← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ومن امتَنَع من المؤاجَرةِ؛ أُجْبِرَ عليها عندَ جمهورِ العُلماءِ إلا الشافعيَّ. وفي الإجبارِ على المهايأةِ أقوالٌ ثلاثةٌ معروفةٌ (١).

стр. 492

بَابُ الرِّبَا الذَّهَبُ المخيَّشُ (١)؛ إذا عُلِم مقدارُ ما فيه من الفِضَّةِ والذَّهَبِ؛ فهل يجوزُ بيعُه بأحدِهما إذا كان المفردُ أكثرَ مِن الذي معَه غيرُه؟ فهذه على ثلاثةِ أنواعٍ: أحدُها: أن يكونَ المقصودُ بيعَ فِضَّةٍ بفِضَّةٍ متفاضلًا، أو بيعَ ذهبٍ بذهبٍ متفاضلًا، ويضمَّ إلى الأنقصِ من غيرِ جِنْسِه حيلةً؛ فلا يجوزُ أصلًا. والثاني: أن يكونَ المقصودُ بيعَ أحدِهما وبيعَ عرضٍ بأحدِهما، وفي العرضِ ما ليس مقصودًا؛ مثلُ بيعِ السلاحِ بأحدِهما وفيه حِلْيةٌ يسيرةٌ، أو بيعِ عَقارٍ بأحدِهما وفي سَقْفِه وحيطانِه كذلك، مِثْلُ بيعِ غنَمٍ ذاتِ صوفٍ بصوفٍ، وذاتِ لبنٍ بلبنٍ؛ فيجوزُ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ وهو الصوابُ، وبيعُ الفضَّة المُخَيَّشةِ بذهَبٍ يَذهب عندَ السَّبْكِ بفِضَّةٍ مثلِه؛ هو من هذا البابِ، فإذا بيعَتِ الفِضَّةُ المصنوعةُ المُخَيَّشةُ بذهبٍ، أو بيعَتْ بذهبٍ مقبوضٍ؛ جاز ذلك، وإذا بيعَتْ الفِضَّةُ المصنوعةُ بفضَّةٍ أكثرَ منها لأجلِ الصِّناعةِ؛ لم يجُزْ.

стр. 493

والثالثُ: أن يكونَ كلا الأمرين مقصودًا؛ مثلُ أن يكونَ على السلاحِ ذهبٌ أو فِضَّةٌ كثيرٌ؛ فهذا إذا كان معلومَ المقدارِ، وبِيعَ بأكثرَ من ذلك: ففيه نزاعٌ مشهورٌ؛ والأظهرُ جوازُه. وإذا أُبيعت الفِضَّةُ المصنوعةُ المخيَّشة بذهب، أو أُبيعت بذهب مغشوش؛ جاز ذلك، وإذا أُبيعت الفضَّة المصنوعة بفِضَّةٍ أكثرَ منها؛ لم يجُزْ (١). ومن احتاج إلى دراهمَ فاشترى سلعةً يبيعها في الحالِ؛ فهو مكروهٌ في أظهرِ قولَيِ العلماءِ. وأما الحِياصةُ ؛ الذَّهَب أو الفِضَّة: فلا تُباعُ إلى أجلٍ بذهبٍ أو فِضَّةٍ؛ لكن تُباعُ بعوضٍ إلى أجلٍ (٢). ومن اشترى قَمْحًا إلى أجلٍ ، ثم عوَّضَ البائعَ عن ذلك الثمنِ سِلْعةً إلى أجلٍ؛ لم يجُزْ، وكذلك إن احتالَ على أن يَزيدَه في الثمنِ، ويزيدَه ذلك في الأجلِ بصورةٍ يظهرُ رِباها؛ لم يجُزْ، ولم يكُنْ له عندَه إلا الدَّينُ الأولُ؛ فإن هذا هو الرِّبا الذي أنزل اللهُ فيه القرآنَ؛ يقولُ الرجلُ لغريمِه عندَ مَحِلِّ الأجلِ: تقضي أو تُرْبي، فإنْ قضاه وإلا (٣) زاده هذا

стр. 494

في الدَّين، وهذا في الأجلِ، فحرَّمَ اللهُ ذلك، وأمر بقتال مَن لم ينتَهِ (١). ومن تدايَنَ من رجلٍ ، فدخَل به السوقَ، فاشترى شيئًا بحَضْرةِ الرجلِ، ثم باعَه عليه بفائدةٍ؛ فهي على ثلاثةِ أوجهٍ: أحدُها: أن يكونَ بينَهم مواطأةٌ لفظيةٌ أو عُرفيةٌ؛ على أن يشتريَ السِّلعةَ من ربِّ الحانوتِ، ثم يبيعَها للمشتري، ثم تُعادَ إلى صاحبِ الحانوتِ؛ فلا يجوزُ. الثاني: أن يشتريَها منه، ثم يُعيدَها إليه، فلا يجوزُ أيضًا؛ لحديثِ أمِّ ولدِ زيدِ بنِ أرْقَمَ (٢). والثالثُ: أن يشتريَ السِّلعةَ شراءً بتاتًا، ثم يبيعَها للمستدين بتاتًا، فيبيعَها أحدُهما، فهذه تُسَمَّى التورُّقَ؛ لأن غرضَ المشتري الورِقُ، فيأخذُ مائةً ويبقى عليه مائةٌ وعشرون مثلًا؛ فقد تنازع في ذلك السَّلَفُ، والأقوى: أنه منهيٌّ عنه؛ قال عمرُ بنُ عبد العزيز: (التورُّقُ رِبًا)؛ فإنَّ اللهَ حرَّمَ أخْذَ دراهِمَ بدراهمَ أكثرَ منها إلى أجلٍ؛ لِما في ذلك من ضرَرِ

стр. 495

المحتاجِ، وأكْلِ مالِه بالباطلِ، وهذا المعنى موجودٌ في هذه الصورةِ، وإنما الأعمالُ بالنيَّاتِ، والذي أباحه اللهُ البيعَ والتجارةَ (١). وكلُّ قَرْضٍ جَرَّ منفعةً فهو رِبًا ، كما يُقْرِضُ صُنَّاعَه ليُحابوه بالأجرةِ فهو ربًا، أو يُقْرِضُه مائةً، ويبيعُه سلعةً تساوي مائةً بمائةٍ وخمسينَ ونحوِ ذلك (٢). ويجبُ على المقترِضِ أن يوفِّيَ المقرِضَ في البلدِ الذي اقتَرَضَ فيه، ولا يُكَلِّفَه شيئًا من مُؤْنةِ السفرِ إلى بلدٍ آخَرَ، وحَمْلِ ذلك، فإن قال: ما أوفِّيك إلا في بلدٍ آخر؛ كان عليه مُؤْنةُ المُقْرِضِ وما ينفقُه بالمعروفِ (٣). ولا يجوزُ الوفاءُ فلوسًا إلا برِضى البائعِ، وإذا وفَّوا فلوسًا؛ فلا يكونُ إلا بالسِّعْرِ الواقعِ. أما النَّقْدانِ؛ فيجوزُ استيفاءُ أحدِهما عن الآخرِ كاستيفاءِ أحدِهما عن نفْسِه، فلا يكونُ ذلك من بابِ المعاوضةِ، ولا يجوزُ فيه الزيادةُ بالشرطِ، كما لا تجوزُ في القَرْضِ ونحوِه مما يوجِبُ المماثلةَ. فإذا اتَّفَقا على أن يوفِّيَ أحدُهما أكثرَ من قيمتِه؛ كان كالاتفاقِ أن

стр. 496

يوفِّيَ عنه أكثرَ منه مِن جنسِه؛ بخلافِ الزيادةِ من غيرِ شرطٍ. وعلى هذا فالفلوسُ النافقةُ قد يكونُ فيها شَوْبٌ قوي من الأثمانِ، فتوفيتهما عن أحدِ النقْدَينِ كتوفيةِ أحدِهما عن صاحبِه (١). وإذا قوَّمَ السِّلْعةَ بقيمةٍ حالَّةٍ ، ثم باعَها إلى أجلٍ بأكثرَ من ذلك، فهذا منهيٌّ عنه في أصحِّ قولَيِ العلماءِ؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: «إذا استَقمْتَ (٢) بنقدٍ، ثم بِعْتَ بنقدٍ؛ فلا بأسَ، وإذا استقمت بنقدٍ، ثم بِعْتَ بنسيئة؛ فتلك دراهم بدراهم» (٣)، وقوله: «استقمت»، أي: قوَّمت (٤). ولو باعَه مِلكَه بيَع أمانة على أن يشتري منه الملك بعد ذلك بأكثرَ من الثمنِ؛ فهذا هو الربِّا (٥). إذا كان له على رجلٍ دراهمُ مؤجَّلةٌ ، فباعَه بأقلَّ منها حالَّةً؛ فهذا رِبًا، وإن كانت حالَّةً، فأخذ البعضَ وأبْرَأَه من البعضِ؛ فقد أحْسَنَ

