والكُلَفُ التي تُطلَبُ من الناسِ بحقٍّ أو غيرِ حقٍّ؛ يجبُ العدلُ فيها، ويحرُمُ أن يوفرَ فيها بعضُ الناسِ ويجعلَ قسطَه على غيرِه، ومَن قام فيها بنيةِ العدلِ، وتخفيفِ الظلمِ مهما أمكَنَ، وإعانةِ الضعيفِ لئلا يتكررَ الظلمُ عليه، بلا نيةِ إعانةِ الظالِمِ؛ كان كالمجاهِدِ في سبيلِ اللهِ تعالى إذا تحرَّى العدلَ، وابتغى وجهَ اللهِ (١).
الثوابُ والجزاءُ: إنما هو على الصبرِ على المصيبةِ، لا على المصيبةِ؛ لأن المصيبةَ من فعْلِ اللهِ تعالى، وهي من جزاءِ اللهِ للعبدِ على ذنبِه، وتكفيرِه ذنبَه بها، وفي «المُسنَدِ»: أنهم دخَلوا على أبي عُبَيدةَ بنِ الجرَّاحِ وهو مريضٌ، فذكروا أنه يُؤجَرُ على مرَضِه، فقال: «ما لي من الأجرِ ولا مثلُ هذه! ولكن المصائبَ حطة» (٢)، فتبيَّنَ أن نفسَ المرضِ لا يُؤجَرُ عليه؛ بل يُكفَّرُ به عنه.
وكثيرًا ما يُفهَمُ من الأجرِ: غُفْرانُ الذنوبِ، فيكونُ فيه أجرٌ بهذا الاعتبارِ.
ومِن الناسِ مَن يقول: لا بدَّ فيه من التعويضِ والأجرِ والامتنانِ،
стр. 562
وقد (١) يحصُلُ له ثوابٌ بغيرِ عملٍ منه، كما يُفعَلُ عنه من أعمالِ البِرِّ.
وأما الصبرُ؛ ففيه أجرٌ عظيمٌ، فمَن أُصيبَ بجُرحٍ ونحوِه، فعفا؛ كان الجُرْحُ مصيبةً يُكفَّرُ بها عنه، ويُؤجَرُ على صبرِه، وعلى إحسانِه إلى الظالِمِ بالعَفْوِ عنه.
فمن توهَّمَ أن بالعَفْوِ يسقُطُ حقُّه، وينقُصُ، أو يحصُلُ له ذُلٌّ؛ فهو غالِطٌ، كما ثبَتَ في الصحيحِ أنه قال: «ثَلاثٌ إن كنتُ لحالفًا عليهِنَّ: ما زادَ اللهُ عبدًا بعَفْوٍ إلا عِزًّا، وما نَقَصَتْ صدقةٌ من مالٍ، وما تواضَعَ أحدٌ للهِ إلا رفَعَه الله» (٢).
وهذا ردٌّ لما يظُنُّه من يتبع الظنَّ وما تَهْوى الأنفسُ؛ من أن العفوَ يُذِلُّه، والصدقةَ تنقُصُ مالَه، والتواضُعَ يخفِضُه، وما انتَقمَ رسولُ اللهِ ﷺ لنفْسِه قطُّ؛ إلا أن تُنتَهكَ محارمُ اللهِ فينتقِمُ للهِ (٣).
والناسُ أربعةٌ:
منهم من ينتصرُ لنفْسِه ولربِّه، وهو الذي فيه دِينٌ وغضبٌ.
ومنهم مَن لا ينتصرُ لا لنفْسِه ولا لربِّه، وهو الذي فيه حلمٌ وضعفُ دينٍ.
ومنهم من ينتقمُ لنفْسِه لا لربِّه، وهو شرُّ الأقسامِ.
стр. 563
وأما الكاملُ: فهو الذي ينتصرُ لحقِّ اللهِ، ويعفو عن حقِّ نفْسِه (١).
ومَن غصَب زرعَ رجلٍ وحصَدَه ؛ أُبيحَ للفقراءِ إلْقاطُ المتساقِطِ، كما لو حصَدَها المالِكُ، كما يُباحُ رَعْيُ الكَلَأِ في الأرضِ المغصوبةِ؛ نصَّ أحمدُ على هذه المسألةِ الثانيةِ؛ لأن ما يُباحُ من الكَلَأِ واللقاطِ لا يختلفُ بالغَصْبِ وعدمِه، ولا يمنعُه حقَّ الملكِ (٢).
ومَن وهَب ربعَ مكانٍ ؛ فتبيَّنَ أنه أقلُّ من ذلك؛ لم تبطُلِ الهِبَةُ (٣).
стр. 564
بَابُ الشُّفْعَةِ
لا يحِلُّ الكذبُ والتحيلُ على إسقاطِ حقِّ المسلمِ من الشُّفْعةِ وغيرِها، ويجبُ على المشتري تسليمُ الشِّقْصِ بالثمنِ الذي وقَع باطنًا (١).
والتحيلُ على إسقاطِها بعدَ وجوبِها؛ حرامٌ باتِّفاقِ، وإنما النِّزاعُ في الاحتيالِ عليها قبلَ الوجوبِ (٢).
إذا باع المشتري الشِّقْصَ المشفوعَ ؛ فلا تسقُطُ الشُّفْعةُ، وإن وقَفَه أو وهَبَه؛ ففيه نزاعٌ.
وحيثُ حكَم الحاكمُ للشفيعِ بالشُّفْعةِ؛ فلا يُنقَضُ الوقفُ، إلا إذا أخذ الشفيعُ الشِّقْصَ، أما مجرَّدُ الحكمِ باستحقاقِه فلا؛ لكن ما وُجِد من التصرفاتِ لأجلِ الاحتيالِ على إسقاطِ الشُّفْعةِ؛ فهو باطلٌ، فإذا أظهَرَ صورةَ أن البَيْعَ باطلٌ لتخلُّفِ شَرْطِه؛ بأن ادَّعَى عدَمَ الرؤيةِ المعتبَرةِ، وردَّ المبيعَ، ثم وقَفه البائعُ على المشتري حيلةً؛ فكلُّه باطلٌ،
стр. 565
وحقُّ الشفيعِ ثابتٌ إلا أن يتركَه.
والمالُ المكسوبُ عِوضَ عينٍ محرمةٍ ، أو منفعةٍ محرمةٍ: إن كانت العينُ أو المنفعةُ مباحةً في نفْسِها، وإنما حرُمَتْ بالقصدِ؛ مثلُ مَن يبيعُ عنبًا لمن يتخذُه خمرًا، أو من يُستأجَرُ لعصرِ الخمرِ أو حَمْلِها، فهذا يفعلُه بالعِوَضِ؛ لكن لا يطيبُ له أكْلُه.
وأما إن كانت العينُ أو المنفعةُ محرمةً؛ كمهرِ البغيِّ، وثمنِ الخمرِ: فهنا لا يُقضَى له به قبلَ القبضِ، ولو أعطاه إيَّاه؛ لم يُحكَمْ برَدِّه إلى باذِلِه، فإن هذا معونةٌ لهم على المعاصي؛ إذا جمع لهم بينَ العوضِ والمعوضِ، ولا يَحِلُّ هذا المالُ للبَغِيِّ والخَمَّارِ ونحوِهما؛ لكن يُصرَفُ في مصالحِ المسلمِينَ، فإن تابَتْ هذه البَغِيُّ وهذا الخَمَّارُ، وكانوا فقراءَ؛ جاز أن يُصرَفَ إليهم من هذا المالِ مقدارُ حاجتِهم، فإن يقدرْ يتَّجِر، أو يعمل صَنْعةً؛ كالنَّسْجِ والغزلِ؛ أُعطِي ما يكونُ له رأسَ مالٍ، وإن اقتَرَضوا منه شيئًا ليكتسبوا به، ولم يرُدُّوا عوضَ القرضِ؛ [كان] (١) أحسَنَ.
وأما إذا تصدَّقَ به لاعتقادِه أنه لا يحلُّ عليه أن يتصدقَ به؛ هذا يُثابُ على ذلك.
وأما إذا تصدَّقَ به كما يتصدَّقُ المالكُ بملكِه؛ فهذا لا يقبلُه اللهُ، إن اللهَ لا يقبَلُ إلا الطيبَ، فهذا خبيثٌ؛ كما قال النبيُّ ﷺ : «مَهْرُ البَغِيِّ خبيثٌ» (٢).
стр. 566
ولا يجوزُ خياطةُ الحريرِ لمن لبسَهُ لباسًا محرمًا؛ مثلُ لُبْسِه مُصمتًا للرجلِ في غيرِ حربٍ وتداوٍ؛ لأنه من الإعانةِ على الإثمِ والعدوانِ.
وكذلك ما كان من هذا البابِ؛ مثلُ: صَنْعةِ الذَّهَبِ لمن لبسَهُ لباسًا محرمًا، وكذلك الآنيةُ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ على أصَحِّ القولَينِ عندَ جماهيرِ العلماءِ.
وكذلك صَنْعةُ آلاتِ اللهوِ، وتصويرُ الحيوانِ، وتصويرُ الأوثانِ والصُّلْبانِ، وأمثالُ ذلك مما فيه تصويرُ الشيءِ على صورةٍ يحرُمُ استعمالُه فيها.
وكذلك صَنْعةُ الخمرِ، وأمكنةُ الكفرِ والمعاصي، والعِوَضُ المأخوذُ على ذلك العملِ المحرمِ؛ خبيثٌ، ويجبُ إنكارُ ذلك.
