اللهِ الأمرُ بهِ، وكلُّ ما أبغضهُ اللهُ ورسولُه من باطنٍ وظاهرٍ؛ فمنِ الدعوةِ إلى اللهِ النهيُ عنه، لا تتمُّ الدعوةُ إلى اللهِ إلا بذلك؛ سواءٌ كان من الأقوالِ الباطنةِ أو الظاهرةِ، أو من الأعمالِ الباطنةِ أو الظاهرةِ؛ كالتصديقِ بما أخبَرَ به الرسولُ من أسمائِه وصفاتهِ، والمعادِ، وما أخبَرَ به عن سائرِ المخلوقاتِ؛ كالعرشِ، والكرسيِّ، والملائكةِ، والأنبياءِ، وأُمَمِهم، وأعدائِهم، وكإخلاصِ الدينِ له، وأن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إلينا مما سِواهما، وكالتوَكُّلِ عليه، والرجاءِ لرحمِته، وخشيته، والصبرِ لحكمِه، وأمثالِ ذلك، وكصدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، ووفاءِ العهدِ، وصِلَةِ الأرحامِ، وحُسْنِ الجوارِ، وكالجهادِ في سبيلِهِ بالقلبِ والبدنِ واللسانِ.
إذا تبيَّنَ ذلك: فالدعوةُ إلى اللهِ واجبةٌ على مَن اتَّبَعَهُ، وهم أُمَّتُه؛ يدعونَ إلى اللهِ كما دعا إلى اللهِ، ويتناولُ الأمرَ بكلِّ معروفٍ، والنهيَ عن كلِّ مُنكَرٍ؛ كما وصَفَهم تعالى بذلكَ فقالَ: ﴿كنتم خير أمة أخرجت
стр. 473
للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المُنكَرِ﴾، وقال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾، وهذا واجبٌ على كلِّ الأمةِ، إن قام به طائفةٌ سقَطَ عن الباقينَ.
فمجموعُ أُمَّتِه تقومُ مقامَهُ في الدعوةِ إلى اللهِ تعالى، ولهذا كان إجماعُهم حجةً قاطعةً، فلا تجتمعُ أُمَّتُه على ضلالةٍ.
وكلُّ واحدٍ من الأمةِ يجبُ عليه أن يقومَ من الدعوةِ بما يقدرُ عليه؛ إذا لم يقُمْ به غيرُه، فيجبُ على كلِّ مَن يقدرُ على شيءٍ أن يدعوَ إليه؛ مِن تعليمِ العلمِ، والجهادِ، والعملِ، وتبيينِ الأمورِ، وغيرِ ذلك.
والدعوةُ إلى اللهِ هي الدعوةُ إلى سبيلِه، وسبيلُه: تصديقُه فيما أخبَرَ، وطاعتُه فيما أمَر، وقد تبيَّنَ أنهما واجبانِ على كلِّ فردٍ من أفرادِ المسلمِينَ وجوبَ فرضِ الكفايةِ.
والقيامُ بالواجبِ من الدعوةِ الواجبةِ وغيرِها لهُ شروطٌ؛ كما جاءَ في الحديثِ: (ينبغي لمن أمَرَ بالمعروفِ، ونهى عن المُنكَرِ أن يكونَ فقيهًا فيما يأمرُ به، فقيهًا فيما يَنْهى عنه، رفيقًا فيما يأمرُ به، رفيقًا فيما يَنْهى عنه، حليمًا فيما يأمرُ به، حليمًا فيما يَنْهى عنه) (١).
стр. 474
فالتَّفقُّهُ ليَعرِفَ، والرِّفْقُ ليَسْلُكَ أقربَ الطرقِ إلى تحصيلِ المقصودِ، والحلمُ ليصبِرَ على الأذى، فكثيرًا ما يحصُلُ له الأذى؛ كما قال: ﴿واصبر على ما أصابك﴾ بعدَ أن قال: ﴿وأمر بالمعروف وانه عن المُنكَرِ﴾، وقولِه لنبِيِّه: ﴿ولربك فاصبر﴾، ﴿واصبر على ما يقولون﴾، وهو كثيرٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ.
لكن للآمِرِ أن يدفعَ عن نفْسِه، فإذا أرادَ المأمورُ أن يؤذِيَه؛ فله أن يدفعَ أذاه عن نفْسِه قبلَ الوقوعِ، أما بعدَ وقوعِ الأذى والتوبةِ؛ فيصبِرُ ويحلُمُ.
والكمالُ حالُ نبِيِّنا ﷺ أنه ما انتقَمَ لنفْسِه، ولا ضرَبَ خادمًا، ولا زوجةً، ولا دابَّةً، ولا نِيلَ منه فانتقَمَ لنفْسِه؛ إلا أن تُنتهَكَ حُرُماتُ اللهِ، فإنه لم يقُمْ لغَضَبِه شيءٌ؛ حتى ينتقمَ للهِ (١).