стр. 497

وأجرُه على اللهِ (١). وإذا أُبيعَتْ أسْوِرةُ ذهبٍ بذهبٍ أو فِضَّةٍ إلى أجلٍ؛ لم يجُزْ باتِّفاقِ العلماءِ؛ بل يجبُ ردُّ الأَسْورةِ إن كانت باقيةً، وردُّ بَدَلِها إن كانت فائتةً (٢). ومن قال لتجَّارٍ: أعْطوني هذه السِّلْعةَ، فقال التاجرُ: مُشْتراها ثلاثين، وما أبيعُها إلا بخمسينَ إلى أجلٍ، فهي على ثلاثةِ أنواعٍ: أحدها: أن يكونَ مقصودُه السِّلْعةَ، ينتفعُ بها للأكلِ والشُّربِ واللُّبْسِ ونحوِه. والثاني: أن يكونَ مقصودُه التجارةَ. فهذان جائزانِ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. لكن لا بدَّ من مراعاةِ الشُّروطِ الشرعيةِ؛ فإذا كان المشتري مضطرًّا (٣)؛ لم يجُزْ أن يُباعَ إلا بقيمةِ المِثْلَ، مثلُ أن يضطرَّ الإنسانُ إلى شراءِ طعامٍ لا يجِدُه إلا عندَ شخصٍ، فعليه أن يبيعَه إيَّاه بقيمةِ المثلِ، وإن لم يبعه إلا بأكثرَ؛ فللمشتري أخْذُه قهرًا بقيمةِ المثلِ، وإذا أعطاه إيَّاه لم يجبْ عليه إلا قيمةُ المثلِ، وإن باعه إيَّاه إلى أجلٍ؛ باعه بالقيمةِ

стр. 498

إلى ذلك الأجلِ؛ فإنَّ الأجل يأخُذُ قِسْطًا من الثمن. النوعُ الثالثُ: أن يكونَ المشتري إنما يريدُ دراهمَ - مثلًا - ليوفِّيَ بها دينَه، فيتفِقان على أن يعطيَه مثلًا المائةَ بمائةٍ وعشرين إلى أجلٍ؛ فهذا منهيٌّ عنه. فإن اتَّفقا على أن يُعيدَ السِّلْعةَ إليه؛ فهو بَيْعانِ في بيعةٍ، وإن أدْخَلا بينَهما ثالثًا فيشتري منه السِّلْعةَ، ثم تعادُ إليه؛ فكذلك، وإن باعه وأقْرَضه فكذلك. وإن كان المشتري يأخذُ السِّلْعةَ فيبيعُها في موضعٍ آخَرَ، يشتريها بمائةٍ ويبيعُها بتسعينَ لأجل الحاجةِ إلى الدراهمِ؛ فهي مَسْألةُ التورُّقِ، وفيه نزاعٌ، والأقوى: أنه مَنْهيٌّ عنه، وأنه أصلُ الرِّبا؛ كما قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وطائفةٌ من المالكيَّةِ وغيرُهم؛ وهو إحدى الروايتينِ عن أحمدَ، ورخَّص فيه آخَرون، والأقوى كراهتُه، واللهُ أعلمُ (١). فَصْلٌ (٢) ما يصنعُه بنو آدمَ مِن الذَّهَبِ والفِضَّة وغيرِهما مِن أنواعِ الجواهرِ والطِّيبِ واللُّؤلؤِ والياقوتِ والمِسْكِ والعَنبرِ وماءِ الوردِ، وغيرِ ذلك؛ كلُّه

стр. 499

ليس بمثْلِ ما يخلُقُه اللهُ من ذلك، بل هو مشابهٌ له من بعضِ الوجوهِ، ليس هو مساويًا له في الحدِّ وفي الحقيقةِ، وذلك كلُّه محرَّمٌ في الشرعِ بلا نزاعٍ بينَ العلماءِ الذينَ يعلمون حقيقةَ ذلك. وحقيقةُ الكيمياءِ: تشبيهُ المصنوعِ بالمخلوقِ؛ وهو باطلٌ في العقلِ، واللهُ تعالى ليس كمثلِه شيءٌ؛ لا في ذاتِه ولا في صِفاتِه ولا في أفعالِه، فلم يَقدِر العِبادُ أن يصنعوا مثلَ ما خلَق، وما يصنعونه لم يَخْلُقْ لهم مثلَه، فلم يخلُقْ طعامًا مطبوخًا، ولا ثوبًا منسوجًا. وقد استقرَّ أن المخلوقَ لا يكونُ مصنوعًا، والمصنوعُ لا يكونُ مخلوقًا عندَ المسلمِينَ وعندَ أوائلِ الفلاسفةِ الذينَ تكلَّموا في الطَّبائعِ؛ قال تعالى: ﴿أم جعلوا للهِ شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء﴾، وفي «الصحيحِ» عنه ﷺ فيما يَرْوي عن ربِّه أنَّه قال: «ومَن أظْلَمُ ممن ذهب يخلُقُ كخَلْقي، فلْيَخْلُقوا ذَرَّةً، فلْيَخْلُقوا بَعُوضَةً … » (١)؛ وقد لعَن المصوِّرينَ (٢)، وقال: «من صَوَّر صورةً كُلِّفَ أن ينفُخَ فيها الرُّوحَ، وليس بنافخٍ» (٣)، وقال: «أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ الذينَ يُضاهون خلقَ اللهِ» (٤).

стр. 500

وليس في التصوير غشٌّ وتلبيسٌ، فإنَّ كلَّ أحدٍ يعلمُ أن صورةَ الحيوانِ المصوَّرةَ ليست حيوانًا، ولهذا يُفَرَّقُ في التصويرِ بين الحيوان وغيره، فيجوزُ تصويرُ الشجرِ والمعادنِ في الثيابِ والحيطانِ، ولهذا قال جبريلُ: «مُرْ بالرأسِ فليُقْطَعْ» (١)، ونصَّ الأئمَّةُ على ذلك وقالوا: الصورةُ بلا رأسٍ لا تبقى فيها حياةٌ، فتبقى مثلَ الجماداتِ، وأما الكيمياءُ فإنها غِشٌّ؛ وقد قال: «مَن غَشَّنا فليس منَّا» (٢). ولم يكُنْ في الأنبياءِ ولا الصلحاء ولا العلماءِ مَن هو من أهلِ الكيمياءِ، وأقْدَمُ من يُحْكى عنه: خالدُ بن يزيدَ بنِ معاويةَ، وليس هو ممن يقتَدي به المسلمون في دينِهم، فإن ثبَتَ النقلُ عنه فقد دُلِّسَ عليه، فإنها على مراتبَ؛ منها: ما يفسُدُ بعدَ بضْعِ سنينَ أو أكثرَ؛ كما دُلِّسَ على غيرِه؛ كمحمدِ بنِ زكريا الرازيِّ المُتَطَبِّبِ، وكان من المصحِّحين لها، وما أعلمُ في الأطباءِ الإسلاميينَ من كان أبلغ فيها منه، وهي أشدُّ تحريمًا من الرِّبا. ومن قال: إن الرسول ﷺ كان يعرف ذلك؛ فقولُه مستلزِمٌ للكفرِ، وهو يقول: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه﴾، وقد كان يمكنُه أن يعملَ الكيمياءَ على قولِ هذا المفتري، وكثيرًا ما يُضمُّ إليها السحرُ، كما كان ابنُ سبعينَ والسُّهْرَوَرْديُّ المقتول والحلَّاجُ، والسِّحرُ من