وأما خياطتُه لمن يلبَسُه لباسًا جائزًا؛ فهو مباح؛ كالنساء، وإن كان الرجلُ يَمَسُّه عندَ الخياطةِ.
ويجوزُ استعمالُ خُيوطِ الحريرِ في لباسِ الرجالِ، وكذلك العَلَمُ والسِّجافُ (١)؛ موضعَ إصبَعين أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ (٢).
стр. 567
ومَن ورِثَ من آبائِه ملكًا هو للسلطانِ مقاسَمة الثلث ثلث المغَلِّ؛ فليس لأحدٍ أن ينزِعَ حقوقَ الناسِ التي بأيديهم، ولا يجوزُ رفعُ أيدي المسلمِينَ الثابتةِ على حقوقِهم؛ إذ الأرضُ الخراجيةُ كالسوادِ وغيرِه نُقِل من المخارجةِ إلى المقاسمةِ، كما فعل ذلك المنصورُ بسوادِ العراقِ، وأُقِرَّتْ بيد أهلِها، وهي تنتقلُ عن أهلِها إلى ذُرِّيتِهم وغيرِهم بالإرثِ والوصيةِ والهِبَةِ، وكذلك البيع في أصحِّ قولي العلماءِ؛ إذ حكمُها بيدِ المشتري كحكمِها بيدِ البائعِ، وليس هذا تَبعًا للوقفِ الذي لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ، كما غلِط في ذلك مَن منَعَ بَيْعَ أرضِ السوادِ معتقدًا أنها كالوَقْفِ الذي لا يجوزُ بيعُه؛ معَ أنه يجوزُ أن يُورَثَ ويُوهَبَ؛ إذ لا خلافَ في هذا؛ بل ينبغي أن يَبيعَ (١) ما لبيتِ المالِ من هذه الأَرَضِينَ، وما لبيتِ المالِ من المقاسمةِ الذي هو بمنزلةِ الخَراجِ، فمثلُ هذا لا يُباعُ لما فيه من إضاعةِ حقوقِ المسلمِينَ (٢).
ومَن أخذَ مالَ أستاذِه ، فاشترى به مماليكَ وأعتَقَهم؛ فإن كان اشترى بإذنِه؛ فلا يصِحُّ العتقُ إلا بإذنِه، وإن اشترى بمالِه بغيرِ إذنِه؛ فلصاحبِ المالِ أخذُهم، وله أن يغرمَه مالَه، وإذا أعتَقَهم هذا المشتري
стр. 568
إِذَنْ؛ فلصاحبِ المالِ أخذُهم، والعتقُ باطلٌ (١).
لا يجوزُ أن يُزاحَمَ مَن فرَض له وليُّ الأمرِ على الصدقاتِ فرضًا لأجلِ فقرِه، فلا يجوزُ انتزاعُه من يدِه، وإذا حرُم السَّوْمُ على سَوْمِ الرجلِ في المعاوضاتِ؛ فهذا أشدُّ تحريمًا من ذلك.
نِتاجُ الدابةِ لمالِكِها ، ولا يَحِلُّ للغاصِبِ؛ لكن إن كان النِّتاجُ مُستولَدًا مِن عمَلِ المستولي؛ فمِن الناسِ مَن يجعلُ النَّماءَ بينَ المالكِ والعاملِ كالمضارَبةِ ونحوِها (٢).
стр. 569
كتابُ المُسَاقَاةِ
المزارعةُ على الأرضِ بشطرِ ما يخرُجُ منها؛ جائزٌ؛ سواءٌ كان البَذْرُ من ربِّ الأرضِ، أو من العاملِ؛ هذا هو الصوابُ الذي دلَّتْ عليه سنةُ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنه زارَعَ أهلَ خَيْبَرَ على شَطْرِ ما يخرُجُ منها من ثمرٍ وزرعٍ؛ على أن يعمُروها من أموالِهم (١).
والمزارعةُ على الأرضِ البيضاءِ مذهَبُ الثوريِّ، وابنِ أبي ليلى، وأحمدَ ابن حنبل، وأبي يوسُفَ، ومحمدِ، والمحقِّقينَ من أصحابِ الشافعيِّ العلماءِ بالحديثِ، وبعضِ أصحابِ مالكٍ وغيرِهم.
ونَهْيُه عن المُخابَرةِ: هي أنهم كانوا يعاملونَ ويشترطونَ للمالِكِ بقعةً معينةً من الأرضِ، وهذا باطلٌ باتفاق، كما لو شرَطَ دراهمَ مقدرةً في المضارَبةِ (٢).
ومَن استأجَرَ أرضًا بجزءٍ من زرعِها؛ فظاهرُ المذهبِ صِحَّتُها؛ سواءٌ سُمِّيتْ إجارةً أو مزارعةً، فإن لم يزرَعِ الأرض، وصحَّحْناها؛ ضُمِنتْ
стр. 570
بالمُسمَّى الصحيح، وهنا ليس هو في الذِّمَّةِ، [فيُنظَرُ] (١) إلى معدلِ المُغَلِّ، فيجبُ القسطُ المسمَّى فيه.
وإذا جعَلْناها مزارعةً صحيحةً؛ فينبغي أن تُضمَنَ بمثلِ ذلك؛ لأن المعنى واحدٌ.
وإن أفسَدْناها وسَمَّيْناها إجارةً؛ ففي الواجبِ قولانِ:
أحدُهما: أجرةُ المثلِ؛ وهو ظاهرُ قولِ أصحابِنا وغيرِهم.
والثاني: قسطُ المثلِ؛ وهذا هو التحقيقُ.
وأجاب بعضُ الناسِ: أن هذه إجارةٌ فاسدةٌ، فيجبُ بالقبضِ فيها أجرةُ المثلِ (٢).
وضمانُ البساتينِ التي فيها أرضٌ وشجرٌ عدةَ سنينَ؛ صحيحٌ في أحدِ قولَيِ العلماءِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه، وهو الصحيحُ الذي اختارَه ابنُ عَقيلٍ وغيرُه، وثبَتَ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطابِ: أنه ضمَّنَ حديقةً لأُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ بعدَ موتِه ثلاثَ سنينَ، ووفَّى بالضمانِ دينَه (٣).
فهذه الضماناتُ التي لبساتينِ دِمَشْقَ الشتويةِ التي فيها أرضٌ وشجرٌ؛ ضماناتٌ صحيحةٌ، وإن كان قد كُتب في المكتوبِ إجارةُ الأرضِ
стр. 571
والمساقاةُ على الشجرِ؛ فالمقصودُ الذي اتَّفَقا عليه هو الضمانُ المذكورُ، والعِبْرةُ في العقودِ بالشروطِ التي اتَّفقَ عليها المتعاقدانِ، والمقاصِدُ مُعتبَرةٌ في العقودِ، والذي (١) نهى عنه النبيُّ ﷺ من بيعِ الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها (٢)؛ هو بيعُ الثمرِ المجرَّدِ، كما تُباعُ الكرومُ في دِمَشْقَ؛ بحيثُ يكونُ السَّقْيُ والعملُ على البائعِ، والضماناتُ شبيهةٌ بالمؤاجراتِ (٣).
ومَن أعطى أرضَه لرجلٍ يغرِسُها بجزءٍ معلومٍ، وشرَط عليه عِمارتَها، فغرَس بعضَ الأرضِ، وتعطَّلَ ما في الأرضِ من الغراسِ؛ فإذا لم يقُمْ بما شرَطَ عليه؛ كان لربِّ الأرضِ الفَسْخُ، وإذا فسَخ العاملُ أو كانت فاسدةً؛ فلربِّ الأرضِ أن يتمَلَّكَ نصيبَ الغارسِ بقيمتِه إذا لم يتفقا على القلعِ (٤).
ومَن رُتِّبَ له على فائضِ مسجدٍ رزقُه - على الحكمِ أو الخطابةِ -، فبَقِي سنتين لا يتناولُ شيئًا لعدمِ الفائضِ، ثم زادَ الريعُ في السَّنةِ الثالثةِ، وليس له مصارفُ شرعيةٌ، واقتضى نظَرُ الإمامِ أن يصرِفَه إلى الحاكم عِوَضًا عما فاتَه في الماضي؛ جاز ذلك، وإن كان له مصارِفُ شرعيةٌ بالشرطِ؛ لم يجُزْ؛ بل يُصرَفُ إلى مصارِفِه (٥).
стр. 572
ومزارعةُ الإقطاعِ جائزةٌ ؛ كالملكِ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، ولا يجوزُ أن يشترطَ على العاملِ شيئًا معينًا كدجاجٍ ونحوِه، وتجوزُ الشهادةُ عليها، ولو كان الشاهدُ ممن لا يجيزُها؛ لأنه عقدٌ مختلَفٌ فيه، والشاهدُ يشهَدُ بما جرى، والمحققونَ من أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ على تجويزها، كما هو مذهَبُ فقهاءِ الحديثِ (١).