فالآمِرُ الناهي إذا نِيلَ منه، ثم إنَّ ذلكَ المأمورَ تابَ وقَبِلَ الحقَّ؛ فلا ينبغي له أن يقتصَّ منه ويعاقِبَه على أذاه؛ فإنه قد سقَطَ بالتوبةِ، كما تسقُطُ عن الكافرِ إذا أسلمَ حقوقُ اللهِ، ولم يضْمَنْ ما أتلَفَه للمسلمِينَ من
стр. 475
الدماءِ والأموالِ؛ بل أجرُ المسلمِينَ على اللهِ، ولو أسلمَ وبيدِه مالٌ للمسلمِينَ؛ كان مِلْكًا له عندَ الجمهورِ (١)، وهو الذي مضَتْ به السُّنَّةُ (٢)، وفي الحديثِ: «الإسلامُ يهدِمُ ما كان قَبْلَه، والتوبةُ تهدِمُ ما كان قبلَها» (٣).
فالمأمورُ المنهيُّ إن كانَ مُستحِلًّا لأذى الآمِرِ؛ كالرافضيِّ وغيرِه، يسُبُّ الصحابةَ، أو يُكفِّرُهم؛ فإذا تاب من هذا الاعتقادِ، وصار يُحِبُّهم؛ لم يَبْقَ لهم عليه حقٌّ؛ بل دخَل حقُّهم في حقِّ اللهِ، ولهذا كان أصَحُّ قولَيِ العلماءِ: أن أهلَ البغيِ لا يضمَنونَ ما أتلَفُوه على أهلِ العدلِ، وكذلك المرتدُّ.
стр. 476
وهذا بخلافِ مَن يعتقدُ أن ما يفعَلُه بغيٌ وعدوانٌ؛ كالمسلمِ إذا ظلَمَ المسلمَ، والذِّمِّيُّ إذا ظلمَ المسلمَ، والمرتدُّ الذي أتلَفَ وليس بمحارِبٍ؛ بل هو في الظاهرِ مسلمٌ أو مُعاهَدٌ، فإن هؤلاءِ يضمَنونَ ما أتلَفوه بالاتفاقِ، فمن اعتقدَ أذى الآخَرِ بتأويلٍ فهو من المتأوِّلِينَ.
وحقُّ الآمِرِ الناهي داخلٌ في حقِّ اللهِ، فإذا تاب؛ يسقُطُ عنه الحقَّانِ، فهو كالحاكمِ إذا حكمَ فأخطأَ، وكالمفتي وكالشاهد؛ إذا أخطأ.
وقد يقالُ: إنه يسقط عنه الجزاءُ على وجهِ القصاصِ الذي يجبُ في العمدِ، لا في الخطأِ، كما تجبُ الديةُ في الخطأِ، وكما يجبُ ضمانُ الأموالِ التي يُتلِفُها الصِّبْيانُ والمجانينُ، والقاتلُ خطأً تجبُ الديةُ على عاقِلَتِه، كذلك هذا الذي ظلم خطأً.
لكن يقالُ: الفرقُ بينَ ما كان الحقُّ للهِ وحقُّ الآدميِّ تبَعٌ له، وما كان حقًّا لآدمِيٍّ مَحْضًا أو غالبًا، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المُنكَرِ، والجهادُ من هذا البابِ؛ موافقٌ لقولِ الجمهورِ الذينَ لا يُوجِبونَ على أهلِ البَغْيِ ضمانَ ما أتلَفوه لأهلِ العدلِ بالتأويلِ، فهذا من بابِ الجهادِ الذي يقَعُ فيه الأجرُ على اللهِ تعالى، وهذا مما يتعلَّقُ بالعبدِ الآمِرِ الناهي.
والإنسانُ تُزيِّنُ له نفْسُه أن عَفْوَه عن ظالمِه يُجَرِّئُهُ عليه، وليس كذلك، فقد ثبَتَ عنه أنَّه قال في «صحيحِ مسلمٍ» (١): «ثلاثٌ إن كنتُ
стр. 477
لحالفًا عليهِنَّ: ما زادَ اللهُ عبدًا بالعَفْوِ إلا عزًّا، وما نقصَتْ صدقةٌ من مالٍ، وما تواضَعَ أحدٌ للهِ إلا رفَعَه اللهُ».
فالذي ينبغي أن يعفوَ الإنسانُ عن حقِّه، ويستوفيَ حقوقَ اللهِ بحسَبِ الإمكانِ، قال تعالى: ﴿والذينَ إذا أصابهم البغي هم ينتصرون﴾.
قال النَّخَعيُّ: (كانوا يكرهونَ أن يُستذَلُّوا، فإذا قدَروا عفَوْا) (١)، قال تعالى: ﴿هم ينتصرون﴾، يمدحُهم بأنَّ فيهم همةَ الانتصارِ للحقِّ والحَمِيةِ له، ليسوا بمنزلةِ الذي يعفو عجزًا وذُلًّا؛ بل هذا مما يُذمُّ به الرجلُ.
