← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المالكُ بالتخصيصِ؛ فلا يجوزُ له، ويَحفَظُ نصيبَ هؤلاءِ الصغارِ. فإن كان في البلدِ حاكمٌ عالمٌ عادلٌ قادرٌ يحفظُ هذا المالَ لهم؛ سُلِّمَ إليه. وإن لم يجِدْ من يحفظُه؛ أبْقاه بيدِه يتَّجِرُ فيه بالمعروفِ، والرِّبْحُ لليتيمِ، وأجْرُه على الله تعالى (١). ويجوزُ صرفُ مالِ الأسيرِ في فِكاكِه بلا إذنِه (٢). والمالُ الموصَى به في يدِ الناظرِ فيه ؛ أمانةٌ يجبُ عليه حفظُه حيث يَحفَظُ الأماناتِ، ولا يودِعُه إلَّا لحاجةٍ. فإن أوْدَعه عندَ من يغلِبُ على الظنِّ حفظُه؛ كالحاكمِ العادلِ إن وُجِدَ أو غيرِه؛ بحيثُ لا يكونُ في إيداعِه تفريطٌ؛ فلا ضمانَ عليه. وإن أودعه لخائنٍ أو عاجزٍ معَ إمكانِه ألَّا يفعلَ؛ فهو مُفَرِّطٌ. وأما المودَعُ إذا لم يعلمْ أنه وديعةٌ؛ ففي تضمينِه قولانِ؛ هما روايتانِ؛ أظهرُهما: لا ضمانَ عليه. وما حصَل على التَّرِكةِ بسببِ ظلمٍ أو غير ظلمٍ من المغارمِ؛ فهو على المالِ جميعِه.

стр. 527

وإذا غُصِبَتِ الوديعةُ؛ فللناظرِ المطالبةُ بها، وللمودَعِ أيضًا في غيبتِه. وإذا مات المودَعُ ولم يُعلمْ حالُ الوديعةِ؛ هل أُخِذت أو أخذها أو تلِفَتْ؛ فإنها تكون دَينًا على تركتِه في أظهرِ قولَيِ العلماءِ، كأبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ وظاهرِ نصِّ الشافعيِّ، تؤخَذُ من مالِه. فإن لم يكُنْ له مالٌ سوى الوقفِ؛ ففيه نزاعٌ مشهورٌ في وقْفِ المدينِ الذي أحاط الدَّينُ بمالِه. وكذلك الوقفُ الذي لم يخرُجْ عن يدِه حتى مات؛ فإنه يبطُلُ في أحدِ قَوْلي العلماء؛ مالكٍ وأحدِ القولَينِ لأحمدَ وأبي حنيفةَ. وإن كان الوقفُ قد صحَّ ولزِمَ وله مستحقُّون، ولم يكُنْ صاحبُ الدَّينِ يتناولُه الوقفُ؛ لم يمكنْ وفاءَ الدَّينِ من ذلك؛ لكن إن كان ممن تناوَلَه الوقفُ، مثلُ أن يكونَ على الفقراءِ وصاحبُ الدَّينِ فقيرٌ؛ فلا رَيْبَ أن الصرفَ إلى هذا الفقيرِ الذي له دَينٌ على الوقفِ أَوْلى من الصرفِ إلى غيرِه (١).

стр. 528

فَصْلٌ في رجلٍ أسْلَمَ مائةً على حريرٍ ، فلما حلَّ لم يكُنْ عندَه ما يوفيه، فقال ربُّ الدَّينِ: اشْتَر منِّي هذا الحريرَ، وأحضِرْ حريرًا إلى أجلٍ بمائةٍ وخمسينَ، ثم قال: وفِّني هذا الحريرَ عن السَّلَفِ الذي لي عندَك: فهو حرامٌ رِبًا، وهذا المُرْبي لا يستحقُّ في ذِمَمِ الناسِ إلا ما أعطاهم أو نظيرَه. فأما الزِّياداتُ؛ فلا، لكن ما قبَضَه قبلَ ذلك بتأويلٍ؛ يُعْفى عنه، وأما ما بقِيَ في الذِّمَمِ فهو ساقطٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾، واللهُ أعلمُ (١). إذا أسْلَفَ في حِنطةٍ ؛ فاعتاضَ عنها شعيرًا، ففيه قولانِ؛ هما روايتانِ؛ أصحُّهما: الجوازُ إذا كان بسِعْرِ الوقتِ أو أقلَّ؛ وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). ومن باع قمحًا إلى أجلٍ بدراهمَ ؛ فلا يجوزُ أن يَعتاضَ عنه بما يجري فيه الرِّبا؛ في قولِ مالكٍ والمشهورِ عن أحمدَ.

стр. 529

وقال بعضُ أصحابِه: يجوزُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ (١). ومن باع عَقارًا ثم خرَجَ مستحَقًّا ، وكان المشتري عالمًا؛ ضمِنَ المنفعةَ؛ سواءٌ انتفع بها أو لا، وإن لم يعلمْ؛ فقرارُ الضمانِ على البائعِ الظالمِ. وإذا انتُزِعَ المبيعُ من يدِ المشتري، وأُخِذت منه الأجرةُ وهو مغرورٌ؛ رجع بذلك على البائعِ الغَارِّ له (٢). وإذا أُسِرت المرأةُ ولها مِلْكٌ ، فرَهَنه أخوها أو زوجُها حتى يخلِّصَها؛ فلا شيءَ عليهم، فلو وجَدها قد خُلِّصَت، أعاد إليها ما قبَضَه، ويُفَكُّ الرهنُ عن مِلْكِها (٣). ومَن أخَذ من تاجرٍ مالًا ، وامتَنع من إعطائِه؛ جاز ضرْبُه حتى يؤدِّيَ المالَ. ومَن غَيَّبَ المالَ وجحَد موضعَه؛ ضُرِبَ حتى يدلَّ على موضعِه (٤).

стр. 530

وكلُّ مَن عليه حقٌّ لا يوفِّيه مَطْلًا ؛ جاز عقوبتُه حتى يوفِّيَه بضربٍ مرةً بعدَ أخرى. ومنهم من قال: كلَّ مرةٍ تسعةً وثلاثين، ومنهم من لم يُقَدِّرْه. وله أن يعاقبَه حتى يتولَّى هو توفيتَه، فليس على الحاكمِ ذلك، وإن كان يجوزُ له بيعُ مالِه ووفاءُ دَينِه؛ لكن متى رأى أن يُلْزِمَه البيعَ؛ إما لشغلهِ عنه، وإمَّا لخوفِ مفسَدةٍ، أو رَدْعِه؛ جاز له ذلك (١). ومَن عليه مالٌ ولم يُوَفِّه حتى شُكِيَ وغَرِمَ عليه مالًا، وكان الذي عليه الحقُّ قادرًا على الوفاءِ، ومَطَلَ حتى أحْوَجَ مالكَه إلى الشَّكْوى؛ فما غَرِمَ بسببِ ذلك فهو على الظالمِ الماطلِ؛ إذا كان غَرِمَه على الوجهِ المعتادِ (٢). ومن حُبِسَ بدَينٍ وله رهنٌ لا وفاءَ له من غيره؛ وجَب على ربِّ الدَّينِ إمهالُه حتى يبيعَه، فإن كان في بيعِه وهو في الحبْسِ ضررٌ؛ وجَب إخراجُه ليبيعَه، ويُضمنُ عليه، أو يمشي معَه، أو وكيلُه (٣). ومَن عليه دَينٌ وله مِلْكٌ لم يمكن بيعُه إلا بدونِ ثمنِ المثلِ المعتادِ