وإذا ألزموا الفلاحَ بعُشْرِ ما على الجنديِّ المزارعِ، فيؤدِّيه من مالِ الجنديِّ؛ فإنه حقٌّ ثابتٌ بيِّنٌ لا نزاعَ فيه، ليس حقًّا خفيًّا، ولا يمكنُ الجنديَّ جَحْدُه، فهو بمنزلةِ حقِّ هندٍ على أبي سفيانَ، فإن حقَّ النفقةِ للزوجةِ ظاهرٌ، لا يمكنُ جَحْدُه، فقال: «خذي ما يَكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ» (٢)، بخلافِ الخَفِيِّ الذي قال فيه: «أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائْتمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» (٣)، لما قال له: إنَّ لنا جِيرانًا لا يدَعونَ لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا أخَذوها، فإذا قدَرْنا لهم على شيءٍ أنأخُذُه؟ فقال: «أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائْتمَنَكَ»؛ لأن الحقَّ هنا خَفِيٌّ، فإذا أخَذ شيئًا من غيرِ استحقاقٍ ظاهرٍ؛ كان خيانةً (٤).
стр. 573
كتَابُ الإِجَارَةِ
إذا دلَّس المستأجِرُ على المُؤجِرِ ؛ مثلُ أن يكونَ أخبَرَه أن قيمةَ الأرضِ في الناحيةِ كذا؛ بما ينقُصُ عن قيمتِها، ولم يكُنِ الأمرُ كذلك، فأَجَرَه بمالٍ، ثم تبيَّنَ له؛ فله فسخُ الإجارةِ.
وكذلك إن أخبرَه أنه ليس هناك مَن يستأجِرُه، وكان له طلابٌ، أو أخبَرَه أن هذا سعرُه، ولم يكُنْ سعرَه، وأمثالُ ذلك (١).
وإذا أجَّرَ الوَصِيُّ بدونِ أجرةِ المثلِ ؛ كان ضامنًا لما فوَّتَه على اليتيمِ، وليسَتِ الإجارةُ لازمةً، فلليتيمِ فسخُها بعدَ رُشْدِه؛ بل هي باطلةٌ في أحدِ قولَيِ العلماءِ، وفي الآخَرِ: له أن يفسَخَها.
ثم إن كان المستأجِرُ لم يعلم بتحريمِ ما فعَلَه الوَصِيُّ؛ كان له أن يُضَمِّنَه ما لم يلتزمْ ضمانَه، وإن علِم؛ استقرَّ الضمانُ عليه، بل إذا أَجَرَه بأجرةِ المثلِ مدةً يعلمُ أن الصبيَّ يبلُغُ في أثنائِها؛ فأكثرُ العلماءِ يُجوِّزونَ لليتيمِ الفسخَ (٢).
стр. 574
وصناعةُ التنجيمِ والاستدلالُ بها على الحوادثِ ؛ محرَّمٌ بإجماعِ المسلمِينَ، وأخذُ الأجرة على ذلك، ويُمنعُ (١) من الجلوسِ في الحوانيتِ والطُّرُقاتِ، ويُمنَعُ الناسُ من أن يُكروهم، والقيامُ في ذلك من أفضلِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ تعالى (٢).
وليس للمُؤجِرِ فسخُ الإجارةِ بموتِ المستأجرِ عندَ جماهيرِ العلماءِ، لكن منهم مَن قال: تحلُّ الأجرةُ، وتُستوفَى من تَرِكتِه، فإن لم يكُنْ له تَرِكةٌ؛ فسَخ الإجارةَ.
ومنهم من قال: لا تحلُّ إذا وثَّق الوَرَثةُ، وهذا أظهرُ القولَينِ لأحمدَ، واللهُ أعلمُ (٣).
ومَن أَجَرَ أرضَه وساقاه على الشجرِ ، ثم قطَعَ المُؤجِرُ بعضَ الشجرِ؛ فقد نقَصَ من العوضِ المستحَقِّ بقدرِ ما نقَصَ من المنفعةِ، وهذا وإن كان في اللفظِ إجارةٌ ومساقاةٌ فهي في المعنى المقصودِ؛ عوضٌ عن الجميعِ.
وقد تنازَعَ العلماءُ في صحةِ هذا العقدِ؛ وسواءٌ قيلَ بصحتِه أو فسادِه، فما ذهب من الشجرِ ذهب ما يقابِلُه من العِوَضِ؛ سواءٌ كان
стр. 575
بقطعِ المالِكِ، أو غيرِ قطعِه (١).
وتجوزُ إجارةُ أرضِ مصرَ ؛ سواءٌ شمِلَها الماءُ أو لم يشمَلْها إذا كانت الأرضُ مما قد جرَتِ العادةُ بأن الرِّيَّ يشمَلُها، كما تُكرَى الأرضُ التي جرَتْ عادتُها أن تشربَ من الماءِ قبلَ أن يتنزَّلَ المطرُ عليها، وهذا مذهَبُ أئمةِ المسلمِينَ؛ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأحمدَ، وهو أيضًا مذهَبُ الشافعيِّ الصحيحُ عنه، ولكنَّ بعضَ أصحابِه غلِطَ في معرفةِ مذهبِه، فلم يُفرِّقْ بينَ الأرضِ التي ينالُها الماءُ غالبًا والتي لا ينالُها إلا نادرًا، كالتي تشربُ (٢) في أغلبِ الأوقاتِ.
ثم هذه الأرضُ التي صحَّتْ إجارتُها؛ إن شَمِلها الرِّيُّ وأمكنَ الزرعُ المعتادُ؛ وجبَتِ الأجرةُ، وإن لم يَرْوَ منها شيءٌ؛ فليسَ على المستأجِرِ شيءٌ من الأجرةِ، وإن رَوِيَ بعضُها؛ وجَبَ من الأجرةِ بقدرِه، ومَن ألزمَ المستأجِرَ بالأجرةِ إذا لم تَرْوَ الأرضُ؛ فقد خالَفَ إجماعَ المسلمِينَ.
وإذا كان كذلك؛ فلا حاجةَ إلى قولِه: (أجَرْتُكَها مَقيلًا ومَراحًا)، ولا فائدةَ فيه، وإنما فعَلَ ذلك مَن ظنَّ أنه لا تجوزُ الإجارةُ قبلَ رِيِّ الأرضِ، والذي فعلوه من إجارتِها مَقيلًا أو مَراحًا؛ باطلٌ بإجماعِ المسلمِينَ من وجهَينِ:
стр. 576
أحدُهما: أنها لا تصلُحُ مَقيلًا ولا مَراحًا؛ لأن الماشيةَ لا تقيلُ إلا بأرضٍ تقيمُ بها عادةً بقربِ ما ترعاه وتشربُ منه، أما الفيافي التي ليس بها ماءٌ ولا زرعٌ ولا عمارةٌ؛ فلا تصلُحُ مَقيلًا ومَراحًا، وإجارةُ العينِ لمنفعةٍ ليست فيها؛ باطلةٌ.
الثاني: أن هذه المنفعةَ إذا كانت حاصلةً؛ فهي غيرُ مُتقَوَّمةٍ في مثلِ هذه الأرضِ؛ بل البَرِّيَّةُ كلُّها تشاركُ هذه الأرضَ في كونِها مَقيلًا ومَراحًا، والمنفعةُ التي لا قيمةَ لها في العادةِ، بمنزلةِ الأعيانِ التي لا قيمةَ لها؛ لا يصحُّ أن يَرِدَ عليها عقدُ إجارةٍ ولا بيعٍ باتِّفاق؛ كالاستظلالِ، والاستضاءةِ بنارِه من بُعْدٍ، والناسُ يعلمونَ: هل رَوِيتْ، أم لا؟ (١).
فَصْلٌ
إذا كانت الإجارةُ لازمةً ؛ فليس للمؤجِرِ أن يُحوِّلَهُ قبلَ انقضاءِ المدةِ؛ سواءٌ حصَلتْ زيادةٌ في أثناءِ المدةِ أو لم تحصُلْ، وسواءٌ كانت العينُ وقفًا أو طلقًا؛ ليتيمٍ أو غيرِه، هذا مذهَبُ الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم، لم يقُلْ أحدٌ من المسلمِينَ: إن الإجارةَ المطلقةَ تكونُ لازمةً من أحدِ الطرفينِ في وقفٍ ولا غيرِه، وإن شذَّ بعضُ المتأخِّرِينَ فحكَى نزاعًا في بعضِ ذلك؛ فهو مسبوقٌ باتِّفاقِ الأئمَّةِ قبلَه.
стр. 577
فلا يجوزُ قبولُ الزيادةِ في وقفٍ ولا غيرِه، إلا حيثُ لا تكونُ الإجارةُ لازمةً؛ مثلُ: كلَّ يومٍ بكذا، ففي كلِّ يومٍ له أن يُخرِجَه، وله هو أن يَخرُجَ؛ فهو متمكنٌ من الإخلاءِ، والمؤْجِرُ مثلُه (١).
ليس للناظرِ ولا وليِّ اليتيمِ أن يسلمَ ما يتصرَّفُ فيه إلا بإجارةٍ شرعيةٍ، وكذلك الوكيلُ معَ مُوكِّلِه، وكلُّ متصرفٍ بحكمِ الولايةِ.
وليس للناظرِ أن يجعلَ الإجارةَ لازمةً من جهةِ المستأجِرِ، جائزةً من جِهَتِه؛ فإن هذا خلافُ الإجماعِ.
بل إن اعتقدَ صحةَ الإجارةِ والبيعِ ونحوِها بما جرَتْ به العادةُ - كما هو قولُ الجمهورِ-: جاز له أن يسلِّمَه بما هو إجارةٌ في العرفِ، وإن كان (٢) لا يرى صحةَ ذلك إلا باللفظِ؛ كان عليه ألا يسلِّمَها إلا إذا أَجَرَها باللفظِ.