стр. 501

الكبائرِ، والسيمياءُ هي مِن السِّحْرِ (١). فَصْلٌ بيعُ الدَّراهمِ بأنصافٍ ، وأصلُه مسألةُ مُدِّ عَجْوةٍ، وهي على ثلاثةِ أقسامٍ، يجمعُها: بيعُ رِبَويٍّ بجنسِه، ومعهما أو معَ أحدِهما مِن غيرِ جنسِه: القسمُ الأولُ: أن يكونَ المقصودُ بيعَ ربويٍّ بجنسِه متفاضلًا، ويُضَمَّ إلى الأقلِّ غيرُ الجنسِ حيلةً، مثلُ بيع ألْفَي دينارٍ بألفِ دينارٍ ومنديلٍ؛ فالصوابُ في مثلِ هذا: الجزمُ بالتحريمِ، كما هو مذهَبُ مالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ، وإلا فلا يعجِزُ أحدٌ في رِبَا الفضلِ. القسمُ الثاني: أن يكونَ المقصودُ بيعَ غيرِ رِبَويٍّ مع ربويٍّ، وإنما دخل الرِّبَويُّ ضمنًا وتَبَعًا؛ كبيعِ شاةٍ ذاتِ صوفٍ ولبنٍ بشاةٍ ذاتِ صوفٍ ولبنٍ، أو سيفٍ فيه فِضَّةٌ يسيرةٌ بسيفٍ أو غيرِه فيه فِضَّةٌ، أو دارٍ مموَّهٍ بدارٍ؛ فهنا الصحيحُ في مذهَبِ مالكٍ وأحمدَ: الجوازُ. وكذلك لو كان المقصودُ بيعَ الرِّبويِّ بغيرِ الربويِّ؛ مثلُ بيعِ الدارِ والسيفِ بذهبٍ، أو بيعِه بجنسِه وهما متساويان. ومَسْألةُ الدراهمِ المغشوشةِ في زمانِنا من هذا البابِ؛ فإن الفِضَّةَ

стр. 502

التي في أحدِ الدِّرهمين مثلُ الفِضَّةِ التي في الدِّرهمِ الآخرِ، والنُّحاسُ تابعٌ غيرُ مقصودٍ، ولهذا كان الصحيحُ جوازَ ذلك؛ بخلافِ القسمِ الثالثِ؛ وهو ما إذا كان كلاهما مقصودًا؛ مثلَ بيعِ مُدِّ عَجْوةٍ ودرهمٍ بمدِّ عجْوةٍ ودرهم، أو مُدَّينِ، أو دِرْهَمَينِ، أو بيعِ دينارٍ بنصفِ دينارٍ وعشَرةِ دراهمَ، أو عشَرةِ دراهمَ ورِطْلِ نُحاسٍ بعشَرةٍ ورِطْلِ نُحاسٍ؛ فمثلُ هذه فيها نزاعٌ مشهورٌ: فأبو حنيفةَ يجوِّزُه، والشافعيُّ يُحَرِّمُه، وعن أحمدَ روايتانِ، ومالكٌ يُفَصِّلُ بينَ الثلثِ وغيرِه (١). وقال في موضعٍ آخَرَ: وهو الأشبهُ؛ إذ لم تشتملْ على الرِّبا، والأصلُ حَمْلُ العقودِ على الصحَّةِ، فحصَلَ أن بيع الدراهمِ النُّقْرةِ التي ثُلُثُها فِضَّةٌ، بالسُّودِ التي ربُعُها فِضَّةٌ؛ مُخَرَّجةٌ على مُدِّ عَجْوةٍ، والناسُ بينَ مُفَرِّطٍ ومتوسِّطٍ. فإذا كان المقصودُ بيعَ الرِّبَويِّ بجنسِه متفاضِلًا؛ فحرامٌ. وإن كان المقصودُ البيعَ الجائزَ وما فيه مِن رِبَويٍّ تَبَعٌ؛ فالصوابُ جوازُه، كما جاز في الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِه بيعه تبعًا. وأما إنْ كان كِلا الصِّنفَينِ مقصودًا؛ ففيها النِّزاعُ المشهورُ: منهم مَن حرَّمه؛ لكونِه ذريعةً إلى الرِّبا، أو لكونِ الصِّفةِ المشتمِلةِ على عِوَضَينِ ينقسمُ الثمنُ عليهما بالقيمةِ؛ وهو مذهَبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ في روايةٍ.

стр. 503

والروايةُ الأخرى: يجوزُ إذا كان المفردُ أكثرَ. وجوَّزه أبو حنيفةَ. فبيعُ النُّقْرةِ بالنُّقْرةِ المَغشوشتين؛ الغشٌّ تبعٌ، والنُّقْرةِ بالسَّوداءِ (١) إذا لم يقصِدْ بيعَ فِضَّةٍ بفضَّةٍ متفاضلًا؛ يُخَرَّجُ على النِّزاع المشهورِ في مُدِّ عَجْوةٍ (٢).

стр. 504

كِتَابُ الأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا (١) إذا باع الرجلُ سلعتَه ، وأُخِذ عليها مَكْسٌ من البائعِ أو من المشتري؛ لم يُحَرِّمْ ذلك السِّلْعةَ ولا الشراءَ؛ لا على بائعِها ولا على مُشْتريها، ولا شُبْهةَ في ذلك أصلًا؛ ولو كان المأخوذُ بعضَ السِّلْعةِ؛ كسواقِطِ الشَّاةِ مثلًا. وأما إذا ضمِنَ نوعًا من السِّلعِ لا يبيعُها إلا هو؛ فهو ظالمٌ، وهذا نوعان: منهم من يستأجِرُ حانوتًا بأكثرَ من قيمتِها- إما لمُقْطِعٍ أو غيرِه- على ألَّا يبيعَ في المكانِ إلا هو، أو يجعلَ عليه مالًا يُعطيه لمُقْطِعٍ أو غيرِه بلا استئجارِ حانوتٍ ولا غيرِه؛ وكِلاهما ظالمٌ. النوعُ الثاني: ألا يكونَ عليهم ضمانٌ؛ لكن يلتزمون بالبيعِ للناسِ؛ كالطَّحَّانينَ والخَبَّازينَ ونحوِهم ممن ليس عليهم وظيفةٌ، لكن عليه أن يبيعَ كلَّ يومٍ شيئًا مقدرًا، ويمنعون مَن سواهم من البيعِ، ولهذا جاز التسعيرُ على هؤلاءِ، وإن لم يجُزِ التسعيرُ في الإطلاقِ؛ فإنهم قد وجَبت عليهم المبايعةُ لهذا الصِّنفِ، ومُنِعَ من ذلك غيرُهم، فلو مُكِّنوا أن يبيعوا

стр. 505

بما شاؤوا؛ كان ظُلْمًا للمساكينِ؛ بخلافِ ما إذا كان الناسُ كلُّهم متمكِّنينَ من ذلك؛ لكن لم يجُزْ أن يُلْزَموا أن يبيعوا بدونِ ثمنِ المثلِ، كما لا يبيعوا بما شاؤوا. وهل يجوزُ أن يَلتزِموا بمثلِ ذلك؟ فيقالُ: أمَّا إذا اختاروا أن يقوموا بما يحتاجُ الناسُ إليه من تلك المَبيعاتِ، وألَّا يبيعوا إلا بقيمةِ المثلِ؛ على أن يُمْنَعَ غيرُهم من البيعِ، ومن اختار الدخولَ معهم في ذلك مُكِّنَ: فهذا لا يتبيَّنُ تحريمُه؛ بل قد يكونُ فيه مصلحةٌ عامةٌ للناسِ، فهم لم يُلْزَموا؛ بل دخلوا باختيارِهم، ومُنِع غيرُهم لمصلحةٍ عامَّةٍ للناسِ، فإن دخَل في هذه المصلحةِ؛ مُكِّنَ. وقد يُقالُ: هذان نوعانِ من الظُّلمِ: إلزامٌ الشخص أن يبيعَ، وأن يكونَ بيعُه بثمنِ المثلِ، وفي هذا فسادٌ، وحينئذٍ فإن كان أمرُ الناسِ صالحًا بدونِ هذا؛ لم يجُزِ احتمالُ هذا الفساد بلا مصلحةٍ راجحةٍ، وأما إن كان بدونِ هذا لا يحصُلُ للناسِ ما يَكْفيهم من الطعامِ ونحوِه، أو لا يُكفَوْن ذلك إلا بأثمانٍ مرتفعةٍ، وبذلك يحصُلُ ما يَكْفيهم بثمنِ المثلِ؛ فهذه المصلحةُ العامَّةُ يُغْتَفرُ في جانبِها ما ذُكِرَ من المنعِ. وأما إذ أُلْزِمَ الناسُ بذلك ففيه تفصيلٌ: فإن الناسَ إذا اضْطُرُّوا إلى ما عندَ الإنسانِ من السِّلْعةِ والمنفعةِ؛ وجَب عليه أن يَبذُلَ لهم بقيمةِ المثلِ، وَمنْعَه: ألَّا يبيعَ سلعةً حتى يبيعَ مقدارًا معيَّنًا، وتفصيلُ ذلك ليس هذا موضعَه. إذا تبيَّنَ ذلك؛ فالذي يضمنُ كُلْفةً من الكُلَفِ على ألَّا يبيعَ السِّلْعةَ