стр. 531

غالبًا في ذلك البلدِ؛ لم يَجِبْ بيعُه، ويَلْزَمُ الغريمَ إنظارُه إلى ميسرةٍ؛ إلا أن تكونَ العادةُ تغيَّرت تغيُّرًا مستقرًّا، فيكونَ حينئذٍ ثمنُ المثلِ قد نقَص، فيباعُ بثمنِ المثلِ المستقرِّ، وله أن يطلُبَ منه كلَّ وقتٍ ما يقدِرُ عليه؛ وهو التَّقسيطُ (١). ومن هَرَب وعندَه أماناتٌ لا يُعرَفُ حالُها ، وكان عليها علامةٌ مِن اسمِ كلِّ واحدٍ على متاعِه؛ عُمِلَ بذلك. وإن تعذَّرَ ذلك كلُّه؛ أُقْرِعَ بينَ المُدَّعينَ، فمن خرجتْ قرعتُه على عينٍ أخَذَها معَ يمينِه، ومن عَلِمَ حقَّه ببيِّنةٍ أخَذه (٢). وإذا حبَست زوجَها على كِسْوَتِها وكان مُعْسِرًا؛ فلا نفقةَ لها أيامَ حبسِه؛ لأنها منعتْه ظلمًا، وإن كان مماطلًا معَ قدرتِه وهي باذلةٌ نفْسَها؛ فعليه نفقتُها (٣). ومن أعطى رجلًا مالًا قِراضًا ، ثم ظهر عليه دينٌ قبل القِراضِ؛ فلا يجوزُ أن يوفِّيَ الدَّينَ مِن مالِ القِراضِ؛ إلا أن يختارَ ربُّ المالِ، وإذا ادَّعى ما يمكنُ في العادةِ؛ من نقصِ القِراضِ أو عدمِه؛ فالقولُ قولُه معَ

стр. 532

يمينِه، وإن ادَّعى ما يخالفُ العادةَ؛ لم يُقْبَلْ بمجرَّدِ قولِه (١). ومن ادُّعيَ عليه حقٌّ ، فطلَب أن يُعْقَدَ في الترسيمِ (٢) حتى يبيعَ مالَه ويوفِّيَ؛ وجَب تمكينُه، ولم يجُزْ حبسُه الحاجزَ له عن ذلك؛ وهذا باتِّفاقِ المسلمِينَ (٣). وكذلك إن أمكَنَه أن يحتالَ لوفاءِ دينِه باقتراضٍ ، أُمْهِلَ بقدرِ ذلك، ولم يجُزْ منعُه من ذلك بحبسِه (٤). والحالُّ لا يتأجَّلُ ، وقيلَ: بلى، وقيلَ: في المعاوضاتِ يتأجَّلُ دونَ التبرُّعاتِ، والثلاثةُ لأحمدَ.

стр. 533

فَصْلٌ في الحَجْرِ إذا تزوَّجتِ المرأةُ لم يَجِبْ عليها طاعةُ أبيها ولا أمِّها في فِراقِ زوجِها، ولا في زيارتِهم، ونحوِ ذلك (١)؛ بل طاعةُ زوجِها إذا لم يأمُرْها بمعصيةٍ أحقُّ من طاعتِهما، و «أيُّما امرأةٍ ماتت وزوجُها راضٍ عنها؛ دخَلَتِ الجنَّةَ» (٢). وإذا أرادتِ الأمُّ التفريقَ بينَ ابنتِها وزوجِها؛ فهي من جِنْسِ هاروتَ وماروتَ؛ لا طاعةَ لها ولو دعَتْ عليها، اللهُمَّ إلا أن يكونَا مجتمعين على معصيةِ اللهِ، أو يكونَ أمرُه للبنتِ بمعصيةِ اللهِ، والأم تأمرُها بطاعةِ اللهِ ورسولِه الواجبةِ على كلِّ مسلمِ (٣). ومن تزوَّجَ امرأةً ، وبعدَ مدَّةٍ جاء والدُها فطلب منه شيئًا لمصلحتِها، فقال: أنا تحتَ الحَجْرِ، فلا يُقْبَلُ قولُه؛ بل الأصلُ صحةُ التصرفِ،

стр. 534

وعدمُ الحَجْرِ حتى يثبُتَ (١). ومن كان تحتَ حَجْرِ أبيه (٢) فله عليه اليمينُ أنه لا يعلمُ رشدَه، إذا طُلِبَ ذلك، ولم يُقِمْ بيِّنةً، وإن أقام بيِّنةً برُشْدِه، فُكَّ عنه الحَجْرُ، وإن لم يعترِفْ به أبوه. ومن قال لزوجتِه: إن أبرأتيني فأنتِ طالقٌ، فأبرأتْه، وليست تحتَ الحجرِ، ولا لها أبٌ، ثم ادَّعَتِ السَّفَهَ ليسقُطَ الإبراءُ؛ لم تُقْبَلْ دعواها، ولو قامت بينة أنها سفيهةٌ ولم تكُنْ تحتَ الحجرِ، لم يبطُلِ الإبراءُ بذلك، وإن كانت هي المتصرفةَ لنفْسِها (٣). ومن ثبَتَ أنه ضامنٌ بإقرارٍ أو بيِّنةٍ أو خطِّهِ؛ لَزِمَه ما ضَمِنه، فإن ادَّعى أنه كان تحتَ الحَجْرِ؛ لم يُقْبَلْ بمجرَّدِه، ولو قال: إن المضمونَ له يعلمُ ذلك؛ فله إحلافُه، وكذا لو ادَّعى الإكراهَ (٤). وإذا مات الوصيُّ ، ولم يعلَمْ أن مالَ اليتيمِ قد ذهب بغيرِ تفريطٍ؛ فهو في تَرِكَتِه؛ لكن هل هو دَينٌ يُحاصُّ به الغرماءُ أم أمانةٌ يقدمُ به؟ فيه نزاعٌ (٥).

стр. 535

فَصْلٌ في الصلحِ ومن شارَك كافرًا في بناءٍ ؛ فليس له رفعُ ذلك على بناءِ المسلمِينَ، وإن أرادَ ذلك، واستخدم الكافرَ أو شارَكَه، وقصَد بِجاهِ الإسلامِ رفْعَه؛ فقد بَخَسَ الإسلامَ، واستحقَّ أن يُهانَ الإهانةَ الإسلاميةَ (١). ويجوزُ أن يبنيَ مَن وقف المسجدَ خارجَ المسجدِ بيتًا ينتفعُ به أهلُ الاستحقاقِ لريعِ الوقفِ القائمينَ بمصلحتِه (٢). ويجوزُ أن يَعمَلَ ما كان مصلحةً للمسجدِ وأهلِه ؛ من تغييرِ العِمارةِ من صورةٍ إلى صورةٍ، ونحوِ ذلك (٣)، مثلُ أن يعمل في مصيفه مكانًا للوضوءِ، ولا محذورَ فيه؛ فإن الوضوءَ في المسجدِ جائزٌ؛ بل لا يُكْرهُ عندَ الجمهورِ (٤). وليس لأحدٍ التحجيرُ على مقبرةِ المسلمِينَ؛ ليختصَّ بموضعٍ، ولا