ومَن اعتقدَ جوازَ بيعِ المعاطاةِ؛ سلَّمَه بهذا البيعِ، وإن اعتقدَ عدمَ صحتِه؛ لم يكُنْ له أن يسلِّمَه بالمعاطاةِ.
فكلُّ مَن اعتقد شيئًا؛ وجَبَ عليه العملُ به له وعليه، ليس لأحدٍ أن يعتقدَ أحدَ القولَينِ فيما له دونَ ما عليه، كمن يعتقدُ أنه إذا كان جارًا استحَقَّ شُفْعةَ الجوارِ، وإذا كان مشتريًا؛ لم تجبْ عليه شُفْعةُ الجوارِ،
стр. 578
وإذا كان من الإخوةِ من الأمِّ في المشرَّكةِ؛ أسقَطَ ولدَ الأبوَينِ، وإن كان هو من الإخوةِ للأبوينِ؛ ورِثَ وشارَكَ، وإذا كان هو المُدَّعِي؛ قَضى له بالنُّكولِ، وإذا كان مُدَّعًى عليه؛ قَضى بردِّ اليمينِ، وأمثالُ ذلك كثيرٌ، فليس لأحدٍ أن يعتقدَ في مسألةِ نزاعٍ مثلِ هذا باتِّفاقِ المسلمِينَ، فإن مضمونَ هذا: أن يُحلِّلَ لنفْسِه ما يُحرِّمُه على مثلِه، وبالعكسِ، ويوجبَ على غيرِه ما لا يوجبُه على نفْسِه معَ تساويهما، فمن اعتقدَ جوازَ ذلك؛ فهو كافرٌ، فالمؤجِرُ يلتزمُ له وعليه ما يعتقِدُه، فإذا سلَّمَ العينَ بإجارةٍ يُجوِّزُها لنفْسِه ويطلبُ الأجرة التي سمَّاها؛ لم يحِلَّ له أن يقبلَ زيادةً (١).
ومَن زاد على مَن هو يَكْتري ، أو مساوِم رُكن إليه؛ وجَبَ تعزيرُ الزائدِ الذي يُضارِرُه.
ويجوزُ إجارةُ الإقطاعِ ، وإذا أُقطِعَتْ لآخَرَ صارَتْ له من حينِ أُقطِعَ، فإن شاء أَجَرَ لذلك المستأجِرِ، وإن شاء لم يُؤْجِرْها له، وإن كان للمستأجِرِ فيها زرعٌ؛ أبقاه بأجرةِ المثلِ إلى حينِ كمالِه (٢).
стр. 579
فَصْلٌ
هل يجوزُ ضمانُ البساتينِ والأرضِ التي (١) فيها النخلُ أو الشجرُ الذي لم يَبْدُ صلاحُه؟ في المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ:
قيلَ: لا يجوزُ بحالٍ، بناءً على أنه داخلٌ فيما نُهي عنه من بيعِ الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها، وهذا هو المعروفُ عن الشافعيِّ وأحمد [وهو منقول عن] (٢) نصِّه، ومذهبُ أبي حنيفةَ أشدُّ منعًا.
وتنازَعَ هؤلاءِ: هل يجوزُ الاحتيالُ على ذلك؛ بأن يُؤْجِرَ الأرضَ، ويساقيَ على الشجرِ بجزءٍ يسيرٍ؟ على قولَينِ:
المنصوصُ عن أحمدَ: أنه لا يجوزُ.
وذكر القاضي أبو يَعْلى: أنه يجوزُ (٣)، وهو المعروفُ عندَ أصحابِ الشافعيِّ.
وهذه الحيلةُ قد تتعذَّرُ على أصلِ مُصحِّحي الحيَلِ، وهي باطلةٌ من وجوهٍ:
أحدُها: أن الأمكنةَ قد تكونُ وقفًا، أو ليتيمٍ ونحوِه ممن يتصرفُ في مالِه بحكمِ الولايةِ، فالمساقاةُ على ذلك بجزءٍ يسيرٍ لا تجوزُ، واشتراطُ
стр. 580
أحدِ العقدينِ في الآخَرِ لا يجوزُ.
الثاني: أن الفسادَ الذي [من أجله] (١) نُهي عن بيعِ الثمرةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها؛ من كونِه غَررًا وهو من جنسِ القِمارِ؛ موجودٌ في هذه المعاملةِ أكثرَ من وجودِه عندَ مجرَّدِ بيعِ الثمرةِ.
الثالثُ: أن استئجارَ الأرضِ التي تساوي مائةً بألفٍ، والمساقاةَ على الثمرةِ بجزءٍ من ألفِ جزءٍ؛ فعلُ السفهاءِ الذينَ يستحِقُّونَ الحَجْرَ عليهم، فضلًا عن إمضاءِ فعلِهم والحكمِ بصحتِه.
وأيضًا: له أن يطالِبَه بجميعِ الأجرةِ؛ حصَلَتِ الثمرةُ أو لم تحصُل، فليس هذا من أفعالِ الرشيدينَ؛ لا سيَّما إن كان المتصرفُ ممن لا يملِكُ التبرعَ، وليس الفقيهُ من عمَدَ إلى ما نهى عنه النبيُّ ﷺ دفعًا لفسادٍ يحصُلُ لهم، فعدَل عنه إلى ما فسادُه أشدُّ منه، فإنه بمنزلةِ المستجيرِ من الرَّمْضاءِ بالنارِ، وهذا يتسلمُ من قاعدةِ إبطالِ الحيلِ، فإن كثيرًا منها يتضمَّنُ من الفسادِ والضررِ أكثرَ مما في إتيان المنهيِّ عنه ظاهرًا، كما قال أيوبُ السَّخْتِيانيُّ: «يُخادِعونَ اللهَ كأنما يُخادِعونَ الصبيانَ، لو أتَوُا الأمرَ على وجهِه كان أهونَ عليَّ» (٢).
ولهذا يوجدُ في نكاحِ التحليلِ من الفسادِ أعظمُ مما يوجدُ في نكاحِ المتعةِ؛ إذ المتمتِّعُ قاصدٌ للنكاحِ إلى وقتٍ، والمُحلِّلُ غيرُ قاصدٍ، فكلُّ
стр. 581
فسادٍ نُهي عنه المتمتع فهو في التحليلِ وزيادةٌ، ولهذا تُنكِرُ قلوبُ الناسِ التحليلَ أعظمَ من المتعة، والمتعةُ أُبيحَتْ أولَ الاسلامِ، وتنازَعَ السَّلَفُ في بقاءِ الحلِّ، والتحليلُ لم يُبَحْ قطُّ، ومَن شنَّعَ على الشيعةِ بإباحةِ المتعةِ معَ إباحتِه للتحليلِ؛ فقد سلَّطَهم على القدحِ في السُّنَّةِ، كما يُسلِّطُ النصارى على القدحِ في الإسلامِ بمثلِ إباحةِ التحليلِ؛ حتى قالوا: إن هؤلاءِ قال لهم نبِيُّهم: إذا طلَّقَ أحدُكم امرأتَه لم تَحِلَّ له حتى تزنيَ، وذلك أن نكاحَ التحليلِ سِفاحٌ، كما سَمَّاه الصحابةُ (١).
والقولُ الثاني: أنه إن كان منفعةُ الأرضِ هو المقصودَ والشجرُ تبعٌ؛ جاز أن تُؤْجَرَ الأرضُ، ويدخُلُ في ذلك الشجرُ تَبَعًا، وهذا قولُ مالكٍ، ويُقدَّرُ التابعُ بقدرِ الثلثِ، ويجوزُ من بيعِ الثمر قبلَ بُدُوِّ صلاحِها ما يدخُلُ ضمنًا وتبعًا، كما جاز أن يشترطَ المُبْتاعُ الثمرةَ بعدَ أن تُؤبَّرَ، فالمُبْتاعُ قد اشترى الثمرةَ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها؛ لكن تَبَعًا، كذلك هذا.
والقولُ الثالثُ: أنه يجوزُ ضمانُ الأرضِ والشجرِ جميعًا، وإن كان الشجرُ أكثرَ، وهو قولُ ابنِ عقيلٍ، ومأثورٌ عن عمرَ بنِ الخطابِ في بيعِه حديقةَ أُسَيْدِ لما قَبَّلها (٢) ثلاثَ سنينَ، ووفَّى دينَ أُسَيْدِ بنِ حُضَيرٍ (٣)،
стр. 582
روى ذلك حربٌ في مسائِلِه عن أحمدَ، ورواه أبو زرعة الدمشقيُّ وغيرُهما، وهو معروفٌ عن عمرَ، والحدائقُ التي بالمدينةِ يغلبُ عليها الشجرُ.
وقد ذكَر هذا الأثرَ بعضُ فقهاءِ المغربِ، وزعم أنه خلافُ الإجماعِ؛ وليس بشيءٍ؛ بل ادِّعاءُ الإجماعِ على جوازِه أقربُ، فإن عمرَ فعَلَه بالمدينةِ النبويةِ بمشهدٍ من المهاجرينَ والأنصارِ، واشتَهَر ولم يُنكَرْ، معَ أنهم كانوا يُنكِرونَ ما دونَها على عمرَ، كما أنكَرَ عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ وغيرُه ما فعَلَه عمرُ من متعةِ الحجِّ (١).