فَصْلٌ (٢)
أهلُ الصُّفَّةِ التي كانت شماليَّ المسجدِ يَنْزِلُها المهاجرونَ الفقراءُ، فمَن تأهَّلَ منهم، أو سافرَ، أو خرَج غازيًا؛ خرَج منها، وقد كانوا
стр. 478
يكونونَ في الوقتِ الواحدِ سبعينَ، أو أقلَّ، أو أكثرَ، ومنهم: سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وأبو هُرَيرةَ، وخُبَيبٌ، وسلمانُ، وغيرُهم.
وقد جمَع أبو عبدِ الرحمنِ السلميُّ تاريخَهم، وهم نحوُ ستِّمائةٍ، أو سبعِمائةٍ، أو غيرِ ذلك.
ولا خلافَ بينَ المسلمِينَ أنهم كانوا كافرينَ جاهلينَ باللهِ ورسولِه؛ حتى هداهم اللهُ بكتابِه وبمحمدٍ رسولِه ﷺ ، وبعدَ الإسلامِ كان غيرُهم ممن ليس من أهلِ الصُّفَّةِ؛ كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ ﵃ أعلمَ باللهِ منهم، وأعظمَ يقينًا من عامَّتِهم وأفضل، وكانوا من أعظمِ الناسِ قتالًا معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، كما وصَفَهم القرآنُ في قولِه: ﴿للفقراء المهاجرين الذينَ أخرجوا من ديارهم وأموالهم … ﴾ الآيةَ، وقال: ﴿للفقراء الذينَ أحصروا في سبيلِ اللهِ لا يستطيعون ضربا في الأرضِ﴾.
وقُتِلَ منهم يومَ بئرِ مَعُونةَ سبعونَ، وقنَتَ رسولُ اللهِ على الذينَ قَتَلوهم (١)، وأخبَرَ عنهم «أنَّهم بهم تُتَّقى المَكارِهُ، وتُسَدُّ بهم الثُّغورُ» (٢)، «وأنهم أولُ الناسِ وُرودًا على الحوضِ، وأنهم الشُّعْثُ رؤوسًا، الدُّنْسُ ثيابًا، الذينَ لا يَنْكحِونَ المُنعَّماتِ، ولا تُفتَحُ لهم أبوابُ السُّدَدِ» (٣).
стр. 479
وأما أنهم كانوا قَبْلَ مَبْعثِه مهتدينَ؛ فعلى مَن قال هذا: لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ؛ بل لا خلافَ أنهم كانوا كافرينَ.
وكذلك مَن يقول: إنهم عرَفوا ما أوحاه اللهُ إلى نبِيِّه ليلةَ المعراجِ؛ فكذِبٌ ملعونٌ قائلُه، والمعراجُ كان بمكةَ، والصُّفَّةُ بالمدينةِ بعدَ المعراجِ بكثير.
وكذلك مَن يقولُ: إن عمرَ كان يكونَ كالزنجيِّ بينَ النبيِّ وأبي بكرٍ، وأنهما يتكلمانِ بما لا يفهمه؛ فكذِبٌ.
نعم كان أبو بكرٍ أقرَبَ الناسِ إلى رسول الله، وأعلمَهم بمرادِه، لم يسؤه قطُّ.
وكذلك قول مَن يقولُ: إنه ﷺ قال: «أنا مِن اللهِ، والمؤمنونَ مِنِّي»؛ فكذِبٌ على قائلِه، ومُفْتريه لعنهُ اللهِ، وليَتَبوَّأْ مقعدَه من النار؛ بل مَن اعتَقدَ صحةَ مجموعِ هذه الأحاديثِ وجبَتِ استِتابتُه؛ فإن تاب وإلا قُتِل، وهذا كلُّه واضحٌ عندَ من عرَفَ اللهَ، وكان مؤمنًا حنيفيًّا.
وإنما يقَعُ في هذه الجهالاتِ مَن نقَصَ إيمانه، وقلَّ علمُه، واستَكبَرَ حتى صار بمنزلةِ فرعونَ، والله يتوب علينا وعليهم.
فَصْلٌ
ما رُوِي: «أن مَن وقف بعرفةَ غُفِر له ذنوبُه، ومن ظنَّ أنه لم يُغفرْ له، فلا غفَر اللهُ له»، «ولو مرَّ بها راعي غنمٍ غُفِر له، وإن لم يعلمْ أنه يومُ عرفةَ»، «ومَن حَجَّ ولم يَزُرْني فقد جَفاني، ومن زارَني وجبَتْ له
стр. 480
شَفاعتي» (١) ليس فيها حديثٌ صحيحٌ؛ بل منها ما معناه مخالفٌ للسنَّةِ؛ فإنه لو وقف رجلٌ خائفٌ أن اللهَ لا يغفرُ له ذنوبَه، لم يقُلْ أحدٌ: إن اللهَ لا يغفِرُ له؛ فإن اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعًا بالتوبةِ، ويغفرُ غيرَ الشِّركِ لمن يشاء.