стр. 506

إلا هو، ويبيعُها بما يختارُ؛ لا رَيْبَ أنه مِن جنس ظلمِ الكُلَفِ السُّلطانيةِ، وسبيلُ أهلِ الوَرَعِ لا يأكُلون مِن الشِّواءِ المضَمَّنِ أو المِلْحِ المُضَمَّنِ؛ فإنه مكروهٌ لأجلِ الشُّبْهةِ؛ فإنه إذا كان لا يبيعُ إلا هو بما يختارُ؛ صار كأنه يُكْرِه الناسَ على الشِّراءِ منه، فيأخذُ منهم أكثرَ مما يجبُ عليهم، ويختلطُ بمالِه فيكونُ بمالِه شُبْهةٌ. ومَن أخذ ذلك من المباحِ - وإن كان إنما يأخذُه بضمانٍ-؛ فليست كغيرِها؛ فإن أصلَ المِلْحِ مشتركٌ بينَ الناسِ، فلا يحرُمُ شراؤُها؛ لأن المشتريَ لا يظلمُ أحدًا، والمباحُ لم يملِكْه بمالِه، فيجوزُ للمشتري دفعُ المالِ ليأخُذَ ما كان له أخذهُ بغيرِ شيءٍ، كما يجوزُ أن يشتريَ الرجلُ ملكَه المغصوبَ من غاصبِه، وله بذْلُ ثمنِه وإنْ حَرُمَ على البائعِ، كما يجوزُ رِشْوةُ العاملِ ليدفعَ الظُّلمَ لا لمنعِ الحقِّ، وإرشاؤه حرامٌ فيهما، وكذلك الأسيرُ والعبدُ المعتَقُ والزوجةُ المطَلَّقةُ؛ إذا أنكَروا ذلك، جاز لهم دفعُ شيءٍ ليُقِرُّوا بالحقِّ، وإنْ حرُم على الآخذِ، ومن ذلك قولُه ﷺ : «ما وُقِيَ به العِرْضُ؛ فهو صدقةٌ» (١). فلو أعطى الرجلُ شاعرًا لئلَّا يكذبَ عليه بِهَجْوٍ أو غيرِه، أو لئلَّا يقولَ في عِرْضِه ما يحرُمُ عليه؛ كان بَذْلُه لذلك جائزًا، وما أخذه ذلك لئلَّا يَظْلِمَه حرامٌ؛ لأنه يجبُ عليه تَرْكُ ظُلْمِه، وتَرْكُ الكذبِ عليه بلا عِوَضٍ، فإذا لم يتركْه إلا لمالٍ؛ كان حرامًا، تُسمِّيه العامةُ: قَطَعَ مصانعَه.

стр. 507

فالمباحاتُ التي يشترِكُ فيها المسلمون؛ كالصُّيود البريَّةِ والبحريَّةِ والمعادنِ؛ إذا حجرها السلطانُ وأمَر ألَّا يأخُذَها إلا نوَّابُه، وتُباعَ للناسِ؛ لم يحرُمْ على الناسِ شراؤُها، ونوَّابُ السُّلطانِ يَستخرجونها بأثمانِها التي أخذوها ظلمًا، ونحوُ ذلك من الظُّلْمِ. قيل: تلك الأموالُ أُخِذَت من المسلمِينَ ظلمًا، فالمسلمون هم المظلومون، وذلك لا يحرِّمُ عليهم ما كان حلالًا لهم، وهذا ظاهرٌ فيما إذا كان الظلمُ فيه مناسبًا، مثلُ أن يُباعَ كلُّ مقدارٍ بثمنٍ معيَّنٍ، ويُؤْخَذَ من تلك الأثمانِ ما يُستخرجُ به تلك المباحاتِ؛ فلا شبهة هنا على المشتري أصلاً، وإن كان ما يستخرج به تلك المباحات بدونِ المعاملةِ بالأموالِ السُّلطانيةِ المشتركةِ. أمَّا لو سخَّر نوَّابُ السلطانِ بغيرِ حقٍّ مَن يستخرِجُ تلك المباحاتِ؛ فهذا بمنزلةِ أن يغصِبَ من يَطبُخُ له طعامًا، أو ينسِجُ له ثوبًا، أو يطبُخُ بحطبٍ مغصوبٍ؛ فهذا فيه شُبْهةٌ، وطريقُ التخلُّصِ: أن ينظُرَ النفعَ الحاصلَ في تلك العينِ بعملِ المظلومِ، فيُعطى أجرتَه، وإن تعذَّر معرفةُ المظلومِ تصدَّقَ بها عنه، كما لو اختلَط مالُه بما غصَبه، فلا يوجِبُ تحريمَ مالِه عليه؛ لأنَّ المحرَّماتِ نوعانِ: محرَّمٌ لوصفِه وعينِه، كالدَّمِ والميتةِ، فهذا إن اختلط بالمائعِ وظهَر فيه؛ حَرُمَ. ومُحَرَّمٌ لكَسْبِه؛ كالنقْدَينِ والحبوبِ والثِّمارِ وأمثالِه، فهذا لا تحرُمُ أعيانُها تحريمًا مُطْلقًا؛ بل تحرُمُ على من أخذها ظُلْمًا أو بوجهٍ مُحَرَّمٍ،

стр. 508

فإذا أخَذ الرجلُ منها شيئًا، وخلَطَه بمالِه؛ فالواجبُ إخراجُ قدْرِه، وقدرُ مالِه حلالٌ له. ولو أخْرَجَ مثلَ المال الحرامِ من غيرِه؛ ففيه وجهانِ لأصحابِ أحمدَ والشافعيِّ، وهذا أصلٌ فيما يحصُلُ في يدِ الإنسانِ مِن وديعةٍ وعاريَّةٍ وغصبٍ ولا يَعْرِفُ صاحبُها، يتصدَّقُ بها عنه في مصالحِ المسلمِينَ؛ على مذهَبِ مالكٍ وأحمدَ وأبي حنيفةَ وغيرِهم، ويجوزُ للفقراء أخْذُها، فإنَّ المعطيَ نائبُ صاحبِها؛ بخلافِ من تصدَّقَ مِن غُلولٍ؛ وهو الذي يَحوزُ المالَ ويتصدَّقُ به؛ معَ إمكانِ ردِّه، أو يتصدَّقُ به صدقةَ متقرِّبٍ كَمالِه، وأما ذاك فيتصدَّقُ صدقةَ متحرِّجٍ متأثِّمٍ؛ بمنزلةِ أداءِ الدَّينِ وأداءِ الأمانات إلى أصحابها؛ وهو قولُ ابنِ مسعودٍ (١) ومعاويةَ ﵄ (٢)، وقال

стр. 509

في اللُّقَطةِ: «فإن جاء صاحبُها، وإلا فهي مالُ اللهِ يُؤتيه مَن يشاءُ» (١)؛ فجعَلها للملتقِطِ لمَّا تعذَّرَ معرفةُ صاحبِها، ولا خلافَ بينَ المسلمِينَ في جوازِ صدقتِه بها، وإنما نِزاعُهم في جوازِ تملُّكِه لها معَ الغِنى، الجمهورُ على جوازِه؛ معَ الجزمِ أنها سقَطَتْ من مالكٍ، فكيفَ بما يُجْهَلُ به ذلك؟ فَصْلٌ في كلبٍ تولَّدَ (٢) على نَعجةٍ ، فولدَتْ خروفًا؛ نصفُه كلبٌ ونصفُه خروفٌ، وهو نِصفانِ بالطولِ: لا يؤكَلُ منه شيءٌ وإن كان مميَّزًا، ولأن الأكلَ بعدَ التذكيةِ، ولا يصِحُّ تَذْكيةُ مثلِ هذا لأجلِ الاختلاطِ (٣). وأما المتولِّدُ من حمارِ وَحْشٍ وفَرَسٍ ؛ فهو بَغْلٌ حلالٌ؛ بخلافِ المتولِّدِ بينَ حمارٍ إنسيٍّ (٤).