والذي فعَلَه عمرُ هو الصوابُ، إذا تدبَّرَ الفقيهُ أصولَ الشريعةِ؛ تبيَّنَ له أنه ليس داخلًا فيما نهى اللهُ عنه لأمورٍ:
أحدُها: أن الأرضَ يمكنُ فيها الإجارةُ، ويمكنُ فيها بيعُ حَبِّها قبلَ أن يشتدَّ، ثمَّ النبيُّ ﷺ لما نهى عن بيعِ الحبِّ حتى يشتدَّ؛ لم يكُنْ ذلك نَهْيًا عن إجارةِ الأرضِ، وإن كان مقصودُ المستأجِرِ هو الحبَّ؛ لأنَّ المستأجر هو الذي يعملُ في الأرضِ حتى يحصِّلَ الحبَّ، بخلافِ المشتري؛ فإنه يشتري حبًّا مجردًا، وعلى البائعِ خدمتُه حتى يتحصَّلَ، فكذلك نَهْيُه عن بيعِ العِنَبِ حتى يسودَّ؛ ليس نَهْيًا عمَّن يأخذُ الشجرَ فيقومُ عليها ويَسْقيها حتى تثمرَ، إنما النهيُ لمن اشترى عينًا (٢) مجردةً
стр. 583
وعلى البائعِ خدمتُها حتى تكملَ، كما يفعلُ المشترونَ للأعيانِ التي تُسمَّى الكرمَ، ولهذا كان هؤلاءِ لا يبيعونَها حتى يبدُوَ صلاحُها، بخلافِ التضمينِ.
الوجهُ الثاني: أن المزارَعةَ على الأرضِ كالمساقاةِ على الشجرِ، وكلاهما جائزٌ عندَ فقهاءِ الحديثِ وإجماعِ الصحابةِ، والذينَ نَهَوا عنها ظنُّوها من بابِ الإجارةِ، وعوَضُها مجهولٌ، وأبو حنيفةَ طرَدَ قياسَه فلم يُجوِّزْها بحالٍ، وأما الشافعيُّ فإنه استثنى ما يحتاجُ إليه؛ كالبياضِ إذا دخل تَبَعًا للشجرِ في المساقاةِ، وكذلك مالكٌ لكن يراعي القلةَ والكثرةَ على أصلِه.
وهؤلاءِ جعلوا المضاربةَ أيضًا خارجةً عن القياسِ؛ ظنًّا أنها من بابِ الإجارةِ بعِوَضٍ مجهولٍ، والتحقيقُ: أن هذه المعاملاتِ هي من بابِ المشاركاتِ، لا من بابِ المؤاجراتِ، فالمضاربةُ والمساقاةُ والمزارعةُ؛ مشاركةُ هذا بنفعِ بَدَنِه وهذا بنفعِ مالِه، وما قسَم اللهُ من الرِّبْحِ كان بينَهما كشريكي العِنانِ.
ولو قيلَ: هي جِعالةٌ؛ كان أشبَهَ؛ لأن الجِعالةَ لا يكونُ العملُ فيها معلومًا، ولكن ليست جِعالةً أيضًا؛ فإن الجَعالةَ يكونُ المقصودُ لأحدِهما من غيرِ جنسِ مقصودِ الآخَرِ، هذا قصدُه ردَّ آبِقِه، وهذا قصدُه الجُعْلَ، بخلافِ المساقاةِ والمزارعةِ والمضاربةِ، هما شريكانِ في جنسِ المقصودِ، وهو الربحُ، مستويانِ في المَغْرمِ والمَغْنمِ، ولهذا وجَب أن يكونَ المشروطُ فيها مشاعًا مقدَّرًا معلومًا، ولو كانت إجارةً أو جِعالةً
стр. 584
لكان أقلُّ الأحوالِ فيها أن يجوزَ كونُ العِوَضِ فيها مقدَّرًا معلومًا لا شائعًا، فلما كان المشروطُ لأحدِهما من جنسِ المشروطِ للآخَرِ؛ عُلِم أنه من بابِ المشاركةِ، كما في العِنانِ، ولو شَرَط لأحدِهما مقدَّرًا من الربحِ أو غيرِه لم يجُزْ؛ لأنه المخابرةُ، فأينَ من يجعلُ ما جاءتْ به السُّنَّةُ موافقًا للأصولِ ممن يجعلُه مخالفًا للأصولِ؟
وإذا كان كذلك؛ فمعلومٌ أنه إذا ساقاه على الشجرِ بجزءٍ من الثمرةِ؛ كما إذا زارَعَه على الأرضِ بجزءٍ من الزرعِ، وضاربه على النقدِ بجزءٍ من الرِّبْحِ؛ فقد جُعِلتِ الثمرةُ من بابِ النَّماءِ، والفائدةُ الحاصلةُ ببدنِ هذا ومالِ هذا، والذي نُهِي عنه من بيعِ الثمرةِ ليس للمشتري عمَلٌ في حصولِه أصلًا؛ بل العملُ كلُّه على البائعِ، فإذا استأجَرَ الأرضَ والشجرَ حتى يحصُلَ له ثمرٌ؛ جاز، كما إذا استأجَرَ الأرضَ حتى يحصُلَ له الزرعُ.
الوجهُ الثالثُ: أن الثمرةَ تجري مَجْرى المنافعِ والفوائدِ في الوقفِ والعاريَّةِ ونحوِهما، فيجوزُ وقفُ الشجرِ لينتفعَ أهلُ الوقفِ بالثمرِ، كما يقفُ الأرضَ، ويجوزُ إعارةُ الشجرِ، كما يجوزُ إفقارُ الظهرِ، وعاريةُ الدارِ، ومنيحةُ اللبنِ.
فإن قيلَ: هذا يقتضي أن الأعيانَ معقودٌ عليها في الإجارةِ.
قيلَ الجواب: أن تقبيلَ الأرضِ والشجرِ ليس هو عقداً على عينٍ، وإنما هو بمنزلةِ إجارةِ الأرضِ ليحصُلَ له الزرعُ؛ لكن العقدَ ورَد على المنافعِ التي هي تشبه هذه الأعيانِ.
стр. 585
ويقالُ ثانيًا: لا نسلِّمُ أن إجارةَ الظِّئْرِ على خلافِ القياسِ، وكيفَ يُقالُ ذلك وليس في القرآنِ إجارةٌ منصوصةٌ في شَريعتِنا إلا إجارةَ الظِّئْرِ، فمن ظنَّ أن الإجارةَ لا تكونُ إلا على المنفعةِ قال ذلك، وليس الأمرُ كذلك؛ بل الإجارةُ تكونُ على كل ما يُستوفَى معَ بقاءِ أصلِه؛ سواءٌ كان عينًا أو منفعةً؛ كالظِّئْرِ ونقعِ البئرِ، فهي يُحدِثُها اللهُ وأصلُها باقٍ، فهي كالمنفعةِ، ولهذا جاز وقفُ هذه الأصولِ لاستثمارِ (١) هذه الفوائدِ؛ أعيانِها ومنافِعِها.
فإن قيلَ: فهذا يقتضي جوازَ إجارةِ الحيوانِ؟
قيلَ: وفي هذه المسألةِ نزاعٌ بينَ العلماءِ أيضًا، والمعارضةُ لا تكونُ بمسألةِ نزاعٍ؛ بل بدليلٍ شرعيٍّ، فإن كلَّ ما ذكَرْنا من دليلٍ يوجبُ صحةَ هذه الإجارةِ؛ لزمَ طَرْدُه.
وإذا لم يتمكَّنِ المستأجِرُ من ازْدِراعِ الأرضِ لآفةٍ حصَلَتْ؛ لم تكُنْ عليه أجرةٌ، وإن نبَت الزرعُ ثم حصَلَتْ آفةٌ سماويةٌ أتلَفَتْه قبلَ التمكُّنِ من حَصادِه؛ ففيه نزاعٌ، نظرًا إلى أن الثمرةَ والمنفعةَ هي المعقودُ عليها، وهنا الزرعُ ليس بمعقودٍ عليه؛ بل المعقودُ عليه المنفعةُ، ومن سوَّى قال: المقصودُ بالإجارةِ هو الزرعُ، فإذا حالَتِ الآفةُ بينَ المقصودِ بالإجارةِ؛ كان قد تلِفَ المقصودُ بالعقدِ قبلَ التمكنِ من قبضِه، والمؤجِرُ وإن لم يعاوِضْ على زرعٍ؛ فقد عاوضَ على المنفعةِ التي يتمكنُ بها من
стр. 586
حصولِ الزرعِ، فإذا حصَلَتِ الآفةُ قبلَ التمكنِ؛ لم تسلمْ له المنفعةُ المعقودُ عليها؛ بل تلِفَتْ قبلَ التمكنِ، ولا فرقَ بينَ تعطُّلِ منفعةِ الأرضِ في أولِ المدةِ أو آخِرِها، وعلى هذا ينبني مسألةُ ضمانِ الحدائِقِ، واللهُ أعلمُ (١).
ومَن لها حُلِيٌّ فأكرَتْه كِراءً مباحًا لمن تتزيَّنُ به لزوجِها أو سيدِها؛ فهو جائزٌ، وكرِهَه مالكٌ وأحمدُ وكثيرٌ من أصحابِهما كراهةَ تَنْزيهٍ.
فإذا أكرَتْه لحاجتِها، وأكَلتْ كِراءَه؛ لم يُنْهَ عنه، وعليها زكاتُه عندَ أكثرِهم؛ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ.