стр. 536

بناءُ حائطٍ ونحوه (١). ما لا تقومُ العمارةُ إلا بهم من العُمَّالِ والحُسَّابِ، فهم من العِمارةِ (٢). ولا يجوزُ بيعُ شيءٍ من طريقِ المسلمِينَ ؛ سواءٌ كانت واسعةً أو ضيقةً (٣). وإذا صالح على بعضِ الحقِّ خوفًا من ذَهابِ جميعِه؛ فهو مُكْرَهٌ لا يصحُّ صلحُه، وله أن يطالبَه بالحقِّ بعدَ ذلك إذا أقرَّ به أو ثبَتَ ببينةٍ (٤). وإذا لم يَبْقَ من أهلِ الذمَّةِ في القريةِ أحدٌ؛ بل ماتوا أو أسْلَموا؛ جاز أن تُتَّخَذَ البِيَعةُ مسجدًا؛ لا سيَّما إن كانت ببرِ الشَّامِ؛ فإنه فُتِحَ عَنْوةً (٥). لا يجوزُ لأحدٍ أن يُخْرِجُ في طريقِ المسلمِينَ شيئًا من أجزاءِ البناءِ؛

стр. 537

حتى إنه يُنهى عن تجصيصِ الحائطِ، إلا أن يدخُلَ في حدِّه بقدْرِ غلظِ الجَصِّ (١). ولا يجوزُ قسمةُ الوقفِ إذا كان على جهةٍ واحدةٍ اتفاقًا، وقد صرَّح طائفةٌ في قسمةِ الوقفِ بوجهَينِ، وصرَّحوا بأن الوقفَ إنما يُقسَمُ إذا كان على جهتَينِ (٢). وليس لأحدٍ اتخاذُ المسجدِ طريقًا (٣).

стр. 538

فَصْلٌ فِي الضَّمَانِ إذا تعدَّى المضمونُ فهَرَب معَ قدرتِه على الوفاءِ؛ فما لَزِمَ الضامنَ من غرامةِ؛ فله أن يرجِعَ بذلك على المضمونِ الذي ظلَمه؛ إذا كان ما غَرِمه بالمعروفِ ضمانَ ما لم يَجِبْ (١). وضمانُ المجهولِ جائزٌ عندَ جمهورِ العلماءِ؛ كمالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ، ولا يجوزُ عندَ الشافعيِّ. ويجوزُ للكاتبِ والشاهدِ أن يكتُبَه ويَشْهَدَ عليه؛ ولو لم يَرَ جوازَه؛ لأنه من مسائلِ الاجتهادِ، ووليُّ الأمرِ يحكُمُ بما يراه من القولَينِ (٢). وإذا كان على الولدِ مال فتغيَّبَ ؛ فلا يُطلَبُ به والدُه إذا لم يكُنْ ضامنَه، ولا له عندَه مالٌ؛ لكن إن أمكنه معاونةُ صاحبِ الحقِّ على إحضارِ ولدِه بالتعريفِ بمكانه ونحوِه؛ لَزِمَه ذلك، وإلا فلا شيءَ عليه (٣). ومن سلَّم غريمَه إلى السجَّانِ ففَرَّطَ فيه حتى هَرَب؛ فالسجَّانُ ونحوُه

стр. 539

ممن هو وكيلٌ على بدنِ الغريمِ بمنزلةِ الكفيلِ؛ يتوجَّهُ عليه إحضارُه، فإن تعذَّرَ؛ ضَمِنَ ما عليه عندَنا وعندَ مالكٍ (١). وإذا سلَّمَ الكفيلُ الغريمَ وهو في حبسِ الشَّرعِ؛ بَرِئَ، ولا يلزمُه إخراجُه من الحبسِ وتسليمُه إلى المكفول له؛ بل يكفي تسليمُه وهو في الحبسِ (٢). ومن كان في يدِه دوابُّ لغيرِه - من راعٍ وغيرِه-، فحصل مرضٌ وخاف موتَها؛ فله ذَبْحُها، ولا شيءَ عليه؛ فإنَّ ذَبْحَها خيرٌ من تركِها حتى تموتَ، وقد فعَل مثلَ هذا راعٍ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ ولم ينكِرْ عليه، ولا بيَّنَ أنه ضامنٌ (٣)، وهو نظيرُ خرقِ صاحبِ موسى السفينةَ لينتفع بها أهلُها مرقوعةً، خيرٌ مِن ذَهابِها بالكليَّةِ. ومثلُه لو رأى الرجلُ مالَ أخيه يتلَفُ بمثلِ هذا، فأصْلَحه بحسَبِ الإمكانِ؛ كان مأجورًا عليه، وإن نقَصَت قيمتُه؛ فناقصٌ خيرٌ من تالِفٍ،

стр. 540

فكيفَ إذا كان مؤتمنًا كالراعي والمُسْتكري ونحوِه؟! (١) ومن كانوا مماليكَ لرجلٍ نَجِسٍ يمنعُهم من طاعةِ اللهِ، ويُكْرِهُهم على معصيتِه، ويطلبون البيعَ، فيَضْرِبُهم، فهرَبوا منه؛ فلا شيءَ عليهم؛ بل الواجبُ عليهم ذلك، وقد أحْسَنوا، فلا حُرمةَ لمن يكونُ كذلك لو كان في طاعةِ المسلمِينَ، فكيفَ إذا كان في طاعةِ التتر؟! فإنه يجبُ قتالُه وإن كان مُسْلِمًا، وهؤلاءِ المهاجرون الذينَ فرُّوا بأنفْسِهم قد أحسنوا، والعبدُ إذا هاجَر من أرضِ الحربِ فهو حُرٌّ (٢). ومن دخَل إلى زرعه دوابُّ غيرِه ، فله إخراجُها بأسهلِ ما يمكنُ، فإذا أمكن إخراجُها بغيرِ العَرْقَبةِ (٣)، فعَرْقَبها؛ عُزِّرَ على تعذيبِ الحيوانِ بغيرِ حقٍّ، وعلى العدوانِ على أموالِ الناسِ، وضَمِنَ بدَلَها لمالكِها. وعلى أهلِ الزرعِ حفْظُ زرعِهم نهارًا، وعلى أهلِ المواشي حفْظُ دوابِّهم ليلًا؛ كما أمر رسولُ اللهِ ﷺ (٤).

стр. 541

كمن ربَط جَمَلَه في الرَّبيعِ جنب جَمَلِ غيرِه ، فتفلَّتَ عليه فقتَلَه؛ فإن كان فرَّطَ في ربْطِه فربطه بقيدٍ ضعيفٍ؛ فعليه ضمانُ ما أتْلَفه من جَمَل غيره، وإلا فلا (١). ومن شارَك ببدنِه ومالِ صاحبِه ، وتَلِف المالُ أو بعضُه بغيرِ عدوانٍ من صاحبِ البدنِ العاملِ؛ فلا ضمانَ عليه من المالِ؛ سواءٌ كانت المضاربةُ صحيحةً أو فاسدةً؛ باتِّفاقِ العلماءِ (٢). ومن اتُّهِم بقتيلٍ ، فأُحْضِر إلى النائبِ وألْزَموه بعقابِه، وضمنوا دمَه، فعُوقِبَ حتى مات، ولم يُقِرَّ بشيءٍ، ولا ظهَر عليه شيءٌ؛ لزِمَهم ضمانُ دمِه؛ بل يُعاقَبون كما عوقِبَ؛ كما رَوى أبو داودَ في السننِ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ أنه قضى نحو ذلك (٣).