والمسلمونَ متِّفقونَ على أن مَن وقَف بعرفةَ لم يسقُطْ عنه ما وجب عليه من صلاةٍ وزكاةٍ، وكذلك حقوقُ العِبادِ من المظالمِ.
وجَفاءُ النبيِّ ﷺ مُحَرَّمٌ ، وزيارةُ قبرِه ليست واجبةً باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ ولم يثبُتْ عنه حديثٌ في زيارةِ قبرِه (٢).
ويجوزُ الحجُّ بمالٍ يؤخذُ على وجهِ النِّيابةِ اتفاقًا.
أما على وجهِ الإجارةِ؛ ففيه قولانِ للعُلماءِ، هما روايتانِ عن أحمدَ:
أحدهما: يجوزُ عندَ الشافعيِّ.
والآخر: لا يجوزُ عندَ أبي حنيفةَ.
ثم إن كان قصدُه الحجَّ أو نفعَ الميتِ؛ كان له في ذلك أجرٌ وثوابٌ، وإن كان ليس مقصوده إلا أخذَ الأجرةِ، فما له في الآخرةِ من خَلَاقٍ (٣).
стр. 481
وإذا كانت من القواعدِ ، وقد يئسَتْ من النِّكاحِ ولا مَحْرَمَ لها؛ فيجوزُ لها أن تحجَّ معَ من تأمَنُه في أحد قولَيِ العلماءِ؛ هما روايتانِ عن أحمدَ، ومذهَبُ مالكٍ والشافعيِّ (١).
ومن استطاع الحجَّ بالزَّادِ والراحلةِ ؛ وجب عليه الحجُّ بالإجماعِ، فإن حجَّ عَقبَ ذلك بحسَبِ الإمكانِ، ومات في الطريقِ؛ وقع أجْرُه على اللهِ، ومات غيرَ عاصٍ.
وإن كان فرَّطَ، ثم خرج بعدَ ذلك، ومات قبلَ الحجِّ؛ مات عاصيًا، وله أجْرُ ما فعله، ولم يسقُطْ عنه الفرضُ؛ بل يُحَجُّ عنه مِن حيثُ بلَغَ.
وفي أحدِ قولَيِ العلماءِ: لا يكونُ هديًا إلا ما سيقَ من الحِلِّ إلى الحَرَمِ، وسَوْقُه من الميقاتِ أفضلُ من أدنى الحِلِّ.
стр. 482
كتابُ اللِّباسِ
هذه العمائمُ التي تلبَسُها النساءُ ؛ حرامٌ بلا رَيْبٍ، التي مثلُ أسْنِمةِ البُخْتِ؛ لقولِه: «صِنْفانِ من أمَّتي لم أرَهما بعدُ … » الحديثَ (١)، ولما رأى أمَّ سلمةَ تتعصَّبُ فقال: «ليَّةً لا ليَّتَيْنِ» (٢).
وحِيَاصةُ (٣) الذهبِ محرَّمةٌ ، وأما حِيَاصةُ الفِضَّةِ؛ ففيها نزاعٌ.
وأما الكتابةُ بالقرآنِ عليها؛ فتُشْبِهُ كتابَته على الدراهمِ والدنانيرِ، ولكن تمتازُ؛ بأنه يُعادُ إلى النارِ، وهذا كلُّه مكروهٌ (٤).
ولُبسُ الحريرِ عندَ القتالِ ضرورةً جائزٌ؛ بأن لا يقومَ غيرُه مقامَه؛ من دَفْعِ السلاحِ، وأما لِباسُه لإرهابِ العدوِّ؛ ففيه نزاعٌ؛ الأظهرُ الجوازُ.
стр. 483
والعَلَمُ الحريرُ أربعَ أصابعَ؛ جائزٌ، وفي العلَمِ الذهبِ؛ نزاعٌ؛ الأظهرُ جوازُه (١).
وخاتمُ الفِضَّةِ: مُباحٌ، وخاتمُ الذَّهَبِ؛ حرامٌ باتِّفاقِ الأربعةِ على الرِّجالِ.
وتجوزُ تَحْليةُ السيفِ بيسيرِ الفِضَّةِ، وفي الذَّهَبِ خلافٌ؛ الأصحُّ جوازُه.
والحِيَاصةُ بيسيرِ الفِضَّةِ ؛ جائزٌ على الأصحِّ.
والكلاليبُ إذا احْتيجَ إليها وكانت بِزِنَةِ الخاتمِ؛ كالمِثْقالِ ونحوِه؛ فهي أَوْلى من الخاتَمِ.
ويَسيرُ الذَّهَبِ التابعِ لغيرِه ؛ كالطِّرزِ (٢) ونحوِه؛ جائزٌ في الأصحِّ من مذهَب أحمدَ وغيرِه (٣).
وقُبَعُ (٤) الحريرِ حرامٌ على الرِّجالِ إجماعًا، وعلى النِّساءِ؛ لأنه لعَن مَن تتشبَّه منهنَّ بالرِّجال (٥)، وأما للصِّبيان ففيه قولانِ؛ الأظهرُ: أنه لا يجوزُ.