فأما إن أكرَتْه لمن تتزيَّنُ به للرجالِ الأجانبِ؛ فلا يجوزُ، وأشدُّ منه لمن تفعلُه للفاحشةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، ولا يجوزُ إعانةُ أحدٍ على الفاحشةِ، لا بحُلِيٍّ، ولا لباسٍ، ولا مسكنٍ، ولا دابَّةٍ، ولا بغيرِه (٢).
ومَن استأجَرَ ما تكونُ منفعةُ إيجارِه للناسِ ؛ مثلُ: الحمامِ، والفندقِ، والقيساريةِ (٣)، فنقصَتِ المنفعةُ المعروفةُ؛ لنقل جيرته، وقلةِ الزبونِ؛ لخوفٍ أو حربٍ أو تحويلِ ذي سلطانٍ ونحوِه؛ فإنه يُحَطُّ عن
стр. 587
المستأجِرِ من الأجرةِ بقدرِ ما نقَصَ من المنفعةِ؛ سواءٌ رضِيَ الناظرُ وأهلُ الوقفِ أو سخِطوا (١).
الوزانُ بالقَبَّانِ (٢) كالوزنِ بسائرِ الموازينِ، إذا وزن بالعدلِ؛ جاز له أخذُ الأجرةِ ممن وزن له، وإن وزن (٣) باخسًا كان من الظالمينَ المعتدينَ (٤).
إذا أعطاه شمعًا ، وقال: أوْقِدْه، فكلما نقَصَ منه أوقيةٌ فهي بكذا؛ جاز ذلك، كما لو قال: اسكُنْ هذه الدارَ كلَّ يومٍ بكذا، في أظهرِ قولَيِ العلماءِ، فإنه إذنٌ في الإتلافِ على وجهِ الانتفاعِ بعوضٍ، ليس هو من باب الإجارةِ، ولا من بابِ البيعِ اللازمِ؛ بل معاوضةٌ جائزةٌ لا لازمةٌ، كما لو قال: ألْقِ مَتاعَكَ في البحرِ وعليَّ ثمنُه؛ لكن لا بدَّ أن يكونَ الإيقاد في أمرٍ مباحٍ (٥).
стр. 588
وعلى الناظرِ ألا يؤْجِرَ حتى يغلبَ على ظنِّه أنه ليس هناك مَن يزيدُ، وعليه أن يُشهِرَ المكانَ عندَ أهلِ الرغباتِ الذينَ جرَتِ العادةُ باستئجارِهم مثلَ ذلك المكانِ، فإذا فعَل ذلك فقد أَجَره بأجرةِ المثلِ، وهي الإجارةُ الشرعيةُ، فإن حابى به بعضَ أصدقائِه، أو بعضَ مَن له عندَه يدٌ، فأَجَرَه بدونِ أجرةِ المثلِ؛ كان ظالمًا ضامنًا لما نقَصَ أهلَ الوقفِ من أجرةِ المثلِ.
ولو تغيَّرتْ أسعارُ العقارِ بعدَ الإجارةِ الشرعيةِ؛ لم يملكِ الفسخَ بذلك، فإن هذا لا ينضبِطُ ولا يدخُلُ في التكليفِ.
والمنفعةُ بالنسبةِ إلى الزمانِ قد تختلفُ، فتكونُ قيمتُها في الشتاءِ أكثرَ من الصيفِ، وبالعكسِ، فلو قُدِّر أنها انفسَخَتْ في بعضِ الحولِ؛ لَبُسِطَتِ الأجرةُ في مثلِ ذلك بالقيمةِ لا بأجزاءِ الزمانِ، فيقالُ: كم قيمتُه وقتَ الصيفِ، وقيمتُه وقتَ الشتاءِ؟ فتُقسَمُ الأجرةُ على القيمةِ، ويُحسَبُ لكلِّ زمانٍ من الأجرةِ بقدرِ قيمتِه.
والواجبُ على الناظرِ (١) أن يفعلَ مصلحةَ الوقفِ من كِرائِه موايمةً (٢)، أو مُشاهرةً (٣)، أو مُساناةً (٤)، وليس له إخراجُه قبلَ انقضاءِ مدتِه لأجلِ زيادةٍ أو غيرِها.
стр. 589
وما فعَلَه بعضُ متأخِّرِي الفقهاءِ من أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ من التفريقِ بينَ أن يزادَ قدرُ الثلثِ أو أقلُّ؛ فهو قولٌ مُبتدَعٌ، لا أصلَ له عن أحدٍ من الأئمَّةِ، لا في وقفٍ ولا غيره، واللهُ أعلمُ (١).
وإذا كان الوقفُ على جهةٍ عامةٍ؛ جازَتْ إجارتُه بحسَبِ المصلحةِ، ولا يتقدرُ بعددٍ عندَ أكثرِ العلماءِ (٢).
وإذا قال (٣) الزارعُ: أعَرْتَني، فقال المالكُ: بل أجَرْتُكَ، فالقولُ قولُ المالِكِ.
وفي الدابَّةِ روايتانِ؛ قيلَ: قولُ المالِكِ، وقيلَ: قولُ الراكبِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وإذا قُلْنا في الأرضِ مثلًا: القولُ قولُ المالكِ؛ فهل يُطالَبُ بالأجرةِ التي ادَّعاها، أو بأجرةِ المثلِ، أو بالأقلِّ منهما؟ على ثلاثةِ أقوالٍ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه.
وقال مالكٌ: القولُ قولُ المالكِ.
ومنهم من قال: إلا أن يكونَ مثلُه لا يُكرِي الدوابَّ.
стр. 590
وللشافعيِّ فيهما قولانِ بالنقلِ والتخريجِ، فإنه نصَّ في الأرضِ: أن القولَ قولُ المالكِ، وفي الدابَّةِ: قولُ الراكبِ.
وبعضُ أصحابِه قرَّر النصَّيْنِ، وفرَّق: بأن الدابَّةَ يُسمَحُ بعارِيَّتِها، بخلافِ الأرضِ (١).
فَصْلٌ
في فلاحٍ حرَثَ أرضًا ، ثم زرَعَها غيرُه: إذا كانت الأرضُ مقاسمةً؛ لربِّ الأرضِ سهمٌ، وللفلاحِ سهمٌ؛ فإنه يُقْسَمُ نصيبُ الفلاحِ بين الحارثِ والزارعِ على مقدارِ ما بذَلَاه من نفعٍ ومالٍ (٢).
وإذا أَجَرَ الوصِيُّ مدةَ ثلاثينَ سنةً بغيرِ قيمةِ المثلِ، ثم تُوُفِّيَ الوَصِيُّ، وبلَغَتِ المُوصَى عليها؛ فلها أن تفسَخَ الإجارةَ بلا نزاعٍ، وإنما النِّزاعُ: هل تقعُ باطلةً من أصلِها، أو مضمونةً على المؤجرِ؟
أجاب بذلك في رجلٍ تصدَّقَ على ابنْتِه لصُلْبِه، وأسندَ وصِيَّتَه لرجلٍ، فأَجَر مدةَ ثلاثينَ سنةً؛ فأجابَ بذلك (٣).
стр. 591
وإذا أقرَضَه عشرةً على أن يَكْتريَ منه حانوتَه بأكثرَ من أجرةِ المثلِ؛ لم يجُزْ هذا باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ بل لو قرَنَ بينَهما كان باطلًا منهيًّا عنه عندَ أكثرِ العلماءِ (١).
والإقطاعُ نوعانِ:
إقطاعُ تمليكٍ، كما يُقطَعُ المواتُ لمن يُحْيِيه بتملُّكِه.
وإقطاعُ استغلالٍ؛ وهو إقطاعُ منفعةِ الأرضِ لمن شاء أن يستغلَّها، أو يُؤْجِرَها، أو يُزارِعَ عليها.
والإقطاعُ اليومَ من هذا البابِ، فإن المُقطَعِينَ لم يُقطَعوا مجرَّدَ خراجٍ واجبٍ على شيءٍ من الأرضِ بيدِه؛ كالخراجِ الشرعيِّ الذي ضرَبَه عمرُ ﵁ على بلادِ العَنْوةِ (٢)، وكالإجارةِ التي تكونُ في ذِمَّةِ مَن يستأجرُ عقارًا لبيتِ المالِ، فمن أقطَعَ ذلك فقد أقطَعَ خراجًا.
وإذا عُرِف ذلك؛ فإذا انفسَخَ الإقطاعُ في أثناءِ السَّنةِ - إما لموتِ المقطَعِ وإما لغيرِه - وأُقطعَ لغيرِه؛ كانت المنفعةُ الحادثةُ للمقطَعِ الثاني دونَ الأولِ؛ بحيثُ لو كان الأولُ قد أَجَرَ الأرضَ، ثم انفسَخَ إقطاعُه؛ انفسَخَتْ تلك الإجارةُ، كما تنفسِخُ إجارةُ البطنِ إذا انتَقلَ الوقفُ إلى البطنِ الثاني في أصحِّ الوجهَينِ، فإذا انفسَخَ في نصفِ المدةِ؛ كان له
стр. 592
نصفُ المنفعةِ، أو رُبُعِها الأولِ كان للأولِ الربعُ، وللثاني ثلاثةُ أرباعِ المنفعةِ المستحَقَّةِ، والأولُ ليس بغاصبٍ؛ بل هو كالمستأجِرِ؛ بل أَوْلى، فهنا للفقهاءِ ثلاثةُ أقوالٍ:
أحدُها: الزرعُ للمزدرعِ، وعليه الأجرةُ.
والثاني: الزرعُ لربِّ الأرضِ، وعليه ما أنفَقَه الأولُ على زرعِه.