стр. 542

فَصْلٌ يجِبُ أن يُولَّى في المساجدِ الأحقُّ شرعًا؛ وهو الأقْرأُ لكتابِ اللهِ، الأعلمُ بسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، الأسبقُ إلى الأعمالِ الصالحةِ؛ مثلُ أن يكونَ أسبقَ إلى هجرةٍ أو أقدمَ سِنًّا، فكيفَ إذا كان الأحقُّ هو المتولِّيَ؟ فلا يجوزُ عزلُه باتِّفاقِ العلماءِ (١). وللشريكِ إلزامُ شريكِه بالقِسمةِ إن كان المكانُ مما يقسَمُ بلا ضررٍ، وإن كان فيه ضررٌ؛ فله المطالبةُ ببيعِ الجميعِ ليقتَسِما الثمنَ. ومن شهِد على بيعٍ ظُلْمٍ يعلمُ أنه ظلمٌ، فشهِد معونةً على ذلك؛ فقد أعان على الإثمِ؛ بل قد صحَّ عن رسول ﷺ : «أنه لعَن آكِلَ الرِّبا، وموكِلَه، وشاهدَيه، وكاتبَه» (٢)، وقال: «إني لا أَشْهَدُ على جَوْرٍ» (٣)، فمن فعل ذلك مُصِرًّا عليه؛ قُدِحَ في عدالتِه (٤). إذا مات الوصيُّ ولم يُعلَمْ مالُ اليتيم ، ففيه ثلاثةُ أقوالٍ:

стр. 543

أحدُها: يُقْسَمُ بينَهما؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ. والثاني: يوقفُ الأمرُ حتى يصطلِحا؛ كقولِ الشافعيِّ. والثالثُ مذهَبُ أحمدَ: يُقْرَعُ بينَهما، فمن قرعَ حلَف وأخَذَ؛ لما رَوى أبو داودَ: أن رجلَينِ اختَصَما في متاعٍ ولا بيَّنةَ لواحدٍ منهما، فقال النبيُّ ﷺ : «استَهِما عليه» (١). وإذا طلَب الشريكُ أن يؤاجروا العينَ ويقتسموا الأجرةَ، أو أن يهايئُوه بقسْمِ المنفعةِ؛ وجَب على الشُّركاء إجابتُه إلى أحدِ الأمرَينِ، وليس لهم الغلق (٢)؛ وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ وأبي حنيفةَ، ويجبُ على الشَّريكِ أن يُعَمِّرَ معَ شريكِه في أصحِّ قولي العلماءِ (٣). فإن أجابوه إلى المُهايَأَةِ، وطلَبوا تطويلَ الدَّورِ الذي يأخذُ فيه نصيبَه، وطلب هو تقصيرُه؛ وجبت إجابتُه دونَهم؛ فإن المهايأةَ فيها

стр. 544

تأخيرُ حقوقِ بعضِ الشُّركاءِ، فكلَّما كان إلى الاستيفاءِ أقربَ كان أولى؛ لأن الأصلَ وجوبُ استيفاءِ الشُّركاءِ جميعِهم حقوقَهم، والتأخيرُ لأجلِ الحاجةِ، فكلَّما قلَّ زمنُ التأخيرِ كان أَوْلى (١). وليس للشَّريكِ أن يقسِمَ بنفْسه شيئًا ويأخُذَ نصيبَه منه. وإذا امتنع بعضُ الشُّركاءِ من الزَّرعِ ؛ جاز لبعضِهم أن يزرَعَ في مقدارِ نصيبِه، ويختصَّ بما زَرَعه (٢). وإذا اشترك الشُّهودُ ونحوُهم ؛ فمقتضى عقدِ الشَّركةِ المطْلَقةِ؛ التسويةُ في العملِ والأجرِ، فإن عمِل بعضُهم أكثرَ تبرُّعًا؛ ساوَوْه في الأجرِ، وإن لم يتبرَّعْ؛ طالَبَهم [إما] (٣) بما زاده في العملِ، وإمَّا بأجرةِ الزائدِ، وإن اتفقوا على شرطِ زيادةٍ له؛ جاز (٤). وليس لوليِّ الأمرِ أن يحمِلَ الناسَ على مذهبِه في منعِ معاملةٍ لا يراها، ولا للعالِمِ والمفتي أن يُلْزِم الناسَ باتباعِه في مسائلِ الاختلافِ بينَ الأئمَّةِ؛ بل قال العلماءُ: إجماعُهم حُجَّةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ

стр. 545

واسعةٌ، ومثلُ هذه المسائلِ الاجتهاديةِ لا تُنْكَرُ باليدِ (١). وإذا لم يتَّفِقِ الشريكان في الدابَّةِ بجعلِها عندَ أحدِهما أو غيرِهما؛ جعَلها الحاكمُ عندَ ثالثٍ يختارُه لها، فإنْ طلَب أحدُهما مفاضلةَ الآخرِ فيها، بيعَتْ جميعُها، وقُسِم ثمنُها بينَهما (٢). وكذا الدارُ إذا طلَب أحدُهما القسمةَ ، وكانت تقبَلُها؛ قُسِمَتْ، وأُجْبِر الممتنعُ عندَ الأربعةِ، وإلا كان لطالب القسمةِ طلَبُ البيع، فيُجْبرُ الممتنعُ، ويُقْسَمُ بينَهما الثمنُ في مذهَبِ مالكٍ وأبي حنيفةَ والإمامِ أحمدَ (٣). ومن اشْتَرك هو وآخرُ ؛ مِن أحدِهما الدابَّةُ، ومن الآخرِ دراهمُ؛ نُظِر في قيمةِ الدابَّةِ، فتكونُ هي والدَّراهمُ رأسَ المالِ، وذلك مشتركٌ بينَهما؛ لأن عندَنا الشركةَ والقسمةَ تصحُّ بالأقوالِ، لا تفتقِرُ إلى خَلْطٍ ولا تمييزٍ، وإذا اقتسما بيعَتِ الدابَّةُ، واقتَسَما ثَمَنَها. هذا إذا صحَّحْنا الشركةَ بالعُروضِ، وأما إذا أبْطلْناها فحُكمُ الفاسدةِ حكمُ الصحيحةِ في الضمانِ وعدمِه، وصحةِ التصرُّفِ وفسادِه، وإنما

стр. 546

يفتَرِقان في الحِلِّ ومقدارِ الرِّبْحِ على أحدِ القولَينِ؛ فظاهرُ مذهَبِ أحمدَ: أن الرِّبْحَ على ما شرَطا، وعلى القولِ الآخرِ: الرِّبْحُ تبَعٌ للمالِ، وللآخرِ أجرةُ المثلِ، والأصحُّ في هذا: أن له رِبْحَ المثلِ، والأقوالُ ثلاثةٌ (١). وإذا كان غَنَمُ الخلطاءِ معَ راعٍ ، واحتاجَتْ إلى نفقةٍ، فباع بعضَها، وأنفَقَه على الباقي؛ اقتَسَموا الباقيَ على قدرِ رؤوسِ الأموالِ، أو غُرِّمَ أربابُ الباقي قيمةَ ما باعه (٢). وإذا كان الشريكُ في البقرةِ يأخذُ اللبنَ ، وهو قدرُ العَلَفِ؛ فلا شيءَ عليه، وإن كان انتفاعُه بها أكثرَ من العلَفِ؛ أعطى شريكَه نصيبَه من الفضلِ (٣). ولا يجوزُ أن يبيعَه على أن يُقرِضَه ، ولا يؤجرَه على أن يساقيَه، ولا يشاركَه على أن يُقرِضَه، ولا يبيعَه على أن يبتاعَ منه، باتفاقِهم (٤).