стр. 510

وعَناقٌ أرضعَتْها امرأةٌ؛ يجوزُ أكلُها وشُرْبُ لبنِها (١). وما رُوِيَ في البطِّيخِ أنه مكتوبٌ عليه: (لا إلهَ إلا اللهُ)، (ومَن أكَلَه بقِشْرِه، فله كذا، وببَزْرِه فله كذا)؛ فكُلُّه كذِبٌ (٢). ولا بأسَ بالأكلِ والشُّربِ قائمًا معَ العُذْرِ ؛ كما شَرِب ﷺ مِن زمزمَ قائمًا (٣)؛ لأنه ليس موضعَ جلوسٍ، وأما معَ عدمِ الحاجةِ فيُكْرَهُ؛ لنهيِه عنه (٤)، وبهذا التفصيلِ يحصُلُ الجمعُ بينَ النصوصِ، وفيه عن أحمدَ روايتانِ؛ قيل: يُكْرَهُ، وقيلَ: لا (٥). مَن قال: إنه قال: «أكْلُ العِنَبِ دُو دُو» (٦)؛ كذِبٌ لا أصلَ له. ومَن أكَل الطيِّباتِ بدونِ الشُّكرِ الواجبِ فهو مذمومٌ؛ قال تعالى:

стр. 511

﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾؛ أي: عن شُكْرِ النعيمِ. والإسرافُ في الأكلِ مذمومٌ، وهو مجاوَزةُ الحدِّ. ومَن أكَل بنيَّةِ الاستعانةِ على العِبادةِ؛ كان مأجورًا (١). وإذا أضاف الرجلَ مَن في مالِه شُبْهةٌ قليلةٌ، وفي التَّرْكِ مفسدةٌ مِن قطيعةِ رحِمٍ أو فسادِ ذاتِ البَيْنِ؛ فَلْيُجِبْه، وإن لم يكُنْ في التَّركِ مفسدةٌ، بل فيه مصلحةُ تَوقِّيه الشبهةَ، ونَهْيُ الداعي عن قليلِ الإثم، وإن كان في الإجابةِ مصلحةُ الإجابةِ فقط، وفيها مفسدةُ الشبهةِ؛ فأيُّهما أرجحُ؟ فيه نزاعٌ أظنُّه (٢). وقولُهم: «مَن أكَل معَ مغفورٍ غُفِرَ له» ؛ لم يُنقَلْ عنه ﷺ يقظة، وإنما ذُكِر أنه رَأْيُ منامٍ رآه؛ وليس هذا على إطلاقِه صحيحًا (٣). وأكْلُ الحيَّاتِ والعقاربِ ؛ حرامٌ مُجَمَعٌ عليه؛ فمَن أكَلَها مستحِلًّا؛ استُتيبَ، ومَن اعتقدَ التحريمَ وأكَلَها، فهو فاسقٌ عاصٍ للهِ ورسولِه، فكيفَ يكونُ صالحًا؟ ولو ذَكَّى الحيَّةَ كان أكْلُها بعدَ ذلك حرامًا عندَ جماهيرِ العلماءِ.

стр. 512

وأمَّا مَن يأكُلُ الحيَّةَ، ويجعلُه مِن بابِ الكراماتِ؛ فهو شرٌّ ممَّن يأكُلُها فِسْقًا؛ لأنَّ كراماتِ الأولياءِ لا تكونُ بما نهى اللهُ عنه مِن أكْلِ الخبائثِ، كما لا تكونُ بتركِ الواجباتِ. ولا يجوزُ إعانةُ هؤلاءِ بالصدقةِ ونحوِها؛ على أن يقيموا السَّماعاتِ المحرَّمةَ، ويفعلون ما لا يُرضي اللهَ تعالى؛ من إقامةِ مشيخةٍ تخالفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، ولا يعطَى رزقَه على مشيخةٍ جاهليةٍ تخالفُ كتابَ اللهِ، وإنما يُعانُ بالرزقِ مَن قام بطاعةِ اللهِ ورسولِه، ودعا إلى طاعةِ اللهِ ورسولِه (١). والسياحةُ في البلادِ لغيرِ مقصِدٍ مشروعٍ كما يُعانيه بعضُ النُّسَّاكِ؛ أمرٌ منهيٌّ عنه، قال الإمامُ أحمدُ: (ليست السياحةُ من الإسلامِ في شيءٍ، ولا مِن فِعْلِ النبيِّينَ ولا الصالحينَ، وقولُه: ﴿السائحون﴾ المرادُ به: الصيَّامُ (٢).

стр. 513

فَصْلٌ فِي بَيْعِ الأُصُولِ وَالثِّمِارِ إذا ضُمِّنَ البستانُ ؛ بحيثُ يكون الضامنُ هو الذي يزدرعُ (١) أرضَه، ويسقي شجرَه، كالذي يستأجرُ الأرضَ؛ فلِلْعُلماءِ في ذلك ثلاثةُ أقوالٍ: أحدُها: أنها داخلةٌ في النَّهْيِ عن بيعِ الثمرةِ حتى يبدُوَ صلاحُها. وعلى هذا: فمنهم من يحتالُ على ذلك بإجارةِ الأرضِ والمُساقاةِ على الشَّجرِ، كما يقولُه طائفةٌ مِن أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، وبعضُ أصحابِ أحمدَ منهم القاضي أبو يعلى في كتابِ «إبطالِ الحِيَلِ»، والمنصوصُ عن أحمدَ: بطلانُ ذلكَ. القولُ الثاني: يفرَّقُ بينَ كونِ الأرضِ كثيرةً أو قليلةً؛ فإن كانتِ الأرضُ البيضاءُ أكثرَ من الثُّلُثَينِ، والشجرُ أقلَّ من الثُّلثِ؛ جاز إجارةُ الأرضِ، ودخل فيها بيعُ الثمرِ تَبَعًا؛ وهذا قولُ مالكٍ، وفي وقْفِ الثُّلثِ قولان. القولُ الثالثُ: جوازُ ذلك مطلقًا؛ وهذا قولُ طائفةٌ من السَّلَفِ والخَلَفِ؛ منهم ابنُ عَقيلٍ وغيرُه؛ وهو المأثورُ عن الصحابةِ، فقد روي عن عمرَ بإسنادٍ ثابتٍ: «أنه قَبَّلَ حديقةَ أُسَيدِ بنِ حُضَيرِ لما ماتَ ثلاثَ سنينَ وتسَلَّفَ القَبالةَ، ووفَّى دينَه» (٢)، ولم ينكِرْ ذلك أحدٌ.

стр. 514

وأيضًا: وضَعَ الخَراجَ على أرضِ الخَراجِ والأعيانِ (١)، والخَراجُ أجْرةٌ عندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ في المشهور. وهذا القولُ أصحُّ الأقوالِ؛ وبه يزولُ الحَرَجُ عن المسلمِينَ، وله مأخذان: أحدُهما: أنه لا بدَّ من إجارةِ الأرضِ، ولا يمكنُ إلا معَ الشجرِ، فجاز للحاجةِ؛ كما إذا بَدا بعضُ صلاحٍ في شجرةٍ؛ جاز بيعُ جميعِها اتفاقًا، وقد يدخُلُ من الغَرَرِ في العقودِ (٢) ما لا يدخُلُ أصلًا؛ كأساساتِ الحِيطِ وداخله، وما يدخُلُ من الزِّيادةِ بعدَ بدوِّ الصلاحِ، وكما جاز بيعُ العرايا للحاجةِ، والمُضارَبة والمُساقاة والمُزارعة تبعاً. المأخذُ الثاني: أن النبيَّ ﷺ «نهى عن بيعِ الثمرةِ قبلَ البُدُوِّ في صلاحِها، والحَبِّ قبلَ اشتداد حبِّه» (٣)، ثم إنه يجوزُ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ إجارةُ الأرضِ لمن يعمَلُ عليها حتى ينبُتَ الزَّرعُ، وليس ذلك بيعًا للحَبِّ. كذلك تقبيلُ الشجرِ لمن يعملُ عليه حتى يُثْمِرَ؛ ليس هو بيعًا للثمرةِ، ألَا تَرى أن المزارعةَ على الأرضِ كالمُساقاةِ على الشجرِ! وأنَّ إعارةَ الأرضِ كإعارةِ الشجرِ! فالثمرةُ - وإن كانت أعيانًا- فإنها تَجْري