وهذان القولانِ معروفانِ فيمن زرَعَ أرضَ غيرِه بغيرِ إذنِه، وهذا ليس هو غاصبًا؛ لكن بمنزلةِ أنه مما يعد زرَعَ في أرضِ الغيرِ بغيرِ إذنِهِ، فهو كما لو اتَّجَر في مالٍ يظنُّه لنفْسِه، فبان أنه لغيرِه.
وفي هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ، قضَى عمرُ في نظيرِه؛ وهو أصَحُّها، فإنه كان قد اجتَمعَ عندَ أبي موسى مالٌ للمسلمِينَ، يريدُ أن يرسلَه إلى عمرَ، فمَرَّ به ابنا عمرَ، فقال: إني لا أستطيعُ أن أُعطِيَكُما شيئًا، ولكنْ عندي مالٌ أريدُ حملَه إليه، فخُذاه اتَّجِرا به، وأعطوه مثلَ المالِ، فيكون قد انتفَعْتُما، والمالُ حصَلَ عندَه معَ ضمانِكُما له، اشتَريا به بضاعةً، فلما قدِمَا على عمرَ قال: أكلَّ العَسْكرِ أقرَّهم مثلَ ما أقرَّكما؟ فقالا: لا، فقال: ضَعَا الربحَ كلَّه في بيت المالِ، فسكَتَ عبدُ اللهِ، وقال له عُبَيدُ اللهِ: أرأيتَ لو ذهَبَ هذا المالُ؛ أما كان علينا ضَمانُه؟ قال: بلى، فقال: كيفَ يكونُ الربحُ للمسلمِينَ، وعلينا ضمانُه؟ فوقَفَ عمرُ، فقال له الصحابةُ: اجعَلْه مضاربةً بينَهما وبينَ المسلمِينَ، لهما نصفُ الربحِ، وللمسلمِينَ النصفُ، فعمِلَ عمرُ ذلك (١).
стр. 593
وهذا أحسَنُ الأقوالِ التي تنازَعَها الفقهاءُ في مسألةِ التجارةِ بالوديعةِ وغيرِها من مالِ الغيرِ، فإن فيها أربعةَ أقوالٍ لأحمدَ وغيرِه؛ هل الربحُ لبيتِ المالِ (١)، أو للعاملِ، أو يتصدقانِ به، أو يُقسَمُ بينَهما كالمضاربةِ؟
ومسألةُ الإقطاعِ كذلك، فإنه زرَعَ الأرضَ يظنُّها لنفْسِه، فتبيَّنَ أنها أو بعضَها لغيرِه، فجُعل الزرعُ بينَهما مزارعةً، والمزارعةُ المطلقةُ تكونُ مشاطرةً، فجُعل للأولِ نصفُ الزرعِ، كالعاملِ في المزارعةِ، ويُجعل النصفُ الثاني للمنفعةِ المقطعةِ، والأولُ قد استحقَّ ربعَها، فيُجعَلُ له النصفُ ورُبُعُ النصفِ بناءً على ما ذكَرْنا، وللثاني ثلاثةُ أرباعِ النصفِ، وهذا أعدلُ الأقوالِ في مثلِ هذه المسألةِ.
وتضَمَّنَ ذلك: أن المزارعةَ يكونُ الزرعُ فيها من العاملِ؛ وهو الصوابُ، كما عامَلَ أهلَ خَيْبرَ.
وأما القوةُ التي تُجعَلُ في الأرضِ؛ فإنها ليست قرضًا محضًا كما يظنُّه بعضُهم، فإن القرضَ المُطلَقَ يَتصرَّفُ فيه بما أرادَ، وهذه القوةُ مشروطةٌ على من يقبِضُها أن يبذُرَها في الأرضِ، ليس له التصرفُ فيها بغيرِ ذلك، فقد جُعِلتْ قوةٌ في الأرضِ ينتفعُ بها كلُّ من يستعملُ الأرضَ من مقطَعٍ وعاملٍ؛ إذ مصلحةُ الأرضِ لا تقومُ إلا بذلك، ولهذا يُقالُ: مَن دخَل على قوةٍ خرَجَ على نظيرِها.
стр. 594
وحقيقةُ الأمرِ: أن السلطانَ اشترطَ على المقاطِعَةِ (١) أن يَتركوا في الأرضِ قوةً، وإذا كان الأولُ قد تركَ فيها قوةً، والثاني محتاجٌ إليها، فرأى وليٌّ من ولاةِ الأمرِ أن يجعلَ عطاءَها للأولِ بقسطه بحسَبِ المصلحةِ؛ جاز ذلك، وإذا جرَتِ العادةُ بأن مَن دخَل على قوةٍ خرَج على نظيرِها، ومَن أعطى قوةً من عندِه واستوفاها مؤجلةً؛ كان إقطاعُ وليِّ الأمرِ بهذا الشرطِ، وذلك جائزٌ، فإن الزرعَ إنما ملكَه بالإقطاعِ، وإقطاعُ وليِّ الأمرِ بمنزلةِ قسمةِ بيتِ مالِ المسلمِينَ.
وليست قسمةُ الأموالِ السلطانيةِ بمنزلةِ قسمةِ المالِ بينَ الشركاءِ المُعيَّنينَ؛ لأن قسمةَ المالِ بينَ الشركاءِ مثلُ قسمةِ الميراثِ، يُقسَمُ بينَهم كلُّ صنفٍ إن قبِلَ القسمةَ؛ وإلا بِيعَ وقُسِم ثمنُه عندَ أكثرِ الفقهاءِ؛ كمالكٍ وأحمدَ وأبي حنيفةَ، وليس لأحدِ الشريكَيْنِ أن يختصَّ بصنفٍ.
وأما أموالُ الفَيْءِ؛ فللإمامِ أن يخُصَّ طائفةً بصنفٍ، وطائفةً بصنفٍ آخَرَ، وكذلك في المغانِمِ على الصحيحِ، كما يجوزُ تفضيلُ بعضِ الغانِمِينَ لمنفعته على الصحيحِ، فمالُ الفَيْءِ يُستحَقُّ بحسَبِ الحاجةِ والمقاتلةِ، فيجبُ أن يُقسَمَ بالعدلِ، كما يجبُ العدلُ على كلِّ حاكمٍ وكلِّ قاسمٍ؛ لكنْ إذا قُدِّر أن الحاكمَ أو القاسمَ ليس عدلًا؛ لم تبطُلْ جميعُ أحكامِه وقَسْمُه على الصحيحِ الذي عليه السَّلَفُ؛ فإنه قد ثبَتَ عنه ﷺ : أنه أمَر بطاعةِ وُلاةِ الأمورِ معَ جَوْرِهم (٢)، فإذا أمَرَ بالمعروفِ؛
стр. 595
وجَبَ طاعتُه وإن كان ظالمًا، وإذا حكَم حكمًا عدلًا، وقسَم قسمًا عدلًا؛ كان من العدلِ الذي يجبُ طاعتُه، والظالِمُ لو قسَم ميراثًا بينَ مستَحِقِّيه بكتابِ اللهِ؛ كان عدلًا بإجماعِ المسلمِينَ، ولو قسم مغنمًا بينَ الغانِمِينَ بالحقِّ؛ كان عدلًا بالإجماعِ، ولو حكَم لمدعٍّ ببينةٍ عادلةٍ لا تُعارَض؛ كان عدلاً، تجبُ طاعتُه فيه.
وأما إن كانت القسمةُ غيرَ عادلةٍ؛ مثلُ: أن يُعطِيَ بعضَ الناسِ فوقَ ما يستحِقُّ، أو ينقُصَ بعضَهم؛ فهذا من الأَثَرةِ التي ذكَرَها رسولُ اللهِ ﷺ ؛ حيثُ قال: «على المسلمِ السمعُ والطاعةُ في عُسْرِه ويُسْرِه، ومَنْشَطِه ومَكْرَهِه، وأَثَرةٍ عليه؛ ما لم يُؤمَرْ بمعصيةٍ» (١)، ومعلومٌ أن هذا ما زال في وُلاةِ الأمرِ، وإنما يُستثنَى الخلفاءُ الراشدونَ ومَن اتَّبَعَهم.
وليس لقائلٍ أن يقولَ: آخُذُه بمجرَّدِ الاستيلاءِ، كما لو لم يكُنْ حاكمٌ ولا قاسمٌ، فإنه على نفوذِ هذه المقالةِ تبطُلُ الأحكامُ والأعطيةُ التي فعَلَها ولاةُ الأمورِ جميعُهم غيرَ الخلفاءِ، وحينئذٍ تسقُطُ طاعةُ ولاةِ الأمورِ، إذ لا فرقَ بينَ حُكمٍ وقَسْمٍ وبينَ عدمِه، وفي ذلك من الفسادِ في العقلِ والدينِ ما لا يخفى، فإنه لو فُتِح ذلك أَفْضى الفسادُ إلى ما هو أعظمُ من ظلمِ الظالمِ، ثم كان كلُّ واحدٍ يظُنُّ أن ما يأخُذُه حقُّه، وليس للإنسانِ أن يكونَ حاكمًا لنفْسِه، ولا شاهدًا لها، فكيفَ يكونُ قاسمًا لها؟! ولو كان على ما يظنُّه الجاهلُ لكان وجودُ السلطانِ كعدمِه، وهذا لا يقولُه عاقلٌ؛ بل قال العقلاءُ: (ستُّونَ سنةً من سلطانٍ ظالِمٍ؛ خيرٌ من
стр. 596
ليلةٍ بلا سلطانٍ)، وما أحسَنَ قولَ عبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ:
لولا الأئمَّةُ لم تأمَنْ لنا سُبُلٌ وكان أضعَفُنا نَهْبًا لأَقْوانا (١)
وتجوزُ إجارةُ المقصبةِ (٢) ليقومَ عليها المستأجِرُ، ويسقِيَها، فتنبتُ العروقُ التي فيها، بمنزلةِ من يسقي الأرضَ ليَنبُتَ له فيها الكَلَأُ بلا بَذْرٍ (٣).