стр. 547

فَصْلٌ فِي الوَكَالَةِ إذا قال لرجلٍ: إن لم ترضَ زوجتي بالنفقةِ سلِّم إليها كتابَها؛ فقد وكَّلَه، وهذا القولُ كنايةٌ في الطلاقِ. فإن قال المُوكِّل: أردتُّ به الطلاقَ، أو عُلِم ذلك بقرينةِ الحالِ؛ ملَك الوكيلُ أن يطلِّقَ واحدةً، لا ثلاثًا؛ إلا بإذنِ الموكِّلِ. فإذا قال الموكل: لم أُرِدْ إلا واحدة؛ كان القولُ قولَه، وللزوجِ أن يُراجِعَها (١). وإذا أَجَر أرضَ موكِّلِه بناقصٍ عن شركته؛ مثلُ أن أَجَرها بنصفِ أجرةِ المِثْلِ؛ كان الوكيلُ ضامنًا للنقصِ. وهل للمالكِ إبطالُ الإجارةِ؟ فيه نزاعٌ (٢). ومَن طلَّق زوجتَه ، ثم تزوَّجَ غيرَها، ووكَّلَ الثانيةَ في طلاقِ الأولى، فقال: متى ما رددتُّ أمَّ أولادي كان طلاقُها بيدِكِ؛ ثم طلَّقَ التي وكَّلَها؛ بطَلَتْ وَكالتُها في ذلك. بخلافِ ما لو وكَّلَها في بيعٍ ونحوِه، ثم طلَّقَها ثلاثًا؛ لم تبطُلِ

стр. 548

الوَكالةُ بالتطليقِ هنا، كما ذكَر ذلك الفقهاءُ، وقد يُظَنُّ أنَّ التوكيلَ في التطليقِ كذلك. والصوابُ: أنه يبطُلُ توكيلُها في طلاقِ الأولى إذا طلَّقَها؛ لأن مقصودَه أني لا أجمعُ بينَكِ وبينَها إلا برِضاكِ؛ لما تكرهُ من الضررِ بما تستحِقُّه بالعقد من القَسْمِ ونحوِه، فإذا بَتَّها لم يبقَ لها عليه حقٌّ، فلا تزاحِمُها تلك في الحقوقِ، ولا يعتبرُ رضاها في تزوُّجِه بتلك؛ لأن العادةَ أنه يُرضي زوجتَه، وهو قد أسخَطَها بطلاقِها، كيفَ يقصدُ رضاها بما هو دونَه؟ (١). ومَن كان مملوكُه يتصرَّفُ له تصرُّفَ الوكلاءِ؛ من البيعِ والإجارةِ ونحوِها، وهو يعلمُ ذلك، ففعَلَ شيئًا من البيعِ أو الإجارةِ، فقال السيدُ: ليس هو وكيلي في ذلك: لم يُقبَلْ إنكارُه؛ حتى لو قُدِّر أنه لم يُوكِّلْه، فتفريطُه وتسليطُه عدواناً منه يُوجِبُ الضمانَ (٢). ومَن وكَّل رجلًا في تحصيلِ أموالِه ، والتحدثِ فيها بالعشرِ، أو وكَّلَه مطلقًا على الوجهِ المعتادِ الذي يقتضي في العرفِ أنَّ له العشرَ: فله ذلك، فإنه يستحِقُّ العشرَ بشرطٍ لفظيٍّ أو عرفيٍّ، وهذا كاستئجارِ الأرضِ للزرعِ بجزءٍ من زرعِها، وهي مسألةُ قفيزِ الطحَّانِ، ومَن نقل

стр. 549

النهيَ عنه (١)؛ فقد غلطَ. واستيفاءُ المالِ بجزءٍ شائعٍ منه؛ جائزٌ في أظهرِ قولَيِ العلماءِ. وإن كان قد عمِل له على أن يُعطيَه عِوضًا، ولم يتبيَّنْ؛ فله أجرُ المثلِ - أيضاً - الذي جرَتْ به العادةُ، وإذا استحقَّ عليه شيئًا؛ فله استيفاؤُه من تَرِكتِه وبدونِ إذنِه، وإن لم يستحِقَّ شيئًا؛ لم يأخذْ شيئًا إلا بإذنِه (٢). ومَن وكَّل رجلًا وَكالةً مطلقةً في إجارةٍ أو نحوِها، فأَجَرَ أرضَه بخمسةِ آلافٍ، وأُجرتُها تساوي عشَرةَ آلافٍ: فله تضمينُ الوكيلِ ما فرَّطَ فيه. وأكثرُ الفقهاءِ يقولونَ: الإجارةُ باطلةٌ، كما هو مذهَبُ الشافعيِّ وأحدُ قولَيْ أحمدَ؛ لكنْ إن كان المستأجِرُ مغرورًا لم يعلمْ بحالِ الوكيلِ؛ بل ظن أنه مالكٌ عالِمٌ بالقيمةِ؛ فله الرجوعُ على مَن غرَّه بما لم يلزمْه (٣) في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، وزرعُه محترمٌ لا يُقلَعُ مجانًا؛ بل يُترَكُ

стр. 550

بأجرةِ المثلِ، وإن كان عالمًا؛ فهو ظالمٌ غاصبٌ. وهل للمالكِ قَلْعُه مجانًا؟ على قولَينِ. وهل يملِكُه بنفقتِه؟ على قولَينِ. ويملكُ إبقاءَه بأجرِة المثلِ اتفاقًا (١). وإذا ادَّعَى على المستأجِرِ أنه عالِمٌ بالحالِ، فأنكَرَ؛ فالقولُ قولُه معَ يمينِه. ومَن وكَّل وكيلًا في بيعِ ملكِه ، فباعَه (٢) لشخصٍ، وثبَتَ البيعُ والحيازةُ، وحكَم به حاكمٌ، ثم وقَفَها المشتري، وحكَم حاكمٌ بصحةِ الوقفِ، والموكِّلُ عالِمٌ بذلك كلِّه، ولم يُبْدِ فيه مطعنًا، ثم ادَّعَى أنه كان قد عزَلَ الوكيلَ قبلَ البيعِ، ولم يعلمِ الوكيلُ، وأقام بينةً، وثبتَ وحكَم بها حاكمٌ؛ فمَن قال: لا ينعزلُ الوكيلُ بالعزلِ قبلَ علمِه؛ فتصرُّفُ الوكيلِ صحيحٌ، فيصحُّ البيعُ والوقفُ. ومن قال: إنَّه ينعزلُ قبل العلمِ؛ وهو المشهورُ في مذهَبِ أحمدَ والشافعيِّ وقولُ مالكٍ؛ فعلى هذا لا تُقبَلُ مجرَّد دعواه العزلَ بعدَ التصرفِ. وإذا أقام به بينةً ببلدٍ آخَرَ؛ كان حكمًا على الغائبِ - إذا قيلَ

стр. 551

بصحتِه - فالغائبُ على حجتِه، فله القدحُ في الشهودِ وفي الحكمِ بما يسوغُ من كونِ الحاكمِ الذي حكَم لا يرى العزلَ، وكونِ الشهودِ فسَقَةً، أو مُتَّهَمة. ثم الذي حكَم بصحةِ البيعِ والوقفِ: إن كان ممن لا يرَى عزلَ الوكيلِ قبلَ علمِه، وقد بلَغَه ذلك؛ فحكمُه نافذٌ لا يجوزُ نقْضُه بحالٍ؛ بل مَن نقَضَه نُقِضَ حكمُه. وإن كان لم يعلمْ ذلك، ومذهبُه عدمُ الحكمِ بالصحةِ إذا ثبَتَ؛ كان وجودُ حكمِه كعدمِه. والحاكمُ الثاني إذا لم يعلَم بأنَّ العزلَ قبلَ العلمِ، أو علِمَ بذلك وهو لا يراه، أو رآه وهو لا يرى نقْضَ الحكمِ المتقدمِ وما ذُكِر من علمِ الموكِّلِ بما جرى وسكوتِه؛ كان وجودُ حكمِه كعدمِه، واستوثق الحكم في القصةِ. وقَبْضُ الموكَّلِ الثمنَ دليلٌ على بقاءِ الوَكالةِ إذا لم يعارضْه معارضٌ راجحٌ. وأكثرُ العلماءِ يقبلونَ مثلَ هذه الحجةِ، ويدفعونَ بها دعوى العزلِ، لا سيَّما معَ كثرةِ شهودِ الزورِ. ولو حُكِم ببطلانِ الوقفِ؛ لم يجبْ على الوكيلِ ولا على المشتري ضمانُ ما استوفاه من المنفعةِ؛ لأنهما مغرورانِ، غرَّهما الموكِّلُ، فلا تُضمَنُ له المنفعةُ، والقولُ في دفعِ الثمنِ إلى الموكِّلِ قولُ الوكيلِ إن