стр. 484
وما حَرُمَ لُبْسُه لم تحِلَّ صناعتُه ولا بيعُه لمن يلبَسُه من أهلِ التحريمِ، ولا يَخيطُه لمن يحرُمُ عليه لُبْسُه؛ لما فيه من الإعانةِ على الإثمِ والعدوانِ؛ فهو مثلُ الإعانةِ على الفواحشِ.
ولا يُباعُ الحريرُ لرجلٍ يلبَسُه، أما بيعُه للنساءِ فجائزٌ، وكذلك بيعُه للكافر؛ لأن عمرَ أرسلَ بحريرةٍ إلى رجلٍ مشركٍ (١).
ولا يجوزُ أن يُباعَ المسترسِلُ إلا بالسِّعرِ الذي يُباعُ به غيرُه، فلا يُغبَنُ من الرِّبحِ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العادةِ، وقدَّرَه بعضُهم بالثُّلُثِ، وبعضُهم بالسُّدُسِ، وبعضُهم بالعادة، فما جرَت به العادةُ من الرِّبْح على المماكِسينَ؛ يجوزُ رِبْحُه على المسترسِلِ.
والمسترسِلُ: فُسِّرَ بأنه الذي لا يُماكِسُ؛ بل يقولُ: أعطني، وبأنَّه الجاهلُ بقيمةِ المَبيعِ، فلا يُغبَنُ غَبْنًا فاحشًا، لا هذا ولا هذا، ففي الحديثِ: «غَبْنُ المسترسِلِ رِبًا» (٢).
ومَن عُلِمَ أنه يغبِنُهم؛ يستحقُّ العقوبةَ؛ بل يُمنعُ من الجلوسِ في سوقِ المسلمِينَ.
وللمغبونِ فسخُ البيعِ ويردُّه.
وإذا تاب هذا الغابنُ ولم يمكِنْه ردُّ المظالمِ، فليتصدَّقْ بمقدارِ ما ظلَمهم عنهم؛ لتَبْرَأَ ذمَّتُه من ذلك.
стр. 485
وكذلك المضطرُّ ولا يجِدُ حاجتَه إلا عندَ هذا الشخص؛ ينبغي له أن يربَحَ عليه مثلَ ما يربحُ على غيرِ المضطرِّ؛ ولو كانت الضرورةُ إلى ما لا بدَّ منه، مثلُ أن يضطرَّ الناسُ إلى ما عندَه من الطعامِ واللِّباسِ، فيجبُ عليه ألا يبيعَهم إلا بالقيمةِ المعروفةِ بغير اختيارِه، ولا يعطوه زيادةً على ذلك (١).
والصمتُ، وملازمةُ لُبْسِ الصُّوفِ ، والتعرِّي، والقيامُ في الشَّمْسِ، أو لُبْسُ اللِّيفِ، أو يغطِّيَ وجهَه، أو يمتنعَ من أكْلِ الخُبْزِ أو اللَّحْمِ، أو شُرْبِ الماءِ ونحوِه: كلُّه بدعٌ مردودةٌ ليست من الدِّينِ؛ فإن المبتدعَ لذلك قصْدُه أن يعظَّمَ ويُزارَ؛ فليس عملُه للهِ ولا صوابًا؛ بل زَغَلٌ وناقصٌ؛ بمنزلةِ لحم خنزيرٍ ميِّتٍ؛ حرامٌ من وجهَينِ.
فيجبُ الإنكارُ على أهلِ البِدَعِ بحُسْنِ قصدٍ؛ بحيث يكونُ المقصودُ طاعةَ اللهِ ورسولِه؛ لا اتباعَ الهوى، ولا منافسةً (٢).
وطولُ السراويلِ (٣) وسائرِ اللباسِ: ليس له أن يجعلَه أسفلَ من الكعبَينِ (٤).
стр. 486
كِتَابُ البُيُوعِ
مَن اشترى عشَرةَ أزواجٍ بثمنِ واحدٍ، فقسَم الثمنَ على قدرِ كلِّ واحدٍ بالعدلِ، وأخبرَ بصورةِ الحالِ؛ فقد صدَقَ (١).
ومتى ظهر المَبيعُ مستحَقًّا ؛ فللمشتري أن يرجعَ بالثمن على من قبَضه منه، أو ببدلِه، فإن كان القابضُ غائبًا؛ حُكِمَ عليه إذا قامت الحُجَّةُ، وسُلِّم إلى المحكومِ له حقُّه من مالِ الغائبِ، معَ بقائِه على حُجَّتِه (٢).
ومن اشترى جاريةً فأبِقَتْ ، وكانت معروفةً بالإباقِ قبلَ ذلك، وكتم البائعُ؛ فللمشتري أن يطالِبَ البائعَ بالثمنِ إذا أبِقَتْ عندَ المشتري في أصحِّ قولَيِ العلماءِ؛ كما هو مذهَبُ مالكٍ، والمنصوصُ عن أحمدَ.