فصل
ثبَتَ «أن رسولَ اللهِ ﷺ احتَجمَ ، وأعطى الحجَّامَ أجْرَه» (٤)، ولو كان سُحْتًا لم يُعْطِه إيَّاه، ولا رَيْبَ أن الحجَّامَ إذا حجَمَ استحقَّ أجرةَ حجمِه عندَ جماهيرِ العلماءِ، وفيه قولٌ ضعيفٌ بخلافِ ذلك، وقد أُرخِصَ له أن يعلِفَه ناضِحَه، ويُطعِمَه رقيقَه، كما رُوِي ذلكَ عنه ﷺ (٥)،
стр. 597
وبذلك احتجَّ أكثرُ العلماءِ على أنه لا يحرُمُ، وإنما يُكرَهُ للخبرِ تَنْزيهًا؛ لأنه لا يأمرُ بإطعامِ الحرامِ للرقيقِ.
وقيلَ: بل يحرُمُ؛ لما روى مسلمٌ أنه قال: «كَسْبُ الحجَّامِ خبيثٌ» (١)، و «نهى عن ثمنِ الدمِ» (٢).
قال الأولونَ: قد قال: «مَن أكَلَ من هذينِ الشجرتينِ الخبيثتينِ؛ فلا يقرَبَنَّ مسجِدَنا» (٣)، فسمَّاهما خبيثتينِ لخُبْثِ رِيحِهما، وليستا حرامًا، وقال: «لا يُصلِّيَنَّ أحدُكم وهو يُدافِعُ الأخْبَثينِ» (٤)، فتكونُ تسميتُه خبيثًا لملاقاةِ صاحبِه النجاسةَ، لا لتحريمِه، بدليلِ أنه أَعطَى الحجَّامَ أجرَه، وأذِنَ أن يُطعِمَه الرقيقَ والبهائمَ، ومهرُ البَغِيِّ لا يُطعِمُه رقيقًا.
وبكلِّ حالٍ؛ فحالُ المحتاجِ إليهِ ليس كحالِ المستغني عنه، كما قال بعضُ السَّلَفِ: (كَسْبٌ فيه بعضُ الدناءةِ خيرٌ من مسألةِ الناسِ).
ولهذا تنازَعَ الناسُ في أخذِ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ ونحوِه؛ على ثلاثةِ أقوالٍ؛ لأحمدَ وغيرِه، أعدلُها: أنه يُباحُ للمحتاجِ؛ قال أحمدُ: (أجرةُ التعليمِ خيرٌ من جوائزِ السلطانِ، وجوائزُ السلطانِ خيرٌ من صلةِ الإخوانِ).
стр. 598
وأصولُ الشريعةِ تُفرِّقُ في المنهياتِ بينَ المحتاجِ وغيرِه؛ كما في المأموراتِ، فأُبيحَتِ المحرماتُ عندَ الضرورةِ؛ لا سيَّما إذا قُدِّر أنه يعدلُ عن ذلك إلى سؤالِ الناسِ، فالمسألةُ أشَدُّ تحريمًا، ولهذا قال العلماءُ: يجبُ أداءُ الواجباتِ وإن لم يقُمْ إلا بالشبهاتِ، كما سُئِلَ أحمدُ، سأله رجلٌ فقال: إن ابنًا لي مات، وعليه دينٌ، وله ديونٌ أكرهُ تقاضيها، فقال له: أتدَعُ ذِمَّةَ ابنِكَ مُرتَهَنةً؟!
ولهذا اتَّفقَ العلماءُ على أنه يُرزَقُ الحاكمُ وأمثالُه عندَ الحاجةِ، وتَنازَعوا في الرزقِ عندَ عدَمِها، وأصلُه: وليُّ اليتيمِ، قال تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾؛ إذ الشريعةُ مَبْناها على تحصيلِ المصالحِ وتكميلِها، وتعطيلِ المفاسدِ وتقليلِها، والوَرَعُ ترجيحُ خيرِ الخيرينِ بتفويتِ أدناهما، ودفعُ شرِّ الشرَّيْنِ وإن حصَل أَدْناهما.
وقد جاء في الحجامةِ أحاديثُ كثيرةٌ، وفي الصحيحِ أنه قال: «شِفاءُ أُمَّتي في ثلاثٍ: شربةِ عسلٍ، أو شرطةِ مِحْجمٍ، أو كَيَّةِ نارٍ، وما أُحِبُّ أن أَكْتوِيَ» (١)، والتداوي بالحجامةِ جائزٌ بالسُّنَّةِ المتواترةِ، وإجماعِ العلماءِ (٢).
وإذا جاء من يختمُ القماشَ بدراهمَ يدفعُها عن دَينِهِ، وذكَر أنها من
стр. 599
غيرِ كَسْبِه، وغلَب على الظنِّ صدقُه؛ جاز أخْذُها، وإن لم يغلبْ على الظنِّ كذِبُه؛ جاز تصديقُه إذا لم يُعرَفْ كذِبُه (١).
وأيُّ الأمرينِ أفضلُ في دابَّةٍ تنقلُ (٢) الناس: أن تُؤخَذَ أجرةٌ، ويُتصدَّقَ بها، أو ينقلَ (٣) بلا أجرةٍ؟
إن كانوا فقراءَ فتركُه لهم أفضلُ، وإن كانوا أغنياءَ وهناك محتاجٌ؛ فأخذُه لأجلِ المحتاجِ أفضلُ (٤).
ومَن استأجَرَ أجيرًا يعملُ في بستانٍ ، فتركَ العملَ المشروطَ عليه من غيرِ عذرٍ، فتلِفَ من المالِ شيءٌ: ضمِنَ ما تلِفَ بسببِ تفريطِه (٥).
ومَن استأجَرَ أرضًا فمات ، والأجرةُ مقسَّطةٌ؛ فلا يجبُ على أولادِه تعجيلُ جميعِ الأجرةِ؛ لكن إذا لم يُوثِّقوا؛ فلهم أن يطالِبوهم بمن يضمَنُ لهم الأجرةَ في أقساطِها، وهذا على قولُ مَن يقولُ: لا يحلُّ الدينُ المؤجلُ بموتِ مَن هو عليه؛ ظاهر.
стр. 600
وأما على قولِ مَن يقولُ: إنه يحِلُّ؛ فكذلك هنا على الصحيحِ من قولَيِ العلماءِ؛ لأن الوارثَ الذي ورِثَ المنفعةَ؛ عليه أجرةُ تلك المنفعةِ التي استوفاها؛ بحيثُ لو كان على الميتِ ديونٌ لم يكُنْ للوارثِ أن يختصَّ بمنفعةٍ، ويزاحمَ أهلَ الدَّينِ بالأجرةِ؛ بناءً على أنها من الديونِ التي على الميتِ، كما لو كان الدَّين ثمنَ مبيعٍ نافذٍ، بمنزلةِ أن تنتقلَ المنفعةُ إلى مشترٍ أو مُتَّهبٍ؛ مثلُ: أن يبيعَ الأرضَ، أو يَهَبَها، أو تورَثَ عنه، فإن الأرضَ من حينِ الانتقالِ تلزَمُ المشتريَ والمُتَّهَبَ والولدَ؛ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، كما عليه عملُ المسلمِينَ، فإنهم يُطالِبونَ المشتريَ والوارثَ بالحِكْرِ قسطًا، لا يطلبونَ الحِكْرَ جميعَه من البائعِ أو تَرِكةِ الميتِ، وذلك لأن المنافعَ لا تستقِرُّ الأجرةُ إلا باستيفائها، فلو تلِفتِ المنافعُ قبلَ الاستيفاءِ؛ سقَطتِ الأجرةُ باتِّفاقٍ، ولهذا كان مذهَبُ أبي حنيفةَ وغيرِه أن الأجرةَ لا تُملَكُ بالعقدِ؛ بل بالاستيفاءِ، ولا تُملَكُ المطالبةُ إلا شيئًا فشيئًا، ولهذا قال: إن الإجارةَ تنفسِخُ بالموتِ.
والشافعيُّ وأحمدُ وإن قالا: تُملَكُ بالعقدِ، وتُملَكُ المطالبةُ بها إذا سلَّمَ العينَ؛ فلا نزاعَ أنها لا تسقطُ إلا باستيفاءٍ (١)، ولا نزاعَ أنها إذا كانت مؤجلةً؛ لم تُطلَبْ إلا عندَ محلِّ الأجلِ، فإذا كُلِّف الوارثُ أن يُعجِّلَ الأجرةَ التي لم تجبْ إلا مؤخَّرةً، معَ تأخيرِ استيفاءِ حقِّه من المنفعةِ؛ كان هذا ظالمًا له، مخالِفًا للعدلِ الذي هو مَبْنى المعاوضةِ، وإذا لم يرْضَ الوارثُ بأن تجبَ عليه الأجرةُ، وقال المؤْجِرُ: أنا ما