стр. 552

كان بلا جُعْلٍ، وإن كان بجُعْلٍ؛ قولانِ (١). وإذا فسَخ الوكيلُ المأذونُ له في فسخِ النكاحِ بعدَ تمكينِ الحاكمِ له؛ صحَّ فسخُه، ولم يحتجْ بعدَ ذلك إلى حكمٍ بصحةِ الفسخِ في مذهَبِ أحمدَ والشافعيِّ ومالكٍ وغيرِهم. ولكنَّ الحاكمَ نفْسَه إذا فعَلَ فعلًا مختلفًا فيه؛ من عقدٍ أو فسخٍ، كتزويجٍ بلا وَلِيٍّ، وشراء عينٍ غائبةٍ ليتيمٍ، ثم رُفِع إلى حاكمٍ لا يراه؛ فهل له نقْضُه قبلَ أن يَحكُمَ به، أو يكونُ فعلُ الحاكمِ حكمًا؟ على وجهَينِ في مذهَبِ الشافعيِّ وأحمدَ. والحاكمُ هنا ليس هو الفاسخَ، وإنما هو الآذِنُ والحاكمُ بجوازِه، كما لو حكَم لرجلٍ بميراثٍ، وأذِنَ له في التصرفِ، أو حكَم له بأنه وَلِيٌّ، وأذِنَ له في التصرفِ. ففي كلِّ موضعٍ حَكَم لشخصٍ باستحقاقِ العقدِ أو الفسخِ؛ فعقَدَ هذا المستحِقُّ أو فسَخَ؛ لم يحتجْ بعدَ ذلك إلى حكمِ حاكمٍ لصحةِ العقد أو الفسخِ بلا نزاعٍ في مثلِ هذا، وإنما النِّزاعُ فيما إذا كان هو العاقدَ أو الفاسخَ، والصحيحُ: أن (٢) عقدَه وفسخَه لا يحتاجُ إلى حكمٍ فيه.

стр. 553

هذا إذا رفع الأمر إلى حاكمٍ يرى أن لا يُفسَخَ بالإعسارِ؛ كأبي حنيفةَ، أما مَن يرى الفسخَ؛ ليس له نقضٌ (١) باتِّفاقِ الأئمَّةِ. وكلُّ تصرُّفٍ متنازَعٌ فيه، إذا حكم حاكمٌ بصحتِه؛ لم يكُنْ لغيرِه نقضُه إذا لم يخالفْ نصًّا ولا إجماعًا (٢). ومَن صالَحَ على بعضِ الحقِّ خوفًا من ذَهابِ جميعِه؛ فهو مُكرَهٌ، لم يصِحَّ، وله أن يطالبَه بالحقِّ بعدَ ذلك إذا ثبَتَ ببينةٍ أو إقرارٍ (٣). وإذا غَرَّ الوكيلُ شخصًا ، وأَجَره بدونِ أجرةِ المثلِ؛ فهل لأصحابِ الأرضِ تضمينُ المستأجِرِ؟ على قولَينِ. وإذا ضمَّنوه؛ فهل له الرجوعُ على الغارِّ الذي هو الوكيلُ بما لم يلزم ضمانَه بالعقدِ؟ على قولَينِ لأحمدَ وغيرِه. وإن علِمَ المستأجِرُ؛ ضمِنَ ما استوفاه من المنفعةِ، وإن لم يكُنْ استوفى بعدُ؛ فللمالكِ مَنْعُه من الاستيفاءِ (٤).

стр. 554

فَصْلٌ فِي الإِقْرَارِ ومَن اتَّهم غلامَه بسرقةِ شيءٍ ؛ فذكَر الغلامُ أنه أودَعَه عندَ فلانٍ -مثلًا-؛ فلا يجوزُ مؤاخذةُ فلانٍ بقولِ الغلامِ باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ سواءٌ كان الحاكمُ قاضيَ الحكمِ أو وليَّ الحربِ؛ بل الذي عليه جمهورُ الفقهاءِ في المُتَّهَمِ بسرقةٍ ونحوِها أن يُنظَرَ في المتهَمِ، فإما أن يكونَ معروفًا بالفجورِ، أو مجهولَ الحالِ، فلو كان معروفًا بالبِرِّ والتقوى؛ لم تجزْ مطالبتُه، ولا عقوبتُه، وهل يحلَّفُ؟ على قولَينِ للعُلماءِ، ومنهم مَن قال: يُعزَّرُ مَن رماه بالتهمةِ. وأما إن كان مجهولَ الحالِ؛ فإنه يُحبَسُ حتى يُكشَفَ أمرُه، قيلَ: يُحبَسُ شهرًا، وقيلَ: بقدرِ اجتهادِ وليِّ الأمرِ؛ لما في السُّنَنِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه حبَس في تهمةٍ (١)، وكذا نصَّ عليه الفقهاءُ من أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم. وإن كان قد يكونُ الرجلُ معروفًا بالفجورِ المناسبِ للتهمةِ، فقال طائفةٌ من الفقهاءِ: يضربُه الوالي والقاضي، وقال طائفةٌ: يضربُه الوالي فقط، ذكَر ذلك طوائفُ من أصحابِ مالكٍ والإمامِ أحمدَ والشافعيِّ. ومن الفقهاءِ مَن قال: لا يُضرَبُ، وقد ثبَتَ في الصحيحِ: أن النبيَّ ﷺ

стр. 555

أمَر الزُّبَيرَ أن يَمَسَّ بعضَ المُعاهَدِينَ بالعذابِ؛ لما كتَم إخبارَه بالمالِ، وقالَ: «أينَ كَنْزُ حُيَيِّ بنِ أخطَبَ؟»، فقال: يا محمدُ، أذهبَتْه النفقاتُ والحروبُ، فقال: «المالُ كثيرٌ، والعهدُ أقربُ من هذا»، وقال للزُّبَيرِ: «دونَكَ هذا»، فمسَّه الزُّبَيرُ بشيءٍ من العذابِ، فدلَّهم على المالِ (١). وأما إذا ادَّعى أنه استودِعَ فهو أخَفُّ؛ فإذا كان معروفًا بالخيرِ لم يجُزْ إلزامُه بالمالِ باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ بل يحلفُ المدَّعَى عليه؛ سواءٌ كان الحاكمُ واليًا أو قاضيًا (٢). ومَن أقَرَّ بوَطْءِ جاريتِه ، فأتَتْ بولدٍ يمكنُ كونُه منه؛ لحِقَه، وليس له بيعُها، ولا ولدِها؛ لكن إن ادَّعَى الاستبراءَ ففي قبولِ قولِه وتحليفِه نزاعٌ بينَ العلماءِ (٣). ومَن ادَّعَى بحقٍّ بعدَ مدةٍ طويلةٍ من غيرِ مانعٍ يعوقُ: فلا تُقبَلُ الدَّعْوى في أحدِ قولَيِ العلماءِ، مالكٍ وغيرِه (٤).