وفي الآخر: يُطالِبُه بالأرْشِ.
وإن حدَث العيبُ؛ فلا ردَّ له، إلا عندَ مالكٍ، له الردُّ إلى تمامِ ثلاثةِ أيامٍ (٣).
стр. 487
والبَخْسُ في المكيالِ والميزانِ من الأعمالِ التي أهلك اللهُ بها قومَ شُعَيبٍ، والإصرارُ عليه من أعظمِ الكبائرِ، ويؤخَذُ منه ما بخَسَه على طولِ الزمانِ، ويُصْرَفُ في مصالحِ المسلمِينَ إذا لم يمكِنْ إعادتُه إلى أصحابِه، والذي يبخَسُ لغيرِه؛ هو مِن أخْسَرِ الناسِ صفقةً؛ إذ باع آخرتَه بدُنْيا غيرِه.
ولا يحِلُّ أن يَجْعَلَ بينَ الناسِ وزَّانًا يَبْخَسُ أو يُحابي؛ كما لا يحِلُّ أن يكونَ بينَهم مقوِّمٌ يُحابي؛ بحيثُ يَكيلُ أو يَزِنُ (١) أو يقوِّمُ لمن يرجوه، أو مخافةً من شَرِّه، أو يكونُ له جاهٌ ونحوُه؛ بخلافِ ما يَكيلُ أو يقوِّمُ لغيرِهم، أو يظلِمُ مَن يُبْغِضُه، ويَزيدُ مَن يُحِبُّه (٢).
ومَن أعتقه سيدُه وهو بَطَّالٌ وله عائلةٌ؛ هل يجوزُ بيعُه؟
أما البيعُ الشرعيُّ فلا، ولكن إذا انضمَّ إلى بعضِ الملوكِ أو الأمراءِ [متسمِّيًا] (٣) باسمِ مملوكه، فيجعلُه من مماليكِه الذينَ يُعْتِقُهم، لا يتملَّكُه بمِلْكِ الأرِقَّاءِ؛ فهذا يُشْبِهُ ملْكَ السيدِ الأوَّلِ؛ فإن هذا الذي يفعلُه هؤلاءِ إنما هو بيعٌ عادٍ وإطلاقٌ عناديٌّ (٤)، وأكثرُ المماليكِ ملكُ بيتِ المالِ، ولاؤهم للمسلمِينَ.
стр. 488
ولا بأسَ أن ينضافَ الإنسانُ إلى مَن يعطيه حقَّه، وعليهم طاعةُ مَن ولَّاه اللهُ أمرَهم، ولا يطيعوا أحدًا في معصيةٍ (١).
ولا يَحِلُّ لأحدٍ يضمَن من ولاةِ الأمورِ ألَّا يبيعَ الصنفَ الفُلانيَّ إلا هو، وإن كان يشتري بمالٍ حلالٍ؛ جاز الشِّراءُ منه، وإن اشترى بمالِ مَن يظلِمُه؛ فهو كالمغصوبِ، وحكمُه ظاهرٌ.
وإن كان أصلُ مالِه حلالًا، ولكن رَبِحَ فيه بهذه المعيشةِ حتى زاد؛ فقد صار شبهة؛ إن كان الغالبُ حلالًا؛ جاز الشراءُ، وتَرْكُه وَرَعٌ، وإن كان الغالبُ حرامًا فهل الشراءُ منه حلالٌ؟ على وجهَينِ (٢).
والنَّباتُ الذي ينبُتُ بغيرِ فِعْلِ الآدميِّين؛ كالكَلأِ يُنْبِتُه اللهُ في ملكِ الإنسانِ ونحوِه؛ لا يجوزُ بيعُه في أحدِ قولَيِ العلماءِ؛ لكن إن قصَد صاحبُها تركَها بغيرِ زرعٍ لينبُتَ فيها الكلأُ؛ فبيعُ هذا أسهلُ؛ لأنه بمنزلةِ استنباتِه (٣).
وإذا دخل المسلمُ إلى بلادِ الحربِ بغيرِ أمانٍ، فاشترى منهم
стр. 489
أولادَهم، وخرج بهم إلى دارِ الإسلامِ؛ كانوا ملكًا له باتِّفاقٍ، وله بيعُهم.
وكذلك إن باع الحربيُّ نفْسَه للمسلمِ وخرج؛ بل لو أعطوه أولادَهم بغيرِ ثمنٍ، وخرج بهم؛ مَلَكهم، وكذا لو سرَقَهم.
أما لو كان بأمانٍ ففيه قولانِ؛ أحدُهما: له شراءُ أولادِهم، والآخر: لا يجوزُ.
وكذلك لو هادَنَ المسلمون أهلَ بلْدٍ، فسَبَاهم من باعهم للمسلمِينَ.
ولو قهَر أهلُ الحربِ بعضُهم بعضًا، أو اشترى بعضُهم بعضًا، أو سرَقَهم، فوهَبَهم أو باعهم للمسلمِينَ؛ مَلَكوهم (١).