стр. 515

مَجْرى الفوائدِ والنَّفْعِ؛ لأنها يُسْتَخْلَفُ بَدَلُها، كاللبنِ في استرضاعِ الظِّئْرِ؛ لمَّا كان يُسْتَخْلَفُ بَدَلُه أُجريَ مُجْرى النفعِ، ولهذا في بابِ بيعِ الثمرِ إنما يقومُ بسَقيِها وكمالِها البائعُ. والقَبالةُ التي فعَلها عمرُ؛ إنما يقومُ فيها بسَقيِ الشجرِ ومُؤْنةِ حصولِ الثمرِ المتصلِ هو المتقبِّلُ؛ فلا يُقاسُ هذا بهذا. ونهيُه عن بيعِ الثمرِ حتى يبدوَ صلاحُه لم يتناوَلْ هذه القَبالةَ بلا رَيْبٍ، ثم إنْ قُدِّرَ أن الثمرةَ لم تُطْلِعْ أو تَلِفَ بعدَ إطلاعِه بدونِ تفريطِ المتقبِّلِ؛ كان بمنزلةِ تعطُّلِ المنفعةِ في الإجارةِ؛ وهو لا يستحِقُّ أجرةً إلَّا إذا تمكَّنَ المستأجرُ من الانتفاعِ. وأما إذا كان المشترَى مجرَّدَ الثمرةِ فقط، ومُؤْنةُ السَّقْي على البائعِ، وقد أطْلَعَ الثمرُ ولم يَبْدُ صلاحُ جميعِه؛ بل نوعٌ دونَ نوعٍ؛ ففيه قولانِ: أحدُهما: يجوزُ بيعُ جميعِ البُستانِ؛ لأن في التفريقِ ضَرَرًا؛ وهو أقوى مِن الثانِي مِن أنَّه لا يجوزُ؛ وهو المشهورُ، وإذا استُثْنيَتِ العريَّةُ من المُزابنةِ للحاجةِ، فَلَأَنْ يجوزَ بيعُ النوعِ تَبَعًا لنوعٍ آخَرَ، معَ أن الحاجةَ إلى ذلك أشدُّ وأَوْلى. ونهيُه عن بيعِ الثمرةِ حتى يبدُوَ صلاحُها، قد خُصَّ منه بيعُها تَبَعًا للشجرةِ؛ فعُلِم أنه إنما نهى عن مفردِ بيعِ الثمرةِ، كنهيِه عن الذَّهَبِ والحريرِ مفردًا، والحملُ لا يجوزُ إفرادُه، ويجوزُ تَبَعًا. وسرُّ الشريعةِ: أن الفعلَ إذا اشتمل على مفسدةٍ مُنِعَ منه؛ إلا إذا عارَضَها مصلحةٌ راجحةٌ؛ كما في إباحةِ الميتةِ للمضطرِّ، وبيعُ الغَرَرِ نهى

стр. 516

عنه لأنه نوعُ مَيْسِرٍ؛ مِن كونِه أكْلَ مالٍ بالباطلِ، فإذا عارَضَه ضررٌ أعظمُ منه أباحه؛ دفعًا لأعظمِ الفسادَينِ باحتمالِ أدناهما، واللهُ أعلمُ (١). ويجوزُ بيعُ القصبِ السُّكَّرِ والجَوْزِ واللَّوْزِ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، وكذلك اللفتُّ والقُلقاسُ في أصحِّ القولَينِ؛ وهو قولٌ لأحمدَ، وكذلك بيعُ المَقاثي بعروقِها، وكلُّ ذلك مِن بابِ تجويزِه للحاجةِ؛ لأن في تحريمِه فسادًا أعظمَ منه عندَ جوازِه. ثم إن الجوائحَ توضَعُ إن تَلِفَ كالثمرةِ، والشريعةُ استقرَّتْ على أن ما يحتاجُ إلى بيعِه يجوزُ، وإن كان معدومًا؛ كالمنافعِ وأجزاءِ الثمرِ الذي لم يَبْدُ صلاحُه معَ الأصلِ، والذي بدا صلاحُه مطلقًا؛ كما استقرَّ أن ذلك يجوزُ تَبَعًا، وإن لم (٢) يجُزْ مفردًا، ومنه ما روى مسلمٌ: «من باعَ عَبْدًا وله مالٌ، فمالُه للبائعِ إلا أن يشترِطَه المُبْتاعُ» (٣).

стр. 517

فَصْلٌ ظاهرُ مذهَبِ أحمدَ: أن ما كان متعيِّنًا بالعقدِ؛ لا يحتاجُ إلى توفيةٍ بكيلٍ أو وزنٍ ونحوِهما؛ بحيثُ يكونُ المشتري قد تمكَّنَ من قبضِه، فهو مِن ضمانِه؛ قبَضَه أو لم يقبِضْه؛ كصُبْرةٍ اشتراها جِزافًا ونحوِه؛ وهو قولُ مالكٍ. أما عند (١) الشافعيِّ وأبي حنيفةَ: فإنها من ضمانِ البائعِ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارها أبو محمدٍ. لكنَّ الصوابَ في ذلك متنوعةٌ؛ فمذهبُ أبي حنيفةَ: لا يَدْخُلُ المبيعُ كلُّه في ضمانِ المشتري إلا بالقبضِ، إلا العَقارَ. وعند الشافعيِّ: العقارُ وغيرُه سواءٌ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ. وعن أحمد روايةٌ بالفرقِ بينَ المَكيلِ والموزونِ وغيرِهما. وروايةٌ بالفرقِ بينَ الطعامِ وغيرِه. وروايةٌ بينَ المطعومِ المَكيلِ الموزونِ وغيرِه. وهذا في القبضِ عنه؛ كالرواياتِ (٢) في الرِّبا (٣).

стр. 518

وهل جوازُ التصرُّفِ والضمانِ متلازمانِ ؟ فيه نزاعٌ. فطريقةُ القاضي أبي يَعْلى وأصحابِه والمتأخِّرينَ من أصحابِ أحمدَ معَ أبي حنيفةَ والشافعيِّ: يقولون بتلازمِ التصرفِ والضمانِ؛ فما دخل في ضمانِ المشتري جاز تصرُّفُه فيه، وما لا فلا. وطرَد الشافعيُّ ذلك في بيعِ الثمارِ على الشَّجرِ، فلم يقُلْ بوضْعِ الجوائحِ؛ بناءً على أن المشتريَ إذا قبَضَها وجاز تصرُّفُه فيها؛ صار ضمانُها عليه. والقولُ الثاني في مذهَبِ أحمدَ الذي ذكَره الخِرَقيُّ وغيرُه من المتقدمينَ، وعليه تدلُّ أصولُ أحمدَ: أن الضمانَ والتصرفَ لا يتلازمانِ، ولهذا كان ظاهرُ مذهبِه بوضْعِ الجوائحِ في الثمارِ، وظاهرُ مذهبهِ جواز تصرُّفِه فيها بالبيعِ وغيرِه؛ فيجوزُ تصرُّفه فيها معَ كونِ ضمانِها على البائعِ، فهي كمنافعِ الإجارةِ مضمونةٌ على المؤجِّرِ قبلَ الاستيفاءِ، فلو ماتت الدابَّةُ وتعطَّلَت المنافعُ؛ كانت من ضمانِ المؤجِّرِ؛ معَ أنه يجوزُ للمستأجرِ التصرُّفُ فيها حتى بالبيعِ في ظاهرِ المذهبِ. ولهذا كان ظاهرُ مذهبِه في بابِ ضمانِ العقدِ: الفرقَ بينَ ما تَمكَّنَ مِن قبضِه وما لم يتمكَّنْ، ليس هو الفرقَ بينَ المقبوضِ وغيرِه؛ كما قال الخِرَقيُّ وغيرُه في بيعِ الصُّبرةِ المتعينةِ جِزافًا: تدخلُ في ضمانِ المشتري بالعقدِ، ولا يجوِّزونَ للمشتري بيعَها حتى ينقُلَها، فجازَ التصرُّفُ في الثمرةِ معَ كونِ ضمانِها على البائعِ، ومَنَعَ في الصُّبرةِ معَ كونِ ضمانِها على المشتري، فثبَت عدمُ التلازُمِ.

стр. 519

ولو أُعْتِقَ العبدَ المَبيعَ قبلَ قبضِه، نفَذَ عتقُه إجماعًا. وقد تنازَعَ الناسُ في الهِبَةِ وغيرِها، وأصولُ الشريعةِ توافقُ هذه الطريقةَ؛ فليس كلُّ ما كان مضمونًا على شخصٍ جازَ له التصرفُ فيه؛ كالمغصوبِ والعاريَّةِ، وليس كلُّ ما جاز التصرُّفُ فيه كان مضمونًا على المتصرِّفِ، كالمالكِ له أن يتصرَّفَ في المغصوبِ والمُعارِ؛ فيبيعُ المغصوبَ من غاصبِه أو من يقدِرُ على تخليصِه، وإن كان مضمونًا على الغاصبِ؛ كما أن الضمانَ بالخراجِ إنما هو فيما اتَّفَقَ مِلْكًا ويدًا. وأما إذا كان المِلْكُ لشخصٍ واليدُ لآخرَ؛ فقد يكونُ الخراجُ للمالكِ، والضمانُ على القابضِ. ويجوزُ بيعُ الدَّينِ لمن هو عليه، وعند مالك: ولغيرِ من هو عليه، وهو روايةٌ عن أحمد، معَ أن الدَّينَ ليس مضمونًا على المالكِ. وأيضًا: فالبائعُ إذا أمكنَ المشتريَ من القبضِ؛ فقد قَضى ما عليه. وظاهرُ المذهبِ في الثمرةِ إذا بيعَتْ بعدَ بدُوِّ الصلاحِ؛ أنها من ضمانِ البائعِ؛ لأنَّ عليه الحفظ (١) إلى كمالِ الجِذاذِ، والمشتري لم يتمكَّنْ مِن جِذاذِها، ولكن جاز تمكنه به منها إذا خلَّى بينَه وبينَها، فجعل في التصرُّفِ قبضُها: التخليةُ، وجعلَ في الضمانِ قبْضُها: التمكُّنُ من الانتفاعِ، الذي هو المقصودُ بالعقدِ.