стр. 556

ومَن كان عليه حقٌّ شرعيٌّ ، فتبَرَّعَ بملكِه، بحيثُ لا يبقى لأهلِ الحقوقِ ما يستَوْفونَه؛ فهو باطلٌ في أحدِ قولَيِ العلماءِ، وهو مذهَبُ مالكٍ، وإحدى الروايتينِ عن الإمامِ أحمدَ، من جهةِ أنَّ قضاءَ الدينِ واجبٌ ونفقةَ الولدِ، فيحرُمُ عليه أن يدعَ الواجبَ، ويصرفَه فيما لا يجبُ، فيردُّ التمليك، ويصرفُه فيما يجبُ من قضاءِ دينِه ونفقةِ ولدِه (١). وإذا أقَرَّ لفلانٍ بمالٍ ، ولم يكُنْ له قبلَ هذا الإقرارِ شيءٌ؛ لم يصِرْ له عليه شيءٌ بهذا الإقرارِ؛ بل الإقرارُ باطلٌ كذبٌ، ولو جعَلَ له في ذِمَّتِه عطيَّةً؛ لم يكُنْ أمرًا واجبًا، والعدلُ بينَ أولادِه واجبٌ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ (٢). وإذا قال: أعطُوا هذا لأيتامِ فلانٍ ، وثَمَّ قرينةٌ تُبيِّنُ مرادَه: هل هو

стр. 557

إقرارٌ أو وصيةٌ؟ عُمِل بها، وإن لم يُعرَفْ، فما كان محكومًا له به لم يَزُلْ عن ملكِه بلفظٍ مجملٍ؛ بل يُجعَلُ وصيةً، لا إقرارًا، واللهُ أعلمُ (١). ومَن أقَرَّ لزوجتِه بشيءٍ ، ولا شيءَ لها؛ لم يَحِلَّ لها أخذُه؛ فإنه يكونُ وصيةً لوارثٍ، إلا بإجازةِ الوَرَثةِ، وأما في الحكمِ فلا تُعطَى حتى تُصدِّقَ على الإقرار، وإن كان في مرضِ الموتِ كان باطلًا عندَ أكثرِ العلماءِ. وإذا صَدَّقتْ على الإقرارِ، فادَّعَى وَصِيُّه أو وَرَثتُه أنه إقرارٌ من غيرِ استحقاقٍ؛ فإن ذلك بمنزلةِ أن يُدَّعَى في الإقرارِ أنه أقَرَّ قبلَ القَبْضِ، ومثلُ ذلك قد تنازَعَ العلماءُ في التحليفِ عليه، والصحيحُ: التحليفُ (٢). ومَن أعتقَ أَمَةً ، ثم تزَوَّجَها، ثم ملَّكَها - في صحةٍ من عقله (٣) - جميعَ ما حوَى مَسْكنُهم الذي هم فيه؛ من نُحاسٍ وقماشٍ وغيرِ ذلك مما هو خارجٌ عن لُبْسِه، ثم أقَرَّ لها بذلك إقرارًا: فأجابَ ابنُ جَماعةٍ بدرُ الدينِ: إن كان الذي ملَّكَها إيَّاه مُعيَّنًا، وأقبَضَها إيَّاه - في صحةٍ منه وجوازِ تصرُّفٍ -؛ صحَّ التمليكُ بشُروطِه، واللهُ أعلمُ.

стр. 558

وأجابَ شيخُ الإسلامِ أبو العباسِ: إذا أقَرَّ بأن جميعَ ما في بيتِه ملكُ زوجتِه، إلا السلاحَ والدوابَّ وآلةَ الخيلِ؛ كان هذا إقراراً صحيحًا يُعمَلُ بموجَبِه بلا خلافٍ، وإذا كان مُستنَدُه في ذلك: أنه ملك لزوجتِه تمليكًا (١) شرعيًّا لازمًا كان الإقرارُ صحيحاً باطنًا وظاهرًا، واللهُ أعلمُ (٢).

стр. 559

مَسْأَلَةٌ في الأمراءِ الذينَ يستدينونَ ما يحتاجونَ إليه، ويكتبُ خَطَّه الأميرُ لصاحبِه، أو يُنزلُه وكيلُه ونوَّابُه في دفترِه، ويُقرِضُ دراهمَ، وكلُّ ذلك بغيرِ حُجَجٍ وإشهادٍ، ثم يموتُ؛ فكلُّ ما وُجِد بخطِّ (١) الأميرِ، أو أخبَرَ به كاتبُه أو وكيلُه في ذلك؛ مثلُ أستادارِه (٢)؛ فإنه يجبُ العملُ بذلك؛ لأن خَطَّه كلفظِه، وإقرارَ وكيلِه فيما وكَّلَه فيه مقبولٌ، فلا يحتاجُ أصحابُ الحقوقِ إلى بَيِّنةٍ؛ لأن فيه ظلمًا للأمواتِ والأحياءِ، وخروجًا عن العدلِ المعروفِ (٣). إذا أبرَأَتْه من صَداقِها ، ثم أقَرَّ لها به؛ لم يجُزْ هذا الإقرارُ؛ لأنه قد علم أنه كذبٌ، ولو جعَلَه تمليكًا بدَلَ ذلك؛ لم يجُزْ أيضًا عندَ الجمهورِ أن يجعلَ ذلك دينًا في ذِمَّتِه؛ لأن التمليكَ لا يكونُ في الذِّمَّةِ (٤).

стр. 560

كِتَابُ الغَصْبِ مَن استعارَ فرسًا إلى مكانٍ معينٍ ، فزاد؛ ضمِنَ نقصَ الفرسِ إن نقصَتْ، وكان ظالمًا. إذا طلبَتِ الجاريةُ شيئًا من شخصٍ على لسانِ سيِّدَتِها، ولم تكُنِ السيدةُ أذِنتْ لها؛ كانت الجاريةُ غاصبةً قابضةً ذلك بغيرِ حقٍّ، فإن تلِفَ فضمانُه في رقَبتِها (١). مَن كان معَه دراهمُ حرامًا ، فأعطاها أباه وأخذ بدَلَها من دراهمِ والدِه الحلال؛ فحكمُ البدَلِ حكمُ المُبدَلِ منه، فإذا نَمَا بفعلِه ورَبِح أو كَسَب؛ ففيه نزاعٌ، أعدلُ الأقوالِ: أن يُقسمَ بينَ منفعةِ المالِ ومنفعةِ العاملِ بمنزلةِ المضاربةِ، كما فعل عمرُ في المالِ الذي اتَّجَر منه أولادُه من بيتِ المالِ (٢).