فَصْلٌ فيما يجوزُ بيعُه، وما لا يجوزُ
إذا اتَّفقَ أهلُ السُّوقِ ألا يَزيدوا في سِلْعةٍ لهم فيها غَرَضٌ ليشتريَها أحدُهم ويتقاسمونها، فهذا يضُرُّ بالمسلمِينَ أكثرَ مِن تلقِّي الرُّكبانِ.
أما إذا اتَّفقَ اثنانِ وفي السوقِ من يزيدُ؛ فلا يحرُمُ ذلك؛ لأن بابَ المزايدةِ مفتوحٌ.
ولا يجوزُ أن يطلبَ بالسلعةِ ثمنًا كثيرًا؛ ليغرَّ المشتريَ، فيدفعَ ما
стр. 490
يَزيدُ على قيمتِها إذا كان جاهلًا بالقيمةِ.
وهل يلزمُ الوكيلَ عهدةُ العقدِ إذا سمَّى موكِّلًا؟ على قولَينِ هما روايتانِ، وإن لم يُسَمِّ طولِبَ بدَرَكِ المَبِيعِ.
والماءُ والكلأُ الذي يكونُ في الأرضِ المباحةِ ؛ لا يجوزُ بيعُه باتِّفاقِ العلماءِ (١).
ولا يجوزُ للمالكِ أن يزيدَ في السِّلْعةِ ، فإنه يكون ظالمًا ناجِشًا؛ بل هو أعظمُ مِن نَجْشِ الأجنبيِّ؛ فإنه لا يُبطلُ البيعَ؛ وأما البائعُ إذا ناجَشَ أو واطَأَ مَن يُناجِشُ؛ ففي بطلانِ البيع قولانِ؛ هما روايتانِ (٢).
لا يجوزُ خَلْطُ الماءِ باللبنِ لمن يريدُ بيعَه، ولو أعْلَمَ به المشتريَ؛ فإنه لا يدري قدْرَ ما شابَهُ.
والشَّريكانِ في العَقارِ ونحوِه ؛ يجوزُ لكلِّ واحدٍ أن يؤاجِرَ للآخرِ، ويؤاجِرَه لغيرِهما، ويتهايآه بالمكانِ وبالزمانِ (٣).
стр. 491
ومن امتَنَع من المؤاجَرةِ؛ أُجْبِرَ عليها عندَ جمهورِ العُلماءِ إلا الشافعيَّ.
وفي الإجبارِ على المهايأةِ أقوالٌ ثلاثةٌ معروفةٌ (١).
стр. 492
بَابُ الرِّبَا
الذَّهَبُ المخيَّشُ (١)؛ إذا عُلِم مقدارُ ما فيه من الفِضَّةِ والذَّهَبِ؛ فهل يجوزُ بيعُه بأحدِهما إذا كان المفردُ أكثرَ مِن الذي معَه غيرُه؟ فهذه على ثلاثةِ أنواعٍ:
أحدُها: أن يكونَ المقصودُ بيعَ فِضَّةٍ بفِضَّةٍ متفاضلًا، أو بيعَ ذهبٍ بذهبٍ متفاضلًا، ويضمَّ إلى الأنقصِ من غيرِ جِنْسِه حيلةً؛ فلا يجوزُ أصلًا.
والثاني: أن يكونَ المقصودُ بيعَ أحدِهما وبيعَ عرضٍ بأحدِهما، وفي العرضِ ما ليس مقصودًا؛ مثلُ بيعِ السلاحِ بأحدِهما وفيه حِلْيةٌ يسيرةٌ، أو بيعِ عَقارٍ بأحدِهما وفي سَقْفِه وحيطانِه كذلك، مِثْلُ بيعِ غنَمٍ ذاتِ صوفٍ بصوفٍ، وذاتِ لبنٍ بلبنٍ؛ فيجوزُ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ وهو الصوابُ، وبيعُ الفضَّة المُخَيَّشةِ بذهَبٍ يَذهب عندَ السَّبْكِ بفِضَّةٍ مثلِه؛ هو من هذا البابِ، فإذا بيعَتِ الفِضَّةُ المصنوعةُ المُخَيَّشةُ بذهبٍ، أو بيعَتْ بذهبٍ مقبوضٍ؛ جاز ذلك، وإذا بيعَتْ الفِضَّةُ المصنوعةُ بفضَّةٍ أكثرَ منها لأجلِ الصِّناعةِ؛ لم يجُزْ.
стр. 493
والثالثُ: أن يكونَ كلا الأمرين مقصودًا؛ مثلُ أن يكونَ على السلاحِ ذهبٌ أو فِضَّةٌ كثيرٌ؛ فهذا إذا كان معلومَ المقدارِ، وبِيعَ بأكثرَ من ذلك: ففيه نزاعٌ مشهورٌ؛ والأظهرُ جوازُه.