стр. 520

ولغموضِ مأخذِ هذه المسائلِ كَثُر تنازُعُ الفقهاءِ فيها، وكثيرٌ منهم لم يلحَظْ فيها معنًى؛ بل يتمسَّكُ فيها بظاهرِ النصوصِ (١). أجرةُ المِثْلِ في الأرضِ المغروسةِ ؛ تُقَوَّمُ الأرضُ بيضاء لا غِراسَ فيها، لِأَنْ يُغرَسَ فيها (٢)؛ فما بلَغ فهو أُجْرة المِثْلِ (٣).

стр. 521

فَصْلٌ في المُصَرَّاةِ وغيرِها لا يجوزُ بيعُ المَغْشوشِ ولا عملُه إذا لم يُعْلَمْ قدْرُ الغشِّ، ولو أعْلَمَ المشتريَ أنه مغشوشٌ؛ لم يجُزْ بيعُه، كاللَّبَنِ المَشوبِ، والصُّوفِ المشوبِ بالمُشاقَةِ (١)؛ لأن المشتريَ لا يعلَمُ قدْرَ الخَلْطِ، فيبقى البيعُ مجهولًا، وكلُّ ما كان من الغِشِّ في المطاعمِ والملابسِ وغيرِها. وقد أفتى طائفةٌ من العُلَماءِ مِن أصحابِ مالكٍ وأحمدَ وغيرِهما: أن مَن صنَعَ مثلَ هذا؛ فإنه يجوزُ أن يعاقَبَ بتمزيقِ الثَّوْبِ الذي غشَّه، والتَّصدُّقِ بالطعامِ الذي غشَّه، كما يجوزُ شَقُّ ظروفِ الخَمْرِ، وكسرُ دِنانِها، وكما أمَر عمرُ بتحريقِ مكانٍ يُباعُ فيه الخمرُ (٢)، وقد نصَّ عليه أحمدُ وغيرُه، وكما «أمَر النبيُّ ﷺ بتحريقِ الثوبَيْنِ المُعَصْفَرَينِ» رواه مسلمٌ (٣)، وكما حرَّق موسى العِجْلَ، ولم يُعِدْه إلى أهلِه، وكما تُكْسَرُ آلاتُ الملاهي.

стр. 522

وهذه تُبْنى على أن العقوباتِ في الأموالِ تتبعُ حيث جاءت بها الشريعةُ، كالأبدانِ يُتَّبَعُ فيها ما جاءت به الشريعةُ من العقوبة. وادَّعى طائفةٌ أن العقوباتِ الماليةَ منسوخةٌ، ولا حُجَّةَ معهم بذلك أصلًا؛ وكما أنَّ البدنَ إذا قام به الفُجور قد يُتلَفُ، كذلك الذي قام به صَنَعةُ الفُجورِ مثلُ الصنَمِ؛ يجوزُ تلفُه وتحريقُه؛ كما حرَّقَ رسولُ اللهِ ﷺ الأصنامَ (١). وكذلك مَن صنَع صنعةً مُحَرَّمةً في طعامٍ أو لِباسٍ ونحوِ ذلك (٢). ولا يجوزُ للدَّلَّالِ (٣) أن يكونَ شريكًا في أن يَزيدَ مِن غيرِ عِلْمِ البائعِ؛ لأنه لا يحبُ أن يزيدَ أحدٌ عليه، فلا ينصحَ، وإذا تواطأ جماعةٌ على ذلك استحَقُّوا التعزيرَ، ومِن تعزيرِهم أن يُمْنعوا المُناداة حتى يتوبوا، وتظهرَ توبتُهم (٤). وكلُّ بيعِ غَررٍ ؛ مثلُ الطائرِ في الهواءِ، والشَّارِدِ، والآبِقِ، والثَّمرةِ

стр. 523

قبلَ بدُوِّ صلاحِها، وبيعِ الحَصاةِ؛ مِن المَيْسِرِ الذي حرَّمه اللهُ في القرآنِ؛ لأنه إنْ قُدِرَ عليه كان المشتري قد قَمَرَ البائعَ؛ حيث أخَذ مالَه بدونِ قيمتِه، وإن لم يُقْدَرْ عليه؛ كان البائعُ قد قَمَرَ المشتريَ، وفي كلٍّ منهما أكْلُ مالٍ بالباطلِ؛ فهو قِمارٌ. ومنه: أن يبيعَه ما في (١) بطنِ الدابَّةِ ونحوِه. ويجوزُ بيعُ العَرِيَّة لحاجةِ البائعِ إلى البيع؛ كما قد بُسِطَ (٢). إذا أنْزَى على بهائمِه فَحْلَ غيرِه ؛ فالنتاجُ له، ولكن إذا كان ظالمًا في الإنزاءِ؛ بحيثُ يضُرُّ بالفحْلِ المُنْزَى؛ فعليه ضمانُ ما نقَصَ لصاحبِه، فإنْ لم (٣) يعرِفْ له صاحبًا؛ تصدَّقَ عنه، وأما إن كان لا يضرُّه؛ فلا قيمةَ له (٤). إذا مات ربُّ المال في المُضارَبةِ ؛ انفسخَتْ، ثم إذا علِمَ العاملُ بموتِه وتصرَّفَ بغيرِ إذن؛ فهو غاصبٌ. وقد اختلَف العلماءُ في الرِّبْحِ: هل هو للمالكِ فقط كنماءِ الأعيانِ؟ أو للعامِلِ فقط لأن عليه الضمانَ؟ أو يتصدَّقانِ به؛ لأنه رِبْحٌ خبيثٌ؟ أو

стр. 524

يكونُ بينَهما؟ على أربعةِ أقوالٍ؛ أصحُّها الرابعُ؛ وبه حكَم أميرُ المؤمنينَ عمرُ؛ فيما أخَذه بنوه من مال بيتِ المالِ، فاتَّجَروا فيه بغيرِ استحقاقٍ؛ فجعله مُضارَبةً (١)، وعليه اعتمد الفقهاءُ في بابِ المضاربةِ؛ لأن الرِّبْحَ نماءٌ حصَل من منفعةِ بدَنِ هذا ومالِ هذا، فكانَ بينَهما (٢). فَصْلٌ إذا أعطى لدَلَّال شيئاً من قِماشٍ يبيعُه ويختِمُه؛ فما وجد الختَّامَ، فأودعه عندَ شخصٍ أمينٍ عادتُهم يودِعون عندَه، فعَدِمَ منه شيءٌ: فإذا كان عادتُهم أن يودِعوه، وأصحابُ القِماشِ يعلمون ذلك ويُقِرُّونهم عليه؛ فلا ضمانَ على الدَّلَّالِين. وأما إنْ كان الدَّلَّالُ فرَّطَ بحيث فعلَ ما لم يؤذَنْ له فيه لفظًا ولا عُرْفًا؛ ضَمِنَ (٣). ومن أُودِعَ وديعةً فحفِظَها عندَ مالِه؛ فسُرِقَتْ دونَ مالِه؛ فيكون