стр. 561

والكُلَفُ التي تُطلَبُ من الناسِ بحقٍّ أو غيرِ حقٍّ؛ يجبُ العدلُ فيها، ويحرُمُ أن يوفرَ فيها بعضُ الناسِ ويجعلَ قسطَه على غيرِه، ومَن قام فيها بنيةِ العدلِ، وتخفيفِ الظلمِ مهما أمكَنَ، وإعانةِ الضعيفِ لئلا يتكررَ الظلمُ عليه، بلا نيةِ إعانةِ الظالِمِ؛ كان كالمجاهِدِ في سبيلِ اللهِ تعالى إذا تحرَّى العدلَ، وابتغى وجهَ اللهِ (١). الثوابُ والجزاءُ: إنما هو على الصبرِ على المصيبةِ، لا على المصيبةِ؛ لأن المصيبةَ من فعْلِ اللهِ تعالى، وهي من جزاءِ اللهِ للعبدِ على ذنبِه، وتكفيرِه ذنبَه بها، وفي «المُسنَدِ»: أنهم دخَلوا على أبي عُبَيدةَ بنِ الجرَّاحِ وهو مريضٌ، فذكروا أنه يُؤجَرُ على مرَضِه، فقال: «ما لي من الأجرِ ولا مثلُ هذه! ولكن المصائبَ حطة» (٢)، فتبيَّنَ أن نفسَ المرضِ لا يُؤجَرُ عليه؛ بل يُكفَّرُ به عنه. وكثيرًا ما يُفهَمُ من الأجرِ: غُفْرانُ الذنوبِ، فيكونُ فيه أجرٌ بهذا الاعتبارِ. ومِن الناسِ مَن يقول: لا بدَّ فيه من التعويضِ والأجرِ والامتنانِ،

стр. 562

وقد (١) يحصُلُ له ثوابٌ بغيرِ عملٍ منه، كما يُفعَلُ عنه من أعمالِ البِرِّ. وأما الصبرُ؛ ففيه أجرٌ عظيمٌ، فمَن أُصيبَ بجُرحٍ ونحوِه، فعفا؛ كان الجُرْحُ مصيبةً يُكفَّرُ بها عنه، ويُؤجَرُ على صبرِه، وعلى إحسانِه إلى الظالِمِ بالعَفْوِ عنه. فمن توهَّمَ أن بالعَفْوِ يسقُطُ حقُّه، وينقُصُ، أو يحصُلُ له ذُلٌّ؛ فهو غالِطٌ، كما ثبَتَ في الصحيحِ أنه قال: «ثَلاثٌ إن كنتُ لحالفًا عليهِنَّ: ما زادَ اللهُ عبدًا بعَفْوٍ إلا عِزًّا، وما نَقَصَتْ صدقةٌ من مالٍ، وما تواضَعَ أحدٌ للهِ إلا رفَعَه الله» (٢). وهذا ردٌّ لما يظُنُّه من يتبع الظنَّ وما تَهْوى الأنفسُ؛ من أن العفوَ يُذِلُّه، والصدقةَ تنقُصُ مالَه، والتواضُعَ يخفِضُه، وما انتَقمَ رسولُ اللهِ ﷺ لنفْسِه قطُّ؛ إلا أن تُنتَهكَ محارمُ اللهِ فينتقِمُ للهِ (٣). والناسُ أربعةٌ: منهم من ينتصرُ لنفْسِه ولربِّه، وهو الذي فيه دِينٌ وغضبٌ. ومنهم مَن لا ينتصرُ لا لنفْسِه ولا لربِّه، وهو الذي فيه حلمٌ وضعفُ دينٍ. ومنهم من ينتقمُ لنفْسِه لا لربِّه، وهو شرُّ الأقسامِ.

стр. 563

وأما الكاملُ: فهو الذي ينتصرُ لحقِّ اللهِ، ويعفو عن حقِّ نفْسِه (١). ومَن غصَب زرعَ رجلٍ وحصَدَه ؛ أُبيحَ للفقراءِ إلْقاطُ المتساقِطِ، كما لو حصَدَها المالِكُ، كما يُباحُ رَعْيُ الكَلَأِ في الأرضِ المغصوبةِ؛ نصَّ أحمدُ على هذه المسألةِ الثانيةِ؛ لأن ما يُباحُ من الكَلَأِ واللقاطِ لا يختلفُ بالغَصْبِ وعدمِه، ولا يمنعُه حقَّ الملكِ (٢). ومَن وهَب ربعَ مكانٍ ؛ فتبيَّنَ أنه أقلُّ من ذلك؛ لم تبطُلِ الهِبَةُ (٣).

стр. 564

بَابُ الشُّفْعَةِ لا يحِلُّ الكذبُ والتحيلُ على إسقاطِ حقِّ المسلمِ من الشُّفْعةِ وغيرِها، ويجبُ على المشتري تسليمُ الشِّقْصِ بالثمنِ الذي وقَع باطنًا (١). والتحيلُ على إسقاطِها بعدَ وجوبِها؛ حرامٌ باتِّفاقِ، وإنما النِّزاعُ في الاحتيالِ عليها قبلَ الوجوبِ (٢). إذا باع المشتري الشِّقْصَ المشفوعَ ؛ فلا تسقُطُ الشُّفْعةُ، وإن وقَفَه أو وهَبَه؛ ففيه نزاعٌ. وحيثُ حكَم الحاكمُ للشفيعِ بالشُّفْعةِ؛ فلا يُنقَضُ الوقفُ، إلا إذا أخذ الشفيعُ الشِّقْصَ، أما مجرَّدُ الحكمِ باستحقاقِه فلا؛ لكن ما وُجِد من التصرفاتِ لأجلِ الاحتيالِ على إسقاطِ الشُّفْعةِ؛ فهو باطلٌ، فإذا أظهَرَ صورةَ أن البَيْعَ باطلٌ لتخلُّفِ شَرْطِه؛ بأن ادَّعَى عدَمَ الرؤيةِ المعتبَرةِ، وردَّ المبيعَ، ثم وقَفه البائعُ على المشتري حيلةً؛ فكلُّه باطلٌ،

стр. 565

وحقُّ الشفيعِ ثابتٌ إلا أن يتركَه. والمالُ المكسوبُ عِوضَ عينٍ محرمةٍ ، أو منفعةٍ محرمةٍ: إن كانت العينُ أو المنفعةُ مباحةً في نفْسِها، وإنما حرُمَتْ بالقصدِ؛ مثلُ مَن يبيعُ عنبًا لمن يتخذُه خمرًا، أو من يُستأجَرُ لعصرِ الخمرِ أو حَمْلِها، فهذا يفعلُه بالعِوَضِ؛ لكن لا يطيبُ له أكْلُه. وأما إن كانت العينُ أو المنفعةُ محرمةً؛ كمهرِ البغيِّ، وثمنِ الخمرِ: فهنا لا يُقضَى له به قبلَ القبضِ، ولو أعطاه إيَّاه؛ لم يُحكَمْ برَدِّه إلى باذِلِه، فإن هذا معونةٌ لهم على المعاصي؛ إذا جمع لهم بينَ العوضِ والمعوضِ، ولا يَحِلُّ هذا المالُ للبَغِيِّ والخَمَّارِ ونحوِهما؛ لكن يُصرَفُ في مصالحِ المسلمِينَ، فإن تابَتْ هذه البَغِيُّ وهذا الخَمَّارُ، وكانوا فقراءَ؛ جاز أن يُصرَفَ إليهم من هذا المالِ مقدارُ حاجتِهم، فإن يقدرْ يتَّجِر، أو يعمل صَنْعةً؛ كالنَّسْجِ والغزلِ؛ أُعطِي ما يكونُ له رأسَ مالٍ، وإن اقتَرَضوا منه شيئًا ليكتسبوا به، ولم يرُدُّوا عوضَ القرضِ؛ [كان] (١) أحسَنَ. وأما إذا تصدَّقَ به لاعتقادِه أنه لا يحلُّ عليه أن يتصدقَ به؛ هذا يُثابُ على ذلك. وأما إذا تصدَّقَ به كما يتصدَّقُ المالكُ بملكِه؛ فهذا لا يقبلُه اللهُ، إن اللهَ لا يقبَلُ إلا الطيبَ، فهذا خبيثٌ؛ كما قال النبيُّ ﷺ : «مَهْرُ البَغِيِّ خبيثٌ» (٢).
следующие страницы →