وإذا أُبيعت الفِضَّةُ المصنوعةُ المخيَّشة بذهب، أو أُبيعت بذهب مغشوش؛ جاز ذلك، وإذا أُبيعت الفضَّة المصنوعة بفِضَّةٍ أكثرَ منها؛ لم يجُزْ (١).
ومن احتاج إلى دراهمَ فاشترى سلعةً يبيعها في الحالِ؛ فهو مكروهٌ في أظهرِ قولَيِ العلماءِ.
وأما الحِياصةُ ؛ الذَّهَب أو الفِضَّة: فلا تُباعُ إلى أجلٍ بذهبٍ أو فِضَّةٍ؛ لكن تُباعُ بعوضٍ إلى أجلٍ (٢).
ومن اشترى قَمْحًا إلى أجلٍ ، ثم عوَّضَ البائعَ عن ذلك الثمنِ سِلْعةً إلى أجلٍ؛ لم يجُزْ، وكذلك إن احتالَ على أن يَزيدَه في الثمنِ، ويزيدَه ذلك في الأجلِ بصورةٍ يظهرُ رِباها؛ لم يجُزْ، ولم يكُنْ له عندَه إلا الدَّينُ الأولُ؛ فإن هذا هو الرِّبا الذي أنزل اللهُ فيه القرآنَ؛ يقولُ الرجلُ لغريمِه عندَ مَحِلِّ الأجلِ: تقضي أو تُرْبي، فإنْ قضاه وإلا (٣) زاده هذا
стр. 494
في الدَّين، وهذا في الأجلِ، فحرَّمَ اللهُ ذلك، وأمر بقتال مَن لم ينتَهِ (١).
ومن تدايَنَ من رجلٍ ، فدخَل به السوقَ، فاشترى شيئًا بحَضْرةِ الرجلِ، ثم باعَه عليه بفائدةٍ؛ فهي على ثلاثةِ أوجهٍ:
أحدُها: أن يكونَ بينَهم مواطأةٌ لفظيةٌ أو عُرفيةٌ؛ على أن يشتريَ السِّلعةَ من ربِّ الحانوتِ، ثم يبيعَها للمشتري، ثم تُعادَ إلى صاحبِ الحانوتِ؛ فلا يجوزُ.
الثاني: أن يشتريَها منه، ثم يُعيدَها إليه، فلا يجوزُ أيضًا؛ لحديثِ أمِّ ولدِ زيدِ بنِ أرْقَمَ (٢).
والثالثُ: أن يشتريَ السِّلعةَ شراءً بتاتًا، ثم يبيعَها للمستدين بتاتًا، فيبيعَها أحدُهما، فهذه تُسَمَّى التورُّقَ؛ لأن غرضَ المشتري الورِقُ، فيأخذُ مائةً ويبقى عليه مائةٌ وعشرون مثلًا؛ فقد تنازع في ذلك السَّلَفُ، والأقوى: أنه منهيٌّ عنه؛ قال عمرُ بنُ عبد العزيز: (التورُّقُ رِبًا)؛ فإنَّ اللهَ حرَّمَ أخْذَ دراهِمَ بدراهمَ أكثرَ منها إلى أجلٍ؛ لِما في ذلك من ضرَرِ
стр. 495
المحتاجِ، وأكْلِ مالِه بالباطلِ، وهذا المعنى موجودٌ في هذه الصورةِ، وإنما الأعمالُ بالنيَّاتِ، والذي أباحه اللهُ البيعَ والتجارةَ (١).
وكلُّ قَرْضٍ جَرَّ منفعةً فهو رِبًا ، كما يُقْرِضُ صُنَّاعَه ليُحابوه بالأجرةِ فهو ربًا، أو يُقْرِضُه مائةً، ويبيعُه سلعةً تساوي مائةً بمائةٍ وخمسينَ ونحوِ ذلك (٢).
ويجبُ على المقترِضِ أن يوفِّيَ المقرِضَ في البلدِ الذي اقتَرَضَ فيه، ولا يُكَلِّفَه شيئًا من مُؤْنةِ السفرِ إلى بلدٍ آخَرَ، وحَمْلِ ذلك، فإن قال: ما أوفِّيك إلا في بلدٍ آخر؛ كان عليه مُؤْنةُ المُقْرِضِ وما ينفقُه بالمعروفِ (٣).
ولا يجوزُ الوفاءُ فلوسًا إلا برِضى البائعِ، وإذا وفَّوا فلوسًا؛ فلا يكونُ إلا بالسِّعْرِ الواقعِ.
أما النَّقْدانِ؛ فيجوزُ استيفاءُ أحدِهما عن الآخرِ كاستيفاءِ أحدِهما عن نفْسِه، فلا يكونُ ذلك من بابِ المعاوضةِ، ولا يجوزُ فيه الزيادةُ بالشرطِ، كما لا تجوزُ في القَرْضِ ونحوِه مما يوجِبُ المماثلةَ.
فإذا اتَّفَقا على أن يوفِّيَ أحدُهما أكثرَ من قيمتِه؛ كان كالاتفاقِ أن