стр. 525

ضامنًا للوديعةِ في أحدِ قولَيِ العلماءِ؛ هما روايتانِ؛ فإنَّ عمرَ ضمَّنَ أنسَ بنَ مالكٍ وديعةً ادعى أنها ذهبت دونَ مالِه (١). وأمَّا إن ادَّعى أنها ذهبت معَ مالِه، ثم ظهر أن مالَه لم يذهبْ، بل باعه أو نحوَه؛ فهنا أوْكَدُ أن يضمَنَ. فإذا ادَّعى صاحبُها أنه طلَبها فلم يُسَلِّمْها، أو أنه خان فيها؛ كان قولُه معَ يمينِه أقوى وأوكَدَ؛ بل يستحقُّ المودَعُ التعزيرَ على كذبِه. وإن كان من أهلِ الذمَّةِ، فشَهِدَ عليه مِن أهلِ دينِه المقبولين عندَهم؛ قُبِلَتْ شهادتُهم في أحدِ قولَيِ العلماءِ؛ هما روايتانِ، وقَبولُ شهادتِهم هنا أوْكَدُ، ومن لم يقبلْ شهادتَهم فإنه يَحْكُمُ بيمينِ المدَّعي عليه؛ لظهورِ رُجْحانِ قولِ المدَّعي في أحد قولَيْهم أيضًا. وأما مَن كان من أهلِ الذمَّةِ يُؤوي أهلَ الحربِ ويعاوِنُهم على المسلمِينَ؛ فقد انتقض عهدُه، وحَلَّ مالُه ودمُه (٢). وإذا أوْدَعَ رجلٌ شخصًا مالًا يُوصِّلُه إذا مات لأولادِه، فمات وترك غيرَ أولادِه ورثةً أُخَرَ، فإذا كان هذا المالُ للمودِعِ؛ وجَب أن يُوصلَه، إلى كلِّ وارثٍ حقَّه؛ سواءٌ خصَّ به المالكُ أولادَه أو لا، وليس للمستودَعِ أن يخُصَّ به بعضَ الورثةِ إلا بإجازةِ الباقينَ، ولو صرَّح له

стр. 526

المالكُ بالتخصيصِ؛ فلا يجوزُ له، ويَحفَظُ نصيبَ هؤلاءِ الصغارِ. فإن كان في البلدِ حاكمٌ عالمٌ عادلٌ قادرٌ يحفظُ هذا المالَ لهم؛ سُلِّمَ إليه. وإن لم يجِدْ من يحفظُه؛ أبْقاه بيدِه يتَّجِرُ فيه بالمعروفِ، والرِّبْحُ لليتيمِ، وأجْرُه على الله تعالى (١). ويجوزُ صرفُ مالِ الأسيرِ في فِكاكِه بلا إذنِه (٢). والمالُ الموصَى به في يدِ الناظرِ فيه ؛ أمانةٌ يجبُ عليه حفظُه حيث يَحفَظُ الأماناتِ، ولا يودِعُه إلَّا لحاجةٍ. فإن أوْدَعه عندَ من يغلِبُ على الظنِّ حفظُه؛ كالحاكمِ العادلِ إن وُجِدَ أو غيرِه؛ بحيثُ لا يكونُ في إيداعِه تفريطٌ؛ فلا ضمانَ عليه. وإن أودعه لخائنٍ أو عاجزٍ معَ إمكانِه ألَّا يفعلَ؛ فهو مُفَرِّطٌ. وأما المودَعُ إذا لم يعلمْ أنه وديعةٌ؛ ففي تضمينِه قولانِ؛ هما روايتانِ؛ أظهرُهما: لا ضمانَ عليه. وما حصَل على التَّرِكةِ بسببِ ظلمٍ أو غير ظلمٍ من المغارمِ؛ فهو على المالِ جميعِه.

стр. 527

وإذا غُصِبَتِ الوديعةُ؛ فللناظرِ المطالبةُ بها، وللمودَعِ أيضًا في غيبتِه. وإذا مات المودَعُ ولم يُعلمْ حالُ الوديعةِ؛ هل أُخِذت أو أخذها أو تلِفَتْ؛ فإنها تكون دَينًا على تركتِه في أظهرِ قولَيِ العلماءِ، كأبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ وظاهرِ نصِّ الشافعيِّ، تؤخَذُ من مالِه. فإن لم يكُنْ له مالٌ سوى الوقفِ؛ ففيه نزاعٌ مشهورٌ في وقْفِ المدينِ الذي أحاط الدَّينُ بمالِه. وكذلك الوقفُ الذي لم يخرُجْ عن يدِه حتى مات؛ فإنه يبطُلُ في أحدِ قَوْلي العلماء؛ مالكٍ وأحدِ القولَينِ لأحمدَ وأبي حنيفةَ. وإن كان الوقفُ قد صحَّ ولزِمَ وله مستحقُّون، ولم يكُنْ صاحبُ الدَّينِ يتناولُه الوقفُ؛ لم يمكنْ وفاءَ الدَّينِ من ذلك؛ لكن إن كان ممن تناوَلَه الوقفُ، مثلُ أن يكونَ على الفقراءِ وصاحبُ الدَّينِ فقيرٌ؛ فلا رَيْبَ أن الصرفَ إلى هذا الفقيرِ الذي له دَينٌ على الوقفِ أَوْلى من الصرفِ إلى غيرِه (١).

стр. 528

فَصْلٌ في رجلٍ أسْلَمَ مائةً على حريرٍ ، فلما حلَّ لم يكُنْ عندَه ما يوفيه، فقال ربُّ الدَّينِ: اشْتَر منِّي هذا الحريرَ، وأحضِرْ حريرًا إلى أجلٍ بمائةٍ وخمسينَ، ثم قال: وفِّني هذا الحريرَ عن السَّلَفِ الذي لي عندَك: فهو حرامٌ رِبًا، وهذا المُرْبي لا يستحقُّ في ذِمَمِ الناسِ إلا ما أعطاهم أو نظيرَه. فأما الزِّياداتُ؛ فلا، لكن ما قبَضَه قبلَ ذلك بتأويلٍ؛ يُعْفى عنه، وأما ما بقِيَ في الذِّمَمِ فهو ساقطٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾، واللهُ أعلمُ (١). إذا أسْلَفَ في حِنطةٍ ؛ فاعتاضَ عنها شعيرًا، ففيه قولانِ؛ هما روايتانِ؛ أصحُّهما: الجوازُ إذا كان بسِعْرِ الوقتِ أو أقلَّ؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). ومن باع قمحًا إلى أجلٍ بدراهمَ ؛ فلا يجوزُ أن يَعتاضَ عنه بما يجري فيه الرِّبا؛ في قولِ مالكٍ والمشهورِ عن أحمدَ.

стр. 529

وقال بعضُ أصحابِه: يجوزُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ (١). ومن باع عَقارًا ثم خرَجَ مستحَقًّا ، وكان المشتري عالمًا؛ ضمِنَ المنفعةَ؛ سواءٌ انتفع بها أو لا، وإن لم يعلمْ؛ فقرارُ الضمانِ على البائعِ الظالمِ. وإذا انتُزِعَ المبيعُ من يدِ المشتري، وأُخِذت منه الأجرةُ وهو مغرورٌ؛ رجع بذلك على البائعِ الغَارِّ له (٢). وإذا أُسِرت المرأةُ ولها مِلْكٌ ، فرَهَنه أخوها أو زوجُها حتى يخلِّصَها؛ فلا شيءَ عليهم، فلو وجَدها قد خُلِّصَت، أعاد إليها ما قبَضَه، ويُفَكُّ الرهنُ عن مِلْكِها (٣). ومَن أخَذ من تاجرٍ مالًا ، وامتَنع من إعطائِه؛ جاز ضرْبُه حتى يؤدِّيَ المالَ. ومَن غَيَّبَ المالَ وجحَد موضعَه؛ ضُرِبَ حتى يدلَّ على موضعِه (٤).

стр. 530

وكلُّ مَن عليه حقٌّ لا يوفِّيه مَطْلًا ؛ جاز عقوبتُه حتى يوفِّيَه بضربٍ مرةً بعدَ أخرى. ومنهم من قال: كلَّ مرةٍ تسعةً وثلاثين، ومنهم من لم يُقَدِّرْه. وله أن يعاقبَه حتى يتولَّى هو توفيتَه، فليس على الحاكمِ ذلك، وإن كان يجوزُ له بيعُ مالِه ووفاءُ دَينِه؛ لكن متى رأى أن يُلْزِمَه البيعَ؛ إما لشغلهِ عنه، وإمَّا لخوفِ مفسَدةٍ، أو رَدْعِه؛ جاز له ذلك (١). ومَن عليه مالٌ ولم يُوَفِّه حتى شُكِيَ وغَرِمَ عليه مالًا، وكان الذي عليه الحقُّ قادرًا على الوفاءِ، ومَطَلَ حتى أحْوَجَ مالكَه إلى الشَّكْوى؛ فما غَرِمَ بسببِ ذلك فهو على الظالمِ الماطلِ؛ إذا كان غَرِمَه على الوجهِ المعتادِ (٢). ومن حُبِسَ بدَينٍ وله رهنٌ لا وفاءَ له من غيره؛ وجَب على ربِّ الدَّينِ إمهالُه حتى يبيعَه، فإن كان في بيعِه وهو في الحبْسِ ضررٌ؛ وجَب إخراجُه ليبيعَه، ويُضمنُ عليه، أو يمشي معَه، أو وكيلُه (٣). ومَن عليه دَينٌ وله مِلْكٌ لم يمكن بيعُه إلا بدونِ ثمنِ المثلِ المعتادِ
следующие страницы →